تأبط شرا
لقب ثابت بن جابر بن سفيان، وهو شاعر عربي قديم من بنى فهم، وبطل بدوى ذاع ذكره في القصص. وجاء في المصنفات تفسيرات مختلفة لهذا اللقب، ففي ديوان الحماسة أنه "تأبط شرًّا" أي سكينًا، وأورد صاحب الأغانى أنه تأبط كبشًا تبين أنه غول، أو تأبط جرابًا مليئًا بالأفاعى السامة وتذهب رواية أوردها فرسنل Frensel أن أمه زنجية، بينما يروى صاحب الأغانى أنها امرأة من قبيلة فهم اسمها أمينة تزوجت فيما بعد أبا كبير الهُذلى الذي حاول أن يقتل ابنها. وكان تأبط شرا عدوا لبنى هذيل وبنى بجيلة وهلك في قتاله مع بنى بجيلة في أرضهم على جبل تمار (ياقوت: المشترك، ص ٤٢١) وجاء في رواية باور Baur (انظر المصادر) أن تأبط شرًّا كان معاصرا لنوفل بن معاوية الذي قيل إنه عاش ستين سنة قبل الإسلام وبعده، وتبدو روح الجاهلية في جميع أطوار حياته وفي كل ما نسب إليه من شعر. وقد خلع على هذا الشاعر كل الصفات المأثورة عن الفارس الأفاق في الجاهلية. ورثى تأبط شرا الشنفرى بقصيدة، وكان هذا الشاعر صاحبه في القتال هو وعمرو بن البراق (الأغانى). وأحسن قصائده وأطولها هي القصيدة التي رثى بها أحد أقربائه، وكان قد سقط في حرمة الوغى. وقد تأثر كوتة بهذه القصيدة في إحدى قصائده.
стр. 2068
المصادر:
(١) أبو تمام: ديوان الحماسة، ص ٣٣ وما بعدها، ٢٤٤ وما بعدها، ٣٨٢ وما بعدها ترجمة Rueckert
(٢) الأغانى، جـ ١٨، ص ٢٠٩ - ٢١٨
(٣) القزوينى، طبعة فستنفلد، جـ ٢، ص ٣١، ٥٦ - ٥٨، ٦١
(٤) ابن قتيبة: كتاب الشعر، ص ٢٧٤ وما بعدها، ٤٢٢ وما بعدها، ٤٣٧
(٥) الكريوس: غوضة العرب ص ٧٤ وما بعدها
(٦) ديوان الهذيليين، طبعة كوسكارتن، ص ٢٤ وما بعدها
(٧) Schol, zu Hariri: de Sacy, ص ٤١٦، الديوان ص ٣٤٤
(٨) Prem. lettre sur Phis-: Fresnel toire des Arahe، ص ٩٦ وما بعدها
(٩) Carmen arab.: Freytag، كوتنكن سنة ١٨١٤ م
(١٠) Noten zum woe. Diwan: Goethe
(١١) La Poesie arabe: Basset، ص ٧٣
(١٢) Gesch. d. arab.: Brockelmann Lit، جـ ١، ص ٢٥
(١٣) Four Poems of: Lyall Jour, of the Royal Ta'abbata Sharra Asiatic Society سنة ١٩١٨
(١٤) Zeitschr.: Gustav Baur Deutsch. MorgenL Gesells., جـ ١٠، ص ٧٤ وما بعدها.
[براو H.H. Braue]
تابع
لفظ عربي يجمع على تابعين، معناه تابع أمير أو تلميذ شيخ أو معتنق مذهب، والفعل "تابع" أي اقتفى أثره.
ولهذه الكلمة شأن خاص في الحديث، إذ هي تطلق على أولئك الذين جاءوا بعد أصحاب النبي [ ﷺ ] والأصحاب هم الذين رأوا النبي [ ﷺ ] ولقوه. أما التابعون فهم الرعيل الثاني أو معاصرو النبي [ ﷺ ] الذين لم يلقوه وإنما عرفوا أحد صحابته (١). وتابعو التابعين هم الذين لقوا أحد التابعين،
стр. 2069
وهكذا. وتختلف قيمة الأحاديث بالنسبة إلى قدم طبقة التابع الذي رواها وحداثتها، كما ترجع قيمتها أيضًا إلى شهرة هذا التابع ومقداره. وعلى هذا فمشهور الحديث هو المسند إلى تابع من الرعيل الأول وأذاعه وتناقله جملة تابعين من الرعيل الثاني ومن جاء بعدهم (٢). وهناك أيضًا طبقات من رواة الحديث الخاص بقراءة القرآن والخاص بالصوفية. والحسن البصري هو أشهر رواة الطبقة الأولى (٣).
المصادر:
(١) انظر البخاري ومسلم وغيرهما
(٢) Les Penseurs de: Carra de Baux L'Islam، باريس سنة ١٩٢٣ مجلد ٣، ص ١٧٦، ٢٨٢ وما بعدها
(٣) الهجويرى: كشف المحجوب. ترجمة نيكلسون R. A. Nicholson، ليدن - لندن سنة ١٩١١.
(كاراده فو B. Carra de Vaux)
تعليق على مادة "تابع "
(١) التابعون هم الطبقة الثانية بعد الصحابة، ويقال للواحد منهم "تابع" أو "تابعي". وهم طبقات كثيرة، فمنهم من عاصروا النبي ﷺ ولكن لم يروه ورأوا أصحابه، ومنهم من بعد ذلك ممن لقى أحدا من الصحابة، ومنهم أيضًا الذين ولدوا في حياة النبي ﷺ ومات وهم أطفال لا يعون الرواية عنه، وروايتهم كلها عن الصحابة.
(٢) هذا كلام غير واضح ولا محرر على قواعد العلم عند أهل الحديث. والحديث الذي يرويه التابعى فيسنده إلى رسول الله ﷺ مباشرة من غير أن يذكر الصحابى الذي سمعه منه يسمى عندهم "الحديث المرسل" وقد اختلف في الاحتجاج به، فذهب بعض العلماء إلى أنه حجة، وذهب بعضهم إلى أنه حجة إذا كان التابعى من كبار التابعين الذين لقوا كثيرا من الصحابة وأن يكون الحديث مرويا عن غيره من التابعين أيضًا، حتى يعتضد به. وممن قال بذلك الإمام الشافعي في تفصيل للشافعي هذا موضعه، وانظره في (كتاب الرسالة للشافعي بتحقيقنا، في الفقرات (١٢٦٢ - ١٣٠٨). وخالفه في ذلك أكثر علماء الحديث واستقر رأيهم على
стр. 2070
أن المرسل ليس بحجة مطلقا، كما أوضحت ذلك في تعليق على (كتاب الرسالة) (ص ٤٦٥)، وانظر أيضًا (كتاب علوم الحديث لابن الصلاح بشرح الحافظ العراقي ص ٥٥ - ٦٢) وشرحى على (اختصار علوم الحديث لابن كثير ص ٣٧ - ٤١) الأحكام في أصول الأحكام لابن حزم جـ ٢، ص ٢ - ٦) وغيرها من كتب المصطلح.
(٣) الحسن البصري تابعي مشهور، وهو من أئمة القراء، كما هو من أئمة الحديث والفقه والوعظ، ولد سنة ٣١ ومات سنة ١١٠ وله ترجمة في طبقات ابن سعد (جـ ٧ ق ١ ص ١١٤ - ١٢٩) وحلية الأولياء لأبي نعيم (جـ ٢ ص ١٣١ - ١٦١) وطبقات القراء لابن الجزرى (جـ ١ ص ٣٥). وفي التهذيب وابن خلكان وغيرها. والصوفية يرجعون بأسانيدهم في التصوف إليه، إن صحت هذه الأسانيد وليست من الأسانيد التي يحتج بها علماء الحديث.
أحمد محمد شاكر
تاج
لفظ فارسى معرب، وهو بالفارسية القديمة "تك" (انظر الكلمة الأرمنية "عتك" والكلمة الآرامية تاكه)، وصيغ منها في العربية جمع التكسير تيجان، والفعل توّج (الوزن الثاني) وتتوج (الوزن الخامس) ويقال أيضًا تائج لمن تتوج (Grundriss der neuper-: Horn sischen Ettymologie ستراسبورغ سنة ١٨٩٣، ص ٨١؛ Studien ueber: Siddiqui -die persichen Fremdwoerter im Klas sischen Arabisch، كوتنكن سنة ١٩١٩، ص ٧٤، ٨٤: aramaeischen ie: Fraenkel Fremdwoerter im Arabischen, ليدن سنة ١٨٨٦، ص ٦٢). والتاج نفسه- كاسمه- فارسى قديم. ولم تكن أشكال تيجان ملوك الفرس القدماء، التي نعرفها من سكتهم بصفة خاصة، مجهولة عند مؤلفى العرب. فيروى المسعودى مثلًا أنه شاهد كتابًا قديما وعلى بصورة ملونة لملوك الفرس وعلى رؤوسهم التيجان، وقد نقل هذا الكتاب إلى اللغة العربية نزولا على رغبة الخليفة الأموى هشام بن عبد الملك
стр. 2071
بن مروان (المكتبة الجغرافية العربية، طبعة ده غويه، جـ ٨، ص ١٠٦). ويلوح لنا أن مجموعة من المؤلفات- ككتاب سير الملوك وكتاب التاج وغيرهما من الكتب ذوات العناوين المشابهة- كان مضمونها كذلك، وهذه الكتب فقدت (انظر عن الكتاب الثاني مقدمة أحمد زكى باشا لطبعته لكتاب التاج للجاحظ، القاهرة سنة ١٣٣٢ هـ = ١٩١٤ م)
ولعل ما روى عن التاج الفارسى في كتاب تاريخ سنى ملوك الأرض والأنبياء لمؤلفه حمزة الإصفهانى (برلين مطبعة كاويانى، ص ١٧، ٢٤ وما بعدها، ٣٢، ٣٥ وما بعدها) وفي الكتاب الفارسى "مجمل التواريخ" الذي نقل عنه، وكذلك في الطبري، أقوال من هذا القبيل تعتمد على مثل هذه المصنفات (انظر بحث نولدكه Noeldeke عن العلاقة بين هذه المصادر في - Ges chichte der Perser and Araber ليدن ١٨٧٩ م، المقدمة، وانظر نفس البحث فيما يختص بالتاج عند الفرس، صفحات ٩٥، ٢٢١، ٣٠٤، ٣٨٥، ٤٥٣ بصفة خاصة؛ L'Empire des Sasandes A. Christensen كوبنهاغن سنة ١٩٠٧، ص ٤ وما بعدها، ١٠٦؛ الكاتب نفسه: Le Regne du Roi Kawadh l et le Communisme mazdakite كوبنهاغن سنة ١٩٢٥، ص ٢٢ وما بعدها). وجاء في مؤلفات الأوائل من العرب أن "أول من لبس التاج الضحّاك" (القلقشندى: صبح الأعشى، القاهرة سنة ١٣٣١ م الموافقة سنة ١٩١٣ م، جـ ١، ص ٤١٥).
وعرف العرب التيجان لأول مرة قبل الإسلام إذ كان ملوك الفرس في بعض الأحيان يمنحون أتباعهم من ملوك العرب تيجانًا تنويها بمرتبتهم، مثال ذلك التيجان التي منحت لامرئ القيس اللخمى المتوفى عام ٣٢٨ م (Recueil d'Archeol.: Clermont-Ganneau . Or، جـ ٦، ص ٣٠٧: Le Roi de tous les arabes، وجـ ٧، ص ١٧٦ وما بعدها. Le Tadj-dar Imrou'l Qais et la. royaute - generale des Arabes Ephemeris Lidzbar ski جـ ٢، ص ٣٥، ص ٣٧٥، وعن الفرق بين الإكليل والتاج أيضًا، ويلوح أن التاج إكليل بسيط) وللنعمان الثالث اللخمى) Die Synastie Der: Rothstein
стр. 2072
Lahmiden in AI-Hires، برلين سنة ١٨٩٩، ص ١٢٨)، ولذى التاج هوذة بن علي، والتاج الذي منح لوالى اليمامة النصرانى في زمن النبي [ ﷺ ]، ويقال أن النبي قد بعث إلى هذا الوالى كتابًا يدعوه فيه إلى الإسلام (ابن هشام، طبعة فستنفلد، ص ٩٧١، القلقشندى، جـ ٦، ص ٣٧٩ Fraenkel، ص ٦٢، الطبري، جـ ١، ص ٩٨٥، Noeldeke: Gasch. d. Perser u Araber ص ٢٥٨).
وقد مجّد الشعراء التيجان وأصحاب التيجان (انظر صديقى ص ٨٤، المبرد: الكامل، ص ٢٨٩ وما بعدها؛ وقد جاء فيه أن التاج من خصائص اليمن ولعله من بقايا الصلات القديمة التي كانت بين اليمن والأحباش، انظر فيما يختص بالتاج عند الأحباش Ges-: Noeldeke chichte ص ٣٢٥، ٢٣٢).
وكان تاج كسرى الثاني المشهور من بين غنائم العرب التي غنموها في طيسفون (L' Empire: Christensen ص ١٠٦) غير أن التاج ظل غريبًا على العرب قلما يلبسونه. وهناك حديث نصه "العمائم تيجان العرب" وجاء في لسان العرب وفي غيره تفسيرًا لذلك: أن "العمائم للعرب بمنزلة التيجان للملوك، لأنهم أكثر ما يكونون في البوادى مكشوفى الرؤوس أو بالقلانس، والعمائم فيهم قليلة.
ولا يعرف الإسلام التاج الملكى ولا التتويج كما نفهمه رمزًا لسلطان الملك. فإذا ذكرت التيجان فإنما يقصد بها تيجان الملوك النصارى وغيرهم. ويقال أيضًا تاج البابا وتاج الأسقف. ويلوح أنه لم يصبح لأمير المسلمين تاج إلا في الوقت الذي ورد فيه ذكر "تاج الخليفة". ولم يظهر هذا التاج الذي هو من شعائر الملوكية إلا في عهد العباسيين، ويظن أن هؤلاء قد أخذوا بالتقاليد الفارسية في هذا الشأن ليتميزوا عن خلفاء بنى أمية (Noeldeke: Geschichte، ص ٤٥٣). وكان الخليفة يلبس التاج في المواكب أيام الأعياد الكبرى. ويصف القلقشندى (جـ ٣، ص ٤٧٢، ٤٨٤، وطبعة فستنفلد Wuestenfeld بعنوان Calcaschandi ص ١٧٢، ١٨٢) تاج الخلفاء الفاطميين في مصر، ويتضح من هذا الوصف أنه لم يكن تاجًا بمعنى الكلمة وإنما كان عمامة مرصعة بالجواهر لونها أبيض وهو شعار الفاطميين، وفيها جوهرة عظيمة
стр. 2073
تعرف باليتيمة زنتها سبعة دراهم، وكان يتولى شد التاج الشريف موظف خاص، وهذا الشادُ بمثابة اللفاف في العصور المتأخرة (The Cer-: Inostrancev -emonial Procession of the Fatimid Ca liphs وهو بالروسية، سانت بطرسبرغ سنة ١٩٠٥، ص ٦٤، ابن الصيرفى: قانون ديوان الرسائل، طبعة بهجت، ص ٢٧). وكان سلطان الحفصيين يلبس أيضًا تاجًا في المواكب (ابن فضل الله: مسالك الأبصار، وقد طبع منه حسن حسنى عبد الوهاب وصف إفريقية والأندلس، تونس سنة ١٩٢٢، ص ٢٣، تعليق ٢).
وكان التاج من بين الكسى التي يخلعها الخليفة أو السلطان على عماله أو سفرائه وغيرهم. ويروى القلقشندى (جـ ٨، ص ٣٧٥ وما بعدها) أن الخليفة كان يلبس تاجًا مرصعًا عند اعتلائه العرش) Stat-: Wuestenfeld thalter . جـ ٣، ص ٣٨). ويلوح أنه كان هناك تاج يشبه هذا رسمه أمراء المماليك على سلاحهم شعارًا لهم.
وكان لباس سلاطين آل عثمان يسمى بالتاج أيضًا. وشاهد ذلك أن لباس رأس السلطان عثمان الأول نفسه كان يعرف بـ "تاج خراسانى" (d'Ohsson جـ ٢، ص ١٣٥) ونحن نعلم علم اليقين شكل لباس رأس فاتح القسطنطينية من الصور التي رسمها بلينى Bellini . فقد كان هذا السلطان يضع على رأسه عمامة كبيرة وتاجًا. وكانت سكبة (١) العمامة على شكل المخروط الناقص، لونها أحمر في الغالب، وهي مموجة، ولعل بها ثنيات مخيطة. ويلف حول هذه السكبة العمامة نفسها (صاريق) وهي من القماش الرفيع. وشكل عمامة الفاتح التي وجدناها في الصور يبدو أيضًا في الأنواط. وعندما نجد على الوجه الآخر من النوط ثلاثة تيجان الواحد منها فوق الآخر فإن التفسير الغالب لذلك هو أن الذي رسم هذا النوط وصنعه فنان أوربى. ويعتقد أن هذه التيجان الثلاثة ترمز إلى ممالك آسية واليونان وأطرابزبدة المتحدة تحت لواء العثمانيين (C.F. Hill في Numismatic Chronicle، سنة ١٩٢٦، ص ٢٨٧ - ٢٩٨ لوحة ١٤) وقد فصّل كاراياسك
стр. 2074
Karabacek الكلام عن تاج سلاطين آل عثمان؛ وهو يزعم أن تاج الفرس والأتراك يقابل الطرطور في البلاد التي تتكلم بالعربية، والطرطور قلنسوة مرتفعة بعض الشيء، وقد وجد له رسم في ورقة من ورق البردى يرجع تاريخها إلى القرن السابع بعد الميلاد، وتغير شكل هذا الطرطور بمرور الزمن. وإنا لنجد أن لباس رأس نساء فرنسا وأسبانيا في القرون الرابع عشر والخامس عشر والسادس عشر- ويعرف بـ "هنين" Hen(n)in - يشبه التيجان الفارسية التركية إلى حد كبير. ويرى كاراباسك أن هذا اللباس مأخوذ هو واسمه من الشرق، وشاهد ذلك أن الاسم العربي هو حنينى. وقد بقيت أنواع معينة من هذا اللباس يضعها النساء إلى الآن على رؤوسهن كما هو شأن نساء دروز جبل لبنان والجزائر وتونس. وقد تطور لباس الرأس هذا في مصر الحديثة إلى ما يعرف بالقرص. وهو من أدوات الزينة له شكل الطبق، ويصنع من صفحة من الذهب مرصعة بالأحجار الكريمة يخاط في قمة قلنسوة مرتفعة بعض الارتفاع، وقد يثقل وزنها بعض الشيء أحيانا. ويوضع هذا القرص في بعض الأوقات على شاهد قبر المرأة المتوفاة كما توضع العمامة في حالة ما إذا كان المتوفى رجلا (Manners and customs of Modern: Lane . Egyptians، ذيل رقم ١ Arabian: Lane Society in Middle Ages ص ٢١٨، ٢٣٤). والعادة الشائعة في جميع أنحاء، العالم، وهي استعمال التيجان للعرائس، معروفة أيضًا في العالم الإسلامي المتمدن (The Thousand and one Nights: Lane جـ ١، ص ٤٢٤ Arabes n itrati Nachrichten ... Lagarde كوتنكن سنة ص ١٨٩١، ص ١٦٠ وما بعدها، ومن شواهد ذلك أيضًا اسم القاموس المعروف "تاج العروس"، أما عن التركستان الشرقية فانظر؛ Brockelmann في Asia Major في، جـ ٢، ص ١٢٢).
وقد أصبح للتاج شأن دينى خاص عندما اتخذه الدراويش لباسًا للرأس. ولبس التاج من أهم أركان حفلة ربط الحزام، ولكل طريقة من طرق الدراويش تاج له لونه وشكله الخاص كما أن له اثنى عشر سجافًا (ترك)
стр. 2075
بعدد الأئمة، وقد يكون له تسعة سجف أو سبعة إلخ .. ولهذه الأرقام أسماء عدة ودلالات رمزية (أحمد رفعت: مرآة المقاصد، إستانبول سنة ١٢٩٣ هـ، ص ٢١٢ - ٢١٥ The Darvishes: Brown، ص ١٤٨ وما بعدها؛ الصور التي أوردها d'Ohscnn، جـ ٢، ص ٢٩٢؛ وهناك جريدة كبيرة ملونة بالأربع عشرة الطريقة الهامة من طرق الدراويش، وبها صور تيجانهم وذكر لسلسلة مؤسسي هذه الطرق، طبعت في مطبعة إستانبول لصاحبها محمود بك ونشرها ضياء بك في "صنائع نفيسه. رسمخانه سى" بتاريخ ١٥ شعبان ١٣١٤ هـ)، ونجد أن التاج الصوفى أصبح بمثابة لباس للرأس في فارس على عهد الشيخ حيدر ومن ثم قيل "تاج حيدرى" والشاه إسماعيل، يلبسه الملك ورجال البلاط ورجال الجيش والموظفون، ويمنح في حفل خاص؛ ولعل هذا التاج قد استعمل في فارس قبل هذين الملكين (Karabacek: كتابة المذكور ص ٨٧؛ Islam: Babinger جـ ١١، ص ٨٤، مادة قزل باش).
ولكلمة تاج استعمالات مجازية مختلفة، فقد ذاعت ألقاب التشريف المتضمنة هذه الكلمة في العهود المتأخرة وعلى الأخص في عهد المماليك: واكتفى في أول الأمر بالألقاب البسيطة مثل تاج الدين وتاج الدولة، فأطلق اللقب الأول على رجال الجيش والثاني على كتاب السر من النصارى (القلقشندى، جـ ٥، ص ٤٨٨، جـ ٥، ص ٤٨٧). ثم استعملت بعد ذلك الألقاب المزدوجة: عضد الدولة وتاج الملة (جـ ٥، ص ٤٩٢) وتاج العلماء والحكام، وقد لقب به القضاة، (جـ ٦، ص ٤١ وما بعدها) إلخ .. وأطلقت أنواع أخرى من الألقاب على ملوك الكفر مثل "بقية أبناء التخوت والتيجان" (جـ ٦، ص ٨٥) ومخوّل التخوت والتيجان (جـ ٦، ص ١٧٥) ووارث الأسرّة والتيجان (جـ ٦، ص ١٧٧). ويتصل بهذا عادة إطلاق كلمة تاج مع المضاف إليه على عناوين الكتب ولدينا على هذا آلاف الشواهد.
و"تاج سعدان" في علم الهيئة هو زحل. وتاج الجبار نجم قريب من كوكبه الجبار Orion المعروف أيضًا
стр. 2076
بالجوزاء [والجوزاء هنا غير جوزاء فلك البروج].
ويقال أيضًا تاج العمود أي رأسه (Archaeol Reise: Sarre Herzfeld جـ ٢، ص ١٨٥). والتاج يطلق أيضًا على عرف الديك وما شابهه من الطيور. وهو الاسم العربي لنهر تاجه (١) Tagus بالأندلس.
وكان هناك قصر مشهور لخلفاء بغداد يعرف بقصر التاج، وقد شيد في عهد المعتضد والمكتفى واستعمل في بنائه أنقاض قصر المدائن أحد عجائب الدنيا السبع الذي دمره حريق نجم عن البرق، وأعيد بناء قصر التاج، غير أن هذا البناء لم يتم وخرب عن آخره عام ٥٧٤ (ياقوت، جـ ١، ص ٨٠٦ - ٨٠٩، والترجمة في Zeitschrift der Deutschen Morgenlaendischen Gesellschaft. جـ ١٨، ص ٤٠٣ - ٤٠٦ hres-: Sacy. tomathie جـ ١، ص ٧٤، Kul- turgeschichte: v. Kremer, جـ ٢، ص ٥٤ Sarre- Herzfeld، جـ ١، ص ٩٢، جـ ٢، ص ٦٣، ١٤٨). ومن مناظر الخلفاء في القاهرة منظرة تعرف بمنظرة التاج شيدها بدر الجمالى، وكانت أنقاضا في عهد المقريزى (المقريزى، جـ ١، ص ٤٨١، جـ ٢، ص ١٢٩ ياقوت، الملحق، جـ ٥، ص ١٥ , Chrestomathie: Sacy. جـ ١، ص ٢٢٤، ٢٢٨).
المصادر:
علاوة على المصادر المذكورة في صلب المادة انظر
(١) f vete-: Dozy- Dictionnaires des ments انظر مادة تاج
(٢) Hasling's Encyclopaedia of Re- ligion and Ethics مادة تاج
(٣) Abendlaendische: Karabaceck .١٩ .Kuenstler in Konstantionnel im ١٥ u Jahrliundert. I. Italienische Kuenstler one -١٤٥١ Hofe Muhammeds II. des Eroberers .Denkschriften d. k. Akad. d. Wiss ١٤٨١ Wien، جـ ٦٢، المقالة الأولى، سنة ١٩١٨.
[بيوركمان W. Bjorkman]
стр. 2077
تاج محل
ضريح عجيب الصنع أنيق الهندسة أقامه في مدينة "آكرا" الملك شاه جهان ليضم رفات زوجة أرجمند بانوبيكم التي كان متدلها في عشقها. وكلمة تاج محل محرفة من الاسم الذي كانت تحمله هذه الأميرة وهو "ممتاز محل" وهي ابنة آصف خان أخي نورجهان المشهور. وكان زواج الملك شاه جهان منها في العاشر من مايو سنة ١٦١٢ إذ كانت تبلغ التاسعة عشرة من عمرها. وقد رزقت منه أربعة عشر ولدًا ثم توفيت في يونيو سنة ١٦٣١ بمدينة برهانبور على أثر ولادتها بنتًا، فدفنت مؤقتا في زين آباد من ضاحية برهانيور. غير أن زوجها الذي كان لا يكف عن البكاء حزنا عليها عقد النية على أن يخلد حبها بإنشاء ضريح جدير بتخليد هذا الحب. ومن ثم نقل جثمانها إلى آكرا حيث دفنها مرة أخرى دفنا مؤقتا في بقعة من الأرض ابتاعها من الراجا جاى سنغ، وعلى هذه البقعة شاد بناء التاج الذي استغرق مع ما يتبعه من الأبنية الأخرى اثنتين وعشرين سنة كان يزاول العمل فيها من غير انقطاع عشرون ألف عامل. وكان قد عقد مجلسا من أساطين علماء الهندسة وفحول فن العمارة في الدولة وطرح على أنظارهم التصميمات الهندسية المختلفة فما زالوا بها بحثا وتمحيصا حتى استقر رأيهم بالموافقة على التصميم الذي وضعه المهندس المعروف بالأستاذ عيسى الذي اختلف في أصله وجنسه، فقيل إنه فارسى من شيراز أو من إحدى بلاد تركية، أما الرواية المنسوبة إلى الأب منريك Manrique من آباء الطائفة الأغسطينية الدينية، وهي الرواية التي محصلها أن المهندس صاحب التصميم إنما هو كيرونيمو فيرونيو Geromino Veronen فليس هناك من الأسانيد ما يعززها لا في سجل الحوادث المحلية ولا فيما دونه كل من الرحالين تافرنييه Tavernier وبورنييه Bonnier وتيفنو Thevenot في الرحلات التي صنفوها، وهؤلاء قد توافقت آراؤهم على أن الضريح قد شيد بالمرمر الأبيض المجلوب من جدهيور على مصطبة مفروشة السطح
стр. 2078
بالمرمر الأبيض كذلك في ارتفاع ثماني عشرة قدما فوق ما مسطحه ٣١٣ قدما مربعة، وأقيمت عند كل زاوية من زوايا المصطبة مئذنة متناسقة الأجزاء ارتفاعها ١٣٣ قدما يحيط بدائر كل مئذنة ثلاث شرفات تنتهي بقطرى (جنرى) مفتوح ذي قمة. وفي وسط المصطبة يرتفع الضريح في شكل رباعى مسطحه ١٨٦ قدما مربعة وزوايا مقطوعة في مدى ٣٣ قدما و ٩ إبهامات. أما واجهة الضريح فتبلغ من العلو فوق سطح المصطبة ٩٢ قدما و ٣ إبهامات، وأما القبة الرئيسية فتشغل الجزء الأوسط من البناية في مدى دائرة قطرها ٥٨ قدما وتضرب في العلو فوق السقف إلى ارتفاع ٧٤ قدما أو فوق مستوى سطح المصطبة بـ ١٩١ قدما، ولكل من واجهات البناية الأربع مدخل عال مغطى بعقد، وفوق كل مدخل حجرة صغيرة ذات قمة، تحتوى طابقين ينتهى كل طابق في أعلاه بقطر ذي قمة وفي كل وجه من وجوهه الثلاثة الخارجية ستة محاريب معقودة ومنسقة في صفين متطابقين، وينفذ الضوء إليها من نافذات ذات مصبعات. وهذه المحاريب مع المداخل الكبيرة كالعقود في شكلها، وتحت القبة الكبرى التي تعلو وسط البناية ضريح ممتاز محل وإلى جانبه ضريح زوجها وكلاهما مزخرف بالنقوش الكتابية. وفي أسفل الضريحين مباشرة اللحدان اللذان يحتويان رفات الزوجين وموضعهما على مستوى وجه الأرض، والزخارف فيهما أقل منها في الضريحين. ويحيط بهذين الضريحين حاجز منحوت في المرمر الأبيض على شكل مصبعات، وتعد صناعته من أدق تحف الفن الهندى وأجملها، كما يحيط بالمداخل الأربعة إطارات من الزخارف الجميلة بالحروف العربية يزيد في حسنها وجمالها زخارف أخرى تالية لها في الحجر الصلب. ومآخذ العقود والزوايا والنقوش التفصيلية المهمة مرصعة كلها بالأحجار الكريمة كحجر العقيق وحجر اليشب وحجر الدم وحجر العقيق السليمانى وغيرها مما تضافر الذوق السليم والحذاقة البالغة على تنسيقه في شكل عقود من الأغصان ملتوية تارة وفي الوضع المسمى بشوك اليهود تارة أخرى، وفي
стр. 2079
كل ذلك تنسجم الرسوم مع الألوان خير انسجام. وينفذ الضوء من خلال حواجز زوجية منحوتة في المرمر الناصع البياض على شكل مصبعات يزيدها حسن النسق وجمال الترتيب رونقا ورواء، إذ يواجه أحد الحاجزين الجانب الخارجى من الجدران بينما يواجه الآخر جانبها الداخلى. وفيما يلي بناية الضريح ومصطبته جناحان أحدهما مسجد لطيف الشكل متقن البناء، ومن مجموعة هذه المبانى يتألف أحد أضلاع صحن فسيح نسقت فيه خمائل الزهر، ومسطح هذا الصحن ٨٨٠ قدما، وفيما يليه صحن آخر خارجى يماثله في العرض ولكنه لا يزيد على نصفه طولا. ولقد جهد بعض الماجنين الأدعياء في مسائل الفن أنفسهم في الجهر بآرائهم عن تاج محل وحكمهم الفني عليه بمقتضى أصول الهندسة اليونانية والقوطية فذكروا في مقارناتهم ما يتنافى مع سلامة الذوق ويتعارض مع استقامة المنطق. ولقد أصاب فركوسون Fergusson حيث قال في هذا الصدد:
"إن التوفيق بين تلك المحاسن الباهرة -أي محاسن تاج محل- وحسن التأتى في إحكام الترابط بين أجزائها لمن الأعمال التي تعدل دنيا برمتها".
المصادر:
(١) عبد الحميد لاهورى: بادشاه نامه، النص، كلكتة سنة ١٨٧٢.
(٢) A Handbook to: E.B. Havell Agra and the Taj لندن سنة ١٩١٢.
(٣) محمد معين الدين: The History of the Taj، آكرا سنة ١٩٠٥ م.
(٤) History of In-: James Fergusson dian and Eastern Architecture، طبعة James Burgess & Phene Spiers, لندن سنة ١٩١٠.
(٥) Hob-: . Yule & A. G. Bernell son - Jnhsnn، طبعة Wm. Crooke, لندن سنة ١٩٠٣.
[هيك Haig.T.W]
стр. 2080
تأريخ
أولًا: بمعنى التاريخ العام أي تسجيل أهم حوادث الأمم، وبمعنى الحوليات أي تدوين الحوادث عامًا عامًا، وبمعنى الأخبار مرتبة بحسب العصور.
وقد وردت كلمة التاريخ بهذه المعاني عنوانًا لمصنفات تاريخية مثل (تكملة تاريخ الطبري) و"تاريخ بغداد" و"مكة" وغيرهما، و"تأريخ الأندلس"، وأطلقت كلمة التاريخ أيضًا على طائفة أخرى من مصنفات تباين في موضوعها المصنفات الآنفة معو "تأريخ الهند" الذي ألفه أبوالريحان البيرونى فإنه إلى مصنف في البحوث العقلية أقرب منه إلى مصنف في التاريخ. وكتاب تاريخ الحكماء المعروف بـ "إخبار العلماء بأخبار الحكماء" لابن القفطى فإنه أشبه بمعجم يتضمن أخبار العلماء المتقدمين ومن حذا حذوهم من العرب الذين حافظوا على التقاليد اليونانية في العلم مقرونة بسرد ما أثمرته قرائحهم من المصنفات الكثيرة، منه بمصنف في التاريخ.
ثانيا: بمعنى تحديد بداية الأخبار الخاصة بعصر من العصور، وبمعنى حساب الأزمان وحصرها، وبمعنى تحديد زمن وقوع الحوادث تحديدًا دقيقًا.
وقد وقف المسلمون فضلا عن تأريخ الهجرة الذي هو خاص بهم على طائفة من تواريخ عصور أخرى كتأريخ العالم الذي إنما هو حصر مشكوك في صحته لسعة الفوارق فيما يتعلق بتواريخ اليهود والنصارى والمجوس. فالبيرونى وأبو الفرج الملطى المسيحي العقيدة ينعيان على اليهود ما أتوه من إنقاص عدد السنين عن المدة التي انقضت منذ الخليفة على وجه جعل تأريخ ميلاد المسيح غير متفق مع النبوءات الخاصة بظهوره. ومما نعياه عليهم أيضًا أنهم أخروا مولد شيث بن آدم عن موعده الصحيح بمائة سنة، وجروا على هذه الطريقة بالنسبة لغيره من الزعماء والشيوخ الذين تعاقبوا إلى عهد إبراهيم بحيث إذا حسب مدى ما بين الخليقة إلى ظهور المسيح كان ٤.٢١٠ سنين بدلا من ٥.٥٨٦ سنة تقريبا وهي المدة التي نص عليها العهد القديم.
стр. 2081
ويقول أبو الريحان البيرونى أن اليهود كانوا يرقبون ظهور المسيح في أخريات سنة ١٣٣٥ من تأريخ الإسكندر، بينما المسيح قد ولد بحسب ما أجمعت الآراء عليه في سنة ٣١١ من هذا التاريخ.
وتاريخ الطوفان من ناحيته ما زال موضوع خلاف في الرأى بين اليهود والنصارى. وقد أخذ به أبو معشر الفلكى في قانونه.
وكذا تأريخ بختنصر الأول اعتمد عليه بطليموس الفالوذى في كتابه "المجسطى" كما اعتمد على تصحيح الأدوار الزمنية لقاللبس (١).
ومثله تاريخ "فيلفس أرديوس Philip "Arrhidaeus أبي الإسكندر أخذ به "ثاون الإسكندرى Theon في قانونه، وكذا تأريخ الإسكندر المبنى على الأشهر اليونانية ويعرف بتاريخ السلوقيين يبدأ من دخول "سلوق نيقاطور " Scleucus Nocator مدينة بابل بعد وفاة الاسكندر باثنتى عشرة سنة، وقد أخذ به السريان واليهود ويعرف عندهم "بتاريخ العقود Ere des Con- "tracts كما أخذ به الروم بفوارق طفيفة. وبمقتضى هذا التأريخ يكون مولد محمد ﷺ (٢) في سنة ٨٨٢ للإسكندر.
وهناك أيضًا تأريخ قيصر أنطونيوس الذي اعتمد عليه بطليموس الفالوذى في تصحيحاته لمواقع النجوم.
وكذا تأريخ دقلطيانوس المعروف بتاريخ الشهداء ويبتدئ بالسنة الأولى من حكمه الموافقة لسنة ٥٩٦ من تأريخ الإسكندر، وهذا التاريخ هو الذي عليه القبط إلى يومنا.
وقد أخذ الفرس وأصحاب زرادشت بتأريخين ليزدجرد الثالث يبدأ أحدهما من يوم اعتلائه عرش الملك والثاني من يوم وفاته.
وفي عهد الحكم الإسلامى بفارس أدخل الخليفة المعتضد على التقويم الفارسى تعديلا رجع بيوم النيروز، الذي هو رأس السنة الفارسية، إلى أوان أكثر ملاءمة لمواسم الزراعة بعد أن تقدم هذا الأوان في مجرى الزمن على أثر الإضافات المتوالية لأيام النسئ.
وهناك إصلاح آخر قام بإدخاله على التقويم بنفسه السلطان ملك شاه
стр. 2082
السلجوقى واضع التاريخ الجلالى (٣) في غرة رجب عام ٧١٠ م.
وأدخل غازان محمود تاريخ الإيلخانية في أول رجب سنة ٧٠١.
وفي أول مارس سنة ١٦٧٦ (بحساب التقويم القديم) اعتمد العثمانيون التقويم الشمسى القائم على التقويم البوليوسى وأسموه "التقويم المالى العثماني".
وإذا كانت السنة اليوليوسية تزيد على السنة القمرية بأحد عشر يومًا فقد ظلت تواريخ التقويم مخالفة لتواريخ التقويم الهجرى.
وفي السنة الثلاثين من حكم السلطان أكبر وضع هذا السلطان التقويم الموصوف بالإلهى وهو يبدأ من يوم ٥ ربيع الثاني سنة ٩٦٣ (١٩ فبراير سنة ١٥٥٦) تأريخ جلوسه على العرش وسنواته شمسية.
وفي عصرنا الحاضر قدم الغازى أحمد مختار باشا تقويمًا آخر على جانب كبير من الضبط والدقة لأن الخطا فيه (أي الفرق) لا يتجاوز ٢٨، . من اليوم لكل مائة قرن: وفي عام ١٩٢٦ م نبذ الأتراك الكماليون التقويم القمرى الإسلامى وأحلوا محله التقويم الأوربى.
ويحسن بنا، ونحن بسبيل الكلام على التواريخ، أن نشير هنا إلى طريقة الترقيم المعروفة بحساب الجمّل وهي الطريقة التي ترى أحيانًا في النصوص المتصلة بالأدب، فإن المقصود منها إثبات التأريخ بوساطة الحروف التي تتألف منها الكلمات إذ تجمع دلالاتها الرقمية فتثبت ذلك التاريخ: وعلى هذا المنوال يكون حساب الجمّل لعبارة "نجاة الخلق من الكفر بمحمد" هو ١٣٣٥. وهذا المثل منقول عن البيرونى.
المصادر:
(١) البيرونى: الآثار الباقية، طبعة وترجمة sachau، لندن سنة ١٧٨٩، الفصل الثالث وغير ذلك من المواضع.
(٢) أبو الفرج: تأريخ مختصر الدول، طبعة صالحانى، بيروت ١٨٩٠ م.
(٣) Table de con-: E. Lacoine cordance des dates des Calendriers arabe, copte, gregorien, israelite etc، باريس سنة ١٨٩١.
[كارا ده فو B. Carra De Vaux]
стр. 2083
تعليق علي مادة "تأريخ "
(١) الدور الزمنى لقاللبس Calippe الفلكى الحاسب اليونانى هو التصبح للدور الذي استنبطه ماطن Meton الفلكى اليونانى الأثينى المشهور في سنة ٤٣٢ قبل الميلاد ونسب إلى اسمه أو أضيف إليه فقيل الدور الماطنى أو دور ماطن: وكان هذا الدور يتألف من ٦٩٤٠ يومًا أي عدد أيام الدور القمرى البالغ ١٩ سنة شمسية والذي في نهايته ترجع تواريخ ميلاد القمر إلى مثل مواقعها التاريخية من الأشهر- غير أنه ثبت فيما بعد أن ذلك العدد من الأيام التي يتألف منها الدور القمرى عند ماطن يزيد بقدر تسع ساعات ونصف ساعة على المدى الحقيقي للدور القمرى المؤلف من مدة ١٩ سنة شمسية كما يزيد بقدر سبع ساعات ونصف ساعة على مجموع المدد المتعاقبة بين كل ميلاد للقمر والميلاد الذي يليه مكررًا ٢٣٥ مرة، أي شهرًا قمريًا، فحدث بعد ذلك بقرن من الزمان أن جاء فلكى يونانى آخر وهو قاللبس فاقترح إصلاح الدور الماطنى بأن ضاعف مدته أربع مرات إذ جعله ٧٦ سنة على أن يحذف من آخر هذه المدة يوم واحد باعتبار أحد الأشهر القمرية ذات الثلاثين يومًا شهرًا قمريًا ذا ٢٩ يومًا، وقد نسب هذا الدور إليه إذ سمى بالدور القاللبسى وهو -كما يؤخذ مما تقدم- ألف من أربعة أدوار ماطنية في كل دور من الثلاثة الأولى ١٩٤٠ يومًا وفي الدور الرابع الأخير ٦٩٣٩ يومًا وثلاثة أرباع اليوم وعلى هذا التعديل أصفق الفلكيون المحاسبون وعملوا به لأن الدور القمرى الرابع المؤلف من ٦٩٣٩ وثلاثة أرباع اليوم جاء منطبقًا تمامًا الانطباق على أسلوب النسئ في التقويم اليوليوسى. وغير عسير على المتأمل أن يلمح مزايا هذا التعديل الحسابى وفوائده الجماء إذ حسبه أن يعرف تواريخ مولد القمر كل سنة من سنى هذا الدور ليقف فورًا على هذه التواريخ بعينها في آية سنة كانت متى عرف مكانها من سلسلة سنوات الدور. والعدد الذي عليه الاصطلاح للدلالة على كل سنة من سنوات الدور القمرى يسمى بالعدد الذهبي، إما لأن اليونان كانوا ينقشونه بحروف الذهب في جدران معابدهم وإما لأنه كان يكتب
стр. 2084
بالزرياب (ماء الذهب) في تقاويمهم مبالغة في لفت الأنظار إليه.
ومع ما ظهر من فوائد الاصلاح القاللبسى للدور الماطنى على الوجه السابق فإن الضبط لم يكن ضبطًا مطلقًا، إذ ظهر عند تطبيقه أنه يؤدى إلى فرق يوم كامل في كل ٣٥٣ سنة شمسية.
(٢) صح ما ذكره مؤلف المادة من أن مولد النبي محمد ﵊ كان في سنة ٨٨٢ من عهد ذي القرنين الموافقة سنة ٥٧١ من التاريخ المسيحي وسنة ٢١٦ من التاريخ العربي (الجاهلى) الذي أشهره هي أشهر التاريخ الهجرى الحاضر بأسمائها وترتيبها وسنة ٤٠ من ملك كسرى أنوشروان، كما توافق الأيام التي تلت قران السيارين زحل والمشترى في برج العقرب وهو القرآن المعروف بـ "قران ملة الإسلام" أو "قران الملة" فحسب، على ما ورد في كتاب "منتهى الإدراك في تقاسيم الأفلاك" إذ قال: "ولد النبي ﷺ في السنة الأولى من القرآن الدال على ملة الإسلام " وقد حدد يحيى ابن محمد بن أبي شكر المغربي الأندلسى على وجه التقريب موضع المولد الشريف من تلك السنة فقال: إن سنة ولادة النبي ﷺ اتفقت مع سنة ٨٨٢ للإسكندر وفيها كان قران بين زحل والمشترى في برج العقرب- قبل الولادة بقليل".
وقد ثبت بالحساب الفلكى الدقيق أن هذا القرآن حدث سنة ٥٧١ م. كما جاء في كتاب "الكامل في أسرار النجوم " وكتاب "القرانات " لأحمد بن عبد الجليل وكلاهما من مخطوطات دار الكتب الأهلية بباريس، وهذا دليل على أنه صلوات الله عليه ولد في تلك السنة وفي فصلى الربيع منها في الأيام أو الأسابيع القليلة التالية لشهر مارس أي في شهر نيسان (أفريل).
لكن في أي يوم من هذا الشهر كان مولده ﷺ ، وما هو مقابله من التاريخ العربي؟ الجواب: إن الذي عليه الإجماع في مولده ﵇ هو أنه كان لثنتى عشرة ليلة من شهر ربيع الأول وأنه كان عند إبهار النهار- أي وسطه- في قول وحين طلوع الفجر في قول جده
стр. 2085
عبد المطلب: "ولد لي الليلة مولود مع الصبح" غير أن هذا الإجماع على تاريخ مولده لم يكن سوى ما أخذه الناس بالتواتر واصطلحوا عليه اعتباطًا، إذ الحقيقة أن تاريخ مولده ﷺ مختلف فيه بفروق أيام قليلة. فقد قيل إنه كان لعشر ليال مضت من ربيع الأول. وذهب الحافظ الدمياطى إلى أنه كان لسبع عشرة ليلة خلت منه. وقال ابن دحية "إنه كان لثمان مضت منه وأنه هو الذي لا يصح غيره لأن عليه إجماع أهل التاريخ".
وقد تناول المغفور له محمود حمدى باشا الفلكى المصري -الذي شرف مصر ورفع رأسها عاليًا بين علماء أوروبا في مستهل النصف الثاني من القرن الماضي ببحوث ومصنفاته التي طبعت كلها في دار الطباعة الإمبراطورية بباريس- تناول الاختلاف بالتحقيق والتمحيض في رسالته التي طبعت في هذه الدار سنة ١٥٨ ميلادية تحت عنوان Memoire Sur le Calendrier arabe avant l'Islamisme -effendi, astro hammad, par Mahmoud فتأدى به التحقيق الدقيق والتمحيص العميق إلى تقرير الحقيقة الآتية وهي: أن مولد النبي ﷺ كان في ليلة الاثنين الموافق ٩ من ربيع الأول سنة ٢١٦ من تاريخ العرب. وقد ساق في مساق التدليل على صواب تحقيقه هذا اثنى عشر وجها تاريخيًا وفلكيًا تخلص منها إلى أن التواريخ المختلف فيها لمولده عيه السلام وهي ٨، ١٠، ١٢, من ربيع الأول ليس منها ما يطابق وقوعه يوم اثنين. وأن الاثنين إنما كان يوم ٩ ربيع الأول الموافق ٢٠ إبريل سنة ٥٧١ من الميلاد المسيحي.
(٣) هذا التاريخ وضعه عمر الخيام وعبد الرحمن الحارثى: وهو تاريخ شمسى بدأ بالعاشر من رمضان سنة ٤٧١ هجرية. وأسمى بالتاريخ الجلالى نسبة إلى السلطان جلال الدين السلجوقى، واتخذ له أسماء الأشهر القديمة مع التمييز بينها والجديدة فقيل: شهر فروردين قديم وفروردين الجلالى وشهر أردبهشت القديم وأردبهشت الجلالى، وجعل رأس
стр. 2086
السنة بوم نوروز السلطان الذي تحل الشمس فيه ببرج الحمل واعتبرت كل سنة من ثلاث سنين متوالية ٣٦٥ يومًا والسنة الرابعة بعدها ٣٦٦ يومًا، وبالنظر لاعتبار وقوع رأس السنة يوم الاعتدال الربيعى (يوم حلول الشمس في برج الحمل وهو في الآن نفسه يوم النيروز) كان التاريخ الجلالى من أضبط تواريخ الأمم الماضية لأن سنواته حقيقية وأشهره اصطلاحية.
محمد مسعود.
تاريخ: لفظ عربي بمعنى العهد أو الحساب أو التوقيت، أي تحديد الوقت. وقد استكملت المادة السابقة على وجه مرض بفضل المادة الباحثة في مادة زمان. ومن ثم أصبحت الاستفادة منها غير ميسورة إلا بالرجوع إلى تلك المادة , وفيما يلي تذييل للمادتين يكمل ما فيهما من نقص مع الاعتماد على المصادر الأصلية الماسة بالموضوع كلما دعت الحاجة إلى ذلك.
إن أصل كلمة تأريخ هو الأصل السامى العام لكلمة "ورخ" التي تمثل على سبيل المثال في كلمتى، يارْيّح" العبرية التي معناها القمر و"يرَح" التي معناها الشهر. وعلى هذا القياس يكون معنى كلمة تأريخ هو التوقيت أي تحديد الشهر، ثم اتسع نطاق هذا اللفظ فشمل من جهة معنى تحديد عهد حادث ما، وبمعنى التأريخ: أي رواية هذا الحادث، ومن جهة أخرى بمعنى تحديد الوقت أو العصر أو التاريخ المدون بحسب السنين. ومما يلفت النظر ما أورده البيرونى في ص ٢٩ من كتاب الآثار الباقية (طبعة سخاو Sachau) ودكره الخوارزمى أيضًا في مصنفه مفاتيح العلوم (طبعة فإن فلوتن، ص ٧٩) بالتفنيد والتخطئة من أن كلمة تأريخ فارسية معربة وأن أصلها الفارسى هو "ماه روز" التي تدعو إلى الشعور شعورًا لا مراء فيه بأن المراد منه تعيين بدء الشهر. ومن ثم يرى أن هذه النظرية تتصل بالقصة التي رواها عدة مؤرخين وهي ترد أخذ المسلمين بتأريخ الهجرة تقويمًا لهم إلى نصيحة الهرمزان للخليفة عمر (البيرونى: الكتاب المذكور).
стр. 2087
وقد نقلت أسماء الأشهر العربية القديمة المذكورة في مادة زمان عن البيرونى من الجدول الذي في صفحة ٦٩ من طبعة سخاو. ووردت هذه الأسماء باختلاف يسير، ولكنه ملحوظ، في الجدول والأبيات التي في الصفحات ٦٠، ٦١، ٦٢ من هذا الكتاب.
زد على هذا أن البيرونى يذكر في صفحة ٦٣ أشهر ثمود إلى جانب منظومة أبي سهل عيسى بن يحيى المسيحي التي تعين على استذكار هذه الأشهر (إنظر عن أبي سهل مقدمة سخاو لكتاب البيرونى ص ٣٢؛ ابن أبي أصيبعة، طبعة ميللر Mueller جـ ١، ص ٣٠٧ وما بعدها Gesch.: Brockelmann arab. Litt جـ ١، ص ٢٣٨). ولأيام معينة من الشهر أسماء أوردها البيرونى في صفحة ٦٤.
ويمكن الرجوع إلى مقال فيشر Fisher فيما يختص بالأسماء العربية القديمة لأيام الأسبوع (Fischer في - Zeitschrift des Deutschen Mor genlaednischen gesellschaft جـ ١، ص ٢٢٠ - ٢٢٦) ويطلق على وحدة الزمن التي تتألف من أربع وعشرين ساعة لفظ "يوم " تمييزًا له عن النهار. ويوم يسبق ليلة في الاصطلاح "يوم وليلة" ولكن النهار يذكر بعد الليل. وقد اهتدى فيشر سنة ١٩٠٩ إلى علة ذلك، وهي أن النهار يرجع إلى الحساب السامى الأول الذي كان يجعل اليوم من الغروب إلى الغروب، بينما يرجع الليل إلى التقويم المتأخر الذي يجعل اليوم من المساء إلى المساء مما له صلة بالسنة القمرية. وقد شعر العرب بأن اليوم اصطلاح شامل فقدموه وأخروا النهار لأنهم أدركوا أنه تعبير عام على الزمن لا يصبح يومًا إلا إذا ضم إليه الليل. وهذا هو الوضع الصحيح الذي ارتأوه (Tag und Nacht" im Ar-: Fischer" abischen und die semit. Tagesberechung في Saechs Ges. d Abh. Phil-hist. . Kl. d.' Wiss جـ ٢٧، رقم ٢١).
و" أيام الفِجَار" ليست هي أيام الغدر وإنما هي أيامَ القتال في الشهر الحرام وأبو الريحان البيرونى يسمى أحد هذه الأيام بيوم الغدر (ص ٣٤، س ٨ وفي Handbuch der Chronologie: Ginzel جـ ١، ص ٢٥١، غير أن الإشارة التي في هذا الكتاب غير واضحة). وقد حدث
стр. 2088
هذا الغدر في روايته (س ١٠) قبل عام الفيل. وكان موقع الحادث الذي آثروا تسميته بالفجار في سنى الشباب من عمر النبي.
وقد اتخذ المسلمون من الهجرة بداية لتأريخهم، ولم نصل بعد إلى حل لمسألة اليوم الذي يوافق أول المحرم من العام الأول للهجره (١). وكذلك لم يتقدم بنا بول خطوة في هذا السبيل (Buhl: Das Leben Muhammeds ترجمة H.H.Schaeder، سنة ١٩٣٠ ص ١٩٦) وقد أخذ ماير J. Mayer مما ذهب إليه بابنكر Babinger (انظر Die Ges- chichtsehreiber der Osmanen und ihre Werke و Mitteilungen Zur Osmanischen Geschichte، جـ ٢، ص ٢٦٩) من أن يوم ١٥ يولىة سنة ٦٢٢ هو اليوم الأول للتأريخ الهجرى. ونشأت بعد هذا صعوبات فلكية، ولم يحاول تقرير يوم من أيام النسيء للتغلب على هذه الصعوبات وإنما حول اليوم إلى ١٦ يولية. وقد أبدى بابنكر في تعليق له أنه قد أخذ بيوم ١٥ حتى عهد السلطان سليم الأول كما يستفاد من إشارة عاشق باشا زاده إلى يوم "الخميس" (عاشق باشا زاده، ص ٢٧٣، س ٩). ثم جرى الحساب بعد فتح مصر اعتبارًا من ١٦ يوليو. غير أنه لا شواهد هناك تؤيد ذلك. وبدأ فستنفلد ومالر (Wuestenfeld-Mahler: Vergleichungstabellen) بيوم ١٦، وهو ما جهر مالر بعدم صحته (انظر مقدمة الطبعة الثانية سنة ١٩٢٦) وعلى كل حال فمما ينبغي ألا يغيب عنا أن تاريخًا إسلاميًا لا يمكن تحديده تحديدًا لا مراء فيه إلا إذا عرف اليوم الذي بدأ فيه هذا التأريخ من أيام الأسبوع. ومن الثابت أن يوم ١٥ يونية سنة ٦٢٢ كان يوم خميس ويوم ١٦ منه كان يوم جمعة (للتوسع في هذه المسألة انظر Ginzel، جـ ١، ص ٢٥٨ وما بعدها).
وقد دخل بعض التحوير على أسماء الشهور الإسلامية في مراكش وفي الأرخبيل الهندى الشرقي بعضه من الوجهة الهجائية والبعض الآخر من وجهة التسمية (انظر Ginzel؛ جـ ١، ص ٢٥٣ (مراكش)، ص ٤١٧ [جاوة]،
стр. 2089
ص ٤٢٧ [الجزر الأخرى]). وفي جزيرة مدغشقر يستخدمون أسماء صور فلك البروج الأثنى عشر، ويتخذون أحيانًا الأسماء السنسكريتية للشهور.
ولا يمكن أن يتعاقب أكثر من أربعة أشهر ذات ثلاثين يومًا تعاقبًا متصلا ولا أكثر من ثلاثة أشهر ذات تسعة وعشرين يومًا تعاقبًا متصلا أيضًا كما جاء في كشاف اصطلاحات الفنون طبعة شبرنكر، مادة تأريخ، لأن تحديد بداية الشهر مرتبطة برؤية الهلال. وفيما يختص بمحاولة إدخال السنة الشمسية لأغراض الخراج يمكن الرجوع إلى Ginzel (جـ ١، ص ٦٤، وما بعدها، البيرونى، ص ٣١ وما بعدها، ص ٦٨؛ Kl. Schr.: A. V. Gutschmid، جـ ٢، سنة ١٩٨٠، ص ٤١٥، ٥١٣، ٧٥٧).
أما عن تأريخ الطوفان فانظر البيرونى، ص ٢٣ وما بعدها والجدول الذي في صفحة ١٣٧ فقد قال إن أصحاب النجوم حددوا بداية ذلك التأريخ، أي القرآن، من لدن القرآن الأول لزحل والمشترى الذي اتفق وقوعه قبل الطوفان بمائتين وتسع وعشرين سنة ومائة وثمانية أيام. وبين كون الطوفان وبين أول ملك بختنصر الأول ألفا سنة وستمائة وأربع سنين. وبين بختنصر وبين الإسكندر، أي التاريخ السلوقى، أربعمائة وست وثلاثون سنة. ولكن ورد في الجدول أن بين كون الطوفان وبين أول ملك بختنصر ٨٦٠.١٧٣ يومًا. ويظن تبعًا لهذا أن الـ ٢.٦٠٤ سنة حسبت على الأرجح من لدن القرآن. وحدد أبو معشر الفلكى تأريخ الطوفان في وقت قران جميع الكواكب في آخر برج الحوت وأول برج الحمل، وأن بين ذلك الوقت وبين أول تأريخ الإسكندر ألفين وسبعمائة وتسعين سنة كبيسة (أي شمسية) وسبعة أشهر وستة وعشرين يومًا، وذكر البيرونى في صفحة ٢٥ الخلاف بين هذين الحسابين. وحساب الـ ٢.٦٠٤ سنة التي أسلفنا ذكرها من لدن قران زحل والمشترى (أي تأريخ الطوفان ٢٦٠٤ - ٢٢٩ = ٢٣٧٥ سنة قبل بختنصر) يوصلنا إلى نفس النتائج تقريبًا.
وشهور تأريخ بختنصر المعروف بالتأريخ القبطى القديم مصرية (كشاف
стр. 2090
اصطلاحات الفنون، رقم ٧، مدته ١٥٩.٢٠؛ وفي رواية البيرونى ١٥٩.١٠١ وفي سخرم schram ١٥٩.١٣٦ قبل التأريخ السلوقى [أي ٢٦ فبراير سنة ٧٤٧ ق. م كما ذكر كنزل، جـ ١، ص ١٤٣] وهو ما يتفق والـ ٤٣٦ سنة المذكورة آنفًا). وسنوه إثنا عشر شهرًا كل منها ثلاثون يومًا، ويضاف إلى ذلك خمسة أيام النسئ، وبين تأريخ بيلبس وهذا التأريخ مماثلة، وغاية ما في الأمر أن بين بختنصر وبيلبس ٤٢٤ سنة عدتها في رواية البيرونى ٧٦٠/ ١٥٤ يومًا (ص (١٣٧؛ وانظر Ginzel جـ ١، ص ١٤٧) أي أنه كان في ١٢ نوفمبر سنة ٣٢٤ ق. م.
وتأريخ الإسكندر الذي يسمى أيضًا التأريخ القبطى الجديد يبدأ في الحقيقة من لدن الإمبراطور أغسطس (انظر Ginzel. جـ ١، ص ٢٢٤ وما بعدها) ويوافق ١٤ فبراير. سنة ٢٧ ق. م. (كشاف اصطلاحات الفنون رقم ٣، المدة ٢١٧٢٩١، وفي رواية البيرونى، ص ١٣٧: ٢١٩.٢٤٢ وفي التفهيم، ورقة ١٧٤ " ٢١٧.٤١٥؛ وفي رواية سخرم Schram، ٢١٧.٣٢١ يومًا بعد التأريخ السلوقى في زمن دقلطيانوس؛ أي في تأريخ كنزل Ginzel لدقلطيانوس انظر Chronologie، جـ ١، ص ٢٢٩؛ ومدته ٢٩ أغسطس عام ٢٨٤ م).
والتأريخ السلوقى يبدأ يوم الاثنين بعد وفاة الإسكندر (٣٢٣) باثنتى عشرة سنة شمسية (كشاف اصطلاحات الفنون، رقم ٢؛ مدة ٣٤.٧٠٠. وفي رواية البيرونى ٣٤٠.٧٠١ وفي رواية Schram ٣٤٠.٧٣١ يومًا قبل الهجرة؛ وفي رواية كنزل. جـ ٣، ص ٤١، في أول أكتوبر سنة ٣١٢ ق. م. ويزعم سخرم أنه في أول سبتمبر سنة ٣١١ ق. م، انظر ما أسلفنا بيانه). ويزعم آخرون أنه يبدأ في أول ملكه. وقد شاع الخلط في هذا المقام بين الإسكندر الأكبر وبين الإسكندر الرابع Aigos ويرى البيرونى في صفحة ٢٨ أن الإسكندر لما خرج وهو ابن ست وعشرين سنة متجهزًا لقتال دارا ورد بيت المقدس واليهود ساكنوه فأمرهم بترك تأريخ موسى وداود والتحول إلى تأريخه واستعمال
стр. 2091
تلك السنة أوله. وهي السنة السابعة والعشرون من ميلاده، فأجابوه إلى ذلك وائتمروا بأمره فيه لإطلاق الأحبار ذلك لهم عند مضى كل ألف سنة من لدن موسى. (انظر Ginzel جـ ١، ص ١٧٦، ٢٦٣).
أما أهل فارس فأسلوبهم في الحساب لم يوضح توضيحًا كافيًا في نواحيه الرئيسية. والثابت أن السنة الفارسية القديمة كانت سنة شمسية شهورها اثنا عشر شهرًا كل منها ٣٠ يومًا، ويضاف إلى ذلك خمسة أيام للنسئ أي أنها كانت ٣٦٥ يومًا. وأيام الشهر لها أسماء ذكر كنزل صيغها الفهلوية والزندافستية (جـ ١، ص ٢٨١) وذكر البيرونى في صفحة ٤٣ صيغها الفارسية الحديثة. واليوم الثامن والخامس عشر والثالث والعشرون من الشهر تسمى باسم واحد (انظر ما يلي، وكان هذا شان تلك الأيام عند السغد وأهل خوارزم " انظر Ginzel، ج ١، فيما رواه عن البيرونى ص ٤٦ وما بعدها.
وأسماء هذه الأشهر (في أوضاعها الواردة عناوين للمواد كل مادة خاصة بحالة معينة) هي كما يلي:
فروردين (١٩) مهر (١٦)
أرديهشت (٣) آبان (١٠)
خرداذ (٦) آذر (٩)
تبر (١٣) دى (٨، ١٥، ٢٣)
مرداذ (٧) بهمن (٢)
شهرير (٤) اسفندارمذ (٥)
وقد أورد كنز Ginzel معاني هذه الأسماء في كتابه، جـ ١، ص ٢٧٨ وما بعدها.
ووردت أسماء الأشهر كلها بمثابة أسماء للأيام وقد وضعنا بين قوسين رقم اليوم الذي يشترك مع الشهر في الإسم. وللتمييز بينهما يضاف لفظ (ماه) إذا كان المقصود به الشهر، وروز إذا كان المقصود به اليوم. ويحتفل باليوم الذي يجئ متفقًا في الإسم مع الشهر (انظر Ginzei، جـ ١، ص ٢٨٩ وما بعدها).
وتقل السنة البالغ عدد أيامها ٣٦٥ ست ساعات عن السنة المدارية، ولذلك فإنه لا يمكن جعل صلتها بالفصول ثابتة إلا بكبس يوم كل أربع سنين، أو يكبس شهر كل مائة وعشرين سنة،
стр. 2092
ومن المأثور (Ginzel, جـ ١، الفصول من ٧٦ - ٧٨) أن الطريقة الثانية كانت مستعملة، إلا أنها لم تكن مرعية بدقة، وقد شرح كتشميد (A. V. Gutschmid: Ueber das iranische Jahe في. Kl.Schr جـ ٣، سنة ١٨٩٢, ص ٢٠٥ وما بعدها) شرحًا مبينًا ما ذكرته الكتب من أن الشهر المكبوس والأيام المكبوسة خلال دور يبلغ ١٤٤٠ سنة قد ألحقت في موضعها من الشهر التالي في سياق الأشهر بحيث لا يشرف هذا الدور على التمام حتى تكون السنة قد جبرت. ويسمى الشهر المكبوس باسم الشهر الذي ألحق به مع إضافة رقم الثاني: وآية ذلك أنهم في كل ١٢٠ سنة حسبوا السنة سنتين ثم حسبوا سنة متنقلة وأخرى ثابتة تكبس بإضافة شهر إليها. وعندما حصل الكبس لأول مرة كان موقع الأيام المكبوسة من السنة في آخرها. وعلى هذا أصبح شهر فروردين من سنة ١٢١ المتنقلة بحكم الكبس الأول معادلا لشهر فروردين الثاني المكبوس من الشهر في كلتا السنتين، وظل متخلفًا خلال المائة والعشرين السنة التالية عن اسفندارمذ من السنة الثابتة الموافق شهر فروردين من السنة المتحركة التالية. وبعد مضى الدور الثاني المؤلف من ١٢٠ سنة وافق الشهر المكبوس شهر أرديهشت من السنة ٢٤١ المتنقلة، وسمى لذلك شهر أرديهشت الثاني. ثم تلك الأيام المكبوسة شهر أرديهشت من السنة المتنقلة وظل في دور المائة والعشرين سنة التالية حافظًا لمكانه بعد أرديهشت من السنة المتنقلة، بحيث وافق في كل مرة شهر اسفنندارمذ من السنة السابقة، وبذا كان الشهر المكبوس والأيام المكبوسة تأتى دائمًا في نهاية السنة الثابتة ولا تتغير مواضعها إلا في السنة المتنقلة كما أسلفنا بيانه. وبما أنه حدث في عهد أنوشروان كبس جعل موضع الأيام المكبوسة بمقتضاه بعد شهر آبان (سنة ٣٥٠ م؛ ٨ × ١٢٠ = ٩٦٠ سنة) فيكون قد انقضى حوالي سنة ٥٣٠ ب. م. منذ الكبس الأول، (وللتوسع في هذه المسألة انظر Ginzel جـ ١، ص ٢٩٧).
وعليه فيحتمل أن يكون الكبس الذي تلا الكبس الواقع في عهد أنوشروان قد حل حوالي عام ٥٦٠ من الميلاد. ولكن
стр. 2093
بلاد فارس في ذلك العهد أصبحت بلدًا إسلاميًا، ولما لم يكن في هذه البلاد تأريخ ثابت وإنما كان التأريخ يتغير بتغير عهد كل ملك، وأن سلسلة تعاقب ملوك فارس قد انتهت حلقاتها بيزدجرد الثالث فقد استمر حساب السنين من عهد هذا الملك (٦٣٢ م) ونشأ عن هذا تأريخ يزدجرد الذي سمى باسم هذا الملك الذي دالت في عهذه دولة فارس.
ويبدأ هذا التاريخ بيوم الثلاثاء ١٦ يونية سنة ٦٣٢ الموافق لليوم الـ ١.٩٥٢.٠٦٣ من التقويم اليوليوسى في رواية سخرم Schram. واليوم الـ ٣.٦٢٣ أو ٣.٦٢٤ من الهجرة (انظر. Ginel، جـ ١، الفصل ٦٩، الكشاف، تأريخ يزدجرد، رقم ٤). وإذ لم يكن هناك كبس في القرون الأولى من تأريخ يزدجرد فقد ظلت أيام النسئ تلحق في موضعها قبل شهر آبان من السنة المتنقلة. وينبغى توصلا إلى حساب التواريخ بمقتضى هذا التقويم أن نعرف ما هو الموضع الذي أدرج المؤلف فيه أيام النسئ. وقد جاء الكبس في كتاب سخرم Schram الموسوم بـ Kalendario graphischen Tafeln تاليًا شهر إسفندارمذ كما جاء تاليًا شهر آبان.
وقد نتج عما ذكرناه من العدول عن الكبس أن اليوم الأول من السنة الجديدة لتأريخ يزدجرد ظل على الدوام في تأخر، ولهذا أمر السلطان جلال الدين ملكشاه بن آلب أرسلان بإصلاح هذا التقويم (انظر في هذا الشأن مادة "جلالي") وبناء على ما ورد في كشاف اصطلاحات الفنون (Dict. of Techn. Terms, رقم ٥) يكون هذا التأريخ موافقًا ليوم الجمعة ١٨ فروردين من التقويم القديم، وهو يوافق اليوم الـ ١٦٣.١٧٣ من تاريخ يزدجرد. وقد حسب ذلك فوجد أنه يوافق فروردين الأول من التقويم الجديد. وهذا التأريخ يوافق ١٠ رمضان عام ٤٧١ (١٥ مارس سنة ١٠٧٩، انظر Ginzel، جـ ١، فصل ٧٠). ومن هذا الحين أخذوا يكبسون يومًا سادسًا كل أربع سنوات مع إغفال سنة بين آن وآخر.
وقد أدخل الإيلخان غازان محمود
على هذا التقويم إصلاحًا جديدًا. ويروي كنزل (Ginzel؛ جـ ١، ص ٣٠٤) أن الفضل في معرفة بداية
стр. 2094
التقويم الإيلخانى، وهو يوم الخميس ١٣ رجب من عام ٧٠١ (١٣ مارس سنة ١٣٠٢) يرجع إلى حمد الله مستوفى القزوينى. وهذان التأريخان يتفقان إذا اعتبرنا - خلافًا لما قرره فستنفلد ومالر- أن بداية التاريخ الهجرى هو ١٥ يولية سنة ٦٢٢.
ولكن اسم يوم الأسبوع لا يتسق مطلقًا مع هذا التحديد. لأنه إذا كان أول رجب من عام ٧٠١ هـ يقع في يوم خميس أو يوم جمعة فإذن يكون يوم ١٣ إما يوم ثلاثاء أو يوم أربعاء. وقد زاد طين هذا الخلط بلة أن كشاف اصطلاحات الفنون (Divt. of Techn Terms، رقم ٦) جعل يوم الاثنين اليوم الأول من ذلك التأريخ على اعتبار أنه مستهل السنة ٢٢٤ من التقويم الجلالى، وهذا يرجع بنا إلى عام ١٣٠٢ م. على أن هذا التأريخ الذي لم يقم له وزن بعد ذلك ما برح محاطًا بالغموض والإبهام حتى الآن.
وفيما يتصل بالاصلاح الذي أدخله على التقويم السلطان أكبر، انظر (Ginzel، جـ ١، الفصول من ١٠٨ إلى ١٠٩). ما فيما يتصل بتأريخ الترك الأقدمين وأخبارهم فقد وردت في كشاف اصطلاحات الفنون (Dict. of Techn. Terms، رقم ٨) بيانات مستفيضة من شأنها أن توسع نطاق معلوماتنا في نواح مختلفة من هذا التاريخ. من ذلك أنه إذا قال صاحب هذا الكشاف إن السنين عند الترك كانت سنين حقيقية (انظر مادة س؛ Dict. of Techn. Terms, مادة "سنة") أي سنين شمسية مدارية فهو إنما كان يقصد إلى السنين القمرية الشمسية، أي سنين مكونة من إثنى عشر شهرًا قمريًا أي من ٣٥٤ أو ٣٥٥ يومًا حصل توقيعها أي تطبيقها على السنة الشمسية بإضافة أشهر تكميلية إليها طبقًا لنظام موضوع وقاعدة معينة. وإذا كانت السنوات الكبيسة في كل دور من الزمن مقداره ثلاثون سنة يبلغ عددها إحدى عشرة سنة كما كان الحال عند العرب قبل الإسلام، فإذن يكون الغرض الذي رمى إليه بفكره هو اليوم الخامس والخمسون بعد الثلثمائة من السنة الإسلامية، على حين أن حقيقة الواقع هي أن الشهر الكبيس كان يكبس في الواقع سبع مرات من كل دور مؤلف
стр. 2095
من تسع عشرة سنة كما هو عند الصينيين الذين تلقى الترك الأولون عنهم تقويمهم (Ginzel جـ ١، الفصل ١٣٦ عن التاريخ التركى القديم الوارد في النقوش Alttuerkische Ins-: Thomsen chriften aus der Mongolei في Zeitschr. . der Deutsch. Morgenl. Gesells، جـ VA، ص ١٣٢) وعند اليهود أيضًا. والنتيجة واحدة، لأنه إذا كانت إحدى عشرة سنة كبيسة تحل كل ثلاثين سنة وسبع سنين كبيسة كل تسع عشرة سنة فإن الخلاف يكون سنة كبيسة فقط في كل ٥٧٠ سنة. وتتفق أسماء الأشهر التي ذكرها المؤلف وأسماء الأشهر التي نقلها كنزل عن ألغ بك) Ginzel، جـ ١، ص ٥٠٣). وقد ظل " الترك يكبسون على طريقة أهل الصين (Ginzel، جـ ١، ص ٤٦٧ وما بعدها) فإن السنة عندهم أربعة وعشرون قسمًا (تسى وكنى) من الأقسام الصينية، قسمان منها يقعان في الشهر الواحد، وإذا وقع ثانى القسمين في الشهر التالي فهذا الشهر يعد كبيسا أو زائدا، وفي لغتهم "شون آي) (أي صوم الصينيين؛ (انظر Ginzel جـ ١، ص ٤٧٤) وهو ما يؤخذ منه أن الشهر الكبيس لا مكان له ثابتًا في التقويم إن بداية السنة في الدرجة السادسة عشرة من برج الدلو Aquarii فهي أيضًا من وضع الصينيين (Ginzel، جـ ١ ص ٤٧٠ وما بعدها). وقد قدروا مدة السنة بـ ٢٤٣٦/ ٣٦٥ يومًا (٠.٠٠٠١ يوم = ٨.٦٤ ثوان = ١ فنك) أي ٣٦٥ يومًا وخمس ساعات و ٩٨/ ٤٦ ثانية. وهذا التقدير الخاطئ إلى أقصى حد لا يرجع إلى تحريف ما في النص بدليل ثبوت هذا الخطأ بما تبين فيما بعد من أن السنة قسمت إلى أربعة وعشرين قسمًا كل قسم خمسة عشر يومًا و (٥/ ٦) ٢.١٥٤ فنك، أما الأشهر فأشهر حقيقية أي قرانية مقررة تبدأ بالقران ويمكن معرفة موقع السنة من دور الكبس بطرح ٦٣٢ من السنة الموافقة لها من تأريخ يزدجرد، لأن السنة قد حسبت أيامها بـ ٣٦٥ يومًا، وقسمة فرق السنين على ثلاثين، فإذا نقص باقي القسمة عن ثلاثين فإنه يدل على أن السنة سنة كبيسة وذلك إذا كان هذا الباقي واحدا من الأرقام التالية وهي: ٢، ٥، ٧، ١٠، ١٣، ١٦، ١٨، ٢١، ٢٤، ٢٦، ٢٩.
стр. 2096
وطريقة هذا الحساب الذي لا ينسحب على الشهر الكبيس بل على اليوم الخامس والخمسين بعد الثلثمائة لم يبدأ العمل به إلا في سنة ٦٣٢ من تأريخ يزدجرد الموافق سنة ١.٢٦٤ م.
وقد ألم المؤلف أيضًا بما كان قدماء الترك يعملون به من تقسيم اليوم، كما كان عند الصينيين إلى ساعات مضاعفة (جاغ، انظر Redhnuse مادة جاغ، وبالصينية تشى، انظر Ginzel، جـ ١، ٤٦٥)، وقسمت الساعة المضاعفة هذه إلى ثمانية أقسام كل قسم يسمى كهن (كهنا؟ ويعرفه الصينيون باسم "كئو"؛ انظر Ginzel؛ المادة نفسها) وذكر المؤلف كذلك دورا صينيا ستينيا يتكون من دور واحد عشرى ودور آخر عشرينى كما ذكر كذلك أسماء الحيوانات الشائعة مطلقة على سنى الدور العشرينى (Ginzel، جـ ١، ص ٤٥٢). وهناك دور يتألف من اثنى عشر يوما لكل يوم لون خاص، والغرض منه مسألة اختيار الأيام.
وببدء الخيلقة بدأ التاريخ، وبينها وسنة ٨٦٠ من تاريخ يزدجرد ٨.٨٦٣ قرنا، [حسبما يورد] وقد انقضى منذ ذلك البدء حتى الآن ٩.٩٦٥ سنة وسيعيش العالم ٣٠٠.٠٠٠ قرن كل منها ١٠.٠٠٠ سنة.
وتأريخ توقيت الحوادث في الإسلام يطابق إلى حد كبير علم الهيئة والعلم بالآثار الطبيعية على مقتضى ما ورد في الآيات القرآنية لم يكن حتى الآن موضوع بحث مستقل، فإن الآيات التي تضمنت الإشارة إلى علم الهيئة والبحث في التقاويم قد عنى بجمعها نلينو - Nal lino في كتابه الموسوم بـ "علم الفلك وتأريخه عند العرب في القرون الوسطى"، رومية سنة ١٩١٩ م ص ٨٤، ١٠٤ - ١١٢ (Plessner في Isi. وجـ ٢١، ص ٢٢٦ - ٢١٨). وهناك ما يحدو بنا إلى الكلام على هذه النقطة فإن كتاب الآثار الباقية للبيرونى (انظر أيضًا الترجمة الإنكليزية بعنوان Chronology of Ancient Nations، لندن سنة ١٨٧٩) يعد إبتكارًا صحيحًا في التأليف العلمي لأنه يعتبر أول محاولة لجمع كل تواريخ الأمم المعروفة ودراستها دراسة مبنية على النقد من الناحية الفلكية والمقارنة بينها من الناحية التاريخية، وقد أوجز البيرونى
стр. 2097
هذا الكتاب في مؤلفه " التفهيم لأوائل صناعة التنجيم" (- the Book of In -struction in the Elements of the Art of As trology وهو منقول عن المخطوط المحفوظ في المتحف البريطانى بين المحفوظات الشرقية تحت رقم ٨٣٤٩، وقد قام بترجمة هذا الكتاب R. Ramsay Wright لندن سنة ١٩٣٤، وضع الترجمة تجاه النص) في الأوراق من ٦٦١ - ٩٦٣، وفيه بعض الخلاف في الحساب، كما سبق أن بينا.
وهناك بعض المعلومات في مقدمات التواريخ العامة مثل تاريخ الطبري، جـ ١، ص ٣ وما بعدها" وهي أكثر إقتضابًا في ابن الأثير جـ ١، ص ٩ وما بعدها. فقد جاء في هذه المقدمات أن اليهود قدروا المدة التي غيرت منذ بدء الخلق بـ ٤.٣٤٢ سنة، وهو أمر لا يتفق والتقويم العبرى. ويقال إن الروم حسبوا المدة من بدء الخليقة حتى الهجرة بـ ٥.٩٩٢ سنة وشهر، وذهب المجوس إلى أنها منذ عهد كيومرث إلى الهجرة ٣.١٣٩ سنة.
وفي كتب علم الفلك أحاديث كثيرة في هذا الشأن منها كتاب عجائب المخلوقات للقزوينى (طبعة فستنفلد، ص ٦٢ - ٨٧)، وفي نهاية الأرب للنويرى كثير من الفوائد الأدبية (جـ ١، ص ١٥٧ - ١٩٥) ففي صفحتى ١٦٨.١٦٧ مثلًا جدول بالسنوات التي بين ٩٤.٨ للهجرة والتي سميت بأسماء خاصة لمناسبات معينة، وفي رسائل إخوان الصفا وخلان الوفا معلومات فلكية لحساب الزمن وبخاصة فصول السنة" (جـ ١، ص ٥٦ وما بعدها، جـ ٢، ص ١٦ وما بعدها).
المصادر:
(١) المراجع المذكورة في صلب المادة
(٢) المواد الفلكية وما شابهها
(٣) Introduction to the His-: Sarton tory of Science K، ١٩٢٧ وما بعدها، في المواد الخاصة بكل فلكى
(٤) البتانى: Opus astronomicum" الطبعة اللاتينية.
(٥) C.A.Nallino، سنة ١٨٩٩ - ١٩٠٧
(٦) Handbook: Wensinck, مادة تقويم Calendar .
стр. 2098
(٧) Grunde. der. Iran: Gray في phil، جـ ٢، ص ٦٧٥ - ٦٧٨" وقيمة هذا المقال تنحصر في مراجعة الوافية.
[بلسنر m. Plessner]
" تاريخ": (علم التأريخ) ينطبق -بإعتباره مصطلحًا من مصطلحات الثقافة العلمية- على تدوين الحوادث الحولية، كما ينطبق على تراجم الرجال وسيرهم لاعلى تاريخ شامل للثقافة العقلية بصفة عامة، والتأريخ على هذا الإعتبار يتلخص تطوره عند العرب والفرس في أربع مراحل:
(أ) من البداية إلى القرن الثالث للهجرة
(ب) من القرن الثالث إلى القرن السادس
(جـ) من نهاية القرن السادس إلى بداية القرن العاشر
(د) من القرن العاشر إلى القرن الثالث عشر
أما عن مصادر التأريخ عند الأتراك العثمانين فيُرجع إلى المادة المعقودة على "الأتراك"، وعما كتب عن بلاد الملايو، يُرجع إلى المادة المكتوبة عن جزر الملايو.
(أ) إن مسألة مصادر تدوين التأريخ عند العرب لم تحل حلا نهائيا بعد للفارق العظيم الذي أنهتد حتى الآن إلى إدراك كنهه بين الأساطير الشعبية المنقولة بالتواتر عن العرب في العصر الجاهلى وبين الأخبار التاريخية التي ظهرت في القرن الثاني للهجرة مسايرة بعض المسايرة للعلم وما يقتضيه من الدقة والضبط، وهناك رأى لطائفة من الكتاب المحدثين يخلع على هذا التطور تاثيرًا قاطعًا كما يؤخذ من كتاب الملوك المصنف بالفارسية (انظر الفقرة الرابعة الآتية بعد)، إلا أنه يبدو من المرجح أن التأريخ عند العرب نشأ من اجتماع مصنفات تاريخية أو شبه تاريخيه مختلفة الاتجاهات والمقاصد رأينا أن من الأصلح معالجتها هنا، كل منها على حدته.
١ - التاريخ المأثور عن العصر الجاهلي:
لعله كان من المتوقع أن يوجد في بلاد اليمن ضرب من التأريخ المأثور بالكتابة، فقد كانت هذه البلاد مركز حضارة استقرت دعائمها عهدا طويلا
стр. 2099
وحفظت آثارها بالنقوش المعينية والسبئية والحميرية، وكل ما وصل إلينا من هذا القبيل يحمل طابع التأريخ المنقول بالسماع كبضعة أسماء للملوك القدماء وقصص غامضة لحمتها وسداها المبالغة والتهويل عن عصور غبرت وذكريات قد تكون في الغالب أكثر من تلك دقة إلا أنها أكثر منها غموضا واستغلاقا عن حوادث وقعت في القرن السابق لظهور الإسلام. وفي خلال القرن الأول للهجرة أفسح الخيال المجال للتاريخ المأثور بالسماع حتى تألفت مجموعة من الأقاصيص والأساطير زعم أصحابها أنها تاريخ واف لبلاد العرب في العصور القديمة اقترنت به أسماء رجال من طراز وهب بن منّبه وعُبَيد بن شَريهَ. وما صنفه الاثنان في هذا الموضوع دليل واف على أن العرب الأقدمين كانت تنقصهم الملكة التاريخية والنفوذ إلى الحقائق حتى في أخص ما يتصل منها بحوادث عصرهم (انظر The Two Oldest: F. Krenkow Books on Arabic Folklore في Islamic Culture المجلد الثاني) ومع ذلك فقد قبلت الأجيال التالية رواياتهم في مجموعها وأدمجها المؤرخون وكتاب آخرون في مؤلفاتهم.
وكان ابن إسحاق أحد الرواة عن عبيد، وقد جمع عبد الملك بن هشام "كتاب التيجان" لوهب في وضعه الحاضر، وأحل الطبري في ذخيرته الرائعة في المعارف الدينية المواد التي أخذها عنه محل الاعتبار؛ نعم إن ابن خلدون أشار إلى ما في بعض تلك القصص اليمانية من السخف والخرافة (جـ ١، ص ١٣ - ١٤) إلا أنه لم يتوان عن إيراد هذه القصص بعينها لتحلية نظرياته والترغيب فيها، ولهذا بقيت في مجموع التأريخ العربي عنصرا ينافى بداهة العقل ويتعارض مع نمو ملكة النقد وتفهم التأريخ القديم تفهما صائبا سديدا.
أما عرب الشمال فقد كان الحال عندهم مباينا لما تقدم بعض التباين، إذ كان لكل قبيلة تاريخ مأثور يعلو في حالات معينة على مستوى إدراك القبيلة، فانطوى بذلك على ناحية خاصة بفكرة أنساب قبائل العرب (كما عرفها العرب بعد ذلك) غير أنه لا يوجد هناك ما يرشح للإلماع إلى وجود تاريخ
стр. 2100
مأثور لشمال بلاد العرب بحيث يعم هذه البلاد، ثم إن للقالب الذي يكيف به تاريخ القبيلة أهميته ومكانته، إذ أنه يتناول رواية أغلب حوادث "الأيام" التي في غضونها حاربت القبيلة أعداءها، وجرت العادة بأن يتخلل كل رواية للحوادث بعض أبيات من الشعر، هذا وليست النسبة بين العناصر النثرية والعناصر الشعرية واحدة، ففي بعض الأحايين يكون الشعر ضربا من ضروب الارتجال وفي بعضها الآخر تكون الرواية النثرية شرحا للقصيدة الشعرية، وفي كلتا الحالتين يكون الشعر هو الذي حافظ على تناقل الرواية وانتشارها حتى أنه لما نسيت الأشعار اندثرت الروايات القديمة باندثارها، على حين أن أشعارا جديدة كانت تنظم للتنويه بما جد من الفعال المجيدة في تاريخ القبيلة، ومثل هذه الرواية، وان تكن مصبوغة بصبغة الغرض والتحيز ومجهولة زمن الحدوث ومغالى فيها من الناحية الخيالية، إلا أنها كانت مع ذلك على جانب من الحقيقة والصواب؛ هذا وقد حولت الفتوحات الإسلامية مجرى الروايات المأثورة عن القبيلة دون تغيير في خصياتها بينما حافظت الروايات الجديدة محافظة واسعة النطاق على الاتصال القديم بين الشعر والنثر إلى جانب المبالغة وعدم الدقة المعهودين في الكتابات القديمة، وهذا أيضًا كان من شأنه التاثير في التريخ الإسلامي من حيث إن تلك الروايات المأثورة هيأت المواد التي استقى منها المؤرخون المحدثون في تدوين تاريخ الخلفاء الراشدين وخلفاء بنى أمية (انظر الفقرة الثالثة).
أما العنصر الآخر في التأريخ المأثور للقبيله فهو حفظ أنساب القبائل، ومع هذا فقد ازداد نشاط علماء الأنساب في عهد بنى أمية القديم بإنشاء "الدواوين " إلى جانب مصالح ذوي العصبيات من العرب المتنافسين، وأدى ذلك إلى وقوع الخلط في نواحى علم الأنساب (انظر كتاب كولدتسيهر: "دراسات إسلامية، جـ ١، ص ١٧٧ - ١٧٩) في القرن الثاني من الهجرة غزا علماء فقه اللغة ميادين رواية القبيلة التي كانت حتى ذاك الوقت مجالا خاصا بنشاط الرواة والنسابين. وذلك لتحقيق ما نزعوا إليه من الإحاطة بكل ما تبقى من آثار
стр. 2101
الشعر القديم مع إيضاح غوامضه، فأدوا للتاريخ خدمة جليلة إذ جمعوا شتات هذه المجموعة من المواد التاريخية وعنوا بترتيبها وتنسيقها بعد تمييزها بعضها لاعن بعض.
وكان أبو عبيدة (١١٠ - ٢٠٩ هـ = ٧٢٨ - ٨٢٤ م) أحد الموالى الذين يمتون إلى العراق بماتة الأصل، وهو من المثل البارزة في ذلك النشاط، فإنه لم يحمل اسمه أي بحث من المائتى البحث المنسوبة إليه، غير أن بعض هذه البحوث وردت بجوهرها في مصنفات ألفت فيما بعد آخذة بأطراف الرواية فيما يختص بشمال بلاد العرب ومنسقة في صورة سهلة التناول كروايات القبائل المستقلة وبطون القبائل فيما يرتبط بـ "الأيام " وتنسحب أيضًا حتى على الروايات التالية لظهور الإسلام وعلى الروايات التي احتوت شرح فتوحات الأقاليم المنقسمة بعضها على بعض، والحوادث الهامة ووقائع الحروب بل أخبار الجماعات "كقضاة" البصرة و، الخوارج " و" الموالى"، وكان أبو عبيدة متهما بمحاولة الطعن في العرب لصالح الشعوبية.
ولقد كان عمل هشام بن محمد الكلبى المتوفى حوالي سنة ٢٠٤ هـ (٨١٩ م) شبيهًا بعض الشبه بعمل أبي عبيدة في اتجاهه ومناحيه (انظر مقدمة سخاو لطبقات ابن سعد، مجلد ٣) إذ نظم المجموعات التي عنى والده المتوفى سنة ١٤٦ هـ (م) بحشدها وقام بتوسيع نطاقها كما نظم مجموعات عوانة وأبي محنف. وتتناول رسائله في الأغلب الغرض الذي ترمى إليه بحوث أبي عبيدة، غير أن مرجع الفضل إليه في عنايته بتدوين الأخبار التاريخية الخاصة بمدينة الحيرة وأسرتها المالكة مستندة إلى المصادر والوثائق المكتوبة، وقد خطا هذا العمل المقول باستناده إلى الوثائق المحفوظة في كنائس الحيرة والأسانيد الفارسية التي ترجمت له خطوات واسعة نحو التأليف التاريخي القائم على أساس العلم. ومع أنه لم ينته إلينا من ذلك المصنف سوى مقتبسات محدودة العدد فقد أثبتت التحقيقات الحديثة صحة روايته في مجموعه، ويقال عن هشام إنه نهج هذا النهج في مصنفاته الأخرى باعتماده على الكتابات والمواد المكتوبة التي كانت
стр. 2102
تحت يده. ولكنه لم يكن مع ذلك بمنجاة من المطاعن العنيفة التي كالها له العلماء المحافظون على التقاليد متهمين إياه بالتزوير وكذب الرواية.
٢ - صدر الإسلام
إذا إستثنينا ما استعان به هشام الكلبى من المواد الخاصة بالحيرة فإن بداية تأليف التاريخ العلمي باللغة العربية تربط بالبحث في حياة النبي وأعماله، وهو ما يستتبع رجوع أهل هذا التنظيم إلى مجموعة الأحاديث النبوية وبخاصة الأحاديث المتصلة بغزوات النبي (ومن ثم اصطاوح "المغازي" أو الغزوات الذي أطلق على المصنفات الأولى التي ألفت في السير). وكانت المدينة المنورة موطن هذه الدراسة ومهدها، ولم يختص احد بالتأليف في المغازي قبل القرن الثاني للهجرة في مواطن أخرى غير المدينة. وذاك الارتباط بالأحاديث الذي ترك أثرًا لا يمحى في أسلوب التأليف التاريخي بالاعتماد على الإسناد يفسر التغيير البالغ الذي ظهر منذ ذلك الحين في الصفات المميزة لرواية حوادث التاريخ وتمحيصها عند العرب.
وإنا لنشعر أول وهلة انا نستند إلى أساس علمي في الأثر الذي تناول العهد المكي والعهد المدني في حياة الرسول [ ﷺ ].
وقد أدى الجيل الثاني من المسلمين إلى هذا التقدم ما هو أعلق بالمصادر والمراجع منه بمجموعات سبق تكوينها. ومع هذا فإن اثنين منهم وهما أبّان بن عثمان وعروة بن الزبير ورد ذكرهما على اعتبار أنهما مصنفان في المغازي، ولكن مصنفاتهما لم تذكر قط على لسان المصنفين الذين جاءوا بعدهما. وفي الجيل التالي اشتهر بعض المحدثين بمجموعتهم الشاملة لأحاديث المغازي وبخاصة محمد بن مسلم بن شهاب الزهري الذي دوَّن بالكتابة مواد الحديث نزولا على أمر الخليفة عمر بن عبد العزيز أو الخليفة هشام بن عبد الملك، وقد أودعت هذه المواد خزانة الدولة التي حل بها العفاء فيما بعد.
ويعزى إليه الفضل في أنه كان أول من قارن بين الأحاديث المختلفة المصادر لادماجها في حديث واحد وهذه خطوة إلى الإمام في العرض التأريخى.
стр. 2103
وقد كانت الأحاديث التي رواها الزهري أساسًا للكتب المؤلفة في المغازي، وجمعها ثلاثة من كتاب الجيل التالي، إلا أن اثنين من هذه الكتب فقدا كما فقد كتابان آخران غيرهما وإنما بقيت من هذه الكتب أجزاء متفرقة. أما الكتاب الثالث وهو السيرة المشهورة التي ألفها محمد بن إسحاق ابن يسار المتوفى سنة ١٥١ هـ (٧٦٨ م) فقد كان ثمرة تفكير أبعد أفقًا وأوسع نطاقًا من تفكير سابقيه ومعاصريه، لأنه نزع فيه لا إلى تدوين تاريخ النبي فحسب بل إلى تاريخ النبوة بذاتها أيضًا. وكان في هذا الأسلوب المبتكر يشمل أقسامًا ثلاثة: "المبتدأ" وهو تاريخ العصر الجاهلى منذ الخليقة، وقد استمد أكثره من وهب بن منبه ومن المصادر العبرية، ثم "المبعث " وهو تاريخ حياة النبي حتى السنة الأولى للهجرة، ثم "المغازي" وتناول هذا التاريخ إلى وفاة النبي. وقد غدا هذا الكتاب المرجع الرئيسى لتاريخ العصر الجاهلى والصدر الأول من الإسلام وذلك على الرغم من أنه كان هدفا للنقد الصارم بما تطرق إليه من الأحاديث والمقتبسات الشعرية التي لا وزن لها. وقد عرف أن هناك أحاديث دخل عليها -كما هو معروف- بعض التحوير، غير أنه مما يدعو إلى الأسف أن ما اعتمد عليه منها الجامعون المتأخرون من العراقيين كان خير ما فيها بلا ارتياب (انظر الخطيب البغدادي) وقد تناولته يد الضياع فتمهدت السبل بذلك إلى ظهور موجز مشوه بعض التشويه جمعه المصنف المصري عبد الملك بن هشام المتوفى سنة ٢١٨ هـ (٨٣٣ م). ومما هو جدير بالذكر أن جميع المؤلفين في المغازي كانوا من "الموالى" وإن يكن هذا التعبير لايستتبع حتمًا حتى في ذلك العهد رجوعه إلى أصل غير عربي. فقد كان ابن إسحاق عراقى الأصل حقًّا لأن جده يسارًا أسر في العراق سنة ١٢ هـ (٦٣٣ م) ولكن مما يتناقى مع الصواب أن نطلب في النزعة الفكرية التي بعثت ابن إسحاق على وضع مصنفه مؤثرات فارسية حتى ولو جاءت عن طريق غير مباشر، إذ أن الصلات بين تلك النزعة والاتجاه الذي اتجه إليه وهب بن منبه من جهة ثم بينها ومذهب أهل الحديث المدنيين من جهة أخرى تثبت أن تلك
стр. 2104
النزعة الفكرية كانت بلا شك من وحى العرب كما كانت متصلة بضوابط علم الحديث العربي الصحيح. وقد كان من نصيب الجيل التالي أن شهد أفق الدراسات والبحوث التاريخية ينفسح مداه. فقد عزى إلى ابن إسحاق تأليف تاريخ للخلفاء، وإنما يظهر أن هذا التأليف كان ضيق النطاق مختصر العبارة.
وألف محمد بن عمر الواقدي (١٣٠ - ٢٠٧ هـ = ٧٤٧ - ٨٢٣ م) الذي خلف ابن إسحاق كتابًا لم يقتصر فيه على غزوات النبي بل تناول كثيرًا من وقائع تاريخ العهود الإسلامية التالية كما ألف تاريخًا جامعًا تناول فيه الكلام إلى عهد خلافة هارون الرشيد، وبذا اقترب علم التاريخ القائم على الحديث من المادة التاريخية التي جمعها فقهاء اللغة مع الاحتفاظ بأسلوبه الخاص في إيراد الأحاديث. وتاريخ " المغازي " للواقدى هو وحده الذي حفظ كيانه بوضعه الأصلي. ولكن كاتبه محمد بن سعد المتوفى سنة ٢٣٠ هـ (٨٤٤ - ٨٤٥ م) اعتمد على الكثير من المواد التي جمعها ذلك المؤلف في مصنفه "كتاب الطبقات " في سيرة النبي وصحبه والتابعين.
وفكرة تصنيف معجم للتراجم كهذا تدل بذاتها على تطور جديد في فن التاريخ، وتؤيد الارتباط الوثيق بينه وبين علم الحديث، إذ أن هذه المواد جمعت في الأصل بقصد نقد الأحاديث وتمحيصها.
هذا، ولذلك الجزء من كتاب ابن سعد في قالبه الأخير الذي صاغه فيه، أي كتاب سيرة النبي (المجلدان الأول والثاني من الكتاب المطبوع) أهمية من وجهين: الأول أن تاريخ المغازي له تكملة تتضمن أوامر النبي ونواهيه وكتبه؛ وقد قال الواقدي إن ابن سعد استمد بكل ما وقعت عليه يده من الوثائق والأسانيد. وأظهر حجة مما تقدم على ذلك أن. تلك الأجزاء التي أضيفت لأول مرة عن صفة أخلاق النبي وعلامات النبوة كانت ممهدة لما أنشئ بعد ذلك من الكتب في شمائل النبي والدلائل.
ويخطو هذا التطور بنا خطوة أخرى نحو توجيه عناصر الحديث الصحيح في اتجاه آخر من رواية الأحاديث (كما رأينا في ابن إسحاق) لك أن تلتمسه في فن القصاص، ويصور لنا العودة إلى
стр. 2105
صنف من صنوف الأدب الشعبي يمت بصلة إلى مصنفات وهب بن منبه. وبهذا الاتجاه الجديد الذي نهجته السيرة والذي اتجه إليه كذلك جميع المتأخرين من مؤرخى السيرة النبوية يتضح لنا جليًا أن نصيبه من الأسلوب التاريخي قد أشرف على النهاية.
٣ - تاريخ الخلافة:
أتينا في الفصلين السابقين على وصف لبداية تدوين الحوادث التي أعقبت وفاة النبي في وسائل متفرقة. ومما يجدر ذكره أن هذا النشاط كان مقصورًا على العراق، فلم تعز آية رسالة من هذا القبيل إلى عالم ما من علماء الشام أو بلاد العرب أو مصر خلال القرنين الأولين للهجرة، ومن ثم تبوأ العراق ورواية حوادثه المحل الأول بين المؤلفات التاريخية التي وصفت فيما بعد. بيد أن المأثور من حديث المدينة قد أمدنا أيضًا، فيما بعد. فيما يتعلق بالخلفاء الراشدين، بمادة أفادت بعض المؤلفين (كالواقدى) من ناحية اتصالها بأهل الحديث المدنيين (نسبة إلى المدينة). وما برح في مجال الشك وجود وثائق مخطوطة في المدينة كانت في ذلك العهد من المراجع التي يرجع إليها، ومع هذا فإن الدقة التي تتسم بها الأخبار التاريخية الواردة في الحديث المدني تدعو إلى الاعتقاد بوجود مواد من هذا القبيل فيها. وقد توافرت الدلائل على وجود وثائق في العصر الأموى بدمشق والعراق معًا (انظر بخاصة. كرومان Allgemeine Einfuehrung in die arabischen papyri، فينا سنة ١٩٢٤، (ص ٢٧ - ٣٠) ولذا كان محتملًا أن يكون المصنفوق المتأخرون قد اعتمدوا على مواد من هذا القبيل في ترتيب مجموعة دقيقة للحوادث بحسب تسلسل الزمن ترتيبًا تناول ذكر أسماء الولاة والحكام وأمراء الحج وما جرى هذا المجرى عامًا فعامًا.
ولاستيفاء مثل هذا البيان الجامع لجأ المؤلفون إلى هواد روعى في جمعها التوفيق بين مناهج الرواة وفقهاء اللغة. وقد كانت المنزلة الأولى بين للك المواد للروايات الخاصة بالقبائل العربية في العراق، وطائفة منها هي الروايات الخاصة بقبائل آزد التي جمعها هي وروايات أخرى أبو مخنف المتوفى سنة ١٥٧ هـ (٧٧٤ م) وقد تولى نقلها هشام