الشعر القديم مع إيضاح غوامضه، فأدوا للتاريخ خدمة جليلة إذ جمعوا شتات هذه المجموعة من المواد التاريخية وعنوا بترتيبها وتنسيقها بعد تمييزها بعضها لاعن بعض.
وكان أبو عبيدة (١١٠ - ٢٠٩ هـ = ٧٢٨ - ٨٢٤ م) أحد الموالى الذين يمتون إلى العراق بماتة الأصل، وهو من المثل البارزة في ذلك النشاط، فإنه لم يحمل اسمه أي بحث من المائتى البحث المنسوبة إليه، غير أن بعض هذه البحوث وردت بجوهرها في مصنفات ألفت فيما بعد آخذة بأطراف الرواية فيما يختص بشمال بلاد العرب ومنسقة في صورة سهلة التناول كروايات القبائل المستقلة وبطون القبائل فيما يرتبط بـ "الأيام " وتنسحب أيضًا حتى على الروايات التالية لظهور الإسلام وعلى الروايات التي احتوت شرح فتوحات الأقاليم المنقسمة بعضها على بعض، والحوادث الهامة ووقائع الحروب بل أخبار الجماعات "كقضاة" البصرة و، الخوارج " و" الموالى"، وكان أبو عبيدة متهما بمحاولة الطعن في العرب لصالح الشعوبية.
ولقد كان عمل هشام بن محمد الكلبى المتوفى حوالي سنة ٢٠٤ هـ (٨١٩ م) شبيهًا بعض الشبه بعمل أبي عبيدة في اتجاهه ومناحيه (انظر مقدمة سخاو لطبقات ابن سعد، مجلد ٣) إذ نظم المجموعات التي عنى والده المتوفى سنة ١٤٦ هـ (م) بحشدها وقام بتوسيع نطاقها كما نظم مجموعات عوانة وأبي محنف. وتتناول رسائله في الأغلب الغرض الذي ترمى إليه بحوث أبي عبيدة، غير أن مرجع الفضل إليه في عنايته بتدوين الأخبار التاريخية الخاصة بمدينة الحيرة وأسرتها المالكة مستندة إلى المصادر والوثائق المكتوبة، وقد خطا هذا العمل المقول باستناده إلى الوثائق المحفوظة في كنائس الحيرة والأسانيد الفارسية التي ترجمت له خطوات واسعة نحو التأليف التاريخي القائم على أساس العلم. ومع أنه لم ينته إلينا من ذلك المصنف سوى مقتبسات محدودة العدد فقد أثبتت التحقيقات الحديثة صحة روايته في مجموعه، ويقال عن هشام إنه نهج هذا النهج في مصنفاته الأخرى باعتماده على الكتابات والمواد المكتوبة التي كانت
стр. 2102
تحت يده. ولكنه لم يكن مع ذلك بمنجاة من المطاعن العنيفة التي كالها له العلماء المحافظون على التقاليد متهمين إياه بالتزوير وكذب الرواية.
٢ - صدر الإسلام
إذا إستثنينا ما استعان به هشام الكلبى من المواد الخاصة بالحيرة فإن بداية تأليف التاريخ العلمي باللغة العربية تربط بالبحث في حياة النبي وأعماله، وهو ما يستتبع رجوع أهل هذا التنظيم إلى مجموعة الأحاديث النبوية وبخاصة الأحاديث المتصلة بغزوات النبي (ومن ثم اصطاوح "المغازي" أو الغزوات الذي أطلق على المصنفات الأولى التي ألفت في السير). وكانت المدينة المنورة موطن هذه الدراسة ومهدها، ولم يختص احد بالتأليف في المغازي قبل القرن الثاني للهجرة في مواطن أخرى غير المدينة. وذاك الارتباط بالأحاديث الذي ترك أثرًا لا يمحى في أسلوب التأليف التاريخي بالاعتماد على الإسناد يفسر التغيير البالغ الذي ظهر منذ ذلك الحين في الصفات المميزة لرواية حوادث التاريخ وتمحيصها عند العرب.
وإنا لنشعر أول وهلة انا نستند إلى أساس علمي في الأثر الذي تناول العهد المكي والعهد المدني في حياة الرسول [ ﷺ ].
وقد أدى الجيل الثاني من المسلمين إلى هذا التقدم ما هو أعلق بالمصادر والمراجع منه بمجموعات سبق تكوينها. ومع هذا فإن اثنين منهم وهما أبّان بن عثمان وعروة بن الزبير ورد ذكرهما على اعتبار أنهما مصنفان في المغازي، ولكن مصنفاتهما لم تذكر قط على لسان المصنفين الذين جاءوا بعدهما. وفي الجيل التالي اشتهر بعض المحدثين بمجموعتهم الشاملة لأحاديث المغازي وبخاصة محمد بن مسلم بن شهاب الزهري الذي دوَّن بالكتابة مواد الحديث نزولا على أمر الخليفة عمر بن عبد العزيز أو الخليفة هشام بن عبد الملك، وقد أودعت هذه المواد خزانة الدولة التي حل بها العفاء فيما بعد.
ويعزى إليه الفضل في أنه كان أول من قارن بين الأحاديث المختلفة المصادر لادماجها في حديث واحد وهذه خطوة إلى الإمام في العرض التأريخى.
стр. 2103
وقد كانت الأحاديث التي رواها الزهري أساسًا للكتب المؤلفة في المغازي، وجمعها ثلاثة من كتاب الجيل التالي، إلا أن اثنين من هذه الكتب فقدا كما فقد كتابان آخران غيرهما وإنما بقيت من هذه الكتب أجزاء متفرقة. أما الكتاب الثالث وهو السيرة المشهورة التي ألفها محمد بن إسحاق ابن يسار المتوفى سنة ١٥١ هـ (٧٦٨ م) فقد كان ثمرة تفكير أبعد أفقًا وأوسع نطاقًا من تفكير سابقيه ومعاصريه، لأنه نزع فيه لا إلى تدوين تاريخ النبي فحسب بل إلى تاريخ النبوة بذاتها أيضًا. وكان في هذا الأسلوب المبتكر يشمل أقسامًا ثلاثة: "المبتدأ" وهو تاريخ العصر الجاهلى منذ الخليقة، وقد استمد أكثره من وهب بن منبه ومن المصادر العبرية، ثم "المبعث " وهو تاريخ حياة النبي حتى السنة الأولى للهجرة، ثم "المغازي" وتناول هذا التاريخ إلى وفاة النبي. وقد غدا هذا الكتاب المرجع الرئيسى لتاريخ العصر الجاهلى والصدر الأول من الإسلام وذلك على الرغم من أنه كان هدفا للنقد الصارم بما تطرق إليه من الأحاديث والمقتبسات الشعرية التي لا وزن لها. وقد عرف أن هناك أحاديث دخل عليها -كما هو معروف- بعض التحوير، غير أنه مما يدعو إلى الأسف أن ما اعتمد عليه منها الجامعون المتأخرون من العراقيين كان خير ما فيها بلا ارتياب (انظر الخطيب البغدادي) وقد تناولته يد الضياع فتمهدت السبل بذلك إلى ظهور موجز مشوه بعض التشويه جمعه المصنف المصري عبد الملك بن هشام المتوفى سنة ٢١٨ هـ (٨٣٣ م). ومما هو جدير بالذكر أن جميع المؤلفين في المغازي كانوا من "الموالى" وإن يكن هذا التعبير لايستتبع حتمًا حتى في ذلك العهد رجوعه إلى أصل غير عربي. فقد كان ابن إسحاق عراقى الأصل حقًّا لأن جده يسارًا أسر في العراق سنة ١٢ هـ (٦٣٣ م) ولكن مما يتناقى مع الصواب أن نطلب في النزعة الفكرية التي بعثت ابن إسحاق على وضع مصنفه مؤثرات فارسية حتى ولو جاءت عن طريق غير مباشر، إذ أن الصلات بين تلك النزعة والاتجاه الذي اتجه إليه وهب بن منبه من جهة ثم بينها ومذهب أهل الحديث المدنيين من جهة أخرى تثبت أن تلك
стр. 2104
النزعة الفكرية كانت بلا شك من وحى العرب كما كانت متصلة بضوابط علم الحديث العربي الصحيح. وقد كان من نصيب الجيل التالي أن شهد أفق الدراسات والبحوث التاريخية ينفسح مداه. فقد عزى إلى ابن إسحاق تأليف تاريخ للخلفاء، وإنما يظهر أن هذا التأليف كان ضيق النطاق مختصر العبارة.
وألف محمد بن عمر الواقدي (١٣٠ - ٢٠٧ هـ = ٧٤٧ - ٨٢٣ م) الذي خلف ابن إسحاق كتابًا لم يقتصر فيه على غزوات النبي بل تناول كثيرًا من وقائع تاريخ العهود الإسلامية التالية كما ألف تاريخًا جامعًا تناول فيه الكلام إلى عهد خلافة هارون الرشيد، وبذا اقترب علم التاريخ القائم على الحديث من المادة التاريخية التي جمعها فقهاء اللغة مع الاحتفاظ بأسلوبه الخاص في إيراد الأحاديث. وتاريخ " المغازي " للواقدى هو وحده الذي حفظ كيانه بوضعه الأصلي. ولكن كاتبه محمد بن سعد المتوفى سنة ٢٣٠ هـ (٨٤٤ - ٨٤٥ م) اعتمد على الكثير من المواد التي جمعها ذلك المؤلف في مصنفه "كتاب الطبقات " في سيرة النبي وصحبه والتابعين.
وفكرة تصنيف معجم للتراجم كهذا تدل بذاتها على تطور جديد في فن التاريخ، وتؤيد الارتباط الوثيق بينه وبين علم الحديث، إذ أن هذه المواد جمعت في الأصل بقصد نقد الأحاديث وتمحيصها.
هذا، ولذلك الجزء من كتاب ابن سعد في قالبه الأخير الذي صاغه فيه، أي كتاب سيرة النبي (المجلدان الأول والثاني من الكتاب المطبوع) أهمية من وجهين: الأول أن تاريخ المغازي له تكملة تتضمن أوامر النبي ونواهيه وكتبه؛ وقد قال الواقدي إن ابن سعد استمد بكل ما وقعت عليه يده من الوثائق والأسانيد. وأظهر حجة مما تقدم على ذلك أن. تلك الأجزاء التي أضيفت لأول مرة عن صفة أخلاق النبي وعلامات النبوة كانت ممهدة لما أنشئ بعد ذلك من الكتب في شمائل النبي والدلائل.
ويخطو هذا التطور بنا خطوة أخرى نحو توجيه عناصر الحديث الصحيح في اتجاه آخر من رواية الأحاديث (كما رأينا في ابن إسحاق) لك أن تلتمسه في فن القصاص، ويصور لنا العودة إلى
стр. 2105
صنف من صنوف الأدب الشعبي يمت بصلة إلى مصنفات وهب بن منبه. وبهذا الاتجاه الجديد الذي نهجته السيرة والذي اتجه إليه كذلك جميع المتأخرين من مؤرخى السيرة النبوية يتضح لنا جليًا أن نصيبه من الأسلوب التاريخي قد أشرف على النهاية.
٣ - تاريخ الخلافة:
أتينا في الفصلين السابقين على وصف لبداية تدوين الحوادث التي أعقبت وفاة النبي في وسائل متفرقة. ومما يجدر ذكره أن هذا النشاط كان مقصورًا على العراق، فلم تعز آية رسالة من هذا القبيل إلى عالم ما من علماء الشام أو بلاد العرب أو مصر خلال القرنين الأولين للهجرة، ومن ثم تبوأ العراق ورواية حوادثه المحل الأول بين المؤلفات التاريخية التي وصفت فيما بعد. بيد أن المأثور من حديث المدينة قد أمدنا أيضًا، فيما بعد. فيما يتعلق بالخلفاء الراشدين، بمادة أفادت بعض المؤلفين (كالواقدى) من ناحية اتصالها بأهل الحديث المدنيين (نسبة إلى المدينة). وما برح في مجال الشك وجود وثائق مخطوطة في المدينة كانت في ذلك العهد من المراجع التي يرجع إليها، ومع هذا فإن الدقة التي تتسم بها الأخبار التاريخية الواردة في الحديث المدني تدعو إلى الاعتقاد بوجود مواد من هذا القبيل فيها. وقد توافرت الدلائل على وجود وثائق في العصر الأموى بدمشق والعراق معًا (انظر بخاصة. كرومان Allgemeine Einfuehrung in die arabischen papyri، فينا سنة ١٩٢٤، (ص ٢٧ - ٣٠) ولذا كان محتملًا أن يكون المصنفوق المتأخرون قد اعتمدوا على مواد من هذا القبيل في ترتيب مجموعة دقيقة للحوادث بحسب تسلسل الزمن ترتيبًا تناول ذكر أسماء الولاة والحكام وأمراء الحج وما جرى هذا المجرى عامًا فعامًا.
ولاستيفاء مثل هذا البيان الجامع لجأ المؤلفون إلى هواد روعى في جمعها التوفيق بين مناهج الرواة وفقهاء اللغة. وقد كانت المنزلة الأولى بين للك المواد للروايات الخاصة بالقبائل العربية في العراق، وطائفة منها هي الروايات الخاصة بقبائل آزد التي جمعها هي وروايات أخرى أبو مخنف المتوفى سنة ١٥٧ هـ (٧٧٤ م) وقد تولى نقلها هشام
стр. 2106
الكلبى (انظر فيما تقدم)، وهي عبارة عن رواية الكوفة لجانب على ضد أهل الشام، أما رواية كلب التي يوردها "عوانة بن الحكم " المتوفى سنة ١٤٧ هـ (٧٦٤ م) والتي نقلها هشام الكلبى أيضًا ففيها نزعة ظاهرة ضد على لجانب أهل الشام (انظر فيما يتعلق بهذه المصادر: Das ar-: Wellhausen abische, Reich Einleitung وهنالك رواية ثالثة لقبيلة تميم، وقد تولى إذاعتها في الآفاق "سيف ابن عمر" المتوفى حوالي سنة ١٨٠ هـ (٧٩٦ م) في صورة قصة تاريخية عن الغزوات تقوم إلى حد كبير على منظومات اتصالها بالقصة يشبه كثيرًا ذلك الاتصال الذي نلحظه في المنظومات الواردة فيما روى عن أيام العرب.
وهناك أجزاء متفرقة من روايات قبلية أخرى قد ظهر أمرها بين الملأ منها رواية باهلة المتصلة بحروب قتيبة بن مسلم، فإنها بتفاصيلها الجلية الشائقة وبالمجال الذي أفسحته للوقائع والحوادث البارزة تختلف اختلافًا بينًا عن المدونات الشاملة للحوادث المرتبة على مقتضى السنين مما ألف في العصور التالية وفي هذا العصر. وهذه الروايات القبلية- على ما احتوته من روح التحيز وفي كونها لا للزم غير صاحبها - لا يمكن القول بأن قيمتها التاريخية لا يقام لها وزن خصوصًا فيما تنطوى عليه من الإيضاح والتنوير للعوامل والمؤثرات الداخلية التي سيطرت على أحوال القرن الأول من التاريخ الإسلامي. ثم إنه مما لا يجوز إغفاله أن تلك المجاميع تتصل بعلم الحديث من ناحية الشكل ومن ناحية المحافظة الدقيقة على مبدأ "الإسناد" [وبداية هذا النشاط كانت تقترن باسم الشعبي أشهر محدثى الكوفة المتوفى حوالي سنة ١١٠ هـ (٧٢٨ م)] وليس فيها ما يدل على أثر مؤثر خارجى لا شكلًا ولا موضوعًا.
وفي أوائل القرن الثالث اضطرد التقدم من جديد في طريق التأليف بوجه عام بفضل اتساع نطاق الحضارة المادية اتساعًا متواليًا وبفضل ظهور استعمال الورق الذي أسس أول مصنع له ببغداد سنة ١٧٨ هـ (٧٩٤ - ٧٩٥ م) فإن المخطوطات القديمة للمصنفمات الأدبية واللغوية التي صنفت منذ هذا العهد قد وصلت إلينا.
стр. 2107
ولكن هذا الابتكار لم يقض من فوره على عادة تناقل مجموعات المواد بوساطة الرواة تلك الطريقة التي ظلت مرعية إلى نهاية القرن، لذلك يشك في أن الشطر الأوفى من المائتين والثلاثين الرسالة المنسوبة إلى علي بن محمد المدائنى البصري المتوفى سنة ٢٢٥ هـ (٨٤٠ م) كتب في حياته فعلا. ومما لا شك فيه أن قسمًا كبيرًا من هذه الرسائل لم يكن مجرد نسخ منقولة عن مجموعات أبي عبيدة. على أن الأهم من ذلك هو مؤلفاته الكبيرة في تأريخ الخلافة، ورسالتاه في تأريخ البصرة وخراسان. ولما كان المدائنى قد تناول جميع الروايات العراقية بأساليب النقد السليم الذي يتمشى ومذاهب أهل المدينة فقد اشتهر مصنفه بصدق الرواية، وغدا بذلك المرجع الأول لمصنفات العصر التالي، وقد أيدت التحقيقات الحديثة دقة هذا المرجع بوجه عام.
ويؤخذ من استعراض التطورات السالفة أن الحدث البارز فيها هو أن الأمة الإسلامية قد اكتسبت النزعة التاريخية، وذلك على الرغم من عداء طائفة من رجال الدين المتقدمين للدراسات التأريخية. ولا مراء في أن الحجج التأريخية الواردة في القرآن، والزهو الذي ابتعثته الفتوح الإسلامية الواسعة والمنافسات بين قبائل العرب، كل أولئك قد ساعد على خلق تلك النزعة. ولكن الظاهرة البارزة التي قوامها أن جامعى الرواية التاريخية، ما خلا اللغويين منهم، كانوا رجال دين ومحدثين فحسب، تحمل على الاعتقاد بوجود سبب أعمق لذلك الحدث، فقد كان التأريخ من وجهة النظر الدينية، مظهرًا لتدبير إلهى غايته حكم الجنس البشرى؛ وبينما كانت الغاية من التأريخ، في رأى الأجيال المتقدمة، مقصورة على تدوين حوادثه خلال تعاقب الأنبياء الذين كان خاتمهم محمد [ ﷺ ]، إذا بجميع المذاهب الإسلامية قد اتفقت على أن الغاية من التأريخ لا تقف عند هذا الحد. ففي مذاهب أهل السنة أن الأمة الإسلامية، أي أمة الله، هي التي يرتبط بها استمرار النظام الإلهى على الأرض؛ لذا كانت دراسة تأريخ هذه الأمة تكملة ضرورية لدراسة الوحى الإلهى في القرآن
стр. 2108
والحديث. أضف إلى ذلك أن مذهب الاستمرار التأريخى كان أحد الأسس التي قامت عليها الفكرة السياسية الدينية عند أهل السنة. وفي مذهب الشيعة، أن الحكم الإلهى يستمر في سلسلة الأئمة، وقد برهن الراوية الشيعى الوحيد بين الذين ذكروا حتى الآن، وهو أبو مخنف، على أثر هذا الشاغل الدينى بتفرغه لكتابة تأريخ الحركات الشيعية في الكوفة. وأقوى من هذا دلالة على مكانة التأريخ من النظر الدينى أن التقوى العمياء والجدل الدينى كانا قد فتحا الباب لروح التحيز والنقاش، ومن الأمثلة المدهشة على ذلك ما أورده سيف بن عمر في كتابه الثاني عن مقتل عثمان. ومن ثم غدا علم التأريخ جزءًا لا يتجزأ من الثقافة الإسلامية، ففي البلاد الواقعة على البحر المتوسط ابدلت الروايات التاريخية القديمة بغيرها أو صيغت من جديد وفقًا للروح الإسلامية. وقد أعقب استقرار الإسلام في هذه الأقطار الشرقية المثقفة التي لم يكن لديها تأريخ مكتوب وكذا في إفريقية الفطرية التي لم تعرف التأليف إطلاقًا، ظهور مؤلفات في التأريخ.
٤ - إن بداية التأليف التأريخى بمعناه الأعم، أي التوفيق بين المواد المستمدة من السيرة، والرسائل المتقدمة الذكر، ومصادر أخرى بغية إدماجها في رواية تأريخية متماسكة، إنما ترجع إلى منتصف القرن الثالث، وأقدم مؤلف سار على هذا النهج القديم هو أحمد بن يحيى البلاذرى المتوفى عام ٢٧٩ هـ (٨٩٢ م) ولقد تتلمذ البلاذرى على ابن سعد والمدائني [. . . . .] (*) كتاباه الكبيران يشفان عن أثر هذين [. . . . .] (*) في نفسه، وعن مزاج النقد في عصره على أكمل وجه، على أن أسلوب التأليف الذي يتميز به ذلك العصر هو تأريخ العالم الذي يبدأ بالخليقة ويلخص تاريخ العالم في إنجاز أو إسهاب جاعلًا هذا الملخص مقدمة للتاريخ الإسلامى ذاته. وليست هذه الفكرة جديدة؛ بل يرجح أن تكون توسعًا في الفكرة التي ينطوى عليها مؤلف ابن إسحاق والتي ترمى إلى ضم الشيء الكثير من التأريخ الجاهلى إلى تأريخ الأمة الإسلامية. بيد أن تأريخ العالم ليس تاريخأ للكون بأصدق معاني الكلمة، فما إن يبدأ عصر ظهور الإسلام حتى ينتفى كل اهتمام للمؤلف بتأريخ الأمم الأخرى.
стр. 2109
وفي هذه الآونة سارت الرواية الفارسية لأول مرة (إلا في كتاب هشام الكلبى) في الاتجاه الرئيسى لكتابة التأريخ العربي، وذلك على الرغم من أن "كتاب الملوك" (خداى نامه) الفارسى كان قد نقل إلى العربية قبل ابن المقفع المتوفى حوالي سنة ١٣٩ هـ (٧٥٦ م) بقرن ونيف. وقد أوضحنا فيما تقدم أن المواد المستمدة من القصص اليهودى والمسيحى كانت منذ أمد بعيد، قد وجدت سبيلها إلى التأريخ العربي وهو أمر لم يكن في صالحه تمامًا. كذلك كان أثر الرواية الفارسية فيه سيئًا. ذلك أنه عندما كان هذا التأريخ تابعًا لعلم الحديث كانت سرعة التصديق الطبيعية عند الناس وما كان للذكريات العربية القديمة من روعة في نفوسهم قد أخضعا لنوع من الاعتماد على التجربة واحترام أصول النقد، وهما الشرطان الجوهريان لأى تدوين صحيح للتأريخ، ولكن لم يكد التأريخ يجاوز الميدان الإسلامى حتى عادت الصعوبة القديمة في التمييز بين العناصر شبه الخرافية والتاريخية، إلى الظهور، يصاحبها الميل إلى تصديق كل موضوع في متناول الخاطر. وهذا الميل قد أذكاه طابع المصادر التي استمد منها المصنفون العرب موادهم لتدوين التأريخ القديم لفارس وعيرها من البلدان. بل إن "خداى نامه" ذاتها كانت تشتمل في أقدم أجزائها على قصص تتناول أشخاصًا خيالية (أسطورية) وعلى تأملات كهنوتية، وخرافات أبستاقية، وذكريات عن قصة الإسكندر، وكثيرًا ماكانت النزعة القصصية والبلاغية تطغى على الرواية الصحيحة في الحديث عن ملوك آل ساسان. (Das lranische Nationalepos: Noeldeke, الطبعة الثانية سنة ١٩٢٠) وقد انتعشت الدراسات اليونانية بفضل نقل المؤلفات التي كتبت بهذه اللغة إلى السريانية، وأثار هذا الانتعاش في الوقت نفسه اهتمامًا بالتراث اليهودى والمسيحى واليونانى، ولم يجد هذا الاهتمام منصرفًا إلا بالرجوع إلى مصادر لم تكن أعلى شانًا من خداى نامه، مثل المصنف السريانى الموسوم بمغارة الكنز (معارت كزى).
стр. 2110
ومن هذه المصادر استمدت المواد التي نقلها إلى صلب التاريخ الإسلامي مصنفون مثل أبي حنيفة الدينورى المتوفى سنة ٢٨٢ هـ (٨٩٥ م) وابن واضح اليعقوبى المتوفى سنة ٢٨٤ هـ (٨٩٧ م) ومع دلك فكتاب اليعقوبى من الإفاضة بحيث يشمل سكان الشمال وأهل الصين، ولذلك فهو إلى موسوعة في التأريخ أقرب منه إلى كتاب في التأريخ العام. ومن هذا القبيل كتاب المعارف للراوية ابن قتيبة المتوفى سنة ٢٧٦ هـ (٨٨٩ م) وما وصل إلينا من المؤلفات القرن الثاني في التاريخ لحمزة الأصفهانى المتوفى حوالي عام ٣٦٠ هـ (٩٧٠ م) والمسعودى المتوفى حوالي عام ٣٤٥ هـ (٩٥٦ م) والحق إن المسعودى من أكبر مؤرخى العرب، ولكن فقدان أكبر مصنفاته- التي ليست كتبه الباقية إلا نتفًا منها- يجعل من المتعذر تكوين فكرة صادقة عن النهج الذي اتبعه فيها.
ويتضح جليًا من مثل هذه المؤلفات أن مادة عقلية جديدة قد دخلت على التأريخ العربي، وفي وسعنا أن نقول إن هذه المادة هي الرغبة في المعرفة لذاتها، ومما له دلالته أن كتابًا مثل اليعقوبى والمسعودى لم يكونوا مؤرخين فحسب بل كانوا من الجغرافيين أيضًا، وقد حصلوا معارفهم الجغرافية من الرحلات البعيدة بوجه خاص، ولا مراء في أننا واجدون في هذا التطور أثر من الثقافة الهيلينية المتأخرة خلال القرنين الثاني والثالث. في كتابه التأريخ. ولكن الصلة التي نشات بين التأريخ وبين تقويم البلدان قد أبقى عليها مؤلفون متعاقبون إلى العصر العثمانى.
على أن هذه المواد الدخيلة لا وجود لها -إذا استثنينا التأريخ الفارسى- في المؤلف الذي تبلغ فيه الرواية التأريخية القديمة أوجها، ألا وهو "تاريخ الأمم والملوك" الشهير لمحمد بن جرير الطبري المتوفى سنة ٣١٠ هـ (٩٢٣ م). ذلك أن الطبري كان بادئ ذي بدء محدثًا، وقد رمى في تأريخه إلى تكميل تفسيره للقرآن وذلك بعرضه الروايات التاريخية الإسلامية بنفس الإفاضة والنقد النزيه اللذين توخاهما في مؤلفه السابق. والكتاب، كما وصل إلينا، واضح الإيجاز بالنسبة إلى
стр. 2111
مشروعه الأصلي الواسع النطاق، وبينما يبدى المؤلف انتقاداته في التفسير صراحة نراه في التأريخ يشير إليها تلميحًا، وكانت مواطن الضعف عنده هي ما يتوقع من محدث مثله- مثال ذلك إيثاره لمصنف "سيف " المنحول للتأريخ على مصنف "الواقدي" بسبب ما حام حول الواقدي من شبهة بين المحدثين. ولكن يتعين علينا -فيما عدا هذه المواطن- أن ننوه ببراعته الفائقة فيما بقى من الكتاب الذي كان، بما امتاز به من حجية وإفاضة، رمزًا لختام عصر من عصور التأريخ. ولم يعن أحد من المصنفين المتأخرين بأن يجمع ويحقق من جديد المواد المتصلة بالتأريخ الإسلامي القديم، وإنما كانت هذه المواد تلخص عن الطبري ويزاد عليها أحيانا من البلاذرى، ويبدأ بها من حيث انتهى الطبري.
وقد لفت ضعف القسم الأخير من تأريخ الطبري الأنظار إلى أن معالجة التأريخ بالاعتماد على الرواية وحدها لا تكفى. وقد جعل نظام الدواوين العمال ورجال البلاط في مقدمة من يرجع إليهم في تدوين التأريخ السياسي، ونحى رجال الدين إلى المرتبة الثانية. ولهذا السبب أيضًا يعد القرن الثالث خاتمة طور خاص في كتابة التأريخ العربي.
(ب) وما أن اعتبر التأريخ علمًا مستقلًا حتى أخذ ينمو بسرعة، وكثرت المؤلفات التأريخية بين القرنين الثالث والسادس كثرة يستحيل معها أن نلم بها في إسهاب، ولذلك فسنكتفى بتلخيص أهم اتجاهاتها.
١ - كان علماء كل إقليم قد شرعوا منذ القرن الثالث في جمع الروايات التأريخية التي تتصل بتأريخهم، وإذا استثنينا كتابًا في تأريخ مكة (انظر الأزرقي) يمت في جوهره إلى ما ألف في السيرة، فإن أقدم تأريخ لقطر من الأقطار هو تأريخ مصر وفتوح المغرب الذي ألفه عبد الرحمن ابن عبد الله بن عبد الحكم المتوفى ٢٥٧ هـ (٨٧١ م). ومما هو خليق بالذكر أن هذا المصنف يحتوي على نفس المواد المميزة للتواريخ العامة المتقدمة الذكر، ولكنه يفتقر إلى ما فيها من النقد الصحيح. وتعتمد أخبار الغزوات على رواية أهل المدينة والروايات المحلية. أما المدخل إلى الكتاب فليس مستمدًا من مواد مصرية أصلية
стр. 2112
بل هو على الأخص مستمد من مصادر أخرى وروايات منقولة عن أهل المدينة. ويلاحظ ذلك المزج الخالى من النقد بين السير الخرافية وبين روايات صحيحة نوعًا ما في تأريخ الأندلس المنسوب إلى عبد الملك بن حبيب المتوفى سنة ٢٣٨ هـ (٨٥٣) وفي الكتاب الجامع لآثار اليمن الموسوم بالإكليل للهمدانى المتوفى سنة ٣٣٤ هـ (٩٤٥ - ٩٤٦ م). وربما كانت التواريخ المحلية التي ألفت عن بعض المدن خلال القرن الثالث أكثر اتزانًا ودقة، ولم يبق منها سوى مجلد واحد في تأريخ بغداد (انظر ابن أبي طاهر طيفور). وفي القرون التالية ظهر عدد كبير من هذه التواريخ، وكانت تتجه عادة وجهتين تبعًا لاهتمام المؤلف، فإما إلى السير وإما إلى الحوادث التأريخية (انظر فقرة ٤ في أسفلها). والمصنفات التي وصلت إلينا من هذا النوع الأخير لا تخلو دوامًا من العناصر الخيالية، غير أن فيها كثيرًا من المواد القيمة التي استبعدت من التواريخ الجامعة، ومن هنا نشأت أهميتها الكبيرة (انظر على سبيل المثال: النرشخى، وابن القوطية، وعمارة، وابن إسفنديار). ولما كانت هذه التواريخ في جملتها تتمشى من حيث الإنشاء وطريقة الأداء مع ما هو مألوف في الإقليم الذي تتحدث عنه وفي الزمان الذي كتبت فيه فإنه ينبغي لنا ألا نتناولها بأكثر من ذلك في هذا المقام، وحسبنا أن ننوه بأنها تؤلف قسمًا هامًا من أقسام التأريخ الإسلامي سواء أكان مكتوبًا بالعربية أم بالفارسية.
٢ - على أنه من المتعذر أن نميز بين التأريخ العام والتاريخ الإقليمى بعد منتصف القرن الرابع. ومن ثم كانت الصفة الغالبة على التصنيف التأريخى البحت هي كتابة الحوليات المعاصرة مع التقديم لها في الغالب بموجز في التأريخ العام. ولم يصبح في وسع مؤلف هذه الحوليات أن يجعل أغراضه ورواياته عالمية، فكل مؤلف مقيد بحدود النظام السياسي الذي يعيش في كنفه، ويندر أن يوفق إلى معالجة حوادث تجرى في أقاليم بعيدة عنه، ولكن إلى أي حد يمكننا أن نعتبر هذا التقييد مقابلًا في الحياة العقلية لفقدان الموحدة السياسية عند المسلمين؟ الحق إنها مسألة ما زالت مثارا للجدل. إلا أن هناك
стр. 2113
عاملًا أهم من ذلك في نظرنا ألا وهو أن تدوين التأريخ السياسي قد انتقل في الغالب إلى أيدى العمال ورجال البلاط. وقد أثر هذا التغيير في أسلوبه ومادته وروحه. وقد كان تدوين الحوادث الجارية ميسورًا لدى الكتاب المحنكين وملائما لطبائعهم. وكانت المصادر التي يستقون منها معلوماتهم هي الوثائق الرسمية والصلات الشخصية وما يدور بين العمال وفي دوائر البلاط من أحاديث. ولهذا السبب اختصر الإسناد إلى حد الاكتفاء بإشارة موجزة إلى المصدر، بل إن بعض المصنفين المتأخرين قد استغنوا عنه كلية في كثير من الأحيان. ولكن لم يكن هناك مناص من أن يبدو في روايتهم للحوادث ما عرف عن طبقتهم من التحيز والنظر إلى المسائل الاجتماعية والسياسية والدينية نظرة ضيقة. وخلى المؤلفون جانبًا تلك الفكرة الدينية القديمة التي أضفت على التأريخ رحابته وروعته، وأخذت الحوليات تجنح إلى الاقتصار على ذكر ما يفعله الأمير وما تقوم به حاشيته. ونجد من جهة أخرى أن ما يصنفه الكتاب عن الحوادث السياسية الظاهرة موثوق به- على الجملة- مع مراعاة ما يتقيد به كاتب في خدمة أمير. فالتواريخ المعاصرة لابن مسكويه المتوفى عام ٤٢١ هـ (١٠٣٠ م) ولهلال الصابئ المتوفى عام ٤٤٨ هـ (١٠٥٦ م) فيها أثر ينبئ بأن هذين الكاتبين قد أحكما الأخذ بمعيار الدقة وتحررا - إلى حد ما - من سلطان التحيز السياسي. ومما يثبت أن الكتاب كافة قد أخذوا بهذا المعيار ما بقى لنا من مثل كتابى تأريخ مصر والأندلس اللذين ألفهما عبيد الله ابن أحمد المسبِّحى المتوفى عام ٤٢٠ هـ (١٠٢٩ م) وابن حيان القرطبي المتوفى عام ٤٦٩ هـ (١٠٧٦ - ١٠٧٧ م).
وكان لصبغ التأريخ بالصبغة المدنية أثر آخر خطير. فقد استعاض المؤرخون عن المبررات الدينية القديمة بالدعوة إلى القيمة الأخلاقية لدراسة التأريخ. فهو عندهم يردد ذكر الفعال الطيبة ويبسطها أمثالًا نافعة في تربية الأجيال القادمة (انظر مقدمة كتاب تجارب الأمم لابن مسكويه، ومقدمة كتاب الوزراء هلال الصابئ). وقد صادفت هذه الدعوة قبولًا تامًّا لدى جمهرة علماء
стр. 2114
الأخلاق ورجال الأدب، لأنه إذا كان التأريخ فرعًا من فروع الأخلاق وليس علمًا من العلوم فإنه لا ينبغي للمؤرخين أن يترددوا في تكييف أمثالهم التاريخية بما يوائم أغراضهم. وقد ذهبت كتب الأدب و "مرايا الأمراء" الطافحة بمثل هذه الضلالات مدى بعيدًا في إفساد ذوق الجمهور وملكة الحكم عنده، بل إن بعض المؤرخين والإخباريين لم يسلموا دائما من هذه العدوي.
٣ - ولنذكر في هذا المقام تلك الادعاءات التأريخية العديدة التي أذيعت في هذا العهد أو في تأريخ متأخر عنه. ولم يكن جلّها محض اختلاق بل كان يستند إلى أساس من الرواية الصحيحة مزج بصنوف الروايات الشعبية والقصص الخيالى ومواد الدعاوة والحزبية، وكان يرمى في الغالب إلى هدف سياسى أو دينى معين (انظر على سبيل المثال مواد ابن أعثم وابن قتيبة والمرتضى والأشرف والواقدى) شأنه في كل دلك شان مؤلفات سيف بن عمر المتقدمة الذكر (فقرة ٣ أ، أعلاها).
٤ - على الرغم من أن الفقيه والمحدث قد تنحيا لعمال الديوان عن مكانهما في تدوين التأريخ السياسي فقد ظلا مستأثرين بكتابة السير التي هي أوسع مجالًا من ذلك التأريخ. وكانت كتابة السير -كما قدمنا- ضربا من الرواية القديمة، ولا شك في أن التأريخ السياسي كان أكثر إخلاصًا للفكرة القديمة بعد تحوله إلى حوليات عن البيوت المالكة، لأن سير العلماء "ورثة النبي" كانت في نظر المتعلمين أصدق تعبير، عن التأريخ الحق لأمة الله على الأرض من النظم السياسية الزائلة.
وكانت المواد المتعلقة بالشخصيات البارزة موضوعًا منذ القدم لمجموعات قائمة بذاتها إلى جانب طبقات المحدثين والفقهاء المنتمين إلى هذا المذهب أو ذاك، وهذه الطبقات تقوم على عمل فنى ويندر أن تأخذ سمة السير في معناها الصحيح، ومن أقدم ما وصل إلينا من هذه المصنفات سيرة الخليفة عمر بن عبد العزيز التي ألفها أخو ابن عبد الحكم المتقدم الذكر، ومن الواضح أنها تستند في بعض أجزائها إلى وثائق مكتوبة وفي أجزائها الأخرى إلى رواية أهل التقوى ولاسيما في المدينة. بيد أن هذه المصنفات تتناول - في أغلب
стр. 2115
الأحيان- فريقًا أو طبقة بأسرها من الناس، ففي المقامات الصوفية -على سبيل المثال- وضعت مصنفات كثيرة في سير الأولياء وأخصها المؤلف الكبير لاحلية الأولياء" لأبي نعيم الأصفهانى المتوفى سنة ٤٣٠ هـ (١٠٣٨ م)، أما عند الشيعة فلم يقتصر الأمر على الكتب الموضوعة عن فقهاء الشيعة ومصنفاتهم (انظر الطوسى) وإنما وجدت كتب كثيرة أخرى عن الاستشهاد في بيت على. ومما يميز هذه الحقبة معاجم تراجم العلماء ومشاهير الرجال الذين خرجوا من مدينة أو اقليم واحد، والمألوف أن تكون هذه المعاجم كبيرة ضخمة يؤلفها علماء من نفس المدينة أو الإقليم؛ ومن هذا القبيل معجم الخطيب البغدادي المتوفى عام ٤٦٣ هـ (١٠٧١ م) الذي يقع في أربعة عشر مجلدًا. ومعظم هذه المؤلفات لم يبق منه شيء إلا التأريخ الكبير لدمشق الذي وضعه ابن عساكر المتوفى عام ٥٧١ هـ (١١٧٦ م) وسلسلة من التراجم الأندلسية (انظر ابن الفرضى وابن بشكوال وابن الأبّار) وبعض المعاجم المختصرة. ولعل تاريخ دمشق هو أكمل المؤلفات العربية الجامعة التي من نوعه.
وكانت كتب التراجم تستقى من مراجع أخرى أيضًا. وهذه الكتب غزيرة المادة كما كان متوقعا، وهي تتزود من فقه اللغة بمعناه الضيق ومن فروعه الأخرى التي تجنح إلى الأدب. ومن المصنف الأول ما أنتجه الكتاب عن طبقات النحاة وتراجم أكابر الفقهاء. ومن المصنف الثاني ما ألفه المصنفون من كتب جامعة عن الشعراء ورجال الأدب (انظر ابن قتيبة والثعالبى). وقد أفردت مصنفات من هذا القبيل لأصحاب الحرف الأخرى كالأطباء والفلكيين. وكان فن الموسيقى باعثا على تصنينف أعظم مؤلف عربي في التراجم في القرون الأولى ألا وهو كتاب الأغانى لأبي الفرج الأصفهانى المتوفى سنة ٣٥٦ هـ (٩٦٧ م).
ويبدو من جهة أخرى أنه لم يكن هناك إقبال من الكتاب على أن يترجموا لأنفسهم. ولم يبق من آثار ذلك العهد سوى رسالتين للمؤيد في الدين المتوفى سنة ٤٧٠ هـ (١٠٨٧ م) وأسامة بن مرشد بن منقذ المتوفى سنة ٥٨٤ هـ (١١١٨ م).
стр. 2116
وكل هذه الكتب التي وضعت في التراجم تتميز هي والتراجم الإسلامية المتأخرة بخصائص مشتركة. فهي تعنى في الغالب بطريقة الإسناد، وتؤرخ الحوادث- ولا سيما تأريخ الوفاة- بدقة فائقة، وتورد أهم ما يكتنف حياة المترجم له في إيجاز، ولا تخرج الإشارات المختصرة عن هذه الخصائص مضافًا إليها بيانات بأسماء المؤلفات إذا كان المترجم له كاتبا ومقتطفات من الشعر إذا كان شاعرا، وجل مادة التراجم نوادر لم يراع في ترتيبها التأريخ أو الموضوع. وإبراز شخصية المترجم على هذا النمط يترك في الأذهان أثرًا واضحًا في غالب الأحيان، إلا أنه يكون في بعضها مضطربا وبخاصة إذا لم يوجد ما يؤيد صحة هذه النوادر. ومع ذلك فإن هذا المصنف من التأليف- رغم كل ما يرمى به من اطمئنان للأقاويل وعدم السير على قاعدة ما - يعتبر مكملا قيما للحوليات السياسية مصححًا لها بحكم قربه من حياة الناس.
٥ - ولقد امتزج التأريخ بالتراجم في عهد متقدم، وشاهد ذلك تلك التواريخ التي تقوم على السير. وكان هذا الأسلوب في التاليف ملائما كل الملاءمة لأولئك الذين كتبوا تواريخ الوزراء مثل محمد بن عبدوس الجهشيارى المتوفى سنة ٣٣١ هـ (٩٤٢ - ٩٤٣ م) الصابئ المتوفى عام ٤٤٨ هـ (١٠٥٦ م) وقد سبق أن تحدثنا عنه، وعلى ابن منجب الصيرفى المتوفى عام ٥٤٢ هـ (١١٤٧ - ١١٤٨ م) وهو الذي حدثنا عن وزراء الخلفاء الفاطميين، كما كان ملائما لأولئك الذين صنفوا تواريخ القضاة، ومن أقدم التواريخ التي من هذا القبيل ما كتبه محمد بن يوسف الكندى المتوفى عام ٣٥٠ هـ (٩٦١ م) عن قضاة مصر، وما كتبه محمد بن الحارث الخشنى المتوفى عام ٣٦٠ هـ (٩٧٠ - ٩٧١ م) عن قضاة قرطبة.
وقد نهج الصولى المتوفى سنة ٣٣٥ هـ (٩٤٦ م) نهجا خاصا في "كتاب الأوراق " الذي ألفه في تأريخ العباسيين، إذ جمع بين التراجم السياسية والتراجم الأدبية. ولما قامت البيوت الحاكمة في مختلف الأقاليم طبقت عليها هذه الطريقة حتى حلت
стр. 2117
الحوليات الخاصة بهذه البيوت في القرنين الخامس والسادس محل الحوليات القائمة على الرواية، وذلك في ولايات المشرق على الأقل. وكانت هذه الخطوة بالغة الضرر، لأن تعظيم العنصر الشخصى قد زاد من أهمية العوامل الشخصية ولاسيما عندما شرع الحكام أنفسهم يتحكمون في كتابة تواريخ عصرهم ويشرفون عليها. وبذلك أضحى التأريخ عملا يسوده التلفيق، وحل أسلوب رسائل الكتاب القائم على البلاغة والتعقيد محل الأسلوب السهل البسيط. ويظهر أن إبراهيم الصابئ المتوفى عام ٣٨٤ هـ (٩٩٤ م) هو أول من اتبع النهج الجديد في مصنفه المفقود الذي ألفه في تأريخ البويهيين ويعرف بالتاجى. وقد عمم العتبى المتوفى عام ٤٢٧ هـ (١٠٣٥ م) هذا النهج في المصنف المشابه لهذا ألا وهو "اليمينى" في تأريخ سبكتكين ومحمود الغزنوي. ولعل لهذا صلة بنهضة اللغة الفارسية والرواية التاريخية الفارسية (انظر فقرة ١، ٤ أعلاها) في المشرق، بل ربما كان هناك أثر للملحمة الفارسية التي كانت في ذلك الوقت آخذة في الظهور (انظر دقيقى والفردوسى). ولئن أمكن تبرئة مؤلفى التواريخ الرسمية من الخضوع وإخفاء الحقائق؛ فإننا لا ننسى أن التجاءهم للطنطنة وافتقارهم إلى الحكم السليم يترك أثرا سيئا في النفس. ومن سوء الطالع أن ما كان لبعض هذه التواريخ من صيت بعيد في أوساط الأدباء وتوالى صدور مثل هذه التواريخ قد أديا إلى اعتبارها نموذجا. غير أن هذه النظرة لا تنصف تماما ذلك العلم الذي أقامته الأجيال الأولى من علماء المسلمين في صبر وجلد.
٦ - وفي هذه الظروف غير الملائمة شرع في كتابة المصنفات التأريخية من جديد باللغة الفارسية. ومما تجدر ملاحظته أن كثيرا من أقدم ما ظهر من المصنفات كان منقولا من الكتب العربية أو موجزا لها. وأول هذه المصنفات ذلك التلخيص المشوب بالتعسف الذي أعده الوزير أبو على البلعمى عام ٣٥٢ هـ لتأريخ الطبري، وهذا الموجز لا يخلو من زيادات هامة في كثير من الأحيان (انظر الكرديزى) ولم يصل إلينا سوى بعض التواريخ المحلية وتواريخ البيوت
стр. 2118
الحاكمة التي كتبت بالفارسية في ذلك العهد، وليس في هذه التواريخ من السمات التي تميزها عن المؤلفات العربية المعاصرة في ولايات المشرق إلا القليل. ويلوح أن كثيرا من الكتاب مثل النسوى كانوا يجارون الظروف فيكتبون حينا بالعربية وحينا آخر بالفارسية. غير أن هناك مثلًا بارزا خرج على المألوف في هذه المصنفات وهو تلك اليوميات الكاملة الخالية من الهوى الحزبى التي ألفها أبو الفضل البيهقي المتوفى عام ٤٧٠ هـ (١٠٧٧ م) وهذا الكتاب نسيج وحده بين ما وصل إلينا من المؤلفات التي ترجع إلى ما قبل العهد المغولى.
وقد نهضت اللغة الفارسية وبدأت تصبح لغة أدب في عهد الأسر التي حكمت فارس في القرن الرابع الهجرى الموافق العاشر الميلادي. ومعظم الفضل راجع إلى حكام الأتراك في القرون التالية، الذين كانوا لا يعرفون اللغة العربية بوجه عام. وقد نقلوا اللغة الفارسية إلى البلاد التي غزوها. وكانت فتوحاتهم تمتد غربا إلى الأناضول وشرقا إلى الهند. وما إن وافى القرن السادس على التمام (القرن الثاني عشر الميلادي) حتى بدأت التواريخ الفارسية تدون في هذه البلاد، فكان في آسية الصغرى محمد بن الراوندى حوالي عام ٦٠٠ هـ (١٢٠٣ م) وفي الهند فخر الدين مبارك شاه المتوفى بعد عام ٦٠٢ هـ (١٢٠٣ م) وهو جد ذلك الفرع الطويل من المؤرخين الهنود الفرس.
٧ - وينبغى لنا قبل أن ننتقل إلى الحقبة التالية أن نشير في إيجاز إلى فرعين آخرين من فروع التأليف المتصل بالتأريخ. فقد استخدمت العلوم الرياضية والفلكية في تأريخ الحوادث.، ونجد شواهد ذلك في عدة مؤلفات قديمة. وخلفت لنا هذه الطريقة أثرًا بارزًا هو كتاب "الآثار الباقية" لأبي الريحان البيرونى المتوفى عام ٤٤٠ هـ (١٠٤٨ م). أما الفرع الآخر فميله إلى الآثار القديمة أظهر من ميله إلى التأريخ بمعناه الدقيق. إذ هو قد اقتصر على الكلام على مساكن القبائل العربية في أوطانها الجديدة. ومن الجلى أن هذا التأليف الموسوم بالخطط قد ظهر في العراق، واهم كتاب في الخطط قد فقد،
стр. 2119
وهو للهيثم بن عدى المتوفى عام ٢٠٧ هـ (٨٢٢ - ٨٢٣ م). وقد لقى هذا المصنف من التأليف عناية خاصة لدى كتاب مصر.
ثم نذكر أخيرا أن انتشار اللغة العربية بين جماعات النصارى في المشرق قد أدى إلى تأليف كتب عربية في تأريخ الكنائس النصرانية، وهذه الكتب تشتمل أحيانا على تأريخ البوزنطيين والعرب وأشهر من ألف كتبا من هذا القبيل البطريق الملكانى يوتيخيوس والأسقف اليعقوبى أبو البشر (Severus ساويرس) ابن المقفع. وهناك مؤلف عجيب في هذا الميدان ألا وهو تأريخ الديارات النصرانية في مصر وغربى آسية الذي ألفه الكاتب المسلم علي بن محمد الشابشتى المتوفى عام ٣٣٨ هـ (٩٩٨ م).
ج- ويزداد التباعد بين التأريخ العربي والفارسى ابتداء من القرن السادس الهجرى الموافق الثاني عشر الميلادي. وتمت بفتوح المغول الخطوة النهائية في سبيل حلول اللغة الفارسية محل اللغة العربية في ميدان الثقافة الفارسية التركية، وقد انتشرت هذه الثقافة في الوقت نفسه نتيجة للتوسع الإسلامي في جميع هذه الأقاليم.
ومع ذلك فقد زاد الإنتاج في التأريخ العربي، ولم يعد في وسعنا إزاء هذه الكثرة البالغة في المواد إلا أن نعالج التأريخ العربي (١) والفارسى (٢) كلا على حدة.
١ - ولقد اتخذت جل المؤلفات التاريخية في ذلك العهد نفس السبل التي توجهت إليها من قبل، وهي تتميز في الوقت نفسه بجماع من المواد الجديدة، وأبرز هذه التغييرات ما طرأ على العلاقات بين التراجم والأخبار السياسية من جهة وما انتاب مادة التواريخ العامة من جهة أخرى. أما العوامل الكامنة التي أفضت إلى هذا التطور فهي ظهور العالم المؤرخ ثانية إلى جانب المؤرخ الرسمي فيما يختص بالأولى، وانتقال مركز النشاط في التأريخ العربي من العراق إلى الشام ثم إلى مصر فيما يختص بالثانية.
٢ - وأهم ظواهر العهد الجديد في كتابة الحوليات عودة المصنفين إلى التأليف في التأريخ العام الذي يبدأ
стр. 2120
بخلق العالم أو التأليف في التأريخ العام الذي يبدأ بظهور الإسلام، وهو الأغلب، وبذلك انتعشت تلك النظرة القديمة الإنسانية التي تقوم على أن التأريخ هو حوليات عن البشر، ولو أنه لم يقم بأى تحقيق جديد لتأريخ القرون الأولى. زد على هذا أن اتجاه العالم باد في ذلك الجهد الذي أنفق في سبيل الجمع بين الحوليات السياسية والحوليات القائمة على التراجم، وهو أمر مشاهد في الأخبار المحلية المتقدمة مثل تأريخ دمشق لابن القلانسى المتوفى سنة ٥٥٥ هـ (١١٦٠ م). ولا شك في أن الحيز النسبى الذي يفرده المؤلف لهذه الحوليات أو تلك يتبع هواه. ففي بعض التواريخ (انظر ابن الجوزي والذهبي وابن دقماق) تطغى أخبار الوفيات على الحوادث السياسية حتى لتتضاءل هذه وتقتصر في الغالب على جمل قليلة مقتضبة، والأمر على عكس ذلك في تأريخ الكامل المشهور الذي ألفه عز الدين بن الأثير المتوفى سنة ٦٣٠ هـ (١٢٣٣ م). ويتميز هذا الكتاب بما بذله المؤلف من محاولة سرد التأريخ بأسلوب يجعله أقرب إلى الحياة منه إلى الجمود. وآية ذلك أنه حشد الحوادث في روايات وأدخلها جميعا في إطار من الحوليات. ولئن كشف الفحص الدقيق عن أن هناك عيوبا في طريقة تناول ابن الأثير لمواد كتابه فإن رشاقة هذا الكتاب وما امتاز به من إشراق قد أكسباه شهرة باكرة، وجعلا منه ذلك المرجع العمدة الذي استقى منه المصنفون المتأخرون.
وقد يجمل بنا أن نذهب إلى أن إحياء فكرة الخلافة على الناس كافة كانت من بين الأسباب التي أوحت بهذا الاتجاه العالمى. ولكن جمهرة من المؤرخين المتأخرين بالغوا في احتذاء هذا المثل، وأكثر هؤلاء يعتمد اعتمادا كبيرا على ابن الأثير (انظر ابن واصل، وسبط ابن الجوزي، وابن العبرى، وابى الفداء، وبيبرس بن المنصورى، وابن كثير، واليافعى) ولو أنهم كانوا يكملون مقتبساتهم بمواد محلية وأخرى أحدث عهدا. وقد أبدى بعض المؤلفين شيئًا من الاستقلال، وشاهد ذلك للك الحوليات التي ألفها صاحب الموسوعة المصري شهاب الدين النويرى المتوفى عام ٧٣٢ هـ (١٣٣٢ م) وابن الفرات
стр. 2121
المتوفى سنة ٨٠٧ هـ (١٤٠٥ م)؛ وقد سار جرجيس المكين النصرانى المتوفى عام ٦٧٢ هـ (١٢٧٣ م) على نهج يوتيخيوس (انظر فقرة ب ٧) ومع ذلك فإن أهم التواريخ العامة المتأاخرة من جهة علم تدوين التأريخ هي ما كتب في الأندلس والمغرب. وإذا قارنا المؤرخين في المغرب بمعاصريهم في المشرق ألفينا أن تصور أولئك للتأريخ أوسع أفقا ونظرتهم له أقل هوى. ولم يبق من التواريخ العديدة التي صنفها ابن سعيد المغربي المتوفى سنة ٦٧٣ هـ (١٢٧٤ م) سوى أجزاء متفرقة لكنها كافية للدلالة على أنه اعتمد فيها على نسخ كثيرة موثوق بها من عدة مؤلفات قديمة، وكان ابن سعيد هذا رجلا كثير الرحلة لا يكل دؤوبا على البحث لا يعتور عزيمته وهن.
وليس في مقدورنا أن نوفى في هذا المقام الكلام على تأريخ عبد الرحمن بن خلدون المتوفى ٨٠٨ هـ (١٤٠٦ م) الذي ذاع صيته في الخافقين، ولم تُقل بعد الكلمة الأخيرة عن مكانته بين الفلاسفة المؤرخين على الرغم من وفرة ما كتب في هذا الصدد؛ وهناك مسألة ما زالت مستغلقة من وجهة نظر علم تدوين التأريخ عند المسلمين، وهذه المسألة هي أنه لا يوجد ما يدل على أن أحدا من خلفاء ابن خلدون قد درس أو طبق المبادئ التي أذاعها على الرغم من تألق نجم مدرسة المؤرخين المصريين في القرون التالية وانصراف الهمم إلى التأريخ في تركية حيث ترجمت المقدمة في القرن السابع الهجرى الموافق الثاني عشر الميلادي.
٢ - وقد ظهر إلى جانب التواريخ العامة عدد كبير من التواريخ المكتوبة عن الأقاليم أو عن الأسر المالكة أو في التراجم، وجل هذه الهؤلفات كتبها أولئك الذين صنفوا التواريخ العامة؛ وذهبت فتوحات المغول بريح الثقافة العربية في فارس والعراق ولم يبق من آثارها - بعد أن ظهر تاريخ العباسيين المفقود الذي ألفه تاج الدين بن الساعى المتوفى عام ٦٧٤ هـ (١٢٧٥ م) - سوى مصنفات قليلة تنطوى على بعض تواريخ ومختصرات ضئيلة القيمة (انظر ابن الطقطقى)، ومع هذا فإن مركز التأريخ العربي كان قد انتقل قبل ذلك إلى الشام حيث كان قيام دولتى
стр. 2122
بنى زنكى وبنى أيوب قد حفز الهمم إلى تأليف سلسلة من التواريخ، وكان ممن اجتذبهم إلى هذا اللون من التصنيف عماد الدين الإصفهانى المتوفى عام ٥٩٧ هـ (١٢٠١ م) وهو آخر من يمثل مدرسة فارس والعراق التي تؤثر الكتابة المسجوعة. غير أن الشآميين نبذوا ذلك الأسلوب المنثور المنمق وفضلوا عليه نثرا أكثر استقامة وقربا من الطبيعة، وهو أمر عاد على التأريخ العربي فيما بعد بأجزل الفوائد؛ وان ما صنفه بهاء الدين بن شداد المتوفى سنة ٦٣٢ هـ (١٢٣٤ م) وأبو شامة المتوفى عام ٦٦٥ هـ (١٢٦٨ م) في التراجم ليفوق ما صنفه عماد الدين في نفس الموضوع بمراحل.
والحق إن التواريخ المسجوعة كانت تعود إلى الظهور بين الحين والحين، بل إن الكاتب المصري ابن عبد الظاهر المتوفى عام ٦٩٢ هـ (١٢٩٣ م) قد ابتدع أسلوبا جديدا بتأليفه تأريخ السلطان بيبرس شعرا، غير أنه من الواضح أن هذا التطور لا يعزى إلى أي مؤثر خارجى، شأنه في ذلك شأن استخدام المنشئ بدر الدين بن حبيب المتوفى سنة ٧٧٩ هـ (١٣٣٧ م) السجع في تاريخه، ولكن السيرة المسجوعة المشهورة التي نظمها ابن عربشاه الدمشقي المتوفى عام ٨٥٤ هـ (١٤٥٠ م) في هجاء تيمور هي بدون ريب متأثرة بالكتابات الفارسية المعاصرة (انظر فقرة (٢) ٢ أسفلها).
ونجد من جهة أخرى أن تأريخ البلاغة على عهد الفاطميين الذي ألفه الداعى اليمنى عماد الدين إدريس بن الحسن المتوفى عام ٨٦٢ هـ (١٤٦٧ م) وسماه عيون الأخبار هو كتاب يشعر قارئوه شعورا عجيبا بأنه يشبه أن يكون صدى متأخرا للرواية الساسانية القديمة (انظر فقرة ١، ٤).
وقد سار المماليك سيرة أسلافهم الأيوبيين وشملوا برعايتهم كتاب التأريخ، وظلت دمشق وحلب مقرين لرواة بعيدى الهمة، وان كانت الثانية لا تستطيع أن تجارى الأولى في هذا المضمار. وعلى الرغم من أنه كانت هناك بعض الصلة المتبادلة بين رواية القاهرة ورواية هاتين المدينتين فإن هذه الرواية كانت تتميز بشيء من الاستقلال وبخاصة في باب التراجم
стр. 2123
(انظر فقرة ٣ في آخرها) وما إن وافى القرن الأخير من حكم المماليك حتى ظهرت مدرسة مصرية متميزة من المؤرخين تخرج فيها نخبة ممتازة من الكتاب إلا أنها لم تلبث أن انهار صرحها فجاة. وتبدأ هذه النخبة بتقى الدين المقريزى صاحب التصانيف الكثيرة المتوفى عام ٨٤٥ هـ (١٤٤٢ م) ومنافسه العينى المتوفى عام ٨٥٥ هـ (١٤٥١ م) ثم يأتي بعدهما تلميذ المقريزى أبو المحاسن بن تغرى (تنرى) بردى المتوفى عام ٨٧٤ هـ (١٤٦٩ م) ومنافسه علي بن داود الجوهرى المتوفى عام ٩٠٠ هـ (١٤٩٤ - ١٤٩٥ م) وشمس الدين السخاوى المتوفى عام ٩٠٢ هـ (١٤٩٧ م) والكاتب المتفنن في علوم جمة جلال الدين السيوطي المتوفى عام ٩١١ هـ (١٥٠٥ م) وتلميذه ابن إياس المتوفى حوالي عام ٩٣٠ هـ (١٥٢٤ م).
وظهر في القرن التالي مؤرخ آخر للفتح العثمانى هو أحمد بن زُئبُل المتوفى بعد عام ٩٥١ هـ (١٥٤٤ م) إلا أنه كان يتبع مذهبا في الرواية مختلفا. وعلى الرغم من أن هؤلاء الكتاب قد وقعوا في كثير من الأخطاء التي وقع فيها أولئك الذين ألفوا الحوليات السياسية الأولى إلا أن انخراط العالم ورجل البلاط في زمرتهم وتناوبهما على التصنيف قد جعل هذه التواريخ أوسع افقا وأصح حكما، وباعد بينها وبين المديح كثيرا. وأظهر ما في مؤلفاتهم أنها تقتصر على مصر إلى حد أن أولئك الذين صاغوا مؤلفاتهم على نسق التواريخ العامة قد جعلوها ضمن إطار مصرى صميم. وأبرز كاتب جرى هذا المجرى هو المقريزى. ولا ترجع مكانته إلى دقته التي لم تكن معصومة من الزلل بقدر ما ترجع إلى دأبه ومثابرته وتشعب أغراضه وعنايته بوجوه التأريخ التي تجنح إلى الاجتماع والإحصاء.
وتختلف كتابات المؤرخين الذين كتبوا عن الأقاليم عن مؤلفات هؤلاء من حيث النطاق أكثر من اختلافها معها في المنهج أو فيما تقوم عليه شخصية الكاتب. فالمصنفات اليمنية التي ألفها ابن وهاس الخزرجى المتوفى عام ٨١٢ هـ (١٤٠٩ م) وابن الدَيبَع المتوفى عام ٩٤٤ هـ (١٥٣٧ م) تشبه في
стр. 2124
مادتها التواريخ المصرية شبها كبيرا وإن كانت أضيق نطاقا.
وما يقال في هذه المصنفات اليمنية ينطبق على تواريخ الأسر الحاكمة والتواريخ المحلية التي كتبت في المغرب والأندلس؛ وهناك بعض كتاب يفوقون غيرهم من مؤرخى المغرب في المادة وفي طريقة الأداء مثل عبد الواحد المراكشى الذي عاش في القرن السابع الهجرى الموافق الثالث عشر الميلادي، وابن أبي زرع الذي عاش في القرن الثامن الهجرى الموافق الرابع عشر الميلادي، إلا أن الوزير الغرناطى لسان الدين بن الخطيب المتوفى عام ٧٧٦ هـ (١٣٧٤ م) يتميز عليهم جميعا لأنه بلغ من الكمال مرتبة تصل إلى حدود العبقرية.
ولعل ابن عذارى يضارع ابن الخطيب إن لم يفقه في مضمار التأريخ القائم على النقد، وهذا الحكم مبنى على المؤلفات التي بقيت في أيدينا لكليهما.
٣ - على الرغم من أن همم الكتاب قد انصرفت انصرافا عظيما إلى التأريخ السياسي فإن نبوغ العرب الحقيقي في علم تدوين التأريخ يتجلى في كتابة السير أكثر من تجليه في رواية الأخبار.
ولقد كان الجمع بين التراجم وبين الحوليات السياسية- سواء أكانت عامة أم محلية- عملا كاد ينعقد عليه إجماع مؤرخى العرب في ذلك العهد كما سبق أن بينا. ويبقى علينا الآن أن نبحث في تلك الطائفة الكبيرة من المؤلفات الموقوفة على ما لا يدخل في باب التراجم السياسية.
في خلال النصف الأول من القرن السابع الهجرى الموافق الثالث عشر الميلادي بلغ الميل إلى التخصص الذي ظهر في العهد السابق (انظر أنقرة ب، ٤) أقصاه بتألف طائفة من المجموعات في التراجم لها شأن خاص. فقد ألم ياقوت الرومى المتوفى عام ٦٢٦ هـ (١٢٢٩ م) بستة قرون مرت على الأدب العربي في كتابه "إرشاد الأريب". وقد صور لنا ابن القفطى المصري المتوفى عام ٦٤٦ هـ (١٢٤٨ م) وابن أبي أصيبعة الدمشتى المتوفى عام ٦٦٨ هـ (١٢٧٠ م) في معجميهما كل ما أنفقه المسلمون الأولون من جهد في الطب والعلوم. ولم ينقطع التأليف في تراجم من خرجوا من إقليم واحد، وشاهد ذلك
стр. 2125
تأريخ حلب الذي ألفه القاضي كمال الدين ابن العديم المتوفى عام ٦٦٠ هـ (١٢٦٢ م) وتأريخ غرناطة الذي ألفه ابن الخطيب وغير ذلك من المجموعات التي تكمل هذه التواريخ عادة، ويضاف إلى هذه المصنفات كتب طبقات الفقهاء وغيرهم المألوفة، وبحوث في آثار القدماء، ومثال ذلك المعجم الذي ألفه المؤرخ ابن الأثير في الصحابة وسماه "أسد الغابة".
وظهر إلى جانب هذه المؤلفات القائمة على التخصص نوعان جديدان من المعاجم الشاملة في التراجم، وانتشر هذه المصنف من التأليف وبخاصة في الشام. وقد ابتدع ابن خلكان المتوفى عام ٦٨١ هـ (١٢٨٢ م) النوع الأول، أي العام، والحق إن دقته ومزاجه يبرران ما لاقاه كتابه من ذيوع الصيت، غير أن المعجم الذي ألفه خليل بن أيبك الصفدى المتوفى عام ٧٦٤ هـ (١٣٦٣ م) يفوق معجم ابن خلكان حجما ومدى حتى لوضممنا إلى هذا الذيل الذي صنفه ابن شاكر الكتبى المتوفى عام ٧٦٤ هـ (١٣٦٣ م)، وقد حال كبر حجم مؤلف الصفدى دون طبعه، ولهذا المؤلف أيضًا ذيل ألفه المؤرخ أبو المحاسن وسماه "المنهل الصافي".
أما النوع الثاني من هذه المعاجم فبعيد الغرض، إلا أنه يقتصر على مدة محدودة من الزمن. ولعل لهذا النهج في التأليف صلة بالتأريخ العام للذهبي (انظر فقرة ج، ١ في أعلاها) الذي رتب مواد التراجم وقسمها إلى طبقات حتى نهاية القرن السابع الهجرى، ويمكن استخلاض هذه المواد من الرواية الأصلية بحيث تؤلف عملا مستقلا. وإن فكرة سلك التراجم في عدد من القرون لتعود إلى البرزالى المتوفى عام ٧٣٩ هـ (١٣٣٩ م) وكان معاصرا للذهبي. وقد بدأت هذه الطريقة بداية حسنة بظهور الدرر الكامنة لابن حجر العسقلانى المتوفى عام ٨٥٢ هـ (١٤٤٩ م) لأن هذا الكاتب قد جمع في مصنفه مشاهير الرجال والنساء في القرن الثامن الهجرى ورتبهم ترتيبا أبجديا، وفي هذا المصنف آخر أثر لنظام الوفيات الذي يرد كل شخص إلى القرن الذي مات فيه؛ والمعجم الذي يقابل هذا في القرن التاسع الهجرى
стр. 2126
اسمه "الضوء اللامع"، وهو من تأليف تلميذ لابن حجر يدعى السخاوى، وقد تقدم ذكره، وهو من وفيات عام ٩٠٢ هـ (١٤٩٧ م) وسارت الأجيال المتأخرة بهذه السلسلة من المعاجم حتى القرن الثاني عشر الهجرى (انظر الفقرة د، (١)(٢).
(٢) -١: وهناك ركن من الأركان العامة في بناء الرواية الخاصة بالتأريخ الإسلامي العام يقوم وسط المذاهب المتباينة التي أخذ بها الفرس في علم تدوين التأريخ من القرن السابع الهجرى إلى القرن العاشر. غير أن أقدار المؤلفين الفرس وأصالتهم تقاس بمقدار استقلالهم في تشييد بنائهم على هذا الأساس. والتواريخ العامة العديدة المكتوبة في فارس أو في الهند ما هي إلا نقول من المصادر القديمة زيد عليها من المواد ما يصل بها إلى الزمن الذي كتبت فيه، وشأنها في التقليد شأن مثيلاتها في العربية، إن لم تكن دونها بصرا بالنقد.
وهذه المؤلفات، ومنها على قبيل المثال الكتاب الذي ألفه منهاج الدين الجوزجانى المتوفى بعد عام ٦٦٤ هـ (١٢٦٥ م) لها قيمة خاصة بوصفها تواريخ محلية، أما قيمتها في نظر علم التأريخ فلا تساوى شيئًا كثيرا. وعلى هذا فسنوجه جل همنا في هذا المقام إلى ما أنتجته المذاهب المختلفة التي كانت تزدهر من وقت إلى آخر في أنحاء شتى بفارس والهند والتي أثمرت نوعا متميزا من المؤلفات التاريخية.
٢ - وكانت نشاة إمبراطورية المغول غربي آسية الحافز الأول الذي دفع الكتاب إلى تأليف مثل هذه المجموعة المتميزة من المؤلفات التي استهلت بالتأريخ المبتكر القائم بذاته الذي ألفه علاء الدين عطاء ملك الجويني المتوفى سنة ٦٨١ هـ (١٢٨٣ م) وإن لهذا التأريخ- على الرغم من ذلك- صلة بذلث المصنف من التواريخ الذي توافر عليه الكتاب، وهو ما سبق أن وصفنا (فقرة ب، ٢ في أعلاها). وتبدأ المدرسة المغولية الحقة بالمجموعة الذائعة الصيت التي ألفها الوزير فضل الله رشيد الدين طبيب المتوفى عام ٧١٨ هـ (١٣١٨ م) وهذه المجموعة هي الأثر المباشر لدخول الايلخانية في الإسلام. وكان رشيد الدين يؤلف كتبه اجزاء باللغتين العربية
стр. 2127
والفارسية. فجعل الجزء الأول خاصا بالأسر المالكة واعتمد فيه على الرواية المغولية اعتمادا كبيرا ثم ذيله بتأريخ ألجايتو. ويحوى الجزء الثاني إشارات في تأريخ الهند والصين وأوربة، وهو يتفق في هذا الشأن وذلك الفرع من التأريخ العربي الذي انصرف عنه الكتاب أمدا طويلا، ونعنى به الموسوعات. ويختلف عنه في أن مواده مستقاة من رواة معاصرين، ويماثله في أن تصور الكاتب لمؤلفه خير من حقيقة المؤلف نفسه؛ ومع ذلك فإن هذا لا ينقص من شأنه. ثم إن هذا الجزء قد اشتهر برصانة أسلوبه وتحريه للإسهاب أكثر من اشتهاره بالأخذ بأسباب الجمال. ولا يعنينا كثيرا أن يكون مرجع الفضل في هذا إلى رشيد الدين أو إلى عبد الله بن علي القاشانى. وإنما الذي يستوقف نظرنا هو إنه على الرغم من ذيوع صيت كتاب رشيد الدين في الخافقين فإنه قد ارتكس فجاة. ونبذ جميع الكتاب المنتمين إلى هذه المدرسة طريقته نبذا تاما، مع أنهم كانوا موضع رعايته. ولم يشذ عن ذلك سوى اثنين من أصحاب المختصرات هما بناكتى المتوفى عام ٧٣٠ هـ (١٣٢٩ - ١٣٣٠ م) وحمد الله مستوفى القزوينى المتوفى بعد عام ٧٥٠ هـ (١٣٤٩ م). وجل هؤلاء- بما فيهم القزوينى نفسه- قد استعاضوا عن ذلك بمحاولة التفوق على الفردوسى بتأليف تواريخ في صورة الملاحم الطويلة القائمة على ذلك الوزن الشعرى الذي انتهجه.
وليس هناك مؤلف هام آخر مما كتب بالنثر سوى ذلك التأريخ البليغ الأسلوب الذي صنفه عبد الله بن فضل الله المتوفى بعد عام ٧١٢ هـ (١٣١٢ م) والملقب بوصاف، وهو ينحو نحو النمط القديم المعروف بالتأريخ الرسمى (انظر فقرة ب، ٥). وقد أصبح هذا التأريخ عمدة، وكان من شأنه أن اغرى الأجيال اللاحقة من مؤرخى الفرس بالضرب في بيداء البلاغة.
وتعثر التأريخ في الفترة بين انحلال المدرسة المغولية وقيام تيمور. وكان هذا الفاتح يضم إلى حاشيته جماعة من الكتاب وقفهم على تدوين تأريخ حملاته وقراءة ما يكتبونه بين يديه. وعلى هذا النمط خلد ذكر حكمه بتأريخ
стр. 2128
منظوم باللغة التركية اسمه "تأريخ خانى" وآخر بالفارسية كتبه نظام الدين شامى، وقد حذر نظام الدين من الركون إلى البلاغة والطنطنة. وعلى الرغم من ذلك عدا النسيان على مصنفه الموسوم بـ "ظفر نامه " ونبه ذكر المصنف المنمق الذي ألفه شرف الدين على يزدى المتوفى عام ٨٥٨ هـ (١٤٥٤ م) وسماه بالاسم نفسه، وغدا منذ ذلك الوقت نموذجا لرشاقة الأسلوب. وقد بلغ هذا النشاط في كتابة التأريخ غايته في عهد خلفاء تيمور، وبخاصة في مدرسة هراة التي أحيت رواية رشيد الدين في ظل رعايتهم ووكل شاهرخ إلى حافظ أبرو المتوفى عام ٨٣٣ هـ (١٤٣٠ م) أن يعيد نشر"جامع التواريخ " ويذيله، وقد قام هذا الكاتب نفسه بتأليف تأريخ عام لولد شاهرخ بايسنغر؛ وهذا التأريخ قليل الحظ من الابتكار إلا أن أسلوبه سهل رصين. ونلمح هذه الرصانة نفسها في المجمل الذي ألفه فصيح الخوافى حوالي عام ٨٤٥ هـ (١٤٤١ م) ولعلها بادية في الأربعة "أولوس " الذي ألفه السلطان ألغ بك المتوفى عام ٨٣٥ هـ (١٤٤٩ م)، ولم يبق من هذا المصنف سوى مختصر له، وكان هذا السلطان واسع المعرفة متفننا في علوم جمة. ونحن لا نستطيع أن نخرج من كتابة التأريخ ذلك الأسلوب الرشيق المرصع الذي أشاعه كتاب من أمثال حسين كاشفى. واستجابت جمهرة المؤلفين التيموريين لفعل هذا الأسلوب، وأخذت المؤلفات المتأخرة تستبحر في البلاغة والطنطنة. ولم يستطع عبد الرزاق السمرقندى المتوفى عام ٨٨٧ هـ (١٤٨٢ م) - بأسلوبه الآخذ بقسط وافر من الاعتدال- أن ينافس ذلك الأسلوب المرصع الذي كتبت به "روضة الصفاء" لميرخواند المتوفى عام ٩٠٣ هـ (١٤٩٨ م) لأن هذا الأسلوب المنمق صادف هوى في نفوس الناس. وقد نقل خواندمير حفيد ميرخواند رواية هراة في صورتها المتأخرة إلى الهند حيث وجدت في هذه البلاد أيضًا تربة صالحة.
٣ - سبق أن أشرنا إلى أن بداية تصنيف التواريخ بالفارسية في الهند كانت أثرا من آثار الفتح الغورى وقيام سلطنة دهلى (انظر فقرة ب، ٦) وأن
стр. 2129
قوام الحوليات الهندية الفارسية مرتبط بهذه الرواية. وأهم مؤلف بعد "تاج المآثر" لحسن نظامى المتوفى بعد عام ٦١٤ هـ (١٢١٧ م) هو الذيل الذي كتبه ضياء الدين برنى المتوفى بعد عام ٧٥٨ هـ (١٣٥٧ م) لتأريخ الجوزجانى، ولم يؤثر إلى جانب هذا الذيل سوى تراجم قليلة تجنح إلى المدح في المادة والترصيع في الأسلوب. وعلى هذا فإن هناك دلائل على وجود رواية وطنية في إقليم السند ترجع إلى عهد الفتح العربي في القرن الأول للهجرة (القرن الثامن الميلادي)، وانا لنكاد نلمح هذه الرواية في زوايا القصة التأريخية التي أذيعت في القرن السابع الهجرى (الثالث عشر الميلادي) باسم "جاج نامه "؛ على حين أن التأريخ المحلى في كجرات وفي الجنوب كان في الوقت نفسه أكثر اتصالا بالتأريخ في فارس.
٤ - ظلت الرواية الفارسية الأدبية سائدة في الولايات التركية والعثمانية طوال هذا العهد. ولم تكن المصنفات التي كتبت نثرا أو الملاحم إلى تتحدث عن سلاجقة الأناضول بذات قيمة أدبية، وإنما ترجع أهميتها إلى أنها كانت نموذجا سار على نهجه التأريخ التركى الناشئ، ونلمس هنا مرة أخرى أنه على الرغم من أن الكتاب لم ينصرفوا انصرافا تاما عن الأسلوب البسيط فإن الأسلوب المنمق قد رجح عند الناس آخر الأمر، هذا الأسلوب الذي بلغ الغاية من الترصيع والمبالغة في كتاب "هشت بهشت " الذي ألفه نثرا إدريس بن علي البدليسى المتوفى عام ٩٢٦ هـ (١٥٢٠ م) نزولا على رغبة بايزيد الثاني. وإنه لمن إلقاء القول على عواهنه أن نهون من شان مؤلف لأنه يجنح إلى التهويل، وآية ذلك أن وراء الحشو واللغو اللذين يفيض بهما مصنف البدليسى -كما يفيض بهما تأريخ وصاف وغيره من المصنفات التي تنحو هذا النحو- رواية جدية ذات قيمة تأريخية كبرى.
٥ - من أبرز الفوارق التي بين التأريخين الفارسى والعربى ندرة التراجم التأريخية في أولهما. أما التراجم الأدبية فقد كانت بطبيعة الحال وافرة، وتشمل بعض التواريخ العامة إشارات عن الوفيات بالطريقة المألوفة، أو فصول عن الأعيان وبخاصة الوزراء
стр. 2130
والشعراء والكتاب. ثم يأتي بعد ذلك سير الأولياء والصوفية. وبعضها خاص بأفراد، وأهم شاهد على ذلك سيرة الشيخ صفى الدين التي كتبها توكل بن بزاز حوالي عام ٧٥٠ هـ (١٣٤٩ م) , وبعضها الآخر يتحدث عن جماعات خاصة أو عامة وهناك مصنفان في تراجم الوزراء صنفهما كاتبان من مدرسة هراة أحدهما "آثار الوزراء" وقد ألفه سيف الدين فضلى عام ٨٨٣ هـ (١٤٧٨ م) والآخر " دستور الوزراء" وقد ألفه خواندمير عام ٩١٥ هـ (١٥٠٩ م)، ولكن لم تكتب بالفارسية مؤلفات جديرة بأن تقارن بمعاجم التراجم العربية المعاصرة إلا في القرن التالي. وواضح أن هذا يرد إلى الصلة الوثيقة بين التراجم والبحوث الدينية. ومن الميسور أن نهتدى إلى علة خلو اللغة الفارسية من التراجم إذا تذكرنا أن اللغة العربية ظلت إلى العصر الصفوى لغة الدين والعلم حتى في إيران والهند، وأن اللغة الفارسية كادت تقتصر على الأدب. ويصعب علينا أن نبين لماذا لم تكتب، ولو بالعربية، تراجم تتصل بالأقاليم الفارسية والتركية.
د- شهد الربع الأول من القرن العاشر الهجرى (الخامس عشر الميلادي) إعادة توزيع القوى في العالم الإسلامي، وكاد هذا الأمر يشمله من أقصاه إلى أقصاه، فقد وطد الأتراك العثمانيون سلطانهم في غربي آسية وشمالى إفريقية حتى حدود مراكش.
وأنشا الصفويون في إيران دولة شيعية كائنة بذاتها، وأقام الشيبانيون دويلات أوزبكية في أواسط آسية، وظهر في الهند بيت المغل، وهب بيت شريف يدفع عدوان الأسبان والبرتغال عن مراكش. وحصل زنج النيجر على نظام إسلامي أكثر وضوحا في عهد السنغوى. وكان لا بد أن تقترن هذه الحركات بترتيب جديد للثقافات وتوجيه آخر للأمور مما خلف آثارا في جميع ألوان الأدب وبخاصة في التأريخ. والحق إن التأريخ العربي هو الذي تأثر أبلغ الأثر بذلك، أما التأريخ الفارسى فقد قاسى من جراء تلك العزلة المذهبية التي كانت عليها فارس. بيد أنه ظهرت بالتركية في ذلك الحين تواريخ تنبض بالقوة والحياة. وعلى الرغم من أن هذه التواريخ ترتبط بما سبقها فإنها تقوم -إلى حد ما- على نهج مبتكر.
стр. 2131
(أ) ١ - وقد أدى إخضاع الولايات العربية الوسطى للحكم العثمانى إلى حرمان التأريخ العربي من البواعث المحلية التي كان وجوده مرتبطا بها، فانحط انحطاطا يكاد يكون تاما، وكان كل ما ألفه الكتاب من المصنفات التأريخية المحضة في مصر والشام وبلاد العرب حتى نهاية القرن الثالث عشر الهجرى (التاسع عشر الميلادي) مقصورا على عدد قليل من التواريخ العامة الضعيفة المادة (انظر البكرى والدياربكرى والجنابى) وعلى بعض تواريخ محلية أو سير متفاوتة في القيمة. ووصلت الرواية التأريخية العربية القديمة آنئذ إلى خاتمتها على يد كاتبين كبيرين أحدهما نشا بمصر وهو عبد الرحمن الجبرتى المتوفى عام ١٢٣٧ هـ (١٨٢٢ م) والآخر نشأ بلبنان وهو حيدر أحمد الشهابى المتوفى عام ١٢٥١ هـ (١٨٣٥ م). وبقيت هذه الرواية في أواسط بلاد العرب وشرقيها وجنوبيها إلى نهاية القرن وأثمرت في المغرب فقيضت لنا كاتبا حقيقا بأن ينعت بآخر السلف الصالح، ألا وهو الناصرى السلاوى المتوفى عام ١٣١٥ هـ (١٨٩٧ م). وكان مجيئه عقب سلسلة مشابهة من المؤرخين الخاملين لم يقطعها سوى للك الشخصية البارزة شخصية المقرى التلمسانى المتوفى عام ١٠٤١ هـ (١٦٣٢ م) الذي تعتبر حولياته في تأريخ الأندلس وسيرته لابن الخطيب خير ممهد لرواية الأندلس الزاهرة.
ولقد اتجه بعض الكتاب في تركية إلى الرواية العربية التأريخية فألف منجم باشى المتوفى عام ١١١٣ هـ (١٧٠٢ م) مؤلفه القيم في التأريخ العام بالاعتماد عليها، وانتشرت هذه الرواية أيضًا في كثير من الأقاليم القاصية التي كانت أحدث عهدا بالاسلام وبخاصة غربي إفريقية، فكان في هذا بعض ما يعوض انحطاطها في مهادها الأصلية. ومن شواهد انتشار الرواية العربية في غربي إفريقية وجود بعض التواريخ المحلية ومن أهمها تأريخ سنغوى لعبد الرحمن السعدى المتوفى بعد عام ١٠٦٦ هـ (١٦٥٦ م) وتواريخ ماى إدريس صاحب برنو الذي حكم من عام ٩١٠ إلى عام ٩٣٢ هـ (١٥٠٤ - ١٥٢٦ م) وقد ألفها الإمام أحمد. وبقى
стр. 2132
في إفريقية الشرقية تأريخ قديم لكلوة وتأريخ لحروب أحمد كران في الحبشة كتبهما شهاب الدين عرب فقيه، وتواريخ أخرى أحدث عهدا تفرعت من هذين وكتبها مؤرخون على مذهب الإباضية في عمان. وكان من شأن العلاقات الوثيقة بين بلاد العرب وبين الشاطئ الغربي للهند أن أصبحت اللغة العربية هي اللغة الرسمية في هذا الشاطئ وبخاصة في الجنوب (ارجع إلى الوثائق التي نشرها يواوده سوزا Joao de Soussa في ثبوته عام ١٧٩٠) وعلى هذا فلا يدهشنا أن نجد تاريخا عربيا للحروب البرتغالية كتبه زين الدين المعبرى المتوفى عام ٩٨٧ هـ (١٥٧٩ م) وإذا اتجهنا في هذا الشاطى صوب الشمال لقينا تنافسا بين العربية والفارسية حتى إنه لم يبق من المؤلفات العربية التي على شيء من الحجم سوى تأريخ عربي واحد كتبه محمد بن عمر ألغخانى الكجراتى المتوفى بعد عام ١٠١٤ هـ (١٦٠٥ م)، واستقى أكثر مادته من المؤلفات الفارسية. ولم يكتب في فارس نفسها بالعربية سوى تاريخ أو تاريخيين قصيرين.
٢ - واحتفظت الرواية القائمة على التراجم بقوتها ولاسيما في الشام، لأنها كانت -على عكس الرواية التأريخية- لا تعتمد كثيرا على التقلبات السياسية. وآية ذلك أن علماء دمشق واصلوا تأليف المعاجم في أعيان القرن العاشر والحادى عشر والقرن الثالث عشر، وهناك مؤلفات أخرى خلدت ذكر العلماء الذين خرجوا من مدينة واحدة أو إقليم واحد. وهناك إلى جانب هذا نوع من السير منمق مستغلق كتب بالشعر المنثور، وإن صلته بهذه المؤلفات لقريبة جدا من الصلة التي بين التواريخ المكتوبة بهذا النثر وبين التواريخ ذات الأسلوب المستقيم البسيط. وخير من يمثل هذا النحو من التأليف هو شهاب الدين الخفاجى المصري المتوفى عام ١٠٦٩ هـ (١٦٥٩ م). ولا أدل على شيوع مصنف هذا الكاتب من أن على خان بن معصوم قد ألف ذيلا له في الهند عام ١٠٨٢ هـ (١٦٧١ م) وقد روى المحبى المتوفى عام ١١١١ هـ (١٦٩٩ م) عن هذا الذيل، وألف أيضًا ذيلا آخر.
ولقد بلغ الأمر أن ألفت في المناطق الفارسية والتركية تراجم باللغة
стр. 2133
العربية. وإن كتاب "الشقائق النعمانية" الذي ألفه قاضى إستانبول أحمد بن مصطفى طاشكبرى زاده المتوفى عام ٩٦٨ هـ (١٥٦١ م) لمن الكتب العمدة في تأريخ الإسلام بتركية، وقد ذيل هذا الكتاب باللغتين العربية والتركية. وبدأ أثر الصلات التي توثقت بين الجماعات الشيعية العربية وبين نظائرها في فارس والهند في عدة معاجم شيعية، ولم يقتصر تأليف هذه المعاجم على العرب وحدهم (انظر الحر العاملى) بل تعداهم إلى الفرس والهنود، وشاهد ذلك ما صنفه محمد باقر موسوى خو انسارى الفارسى ومعاصره الهندى سيد إعجاز حسين القنتورى المتوفى عام ١٢٨٦ هـ (١٨٦٩ م)، وكتبت بالهند أيضًا عدة تراجم في أهل السنة.
وانتشرت الرواية العربية القائمة على التراجم من المغرب حيث ظلت العناية بها موصولة (انظر الوفرانى) إلى غربي السودان فقيض لها فيه نصير نابه الذكر هو أحمد بابا التمبكتى المتوفى عام ١٠٣٦ هـ (١٦٢٧ م) وكان هذا هو حال السودان الشرقي أيضًا إذ خرج منه محمد واد ضيف الله المتوفى عام ١٢٢٤ هـ (١٨٠٩ - ١٨١٠ م) وخلد ذكر الصالحين والفقهاء في مملكة فنج بكتابه المعروف بالطبقات.
٢ - لم تنقطع الصلات العقلية بين فارس وبين الدولة العثمانية والهند انقطاعا تاما عندما اتخذت الدولة الأولى التشييع مذهبا رسميا لها، ولم يكن لهذا الانقلاب الدينى من أثر سوى إبعاد الشقة بين التأريخ في كل من فارس والهند، وثمة ظاهرة أهم من هذه نشاهدها في تدوين التأريخ بهذين القطرين، وهي أن الكتاب كادوا ينفردون بالتأليف فيه، ويندر أن نصادف عالما على شيء من الاستقلال في الرأى أو البعد عن الهوى. فقد خلا الميدان لذلك الكاتب الخاضع الذي يطمس مجموع التفاصيل سديدها وأجوفها بغشاء ثقيل من الشعر العادى والأسلوب المرصع الملئ باللغو. وطبيعى أن هناك ما لا ينطبق عليه هذا القول، وهو أمر مشاهد بصفة خاصة في المؤلفين العديدين الذين صنفوا التواريخ العامة؛ غير أن هؤلاء كانوا من أولئك على طرفى نقيض، إذ هم قد جنحوا إلى
стр. 2134
الجفاف والاقتضاب. وإن النظرة العامة إلى ما صنف من التواريخ بفارس والهند في هذه الحقبة لتفصح عن سلسلة مملة من التواريخ العامة والتواريخ المحلية أو الخاصة بالأسر الحاكمة، ويتخلل هذه السلسلة فترات نشط فيها الكتاب وألفوا ما يشبه التراجم بدافع من أصحاب التيجان. وكان بعض هذه الموْلفات على شيء كبير من القيمة، إلا أن أصحابه كانوا يعتبرون التأريخ فرعا من الأدب، وهو ميل تأصل في نفوسهم.
١ - كان جل التواريخ العامة -سواء أكانت مكتوبة في الهند أم في فارس- قليل التنسيق ضئيل الحظ من الابداع؛ وكل ما فيه أن قيمته تنحصر في روايته لحوادث العصر الذي دون فيه. والتبويب بحسب الأسر المالكة هو الشائع في هذه التواريخ، وهي تردف أحيانا بذيل في تقويم البلدان، ومن بين التواريخ التي ليست أيضًا بذات أهمية تأريخ نظام شاهى المتوفى عام ٩٧٢ هـ (١٥٦٥ م) و"تأريخ ألفى" وهو مؤلف متعدد الأجزاء كتب بأمر من أكبر إحياء لذكرى انقضاء ألف سنة على الهجرة، و"صبح صادق" الذي ألفه كاتب الوقائع (واقعه نويس) محمد صادق آزادانى المتوفى عام ١٠٦١ هـ (١٦٥٢ م)، و"خلد برين" الذي كتبه محمد يوسف واله عام ١٠٥٨ هـ (١٦٤٨ م)، ومؤلفات محمد بقاء سهانبورى المتوفى عام ١٠٩٤ هـ (١٦٨٣ م) و"تحفة الكريم" الذي ألفه مير على شيرقانى المتوفى بعد عام ١٢٠٢ هـ (١٧٨٧ م) وفيه ذيل عن السند، وثلاثة مؤلفات فارسية ترجع إلى القرن الأخير (انظر رضا قلى خان وسبهر ومحمد حسن خان). أما كتاب "مرآت الأدوار" الذي ألفه مصلح الدين لارى فترجع أهميته إلى أنه آخر تأريخ عام كتب عن الدولة العثمانية باللغة الفارسية، كما ترجع أهمية التأريخ الذي كتبه حيدر بن علي الرازي عام ١٠٢٨ هـ (١٩١٩ م) إلى ما في تبويبه من إبداع وما يتميز به من بعد عن الصبغة الرسمية.
وقد استخدمت اللغة الفارسية أيضًا في كتابة تواريخ البلاط بدويلات التركمان في أواسط آسية وبقى من هذه التواريخ عدد كبير.
стр. 2135
٢ - وقد دعا قيام بيت الصفويين الكتاب إلى تأليف سلسلة من التواريخ الخاصة بالأسر الحاكمة أهمها "أحسن التواريخ" الذي أتمه مؤلفه حسن روملو عام ٩٨٥ هـ (١٥٧٧ م) وهذا الكتاب محدود النطاق بعض الشيء، وتأريخان في عهد عباس الأول الذي حكم من عام ٩٩٥ ألى عام ١٠٣٧ هـ (١٥٨٧ - ١٦٢٧ م)، و"تأريخ عباسى" لمحمد منجم يزدى، والمؤلف الكثير الأسهاب الموسوم بـ"تأريخ عالم آراى عباسى" لإسكندر بك منشى. وقد خلد ذكر نادر شاه بتأريخين ألفهما مهدى خان أستراباذى المتوفى بعد عام ١١٧٣ هـ (١٧٦٠ م). وثانيهما المعروف بـ "درة نادرى" وهو تقليد لوصاف باعتراف المؤلف. وتأريخ ثالث كبير في ثلاثة مجلدات كتبه محمد كاظم، كما خلد ذكر هذا الشاه أيضًا في التأريخ العام الذي ألفه محمد محسن وسماه "مستوفى". أما فتح على شاه الذي حكم من عام ١٢١٢ إلى ١٢٥٠ هـ (١٧٩٧ - ١٨٣٤ م) فقد كتب بأمره ما لا يقل عن ثلاثة تواريخ في الأسر الحاكمة وتأريخ عام. وهذه المؤلفات لا تستوعب بحال كل ما كتب بفارس في هذا العهد من تواريخ الأسر الحاكمة والتواريخ المحلية، وبعض هذه التواريخ يمتاز بصفة خاصة بما يمدنا به من فوائد جليلة عن البلد أو الإقليم الذي تحدثت عنه وبجنوح أصحابها إلى الأسلوب البسيط المألوف، غير أننا إذا نظرنا إلى هذه التواريخ نظرة عامة لألفينا أن قيمتها لا تتناسب وحجمها، وأن الهند ترجحها كثيرا في هذا الشأن.
٣ - وكانت الهند في مستهل العهد المغلى ملتقى روايات ثلاث: الأولى الرواية الهندية المغلية القائمة التي ظلت متصلة منذ العهد السابق (انظر فقرة ج (٢) ٣) والثانية رواية مدرسة هراة (انظر فقرة (٢) ٢) والثالثة هي ذلك اللون الجديد الذي أدخله أباطرة المغل أنفسهم (انظر الفقرة التالية). وقد نشأ من اتحاد هذه الروايات الثلاث رواية تأريخية هندية متميزة، ولو أن قليلا من المؤرخين قد تأثروا بما أنتجه معاصروهم في فارس، وقد ظهر منذ نهاية القرن الثاني عشر الهجرى (الثامن عشر الميلادي) مؤثر آخر مبعثه أولئك العلماء والمستشرقون المقيمون في الهند، إلا أن التغير الذي أصاب منهج التأريخ على يدهم لم يظهر دفعة واحدة.
стр. 2136
وأول من أفصح عن الرواية الهندية إفصاحا مبينا: نظام الدين أحمد وعبد القادر بداءونى المتوفيان عام ١٠٠٤ هـ (١٥٩٥ - ١٥٩٦) وذلك في كتابيهما في التأريخ العام اللذين تناولا فيهما الكلام على الهند الإسلامية منذ عهد الغزنويين. ومن الواضح أن هذا قد حدث في عهد أكبر الذي حكم من عام ٩٦٣ إلى عام ١٠١٤ هـ (١٥٥٦ - ١٦٠٥ م). ومن حق البداءونى علينا أن ننوه في هذا المقام بتأريخه تنويها خاصا، فقد أبدى فيه إبداعا وبصرا بالنقد، وهو يمتاز فوق هذا ببرئه من الصبغة الرسمية وبانصرافه إلى التراجم الهندية انصرافه إلى الحوليات السياسية؛ أما الكتاب الذي صنفه خلفه محمد فرشته فاوسع في ميدان تأريخ الهند الإسلامية مجالا، إلا أنه دون تازيخ البداءونى بصرًا بالنقد، وما إن انقضى قرن من الزمان حتى وصلت الرواية الهندية التأريخية إلى أقصى مراحلها، إذ أخذ الكتاب الهنود يؤلفون في التأريخ الهندى الفارسى (انظر سنجان راى) مما أدى إلى تواشج الهند الهندوسية منذ البداية والهند الإسلامية، وقد تيسر ما بقى من هذا الأمر بفضل ما نقل إلى اللغة الفارسية من عيون الكتب السنسكريتية نزولا على أمر أكبر وغيره من أباطرة المغل.
وكانت تكتب إلى جانب هذه المؤلفات تواريخ عن عهود الحكام كل منها خاص بملك. وأول هذه التواريخ عن عهد أكبر. وسنكتفى هنا بذكر أهمها:
يشتهر مصنف "أكبر نامه" لأبي الفضل علامى المتوفى عام ١٠١١ هـ (١٦٠٢ م) بجزئه الثالث بصنفة خاصة. وهذا الجزء موسوم بـ "آئين أكبرى" وهو يفصل الكلام على نظام الادارة في عهد أكبر. وأرخ عهد جهانكير في مصنفه "توزك"، (انظر الفقرة التالية) وفي مصنف وزيره معتمد خان المتوفى عام ١٠٤٩ هـ (١٦٣٩ م) وأرخ محمد كاظم المتوفى عام ١٠٩٢ هـ (١٦٨١ م) ومحمد سامى مستعد خان المتوفى عام ١١٣٦ هـ (١٧٢٤ م) عهد أورنك زيب. وقد وصف غلام حسين خان المتوفى عام ١١٩٥ هـ (١٧٨١ م) اضمحلال بيت المغل ونشأة سلطان الانكليز، وكتب خير الدين محمد إلاه آبادى المتوفى بعد عام ١٢١١ هـ (١٧٩٦ م) تأريخ شاه عالم الثاني. وأقرب هذه المصنفات إلى فن التأريخ هو تأريخ آل تيمور لمحمد هاشم خوافى
стр. 2137
خان المتوفى عام ١١٤٥ هـ (١٧٦٢ م) والمصنف المعروف بـ "سواغ أكبرى" الذي كتبه أمير حيدر حسنى بلكرامى حوالي عام ١٢٠٠ هـ (١٧٨٥ م) بالاعتماد على المصادر الأصلية وتناول فيه بالنقد عهد أكبر.
وكان لكل بيت مستقل أو شبه مستقل من بيوت الحكم، ولكل ولاية في الهند من البنغال إلى جبال الكرنات، سلسلة من التواريخ تشبه ما أسلفنا وتقل عنها في الحجم، وهي تتسم في الغالب بسمات التأريخ المغلى. ولسنا في حاجة إلى ذكر كل هذه التواريخ ولنكتف بالتأريخين اللذين ألفهما عن الأفغان نعمت الله بن حبيب الله الهروى المتوفى عام ١٠٢١ هـ (١٦١٢ م) وإمام الدين حسين المتوفى عام ١٢١٣ هـ (١٧٩٨ م). وقد اعتمد عليهما محمد عبد الكريم المتوفى بعد عام ١٢٤٦ هـ (١٨٣٠ م) في تأليف تأريخه المتأخر عنهما في الزمن. وعولج تأريخ أفغانستان في ناحيتها الشمالية على يد عبد الكريم البخاري المتوفى بعد عام (١٢٤٦ هـ (١٨٣٠ م). وقد كتب تأريخه لخانات آسية الوسطى في إستانبول.
٤ - وأهم ما يتصف به التأريخ الهندى الفارسى من الصفات الأصلية وفرة المذكرات التي كتبت في هذا العهد، وبين هذه المذكرات وبين التأريخ المألوف تباين واضح قوى. ويظهر أن التيموريين هم الذين أوحوا بهذا الاتجاه، واقدم الشواهد على ذلك مذكرات الإمبراطور بابر المتوفى عام ٩٣٧ هـ (١٥٣٠ م) وقد كتبت بالتركية، ومذكرات ابن عمه ميرزا حيدر دوغلات المضمومة إلى تاريخ الجغتائية المتأخرين الموسوم بـ "تاريخ رشيدى" وقد كتبت بالفارسية. ثم مذكرات همايون المتوفى عام ٩٦٣ هـ (١٥٥٦ م) التي كتبها ساقيه (آفتاباجى) جوهر. وقد بزته اخته من أبيه كلبدن بيكم المتوفاة عام ١٠١١ هـ (١٦٠٣ م) بمذكراتها التي كتبتها نزولا على رغبة أكبر. وتعتبر مذكرات كلبدن من اهم المصنفات التي تمس العلاقات الشخصية في التأريخ الإسلامي. وكذلك ألف جهانكير المتوفى عام ١٠٣٧ هـ (١٦٢٧ م) مذكرة عن السبع عشرة السنة الأولى من حكمه بعنوان "توزك جهانكيرى". وأعاد خلفه نشرها بعد أن صححها ولفقها. ويظهر أن المذكرات المصنوعة الموسومة بـ "توزكات تيموري"- والتي تدوولت في الهند على اعتبار أنها الرسائل الموثوق في
стр. 2138
نسبتها إلى تيمور- ترجع إلى هذا العهد.
ولم ينفرد أعضاء البيت المالك بكتابة مثل هذه المذكرات. بل إن كثيرا من الأفراد قد رووا في لغة بسيطة خالية من التصنع ما شهدوه من الحوادث عيانا. وأشهر هذه المذكرات "تذكرة الأحوال " للشيخ محمد على حزين المتوفى عام ١١٣٠ هـ (١٧٦٦ م) و"عبرت نامه " التي كتبها ميرزا محمد ابن معتمد خان حوالي عام ١١٣١ هـ (١٧٦٧ م)، أما بقية هذه المذكرات فوصف لرحلات ليس فيه من المواد التأريخية الهامة إلا القليل.
٥ - تقدمت كتب التراجم الفارسية في هذا العهد عن العهد السابق وكان لها الصدارة كما كان حالها في الماضي بفضل المؤلفات التي اقتصرت على شعراء فارس والهند. وكانت التراجم التأريخية قليلة أشهرها "مآثر الأمراء" لمير عبد الرزاق الأورنك آبادى المتوفى عام ١١٧١ هـ (١٧٥٨ م).
وأشمل التراجم الفارسية "هفت إقليم " الذي أتم تأليفه أمين أحمد الرازي عام ١٠٢٨ هـ (١٩١٩ م) وهو مقسم -كما يبدو من عنوانه- إلى سبعة أقسام كل قسم خاص بولاية من ولايات إيران السبع. وفي نهاية القرن الثاني عشر الهجرى صنف مرتضى حسين بلكرامى كتابًا يشبه هذا ضمنه إشارات خاصة عن الهند وسماه "حديقة الإقاليم".
وليس هناك من جهة أخرى أي معاجم شاملة في التراجم على نسق ما ألف في اللغة العربية. وأقرب المعاجم شبها ما كتب باللغة الفارسية من المؤلفات المقصورة على الشيعة وعلمائهم من جهة وعلى الأولياء والصوفية من جهة أخرى. أما عن الطائفة الأولى فإن مصنف "مجالس المؤمنين " الذي كتبه بالهند نور الله بن شريف المرعشى المتوفى عام ١٠١٩ هـ (١٦١٠ م) قد اعتمد على الرواية العربية الخاصة بتراجم الشيعة، في حين أن كتاب "نجوم السماء" الذي ألفه محمد ابن صادق بن مهدى عام ١٢٨٦ هـ (١٨٦٩ م) قد تناول الكلام على علماء الشيعة في القرون الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر. أما التراجم الخاصة بالأولياء والصوفية فقد كتبت كما كان متوقعا بالهند فقط، وهي تعنى بصفة خاصة بأولئك الذين خرجوا من
стр. 2139
هذه البلاد أو الذين يمتون إليها بسبب. ومن أهم المؤلفات العديدة التي تتحدث عن أشخاص الأولياء وعن الطوائف والجماعات "سير العارفين" لحامد بن فضل الله (جمالى) المتوفى عام ٩٤٢ هـ (١٥٣٥ - ١٥٣٦) و"أخبار الأخيار" لعبد الحق البخاري المتوفى ١٠٥٢ هـ (١٦٣٢ م). والمصنف الضخم "مرآة الأسرار". ومن أهم الكتب المختصرة التي تتحدث عن الصوفية في جميع العصور "سفينة الأولياء" للأمير المغلى المنكود الطالع دارا شكوه المتوفى عام ١٠٦٩ هـ (١٦٥٩ م).
المصادر:
(١) Geschichte: G. Brocklelmann der Arahischen Litteratzzre. جـ ١، فيمار Weimar سنة ١٨٩٨؛ جـ ٢، طبعة برلين سنة ١٩٠٢، الملحق، طبعة ليدن سنة ١٩٣٦ وما بعدها.
(٢) Die Ges-: F. Wuestenfeld chichtsschreiher der Archer' كونتكن سنة ١٨٨٢.
(٣) Lectures on: D.S. Margoliouth Arabic Histories، كلكتة سنة ١٩٣٠ م.
(٤) Ensavo Bio-: Pons-Boigues - bibliografico su los Historiadores Ge ografos Arabigo Espanoles مجريط سنة ١٨٩٨.
(٥) Perdian Lit-: C.A. Storey erature, A. Biographical Survey, القسم الثاني، لندن سنة ١٩٣٥ وما بعدها.
(٦) A Literary His-: E.G. Browne torry of Persia، كمبردج سنة ١٩٣٠ م.
(٧) The: Sir H. Elliot & J. Dowson -History of India as told by its His torians، لندن سنة ١٨٦٧ - ١٨٧٧
(٨) فهرس مجموعات المخطوطات الشرقية المهمة.
(٩) وهناك بيان بالرسائل التي كتبت عن أشخاص المؤرخين في كل مادة من المواد القائمة بذاتها، وقد تناول هورفتز Horovitz طائفة خاصة منها في مقالة الموسوم بـ The Earliest Biographies of the Propet بمجلة Islamic Culture حيدر آباد سنة ١٩٢٨ م، وكذلك فعل. E. Levi-Provencal في Les Historiensdes chorfa، باريس ١٩٢٢ م.
[جب H.A.R. Gibb]
стр. 2140
التأويل
التأويل في الأصل معناه -بوجه عام- التفسير والشرح، وفي بعض آيات القرآن التي ترد فيها هذه اللفظة نراها تشير إشارة واضحة إلى الوحى الذي ينزل على النبي محمد [ ﷺ ]. وقد صار استعمال لفظ التأويل بعد ذلك مقصور، على هذا المعنى الخاص، وكانت من ثم تعنى شرح معاني القرآن، وصارت حينا ما مرادفة للفظة تفسير، ثم اكتسبت اللفظة نصيبا أوفر من التخصيص ولو أنها لم تقتصر على هذا المعنى وحده، وصارت اصطلاحًا يطلق على تفسير مادة القرآن؛ والتأويل في هذا المعنى الأخير يكون جزء، إضافيًا هامًا للشرح اللفظى الظاهرى للقرآن الذي صار يسمى بالتفسير، ولم يجد علماء السنة مسوغًا لإنكاره ما دام لا يناقض المعنى الظاهر الحرفى للقرآن أو السنة. ولكن المسألة تغيرت عندما أصبح التأويل لا تراعى فيه هذه الشروط. والصوفيون وإخوان الصفا والشيعة والمدارس الفكرية التي لم تمرق من الإسلام ولكنها انحرفت إلى حد ما عن طريق السنة وجدوا جميعهم في التأويل أداة صالحة لجعل آرائهم متفقة مع المعنى الحرفى للقرآن بل ذهبوا إلى حد استنباط آرائهم من نصوصه، وإلى جانب التفيسير الحرفى لنصوص القرآن نشأ تفسير رمزى النزعة وجد في ثنايا القرآن أفكارًا بعيدة عن المألوف، وقد صارت المدارس المتطرفة ترى في هذا النقل والتحوير للمعنى الظاهر السبيل الوحيد لتفهم القرآن، وبذلك اهملوا التفسير التقليدى بل صارت أحكام القرآن في رأى أصحابها غير واجبة الاتباع.
وكثير من وجوه استعمال التأويل يمكن -كما أشار كولد تسيهر- أن ترد إلى تأثير أشياع الأفلاطونية الجديدة وبخاصة "فيلون" وقد كان هذا الأسلوب نفسه النتيجة المباشرة لضرورة توطيد مكانة الآراء الجديدة بتفسير مستحدث لألفاظ الوحى التي وصلت إلينا. والتأويل الرمزى يمكن اعتباره في جوهره إسلامي الأصل والنشأة.