أن السهروردى قد أورد نصا كاملا دقيقا عن التشبيه الخاص بالزارع الذى يبذر البذور.
وقد اشتملت رسائل إخوان الصفاء على فقرات ممتعة عن صلب المسيح يفترضون صحتها، وكذلك عن البعث واجتماع الرسل فى العشاء الأخير وانتشارهم فى الأرض. وذكروا صراحة أفعال الرسل باسم أفعال الحواريين (١٢).
والمؤلفات الفلسفية تحتوى كذلك على طائفة كبيرة من المناظرات التى جرت بين المسلمين والنصارى. وحسبنا أن ذكر هنا أَبا على عيسى بن زرعة الذى كتب فى سنة ٣٨٧ هـ ردا على أبى القاسم عبد الله بن أحمد البلخي، وكذلك يحيى ابن عدي وهو من علماء النصارى وكان من تلاميذ الفارابى، فإنه كتب دفاعا عن المسيحية أهداه إلى الشيخ أبى عيسى محمد بن الوراق. كما رد على اعتراض الكندى على القول بالتثليث.
والمسلمون على وجه عام يحترمون الأناجيل ويبجلون عيسى [﵇] ومريم.
المصادر:
يمكن الرجوع إلى المصادر التالية فيما يختص بالترجمات العربية النصرانية:
(١) Verions arabes des Evan-: Guidi giles فى - Atti de l'Acade. de: Lincen Sci philosophiques ences morales et، المجموعة الرابعة، جـ ٤، سنة ١٨٨٨.
(٢) Die christilch arabische: G. Graf Literatur bis zur frankischen Zeit فرايبورغ سنة ١٩٠٥.
(٣) Beitr zur christl. -: H. Goussen .arab Literaturgesch., Die christlarab Litt. der Mozoraber جـ ٤ ليبسك سنة ١٩٠٩.
(٤) Die Uberlieferung: S.Euringer -der arab. Ubers des Diatessarons, Bib lische Studien جـ ١٧، الكتاب الثانى، برلين سنة ١٩١٢.
(٥) K.Vollers et E.von Dobschutz: . Ein. spanisch - arab. Evangelienfrag فى - Zeitschrift der Deutsch. Morgenl Ge sellsch، جـ ٥٦، ص ٦٣٣؛ وانظر كذلك مادة "ابن العسال".
стр. 1262
(٦) De Evangelis in: Gildemeister arabicum et Simplici Syriaca translatis commentatio academica، بون ١٨٦٥.
ويمكن الرجوع إلى المصادر التالية فيما يختص بالمناقشات حول الإنجيل:
(١) Disputatio Pro-: Van den Ham religione Mohammedanorum adversus Christianos ليدن سنة ١٨٩٠.
(١١) Uber Mu-: Goldziher -hammedanische Polemik gegen Ahl al Kitab فى. Zeitschr. d. Deutsch. Morgenl، . Gesells جـ ٣٢ , ص ٣٤١.
ويمكن الرجوع إلى المصادر التالية عن أثر العهد الجديد فى الحديث:
(١) Mohammedanische: Goldziher Studien جـ ٢، ص ٣٨٢ ومابعدها، Ha- dith und Neues Testament.
(١) المؤلف نفسه Neutestamentl Ele- mente in der Traditionslitt. des Islam فى Oriens christianus ١٩٠٢، ص ٣٩٠ وما بعدها.
ويرجع إلى المصادر التالية عن الأناجيل المنحولة:
(١) إنجيل الصبوة، Evang. In- fantiae طبعة سيك H.Sike , أترخت سنة ١٦٩٧.
(٢) Codex apocrnov Test: Thilo, الطبعة الثانية، باريس سنة ١٨٦٣.
(٣) Les Evangiles ap-: G. Brunet ocryphes الطبعة الثانية، باريس ١٧٦٣.
(٤) Litt. Syriaque: R.Duval, الطبعة الثانية، باريس ١٩٠٠.
(٥) P.Dib فى La Revue de l'Orient Chretien سنة ١٩٠٥، ص ٤١٨ - ٤٢٣ وهو يستشهد بالترجمات العربية للعهد الجديد المنقولة عن القبطية والسريانية.
ويرجع إلى المصادر التالية عن الشعراء:
(١) Poetes arabes: P.L.Cheikho Chretiens، بيروت سنة ١٨٩٠ - ١٨٩١.
(٢) Le chantre des Om-: Lammens iades فى. Journ Asiat، المجموعة التاسعة جـ ٤، عام ١٨٩٤.
стр. 1263
(٣) Une nouvelle: Clement Huart source du Qoran فى Journ. Asiat المجموعة العاشرة، عام ١٩٠٤.
(٤) Umaiya ibn Abi-S.Salt: Power فى faculte Orientale Melanges de la جـ ١، ص ١٩٧ وما بعدها، بيروت سنة ١٩٠٦.
المصادر المذكورة فى صلب المادة:
(١) اليعقوبى، طبعة هوتسما، جـ ١، ص ٧٤ - ٨٩.
(٢) Der Auszug aus den: Klamroth -Ya ,Evangelien bei dem arab. Historiker -kubi, Festschrz. Einweihung des Wilhelm Gymnasium، همبورغ سنة ١٨٨٥.
(٣) G.Smit: bij Bijbel en Legende schrijver Yakubi den Arabischen, ليدن سنة ١٩٠٧.
(٤) المسعودى، ترجمته وطبعه Pavet de Courteille و Bardier de Meynard .
(٥) البيرونى: الآثار الباقية عن القرون الخالية، Chronology ترجمة Sa- Chau.
(٦) تاريخ الطبرى، ترجمة Zo- tendberg ١٨٦٧ - ١٨٧٤.
(٧) السهروردى: عوارف المعارف على هامش إحياء علوم الدين للغزالى، القاهرة سنة ١٣١٢ هـ.
(٨) Die Abhandlunhen der Ichwan es-Safa طبعة Dieterici, برلين سنة ١٨٨٦، ص ٥٩٤ وما بعدها.
[كارا ده فو B.Carra De Vaux]
تعليق على مادة "إنجيل"
مما لا ريب فيه أن القرآن حاج اليهود والنصارى حجاجا دينيًا قويًا فى مواضع كثيرة، وصحح لهم كثيرًا من عقائدهم وسلوكهم التى كانوا يظنونها دينا، وأبان لهم عن وجه الحق فيها.
وإن هذا الموقف الدينى الذى وقفه القرآن لا يستطيعه إلا أحد رجلين: إما رجل عكف طيلة حياته على درس الشئون الدينية والكتب السماوية ورأى أقوال أساطين الدين والشراح، وساير العقيدة وتطورها فى عصورها المختلفة،
стр. 1264
وما دخل عليها من التشويه والتحريف وكان له مع ذلك بصر نافذ، يبطل الباطل، ويحق الحق. وهذا أيضًا ربما لا يقارب ما وصل إليه القرآن الكريم, لأن هذا الحق الذى أظهره فى الدينين اليهوديّ والمسيحى قد غشيته سحب كثيرة من الأباطيل، وطال عليه الأمد، فظن دينا، وقد حالت هذه الغواشى بين الناظر وبين الوصول إلى هذا الحق.
وإما رجل ينطق عن الله العالم بكل شئ، الذى رأى شرعه قد تلاعبت به ظلمات البشر، وغشيه سحاب مركوم، فنطق على لسان من أيده بإرجاع الحق إلى نصابه والنظرية الإسلامية تعتقد الثانى، والمخالفون يعتقدون الأول، وقد حاول المخالفون أن يرجعوا ما جاء فى القرآن الكريم إلى تعليم، وما فى هذا الفصل بعض هذه المحاولات.
ونحن نلاحظ أنه لما أعجز الكاتبين أن يثبتوا أن محمدًا [ ﷺ ] قد درس الإنجيل جمعوا بينه وبين المسلمين، وأخذوا يثبتوا أنهم كانوا على علم بالإنجيل.
وكل ما أتوا به من أدلة لا يثبت أن محمدًا [ ﷺ ] كان يعلم الإنجيل، وإنما يثبت أن بعض المسلمين فى عصور متأخرة كانوا يعلمونه؛ لأن أقدم ترجمة عربية باعترافهم -وهى أقدم من تلك الترجمة التى تمت فى عهد متقدم جدا- كانت كما نقلوا عن ابن العبرى بين سنة ٦٣١ وسنة ٦٤١, ومحمد [ ﷺ ] ولد فى يوم ٢٠ أبريل سنة ٥٧١ م وتوفى يوم ٨ يونيو سنة ٦٣٢ م، فالترجمة التى ذكروها لم تتم فى عهده ولم ينتفع بها فى الجدال الذى احتدم بينه وبين أهل الأديان المخالفة طول عمره.
وكل ما شككوا به ليصلوا إلى أن محمدًا [ ﷺ ] كان يعلم الإنجيل تدفعه سيرته وحياته التى عرفت بالتفصيل لا بالجملة. فقد نشأ أميًا بين أميين لا علم يدرسونه، ولا كتب يقرءونها, ولا أساتذة تثقفهم، ولا فلاسفة تعلمهم، ثم قال لهؤلاء الدارسين الكاتبين أهل الذكر والعلم: إلىّ إلىّ، أصحح لكم عقائدكم، وأنقح لكم تاريخكم، وأهذب لكم علومكم، وأضعكم على الجادة التى
стр. 1265
كنتم عليها يوم نزل دينكم. وقد وفى بما قال وكان عندما وعد، وما ذاك إلا أنه من عند مَن علّم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم.
﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾.
محمد عرفة
تعليقات على مادة "إنجيل"
(١) أى بفتح الهمزة وبكسرها، أما الكسر فإنه اللغة المعروفة والقراءة المشهورة فى القرآن. وأما الفتح فإنه روى عن الحسن أنه قرأ (وليحكم أهل الأنجيل [٥: ٤٧]. قال الزمخشري فى الكشاف (١: ٣٤٢ طبعة مصطفى محمد): "فإن صح عنه فلأنه أعجمى خرج لعجمته عن زنات العربية".
وقال صاحب اللسان: "وليس هذا المثال فى كلام العرب. قال الزجاج: ولقائل أن يقول: هو اسم أعجمى، فلا ينكر أن يقع بفتح الهمزة, لأن كثيرا من الأمثلة العجمية يخالف الأمثلة العربية".
وهذه القراءة المنسوبة للحسن فى الكشاف واللسان لم أجد لها إسنادًا يؤيد صحة روايتها, وليست فيما حكى من القراءات الشاذة التى اطلعنا عليها، فهى لغة ضعيفة وقراءة غير جائزة. والعرب إذا عرّبت الأعلام اجتهدت فى صوغها على أوزان كلماتها، أو تصرفت فى كثير من حروفها حتى تدمجها فى لغتها، إنقاء للعربية من لكنة اللغات الأعجمية، وحرصا على ألسنة العرب أن تشيع فيها الرطانة الأعجمية. خلافا للقاعدة التى وضعها مجمع اللغة العربية (انظر مجلة الرسالة فى السنة الرابعة ص ٥٥٨) وهى قاعدة ظاهرة الغلط، ولعلنا نوفق إلى تفصيل ذلك فى مقام آخر إن شاء الله. فهذه الكلمة بكسر الهمزة ليست تحريفًا للكلمة اليونانية كما زعم الكاتب، وغنما هى نقل عنها على ما اعتاده العرب فى نقل الأعلام.
(٢) لم نجد فيما بين أيدينا من كتب التاريخ أميرا يسمى "عمرو بن سعد"، ونقل ابن العبرى لا يكفى فى إثبات مثل
стр. 1266
هذا إذا لم يوجد ما يؤيده من المصادر الأخرى الموثوق بها.
(٣) يريد الكاتب بكتاب ابن إسحاق: سيرة ابن هشام التى روى فيها كتاب ابن إسحاق، والعبارة التى أشار إليها لا يمكن أن يفهم منها أنها منقولة من ترجمة تمت قبل الإسلام، بل الراجح من فهمها أنها قطعة ترجمها بعض الناس ولم ينقلها من كتاب مكتوب مترجم, لأنه يقول بالحرف الواحد: "وقد كان فيما بلغني عما كان وَضَعَ عيسى بن مريم فيما جاءه من الله فى الإنجيل لأهل الإنجيل من صفة رسول الله [ ﷺ ] مما أثبت يُحَنَّس الحوارى لهم حين نسخ لهم الإنجيل من عهد عيسى ابن مريم فى رسول الله [ ﷺ ] أنه قال" إلخ. فهذا التعبير- عند من يفهم العربية ويعرف طرق المتقدمين فى الرواية والنقل- يعلم منه أن بعض الناس نقل من الإنجيل البشارة بمحمد ﷺ إلى العربية فى عصر ابن إسحق, وبلغ ذلك ابن إسحق، إما من المترجم وإما من غيره نقلا عنه. ولذلك لم بسم الذى أبلغه، إذ كانوا لا يحتجون فى كتبهم وروايتهم إلا بأهل العدالة والثقة من المسلمين، فهؤلاء الذين يذكرون من شيوخهم فى الرواية بأسمائهم. ولو كانت كما يزعم شبرنكر منقولة من ترجمة للإنجيل قبل الإسلام لما تحرج ابن إسحق من ذكر ذلك صريحا، إذ يراه برهانا أقوى وتأييدًا كاملًا للبشارة الصحيحة بالنبى ﵇. وكلمة "المُنْحَمنّا" ضبطت فى طبعة وستنفلد بضم الميم الأولى وبفتحها مع إسكان النون وفتح الحاء المهملة وفتح الميم الثانية وتشديد النون، ولسنا نجزم بصحة هذا الضبط أو خطئه.
(٤) دعوى الكاتب أن زيد بن عمرو ابن نفيل كان يسمع من القصص فى حانات الحيرة- دعوى لم نجد ما يؤيدها, ولم نر نقل ذلك فيما بين أيدينا من المصادر، فلا ندرى من أين جاء بها، ولعلها من إلقاء القول على عواهنه. وانظر ترجمته فى الإصابة (٣: ٣١ - ٣٢) والأغانى (٣: ١٢٣ - ١٢٨ طبعة دار الكتب المصرية) (٥) هذه هى الترجمة الحرفية لكلام الكاتب، ولسنا نعرف ماذا يريد بهذا
стр. 1267
الكلام ولا إلام يشير من مواضع الأسفار التى يسمونها الأناجيل. وأما الآية التى أشار إليها فنصها: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾. والشطء -بفتح الشين وإسكان الطاء، وبفتح الطاء أيضًا مع المد وبدون المد: هو فراخ السنبلة أو النخلة التى تنبت حول الأصل.
(١) هذا الكلام مبهم وغير محدود المعنى، إنما هو ادعاء أن هناك أشياء من الإنجيل كانت شائعة فى العصر الذى نشأ فيه النبى [ ﷺ ] ولن يستطيع الكاتب ولا غيره أن يقيم أى برهان تاريخى يؤيد هذا الذى يدعيه.
ثم ماذا يريد بالأخبار الخاصة بالبشارة؟ أيريد بها بشارة المسيح ﵇ بمحمد [ ﷺ ]؟ ! أم يريد شيئًا آخر عجز عن الإفصاح عنه؟ ! اللهم غفرا.
(٧) ليس فى القرآن الكريم تسمية المسيح ﵇ بآدم الثانى، ولا ما يقرب من هذا المعنى. ويظهر أن الكاتب لم يفهم معنى الآية التى يشير إليها، ونصها: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. فهذا تشبيه عيسى بآدم فى بدء خلق كل منهما، إذ خلق آدم من غير أبى ولا أم، وخلق عيسى من غير أب وإن كان له أم. فعيسى يشبه آدم من وجه دون وجه فى هذا المعنى، ولا يكون ذلك إشارة إلى تسميته "آدم الثانى" ولا مسوغا لها.
وإنما الآية جاءت فى الرد على النصارى الذين غلوا فى عيسى وادعوا أنه ابن الله، وجعلوا له شيئًا من صفات الألوهية، وغلوا فى دينهم كما قال الله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ
стр. 1268
انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ .. ﴾، سورة النساء الآية ١٧١. فأقام الله عليهم الحجة ورد عليهم حين غلوا فى شأنه إذ ولد من غير فحل، بأن آدم -وهم يؤمنون به وببدء خلقه-: شأنه أغرب, لأنه خلق من غير فحل ومن غير وعاء.
(٨) لا ندرى ماذا يريد الكاتب بهذه العبارة الخارجة عن حدود البحث العلمى.
فإن "جبريل" عَلَم على ملك كريم، آمن المسلمون بوجود. عن إخبار الله لهم فى كتابه، وعن أخبار رسوله محمد ﷺ ، وهو من الغيب الذى أمروا بالإيمان به، وكذلك آمن به أهل الأديان السماوية الأخرى. والقرآن الكريم نزل بلغة العرب، والرسول خاطب الناس بها، وفى لغة العرب كلمة "روح" وكلمة "قدس" وهما معروفتا المعنى عندهم، وتأتى كلمة "القدس" وصفا لغيرها، وقد يضاف الموصوف إلى صفته فى لغة العرب، وبذلك كان معنى "روح القدس": الروح المقدسة الطاهرة أو نحو ذلك. قال الزمخشرى فى الكشاف (١: ٨٠ طبعة مصطفى محمد): "بروح القدس: بالروح المقدسة، كما تقول حاتم الجود، ورجل صدق، ووصفها بالقدس كما قال: وروح منه: فوصفه بالاختصاص والتقريب -: للكرامة". فإطلاق هذا التعبير على جبريل لا يزيد على أنه وصف له بأنه روح مقدسة مطهرة، بمقتضى وضع العرب الألفاظ للمعانى، وليس فى هذا الإطلاق أى تداخل بين المعاني حتى يسيغ الكاتب لنفسه أن يعبر عن الرسول الكريم هذا التعبير السيئ المنكر، وكأنه يزعم لنفسه -وهو الأجنبى عن لغة العرب- أنه أعلم بها من أهلها, وليس بنافعه ذلك شيئًا إلا أن يدل القارئين على مقدار علمه بما يكتب، كما فعل أخ له من قبل، رددنا عليه فيما مضى.
وأما الاصطلاح المسيحى فى إطلاق كلمة "روح القدس" فإنه استعمال خاطئ، لا يكون حجة على القرآن الكريم، ولا على لغة العرب، وذلك: أن النصارى يزعمون أن إلههم ثلاثة أقانيم -تعالى الله عن ذلك علوا كبيرًا- ولهذه الأقانيم فى لغاتهم - العبرية أو
стр. 1269
السريانية أو اللاتينية أو اليونانية أو ما شئت من لغات- ألفاظ تدل على هذه المعاني التى يريدونها، فجاء منهم الذين ترجموا أقوالهم وكتبهم وعلومهم وترجموا هذه المعاني المدلول عليها بألفاظ أعجمية، فأطلقوا عليها ألفاظا عربية لها معان أخرى فى لغة العرب. فسموا هذه "الأقانيم": "الأب والابن وروح القدس"، وكانت هذه الترجمة، وكان هذا الإطلاق بعد ظهور الإسلام وانتشاره، وكان ذلك من أناس ليسوا من العرب الخلص، وليسوا حجة فى اللغة العربية، فلا يكون عملهم أكثر من أنه خطأ صرف، ولا يكون حجة على لغة العرب، ولا على الاستعمال العربى للألفاظ، فضلًا عن أن يكون حجة على القرآن الكريم، وعلى سيد العرب وأفصحهم محمد ﷺ . وهذا واضح بديهى لا يحتاج إلى شرح وتفصيل: لغة أطلق فيها ألفاظ على معان، ثم يأتي ناس من غير أهلها ويطلقون بعض ألفاظها على معان أخرى غير ما دلت عليه فى تلك اللغة: أيكون ذلك دليلا على خطأ اللغة الأصلية؟ أم يكون دليلا على جهل الناقل وخطئه فقط؟ !
وأكثر من هذا: إذا فرضنا صحة ما يحاول الكاتب وأمثاله ادعاه من نقل كتبهم وأقوالهم إلى لغة العرب قبل الإسلام: هل يكون تعبير الناقلين من اللغات الأعجمية وإطلاقهم الألفاظ على المعانى حجة على الاستعمال العربى الصحيح؟ الجواب بالقول الصريح: كلا. لأن الناقل إلى لغة العرب إن كان أعجمى الأصل فإنه لا يحتج بكلامه عند العرب، وإن كان عربى الأصل كان غير حجة أيضًا، لاختلاط لغته بغيرها من اللغات، فإن علماء العربية لا يحتجون بغير العربى الخالص الذى لم تخالط لغته لكنة أعجمية، سواء ذلك فى المفردات أم فى التركيب -أعنى فى إثبات اللفظ العربى- أم فى قواعد النحو والصرف والبلاغة وغيرها، ولذللُ رفضوا الاحتجاج بالشعر والنثر من أقوام نشئوا فى الحواضر بعد اتصال الأعجام بالمسلمين، ثم رفضوا الاحتجاج بكلام المولدين مطلقا.
стр. 1270
(٩) أما أن اليعقوبى والمسعودى وغيرهما من علماء المسلمين كانوا على علم بهذه المؤلفات التى تسمى "الأناجيل" فهذا شئ معروف مشهور، نسلم به، ونزيد عليه أنهم كانوا يعرفون كل المعرفة كيف ألفت هذه الكتب، ويعرفون قيمتها التاريخية، كما سنذكر قريبًا إن شاء الله. ولكن تعبير الكاتب عن المسعودى قد يوهم بعض القراء أن له صلة حقيقية بالنصارى والكنائس من الوجهة الدينية، وهذا ما لا أصل له ولا شبهة. وانظر نص كلام المسعودى فى تاريخه بعد ذكر مولد المسيح ﵇، قال (١: ٢٩ - ٣٠ طبعة بولاق): وكان من أمره ما ذكره الله فى كتابه، واتضح على لسان نبيه محمد [ ﷺ ]، وقد زعمت النصارى أن أشيوع الناصرى -يريد المسيح- أقام على دين من سلف من قومه يقرأ التوراة والكتب السالفة فى مدينة طبرية من بلاد الأردن فى كنيسة يقال لها المدراس ثلاثين سنة، وقيل تسعا وعشرين سنة، وأنه فى بعض الأيام كان يقرأ فى سفر أشعياء، إذ نظر فى السفر إلى كتاب من نور فيه: أنت نبيى وخالصتى، اصطفيتك لنفسى. فأطبق السفر ودفعه إلى خادم الكنيسة، وخرج وهو يقول: الآن تمت المشيئة لله فى ابن البشر. وقد قيل: إن المسيح ﵇ كان بقرية يقال لها ناصرة من بلاد اللجون من أعمال الأردن، وبذلك سميت النصرانية. ورأيت فى هذا القرن -كذا فى الأصل, ولعله فى هذه القرية- كنيسة تعظمها النصارى، وفيها توابيت من حجارة فيها عظام الوتى، يسيل منها زيت ثخين كالُّرب، تتبرك به النصارى. وأن المسيح مر ببحيرة طبرية وعليها أناس من الصيادين والقصارين. وقد ذكر أن ميروحنا وشمعون وبولس ولوقا هم الحواريون الأربعة الذين تلقوا الإنجيل، فألفوا خبر عيسى ﵇ وما كان من أمره وخبر مولده، وكيف عمده يحيى بن زكريا، وهو يحيى المعمدانى، فى بحيرة طبرية، وقيل فى بحر الأردن الذى يخرج من بحيرة طبرية ويجرى إلى البحيرة المنتنة، وما فعل من الأعاجيب, وأتى من المعجزات، وما قالت اليهود إلى أن رفعه الله إليه وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة. وفى
стр. 1271
الإنجيل خطب طويل فى أمر المسيح ومريم ﵇ ويوسف النجار: أعرضنا عن ذلك, لأن الله لم يخبر بشئ من ذلك فى كتابه، ولا أخبر به محمد نبيه [ ﷺ ]. هذا نص كلام المسعودى الذى يكاد الكاتب يصوره بصورة مريبة فى نظر المسلمين، وهو من ذلك برئ.
وانظر إلى مقدار الثقة بنقل هذا الكاتب إذ ينسب إلى المسعودى أنه نقل عن الإنجيل أن صوتا من السماء كان يقول: "هذا هو ابنى الحبيب" فى حين أن الذى نقله المسعودى عن بعض نصارى عصره أن عيسى رأى وهو يقرأ فى السفر كتابًا من نور فيه "أنت نبيى وخالصتى" إلخ، ثم لا يتحرج أن يسمى هذا التناقض البين بين الروايتين "شيئًا من الاختلاف" فأين إذن كل الاختلاف؟ ! والذى نقلناه عن المسعودى هو كل ما ذكره فى "مروج الذهب" عن الأناجيل، وهو الذى سماه الكاتب "خلاصة دقيقة لها"! ! !
(١٠) لم يفهم الكاتب كلام البيرونى لوقوع خطأ فيه من الناسخ أو المصحح.
فإنه قال فى (ص ٩) ما نصه: "وذكره داذ يشوع فى ترجمته للإنجيل شعيا. والله أعلم". وهذا كلام غير واضح ولا مفهوم، ولا متصل بالسياق الذى قبله ولا بالذى بعده، فإن أصل الباب هو فى المواسم أو الأعياد التى يستعملها "النصارى الملكائية فى المشهور السريانية" (ص ٢٨٨) فأخذ يسرد كل شهر من هذه المشهور ويذكر فى كل منها أيام المواسم بأسماء أصحابها عندهم، ويسمى هذه المواسم "الأعياد والذكارين" (ص ٢٨٨ س ١٧) ويسمى كل واحد منها باسم "ذكران" فيقول مثلا "ذكران حنين الأسقف الشَّهيد تلميذ بولس، ومن رسومهم فى هذه الذكارين أنهم يذكرون صاحبه ويدعون له ويثنون عليه، ويتضرعون إلى الله باسمه، ويسمون كل مولود يولد فيه وبعده إلى الذكران الآخر باسمه، وربما قسم الذكارين بعضهم على بعض، فيقولون: فلان صاحب ذكران فلان فإذا كان الذكران اجتمعوا عنده فأضافهم وأطعمهم" (ص ٢٨٨ س ١٩ - ٢٣). ففى هذا الموضوع الذى نقل منه الكاتب فلم يفهم ما نقل: تجد
стр. 1272
البيرونى يذكر شهر "أيار" (ص ٢٩٦) ويذكر أيامه إلى أن يقول (ص ٢٩٨ س ٢٢): "وفى اليوم التاسع ذكران أشعيا النَّبِيّ" ثم يذكر فى أول (ص ٢٩٩) العبارة التى أوهم فيها الكاتب، ثم يقول: "وفى العاشر ذكران ديونسيوس الأسقف". فهذا السياق كله يدل على أن كلمة "وذكره داذ يشوع" محرفة عن "وذكران يشوع" وأن كلمة "فى ترجمته للإنجيل شعيا" محرفة أيضاً, ولعل صوابها "فى ترجمة الإنجيل لشعيا" أو نحو ذلك. وعلى كل حال فإن هذا ينفى قطعًا وجود ترجمة أو تفسير للإنجيل لشخص اسمه "داذ يشوع" وأن البيرونى اطلع عليه. وإنما أتى الكاتب من تحريف النسخة المطبوعة، ومن عدم تحققه بما يكتب أو تفهمه لما يقرأ.
ثم إن الكاتب ادعى أن البيرونى "أخذ عن النساطرة عندما صنف كتابه الآثار الباقية"، وأنا آسف إذ أقول: إن هذا غير صدق.
(١١) ليس لهذا شئ من الأهمية، وهو لا يدل إلا على أن المترجم إلى الفارسية لا ثِقَة به، وأنه لم يكن أمينًا فى ترجمته.
(١٢) مما يؤسف له أن الكاتب صدق هذه المرة فى نقله عن "رسائل إخوان الصفا" فإنهم ذكروا أكذوبة صلب المسيح [﵇] فى الرسائل (ج ٤ ص ٩٧ طبعة مصطفى محمد) فخرجوا بذلك من عداد المسلمين, لأنهم نقلوا على سبيل الجزم شيئًا نفاه الله سبحانه فى القرآن الكريم، وكذب قول من ادعاه: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا. بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ سورة النساء الآية ١٥٧, ١٥٨.
تعليق ونقد على مقال "إنجيل" بعد نقد أغلاطه تفصيلا فى مواضعها
لم أقرأ فيما قرأت من مقالات "دائرة المعارف الإسلامية" مقالا مضطربًا كهذا المقال.
فإن كاتبه خلط فيه خلطا غريبًا، فشرّق وغرب، وأسهب وأوجز، وأشار وصرح، وهو يدور فى حلقة مفرغة
стр. 1273
لا يدرى أين طرفاها, ولا يعرف كيف يخرج منها، وقد وضع نصب عينيه غاية يرجو الوصول إليها، ثم يعجز عن إدراكها، إذ كانت خيالا يضطرب فى ذهنه، ليس لها وجود فى حقائق التاريخ. فهو يحاول أن يثبت أن الدين الإسلامى مقتبس من الكتب التى يسمونها عندهم "أناجيل"، وأن النبى [ ﷺ ] كان على علم بها أو بشئ منها، فجاءت فى القرآن الكريم أشياء من الإنجيل كما يزعم، وأن المسلمين عرفوا هذه الكتب فذهبوا ينقلون عنها علومهم ودينهم، ويزعم أن النبى [ ﷺ ] "كان أكثر معرفة بالأناجيل المخولة منه بالأناجيل، ولم تصل إليه تلك المعرفة من مصادر مسيحية خالصة، وإنما نقلت إليه على يد يهود اعتنقوا النصرانية" وأن الشعراء عند ظهور الإسلام كانوا يترددون على الحيرة، "فنقلوا إلى بلاد العرب ما سمعوه من القصص فى حاناتها"، إلى آخر ما تهافت فيه ليرجعه إلى شئ واحد سماه: "المسألة العامة الخاصة بأصل الإسلام ومصادره".
ثم ذهب يضطرب به القول الكريم، فتارة يشير إلى بعض آيات من القرآن فيها ذكر مريم وعيسى وغير ذلك مما يظن أنه يتفق والمروى عندهم أو يخالفه، وتارة يذكر "الطب وأعمال الحكومة" وأنها من الوسائل التى وثقت الصلات بين المسلمين والنصارى، وتارة يذكر بعض معجزات النبى [ ﷺ ] الثابتة بالأحاديث الصحيحة ليحاول أن ينسبها إلى أصول عندهم، حتى يتهيأ له أن يشكك القارئ ثم يوهمه أن المسلمين أخذوها عن النصارى ونسبوها إلى نبيهم على أنها معجزات له، ثم يزداد اضطرابا، فيذكر بعض مؤرخى المسلمين ويصفهم بأنهم "كانوا على علم واسع بالإنجيل" ويحرف فى تلخيص كلامهم حتى يوقع فى نفس القارئ أنهم كانوا يحتجون بهذه الأسفار، ويعتبرونها مصادر صحيحة لبعض التاريخ, ثم يناقض نفسه فينقل عن البيرونى أنه قال: "لا يوجد من الأناجيل إذن من كتب الأنبياء ما يعتمد عليه". ويغلبه ما يجد فى نفسه من الحرص على رأيه حتى
стр. 1274
يغفل عن خطأ من الناسخين فى نسخة البيرونى فينسب إليه أنه كان يعرف تفسير الإنجيل لرجل اسمه "داذ يشوع"، وهو شخص لم يوجد قط، وإنما أتى من خطأ النسخة، ولو حرص على التحقيق العلمى ما وقع فى هذه الغلطة الشنيعة.
ولكنه نسى بجوار هذا أن يذكر كثيرًا من علماء المسلمين الذين اطلعوا على هذه الأناجيل وأبانوا فيها من اختلاف وأخطاء وألفوا فى ذلك كتبًا وافية، كابن حزم وابن تيمية وابن قيم الجوزية والقرافى، وغيرهم ممن قبلهم وممن بعدهم.
وأخيرًا يدعى أن المسلمين على وجه عام يحترمون الأناجيل، وأن الترك يسمونها "الإنجيل الشريف" وأن كثيرًا منهم "يؤثرون الإنجيل على القرآن الكريم دون أن يجهروا بهذا الرأى" ويحتج لذلك برجل تركى ارتد عن الإسلام فى عهد سليمان الأول فحكم بقتله جزاء ردته.
وهى كما ترى أقوال متهاترة، لا يأخذ بعضها بناصية بعض، ولا يدل مجموعها على شئ له قيمة علمية.
وهذه مسائل شائكة، الخوض فيها قد يثير النفوس، ويوغر الصدور, ولو شاء القائل منا أن يقول، لوجد مجال القول ذا سعة، ولكنا لسنا من دعاة الفتنة، ولا ممن يحرصون على الجدال. وقد دأب أمثال هذا الكاتب على مهاجمة الإسلام والعدوان عليه فى عقائده، ومحاولة إثارة الشكوك فى الحقائق التاريخية الثابتة، التى تتعلق بالإِسلام. وليس علينا من بأس أن نقف موقف الدفاع بالقول الرقيق المؤدب، لإقرار الحق فى نصابه، وخدمة خالصة للعلم الصحيح.
أن الاتصال العقلى والفكرى بين
المسلمين وبين أهل الكتاب -من اليهود والنصارى- لا يستطيع أحد أن ينكره، وقد كان اليهود بجوار المسلمين فى المدينة حتى أجلاهم عنها عمر، وكان المسلمون قد فتحوا مصر والشام وغيرهما من الأقطار التى كان يدين أهلها بالنصرانية، وكان أهل الكتاب أهل ذمة للمسلمين وفى حمايتهم، يرفرف عليهم عدل الإسلام ونصفته، وكانوا يدخلون فى دين الله أفواجا راضين مختارين، مما رأوا من كرم المسلمين،
стр. 1275
بعد أن ذاقوا ألوان الظلم والعذاب من زعمائهم ورؤسائهم. ولكنه كان فى أول أمره اتصالا فى الشئون العامة الدنيوية، ولم يوجد اتصال علمى بالمعنى المفهوم إلا فى أواخر القرن الثانى للهجرة تقريبًا عند البدء فى نقل كتب الأوائل إلى اللغة العربية، وكان ذلك مقصورا على الفلسفة وفروعها والطب وما أشبه هذا, ولم تترجم إلى اللغة العربية الكتب الدينية ولا القصص (الروايات)، ولعله قد ترجم شئ من التوراة والأناجيل تراجم نادرة محصورة بين اليهود والنصارى الذين نشئوا فى الدولة العربية، ليسهل عليهم معرفة دينهم إذا عسر عليهم قراءتها باللغات التى كانت بها، وأما أن تكون هذه التراجم معروفة لعلماء المسلمين ودهمائهم، كما يريد الكاتب وأمثاله أن يرجفوا به: فذاك شئ غير ثابت ولا معروف فى التاريخ الإسلامى. ولذلك لم يجد كاتب هذا المقال سندًا يؤيد به وجود تراجم للإنجيل إلا الترجمة التى قال عنها إنها نقلت عن السريانية، ونقل عن "كلدميستر" أنه يرى أنها ترجمت بين سنتي (٧٥٠ و ٨٥٠) أى بين سنتي (١٣٢ و ٢٣٥ هجرية) ويظهر من هذا أنها غير ثابتة التاريخ, وأن هذا التاريخ الذى نسبت إليه ظن فقط، ونحن لم نر هذه النسخة المترجمة فلا نستطيع الجزم بشئ فى صحة هذا النقل وهذا التاريخ أو عدم صحتهما. وأما الترجمة التى يدعى ابن العبرى أنه "قام بها البطريق يوحنا بأمر الأمير عمرو بن سعد بين سنتى ٦٣١ و ٦٤٠ م" -أى ما يوافق السنة التى قبل الهجرة إلى السنة ١٨ هـ-: فهذا شئ لا سند له ولا قيمة، وأبو الفرج بن العبرى ليس حجة فى مثل هذا النقل، ولا يوثق بشئ ينقله عن عصر بينه وبينه أكثر من (٦٠٠ سنة) ولم يسنده إلى نقل يقارب العصر المنقول عنه، فإنه عاش بين سنتي ٦٢٣ و ٦٨٥ هـ، ثم هذا ابن العبرى رجل متعصب معروف بالتحامل على العرب وعلى المسلمين، وهو صاحب الحكاية الباطلة التى نقلها عن حرق عمرو بن العاص مكتبة الإسكندرية، حتى إن الدكتور (بتلر) صرح بأنه "ليس من دليل على أصل
стр. 1276
هذه الرواية أقدم من أيام أبى الفرج" (انظر فتح العرب لمصر تعريب الأستاذ فريد أبو حديد ص ٣٥٠ طبعة سنة ١٩٣٣) فمثل هذا الرَّجل غير ثِقَة ولا مأمون على النقل، حتى لو نقل شيئًا عن عصره أو ما يقاربه، فضلا عن تفرده بنقل يستند إلى ما قبل عصره بمئات السنين.
وأما كل ما أرجف به الكاتب ليصل إلى ما يدعيه من معرفة النبى ﷺ بما يسمونه "الأناجيل" وبأن "هذا الموضوع ليس إلا مسألة فرعية من المسألة العامة الخاصة بأصل الإسلام ومصادره" فإنه شئ لا يثبت أمام النقد، ولا تؤيده آية حقيقة من حقائق التاريخ. وقد كان النصارى من قبل الإسلام بمئات السنين مختلفين فى صحة الكتب التى يطلقون عليها اسم "الأناجيل" وهى أكثر من سبعين كتابًا، حتى تحكم فيهم الزعماء والرؤساء فى مجمع "نيقية" فى القرن الرابع الميلادى، فاعتبر"المجمع أن هذه الكتب الأربعة المعروفة الآن هى الأناجيل الصحيحة. وبذلك صارت الكتب الرسمية للدين المسيحى، واعتبر ما عداها منحولا أو غير صحيح، وهذه الكتب التى اعتبرت منحولة غير مشتهرة وغير معروفة تفصيلا إلا قليلا، فمن أين يعرفها العرب قبل الإسلام وعند بدء ظهوره؟ !
وكان النبى [ ﷺ ] رجلا أميا لا يقرأ ولا يكتب، كما ثبت بالتواتر الصحيح فى التاريخ, وكما نص الله عليه فى القرآن الكريم، وقد أقمنا الحجة على ذلك فيما مضى من الدائرة ثم أنعم الله عليه بالنبوة والرسالة، وبعثه إلى الناس كافة بهذا القرآن الكريم، وجعله مصدقًا لما بين يديه من التوراة والإنجيل وكتب الأنبياء السابقين، إجمالا لها من غير تفصيل، وجعل كتابه "مهيمنا" على هذه الكتب، أى رقيبًا عليها كلها، كما قال تعالى فى سورة المائدة (آية ٤٨): ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾: وهذا الرَّجل الأمى لم يقرأ شيئًا من كتبهم، ولم يبلغه من الكتب التى فى أيدى النصارى -مع ما فيها من الاختلاف- قليل ولا كثير، ومع ذلك
стр. 1277
فإنه لا يذكر إنجيل عيسى ﵇ فى القرآن إلا باللفظ المفرد "إنجيل" فلو كان هذا القرآن من عند غير الله، وكان النبى [ ﷺ ] عرف هذه الروايات: لجاء التعبير عنها فى القرآن ولو مرة واحدة بلفظ الجمع "أناجيل" وهى التى كانت ولا تزال معروفة عند النصارى، من صحيح فى زعمهم ومنحول. ثم انظر فى شأن هذا الرجل الأمى [ ﷺ ] لو كان يعرف هذه العشرات من الكتب التى تسمى"أناجيل" وأراد أن يحقق أمرها، ويعرف الزيف منها من الصحيح، ويحكم فيها حكما قاطعًا صحيحًا، ويأتي بكتاب ثبت مهيمن عليها رقيب: فإلى أى أنواع من الثقافة والعلوم الدينية والتاريخية والأثرية يحتاج؟ ! .
وهل كانت هذه العلوم كلها موجودة فى كتب مؤلفة قبل بدء الإسلام، سواء باللغة العربية أم بغيرها من اللغات؟ ! وكم من السنين يستغرق تعلم ذلك ومعرفته فقط؟ !
وأين كان أعداؤه من المشركين وأهل الكتاب، إذا كان قد تعلم كل هذه العلوم، ودرسها الدراسة الكاملة التى تمكنه من الحكم بتحريف كتبهم ونسيانهم ﴿حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾؟ !
نعم إن بعض المشركين زعم أنه تعلم بعض الشيء من غيره، وقد حكى الله ذلك فى القرآن عنهم، ثم ردّ عليهم قولهم بأقوى رد، فخرست ألسنتهم وألسنة غيرهم، فلم يدع ذلك أحد منهم ولا من أهل الكتاب بعد ذلك، مع كفرهم به وعداوتهم له، وتربصهم به وبالمسلمين أن يجدوا حجة تنصرهم عليهم، إذ علموا أنهم لو عادوا إلى هذه الدعوى لكانت حجتهم داحضة، ودعواهم كاذبة، فإنه نشأ بينهم وعرفوا تاريخ حياته وأحواله تفصيلا وإجمالا, ولم يجدوا من يصدقهم من أهل عصرهم المشاهدين الحاضرين فى أنه تعلم كل هذه العلوم والشرائع من بعض القارئين والكاتبين فى مكة.
وقد اتصل المسلمون بالنصارى واليهود بعد الفتح العربى للبلاد اتصالا وثيقًا، وقامت فى بعض الأوقات حرب الجدال الدينى بين الفريقين واحتدمت، ومع ذلك فإنه لم يزعم أحد -فيما نعلم- من أعداء المسلمين أن القرآن
стр. 1278
مقتبس كله أو بعضه من التوراه أو الأناجيل أو الآراء المسيحية، إلا فى هذه العصور المتأخرة، حينما ضعف شأن الدول الإسلامية ماديا، وقام المستشرقون - وفى أعقابهم المبشرون- بالهجوم العلمى على المسلمين، بعد إن وضعوا أيديهم على أكثر بلاد الإسلام، ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ. هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ سورة التوبة الآية ٣٢ و ٣٣.
وبعد: فإن الله تعالى يقول فى
سورة النحل، الآية ١٠٣ - ١٠٥ وهى سورة مكية: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ. إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ. إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾.
قال الفخر الرازى فى تفسير هذه الآيات (ج ٤، ص ١٨٥ - ١٨٦ الطبعة الأولى ببولاق): "اعلم أن المراد من هذه الآية حكايته شبهة أخرى من شبهات منكرى نبوة محمد [ ﷺ ]. وذلك أنهم كانوا يقولون إن محمدًا [ ﷺ ] إنما يذكر هذه القصص وهذه الكلمات لأنه يستفيدها من إنسان آخر ويتعلمها منه - ثم ذكر اختلاف الروايات فى اسم هذا البشر وقال: وبالجملة فلا فائدة فى تعديد هذه الأسماء والحاصل أن القوم إتهموه بتعلم هذه الكلمات من غيره ثم إنه يظهرها من نفسه ويزعم أنه إنما عرفها بالوحى وهو كاذب فيه، ثم إنه تعالى أجاب عنه بأن قال: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾. ثم قال فى تقرير أوجه الرد عليهم وتكذيبهم: "الأول: أنهم لا يؤمنون بآيات الله وهم كافرون، ومتى كان الأمر كذلك كانوا أعداء للرسول [ ﷺ ]، وكلام العدى ضرب من الهذيان، ولا شهادة لمتهم. الثانى: أن أمر التعليم لا يتأتى فى جلسة واحدة، ولا يتم فى الخفية، بل التعلم إنما ينم إذا اختلف المتعلم إلى المعلم أزمنة متطاولة ومددًا متباعدة، ولو كان الأمر كذلك لاشتهر فيما بين الخلق أن محمدًا عليه السلام
стр. 1279
يتعلم العلوم من فلان وفلان. الثالث: أن العلوم الموجودة فى القرآن كثيرة، وتعلمها لا يتأتى إلا إذا كان المعلم فى غاية الفضل والتحقيق، فلو حصل فيهم إنسان بلغ فى التعليم والتحقيق إلى هذا الحد لكان مشارًا إليه بالأصابع فى التحقيق والتدقيق فى الدنيا! ! فكيف يمكن تحصيل هذه العلوم العالية والمباحث النفسية من عند فلان وفلان؟ ! واعلم أن الطعن فى نبوة رسول الله [ ﷺ ] بأمثال هذه الكلمات الركيكة يدل على أن الحجة لرسول الله [ ﷺ ] كانت ظاهرة باهرة، فإن الخصوم كانوا عاجزين عن الطعن فيها, ولأجل غاية عجزهم عدلوا إلى هذه الكلمات الركيكة".
إن محمدًا [ ﷺ ]-وقد ثبت لك أنه لم يتعلم شيئًا من كتب الأديان السابقة، ولم يدرس شيئًا من العلوم والمعارف- يخبرنا عن الله سبحانه أنه يقول فى شأن النصارى وكتبهم: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [سورة المائدة، الآية ١٤]. أيمكنك أن تتصور أن هذا الأمى يحكم الحكم القاطع الصريح البين بأن النصارى نسوا الكثير مما ذكرهم به عيسى ﵇ من نفسه ومن علمه بدون وحى من الله؟ !
إن الذى يأتى بهذا القرآن وبما فيه من تشريع تقطعت دونه أعناق الأمم وبما فيه من توحيد وتمجيد لله، وبما فيه من القصص والأخبار الصادقة، وبما فيه من المواعظ والحكم، وبما فيه من مكارم الأخلاق، هذا القرآن الذى أعجز الإنس والجن أن يأتوا بسورة من مثله، وهو الهدى ودين الحق- أقول: إن الذى يأتى بكل هذا فى كتاب واحد لن يعقل أن يكون تعلمه من كتب يحكم هو عليها بأنها محرفه مبدلة، أو كلمات يسمعها عرضًا على ألسنة بعض أهل الكتاب فى جزيرة العرب، أو نقلا عن بعض الشعراء الذين يتبعهم الغاوون، وهم فى كل واد يهيمون، وهم يقولون ما لا يفعلون.
ومن المضحك، بل مما يؤسف له، أن كاتب المقال لم يصن قلمه فى مثل هذا
стр. 1280
البحث -الذى يزعمه بحثًا علميا- عن ذكر الحانات.
وكان الأجدر به أن يفقه أن ما يتحدث به السكارى فى الحانات، وخاصة الشعراء منهم، لا يصلح أن يكون أساسا لدين عظيم يهدى إلى الله، ويعلم الناس الشرائع والمكارم، ويدعو إلى إعلاء كلمة الله، وإلى نشر الفضيلة وحرب الرذيلة، هالى النهي عن الخمر والميسر وغيرهما من المنكرات، ويصفها بأنها رجس من عمل الشيطان.
وقد كان الأولى به، وهو يشرح مادة "إنجيل"، أن يذكر تاريخ هذه الكتب التى بأيديهم أولا، ثم يدعى بعد ذلك ما شاء من الدعاوى، ولكنه -فيما نظن- أحجم عن ذلك لئلا يكون نقضا لكل ما يدعيه.
وقد ذكر أستاذنا الإِمام العلامة السيد محمد رشيد رضا الكثير من تاريخها فى مواضع متعددة من تفسيره، وكان رحمة الله من أعلم الناس فى هذا العصر بتاريخها وبدراستها، هو وأستاذنا العلامة الكثير الشيخ عبد الوهاب النجار. وهاك قطرة من
غيث مما قاله السيد رشيد (جـ ٦، ص ٢٨٧ - ٢٨٨ من التفسير): "بيّن الله لنا أن النصارى نسوا حظا مما ذكروا به كاليهود، وسبب ذلك أن المسيح ﵇ لم يكتب ما ذكرهم به من المواعظ وتوحيد الله وتمجيده والإرشاد لعبادته، وكان من اتبعوه من العوام، ومثلهم حواريوه، وهم من الصيادين، وقد اشتد اليهود فى عداوتهم ومطاردتهم، فلم تكن لهم هيئة اجتماعية ذات قوة وعلم، تدوّن ما حفظوه من إنجيل المسيح وتحفظه. ويظهر من تاريخهم وكتبهم المقدسة أن كثيرًا من الناس كانوا يبثون بين الناس فى عصرهم تعاليم باطلة عن المسيح، ومنهم من كتب فى ذلك، حتى إن الذين كتبوا كتبا سموها الأناجيل كثيرون جدا، كما صرحوا به فى كتبهم المقدسة وتواريخ الكنيسة. وما ظهرت هذه الأناجيل الأربعة المعتمدة عندهم الآن إلا بعد ثلاثة قرون من تاريخ المسيح عند ما صار للنصارى دولة بدخول الملك قسطنطين فى النصرانية، وإدخاله إياها فى طور جديد من الوثنيه. وهذه الأناجيل عبارة عن تاريخ ناقص للمسيح، وهى متعارضة متناقضة
стр. 1281
مجهولة الأصل والتاريخ, بل وقع الخلاف بينهم فى مؤلفيها واللغات التى ألفوها بها. وقد بيّنا فى تفسير أول سورة آل عمران حقيقة إنجيل المسيح، وكون هذه الكتب لم تحو إلا قليلا منه، كما تحتوى السيرة النبوية عندنا على القليل من القرآن والحديث. وهذا القليل من الإنجيل قد دخله التناقض والتحريف" ثم ذكر الأدلة على ذلك تفصيلا، ثم قال (ص ٣٠١ - ٣٠٢): "فثبت بهذا البيان الوجيز صدق قول القرآن المجيد: فنسوا حظا مما ذكروا به. وثبت به أنه كلام الله ووحيه، إذ ليس هذا مما يعرف بالرأى حتى يقال إن النبى [ ﷺ ] قد اهتدى إليه بعقله ونظره. كيف وقد خفى هذا عن أكثر علمائنا الأعلام عدة قرون لعدم اطلاعهم على تاريخ القوم".
وقال أيضًا فى تفسير قوله تعالى فى سورة آل عمران: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ (جـ ٣، ص ١٥٨): "أما لفظ الإنجيل فهو يونانى الأصل، ومعناه البشارة، وهو يطلق عند النصارى على أربعة كتب، تعرف بالأناجيل الأربعة، وهى ما يسمونه العهد الجديد، وهو هذه الكتب الأربعة مع كتاب أعمال الرسل، أى الحواريين، ورسائل بولس وبطرس ويوحنا ويعقوب ورؤيا يوحنا، أى على المجموع، فلا يطلق على شئ مما عدا الكتب الأربعة بالانفراد. والأناجيل الأربعة عبارة عن كتب وجيزة فى سيرة المسيح ﵇ وشئ من تاريخه وتعليمه، ولهذا سميت أناجيل. وليس لهذه الكتب سند متصل عند أهلها، وهم مختلفون فى تاريخ كتابتها على أقوال كثيرة، ففى السنة التى كتب فيها الإنجيل الأول تسعة أقوال، وفى كل واحد من الثلاثة عدة أقوال أيضًا، على أنهم يقولون إنها كتبت فى النصف الثانى من القرن الأول للمسيح، لكن أحد الأقوال فى الإنجيل الأول أنه كتب سنة ٣٧ ومنها أنه كتب سنة ٦٤ ومن الأقوال فى الرابع أنه كتب فى سنة ٩٨ للميلاد، ومنهم من أنكر أنه تصنيف يوحنا، وإن خلافهم فى سائر كتب العهد الجديد لأقوى وأشد".
стр. 1282
"وأما الإنجيل فى عرف القرآن فهو ما أوحاه الله إلى رسوله عيسى ابن مريم ﵇ من البشارة بالنبى [ ﷺ ] الذى يقيم الشريعة والحكم والأحكام، وهو ما يدل عليه اللفظ، وقد أخبرنا سبحانه أن النصارى نسوا حظا مما ذكروا به كاليهود، وهم أجدر بذلك، فإن التوراة كتبت فى زمن نزولها، وكان الألوف من الناس يعلمون بها، ثم فقدت، والكثير من أحكامها محفوظ معروف، ولا ثقة بقول بعض علماء الإفرنج من أن الكتابة لم تكن معروفة فى زمن موسى ﵇. وأما كتب النصارى فلم تعرف ولم تشتهر إلا فى القرن الرابع للمسيح ﵇, لأن أتباع المسيح ﵇ كانوا مضطهدين بين اليهود والرومان، فلما أمنوا باعتناق الملك قسطنطين النصرانية -سياسة- ظهرت كتبهم، ومنها تواريخ المسيح المشتملة على بعض كلامه الذى هو إنجيله، وكانت كثيرة، فتحكم الرؤساء حتى اتفقوا على هذه الأربعة، فمن فهم ما قلناه فى الفرق بين عرف القرآن الكريم وعرف القوم فى مفهوم التوراة والإنجيل تبين له أن ما جاء فى القرآن هو الممحص للحقيقة التى أضاعها القوم، وهى ما يفهم من لفظ التوراة والإنجيل. ويصح أن يعد هذا التمحيص من آيات كون القرآن موحى به من الله، ولولا ذلك ما أمكن ذلك الأمى الذى لم يقرأ هذه الأسفار والأناجيل المعروفة ولا تواريخ أهلها - أن يعرف أنهم نسوا حظا مما أوحى إليهم وأوتوا نصيبًا منه فقط، بل كان يجاريهم على ما هم عليه ويقول الأناجيل لا الإنجيل. ثم إن من فهم هذا لا تروج عنده شبهات القسيسين الذين يوهمون عوام المسلمين أن ما فى أيديهم من التوراة والأناجيل هى التى شهد بصدقها القرآن".
"وقال الأستاذ الإِمام -يريد الشيخ محمد عبده- فى تفسير هذه الجملة: المتبادر من كلمة "أنزل" أن التوراة نزلت على موسى مرة واحدة، وإن كانت مرتبة فى الأسفار المنسوبة إليه فإنها مع ترتيبها مكررة، والقرآن لا يعرف هذه الأسفار ولم ينص عليها. وكذلك الإنجيل نزل مرة واحدة، وليس هو هذه الكتب التى يسمونها أناجيل، لأنه لو أرداها لما أفرد الإنجيل دائما مع
стр. 1283
أنها كانت متعددة عند النصارى حينئذ".
وقال الأستاذ العلامة الشيخ عبد الوهَّاب النجار في كتاب قصص الأنبياء (ص ٤٦٥ - ٤٦٦ طبعة ثانية: "أين يوجد اليوم إنجيل المسيح ﵇ الذي ذكره القرآن الكريم؟ إن الإنجيل الذي أتى به المسيح وسلمه إلى تلاميذه وأمرهم أن يبشروا به لا يوجد الآن، وإنما توجد قصص ألفها التلاميذ وغير التلاميذ، لم تسلم من المسخ والتحريف بالزيادة والحذف".
وإن شئت معرفة تاريخ هذه الأسفار الأربعة التي تسمى الأناجيل ومقدار ما فيها من التناقض والاختلاف، ومقدار الوثوق بها من الوجهة التاريخية، ثم قيمتها العلمية عند علماء الإِسلام فاقرأ الجزء الثاني من كتاب (الفصل في الملل والأهواء والنحل) للإمام الحافظ الحجة أبي محمَّد بن حزم المتوفى سنة ٤٥٦ وكتاب (الجواب الصحيح) لشيخ الإِسلام ابن تيمية المتوفى سنة ٧٢٨ وكتاب (هداية الحيارى) للإمام المحقق ابن قيم الجوزية المتوفى سنة ٧٥١ وكتاب (الأجوبة الفاخرة) للعلامة الكبير شهاب الدين القرافي المتوفى سنة ٦٨٤ وكتاب (الفارق بين المخلوق والخالق) لصاحب السعادة الحاج عبد الرَّحْمَن بك أفندي باجه جى زاده، وكتاب (دين الله في كتب أنبيائه) للعلامة الدكتور محمَّد أفندي توفيق صدقى ﵀، وكتاب (قصص الأنبياء) لأستاذنا، الشيخ عبد الوهَّاب النجار، وما كتبه المرحوم الإِمام السيد محمَّد رشيد رضا في التفسير والمنار، وأخيرًا كتاب (الإنجيل والصليب) تأليف الأب عبد الأحد داود الأشورى العراقي، وقد ترجمه عن التركية أحد الأفاضل من مسلمى العراق وطبع في القاهرة سنة ١٣٥١.
وإذا كانت عقيدة المسلمين من عصر النبوة إلى الآن أن هذه الكتب محرفة مبدلة، أو مصنوعة موضوعة، فكيف يتصور ذو عقل أنَّهم يأخذون عنها دينهم؟ ! أو أن يدخل في أذهانهم وآرائهم بعض ما يقرءونه أو يسمعونه منها، وهم يرون رسولهم [ ﷺ ] قد جاءهم بالدين الحق، وترك في أيديهم كتابًا جعله إمامًا لهم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأبان لهم في
стр. 1284
سنته كل ما احتاجوا إليه في شئون دينهم ودنياهم، وهم يسمعون حكم الله في الكتب التي عند أهل الكتاب أنها محرفة لا يوثق بها، ويسمعون قول النَّبِيّ [ ﷺ ]: "لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إليكم" وهذا حديث صحيح رواه البُخَارِيّ من حديث أبي هريرة (انظر فتح الباري ٨: ١٢٩ و ١٣: ٢٨٢ و ٤٣٠ طبعة بولاق)، ويقرءون حديث جابر ابن عبد الله: "أن عمر أتى النَّبِيّ [ ﷺ ] بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب فقرأه عليه فغضب وقال: لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به أو بباطل فتصدقوا به. والذي نفسي بيده لو أن موسى ﵇ كان حيا ما وسعه إلَّا أن يتبعنى". رواه الإِمام أَحْمد وابن أبي شيبة والبزار، وإسناده صحيح (انظر الفتح ١٣: ٢٨١). وهذا المعنى متواتر عند المسلمين معلوم من الدين بالضرورة.
وكان المسلمين في تشريعهم وفقههم مستقلين تمام الاستقلال بكتابهم وسنة نبيهم [ ﷺ ]، لم يتأثروا في شيء من ذلك بكتب النصارى ولا بقوانين الرومان، ولا بغيرها من آراء من سبقهم، يعرف ذلك من توسيع في دراسة الشريعة الإِسلامية وأصولها من الكتاب والسنة، وقد يخفى على من قصر دراسته ومعرفته على كتب الفروع الفقهية فيخدعه ما يرى فيها من شبه ببعض القواعد القانونية عند غير المسلمين.
وبعد هذا البيان الموجز لا أراني في حاجة إلى مناقشة الكاتب تفصيلا في المواضع التي زعم أن القرآن اتفق مع الأناجيل فيها أو خالفها، وأن للعهد الجديد أثرًا في الحديث، أو في كتب الصوفية أو غيرها، وقد دمرنا الأساس الذي بنيت عليه هذه الدعاوى الباطلة: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ. يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ سورة المائدة، الآية ١٥ و ١٦.
أَحْمد محمَّد شاكر
стр. 1285
الأندلس (*)
(١) الاسم العربي لشبه جزيرة إيبيريا (٢)؛ كان أول ظهوره عند العرب، وأصله مشوب ببعض الغموض شأنه في ذلك شأن الاسمين القديمين: إيبيريا عند اليونان وأسبانيا (٣) عند الرومان. ويجدر بنا ألا نحفل كثيرًا بالاشتقاق الذي ذهب إليه العرب بإرجاع اللفظ إلى أسماء الأجداد الأول وقولهم إن البلاد سميت باسم أندلس بن طوبال بن يافث. وقد تكون هناك صلة بين هذا الاسم وبين اسم القبيلة الجرمانية "الفندال"، وفي هذه الحالة يفترض أنَّه مشتق من "فنداليشا" Wandalicia. وربما كانت صيغة فنداليشيا تطلق على إقليم بتيقا Baetica)) (٤) القديم الذي احتله الفندال ما يقرب من عشرين سنة (٤١١ - ٤٢٩ م) أو على ثغر ترادكنا Traducta الذي عبر منه الفندال إلى إفريقية. ويقول بعض الكتاب العرب إنه عين البلد الذي عرف فيما بعد باسم القائد المغربي طريف، ولكن من المرجح أن تكون ترادكتا هي الجزيرة الخضراء Algeciras, ويكون الفاتحون من العرب البربر وفقًا لهذه النظرية قد أطلقوا اسم المدينة الصغيرة أو الإقليم على المنطقة التي عرفها الرومان والقوط باسم "بتيقا" ثم على شبه الجزيرة بأسرها القتى سرعان ما دانت لهم بما فيها من ولايات فرنسا الجنوبية، وهي: سبتمانيا أي من جاليا الأربونية (٥) إلى نهر الرون. ولما أخذ النفوذ العربي في شبه الجزيرة بالاضمحلال البطئ وبدأ الأسبان يسترجعون البلاد في عهد بلاى Pelayo (من عام ٧١٨) استمروا في الكفاح أكثر من ثمانية قرون، فقد اسم الأندلس -الذي كان يطلق على مساحة كبيرة من الأرض- مدلوله بالتدريج. ولبثت الأقاليم الجنوبية التي ظلت في حوزة العرب تعرف به من وقت إلى آخر، ثم لم يعد يعرف به بعد ذلك سوى إقليم صغير هو مملكة غرناطة، كما أن نصارى أشبانيا الشمالية كانوا يجهلون اسم الأندلس جهلا تامًّا، وكانوا يطلقون على الجزء العربي الجنوبي الاسم القديم إسبانيا Hispania أو سبانيا spania، أما موطنهم الشمالي فأطلقوا عليه أسماء خاصة مثل أشتورش Asturias)) (٦)
стр. 1286
وليون Leon (٧) وقشتالة Castille وأرغون Aragon (٨) .. إلخ، وهذا يطابق ما رواه الإدريسي، ص ١٧٤ (Re: Dozy cherches sur l'Histoire et la Litt de Espagne l' الطبعة الثالثة. جـ ١، ص ٣٠١ - ٣٠٣؛ أبو الفداء: تقويم البلدان، ترجمة رينو Reinaud, جـ ٢، ص ٢٢٤؛ Die Alhambra: Gosche ص ٤٥؛ مراصد الاطلاع، طبعة جويبول، جـ ٤، ص ١٧٨).
وقد أخذ العرب بما جاء في مصور بطلميوس المضطرب البعيد عن الدقة، ولم يكن من السهل عليهم التحقق من الحدود الخارجية التي رسمها للبلاد المختلفة، ولذلك كثيرًا ما وصفوا الأندلس بأنها ذات شكل مركن على مثال المثلث، أركانه Punta Marroqui طرف مراكش وجزيرة طريف على بحر الزقاق- "كات إكسوخين" باليونانية (مضيق جبل طارق) - في الجنوب، ورأس الطرف Finistere في الشمال الغربي ورأس كريوش Creus وثغر Fanum Veneris) Vendres - هيكل الزهرة) في الشمال الشرقي. ويعتبر أحيانًا الشاطئ بأكمله من جزيرة طريف إلى كريوش (المراكشي: المعجب ص ٤) أو إلى طرُّكونة وبرشلونة الحد الجنوبي، بينما سلسلة جبال البرتات- التي يزعم أنها تسير من الجنوب إلى الشمال ورسمت كذلك في المصورات- تعتبر الحد الشرقي.
ثم إن العرب كانوا على صواب كثير عندما أطلقوا فيما بعد اسم شرق الأندلس على الجزء الذي عرف بعدئذ بمملكتي بلنسية ومرسية، وكثيرًا ما قالوا إن الحد الغربي على المحيط الأطلسي يبدأ من جزيرة طريف وينهى بطرف القديس فنسان (٩) أو طرف رقة Cahn de Roca (١٠) بالقرب من لشبونة. وقد أطلقوا على المحيط الأطلسي اسم بحر الظلمة أو الظلمات والبحر المظلم والبحر المحيط الأعظم والأوقيانوس والقاموس والبحر الغربي (١١) تمييزًا له عن البحر الشرقي أو الرومي والشامي والمتوسط. والحد الشمالي يبدأ من طرف رقة ويدور حول ركن جليقية ويصل إلى جبال البرتات بالقرب من فونترابى Fuenterrabia (١٢) والبرتات
стр. 1287
تعرف أَيضًا بجبل البرتات (١٣) أو بالجبل الحاجز الفاصل بين الأندلس والإفرنجة، كما تعرف سلسلة جبال قشتالة باسم جبل الشارات Sierra (١٤) وسلسلة جبال سييرا نيفادا Sierra Ne- vada بجبل الثلج أو جبل شلير (١٥).
أما فيما يختص بأوصاف الأندلس والمصورات التي عملت عنها ونشرت مثل مصورات شبرونر Spruner ومنكه Menke (جـ ٢, ١٨٨) ودرويسن عام ١٨٩٤ م، والمصورات الموجودة في Au- Der Islam im Morgen: gust Muller Abendland جـ ٢ وخاصة في Stanley The Moors in Spain: Lane Poole، جـ ٢، طبعة ١٨٨٧ م فكلها مع الأسف بعيدة عن الدقة مليئة بالأخطاء التي وصلتنا منذ أيام الغزيرى Casiri وكوند Conde وصوصه Sousa جوبير Jau- bert وكايَانكوس Gayangos وهامر Hammer ومهرن Mehren وغيرهم. ولم يتناول دوزى الجانب الجغرافي من الأندلس ولم يتحر هذا المؤرخ النَّاقد العظيم الدقة التامة في تحقيق الأسماء الخاطئة والمحرفة في القسم الخاص بالأندلس من كتاب الإدريسي [نزهة المشتاق في اختراق الآفاق]. وقد نشر النص العربي مع ترجمته الفرنسية بعنوان Description de l'Afrique et de l' Espogne par Idrisi, وعلق عليه وذيَّله بالحواشي دوزى وده غويه (ليدن ١٨٨٦ م، وانظر فيما يختص بهذا الكتاب La Geografia de: E. Saavedra Eespana del Edrisi , مجريط ١٨٨١ - ١٨٨٩) وربما كانت هذه الأخطاء راجعة إلى نسخة الإدريسي الأصلية. ونحن إذا صححنا التفاصيل وقمنا بتحقيق الأسماء والمواقع المشتتة في مؤلفات دوزى (وخاصة كتاب Observations -geographiques sur quelques An ciennes localites de l'Andalousie في Recherches في الطبعة الثالثة، جـ ١، ص ٢٩٥ - ٣٤٧) وفي مصنفات سافدرا وسيمونيه وإكويلاز Eguilaz وقديرة Codera وباسيه فإننا في الواقع لا نكون قد سرنا إلَّا خطوات قليلة في سبيل تأليف كتاب علمي في جغرافية الأندلس. وعلى ذلك فمن الضروري أن نجمع كل الملاحظات التي كتبت في هذا الموضوع المتشعب من جميع المصادر
стр. 1288
التي وصلت إلينا سواء أكانت مطبوعة أم غير مطبوعة مما صنفه العرب من مؤرخين وجغرافيين، ومن كتب التراجم ودواوين الشعر، ثم نرتب هذا كله ونوازن بعضه ببعض ونضعه تحت محك النقد والتحليل ونتخذ منه نواة لوصف جغرافي حديث للأندلس، وأساسا لإعداد مصورات جغرافية جديدة. ولسنا نستطيع أن نستعين بالتحقيقات البعيدة عن العلم والنقد التي قام بها جماعة من العلماء تبدأ بالغزيرى Casiri (١٦) وكوند Conde وغيرهم وتنتهي بهامر ومهرن، وحسبنا دراسة المجموعة التي لم تمحص، والتي تتكون من ٨٣٣ اسما من أسماء الأماكن في شبه جزيرة إيبيريا في صيغ مضللة محرفة، وهي المجموعة التي ضم شتاتها هامر من غير نقد أو اختيار بما عرف عنه من الجنوح إلى تأليف المطولات ونقلها من الغزيرى وكوند وجوبير Jaubert وكايانكوس Gayangos وضيَّع سدى أربعًا وسبعين صفحة من مجلة - Sit zungsberichte der Wiener Akademie, ١٨٥٤ م.
وإذا انتقلنا إلى التاريخ فإننا نجد العالم العظيم دوزى قد نبذ ظهريًّا جميع مؤلفات كوند وغيره قبل تصنيف كتابه النفيس - Histoire des Musulmans d' Es pagne واستعان بالمصادر العربية بعد أن حققها ونشرها، ومع ذلك فعلينا أن نفتح صفحة جديدة في البحث الجغرافي قبل أن نتمكن من تصنيف كتاب علمي في وصف الأندلس. وقد أوضحت ببعض الأمثلة الطريقة التي يجب أن تتبع، وهي تشمل من غير شك الدراسة المقارنة لمصادر القرون الوسطى لاتينية وأسبانية من غير أن نغفل المصنفات القديمة، وبينت كيف نستخرج النتائج من المصادر العربية، وكيف نستعين بهذه النتائج في تصحيح أسماء الأماكن القديمة وتحديد مواقعها، (انظر Or- = Abixa = Otobesa El Puigcisco Code- = opesa Y Anixa ra، سرقسطة ١٩٠٤ م، ص ١١٥ - ١١٩؛ Monchichique et Arrifana d'Algarve chez les auteurs arabes في O Archevlogo Portugues, جـ ٨، ١٩٠٣ م؛ Zur spanisch- ar abischen Geographie Die Provinz Cadiz في R. Die Geographische ': Hauptmann
стр. 1289
- Katalog. ٨ Hage von Zallaka - Sacral (١١٩٥) ias (١٠٨٦) und Alarcos في Reuue Hispanique عام ١٩٠٦ م؛ وانظر أَيضًا Tobonymia Arabe: David Lopes de Portugal في Revue Hispanique عام ١٩٠٢ م).
وإبان استعادة الأسبان للأراضي التي كانت في حوزة العرب, وبخاصة بعد الاستيلاء على غرناطة ١٤٩٢ م ذهب الكثير من المصنفات القيمة -التي تتحدث عن التاريخ وتقويم البلدان عامة والأندلس بخاصة- ضحية التعصب الأعمى. ويجب كذلك أن تجمع المواد المتعلقة بالأندلس والمبعثرة في شمالي إفريقية وسائر بلاد المشرق ثم توضع في متناول كثير من العلماء والجغرافيين والمؤرخين لترجمتها ترجمة نقدية مصحوبة بالتعليقات المفصلة، كما يجب أن يدُرس بهذه الطريقة كل ما وردت فيه إشارة إلى الأندلس من التراث الجغرافي والتاريخي للعرب مبتدئين بالنبذ القصيرة التي كتبها ابن خرداذبه عام ٨٤٦ م، ثم بمصنفات اليعقوبي وياقوت وغيرها وبالمكتبة الجغرافية التي نشرها ده غويه من عام ١٨٧٠ إلى عام ١٨٩٤ بنوع خاص، وأخيرًا بالمصنف الضخم الذي صنفه أَحْمد المقَرّى المغربي في دمشق من عام ١٦٢٨ إلى عام ١٦٣٠ م، وقد جمعه من مائة مصدر عربي، ويمكن أن يقال عنه إنه دائرة معارف في موضوع الأندلس. ولا عبرة بترجمة كايانكوس لهذا الكتاب الحافل بالمعلومات وعنوانها The History of the Mohammedan Dynasties in Spain (في مجلدين، عام ١٨٤٠ - ١٨٤٣ م) لأنها بعيدة كل البعد عن الدقة وخالية من التمحيص، ولا يمكن التعويل عليها، زد على ذلك أن المترجم تحاشى الصعاب بتجاهلها وينبغي أن تجمع كل الأسماء والإشارات الجغرافية من المعاجم العربية الضخمة الخاصة بتراجم العلماء والأنساب؛ لأن غالبها يتناول عددًا كبيرًا من رجالات الأندلس, وهي تثبت ازدهار الأدب في تلك الربوع، وأهم هذه المصنفات بلا ريب هو "المكتبة الأندلسية" (Bib-Coders liotheca Arabico Hispann) التي تضم
стр. 1290
في مجلداتها العشرة تراجم أندلسية، ولكن المؤسف حقًّا أن يتفشى في هذه المكتبة الخطأ والتحريف في أسماء الأماكن.
وسنجمل القول في تاريخ الأندلس؛ فإنَّه يبدأ باحتلال العرب السريع لشبه الجزيرة من عام ٩٢ هـ (٧١١ م) فصاعدًا، وقد مزجت قصة هذا الفتح بالكثير من الأساطير، وقام به أول الأمر -أي إلى عام ٧٥٥ م- عمال من قبل خلفاء بني أمية في دمشق يربو عددهم على العشرين، ولم يكن يلبث الواحد منهم في الحكم إلَّا قليلا. وقد توغل العرب في شجاعة إلى أن وصلوا إلى قلب فرنسا عند مدينتي تور وبواتييه Tours - Poitiers(عام ٧٣٢ م) ثم نشبت الفتنة بين عرب الشمال والجنوب وبين البربر. وفي عام ٧٥٦ م قامت إمارة قرطبة -أي الأندلس- منفصلة عن العباسيين، على يد عبد الرَّحْمَن الأول الملقب بالداخل، وهو أمير أموي فر من الاضطهادات التي مزقت شمل أسرته. ومن عام ٩١٢ إلى عام ٩٦١ م -أي في عهد عبد الرَّحْمَن الثالث الذي جلس على عرش الخلافة عام ٩٢٩ م- وصلت هذه الدولة إلى أوج عظمتها، ثم أخذت في التدهور السريع وخاصة بعد وفاة الأمير الموهوب المنصور الحاجب وهو أعظم ساسة الأندلس وقوادها، بل يمكننا أن نعتبره بسمارك القرن العاشر. وفي عام ١٠٣١ م تلاشت هذه الدولة القديمة وحلت محلها دويلات قصيرة العمر حكمها أمراء يعرفون في التاريخ بملوك الطوائف، كان أغلبهم على جانب عظيم من الثقافة. وبعد عام ١٠٨٦ م -أي بعد العام الذي انتصر فيه على النصارى يوسف بن تاشفين في واقعة الزلاقة Sacralias شمالي شرق بطليوس- اجتاحت الأندلس قوة المرابطين الغاشمة، وهم بربر من مراكش، ثم قضت على المرابطين في إفريقية والأندلس معًا من عام ١١٤٥ إلى عام ١١٥٠ طائفة دينية وسياسية هي دولة الموحدين التي أخذت تضمحل هي الأخرى تدريجيًّا بعد الهزيمة التي منيت بها في واقعة العُقاب - Las Navas de To losa عام ١٢١٢ م.
стр. 1291
وبعد عام ١٢٣٦ م انحصر سلطان العرب في إمارة غرناطة المشهورة الناشطة. وبالرغم من حماية الجبال لهذه الإمارة، فإنَّها اعترفت بسلطان قشتالة، ثم سقطت عام ١٤٩٢، وتلا ذلك، وبخاصة بين عامي ١٥٦٨ و ١٥٧٠، ثورة الموريسكو Moriscoes(*)
وفي عام ١٦٠٩ طرد المستعربون Les Mozarabes المدجنون Les Mude- jares واليهود ولا يتسع المجال هنا للإفاضة في هذا التاريخ الطَّويل، وحسبنا أن نحيل القارئ إلى المواد الخاصة التي تبحث في شتى جوانب هذا الموضوع، مكتفين ببيان الدول المختلفة التي حكمت الأندلس مع ذكر اسما حواضرها:
بنو أمية وحاضرتهم قرطبة وحكموا من عام ٧٥٦ - ١٠٣١ م.
بنو عباد وحاضرتهم إشبيلية وحكموا من عام ١٠٢٣ - ١٠٩١ م.
بنو جهور وحاضرتهم قرطبة وحكموا من عام ١٠٣١ - ١٠٧٠ م.
بنو حمود وحاضرتهما مالقة وحكموا من عام ١٠٣٥ - ١٠٥٧ م.
بنو زيرى وحاضرتهم غرناطة وحكموا من عام ١٠١٥ - ١٠٩٠ م.
بنو برزال وحاضرتهم قرمونة وحكموا من عام ١٠٢٩ - ١٠٦٧ م.
بنو بكر وحاضرتهم وَلْيَة وحكموا من عام ١٠١١ - ١٠٥١ م.
بنو يحيى وحاضرتهم لبلة وحكموا عام ١٠٢٣ - ١٠٥١ م.
بنو مزين وحاضرتهم شلب وحكموا من عام ١٠٢٨ - ١٠٥١ م.
سعيد بن هارون وابنه وحاضرتهما شنتمرية الغرب وحكمًا من عام ١٠١٦ - ١٠٥٢ م.
بنو الأفطس وحاضرتهما بطليوس وحكموا من عام ١٠٢٢ - ١٠٩٢ م.
بنو ذي النُّون وحاضرتهم طليطلة وحكموا من عام ١٠٣٦ - ١٠٨٥ م.
بنو عامر وحاضرتهم بلنسية وحكموا من عام ١٠٢١ - ١٠٦٥ م.
стр. 1292
بنو هود وحاضرتهم سرقسطة وحكموا عام ١٠٢١ - ١٠٦٥.
بنو هود وحاضرتهم سرقسطة وحكموا من عام ١٠٣٩ - ١١١٠ م.
بنو رزين وحاضرتهم شنتمرية الشرق أو شنتمرية ابن رزين وحكموا من عام ١٠١١ - ١١٠٣ م.
بنو القاسم وحاضرتهم الفنت - Alpu ent وحكموا من عام ١٠٢٥ - ١٠٩٢ م.
بنو صمادح وحاضرتهم المرية وحكموا من ١٠٤٤ - ١٠٩١ م.
(انظر البيان التاريخي الموجود في Histoire: dozy, اليل، وقد أخد هذا البيان عن ستانلي لين بول Stanley The Muharnmedan Dy-: Lane - Poole nasties. المختصر، لندن ١٨٩٤؛ An- Monedas de: tonio Vievs y Escudero Las dinastias Arabigo - espanolas, مجريط ١٨٧٩ م ومقالاته المختلفة Juan Cat-: de Dios de la Rade Y Delgado alogo de monedas arabigas espanolas que se conseruan en el museo ar- queologico nacional مجريط ١٨٩٢؛ Catalogue Des musl-: H. Lavoix manes monnaies de la Bibliotheque nationale Espagne Et Afrique, باريس ١٨٩١).
ولدينا عن تاريخ الأندلس ما بين عامي ٧١١ - ١١١٠ م كتاب دوزى القيم Histoire Des Musulmans d'Espagne، ليدن ١٨٦١, الترجمة الألمانية، ليبسك ١٨٧٤ وقد ترجم F. De Castro إلى اللغة الأسبانية في مجلدين، إشبيلية- مجريط، ١٨٧٧ - ١٨٧٨ م، والمختصر الذي قام به ميلر A. Muller.
ويجب أن نرجع في المسائل التي كثر حولها الخلاف والنقط التي ثار حولها الجدل إلى البحوث الحديثة مثل بحث Estudio sobre la in-: Saaverda Espana vasion de los Arabes en مجريط ١٨٩٢ الذي يذهب فيه إلى أنَّه من المحتمل أن يكون لذريق Rodrigo قد فرعقب الوقعة التي حدثت بينه وبين البربر في إقليم البحيرة عام ٧١١ م وقاتل قتال الشجعان في الشمال الغربي حتَّى عام ٧١٣ ولقى حتفه في هذا القتال أثناء قتاله مع موسى في
стр. 1293
وقعة Tamames & Segoyuela جنوبي سلمنقة، ويؤيد هذا الرأي الموضع المعهود لقبره في فيزيو Vizeu في شمال البرتغال (انظر Pe-: Saavedra layo، مجريط ١٩٠٦؛ Juan Menendez: Leyendas del ultimo rey godo, مجريط، ١٩٠٦).
أما عصر المرابطين والموحدين وعصر بني نصر وبني الأحمر (١٢٣٢ - ١٤٩٢) في غرناطة -أي المدة ما بين القرنين الثاني عشر والخامس عشر الميلاديين- فيحتاجان إلى جهود مؤرخ آخر مثل دوزى يكون همه الأول الاستفادة التامة من المراجع العربية ولا شك أننا نرحب بالمقالات المتفرقة مثل Decadencia y de-: Codera saparicion de los Almoravides en Cnleccion Estudios arabes - Espana, جـ ٣، سرقسطة ١٨٩٩ م لأنها تزودنا بالمواد التي يجب أن نضعها موضع النقد والتحليل. كما أن ترجمات فانيان Fagnan لكثير من المصنفات العربية الخاصة بتاريخ الأندلس والمغرب تعود علينا بالفائدة الجزيلة وهذه الترجمات هي L'histoire des Almohades diapres: Abd el- Wahid Merrakechi, الجزائر ١٨٩٣؛ Chronique des Almohades et des Hafcides attribuee a Zerkechi, قسنطينة ١٨٩٥؛ Annales: Ibn el Athir Maghred et de l' Espagne du الجزائر ١٨٩٨ - ١٩٠١ Histoire de l'Afrique , -et de l'Espagne intitulee al Bayano' l Moghrib لابن عذارى، جـ ١، الجزائر ١٩٠١، جـ ٢, ١٩٠٤ م,. En Nodjoum - Relatifs au Magh ez Zahira Extraits reb والترجمة الأخيرة عبارة عن فقرات ترجمها فانيان من كتاب أبي المحاسن ابن تغرى بردى، قسنطينة ١٩٠٧، ومن المؤسف أن أسماء الأماكن في جميع الترجمات السالفة لم تحقق تحقيقًا كافيًا.
وامتازت المرحلة الأخيرة التي دامت ٨٠٠ عام بالنضال الشريف في سبيل استعادة الأندلس الجميلة، وهي دون غيرها قد أوحت إلى المؤرخين مرة إثر أخرى تصنيف المؤلفات التي تتراوح بين اندفاع العاطفة والجد العلمي. ويجب أن تنال هذه المؤلفات نصيبها من
стр. 1294
الاهتمام عند تدوين تاريخ نهائي لغرناطة والحمراء، وهذا ما فعله de L. Eguilaz Gayangos في كتابه Resena Hitsorica de la Conquista del reino de -Granada porlos Reyes Cotalicos se gun los cronistas arabes, الطبعة الثَّانية غرناطة ١٨٩٤ وهو من أحدث البحوث في هذا الموضوع. أما عن جغرافية مملكة غرناطة الصغيرة فكتاب سيمونيه المتوفى عام ١٨٩٧ ما زال العمدة، ولو أننا يجب أن نتناول كثيرًا مما ورد في طبعته الثَّانية بشيء من الحيطة ونضعه موضع النقد (Simonet: -Descrincion del Reio de Granada sa cada de los autores arabes, مجريط ١٨٦٠، الطبعة الثَّانية عام ١٨٧٢ م) وكذلك يجب أن نرجع إلى كتاب قيم آخر للمؤلف نفسه فيما يختص بتاريخ الأندلس في العهد العربي عامة (Historia de los Mozarabes: Simonet de Espana deducida de Los mejores y - mas autenticns testimonios de Ins Es critores cristianos y arabes, مجريط ١٨٩٧ - ١٩٠٣, المجلد ١٣ في - Mem -orias de la Real Academia de la His toria الثمان والخمسين صفحة من المقدمة مضافة إلى التسعمائة والست والسبعين صفحة من الأصل).
ولا يوجد بين التواريخ التي وضعت عن البلاد والأماكن المشهورة بالأندلس سوى عدد قليل له قيمة تاريخية مثل Bosquejo: Alvara Campaner y Fuertes historico de la dominacion islamita en las Islas Baleares (بالما ١٨٨٨ م، وانظر عن هذا الكتاب Estudios: Codera criticos de historia arade espanola Collecion de Estudios arabes, جـ ٧، سرقسطة ١٩٠٣ م، ص ٢٤٩ - ٣٠١؛ Les Benou Ghanya, der-: Alfred Bel niers representants de l'Empire alma -ravide et leur lutte contre l'empire Al mohade، باريس ١٩٠٣ م) و Mariano gaspar Remiro Historia de Muricia musulmana, سرقسطة ١٩٠٥ وغيره. كتاب Altamira الحديث الشامل: His- totia de Espana y de la ciuilizacion espanola, جت ١ - ٣ برشلونة، طبعات ١٩٠٠, ١٩٠٢, ١٩٠٦, وهو يتحدث
стр. 1295
عن تاريخ الأندلس حتَّى عام ١٧٠٠ م مفيد في بعض الأحيان، ولو أنَّه اعتمد في كلامه عن العهد العربي على مصادر ثانوية، ويجب أن نتناول ما جاء به في حيطة ونضعه موضع النقد. وقد اعتمد Th Linder في الغالب على A.Miiller في إلمامته الجيدة عن الأندلس - Welrgesch. seit der Vol kerwanderung جـ ٢، شتوتكارت- برلين ١٩٠٢، ص ١٠٢ - ١٤٠).
وينبغي لنا أن نذكر من بين المؤلفات
التي تتحدث عن المصادر ما يأتي: F.
Ensayo bio- biblio-: Pons Boigues Los his- graphico sobre Esapnoles toriadores y geografos arabigo Gesch. arab. d. Liter وهذا الكتاب يتحدث أَيضًا عن أدباء الأندلس ولو أن تراجمه- وخاصة في المجلد الأول غير مستوفاة في كثير من الأحيان؛ ويعطينا Shack في كتابه Poesie und - Kunst der Araber in Spanien und Si cilen الطبعة الثَّانية شتوتكارت ١٨٧٧ أحسن وصف للشعر الوافر الذي تغنى به شعراء الغزل الأندلسيون وأضرابهم من عرب المغرب وللفن المغربي الذي يتجلى في عمائرهم التي تتميز بكثرة الزخرف (نقوش على النمط العربي ومقرنصات وزخرفة خطية) ويغلب فيها الميل إلى الزخرفة على الميل إلى الإنشاء والبناء. وقد تعقب شاك Shack تطور العمارة مبتدئًا بالجامع الكبير بقرطبة (٧٨٦ م) ومنتهيًا بالتحفة الفنية المعروفة بالحمراء. وأحسن الصور الخاصة بهذه العمائر وأحفلها بالألوان هي التي وردت في Moorish: Calvert , remains in Spain (Cordoua, Sevilla (Toledo, Granada, ١٩٠٦ - ١٩٠٧. ولم تخط الأبحاث التي تتناول كيفية ومدى تأثير حضارة العرب في الأندلس على الغرب سوى بضع خطوات، وهذا ينطبق مثلًا على المسألة التي لم تحل بعد، وهي الخاصة بمدرسة النقلة بطليطلة والشأن الذي كان لذلك اللون الجديد من الأدب اليهوديّ الذي أنتجه يهود الأندلس وازدهر في كنف الإِسلام.
(انظر أَيضًا تقارير تسيبولد السنوية التي بدأ بنشرها عن المراجع
стр. 1296
منذ عام ١٨٩١ Romanischer Vollmoller Jahresbericht: الكاتب نفسه Die arab. Sprache in den roman. Landem roman Philologie Grundriss. der في Grober: ، جـ ١، ١٩٠٤ م,، ص ٥١٥ - ٥٢٣؛ نفس المؤلف Hispano -Arabica: في - Zeitschr. der Deutsch. Morgenl. Ge . sellsch، جـ ٦٣ ص ٣٥٠ - ٣٦٤. وانظر أَيضًا مقال بلاد العرب والعجمية).
[تسيبولد C.F. Seybold]
تعليقات على مادة "الأندلس "
(١) الأندلس: كلمة أعجمية جرى على الألسن أن تلزمها الألف واللام؛ غير أن البعض يحذفونهما وبخاصة في الشعر ومن ذلك:
سألت القوم عن أنس فقالوا
بأندلس وأندلس بعيد
وقد أصاب مؤلف المادة إذ لم يأخذ بما ذهب إليه بعض المؤلفين العرب القدماء من أن الأندلس سميت كذلك نسبة إلى أندلس بن طوبال بن يافث، فقد اعتادوا التسليم بالروايات البعيدة عن الصواب لما فيها من طرافة تستهويهم، ومنها قولهم: إن أندلس بن طوبال هذا كان يصاحبه أخ له يدعى سبت بن يافث فنزل العدوة المقابلة للأندلس بالمكان المعروف الآن باسمه وهو سبتة. وسيجد القارئ مثل هذه الرواية في الحاشية رقم ٣ التي ستأتي بعد فيما يتعلق بأصل تسمية أسبانية، وهو بعيد عن موطن الصواب الذي هو عين ما أشار إليه كاتب المادة من أن كلمة أندلس مشتقة من الفندال الذين استولوا على هذه البلاد حقبة من الزمن.
وفي نفح الطيب للمقرى -وهو قريب مما عليه إجماع المحققين الآن-: "أول من سكن الأندلس قوم يعرفون بالأندلس -أي الفندال- بهم سمى المكان فعرب فيما بعد بالسين، كانوا هم الذين عمروها وتناسلوا فيها وتداولوا ملكها دهرًا على دين التمجس، ثم أخذهم الله بذنوبهم ففر أكثرهم فأقفرت الأندلس منهم وبقيت خالية فيما يزعمون مائة سنة وبضع عشرة سنة".
стр. 1297
(٢) إيبيريا Iberie والإيبيريون Les Iberes من اليونانية Iberi: شعب مجهول الأصل والمصدر عاصر في أسبانيا القديمة دول القلت Celtes والفينيقيين واليونان والرومان وقد انتشر في أسبانيا كلها وجنوبي فرنسا، فالإيبيريون على هذا الحساب هم أقدم أمم غربي أوربا. وفي تحقيقات العلماء ما يثبت أنَّهم من أسبانيا انتشروا في فرنسا كلها فإيطاليا وبريطانية العظمى. ومع هذا فإن اسم إيبريا لم يشمل في فرنسا سوى الأراضي غريب نهر الرون. وقد ظهرت أمة القلت في فرنسا فاكتسحت أمامها الإيبريين إلى أسبانيا حيث اختلطت أنساب الفريقين بعضها ببعض فنشأت أمة جديدة أسميت القلتيبيريين Celtiberes، وذكر ديودورس الصقلي المؤرخ هذا الاختلاط فقال: إن القلت والإيبيريين قضوا في المحاربات ردحًا طويلا من الزمن ثم تصالحوا وخلطوا أنسابهم فتولد منهم شعب جديد. وقد اختلف المحققون في أصل الإيبيريين وسبب دخولهم أسبانيا، فقال بعضهم: إنهم أغاروا عليها من الشمال والبعض الآخر إن الإغارة جاءت من الجنوب. وذهب غيرهم إلى أنَّهم انحدروا من أهل أسبانيا النازلين على ضفاف نهر إبْرُ: (بسكون الباء والهاء وضم الراء) L'ebre أو Ibe'rus . وفي آسيا على مقربة من بلاد فارس قوم يدعون بالإيبيريين كإيبيريى أسبانيا سواء ويقول فريق من العلماء إنهم لا شأن لهم بهؤلاء، ولكن المغفور له أَحْمد زكى باشا ذكر في تحقيق له أن نقود قديمة ضربت بشارة إيبيريى آسيا وهي الذئب الأغبر - وجدت في حفائر أسبانيا وأنها الدليل على أن من هؤلاء انحدر الإيبيريون الأسبانيون على أثر هجرتهم إلى أسبانيا بطريق البحر.
(٣) أشبانية: Espagne أسماها الرومان Hispania وكانت تسمى من قبلهم Hese'rie أي بلاد المغرب أو المغرب. وقال المقري في سبب تسمية أشبانيا بهذا الاسم: "إنه لما صار ملك الأندلس إلى عجم رومة وملكهم أشبان بن طيطش سميت الأندلس أشبانية، وقد ذكر بعضهم أن اسمه أَصبهان فأحيل بلسان العجم. وقيل بل كان
стр. 1298
مولده بأصبهان فغلب اسمها عليه. وهو الذي بنى إشبيلية. وكانت أشبانية اسما خالصًا لإشبيلية التي كان ينزلها أشبان ثم غلب الاسم بعده على الأندلس كله فالعجم الآن يسمونه أشبانية لآثار أشبان هذا فيه". انتهى كلام المقرى، ونقول إنه من قبيل كلام الذين زعموا أن الأندلس وسبتة إنما سميتا باسمى أندلس وسبت ابنى طوبال بن يافث وهو كثير امتلأت به كتب التاريخ العربية القديمة مثل قولهم إن إفريقية سميت كذلك باسم فاتحها أفريقش من أمراء اليمن، وهو قول ظاهر الفساد البطلان لأقل تأمل وأيسر تمحيص، وإنما سميت إفريقية بهذا الاسم من أفراغن Afraghen اسم قبيلة بربرية نزلت حول مدينة قرطاجة بتونس فأسميت باسمها في العصور الماضية.
(٤) بتيقا باللاتينية Baetica وبالفرنسية Betique: شطر أشبانيا القديمة الذي كان يخترقة النهر الكبير Guadalquivir ويحده من الشمال إقليم أناس Anas ومن الشرق طركونة Tar- ragone ومن الجنوب البحر المتوسط وبحر الظلمة (الأطلنطى) بحيث يضم في نطاقه القطر الذي كان معروفًا بأندلس وإقليم غرناطة وجزءًا من قشتالة الجديدة والبرتقال. ووصف بليناس Pline ذلك القطر بخصب الأرض وبأنه كان على عهد الرومان ينقسم أربع دوائر قضائية في قادس وقرطبة وإستجة وإشبيلية. وكان به في ذلك العهد ١٣٥ مدينة عامرة من أشهرها إشبيلية Hispalis وطرطوشة Tar- tessus وقرطبة Corduba وأصطبه As- tapa وقادس Gades ومالقة Malaca وأنتقيرة Antaquera (والأسماء الإفرنجية هنا مرسومة برسمها القديم). وكان يسكن تلك المدن أقوام اتصلوا بالفينيقيين والقرطاجيين قبل أن يحتكوا بالرومان فبتيقا هذه بحدودها الآنفة هي التي هبطها قوم الفندال المنحدرين من ألمانيا ومن ثم عزيت إليهم فأسميت فنداليشيا -كما ذكره مدون المادة- ثم حرف هذا الاسم على توالى الزمن إلى Andalousia أي الأندلس.
(٥) الأربونية: نسبة إلى أربون،
стр. 1299
وهي إحدى مدن جنوبي فرنسا الآن فيما يلي جبال البرانس Pyrenees على مسافة ٥٥ كيلو مترًا من قرقشونة - Car cassonne وأصل رسمها بالفرنسية Nar- bonne أي نربون فحرفها العرب وكانت من منضماتهم بعد اختراقهم تلك الجبال إلى أربونة. وقد وردت بهذا الرسم في معجم ياقوت الذي قال: "أربونة بلد في طرف الثغر من أرض الأندلس بينها وبين قرطبة- على ما ذكره ابن الفقيه- أَلْف ميل". وهي في عهدنا الشاهد بندر مقاطعة أود Aude وشهرتها بجودة عسلها وخمرها وبأنها مسقط رأس طائفة من قياصرة رومة.
(٦) أشتورش: أوردها ياقوت الحموي في معجمه بالسين بدل الشين في موضعيها، وقال إنها بضم الهمزة وأنها حصن من أعمال وادي الحجارة بالأندلس أحدثه محمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن الحكم بن هشام الأُموي صاحب الأندلس، عمره في نحو العدو.
(٧) ورد تعريب كلمة Le' in في المصنفات العربية على ضربين أحدهما (لاون) وقد ذهب إليه الإدريسي وغيره، والآخر (ليون) بمقتضى منطوقه الإفرنجي، وإلى هذا الرسم ذهب المقرى في مواضع شتى من كتابه نفح الطيب إذ قال في أحدها: "ومعادن الفضة بناحية إفرنجة وليون". وكانت مملكة ليون القديمة متصلة بمملكة أشتورش ثم انفصلت منها في سنة ٩١٥ م وانضمت إلى قشتالة مرتين إحداهما في القرن الحادي عشر والأخرى في الثالث عشر.
وكانت مملكة ليون القديمة تضم ضمن حدودها من ولايات أسبانيا بحسب التقسيم الحاضر: ليون وبلد الوليد وشلمنقة وسمورة (ويقال أَيضًا: زمورة). وكلمة Le'on تسمى بها أَيضًا الجزيرة التي تقوم عليها مدينة قادس بجنوب أسبانيا.
(٨) كلمة Argon عربّها العرب على وجهين: الأول أرجون بالجيم ورد في نزهة المشتاق للإدريسي وغيره، والثاني بالغين وقد ذكره المقرى في جملة مواطن من نفح الطيب إذ قال في أحدها: "والإقليم الخامس يمر على طليطلة وسرقسطة وما في سمتها إلى
стр. 1300
بلاد أرغون" غير أنَّه في مواطن ذكرها بالجيم وهذا يفيد أن عرب الأندلس كانوا يجمعون بين الوجهين في رسمها، فاختر لنفسك ما يحلو.
ولا تخلط أرجون مدينة إقليما بمدينة أرجونة لمجرد التشابه اللفظي، فإن أرجونة بلد ناحية جيان Jaen بالأندلس الأصيل أي بالنصف الجنوبي من أشبانيا، أما أرجون ففي أقصى النصف الشمالي منها إذ تتصل حدودها الشمالية بجبال البرانس من غير فاصل وأرجون هو في الأصل اسم نهر ينحدر من تلك الجبال ويصب في نهر إبره Ibre فأسمى واديه الأعلى باسمه الذي سرى فيما بعد على الأراضى الفسيحة والولايات الكبيرة التي انضمت إلى هذا الوادي وتألفت منها مملكة أرجون وامتدت من جبال البرانس شمالا إلى جبال كونكة Cuenca (قونكة أَيضًا) جنوبا ثم إلى بلنسية شرقًا غير أنها لم تلبث على مر الأجيال أن تجزأت إلى ولايات ومقاطعات نذكر منها مقاطعة وشقة Huesca ومقاطعة سرقسطة Sar- agosse وغيرهما.
(٩) طرف القديس فنسان Cap de st Vincent: هكذا يسمونه في الجغرافيا الحديثة، وكان الأشبانيون يسمونه من قبل "طرف الغرب" Promontoire L'Algarve بالإضافة إلى ولاية أو بلاد "الغرب" Algarve L' التي يتألف منها القسم الجنوبي من البرتغال فكلمة- Al garve إذن كلمة عربية أصلها الغرب بالإبدال من حرف الباء حرف V. وقد كان ملوك البرتغال- الذين أخضعوا المغرب الأقصى (مراكش) لحكمهم عهدًا ما يتلقبون بملوك الغربين Les rois de deux Algarves يريدون بلاد الغرب البرتغالية الآنفة الذكر وبلاد المغرب الأقصى.
وسبب تسمية طرف الغرب برأس أو طرف القديس فنسان أن هذا القديس قتل في بلنسية في عهد قيصر الرومان دقلطيانوس المشهور بجوره واضطهاد المسيحية وألقيت جثته في العراء كي تنهشها الضوارى وتفترسها الجوارح ولكن قيل: إن غرابًا هبط فحرسها ومنع عنها عادية هذه الحيوانات. وفي عهد