الأندلس. ثم إنه لم يجد مشقة فى كسب تأييد أتباع بنى أمية الذين جاءوا قبله ببضع سنين مع بلج بن بشر وكان عددهم يقرب من الخمسمائة انتشروا بين الجند فى البيرة وجيان جنوبى شرق الأندلس. وكان حاكم بلاد الأندلس فى ذلك الحين يوسف بن عبد الرحمن الفهرى، الذى كان يستمد سلطانه من زعيم بنى قيس فى الأندلس وهو الصَّميل الكلابى.
ولما رأى عبد الرحمن أن الوقت قد تهيأ لأن يدخل بلاد الأندلس مطالبًا بالحق فى الملك، غادر المغرب ونزل فى المنُكبَّ " Alminecar" فى ربيع الثانى عام ١٣٨ هـ (سبتمبر عام ٧٥٥) ولقى من الترحيب فوق ما كان يرجو، ووقف لمناهضة يوسف الفهرى. وبعد اجتماعات وحروب ومفاوضات -يستطيع القاريء أن يرجع إلى تفاصيلها فى كتب مؤرخى العرب- نودى بعبدالرحمن أميرًا فى العاشر من ذى الحجة عام ١٣٨ (١٥ مايو سنة ٧٥٦) فى مدينة قرطبة وهى المقر القديم لحكام العرب.
وحكم عبد الرحمن مؤسس الإمارة الأموية فى قرطبة مدة تزيد على ثلاثة وثلاثين عامًا، قضى أول هذه المدة فى توطيد مركزه فى العاصمة. وذاعت أخبار نجاحه فى بلاد المشرق كلها، فأتى إلى بلاد الأندلس سيل متدفق من أتباع الأمويين وأنصارهم ليقوموا بنصيبهم فى إعادة دولة بنى أمية فى الأندلس بعد أن سقطت فى الشام. ولكن سرعان ما نشأت اضطرابات سياسية كان لابد لأمير قرطبة من التغلب عليها، فكان عليه أولا أن يخضع يوسف الفهرى الذى لم يرضى بالهزيمة فحاول أن يستولى على قرطبة بعد أن جمع حوله فئة من الأتباع، ولكنه هزم ١٤١ هـ (٧٥٨ م) وقتل فى العام التالى فى إقليم طليطلة.
وظلت الفتن تنتشر فى كل نواحى الأندلس من وراء ستار، كما كانت الحال أيام الولاة. وكانت الاضطرابات تنشأ باستمرار يوقظها طوائف المولدين من الأسيان الذين دخلوا فى الإسلام حديثا. وفوق هذا كان البربر والعرب لا يلقون سلاحهم بسبب الأحقاد القبلية، فكان لابد لعبد الرحمن من أن يخمد
стр. 1227
فتن اليمانية وبنى فهر الذين انضووا تحت لواء العلاء بن مغيث الجذامى عام ١٤٦ هـ (٧٦٣ م)، ثم فتن البربر يقودهم شقيا الذى ثار فى شنتبرية عام ١٥٢ هـ (٧٦٩ م) وحال دون انتشار أى اضطراب فيها.
وفى النصف الثانى من حكم عبد الرحمن الأول اتحد بعض كبار العرب فى شرقى الأندلس واستنجدوا بشرلمان، فعبر شرلمان جبال البرانس بنفسه على رأس جيش، وحاصر سرقسطة عام ١٦٢ هـ (٧٧٨ م) ولكن سرعان ما اضطر إلى العودة إلى الرين، فرفع الحصار، ومنى فى رجوعه إلى فرنسا بالهزيمة المشهورة التى تقترن بذكرى رولاند والتى نشأت عن كمين نصبه له الباسك عند ممر رونسفو. وانتهز عبد الرحمن فرصة عودة شرلمان فحاصر سرقسطة بدوره واحتلها عا م ١٦٤ هـ (٧٨٠ م) ولكن احتلاله لها كان قصير الأجل. ثم وجه حملة ضد الباسك كللت بالنجاح.
ولما مات مؤسس الدولة الأموية الجديدة عام ١٧٢ هـ (٧٨٨ م) كانت مملكة قرطبة قد قامت على أساس قوى من الوجهة السياسية ومن حيث سيادتها لبقاع معينة، وصار لها جيش قوى. ونجاح ذلك الرجل الذى خرج على وجهه من الشام، وقدرته العجيبة على إنشاء مملكة لنفسه ونشر السلام فيها، نالا إعجاب كل مؤرخى العرب فلقبوه "صقر قريش".
وكان نشر السلام فى ربوع المملكة الجديدة أكبر همّ لخلفاء عبد الرحمن الأول. وبعد موته انتقل الحكم إلى ابنه هشام الأول فلم يزد حكمه على السبع سنين إلا قليلا، لأنه مات شابًا عام ١٨٠ هـ (٧٩٦ م).
وكان لابد له أولا من التغلب على إخوته الذين أرادوا الاستئثار بالحكم فأرسل حملتين صائفتين عامى ١٧٧ هـ (٧٩٣ م) و ١٧٩ هـ (٧٩٥ م) إحداهما ضد نربون والأخرى ضد جليقية Galicia. والمؤرخون يذكرون أن هشاما الأول كان أميرًا نبيلا جم الفضل، ويأسفون لأن حكمه لم يطل.
وجاء بعده ابنه الحَكم الأول فلبث فى الحكم ستة وعشرين عامًا،
стр. 1228
ولا نعرف على وجه اليقين إن كان هو الذى أدخل مذهب المالكية فى الأندلس أم أبوه. والمذهب الذى كان متبعًا حتى ذلك الحين فى تلك البلاد هو مذهب الأوزاعى، وأيا ما كان الأمر فإن الفقهاء لم يصر لهم شأن خطير وكلمة مسموعة عند الحاكم إلا عندما آل الأمر إلى الحكم.
وكان هذا الأمير -خلافًا لأبيه- قليل الميل إلى الفقهاء، وسرعان ما وقف فى وجههم وأثبت لهم قدرته على مخالفة آرائهم. ولكن الفقهاء صمموا على مقاومته فانضموا إلى فريق آخر من المتذمرين هم المولدون، وصاروا -إلى حد ما، وباسم الإسلام- أبطالا للقومية الأسبانية. وكان الحكم رجلا قوى الهمة ثابت العزم فأدت معارضتهم له إلى سلسلة من الإجراءات القاسية اتخذها الحكم بشدة لا هوادة فيها فى الجزء الأكبر من حكمه. وقامت أول فتنة فى قرطبة ذاتها عام ١٨٩ هـ (٨٠٥ م). فقام متآمرون من الأشراف يستحثهم الفقهاء، وحاولوا أن يخلعوا الحكم عن العرش ولكن مؤامرتهم اكتشفت، وقمع الحكم أولئك الثائرين بشدة عظيمة،
وفى العام التالى استولى الحكم على " Merida" ماردة، وأخمد فتنة أخرى فى قرطبة أراق فيها الدماء. وفى عام ١٩١ هـ (٨٠٧ م) وقعت فى طليطلة وقعة الحفرة المشهورة، وكان أهل هذه المدينة من أول الحكم الأموى فى ثورة لاتهدأ حتى تقوم، فأرسل الحكم اليهم عمروس ليحكم وكان من رجاله المخلصين، فنصب كمينًا لسادة طليطلة بعد أن أقر سيده هذه الخطة، ولم يحرج منه أحد على قيد الحياة.
على أن الذى يكشف عن عزيمة حفيد عبد الرحمن التى لا تلين هى وقعة الربض. ووطّن الحكم عزمه ليقضين على جراثيم الفتنة فى العاصمة قضاء مبرمًا، فجمع حوله حرسًا من الجنود المرتزقة يسمون "الخُرْس". وأقاموا حكم الإرهاب فى قرطبة، وظل التذمر فى زيادة مستمرة، وفى عام ٢٠٢ هـ (٨١٧ م) نشبت ثورة واسعة النطاق فى الضاحية الجنوبية للعاصمة على شاطئ الوادى الكبير، وذلك أن الفقهاء بزعامة
стр. 1229
يحيى بن يحيى أهاجوا الدهماء فقام هؤلاء يحاولون أن يأخذوا قصر الأمير، ولكن سرعان ما طوقتهم جنود الحكم وأخذوا عليهم السبل. وقرر الأمير لساعته أن ينفى من أرض الأندلس كل سكان ربض قرطبة الذين نجوا من المذبحة، فهاجر عشرون ألف أسرة ذهب ثلثاهم إلى مصر ومنها إلى "إقريطش"، وذهب الباقون إلى فاس واستوطنوا الحى الذى يسمى عدوة الأندلس. ثم هدم الربض وحظر على الناس أن يعيدوا بناء شئ فيه. وأثّر إخماد الفتنة -على هذه الطريقة العنيفة- فى العالم الإسلامى تأثيرًا كبيرًا حتى أن المؤرخين يسمون الحكم الأول "بالربضى".
وقد أنفق الحكم معظم أيام حكمه فى القضاء على الفتن الداخلية التى كان يوقد نارها المولدون المتذمرون يحرضهم الفقهاء من وراء ستار، واستطاع بهمته أن يتغلب على كل شئ. ولكن لما كان باله مشغولا بالمشاكل الداخلية دائمًا لم يستطع أن يحمى ثغور بلاده حماية كافية فى طول أيام حكمه؛ ولهذا نجد مملكتى أشتورية وجليقية تتقدمان نحو الجنوب تقدما واضحا، وانتزع دوق أكويتانيا برشلونة من يد المسلمين عام ١٨٥ هـ (٨٠١ م).
ثم جاء بعد الحكم ابنه عبد الرحمن الثانى فكان مخالفًا لأبيه كل المخالفة. وامتد حكمه من ٢٠٦ إلى ٢٣٨ هـ (٨٢٢ - ٨٦٢ م). وكان ضعيفًا جدًا، فلم يستطع أن يقبض على زمام الأمور. ونشأ عن عهد هذا الأمير الضعيف أن تجددت الحركة القومية. ففى عهده وجد المستعربون من أهل الأندلس الذين ظلوا على دينهم المسيحى أن فى قدرتهم أن يخرجوا على الأمير بتحريض إيولوجيو Eulogio والفارو- Al varo. فلما أرادت الحكومة الإسلامية أن تقمع ثورتهم هبط على الأندلس -وخصوصًا على قرطبة- بين عامى ٢٣٦ - ٢٣٨ هـ (٨٥٠ - ٨٥٢ م) سيل من المتطوعين يريدون الاستشهاد فى سبيل الدين، ودعا الأمير الأموى مؤتمرًا حاول أن يصد هذا التيار. وكان على الأمير -إلى جانب مقاومة
стр. 1230
الجماعات المسيحية المناوئة له- أن يتغلب على ثورات جديدة قام بها المولدون، فكان لابد له من أن يستعيد ماردة وطليطلة بالقوة.
وفى عهده أيضًا ظهر فى الأندلس لأول مرة النورمانديون الذين يسميهم المسلمون "المجوس". وفى عام ٢٣٠ هـ (٨٤٤ م) استولى غزاة النورمانديين على إشبيلية، وعقدت هدنة بين قائدهم وبين أمير قرطبة الذى أرسل إليهم سفيرًا هو يحيى بن الحكم الغزّال.
ولما مات عبد الرحمن الثانى عام ٢٣٨ هـ (٨٥٢ م) خلفه على عرش قرطبة ابنه محمد الأول، فحكم إلى عام ٢٧٣ هـ (٨٨٦ م)، وامتاز عهده بثورات داخلية متوالية كانت تزداد رغم قسوته؛ فقام المستعربون بثورة عند توليه الملك. وبدأ الأمير يضطهد الطوائف المسيحية فاستغاث مسيحيو طليطلة بليو أوردونيو الأول " Leo Ordono" فسير إليهم جيشًا على رأسه الكونت بيرزو " Bierz" وقطعت جنود المسلمين عليه الطريق عام ٢٤٠ هـ (٨٥٤ م) فى موقعة وادى سليط.
ولم تقف ثورات المسيحيين إلا عام ٢٤٥ هـ (٨٥٩ م) وبعد موت إيولوجيو وليوقريطيا " Leocritia". ولكن زادت القلاقل السياسية فى إمارة قرطبة، وأخذت حركات العصيان تظهر شيئاً فشيئا فى جميع الولايات التى كانت خاضعة نظريًا لقرطبة. وكان يقود هذه الحركات المولدون الذين ظهروا فى ثوب حكام مستقلين وأبطال قوميين. وظل أمراء قرطبة مشغولين حتى أول القرن العاشر بثورات أشراف المولدين وبدعاوى البيوتات العربية الكبيرة بعد ذلك.
وفى عهد محمد الأول بدأت ثورة طويلة الأجل فى جنوب غربى الأندلس كان على رأسها زعيم مستقل هو عمر ابن حفصون. وسرعان ما صار له السلطان المطلق على جميع البلاد الجبلية التى تقع بين رُنْدَة " Ronda" ومالقة. وأنشأ مقرًا له فى قلعة بباشتر " Bobastro" الحصينة، وظل ينازع الحكومة الإسلامية المركزية إلا فى فترات هدنة قصيرة. وسرعان ما اعترف الثائرون فى كل بلاد الأندلس أنه زعيمهم غير مدافع.
стр. 1231
وكان حكم المنذر ابن محمد الأول وخليفته قصير الأمد (٢٧٣ - ٢٧٥ هـ = ٨٨٦ - ٨٨٨ م)، قضاه كله فى محاربة ابن حفصون الذى كان نفوذه يزداد يومًا بعد يوم، وفى محاصرة قلعة بباشتر التى كانت خليقة بأن تتكلل بالنجاح لولا أن
المنية عاجلت الأمير. ويظهر أنه مات مسمومًا بيد أخيه عبد الله الذى تولى الحكم بعده.
أما عن حكم عبد الله (٢٧٥ - ٣٠٠ هـ = ٨٨٨ - ٩١٢ م) فيقال بحق أنه مرحلة هامة فى إعادة السكينة إلى مملكة قرطبة، رغم أن عهده يبدو خافت النور بالنسبة لعظمة عهد حفيده وخليفته عبد الرحمن الثالث الملقب بالناصر. ولا شك أنه كان شديد القسوة فى قمع كل من أراد خلعه عن العرش ولو كانوا إخوته، شأنه فى هذا شأن كل أمراء ذلك العهد. ولكنه كان يواجه أخطارًا عديدة، ويكافح حركات اضطر أسلافه إلى مكافحتها وكانت تزداد قوة إلى أيامه، واستغرقت ثورة ابن حفصون وحدها معظم أيام حكمه.
ومن جهة أخرى فإن إشبيلية، رغم قربها من قرطبة، كانت على وشك أن تخرج على الحكم الأموى. وكان الحزب الأسبانى والحزب العربى فيها يُضعفان باستمرار سلطة الحاكم الذى ترسله قرطبة. وكانا يطلقان على المدينة طوائف البربر الذين كانوا ينزلون فى الجبال المجاورة. ثم اشتدت عداوة القبائل العربية الكبرى كبنى حجاج وبنى خلدون، وصارت تقض مضجع الأمير شيئاً فشيئًا. وكان رؤساء هذه القبائل أصحاب أراض واسعة، ولهم أتباع مخلصون كثيرون يستطيعون تسليحهم إذا استلزم الأمر ذلك. ولم يكد عبد الله يستقر على عرش الإمارة حتى قام كريب بن خلدون رئيس القبيلة الثانية وأهاج إقليم الشرف كله، وضم إليه زعيم بنى حجاج. ثم عقد محالفة مع الأمير واتفق معه على مهاجمة المولدين فى إشبيلية وأنزل بها الدمار عام ٢٧٨ هـ (٨٩١ م)، ولكن خضوعه كان قصير الأمد.
وفى عام ٢٨٦ هـ (٨٩٩ م) وقعت منازعات بين زعماء الأسرتين الكبيرتين
стр. 1232
فى إشبيلية. وبعد أن تخلص إبراهيم ابن حجاج من كُرَيب منافسه، عقد محالفة مع ابن حفصون قائد الثورة فى الجنوب الشرقى، واستطاع عبد الله أن يخضع ابن حفصون، ولكنه اضطر إلى منحه امتيازات عديدة حتى أنه أصبح فى الواقع مستقلا بحكم إشبيلية. وفى هذا العصر زاد نفوذ الأشراف -وهم حكام إقطاعيون كانوا يتبعون أمير قرطبة من الوجهة النظرية- فساعد ذلك على إضعاف سلطانه. وكان أهم هؤلاء الأشراف صاحب سرقسطة وإقليش ووشقة وأكسونبة Ocsonoba فى الجنوب الغربى.
اما ابن حفصون فإنه بعد أن أظهر شيئاً من الخضوع فى أول حكم عبد الله عاد إلى مناوأة الحكومة، وساعده مسيحيو قرطبة ورئيسهم الكونت سرفاندو، فامتد سلطانه إلى الجنوب حتى أصبحت العاصمة نفسها مهددة بالخطر، ولم يكن بد من الركون إلى العمل الحازم. وفى عام ٢٧٨ هـ (٨٩١ م) زحف الأمير عبد الله على حصن بولي poly جنوبى قرطبة - واسمه الآن أكَولار Agwlar - وكان ابن حفصون قد اتخذه مقرًا له، وأرغم هذا الثائر على الالتجاء إلى قلعة بباشتر، وكان هذا النجاح سببًا فى تقوية سلطان الأمير، وساعده على إخضاع كورات إستجه وأرشذونة وإلبيرة وجيَّان مدة قصيرة.
وظل الأمير إلى آخر حكمه ينشر السلام فى بلاده ويصل فى ذلك إلى نتائج مختلفة، ولكن همته لم تفتر، ولم يدع خصومه الثائرين يهدأ لهم بال، ونجح بالتدريج فى توطيد سلطانه، وفصم عروة خصوم بنى أمية.
لما مات فى صفر عام ٣٠٠ هـ (٩١٢ م) كان الموقف أكثر استقرارًا من ذى قبل. فقد مهد السبيل إلى نشر السلام فى ربوع الأندلس، وكان من أنشط العاملين على ذلك. وجاء حفيده فأكمل فى الجزء الأول من حكمه ما بدأه عبد الله.
(٢) خلافة الأمويين فى الأندلس
لما تولى عبد الرحمن الثالث بن محمد الأمر بعد جده عبد الله، كان فى الثالثة والعشرين من عمره. ورغم أنه كان
стр. 1233
فتى فإن جده اختاره خليفة له لما كان له من عظيم الصفات، فكان اختيارًا صادف أهله. وليس فى تاريخ العصر الإسلامى فى الأندلس عهد أزهى وأبهر من عهد عبد الرحمن الثالث. كان حكمه طويلا، فقد حكم نصف قرن: من ٣٠٠ - ٣٥٠ هـ (٩١٢ - ٩٦١ م)، فتمكن الأمير من تنفيذ سياسته تنفيذا متواصلا منقطع النظير، وساعدته هذه المزايا على أن يخمد مراكز الثورة المختلفة التى كانت لاتهدأ فى الأندلس، منذ أن دخلها المسلمون؛ وظلت البلاد هادئة عشرات السنين. وفى عهد عبد الرحمن الثالث وخليفته الحكم الثانى، وفى العهد الذى كان الأمر فيه فى قبضة المنصور والمظفر الدكتاتورين العامريين، بلغ ملك المسلمين فى الأندلس أوج عظمته، ولم تستطع الأندلس بعد ذلك أن تصل إلى النفوذ السياسى والمدنية الزاهرة اللذين بلغتهما فى عهد هذين الأميرين، ولا فى أن يكون لها الشأن الأول فى الغرب وأوروبا وإفريقية.
ولا نريد تفصيل القول فى عهد عبد الرحمن الثالث، بل حسبنا أن نقتصر على دراسة أهم ما فيه. ونستطيع أن نقسمه إلى عصرين كبيرين: أولهما عمر إعادة السلام إلى البلاد، وقد تم فيه تحقيق الوحدة السياسية فى الإمبراطوية القرطبية. والعصر الثانى أطول من الأول، وأكثر ما يميزه الاشتغال بالشئون الخارجية وبالعلاقات بالممالك المسيحية فى الشمال، وبشمالى إفريقية الذى كان يحكمه الفاطميون.
ولما اعتلى عبد الرحمن الثالث العرش، بدأ فى العمل، ورسم لنفسه برنامجًا يقوم على القضاء على الثورات التى كانت تروى أرض الأندلس بالدماء منذ قيام الدولة الأموية، وعلى أن يشل سلطان أشراف العرب الأقوياء، وأن يحمى الثغور الإسلامية فى الشمال. وقد نفذ برنامجه جزءًا جزءًا. وفى العام الأول من حكمه استولى على إستجة، ودك حصونها. وقام بغزوة أخرى كانت نتيجتها الاستيلاء على قلعة مونتليون Monteleon الحصينة، ونشر السكينة فى إقليمى جَيَّان
стр. 1234
وإلبيرة. وظل يخضع جنوب الأندلس إلى عام ٣٠٥ هـ (٩١٧ م)، فخضعت له إشبيلية وبعدها قرمونة. ثم مات عمر ابن حفصون قائد الثورة الهرم، وحاول أبناؤه جعفر وسليمان وحفص أن يستمروا فى الكفاح، ولكن لم تكن لهم ثقة عظيمة فى نجاح أسلحتهم. وكانت النتيجة أن استولى عبد الرحمن على بباشتر بعد أن حاصرها بنفسه عام ٣١٥ هـ (أوائل ٩٢٨ م)، وسقطت طليطلة آخر حصن للثورة بعد ذلك بخمس سنين. وكان أسلاف عبد الرحمن قد اضطروا إلى أن يمنحوها نوعًا من الاستقلال السياسى، ولكنه ضيق عليها الخناق حتى سلمت أخيراً عام ٣٢٠ هـ (٩٣٢ م).
على أن الأمير لم يغفل فى الوقت نفسه عن مطامع الملك المسيحية فى الشمال، ولاسيما مملكة ليون التى رسمت لنفسها برنامجاً للتوسع العمرانى، والتى كان يحكمها أوردونيو الثانى، وهو أمير طموح نشيط. واستولى أوردونيو على قلعة الحنش فى جنوب ماردة Merida. وبعد ذلك بقليل تمكن بمساعدة سانخو ملك (نبارة) نافار، من أن يرسل حملة إلى إقليمى تطيلة وفلتييره Valtierre. ولكن عبد الرحمن الثالث صد تقدمهما وأحرز انتصارات متوالية فى عام ٣٠٨ هـ (٩٢٠ م) بأن استولى على قلاع أوسمه وشنت اشتبان وكلونية وقرقر وقلهرة ومويز وانتصر فى وادى جنقويرة. وبعد ذلك بأربع سنين اعتدى أهل ليون من جديد، فانتهز الأمير فرصة الاضطرابات التى قامت فى ذلك البلد المسيحى بسبب ولاية الملك بعد أوردونيو الثانى، وأصلح الموقف لمنفعته فى حرب كللت بالنصر.
وكان عبد الرحمن طوال الجزء الأول من حكمه يرقب الحوادث فى إفريقية عن كثب ويقيم الحصون على الشواطئ، وينظم أسطولا قويا، وهو بذلك يستعد لغزوات الفاطميين التى قد تقع بعد أن أتى ضدهم أعمالا تدل على عداوة ظاهرة. ولكى يبرز هذه العداوة فى صورة أقوى، اتخذ لنفسه
стр. 1235
لقب أمير المؤمنين عام ٣١٦ هـ (٩٢٩ م) بعد أن كان أسلافه، بل هو نفسه، من قبل قانعين بلقب الإمارة فقط. وكانت المملكة القرطبية الصغيرة قد صارت فى الوقت نفسه إمبراطورية إسلامية عظيمة، وتمت بذلك عودة الخلافة الأموية إلى الأندلس، بعد أن انقضى أمرها فى دمشق، واتخذ لنفسه أيضاً لقباً تشريفياً فسمى نفسه الناصر لدين الله (انظر Espagne musulmane: E. Levi Provencal du Xeme siecle، طبعة باريس ١٩٣٢ م، ص ٤٥ وما بعدها).
وبعد ذلك بقليل استولى الخليفة عام (٩٣١ م) على قلعة سبتة وهى على شاطئ إفريقية، وعين لها حاكماً وأقام بها حامية، وكان هذا مبدأ غارة الأمويين على المغرب الأقصى. وقبل ذلك بعدة سنين كان حكام مملكة نكور قد طلبوا الانضواء تحت لواء الخليفة الأموى فأجيبوا إلى ذلك. على أن الناصر لم يقف عند هذا الحد واستطاع أن يضم إلى جانبه أمراء الولايات الصغيرة الذين كانوا يحاولون مقاومة غزاة الفاطميين، واستطاع بفضل محالفة عقدها مع المغراوة أن يخضع كل بلاد المغرب الأوسط ماعدا إقليم تاهرت.
ولا نرى لعبد الرحمن فى الجزء الثانى من عهده أعمالا كثيرة قام بها بنفسه. على أن الأحزاب أخذت تنشأ حينذاك فى قلب الإمبراطورية قرطبة المتحدة الهادئة. ولم يكن لها شأن يذكر فى أول أمرها، ولكنها صارت أخيرًا سببًا لاضطرابات عظيمة فى الشئون الداخلية للخلافة. وكان من هذه الأحزاب حزب الصقالبة وحزب البربر. والصقالبة أسرى أخذوا فى شرقى أوربا وإيطاليا وشمالى الأندلس، وسرعان ما صاروا طائفة كبيرة فى قرطبة، نجدهم فى عهد الناصر يتبوءون مناصب عالية فى الدولة، بل وفى الجيش.
ويظهر أن الخليفة استعان بالصقالبة -الذين أيدوه فى أول الأمر- فى الحد من سطوة أشراف العرب
стр. 1236
القدماء، بل وفى محو آثارها؛ فمثلًا نجد الخليفة فى ٣٢٧ هـ (٩٣٩ م) يسند قيادة حملة حربية هامة إلى"نجدة الصقلبى". ولكنه ندم على ذلك فيما بعد؛ لأن جنود المسلمين فى هذه المرة ذاقت أول نكبة إبان حكمه: هزمهم أهل ليون وحلفاؤهم أهل نبارة بقيادة رميرو الثاني، وكان ذلك فى شنت مانكس والخندق. ومن ذلك الحين كانت سياسة الناصر إزاء الممالك المسيحية مقصورة على انتهاز كل فرصة ممكنة، سياسة منطوية على اليقظة والحذر.
ثم نشبت الحرب الأهلية فى شمالى أسبانيا بسبب الحقد المتأصل بين رميرو الثاني وفرنان أمير قشتالة. ولما مات ملك ليون اقتلر ولداه - أوردونيو Ordono الثالث وسانخو sancho - على الملك. ولكى يتفرغ أولهما للتغلب على أخيه الذى كانت تؤيده قشتالة، عقد مع عبد الرحمن معاهدة سلام فى صالح الخليفة، وتعهد بأن يدفع له جزية منتظمة. ولما مات أوردونيو الثالث عام ٩٥٥ هـ خلفه سانخو. ونظرًا لكراهية الأشراف له وهزيمته أمام جيوش الخليفة، اضطر إلى أن يلجا إلى بمبلونة مع توتا ملكة نبارة العجوز. وبعد ذلك لجأ إلى عبد الرحمن الناصر ليساعده على استعادة مملكته التى استولى عليها أوردونيو الرابع، فبدأت المفاوضات وأتى سانخو وتوتا إلى قرطبة يطلبان العون من الخليفة، واضطر ملك ليون أن ينزل عن عشر قلاع فى مقابل إمداد الخليفة له بجنود ساعدته على أخذ سمورة عام ٩٥٩ م، أوبيط Oviedo فى السنة التالية.
على أن خطر الفاطميين الذى كان يهدد الأندلس لم تختف كل معالمه؛ ففى عا م ٣٤٣ هـ (٩٥٤ م) أرسل الخليفة الفاطمى المعز وإليه على صقلية ليغير على ثغور الأندلس. وأجاب الناصر على ذلك بأن أمَّر"غالبا" -وهو واحد من أنصاره المخلصين- على أسطول يتألف من سبعين سفينة، سارت وأحرقت مرسى الخرز، قرب القلعة على ساحل إفريقية الشمالية.
ومات عبد الرحمن الثالث الناصر فى اليوم الثاني من رمضان عام. ٣٥٠ هـ (١٥ مايو ٩٦١ م) وكان فى الثالثة والسبعين من عمره.
стр. 1237
ثم جاء بعده ابنه الحكم الثانى المستنصر بالله، وولى الخلافة وهو يقارب الخمسين، فواصل أعمال أَبيه. وكان ملكًا ورعا. عالمًا، يقترن اسمه خاصة بمسجد قرطبة؛ لأنه وسعه وزينه بالزخارف، وأنفق عليه مبالغ طائلة وأحضر له مهرة الصناع وغالى المواد من بلاد البحر المتوسط ومن بوزنطة. وكان أكبر همّ أَبيه متجهًا إلى تشييد المبانى العامة وإقامة الحصون، وبنى مدينة الزهراء على مسافة ثلاثة أميال شمالى غريب قرطبة لتكون مقرًا له.
وكانت محبة الحكم الثانى للعلم سببًا فى أن يميل إلى الحياة الهادئة من أول الأمر، ولكن المؤرخين يبالغون فى تصويره خليفة لا يعنى بالأمور السياسية. وكان على الحكم أن يحافظ على الحالة التى ترك أبوه البلاد عليها، فلم يكن عليه إلَّا أن يراقب سير دواليب الحكومة من غير اضطراب. وقد نفذ برنامج أَبيه، وكان مترسما لخطاه فى أن لايظل متفرجًا لا يبدى حراكا أمام ما يقع فى شمالى أسبانيا وفى إفريقية.
واستقبل الحكم الثانى أخا سانخو - واسمه أوردونيو الشرير Ordono the Wicked - استقبالًا فخمًا، وصار بالتدريج راعيًا لكل الأمراء المسيحيين فى الشمال كأنهم ولاة يتبعون له.
وكان ساعده الأيمن فى السياسة حاجبه"المصحفى" وكبار الصقالبة، ولعله أسرف فى الثقة بهم إسرافًا يستحق عليه اللوم. وظلت الحكومة الأموية تبذل نشاطًا عظيمًا على شواطئ إفريقية، وكان يظن أن خطر الفاطميين قد زال عند ما رحل المعز إلى مصر، ولكن ممثليه بني صنهاج عادوا إلى مناوأة ولاة بني أمية فى إفريقية الشمالية. ومن جهة أخرى ظل أمراء الأدارسة فى إقليمى طنجة وأصيلا موالين للفاطميين، وقد قاوم حسن بن قَنُّون مقاومة طويلة، ولكنه أخذ فى قلعته"حجر النسر" وأرسل أسيرًا إلى قرطبة. ويمتاز عهد الحكم الثانى بتجدد محاولة النورمانديين (انظر المجوس) للدخول فى أسبانيا عام ٣٥٥ هـ (٩٦٦ م).
стр. 1238
ثم أحس الحكم الثانى ببلوغه الكبر، فصار أكبر همه أن يحفظ الخلافة فى أبناء الأمويين. ولم يكن له سوى ابن واحد لا يزال فتى وهو هشام، فأخذ له من النَّاس البيعة ليتولى الخلافة من بعده، ومات بعد ذلك فى الثالث من صفر سنة ٣٦٦ (الأول من أكتوبر سنة ٩٨٦).
وعهد هشام الثانى المؤيد بالله ثالث خلفاء بني أمية فى الأندلس هو عصر قيام دكتاتورية وراثية فى بني عامر. وقبضهم على السلطة المدنية والحربية، بعد زحزحة الخليفة إلى قصره وتجريده من الاضطلاع بمهام السياسة.
والظروف التى نشأ فيها هذا الوضع الجديد بعد وفاة الحكم الثانى معقدة جدًا ولكنها معروفة تمامًا .. وحسب القول بأن ذلك الحاجب المشهور أبقى للخليفة الناشئ استعمال السلطة العليا من الوجهة النظرية ومع ذلك فإنه -مع مطامعه التى لم تكن تقف عند حد- لم يفكر فيما يظهر تفكيرًا جديًا فى خلعه والجلوس مكانه. فكانت كل الأعمال الرسمية تسير باسم هشام الثانى، ويظهر أنه لم يبد أقل ميل إلى مقاومة نفوذ بني عامر فى بلاده، والحقيقة أن ضعف الخلافة الأموية لم يظهر إلا بعوإن ذهب المنصور.
وواصل المنصور سياسة عبد الرحمن الثالث والحكم الثانى باسم هشام الثانى، وطبعها بشخصيتة القوية، وأقام المنصور فى غربى بلاد البربر شبه نظام للحماية بحيث صارت نفقات إفريقية أقل ضغطا على ميزانية الخليفة. وكان المنصور قائدَا مظفرًا، شديد العداوة للممالك المسيحية، وكان يوجه ضدها الحملات فى كل عام تقريبًا حفظًا لهيبته. ونذكر من هذه الحملات حملة قطالونية عام ٣٧٤ هـ (٩٨٥) التى هزم فيها الكونت بوريل found Borrel. واستولى على برشلونة. وبعد ذلك بثلاث سنين تحول المنصور إلى ليون وحاكمها برموره الثانى - Ber mura II الذى خالف معاهدة بينه وبين قرطبة؛ فاستولى على قلمرية وليون وسمورة.
стр. 1239
وكان للمنصور فخر الانتصار فى حملته الشهيرة على جليقية وفيها استولى على شئت ياقب فى ٢ شعبان سنة ٣٨٧ (١٠ أغسطس سنة ٩٩٧). وفى عام ٣٩٢ هـ (١٠٠٢ م) قاد جيوشه إلى قشتالة فاستولى على قنالش Canates وسان ميلان ديلا كوجولا ومات فى مدينة سالم وهو عائد من حملته الظافرة فى السنة نفسها.
تدهور الخلافة الأموية وسقوطها
بعد موت المنصور عين هشام الثانى ابنه عبد الملك حاجبًا له، وكان قبل ذلك بسنين قد اشتهر فى إفريقية. وظلت بلاد الأندلس خلال السنين الست الأولى من استيلائه على السلطان يسودها السلام. وعزز عبد الملك جيش الخليفة بجنود جدد استحضر أكثرهم من إفريقية، وقام بحملات كثيرة ضد ممالك الشمال. ففى عام ٣٩٣ هـ (١٠٠٣) سير حملات متوالية على قطالونية، وفى عام ٣٩٥ هـ (١٠٠٥) وجهها إلى جليقية، وفى عام ٣٩٦ هـ (١٠٠٦) إلى بمبلونة، وفى عام ٣٩٧ هـ (١٠٠٧) إلى أهل قشتالة فهزمهم فى كلونية. وبعد هذه الحملة التى فاز فيها أخيرًا لقب نفسه بلقب تشريفى هو المظفر بالله. ورغم معارضة صامتة كانت فى قرطبة ضد استبداد بني عامر، ورغم مؤامرات عديدة قضى عليها سريعًا، فإن عبد الملك المظفر عمل على إطالة أَجل الخلافة الأموية بضع سنين. وكانت حياته شاذة من غير شك، ولكنها كانت بعيدة عن الأخطار الكبيرة فى الداخل أو
الخارج، على أنه سرعان ما مات، ويقال إنه مات مسموما بإيعاز أخيه عبد الرحمن الذى خلفه بموافقة هشام الثانى الخليفة الضعيف.
وكان عبد الرحمن ابنًا للمنصور من أميرة مسيحية تزوج بها هى ابنة سانخو Sancho ملك نبارة، ولذلك كان الحاجب الجديد يسمى سانخويلو Sanchuelo أى سانخو الصغيره وبعد قبضة على زمام الأمر بقليل من الزمن
стр. 1240
جلب على نفسه كراهية شديدة من أهل قرطبة لتجاوزه الحدود التى حذر أبوه وأخوه قبله من مجاوزتها، فقد اعتز بتأييد جنود البربر فاستولى عليه جشع لم يكبح جماحه، وفكر فى أن يكون خلفًا لهشام الثانى وأن يلقب نفسه بلقب الخلافة،
وكان الخليفة من الضعف بحيث أجاب طلب عبد الرحمن. وفى عام ٣٩٩ هـ (١٠٠٨) صدر مرسوم بجعل عبد الرحمن وليا للعهد على عرش قرطبة. وأثار هذا الإعلان البلاد جميعًا على بن ي عامر؛ فقام حرب المتذمرين، وزاد عددهم زيادة كبيرة بعد هذا الآمر الذى لم يكن يتوقعه أحد. وتولى القيادة أمراء بني أمية المحرومون من العرش، فانتهزوا سفر عبد الرحمن بن أبي عامر فى حملة على جليقية وأشعلوا الثورة فى العاصمة، وحاصروا قصر الخليفة وأرغموه على أن ينزل عن العرش لحفيد الناصر، وهو محمد بن هشام بن عبد الجبار الذى نودى به خليفة ولقب المهدي عام ٣٩٩ هـ (١٠٠٨). وأخلى الخليفة الجديد قصر بني عامر المسمى المدينة الزهراء وجعله دكا، وبعد ذلك بأيام أسرع عبد الرحمن راجعًا إلى قرطبة فقبض عليه على مسافة قليلة من العاصمة هو وحليفه المخلص الكونت كاريون Carrion Count ثم قتل.
ومن ذلك الحسين إلى سقوط الخلافة -الذى لم يكن بعيدًا- سادت الحرب الأهلية فى قرطبة وإمبراطورية الخلفاء، وزاد العنصر البربرى بجنود صنهاجة التى أتى به ابن وعامر من إفريقية، وكان له شأن كبير فى الاضطرابات التى جاءت بعد ذلك. وبدلا من أن يعمل المهدي على مصالحة رؤساء الجنود المرتزقة أسخطهم بما أبداه لهم من الجفاء والاحتقار، ولا سيما بطرده عددًا كبيرًا من الأفريقيين من ديوان الجند، فانضم المتذمرون من دهماء قرطبة إلى هؤلاء المطرودين، واستمالوا أهل البلاد، وسرعان ما نادوا بخلافة أمير جديد هو سليمان بن الحكم بن سليمان بن عبد الرحمن الناصر ولقب المستعين بالله. واستولى البربر مع الخليفة
стр. 1241
الجديد على قلعة رباح Calatrava ووادى الحجارة، وحاولوا عبثًا فى مدينة سالم أن يضموا القائد "واضحًا" إلى حركتهم، ولكنهم لجئوا إلى أهل قشتالة وأفلحوا فى استمالتهم، ثم عادوا إلى قرطبة بعد أن أمدهم أهل قشتالة بالقوة والمؤونة. وعجز المهدى عن صد زحفهم فوقعت العاصمة فى أيديهم، وقام زعيم صنهاجة زاوى بن زيرى بإجلاس سليمان المستعين على عرش الخلافة.
على أن المهدى لم يعترف بالهزيمة، فاستعان بواضح وبكونت ريموند حاكم برشلونة والكونت أرمنجود حاكم أرجيل، وأغار على سليمان المستعين وأنصاره من البربر فى عقبة البقر جنوبى قرطبة، فأخذ عليهم السبل، وعاد ظافرًا إلى العاصمة بعد أن نهبها أهل قطالونية، ولكن البربر جمعوا شملهم واستولوا على ما بين البحر المتوسط ونهر الوادى الكبير. وعذب أهل قرطبة وما حولها.
وأمام هذه الحوادث ألقى أهل قرطبة على خليفتهم المهدى تبعة الشرور التى حلت بهم، بعد أن صار ضعفه واضحًا لهم، فدبرت مؤامرة ذبح المهدى فيها، وأعيد هشام الثانى إلى العرش (ذو الحجة سنة ٤٠٠ = يولية سنة ١٠١٠).
وكان أول ما عني به هشام بعد عودته إلى الملك هو أن يعين واضحًا كبيرًا لوزرائه وأن يصالح البربر، فأبى هؤلاء وعادوا إلى حصار قرطبة، وظلت الحال على ذلك إلى عام ١٠١٣ م. وقد خلف لنا مؤرخو العرب تفاصيل وافية عن المؤامرات التى حيكت شباكها فى قرطبة، كما خلفوا لنا قصصًا كثيرة عن المحاصرين. واضطر أهل قرطبة آخر الأمر إلى التسلم، وأرغمهم البربر على تجديد يمين البيعة لسليمان المستعين.
عين سليمان البربر فى مناصب الحجاب والوزراء، وأصاب أهل قرطبة اضطهاد لم يسبق له مثيل، وذهب آخر من نجا من الصقالبة الذين كانوا أيام بنى عامر إلى اللحاق بأقربائهم فى شرقى بلاد الأندلس. واتفق أهل قرطبة
стр. 1242
على أن يسلموا مقاليد أمورهم إلى على بن حمود حاكم سبتة Ceuta' وهو من العلويين الطامحين - فانتهز عليّ فرصة تفرق البربر الذين كانوا يؤازرون المستعين، وزحف على قرطبة، واستولى عليها ونادى بنفسه خليفة عليها (٤٠٦ هـ = ١٠١٦ م) وقتل المستعين. ولكن على ابن حمود قتل بعد ذلك بقليل
ولم تكن السنون التالية لذلك أقل اضطرابًا، وطالب بالعرش بعد عليّ قاسمٌ بن حمود وابن أخيه يحيى بن على، وكان يطالب به من الأمويين عبد الرحمن الرابع بن محمد المرتضى، وعبد الرحمن الخامس المستظهر، ومحمَّد الثالث المستكفى، وهشام الثالث المعتد، وكانوا يقتسمون سلطانا مزلزل الدعائم حتى عام ٤٢٠ هـ (١٠٣٠ م). على أن بلاد الأندلس كلها ملت تغير الحكومة المستمر، وعزم أهل قرطبة على إلغاء الخلافة إلغاء تامًا. واختفى هشام الثانى، ويجوز أنه قتل أثناء إغارة على القصر أو هرب منه كما قيل، فترك الأندلس وذهب ليقضى ما بقي من أيامه مستخفيًا فى الشرق، ويصعب القطع والتدقيق فيما انتهت إليه حياته الخالية من العظمة. وأيا ما كان الأمر فإن دولة الأمويين فى الأندلس أخذت تتمزق بعد وحدتها السياسية منذ بدء القرن الحادى عشر، وسرعان ما أعلنت ولايات أسبانيا الإسلامية استقلالها تحت سلطان حكام من الأسبان أو الصقالبة أو البربر، وتكونت ممالك صغيرة يعرف عهدها بعهد ملوك الطوائف؛ أما قرطبة فسرعان ما صارت شبه جمهورية صغيرة تحولت بسرعة فى عهد بنى جهور وصار لها شأن.
وعلى أى حال فإن بضع عشرات من السنين كانت كافية لهدم الدولة الوطيدة الأركان التى أقام بناءها أمراء بنى أمية العظام وأكبرهم عبد الرحمن الناصر، وهو من أعظم حكام العصور الوسطى وحكام الإسلام.
стр. 1243
ملوك بنى أمية فى الأندلس
هشام
معاوية
(١) عبد الرحمن الأول
(٢) هشام الأول
(٣) الحكم الأول
(٤) عبد الرحمن الثانى
(٥) محمد الأول
(٦) المنذر
(٧) عبد الله
(٨) عبد الرحمن الثالث
(٩) الحكم الثانى
(١٠) هشام الثانى
(١١) محمد الثانى
(١٢) سليمان
(١٣) عبد الرحمن الرابع
(١٤) عبد الرحمن الخامس
(١٥) محمد الثالث
(١٦) هشام الثالث
المصادر:
كان تاريخ بنى أمية فى الأندلس موضع عناية المؤرخين، فكتبوا فيه كتبًا كثيرة فى بلاد الأندلس ذاتها فى عهد بنى أمية وبعدهم أيضًا، ومن أسف أن الأيام لم تحفظ لنا كل هذه الكتب التى كان أهمها كتب الرازى وابن حيان. كتب أحمد بن محمد الرازى -الذى عاش فى النصف الأول من القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادى) - تاريخًا لملوك الأندلس الإسلامية أسماه "أخبار ملوك الأندلس"، وكان هذا الكتاب أكبر مصدر للمؤرخين من بعده. ونستطيع أن نذكر من المراجع التى كتبت فى الوقت نفسه الكتب الآتية، وذلك على حسب ترتيبها التاريخى:
(١) كتاب لا يعرف مؤلفه واسمه: أخبار مجموعة (ترجمه إلى الأسبانية ونشره E. Lafuente y alcantra بمدريد ١٨٦٧ بعنوان Ajbar machmua, cronica anonima del riglo XI، وهو تاريخ شائق يمثل الحوادث تمثيلا جيدًا، حافل بمعلومات يظهر أنها بريئة من الأساطير المختلطة بتاريخ المسلمين فى الأندلس حتى أيام عبد الرحمن الثالث.
(٢) كتاب افتتاح الأندلس لابن القوطية القرطبي المتوفى عام ٣٦٨ هـ (٩٧٧ م)
стр. 1244
وهو يشمل تاريخ المسلمين فى الأندلس إلى أيام الناصر. وقد طبع فى مناسبات كثيرة، وترجمت أجزاء منه، وترجمه كله أخيرًا Ribera فى مدريد عام ١٩٢٦. (٣) ولحيان بن خلف بن حيان -وهو مؤرخ كبير تُوفِّي عام ٤٩٦ هـ (١٠٧٦ م) - كتاب عظيم اسمه "المقتبس فى تاريخ الأندلس" وآخر اسمه المتين. ولكن لم يخلص إلينا من ذلك إلا مخطوط لجزء واحد يتناول عهد الأمير عبد الله وهو محفوظ فى مكتبة بودليانا (وقد نشره Melchor. M. Atuna بعنو أن: ، - a L'his Textes arabes relatifs roire de L'occident musulman جـ ٣، باريس ١٩٣٢). وتوجد فى مكتبة الأكاديمية بمدريد نسخة من مخطوط وجد فى الآستانة يشمل جزءًا من عهد الحكم الثانى. ولحسن الحظ حفظت منه مقتبسات كثيرة فى كتب المؤرخين الذين جاءوا بعد ذلك وخصوصًا ابن بسام فى كتابه المسمى الذخيرة.
(٤) ولنذكر أَيضًا مما كتب فى الأندلس ذاتها "تاريخ قادس" من أعمال قرطبة لصاحبه الخشافى (ترجمه ونشره Ribera .J بعنوان Historia de los fueces de Cordoba، مدريد سنة ١٩١٤).
(٥) وبين سنة ١٨٨٣ وسنة ١٨٩٥ نشر J.Ribera و F. Codera كتاب Bib- liotheca arabio-hispona فى عشرة أجزاء جمعا فيه ما صنفه كتاب التراجم من أهل الأندلس. ولكن لا شك أن أوفى المراجع الخاصة بتاريخ الأمويين فى قرطبة كتابان متأخران نسبيًا أحدهما يرجع إلى القرن الرابع عشر وهو كتاب ابن عذارى المراكشى، وثانيهما يرجع إلى القرن السابع عشر وهو كتاب المقري، ويسمى الأول "البيان المغرب فى أخبار ملوك الأندلس والمغرب" وقد عرف من هذا الكتاب ثلاثة أجزاء اثنان منها يتناولان الأندلس، ويشمل أولهما تاريخ شبه الجزيرة منذ الفتح العربى إلى وفاة الحاجب المنصور بن أبي عامر. وهذا الجزء يعيد -كما أبان دوزى- كل الجزء الخاص بالأندلس فى كتاب لمؤرخ قرطبى من مؤرخى القرن العاشر هو عريب بن سعد الذى أكمل تاريخ الطبرى حتى انتهى به إلى عصره
стр. 1245
(نشر دوزى كتاب عريب بعنوان Afrique et de ١'Espagane in- l' Histoire de titulee al Byano l - mogrib, طبعة ليدن سنة ١٨٤٨ - ١٨٥١ وترجمة إلى الفرنسية E. Fagnan ونشره فى الجزائر سنة ١٩٠١ - ١٩٠٤، وترجم بعضه إلى الأسبانية Fernandez Gonzalez, غرناطة ١٨٦٢). والجزء الثانى يتناول تاريخ سقوط خلافة بنى أمية من أيام عبد الملك العامري وتاريخ ملوك الطوائف وقد عشر على هذا الجزء ونشره (بعنوان Tex- tes arabes relatifs a L'histoire de l'Occident musulman جـ ٢، باريس ١٩٣٠). والكتاب الثانى ليس أقل من "البيان المغرب" شأنًا فى دراسة تاريخ بنى أمية، وهو كتاب "نفح الطيب" للمقرى المغربى، نشر نصفه الأول دوزى وديجاوكربل ورايت بعنوان Analectes sur l'histoire et la litterature des arabes d'Espagne, ليدن ١٨٥٥ - ١٨٦١ (وطبع فى بولاق سنة ١٢٧٩ هـ وفى القاهرة ونشر مختصرًا له بالإنجليزية P. de Gayangos بعنوان The History of the Muhammedan Dynasties in Spain, لندن سنة ١٨٤٠ - ١٨٤٣. ويخصص ابن خلدون جزءًا من كتابه العبر لتاريخ بنى أمية فى الأندلس (طبعة القاهرة جزء ٤, ص ١١٦ - ١٥٥) على نحو ما فعل المؤرخون المتقدمون كابن الأثير فى كتابه الكامل (ترجمه F. Fagnan بعنوان (maghreb et de L'Espagne الجزائر سنة ١٩٠١) والنويرى فى كتابه نهاية الأرب History of Spain وقد نشره مع ترجمة أسبانية M.Gaspar Remiro فى غرناطة ١٩١٧ - ١٩١٩).
ويمكن إكمال هذه العجالة فى المصادر العربية المتعلقة بتاريخ بنى أمية بالرجوع إلى كتاب F. Pons Boigues وهو قيم جدًا وإن أصبح اليوم من المراجع القديمة وهو - Ensayo bio - bib liografico sobre los historiandores y geografos arabigo- espanoles طبعة مدريد ١٨٩٨, وإلى مختصر جيد كتبه Barrau - Dihigo واسمه Recherches sur l'hisotire Politique du royaume asturien تورز سنة ١٩٢١, ص ٥٥ - ٧٨.
[ا. ليفى بروفنسال E. Levi - Provencal]
стр. 1246
الأنبار
مدينة على الضفة اليسرى لنهر الفرات، وعلى خط طول ٤٣ ْ ٤٣ َ شرقًا، وخط عرض ٣٣ ْ ٢٢.٥ َ شمالا. ويجعل مؤرخو العرب المسافة بينها وبين بغداد على طريق البريد اثنى عشر فرسخًا (عشرة فى رواية ياقوت؛ انظر Streck: Babylonien، جـ ١، ص ٨) ويقدرها موسل Musil (ص ٢٤٨) باثنين وستين كيلو مترًا (٣٨ ميلا).
وتقوم الأنبار على النتوء الشمالى الغربى للسواد فى سهل ذى زرع بالقرب من الصحراء وبالقرب من أول قناة صالحة للملاحة تأخذ من الفرات إلى دجلة (نهر عيسى) وتهيمن على معبر هام على نهر الفرات (انظر Musil. ص ٢٦٧ - ٢٦٩ , ٣٠٧ Strang Le فى Jour of the Roy. As. Soc، سنة ١٨٩٥، ص ٦٦). وترجع المدينة إلى العهد السابق للعهد الساسانى، ويقول مارسك Maricq إنها عين مشيك أو مسَكين، ولكن الجغرافيين العرب (البلاذرى، ٢٤٩ - ٢٥٠؛ ابن خرداذبه، ص ٧؛ قدامة، ص ٢٣٥) يفرّقون بين الاثنتين. أما القول بأن الأنبار من أصل بابلى (Explorations in Bible: Hilprecht Lands، فيلادلفيا سنة ١٩٠٣، ص ٢٩٨) فيفتقر إلى تأييد من أعمال التنقيب، ولو أننا يمكن أن نشاهد شمالى السهل مأخذ قناة قديمة ومحلة أوّلية (تل أسود حوالى ٣٠٠٠ ق م).
وقد فطن سابور الأول (شابور، سنة ٢٤١ - ٢٧٢ م) إلى أهمية الأنبار -من حيث هى رأس نظام الرى فى السواد والباب الغربى (من ناحية الإمبراطورية الرومانية) للقصبة- فأعاد بناءها، وجعلها مدينة ذات حامية مزودة بخطين من التحصينات وقلعة، وسماها فيروز سابور (بيروز شابور، أى شابور المظفّر) تخليدا لذكرى انتصاره على كورديان الرابع Gordian سنة ٢٤٣ هـ Samarra: Herzfeld)، ص ١٢؛ Marciq, ص ٤٧؛ وانظر المقدسى: البدء والتاريخ؛ حمزة، ص ٤٩؛ الدينورى، ص ٥١). ويخطئ كتّاب آخرون فيرجعون الاسم إلى سابور الثانى (الطبرى، جـ ١، ص ٨٣٩؛
стр. 1247
يَاقوت، جـ ١، ص ٣٦٧؛ جـ ٢، ص ٩١٩؛ حمد الله مستوفى، ص ٣٧). ويظهر اسمها الرسمى بصيغة بيريسابورا عند أميّانوس ماركليّنوس Ammianus Marcellinus , وبصيغة "بيرسابورا" فى اليونانية عند زوسيموس Zosimos . وكذلك تستعمل الكلمة فى السريانية وعند اليهود. وقد احتفظ العرب بالاسم "فيروز سابور" للدلالة على الطسوّج الذى يكتنفها والتابع لولاية (أستان) العلَى (Lands: Le Strange , ص ٥٦ - ٦٦ Streck؛ جـ ١، ص ١٦, ١٩). والاسم أنبار (أى الهرى أو صومعة القمح فى الفارسية) دخل فى الاستعمال مع القرن السادس الميلادى بالنظر إلى الأهراء القائمة فى القلعة (Marciq, ص ١١٥ - ١١٦؛ البلاذرى، ص ٢٩٦؛ ياقوت، جـ ١، ص ٣٦٨, ٧٤٩).
وكانت مدينة الأنبار مترامية الأرجاء عامرة بالسكان، كما كانت المدينة الثَّانية فى العراق (أميانوس، جـ ٢٤، ص ٢)؛ وكانت مقر أسقف يعقوبى وأسقف نسطورى (انظر I.Guidi فى Zeitschr. der Deutsch. Morgenl. Ge sells جـ ٤٣, ص ٤١٣) ومركزا يهوديًا هامًا (Musil, ص ٣٥٦٩؛ Marciq، ص ١١٤؛ Jews in Bablonia: Newman , ص ١٤) وقد لعب البرج دورًا هامًا فى حملة الإمبراطور يوليان على فارس.
وفتحت الأنبار فى وقت متقدم يرجع إلى سنة ١٢ هـ (٦٣٤ م) على يد خالد، فقد طرد الحامية الفارسية وعقد معاهدة مع السكان (البلاذرى ص ٢٤٥؛ الطبرى، جـ ١، ص ٢٠٥٩؛ Musil, ص ٢٩٥, ٣٠٨ - ٣٩٠). وقد بنى المسجد الثالث فى العراق بالأنبار، بناه سعد بن أبي وقَّاص (البلاذرى، ص ٢٨٩ - ٢٩٠) ولما طلب منه عمر أن يقيم "دار هجرة" فى العراق فكر سعد أول الأمر فى الأنبار، ولكنه غير رأيه لأن الحمى والبراغيث كانا يوبئان المدينة (الدينورى ص ١٣١؛ الطبرى؛ جـ ١، ص ٢٣٦٠). وقد طهَر الحَجَّاج قناة الأنبار (البلاذرى، ص ٢٧٤ - ٢٧٥, ٣٣٣).
وفى سنة ١٣٤ هـ (٧٥٢ م) نقل أبو العباس مقر حكمه إلى الأنبار وشيد لجنده الخراسانية مدينة على نصف
стр. 1248
فرسخ (حوالى ٢.٥ كليو متر) أعلى الأنبار، وأقام فى وسطها قصرًا (البلاذرى، ص ٢٨٧؛ الدينورى، ص ٢٧٣؛ الطبرى، جـ ٣، ص ٨٠)؛ وتوفى أبو العباس هناك، وهناك دفن (اليعقوبي، جـ ١، ص ٤٣٤؛ البلاذرى، ص ٢٨٣ وانظر المقدسى: البدء والتاريخ، جـ ٤، ص ٩٧). وأقام المنصور فى هذه المدينة قبل أن يؤسس بغداد سنة ١٤٥ هـ (٧٦٢). وأقام الرشيد فى الأنبار مرتين (سنة ١٨٠ هـ = ٧٩٩ هـ, ١٨٧ هـ = ٨٠٣ م) وكان بعض سكانها من سلالة الخراسانية (الدينورى، ص ٣٨؛ اليعقوبى، جـ ١، ص ٥١٠؛ الطبرى، جـ ٣، ص ٦٧٨). ويمكننا أن نحكم من خراجها بأن الأنبار كانت لا تزال زاهرة فى العقود الأولى من القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادى؛ انظر ابن خرداذبه، ص ٨، ٤٢؛ قدامة، , ص ٢٣٧). ولما ضعفت الخلافة تعرضت الأنبار لغارات البدو، فقد هاجموا المدينة سنة ٢٦٩ هـ والطسّوج سنة ٢٨٦ هـ (الطبرى؛ جـ ٣، ص ٢٠٤٨, ٢١٨٩). وقد أدى استيلاء أبي طاهر القرمطى عليها وتخريبها سنة ٣١٥ هـ (٩٢٧ م) إلى سرعة اضمحلالها (المسعودى: التنبيه والإشراف، ص ٣٨٢). وفى سنة ٣١٩ هـ (٩٢٩ م) أحدث البدو بها تخريبًا كبيرًا (عريب، ص ١٥٨). ويصف الإصطخرى (ص ٧٣) المدينة بأنها بلدة متواضعة وإن كانت عامرة، وأن الناظر لا يزال يشاهد بها بقايا العمائر التى أقامها أبو العباس. ويقول ابن حوقل (ص ٢٧٧) إن الأنبار كانت تضمحل، ويروى المقدسى (ص ١٢٣) أن عدد سكانها كان قليلا. وكان معظم سكانها يشتغلون بالزراعة، ولكن المدينة كان لها بعض الأهمية التجارية لوقوعها على الطريقين البرى والنهرى الموصلين إلى الشَّام (اليعقوبى، ترجمة Wiet، ص ٢٥٠؛ ابن حوقل، ص ١٦٦؛ Strange Le فى Journ of the Royal As Soc، سنة ١٨٩٥، ١٤, ٧١؛ ابن خرداذبه، ص ١٥٤) كما كان بها بناة للسفن. وثمة حكايته أوردها ابن الساعي (٥٩٧ هـ = ١٢٠٠ م، ص ١٩ - ٢٠) تبين أن المدينة كانت مقسمة أحياء وكل حى مسؤول عنه "شيخ". وفى سنة ١٢٦٢ م نهب القائد المغولى
стр. 1249
كربوقا الأنبار وذبح كثيرًا من سكانها (المقريزى: السلوك، طبعة كاترمير، جـ ١، قسم ٥، ص ١٧١ - ١٧٣) وظلت الأنبار فى عهد المغول مركزًا إداريًا. وقد شق الجويني قناة بالقرب من الأنبار حتى النجف. وكان لا يزال يشار إلى الأنبار فى النصف الثانى من القرن الثامن الهجري (الرابع عشر الميلادى؛ انظر الأَوْزَاعِيّ: العراق، جـ ١، ص ٢٠٤, ٣٣٧, ٥٤٨) كقاعدة لطسّوج. وكان يحيط بها سور من اللبن (يشاهد جزء منه عند الطرف الشمالى للأطلال).
وتقوم أطلال الأنبار على مسيرة خمسة كيلومترات من شمالى غريب الفالوجة (انظر Samarra: Musil, ص ١٣) وهى تمتد من الشمال الغربى إلى الجنوب الشرقى ومحيطها شكل غير مستو يبلغ حوالى ستة كيلومترات. وقد احتفظت الأطلال بالاسم الأنبار (Musil, ص ١٧٤؛ Obenneyer، ص ٢١٩؛ Ward فى Hebraica، جـ ٢، شيكاغو سنة ١٨٨٥, ص ٨٣ وما بعدها). والبقايا بناء مربع محصن بنى باللبن الفرثى المجفف فى الشمس وهى تشاهد فى الركن الشمالى الشرقى. ويقوم المسجد على مسيرة نحو كيلومتر من الجنوب الغربى لهذا البناء، وينتمى إلى عهد العمارة الإسلامية الأولى, وهو مستطيل الشكل، له صف من الأعمدة على جوانبه الثلاثة وخمسة صفوف من الأعمدة على الجانب المواجه للقبلة.
ونهر القرمة -أو السَّقْلاويَة- الذى يترك الفرات إلى الغرب من هذه البقايا لا يمكن أن يقال (فى الجزء القديم من مجراه) إنه هو نهر عيسى (انظر - Herz fe ١ d, ص ١٣؛ Le Strange فى Journ. . Roy. As. Soc, سنة ١٨٩٥ , ٧٠) ذلك أن نهر عيسى قد كشف عنه فى عهد العباسيين وهو ينشعب على مسيرة فرسخ أسفل الأنبار. والأرجح أن يقال إن نهر السقلاوة هو نهر الرفُيل الذى عرف أيام الجاهلية، وكان يجرى جزء منه فى مهد قناة قديمة (Musil, ص ٢٦٨؛ Maricq, ص ١١٦؛ سهراب، ١٢٣؛ الخريطة التى أعدتها إدارة المساحة العراقية سنة ١٩٣٤؛ ومقياس رسمها ١: ٥٠,٠٠٠). والظاهر أن هذه القناة فقدت شأنها فى العهود الإسلامية.
стр. 1250
المصادر:
(١) expedition for the: Chesney The Tigris Survey of the river Euphrates and, لندن سنة ١٨٥٧، جـ ٢، ص ٤٣٨.
(٢) Bewsher فى J.G.S، سنة ٧٦٨١, ص ١٧٤.
(٣) Erdkunde: K.Ritter, جـ ١٠، ص ١٤٥, ١٤٧.
(٤) Auzsuge aus sy-: G. Hoffmann risch. Akten pers. Martyrer, ليبسك سنة ١٨٨٠, ص ٨٣, ٨٨.
(٥) Gesch. d. Perser: Th. Noldeke und Araber ص ٥٧.
(٦) Pauly-Wissowa, جـ ١، سنة ١٧٨٠ - ١٧٩٥، جـ ٢٠، ١٩٥٠.
(٧) Le Strange , ص ٢٥، ٦٥.
(٨) The Middle Euphrates: A.Musil, نيويورك سنة ١٩٢٧.
(٩) A. Maricq & E. Honigmann: Sur Researches sur les Res Gestae divi Saporis، بروكسل سنة ١٩٥٣، ص ١١٦ - ١١٧.
خورشيد [شترك- دورى M.Streck-A.A.Duri]
مطابع الهيئة المصرية العامة للكتاب
رقم الإيداع بدار الكتب ٩٧٨٧/ ١٩٩٥
٣ - ٤٥٧٩ - ٠١ - ٩٧٧ I.S.B-N
стр. 1251
موجز دائرة المعارف الإسلامية
«الأنبارى - بحر القلزم»
[الجزء الخامس]
стр. 1252
الأنبارى
(الأنباري، أبو بكر): محمد بن القاسو الأصح أن يقال ابن الأنباري): محدث ولغوى، وهو ابن أبي محمد (انظر المادة التالية) ولد فى ١١ رجب سن ١ هـ (٣ يناير سنة ٨٨٥) وتوفى فى ذى الحجة سنة ٣٢٨ (أكتوبر سنة ٩٤٠). وقد تتلمذ أبو بكر على أبيه وعلى ثعلب، ودرس فى حياة أَبيه بالمسجد نفسه، واشتهر بذاكرته الفذة وزهده الشديد.
وقد بقي من كتبه:
(١) "الأضداد"، طبعة هوتسما، ليدن سنة ١٨٨١.
(٢) "الزاهر".
(٣) "الإيضاح فى الوقف والابتداء"، وهو يتناول الآيات من القرآن التى استُبدل بالهاء فيها تاء، والراجح أنه مستخلص من كتاب "الهاءات فى كتاب الله".
(٤) "مختصر فى ذكر الألفات".
(٥) "المذكر والمؤنث".
أما شرحه للمعلقات (انظر عن مخطوطاته: بروكلمان، قسم ١، ص ٣٥) فقد نشر منه ريشر - Res cher الأجزاء التالية:
(١) طرفة، إستانبول سنة ١٣٢٩ هـ (١٩١١ م).
(٢) عنترة فى Rivista degli Studi , orientali جـ ٤ - ٥.
(٣) زهير فى Le Monde Oriental سنة ١٩١٣ - ص ١٣٧ - ١٩٥.
وقد ذكر ابن الأثير فى مقدمة "النهاية" كتاب الأنبارى "غريب الحديث" بين مراجعه.
المصادر:
(١) الفهرست، ص ٧٥.
(٢) الزبيدى: الطبقات, ص ١١١ - ١١٢.
(٣) الأزهرى فى Le Monde Oriental، سنة ١٩٢٠، ص ٢٧.
(٤) الخَطيب البغدادى: تاريخ بغداد، جـ ٣، ص ١٨١ - ١٨٦.
(٥) الأنبارى: النزهة، ص ٣٣٠ - ٣٤٢.
خورشيد [بروكلمان Brockelmann]
стр. 1253
+ الأنبارى، أبو محمد القاسم بن محمد ابن بشَار: محدّث ولغوى، وتوفى سنة ٣٠٤ هـ (١٩١٦ م) أو سنة ٣٠٥ هـ (٩١٧ م). وقد كتب شرحًا على المفضَّليات نقحه ابنه محمد (انظر - The Mufaddaliyyat .. according to the re commentary of Abu the cension and with M. AI-Q.b. M. Al-Anban، طبعة. Ch. H Lyall , أوكسفورد سنة ١٩١٨ - ١٩٢١).
المصادر:
(١) الفهرست، ص ٧٥.
(٢) الزُّبَيْدى: طبقات، ص ١٤٤.
(٣) الخَطيب البغدادى: تاريخ بغداد، جـ ١٢، ص ٤٤٠ - ٤٤١.
(٤) ياقوت: إرشاد الأريب، جـ ٦، ص ١٩٦ - ١٩٨.
(٥) ابن القفطى: إنباه الرواة، جـ ٣، ص ٢٨.
(٦) بروكلمان، قسم ١، ص ٣٧.
خورشيد [هيئة التحرير]
+ الأنبارى، عبد الرحمن بن محمد ابن عبيد الله بن أبي سعيد كمال الدين أبو البركات: لغوى عربى، ولد عام ٥١٣ هـ = ١١١٩ م, ودرس اللغة فى المدرسة النظامية ببغداد، وتتلمذ فيها على الجَواليقى والشَجَرى، واشتغل فيها بعد ذلك بتدريس اللغة. ولم يترك الأنبارى بغداد قط، ولكنه اعتزل العالم فى أواخر حياته وكرس نفسه للعلم والعبادة وتوفى فى التاسع من شعبان عام ٥٧٧ (١٩ ديسمبر سنة ١١٨١).
وأهم مصنفاته كتاب "نزهة الألبّاء فى طبقات الأدباء" (طبع على الحجر بالقاهرة عام ١٢٩٤ هـ) سرد فيه تراجم اللغويين فأصبح بمثابة تاريخ لفقه اللغة العربية منذ نشأته حتى أيامه. أما رسالته النحوية السهلة المسماة "كتاب أسرار العربية" فقد نشرها تسيبولد C.F.Seybold فى ليدن عام ١٨٨٦. وأورد كل من كوشوت (Koshut فى Funf Streibfragen der Bas- rebser and Kufenser؛ فينا ١٨٧٧) وكركاس (W.Girgas فى shizze des Gram-
стр. 1254
mat etc, بالروسية عام ١٨٧٣ م، ص ٤٦ - ٦٦) وكركاس وروزن (Girgas et de Rosen فى Arabsh- Khrestom سانت بطرسبرغ سنة ١٨٧٦ ص ٤٣٥ - ٤٥٥) وفايل (G. Welli فى Zeitschr f. As- syriologie، جـ ٣٠، ص ٥٦ وما بعدها) مختارات من كتاب الأنبارى المسمى "كتاب الإنصاف فى مسائل الخلاف بين النحويين البصريين والكوفيين" الذى كتبه لتلاميذه، وتوجد نسخ خطية من هذا المصنف فى ليدن (. Catal . cod. or. Bibl. acad. Lugd. Bat. جـ ١، طبعة عام ١٨٨٦ م, رقم ١٦٩) والإسكوريال (Les: Hsc. Derenbourg mss. de l'Bat.١، طبعة عام ١٨٨٦ م, رقم ١١٩) وفى جامع يكى بإستامبول (رقم ١٠٦٠).
وتوجد له أيضًا بعض مصنفات نحوية أقل شأنًا محفوظة فى ليدن (Catal. رقم ١٧٠ - ١٧١) وباريس (de Cat. des. Mss. ar. de la Bibl. nation-: Slane ale رقم ١٠١٣, ١٠١٤) والإسكوريال (درنبورغ، جـ ٣، ص ٧٧٢, ٧٧٤).
وللأنبارى رسائل أخرى لا توجد إلا مخطوطة؛ فله رسالة فى النحو اسمها "الميزان" ومعجم يسمى "الزهور" ذكره عبد القادر البغدادي فى كتابه "خزانة الأدب" (بولاق سنة ١٢٩٩ م جـ ٢، ص ٣٥٢، س ١٤)، ومصنفه المعروف باسم "الكتاب الفائق فى أسماء المائق" الذى ذكره الأنبارى فى كتاب "النزهة" (ص ٣٨، س ٣)، ومصنفه "كتاب الوقف والابتداء" وقد ذكره السيوطي فى كتابه "شرح شواهد المغنى" (القاهرة سنة ١٣٢٢ هـ، ص ١٥٨، س ٢٦) وكذلك كتابه فى تفسير الأحلام.
المصادر:
(١) ابن خلكان، بولاق سنة ١٢٩٩, ص ١٣٥ رقم ٤٣٢.
(٢) الكتبى: فوات الوفيات، بولاق سنة ١٢٩٩ هـ , جـ ١، ص ٢٦٢.
(٣) Die Ges-: Wustenfeld chichteschreiber der Araber رقم ٢٦٩.
(٤) Gesch. d. Arab.: Brockelmann Litter جـ ١، ص ٢٨١.
[بروكلمان Brockelmann]
стр. 1255
إنجيل أو أنجيل (١) *
تحزيف للكلمة اليونانية إياكيليوس، ويبدو لنا من القرآن ومن مصنفات كثير من الكتاب المسلمين أن المسلمين كانوا على شئ من العلم بالإنجيل. ومن اليسير أن نبين مدى علمهم هذا بإيراد بعض الشواهد. على أنه من العسير فى كثير من الأحيان أن نحدد بشكل قاطع -وليس عن طريق الاستنباط فحسب- كيفية وقوفهم على تلك المعلومات.
وليس من شك فى أن بعض ما وقفوا عليه وصل إليهم شفاها فى المناظرات أو المحادثات الودية التى كانت تجرى بين المسلمين والنصارى. ولم يسجل التاريخ إلا القليل عن نقل المعلومات إلى المسلمين بهذه الطريقة. وهناك وسيلة أخرى لمعرفة المسلمين بالإنجيل، فإن النصارى الذين أسلموا أدخلوا فى الإسلام بعض الآراء النصرانية التى ظلت عالقة فى أذهانهم. ونلمس للنصرانية تأثيرًا آخر ظهر فى التصوف عند نشأته الأولى، ففى تعاليمه المبكرة آثار منها. (انظر - D' Ohs son الغزالى, طبعة باريس سنة ١٩٠٢). وقد يصح لنا أن نقول إنه كان بين مسلمى العرب من كانوا ينشدون المعرفة للمعرفة، وأنهم جريا وراء هذه المعرفة قرءوا ترجمات عربية للإنجيل قام بها النصارى. وسنذكر فى إيجاز ما عرفناه عن هذه الترجمات، ثم نتبع هذا بما ورد من الإنجيل فى القرآن أو فى مصنفات المؤلفين:
ترجم نصارى العرب الإنجيل عن اليونانية والسريانية والقبطية.
والترجمة التى عملت عن اليونانية تمت فى عهد متقدم جدًا، كما يدل على هذا قدم المخطوطات الخاصة بها (مكتبة الفاتيكان؛ - Arab ١٣ and Museo Borgiano propaganda) والتي يرجع عهدها إلى القرن الثامن الميلادى، ويذكر ابن العبرى أن هناك ترجمة أقدم من هذه الترجمات قام بها البطريق يوحنا -وهو من القائلين بالطبيعة الواحدة- وكان ذلك بأمر الأمير العربى عمرو بن سعد بين سنتى ٦٣١ و ٦٤٠ (٢)
وكتب جرجس أسقف القبائل العربية فى بابل -وكان معاصرًا
стр. 1256
وصديقا ليعقوب الرهاوى - تعليقات على الكتب المقدسة. ويرى شبرنكر Sprenger أن فى كتاب محمد بن إسحاق، (طبعة فستنفلد، ص ١٤٩ وما بعدها) فقرة مأخوذة من ترجمة للإنجيل تمت قبل الإسلام (انظر Das Leben des Mohammed , جـ ١، ص ١١٣ - ١٣٢). وهذه الفقرة تتضمن الفقرات ٢٣ - ٢٧ من الإصحاح الخامس عشر من إنجيل يوحنا. وكلمة "المنحمنا" التى وردت فيها -ويقابلها فى اليونانية كلمة باراكليتوس- ليست عربية ولا سريانية، وإنما هى من اللغة الفلسطينية القديمة (٣).
على أننا إذا كنا لا نستطيع أن نقول إن هذه الترجمات ترجع إلى مثل هذا العهد القديم، فإنا نرى أن الترجمات الأولى التى نقلت عن اليونانية ترجع على الأقل إلى ما بعد الفتح الإسلامى وما تلاه من انتشار اللغة العربية.
وهناك ترجمة أخرى للإنجيل قديمة جدًا نقلت عن السريانية، ويوجد مخطوط لها محفوظ فى ليبسك. ويذهب كلدميستر Gidemeister إلى أنها عملت بين سنتي ٧٥٠ و ٨٥٠ م (انظر: Des Evangeliis, ص ٣٥). وعلى هذا نستطيع أن نقول إن المسلمين عرفوا منذ عهد متقدم أهم كتب العهد الجديد من ترجمات عربية لها.
وفى اللغة العربية، إلى جانب الأناجيل "الصحيحة" كتب منحولة وهى: إنجيل الصبوة، وإنجيل القديس يعقوب ورؤيا القديس بولس وعظة القديس بطرس وأخرى لسيمون ورسالة فى استشهاد القديسين يعقوب وسيمون. هذا إلى رسائل أخرى صغيرة يظهر أن المسلمين لم يكونوا على علم بها. ويقول ديفال R. Duval فى كتابه المسمى La Lit terature Syriaque, (طبعة ياريس ١٨٩٩، ٩٦) إن رؤيا القديس بطرس وضعت باللغة العربية فى القرن الثالث عشر الميلادى.
وكان محمد ﷺ أكثر معرفة بالأناجيل ... ولم تصل إليه تلك المعرفة من مصادر مسيحية خالصة، وإنما نقلت إليه على يد يهود اعتنقوا النصرانية، ويستدل على هذا بنوع القصص الذى ورد فى القرآن وقد
стр. 1257
تكيف بقصص أولئك الذين سماهم محمد "الحنيفيين" وقيل إنهم كانوا على دين إبراهيم. وهذا الموضوع ليس إلا مسألة فرعية من المسألة العامة الخاصة بأصل الإسلام ومصادره.
وكان الشعر أيضًا وسيلة من الوسائل التى انتقلت بها آراء النصارى إلى المسلمين. فعند ظهور الإسلام كان الشعراء يترددون على الحيرة، وكانت تربطهم بنصارى العرب خير الصلات، فنقبوا إلى بلاد العرب ما سمعوه من القصص فى حانات الحيرة. نذكر من هؤلاء: زيد بن عمرو بن نفيل وأمية بن أبي الصلت الذى كان واسع العلم بالقصص اليهودى أيضًا (٤).
وظل الشعر أمدًا طويلًا همزة الوصل بين المسلمين والنصارى. ولسنا نجهل الحفاوة التى قوبل بها الأخطل الشاعر النصراني فى بلاط الأمويين.
وكان الطب وأعمال الحكومة من الوسائل التى وثقت الصلات بين المسلمين والنصارى. وحسبنا أن نذكر هنا اسم سرجيوس منصور الذى كان كاتبًا لأربعة من الخلفاء، وهو أبو يوحنا الدِّمشقيّ، وكذلك كتاب النصارى الذين استخدمهم حكام المسلمين، وظلوا كذلك إلى أن منعهم الوليد بن عبد الملك من الكتابة باليونانية. ولنعد الآن إلى ما كنا بسبيله من كلام عن القرآن.
يرد كثيرًا فى القرآن ذكر عيسى ومريم والإنجيل؛ ومحمد [ ﷺ ] يعرف الفرق الجوهرى بين الإنجيل والقرآن فى مسائل الأخلاق، وبخاصة فى الرأفة والرحمة (انظر سورة الحديد، آية ٢٧). وعنده فكرة ما عن التشبيه الخاص بالزارع الذى يبذر البذور (٥) (سورة الفتح، آية ٢٩)، وعما جاء فيه من الوعد بإرسال رسول آخر (انظر سورة الأعراف، آية ١٥٧، وإنجيل يوحنا، الإصحاح السادس عشر، فقرة ٧)، وأن الإنجيل جاء مصدقا للتوراة (انظر سورة المائدة، آية ٤٦). وذكر من معجزات عيسى إبراءه للأعمى والأبرص وبعثه للموتى. والأخبار الإنجيلية التى يظهر أنها كانت أكثر شيوعًا فى البيئة التى شب فيها النبى هى الروايات الخاصة بالبشارة (٦). وجاء فى القرآن أن
стр. 1258
الملائكة قالت: ﴿يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ انظر سورة آل عمران، آية ٤٢ وانظر أيضًا إنجيل لوقا، الإصحاح الأول، فقرة ٢٨). وجاء فيه أيضًا تصديق بأن المسيح ولد من أم عذراء (انظر سورة الأنبياء، آية ٩١). والقرآن فى إنكاره لصلب المسيح يقول قول الطائفة النصرانية التى تسمى الدوسيتية. (انظر فى ذلك سورة النساء، آية ١٥٧؛ سورة آل عمران، آية ٥٥)، والقصة الموجزة التى وردت فى القرآن عن رفع المسيح تجعل حياته منتهية فى اللحظة التى تجعلها الأناجيل بدءًا لآلامه (انظر الزمخشري، طبعة ليس، جـ ١، ص ١٦٩) [وطبعة مصطفى محمد، جـ ١، ص ١٩٢].
وقد ذكر القرآن دعوة الحواريين فى سورة آل عمران (آية ٥٢)، ولهذه الدعوة صلة بالرهبانية (انظر سورة الحديد، آية ٢٧) التى نجد شبها لها فى رسائل إخوان الصفاء. وذكر القرآن عجيبة من العجائب التى جرت على أيدى الحواريين عند ما أنزل المسيح لهم مائدة مغطاة من السماء ﴿(١١٣) قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ سورة المائدة، آية ١١٤, وانظر كذلك، أعمال الرسل، الإصحاح العاشر، الفقرة التاسعة وما بعدها]. وذكر القرآن كذلك قصة خلق المسيح لطير من الطِّين، (سورة آل عمران، آية ٤٩ وسورة المائدة، آية ١١٠) وهذه القصة مأخوذة من إنجيل صبوة المسيح. أما تسمية المسيح بآدم الثانى فنجد فى القرآن ما يقرب منها وذلك فى سورة آل عمران، آية ٥٩ (٧). وعبارة ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ التى وردت فى سورة البقرة، آية ٨٧ فيها خلط بين روح القدس وبين جبريل (٨).
وفوق هذا فإن المفسرين قد أفاضوا فى الكلام على القصص الذى ورد فى القرآن متصلا بالعهد الجديد وبخاصة ما كان منه متصلا بطفولة مريم. وصور القرآن العذراء فى صورة جذابة لا تكاد تختلف كثيرًا عن تصوير النصارى لها. أما كلامه عن المسيح فعلى عكس هذا لم يكن قاطعًا كل
стр. 1259
القطع، وقد جعله فى صورة أقل من الصورة التى نجدها له فى الإنجيل، فهو فى القرآن لا يعدو أن يكون نبيًا صالحًا. على أن محمدًا لم يجرده من اسم "المسيح" (سورة النساء، آية ١٧١ - ١٧٢) , ولم يرد فى القرآن ذكر للشخصيات الأخرى التى جاءت فى العهد الجديد اللهم إلا يحيى [يوحنا المعمدان] وزكريا.
ونجد أن كثيرًا من مؤرخى المسلمين كانوا على علم واسع بالأناجيل. فقد ذكر اليعقوبى شيخ مؤرخى العرب فقرات من الأناجيل فى كتابه. ولم يخف المسعودى -الذى كان شغوفا بالبحث والتنقيب- صلته بالنصارى، وهو يروي لنا أنه زار فى الناصرة كنيسة يقدسها النصارى حيث أخذ عنهم كثيرًا من القصص الواردة فى الإنجيل.
وكان المسعودى يعرف شيئًا عن ميلاد المسيح فى بيت لحم، وطفولته فى الناصرة، وما جاء فى إنجيل متى (الإصحاح الثالث، فقرة ١٧) من أن صوتا من السموات كان يقول "هذا هو ابنى الحبيب". وقد ذكر هذه الرواية فى شئ من الاختلاف. وسمع كذلك قصة زيارة المجوس للمسيح عندما كان طفلا كما وردت فى الإنجيل وغيره من المصادر. وأورد قصة دعوة الحواريين كما هى، وذكر أسماء أصحاب الأناجيل الأربعة وتحدث عن هذه الأناجيل كأنه رآها وذكر خلاصة دقيقة لها.
ومع هذا فإن المسعودى يشك بعض الشك فى هذه الأناجيل بينما يتحدث عنها القرآن فى احترام عميق. وكان المسعودى كذلك محيطا كل الإحاطة بسيرة الحواريين، وذكر مرتين استشهاد القديس بطرس والقديس بولس، ولكنه ذكر أن بولس استشهد على نحو لم يستشهد عليه إلا بطرس وحده. ويقول المسعودى إن القديس توما كان الحوارى الذى ذهب إلى الهند. ويظهر أن المسلمين كانوا يعرفون توما أكثر من غيره من الحواريين ما عدا بطرس. وعلمهم بالقديس بولس نفسه أقل من علمهم بسيرة بطرس (٩).
أما البيرونى فكان أكثر معرفة من المسعودى. وقد أخذ عن النساطرة عندما صنف كتابه "الآثار الباقية عن القرون الخالية". وكان يعرف كثيرًا من
стр. 1260
نصوص الأناجيل وكذلك تفسير الإنجيل لداذيشوع (١٠) Dadjesu (ورد هذا الاسم Jesudad, انظر Litt. syriaque: Duvat, الطبعة الثَّانية، ص ٨٤) وهو يتحدث عن هذه النصوص فى شئ من النقد.
ويرى البيرونى أن الأناجيل الأربعة عبارة عن أربع نسخ، وهو يوازن بينها وبين نسخة التوراة عند اليهود ونسختها عند النصارى، ونسختها عند السامرة، ويلاحظ أن هناك خلافًا كبيرا بين هذه الأناجيل الأربعة. ويورد البيرونى نسب يوسف بالتفصيل كما ورد فى إنجيل متى وفى إنجيل لوقا، ويبين فى عبارة شائقة كيف يعلل النصارى الاختلاف بين الروايتين. ويذكر بعد ذلك أن أصحاب مَرْقِيون وأصحاب ابن ديصان وأصحابَ مانى كانت عندهم أناجيل أخرى.
ويرى أن أناجيل أصحاب مرقيون وأصحاب ابن ديصان تخالف فى بعض أجزائها أناجيل النصارى، أما إنجيل أصحاب مانى فيشتمل على خلاف ما عليه النصارى من أوله إلى آخره. وإزاء هذه الخلافات الكثيرة يقول البيرونى إنه "لا يوجد من الأناجيل إذن من كتب الأنبياء ما يعتمد عليه" (*)
وتحتوى الترجمة الفارسية لتاريخ الطبرى على قصص من العهد الجديد مذكورة فى توسع أكثر من نصها العربى، وهى تشابه ما جاء عنها فى قصص الأنبياء، وفيها بعض تفصيلات عن الآلام مثل قصة سيمون وخيانة واحد من الحواريين لم يذكر اسمه، ووقوف مريم تحت الصليب (١١). ويحتفظ المؤلف فى بقية روايته برأى المسلمين الذى يذهب إلى أن شخصًا آخر اسمه يهوذا Josua صلب مكان المسيح. وأورد فى كلامه عن الحواريين الرواية التى تقول إن يوحنا ذهب إلى الرها.
ونجد فى كتب التصوف إشارات عدة إلى الإنجيل، بل نجد فيها أيضًا أن أصحاب هذه الكتب كانوا على علم بتفسير آباء الكنيسة لبعض أجزاء الإنجيل. على أن ما يذكره متصوفة المسلمين من أقوال المسيح لا يطابق ما جاء فى الإنجيل.
نضرب لذلك مثلًا مما ذكره الغزالى من الأقوال المنسوبة إلى المسيح؛ بينما
стр. 1261
أن السهروردى قد أورد نصا كاملا دقيقا عن التشبيه الخاص بالزارع الذى يبذر البذور.
وقد اشتملت رسائل إخوان الصفاء على فقرات ممتعة عن صلب المسيح يفترضون صحتها، وكذلك عن البعث واجتماع الرسل فى العشاء الأخير وانتشارهم فى الأرض. وذكروا صراحة أفعال الرسل باسم أفعال الحواريين (١٢).
والمؤلفات الفلسفية تحتوى كذلك على طائفة كبيرة من المناظرات التى جرت بين المسلمين والنصارى. وحسبنا أن ذكر هنا أَبا على عيسى بن زرعة الذى كتب فى سنة ٣٨٧ هـ ردا على أبى القاسم عبد الله بن أحمد البلخي، وكذلك يحيى ابن عدي وهو من علماء النصارى وكان من تلاميذ الفارابى، فإنه كتب دفاعا عن المسيحية أهداه إلى الشيخ أبى عيسى محمد بن الوراق. كما رد على اعتراض الكندى على القول بالتثليث.
والمسلمون على وجه عام يحترمون الأناجيل ويبجلون عيسى [﵇] ومريم.
المصادر:
يمكن الرجوع إلى المصادر التالية فيما يختص بالترجمات العربية النصرانية:
(١) Verions arabes des Evan-: Guidi giles فى - Atti de l'Acade. de: Lincen Sci philosophiques ences morales et، المجموعة الرابعة، جـ ٤، سنة ١٨٨٨.
(٢) Die christilch arabische: G. Graf Literatur bis zur frankischen Zeit فرايبورغ سنة ١٩٠٥.
(٣) Beitr zur christl. -: H. Goussen .arab Literaturgesch., Die christlarab Litt. der Mozoraber جـ ٤ ليبسك سنة ١٩٠٩.
(٤) Die Uberlieferung: S.Euringer -der arab. Ubers des Diatessarons, Bib lische Studien جـ ١٧، الكتاب الثانى، برلين سنة ١٩١٢.
(٥) K.Vollers et E.von Dobschutz: . Ein. spanisch - arab. Evangelienfrag فى - Zeitschrift der Deutsch. Morgenl Ge sellsch، جـ ٥٦، ص ٦٣٣؛ وانظر كذلك مادة "ابن العسال".
стр. 1262
(٦) De Evangelis in: Gildemeister arabicum et Simplici Syriaca translatis commentatio academica، بون ١٨٦٥.
ويمكن الرجوع إلى المصادر التالية فيما يختص بالمناقشات حول الإنجيل:
(١) Disputatio Pro-: Van den Ham religione Mohammedanorum adversus Christianos ليدن سنة ١٨٩٠.
(١١) Uber Mu-: Goldziher -hammedanische Polemik gegen Ahl al Kitab فى. Zeitschr. d. Deutsch. Morgenl، . Gesells جـ ٣٢ , ص ٣٤١.
ويمكن الرجوع إلى المصادر التالية عن أثر العهد الجديد فى الحديث:
(١) Mohammedanische: Goldziher Studien جـ ٢، ص ٣٨٢ ومابعدها، Ha- dith und Neues Testament.
(١) المؤلف نفسه Neutestamentl Ele- mente in der Traditionslitt. des Islam فى Oriens christianus ١٩٠٢، ص ٣٩٠ وما بعدها.
ويرجع إلى المصادر التالية عن الأناجيل المنحولة:
(١) إنجيل الصبوة، Evang. In- fantiae طبعة سيك H.Sike , أترخت سنة ١٦٩٧.
(٢) Codex apocrnov Test: Thilo, الطبعة الثانية، باريس سنة ١٨٦٣.
(٣) Les Evangiles ap-: G. Brunet ocryphes الطبعة الثانية، باريس ١٧٦٣.
(٤) Litt. Syriaque: R.Duval, الطبعة الثانية، باريس ١٩٠٠.
(٥) P.Dib فى La Revue de l'Orient Chretien سنة ١٩٠٥، ص ٤١٨ - ٤٢٣ وهو يستشهد بالترجمات العربية للعهد الجديد المنقولة عن القبطية والسريانية.
ويرجع إلى المصادر التالية عن الشعراء:
(١) Poetes arabes: P.L.Cheikho Chretiens، بيروت سنة ١٨٩٠ - ١٨٩١.
(٢) Le chantre des Om-: Lammens iades فى. Journ Asiat، المجموعة التاسعة جـ ٤، عام ١٨٩٤.
стр. 1263
(٣) Une nouvelle: Clement Huart source du Qoran فى Journ. Asiat المجموعة العاشرة، عام ١٩٠٤.
(٤) Umaiya ibn Abi-S.Salt: Power فى faculte Orientale Melanges de la جـ ١، ص ١٩٧ وما بعدها، بيروت سنة ١٩٠٦.
المصادر المذكورة فى صلب المادة:
(١) اليعقوبى، طبعة هوتسما، جـ ١، ص ٧٤ - ٨٩.
(٢) Der Auszug aus den: Klamroth -Ya ,Evangelien bei dem arab. Historiker -kubi, Festschrz. Einweihung des Wilhelm Gymnasium، همبورغ سنة ١٨٨٥.
(٣) G.Smit: bij Bijbel en Legende schrijver Yakubi den Arabischen, ليدن سنة ١٩٠٧.
(٤) المسعودى، ترجمته وطبعه Pavet de Courteille و Bardier de Meynard .
(٥) البيرونى: الآثار الباقية عن القرون الخالية، Chronology ترجمة Sa- Chau.
(٦) تاريخ الطبرى، ترجمة Zo- tendberg ١٨٦٧ - ١٨٧٤.
(٧) السهروردى: عوارف المعارف على هامش إحياء علوم الدين للغزالى، القاهرة سنة ١٣١٢ هـ.
(٨) Die Abhandlunhen der Ichwan es-Safa طبعة Dieterici, برلين سنة ١٨٨٦، ص ٥٩٤ وما بعدها.
[كارا ده فو B.Carra De Vaux]
تعليق على مادة "إنجيل"
مما لا ريب فيه أن القرآن حاج اليهود والنصارى حجاجا دينيًا قويًا فى مواضع كثيرة، وصحح لهم كثيرًا من عقائدهم وسلوكهم التى كانوا يظنونها دينا، وأبان لهم عن وجه الحق فيها.
وإن هذا الموقف الدينى الذى وقفه القرآن لا يستطيعه إلا أحد رجلين: إما رجل عكف طيلة حياته على درس الشئون الدينية والكتب السماوية ورأى أقوال أساطين الدين والشراح، وساير العقيدة وتطورها فى عصورها المختلفة،
стр. 1264
وما دخل عليها من التشويه والتحريف وكان له مع ذلك بصر نافذ، يبطل الباطل، ويحق الحق. وهذا أيضًا ربما لا يقارب ما وصل إليه القرآن الكريم, لأن هذا الحق الذى أظهره فى الدينين اليهوديّ والمسيحى قد غشيته سحب كثيرة من الأباطيل، وطال عليه الأمد، فظن دينا، وقد حالت هذه الغواشى بين الناظر وبين الوصول إلى هذا الحق.
وإما رجل ينطق عن الله العالم بكل شئ، الذى رأى شرعه قد تلاعبت به ظلمات البشر، وغشيه سحاب مركوم، فنطق على لسان من أيده بإرجاع الحق إلى نصابه والنظرية الإسلامية تعتقد الثانى، والمخالفون يعتقدون الأول، وقد حاول المخالفون أن يرجعوا ما جاء فى القرآن الكريم إلى تعليم، وما فى هذا الفصل بعض هذه المحاولات.
ونحن نلاحظ أنه لما أعجز الكاتبين أن يثبتوا أن محمدًا [ ﷺ ] قد درس الإنجيل جمعوا بينه وبين المسلمين، وأخذوا يثبتوا أنهم كانوا على علم بالإنجيل.
وكل ما أتوا به من أدلة لا يثبت أن محمدًا [ ﷺ ] كان يعلم الإنجيل، وإنما يثبت أن بعض المسلمين فى عصور متأخرة كانوا يعلمونه؛ لأن أقدم ترجمة عربية باعترافهم -وهى أقدم من تلك الترجمة التى تمت فى عهد متقدم جدا- كانت كما نقلوا عن ابن العبرى بين سنة ٦٣١ وسنة ٦٤١, ومحمد [ ﷺ ] ولد فى يوم ٢٠ أبريل سنة ٥٧١ م وتوفى يوم ٨ يونيو سنة ٦٣٢ م، فالترجمة التى ذكروها لم تتم فى عهده ولم ينتفع بها فى الجدال الذى احتدم بينه وبين أهل الأديان المخالفة طول عمره.
وكل ما شككوا به ليصلوا إلى أن محمدًا [ ﷺ ] كان يعلم الإنجيل تدفعه سيرته وحياته التى عرفت بالتفصيل لا بالجملة. فقد نشأ أميًا بين أميين لا علم يدرسونه، ولا كتب يقرءونها, ولا أساتذة تثقفهم، ولا فلاسفة تعلمهم، ثم قال لهؤلاء الدارسين الكاتبين أهل الذكر والعلم: إلىّ إلىّ، أصحح لكم عقائدكم، وأنقح لكم تاريخكم، وأهذب لكم علومكم، وأضعكم على الجادة التى
стр. 1265
كنتم عليها يوم نزل دينكم. وقد وفى بما قال وكان عندما وعد، وما ذاك إلا أنه من عند مَن علّم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم.
﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾.
محمد عرفة
تعليقات على مادة "إنجيل"
(١) أى بفتح الهمزة وبكسرها، أما الكسر فإنه اللغة المعروفة والقراءة المشهورة فى القرآن. وأما الفتح فإنه روى عن الحسن أنه قرأ (وليحكم أهل الأنجيل [٥: ٤٧]. قال الزمخشري فى الكشاف (١: ٣٤٢ طبعة مصطفى محمد): "فإن صح عنه فلأنه أعجمى خرج لعجمته عن زنات العربية".
وقال صاحب اللسان: "وليس هذا المثال فى كلام العرب. قال الزجاج: ولقائل أن يقول: هو اسم أعجمى، فلا ينكر أن يقع بفتح الهمزة, لأن كثيرا من الأمثلة العجمية يخالف الأمثلة العربية".
وهذه القراءة المنسوبة للحسن فى الكشاف واللسان لم أجد لها إسنادًا يؤيد صحة روايتها, وليست فيما حكى من القراءات الشاذة التى اطلعنا عليها، فهى لغة ضعيفة وقراءة غير جائزة. والعرب إذا عرّبت الأعلام اجتهدت فى صوغها على أوزان كلماتها، أو تصرفت فى كثير من حروفها حتى تدمجها فى لغتها، إنقاء للعربية من لكنة اللغات الأعجمية، وحرصا على ألسنة العرب أن تشيع فيها الرطانة الأعجمية. خلافا للقاعدة التى وضعها مجمع اللغة العربية (انظر مجلة الرسالة فى السنة الرابعة ص ٥٥٨) وهى قاعدة ظاهرة الغلط، ولعلنا نوفق إلى تفصيل ذلك فى مقام آخر إن شاء الله. فهذه الكلمة بكسر الهمزة ليست تحريفًا للكلمة اليونانية كما زعم الكاتب، وغنما هى نقل عنها على ما اعتاده العرب فى نقل الأعلام.
(٢) لم نجد فيما بين أيدينا من كتب التاريخ أميرا يسمى "عمرو بن سعد"، ونقل ابن العبرى لا يكفى فى إثبات مثل