والإدغام على ضربين:
١ - "كبير" إذا كان الحرفان متحركين نحو "ما سَلَكَكُم" (سورة المدثر، الآية ٤٢) فإنها تنطق "ما سَلَكّم".
٢ - "صغير" إذا كان الحرف الأول ساكنًا والثاني، متحركًا.
ويجب ألا يغيب عن البال أيضًا أن لام التعريف تقلب إلى حرف مماثل لما بعدها وتدغم فيه إذا كان هذا الحرف شمسيًا، وتمد الحركة إذا كان في الكلمة ألف أو واو أو باء مسبوقة بحركة من نوعها، أما إذا سبقت الواو أو الباء فتحة فإنهما تصبحان حرفى لين، ويجوز إظهار الهمزة أو إخفاؤها في الحالة الأخيرة، وتنقل حركتها إلى الساكن قبلها، فإذا كانت الهمزة ساكنة، لا عن ترخيم، فيجوز أن تقلب إلى حرف مد من نوعها. وتُلان الهمزة لينًا غير كامل إذا لم تكن مسبوقة بهمزة متحركة. وتشبه حركة الهمزة الثانية السكون والواو إذا كانت مسبوقة بضمة "أؤنبئكم"، والياء إذا كانت مسبوقة بكسرة نحو "أئِذا"، والألف إذا كانت مسبوقة بفتحة نحو "أأنت". وتسقط الهمزة الثانية إذا كانتا متحركتين بحركة من نوع واحد وكانتا في كلمتين نحو "جاء أجلكم". ومع أن المصاحف فيها علامات يتميز الآى بعضها من بعض فإنه لا يوقف عندها. ولا يحدث الوقف إلا إذا كان معنى الآية أو الآيات تامًّا. وقد جرت القاعدة في المصاحف الجيدة أن تبين فيها المواضع التي لا يجوز الوقف عليها بـ لا (أي لا وقف) فإذا وقف على كلمات مثل "هن، مم عم" زيدت هاء ساكنة (تسمى الهاء الصامتة). وبعض القراء يعيد الياء المتطرفة في نحو هادٍ، واقٍ: إلخ. في حين يحذف آخرون التنوين والحركة ويقولون "هادْ، واقْ" إلخ.
وإذا كانت الكلمة الموقوف عليهما منهية بهمزة مسبوقة بياء أو واو قلبت الهمزة إلى حرف مماثل وأدغمت فيه فيقال مثلًا "بريّ". بدلا من "بَرئ" وخاصة بعد همزة. والفتحة المنونةَ في المفعول تقلب ألفًا. وتقلب تاء التأنيث عند الوقف إلى هاء ساكنة. وتحذف الحركة في الكلمة المنتهية بحرف متحرك أو تضعُف بالرُّوم أو تنطق مثل الـ e الفرنسية، وهذا هو الإشمام. ومع ذلك فالإشمام لا يجوز في الكلمات
стр. 2172
المنتهية بالكسرة، ويقول بعضهم إن الرَوْم والإشمام لا يحدثان إلا مع الضمة.
المصادر:
(١) السيوطي: الإتقان، القاهرة سنة ١٣٠٦ هـ، ج ١، ص ٨٧ - ١٠٥
(٢) التهانوى: كشاف اصطلاحات الفنون، الآستانة، ج ١، ص ٢١٦.
(٣) علي بن سلطان القارئ: المنح الفكرية على متن الجزرية وعلى هامشه الدقائق المحكمة في شرح المقدمة الجزرية لزكريا الأنصاري، القاهرة سنة ١٣٤٣ هـ
(٤) سليمان الجمزورى: فتح الأقفال بشرح تحفة الأطفال، ويليه كتاب فتح الرحمن في تجويد القرآن، القاهرة سنة ١٣٤٣ هـ.
(٥) الشيخ طاهر الجزائرى: تدريب اللسان على تجويد البيان، تم عام ١٣٢١ هـ, بيروت في تاريخ غير معلوم
(٦) الشيخ متولى: فتح المعطى وغنية المقرئ في شرح مقدمة ورش المصري، القاهرة سنة ١٣٠٩ هـ
(٧) أبو ريمة: هداية المستفيد في أحكام التجويد، القاهرة سنة ١٣٤٤ هـ
(٨) الجرجانى: التعريفات، مادة ترتيل
(٩) البستانى: محيط المحيط، مادة تجويد، ج ١، ص ٣١٤
(١٠) عبد النبي ابن عبد الرسول: جامع العلوم، حيدر آباد سنة ١٣٢٩ هـ ج ١، ص ٢٧٤
(١١) ابن القاصح سراج القارئ المبتدى وتذكار القارئ المنتهى، شرح حرز الأمانى ووجه التهانى للشاطبى، القاهرة سنة ١٣٤٢ هـ، ص ٣٦ - ١٢٠ بصفة خاصة.
[محمد بن شنب]
التدبير
" التدبير" مصدر: دبر.
(١) بمعنى السياسة والإدارة: يقول لغويو العرب في شرح الفعل دبر أنه من الاسم "دُبُر" وهو نقيض قُبل. وهكذا نقرأ في لسان العرب (ج ٥، ص ٣٥٨) أن التدبير في الأمر "أن تنظر إلى ما تؤول إليه عاقبته" أو "ينظر في
стр. 2173
عواقبه". ويستعمل هذا الفعل الآن للدلالة على معنيين: أولهما الحكم والإدارة، وشاهد ذلك العنوان الذي أطلقه بن أبي الربيع على مؤلف من مؤلفاته وهو "سلوك المالك في تدبير الممالك" وثانيهما الإرشاد وتدبير المنزل (باليونانية أو يكونوميا) وهو ما يعنينا في هذا المقام. ومن الأمثلة على هذا ما ذهب إليه ابن خلدون في مقدمته (طبعة Quatremere في Notices e Extraits , ج ١٦ ص ٦٢، ترجمة ده سلان في - No tices et Extraits ج ١٩, ص ٧٨) من أن "السياسة المدنية هي تدبير المنزل أو المدينة بما يجب لمقتضى الأخلاق والحكمة ليحمل الجمهور على منهاج يكون فيه حفظ النوع وبقاؤه".
وتدبير المنزل قسم من أقسام الفلسفة العملية الثلاثة التي نقلها العرب عن اليونان. وهذه الأقسام هي: علم الأخلاق، وعلم تدبير المنزل، وعلم السياسة (انظر على قبيل المثال ابن سينا: أقسام العلوم العقلية في مجموعة الرسائل، القاهرة سنة ١٣٢٨ هـ، ص ٢٢٩ وما بعدها؛ القفطى: تاريخ الحكماء، طبعة ليبير Lippert، ص ٥٢, وغيرهما من أصحاب التواليف). وقد كان رثر Ritter أول من بين أن كل ما ألفه المسلمون في علم تدبير المنزل يمكن رده إلى كتاب تدبير المنزل (وقد فقدت النسخة اليونانية منه) الذي ألفه بريسون pryson المنتسب إلى مذهب الفيثاغوريين المحدثين. وقد بقى من هذا الكتاب نسخة منقولة إلى العربية (نشرها شيخو في مجلة المشرق، ج ١٩، سنة ١٩٢١, ص ١٦١ - ١٨١, وذكره من القدماء صاحب الفهرست، ص ٣١٥)، وأخرى عبرية نقلت منها (ميونخ، الفهرس العبرى، ص ٢٦٣؛ Ritter في. Ls، ج ٧، سنة ١٩١٧, ص ١٢ وما بعدها) وثالثة لاتينية نقلت منها أيضًا (مخطوط جالينوس المحفوظ في درسدن، وقد نبه إليه بلسنر - Pless ner) وفسر بلسنر كل ما يختص بهذا الموضوع ودرسه. ويستفاد من النتائج التي وصل إليها أن معالم المتقدم الذي أصابه المسلمون في هذا العلم إذا استثنينا ما قام به الناقلون والمقلدون من أمثال الدمشقي (الإشارة إلى
стр. 2174
محاسن التجارة، الذي نشره رتر في Isl، ج ٧، ص ١ أو ما بعدها) وابن أبي الربيع (سلوك المالك) وموسوعة فخر الدين الرازي وابن الفنارى - هي كما يلي:
انفرد ناصر الدين بنشر كتاب تدبير المنزل لبريسون ضمن مؤلفه الموسوم بالأخلاق وزاد فيه من أنظار المسلمين والفرس. وقد عدّ الناس في جميع عهود الإسلام كتاب تدبير المنزل للطوسى مثالا ليس بعده مثال. وهو العمدة الذي استقى منه صاحب "أخلاق جلالى"، ومعظم المؤلفين تناولوا هذا العلم كالغزالي والشهرزورى والآملى والإيجى، وقد زاد الآملى فصلًا في علاقات الأسرة. وتعالج هذه الكتب مسائل الحصول على "المال" والمحافظة عليه وتنميته ومعاملة العبيد والمرأة والولد.
وقد توخت في كل ما تناولته ناحية الحصول على أكبر نصيب ممكن من الثروة والسعادة.
ويذكر الفهرست أيضًا (ص ٢٦٣) مصنفًا آخر في تدبير المنزل نقل إلى العربية، وهو "كتاب روفوس في تدبير المنزل لعلوسوس" (ولعل المقصود بالعين هنا غين أو فاء أو قاف) ويبدو أن هذا الكتاب قد ألف في العهد اليونانى المتأخر. ولا يمكن التثبت من اسم هذا المؤلف القديم على وجه اليقين، ويرجع هذا بصفة خاصة إلى ندرة ما وصل إلينا من أسماء القدماء الذين كتبوا في هذا العلم. وقد يباح لنا أن نذهب إلى القول بأنه رجل من أمثال فيلودموس Philodemus .
وثمة ترجمة عربية أو موجز للكتاب الأول في تدبير المنزل نسبت خطأ إلى أرسطو (وقد جرى الناس الآن على نسبتها إلى تيوفراسطس Theophrastes) وتضمنها مخطوط في الإسكوريال (الغزيرى رقم ٨٨٣) مختلف الموضوعات عنوانه "كتاب أرسطو في تدبير المنزل" ومخطوط آخر في خزانة كتب شخص ببيروت يضم بين دفتيه عدة تواليف متباينة عنوانه "ثمار مقالة أرسطو في تدبير المنزل" (انظر ما كتبه المعلوف في مجلة المشرق، ج ١٩, سنة ١٩٢١, ص ٢٥٧ - ٢٦٢) بيد أنه لم
стр. 2175
يتوفر أحد على دراسة هذين المخطوطين دراسة دقيقة. ولم يرد ذكر هذا المؤلف لا في الفهرست ولا في ابن أبي أصيبعة ولا في القِفْطى (انظر فيما يختص بذلك ar-: Baumstark Biographien abische Syrisch des Aristtles, ليبسك سنة ١٩٠٠، ص ٥٣، وما بعدها) في حين أنه يبدو أن أبا القاسم صاعد بن أحمد الأندلسى المتوفى, عام ٤٦٢ هـ الموافق ١٠٦٩ - ١٠٧٠ م (انظر كتابه طبقات الأمم المطبوع في القاهرة طبعة ليس عليها تاريخ، ص ٣٩) كان هو أول من أخذ عنه على علم بمؤلف لأرسطو في سياسة المنزل. ويدل وصول هذه الترجمة مخطوطة الينا على أنها ظهرت في أوساط نصارى العرب. ويذهب المعلوف إلى أن الناقل هو أبو الفرج عبد الله بن الطيب المتوفى عام ٤٣٥ هـ (١٠٤٣ - ١٠٤٤ م) وليس لهذا الزعم من سند.
وكاتب هذه المادة بسبيل إعداد طبعة من هذا الكتاب وبحث عنه.
المصادر:
(١) جرجى زيدان: تاريخ آداب اللغة العربية، القاهرة سنة ١٩١٢, ج ٢، ص ٢٣٢ وما بعدها
(٢) Ein arab der.Handbuch Ritter Handelswissenschaft في. ISI، ج ٧، سنة ١٩١٧، ص ٤ - ١٤.
(٣) Der Oikonomikos des: plessner -Neupythagoraeers Bryson und sein Ein fluss aue die islamische Wissenschaft وهي رسالة فلسفية قدمت إلى جامعة برسلاو عام ١٩٢٥ (وقد نشر موجز لها، وستنشر كاملة عن قريب).
(٢) التدبير بمعنى تعليق عتق العبد بموت السيد. ودبر في هذه الحالة فعل من الاسم دَبُر ومعناه انتهاء الحياة أي الموت (انظر لسان العرب، ج ٩، ص ٣٥٨؛ المطرزى: المغرب، المادة نفسها؛ وإذا شئت التفصيل فأنظر مادة "عبد") وأوفى ما كتب في هذا الموضوع: - San Istitzuiom di diritto musulenano: tillana malichita, رومة سنة ١٩٢٦، ج ١, ص ١٢٢.
[هفننك Heflening]
стр. 2176
التراويح
كلمة عربية وهي صيغة الجمع من المفرد الشاذ "تَرْويحَة"؛ والتراويح هي الصلوات التي تقام في ليالى رمضان.
وجاء في الحديث أن النبي أشاد بها وإن كان في الوقت نفسه قد بيّن أنها ليست من الفرائض (البخاري، التراويح، حديث ٣).
ويروى أن عمر كان أول من جمع لها المصلين خلف قارئ من القراء في مسجد المدينة آحادًا أو جماعات (المصدر نفسه، حديث ٢). وأثر عنه أنه كان يفضل الشطر الأول من الليل للقيام بها. ويوصى الشرع بالقيام بالتراويح بعد صلاة العشاء، وهي عشر تسليمات في كل منها ركعتان، وبعد كل أربع ركعات ترويحة، ومن ثم سميت هذه الصلوات بالتراويح. وركعاتها عند المالكية ست وثلاثون. وهم يعتبرونها من صلوات السنة ولها أهمية جميع الشعائر التي تؤدى في رمضان ويفضل الشيعة أداء ألف ركعة خلال شهر رمضان.
ويجتمع الناس في مكة خلف الإمام، في جماعات يتراوح عددها بين العشرة والمائة والخمسين، ويصلى الإمام بالناس متطوعًا حتى ولو كان معينًا من الحكومة. ولتلاوة القرآن المكان الأرفع في هذه الصلوات. ولمن لا وقت له أن يوجز، في حين يظل آخرون خلف الإمام يتلون القرآن مرة أو أكثر في ليالى رمضان، بل إن هناك من يمكث في المسجد بعد التراويح للقيام بما يمليه عليه الورع من شعائر.
ويجتمع الناس في "آجن" زرافات لأداء التراويح وإن كان "التونكو" هو الذي يقوم بالنصيب الأكبر منها عادة. بينما يقنع الآخرون بأن يرددوا معه لفظ آمين مع الصلاة على النبي. ويستحق التونكو على جهود. هذه زكاة الفطر ( .. Ver. Ak Amst مجموعة جديدة، ج ٢٥، رقم ٢).
المصادر:
(١) البخاري، التراويح، مع الشروح.
(٢) موطأ مالك، الصلاة في رمضان مع شرح الزرقانى.
стр. 2177
(٣) أبو إسحاق الشيرازى، التنبيه، طبعة. جوينبول، ص ٢٧.
(٤) الرملى: النهاية، القاهرة سنة ١٢٨٦ هـ, ج ١، ص ٥٠٣ وما بعدها
(٥) ابن حجر الهيتمى: التحفة، القاهرة سنة ١٢٨٢ هـ, ج ١، ص ٢٠٥ وما بعدها
(٦) أبو القاسم الحلى: شرائع الإسلام، كلكتة سنة ١٢٥٥ هـ، ص ٥١.
(٧) Caetani: Annali سنة ١٤ هـ, فقرة ٢٢٩ وما بعدها.
(٨) Handleiding: Juynboll, ليدن سنة ١٩٢٥.
(٩) Mekka: Snouchk Hurgrojne, ج ٢، ص ٨١ وما بعدها.
(١٠) الكاتب نفسه: Mekkanische Sprichworter، رقم ٤٩
(١١) الكاتب نفسه: De Atiehers ج ١، ص ٢٤٧ وما بعدها.
(١٢) Tableau heneral de: d'Ohsson empire othoman'l باريس سنة ١٧٨٧, ج ١، ص ٢١٤ وما بعدها، وتجب الحيطة عند الرجوع إلى هذا الكتاب.
(١٣) Manners and Customs: Lane Modern Egyptian of، لندن وبيسلى Paisley سنة ١٨٩٩, ص ٤٨١.
[فنسنك wensinck .J.A]
ترجمان
صيغة تركية للكلمة العربية تَرْجمان (انظر محمد حفيد: الغلطات المشهورة، ص ١١٠). وهي من أصل آرامى دخلت إلى العربية منذ عهد متقدم. وكان للتراجمة على الدوام شأن هام في الصلات التجارية والسياسية بين الدول الإسلامية والشعوب الأجنبية. وبدأ نشاط هؤلاء التراجمة يظهر على صفحات التاريخ بشكل جليّ منذ القرن السادس الهجرى (الثاني عشر الميلادي) إذ يرجع إلى ذلك العهد تاريخ أقدم ما أبرم من المعاهدات المعروفة التي عقدت بين المدن أو الدول المسيحية وبين الحكام المسلمين لدول البحر المتوسط. وقد درس ده ماس لاترى De mas Latrie المعاهدات التي أبرمت مع ولايات إفريقية الشمالية، ويتضح منها
стр. 2178
أن الترجمانى " Torcimani" كانوا طائفة من العمال لا غنى عنهم في الهيئات التجارية المعروفة باسم "دور المكوس" في الثغور التي تصل إليها التجارة الأجنبية، ويمكن الرجوع إلى كتاب ده ماس لاترى (المقدمة، ص ١٨٩ وما بعدها) فيما يختص بالصيغ اللاتينية والأوربية لكلمة ترجمانى Torcimani. وكانت الصفقات التجارية جميعًا لا تكاد تتم إلا بوساطة هؤلاء التراجمة الذين كانوا يؤلفون غالبًا نوعًا من النظام الطبقى، وكانت أقوالهم حجة في كل مكان. وكانت تجبى مكوس خاصة على البضائع التي يتم تبادلها عن طريقهم. وكانت السلطة المحلية تنتخب هؤلاء التراجمة بادئ الأمر، وهم إما مسلمون وإما نصارى أو يهود. وكان يوكل أمر كل تجارة أجنبية إلى واحد منهم في بعض الجهات، وكان لا يستغنى عن وجود بعض هؤلاء التراجمة عند إبرام المعاهدات، أو عند تفسيرها إذا لزم الأمر، وذلك عندما يكون نصها غامضًا، وفي هذه الحالات كان يثبت بصفة خاصة اسم المترجم في نص المعاهدة. ويتضح أيضًا من هذه المعاهدات أن بعض المترجمين كانوا على اتصال وثيق بحاكم المنطقة التي هم فيها، وورد ذكر تراجمة بلاد الشام في المصادر الفرنسية عن الصليبيين.
وظل قدر التراجمة وعملهم في أيام الدولة العثمانية على ما كان عليه في القرون السابقة. وكثرت الصلات التجارية والسياسية وعظم شأنها فاشتدت الحاجة إلى المترجمين القادرين الذين يعتمد عليهم، ومن ثم كثر ذكرهم في المصادر التاريخية، والاسم الشائع لهؤلاء المترجمين في المصادر الأوربية هو دوركمان Drogman أو دراكومان Dragoman. وظل كذلك الاسم الفرنسى "تريشمان" Truchement مستعملا مدة طويلة. وكان التراجمة في جميع الدواوين التركية بكثير من الثغور، كما كانوا في قنصليات الدول الأجنبية في هذه الثغور. وكان التراجمة في العاصمة أعظم شأنًا. واستخدمت دور السفارات الأجنبية كثيرًا من هؤلاء التراجمة.
وكان منصب ترجمان الحكومة التركية أهم هذه المناصب جميعًا، ومن
стр. 2179
المحتمل أن هذا المنصب كان موجودًا في عهد السلطان محمد الثاني. وكان صوباشى على بك هو أول ترجمان للباب العالى، وهو الذي أبرم معاهدة الصلح مع البندقية سنة ١٥٠٢. وأعقبه يونس بك المتوفى عام ٩٤٨ هـ (١٥٤١ - ١٥٤٢ م) وقد أسفر مرارًا إلى البندقية وشيد يونس هذا مسجدًا بالآستانة يعرف باسم "درغمان مسجدى" (انظر سجل عثمانى، ج ٤، ص ٦٧٧: حديقة الجوامع رقم ٢٢٦). وكان يونس بك يونانى الأصل، كما كان خلفه أحمد ألمانيًا من فينا، وكان اسمه الأول هينز تولمان Hienz Tulman. وكان مراد بك ترجمانًا للباب العالى في القرن السادس عشر، وكان مجريًا أسر في وقعة "مهاج" واشتهر بأنه مؤلف رسالة جدلية في الدفاع عن الإسلام وناظم ترنيمة كتبها بلغات ثلاث: التركية واللاتينية والمجرية .. (نشرها. F Babimger في Literaturdenkmaeler aus Tuerkenzeit Ungarns، برلين سنة ١٩٢٧, وانظر أيضًا صفحة ٣٨ وما بعدها من هذا الكتاب فيما يختص بالأخبار عن تراجمة الباب العالى)، وكان لدى الباب العالى في ذلك الوقت عدد من التراجمة وكان كبيرهم "الباش ترجمان" وجلهم دون استثناء من النصارى (يونان وألمان وإيطاليين). ولما ازدادت العلاقات الأجنبية في الدول العثمانية أهمية وأصبحت أكثر تعقيدًا عن ذي قبل، ازداد نفوذ تراجمة الباب العالى حتى أصبح مركز ترجمان الباب العالى يكاد يكون وراثيًا في أسرتى مافرو كورداتو Mavrogordato وغيكا Ghika اليونانيتين. وجرت العادة بأن يختار التراجمة ولاة لإمارات الدانوب، ولما كان من النادر في ذلك الوقت أن نجد من بين الترك أنفسهم من يعرف اللغات الأوربية، فإن أثر هؤلاء الوسطاء على السياسة التركية الخارجية كان كبيرًا جدًّا. وكثيرًا ما كان يصدر الأمر بقتل من سبق لهم أن ولوا منصب كبير التراجمة. ولم تستطع الحكومة التركية التخلص من مساعدة هؤلاء الموظفين الذين لم يركن تمامًا لأمانتهم وإخلاصهم إلا في عهد السلطان محمود الثاني في الوقت الذي زادت فيه أهمية ونشاط "رئيس أفندي" ولم يدرس بعد الدور الذي قام به تراجمة
стр. 2180
الباب العالى في السياسة العثمانية. وقد أورد فون هامر Von Hammer في كتابه (- Geschichte des asmanischen Re iches ج ٧، ص ٦٢٧) بيانًا غير كامل بأسماء هؤلاء التراجمة.
وقد كان تراجمة السفارات والقنصليات بمثابة وسطاء دوليين لا يقل نفوذهم عن نفوذ تراجمة الباب العالى. وهم بوجه عام من طبقة هؤلاء التراجمة، أعنى أنهم مسيحيون كالتراجمة الذين في خدمة الدولة العثمانية. وتضمن لهم المعاهدات والامتيازات وكذلك الإجازات "براءات" التي يمنحهم إياها السلطان، حماية الدولة التي يقومون بخدمتها في القنصلية أو في السفارة. ومن وظائفهم الخاصة التي ينص عليها صراحة في الامتيازات أن يقوم التراجمة بتمثيل القناصل في القضايا التي تمس رعاياهم وتعرض على المحاكم التركية، وهذه الوظيفة مستمدة من حق القناصل في مباشرة هذا العمل، وليس من شك في أن هذه الوظيفة قد تطورت عن الدور الذي قام به التراجمة منذ العصور الوسطى. ومنذ القرن الثامن عشر ازداد نفوذ الدول الأوربية وممثليها في تركية وأصبح الباب العالى لا يطيق تدخل التراجمة في الشئون التركية. يضاف إلى ذلك أن القناصل قد غالوا في حقهم في انتخاب التراجمة من بين رعايا الترك. وسلخ هؤلاء التراجمة من سلطان حكومتهم. وكان من نتيجة احتجاج الباب العالى على هذا الأمر أن ضيق من حق اختيار السفارات والقنصليات للتراجمة الترك وذلك بمقتضى الاتفاق الذي عقد بين الحكومة التركية وهيئات التمثيل الأجنبية في سنة ١٨٣٦. وفي حوالي ذلك الوقت أخذت معظم الحكومات الأوربية في إعداد طبقة خاصة من التراجمة من بين رعاياها، وهذا الإعداد تطلب تدريبًا خاصًّا. وكان رؤساء التراجمة في سفارات الدول العظمى بالآستانة هم أصحاب الشأن المعترف بهم، حتى النصف الثاني من القرن التاسع عشر وفي بداية القرن العشرين، في القيام بالمفاوضات المختلفة مع الباب العالى وخاصة ما كان منها متصلًا بتفسير الامتيازات
стр. 2181
وتطبيق الحقوق الممتازة الخاصة بتلك الأراضي، وهي الحقوق التي بنيت علي هذه المعاهدات. ومهما يكن من الأمر فإن الحكومة التركية قد ألغت الامتيازات في سنة ١٩١٤ ورفضت في الوقت نفسه الاعتراف بالموظفين الذين يعملون في السفارات والقنصليات بلقب ترجمان. وعلى ذلك فإن هذا اللقب لا يستعمل الآن في تركية رسميًا.
المصادر
(١) Traites de: L. de Mas - Latrie paix et de comnerce et document divers concernant les relations des chretiens -avec les Arabes de l' Afrique Sep tentrionale، باريس سنة ١٨٦٦, ص ١٨٦ وما بعدها، ٢٨٥ وما بعدها
(٢) Geschichte des os- Von Hammer manischem Reiches، انظر الفهرس.
(٣) Das Consular: Martens-Skerst wesen and die Consulariurisdiction im orient، برلين سنة ١٨٧٤.
(٤) Le Regime: G. Pelissie du Rausas des Capitulations dans ١'Empire ottoman, باريس سنة ١٩١٠.
(٥) Almkvist .Ein Dragoman -: H Diplom aus dem vorigen Jahrhundert, أبسالا سنة ١٨٩١.
[كرامرز J.H. Kramers]
الترمذي
أبو عيسى محمد بن عيسى بن سَوْرَة بن شداد: (١) من جامعى الأحاديث. والترمذي نسبة إلى ترمذ، وهي على المجرى الأعلى لنهر جيحون على مسيرة ستة فراسخ من بلْخ، وعلى خط عرض ٣٧ ْ شمالًا تقريبًا وخط طول ٦٧ ْ شرقي كرينوتش (انظر القزوينى: نزهة القلوب، طبعة وترجمة Strange Le، مجموعة كب التذكارية، ج ٢٣، الفهرس؛ Lands of: Le Strange the Eastern Caliphate ص ٤٤٠ وما بعدها، والمصور الجغرافي رقم ٢٩ المواجه لصفحة ٤٣٣). ويقال إن الترمذي توفي فيها عام ٢٧٩ هـ (٨٩٢ - ٨٩٣ م) وفي رواية أخرى أنه توفى في بوغ من أرباضها عام ٢٧٥ هـ (٨٨٨ - ٨٨٩ م) أو عام ٢٧٠ هـ (٨٨٣ - ٨٨٤ م) (٢).
стр. 2182
ولسنا نعرف عن حياته إلا قليلا، ففي رواية أنه ولد أكمه. وفي رواية أخرى أنه كف بصره في أخريات حياته. وكانت للترمذى رحلات واسعة في خراسان والعراق والحجاز في طلب الأحاديث. ومن شيوخه أحمد بن محمد بن حنبل (٢) والبخاري وأبو داود السجستانى.
وقد طبع له مجموعة الأحاديث (القاهرة ١٢٩٢ هـ) في مجلدين، وطبع على الحجر في مرته عام ١٢٨٣ هـ) وكتاب "الشمائل" وهو مجموعة من الأحاديث في ذات النبي [ ﷺ ] وشمائله، (القاهرة ١٣٠٦ هـ) مع شرح محمد بن قاسم جسوس الموسوم ب "الفوائد الجليلة البهية على الشمائل المحمدية" وطبعت هذه المجموعة أيضًا عام ١٣١٨ هـ مع شرحين أولهما "الوسائل" لعلي بن سلطان محمد القارى والثاني لعبد الرءوف المناوى. ويرجع لبروكلمان - Gesch . der Ar (abischen Litteratur، ج ١، ص ١٦٢) في شأن الطبعات والشروح الأخرى.
وقد ذكر بروكلمان في كتابه هذا مجموعة أخرى من أربعين حديثًا لسنا نعرف أهى للترمزى أم لغيره وتنسب له المصادر العربية كتبًا أخرى في موضوعات شتى: في الزهد والأسماء والكنى والفقه والتاريخ, ولم يصلنا -فيما يبدو- شيء منها.
وفي طبعة القاهرة تعرف مجموعته الأحاديث باسم الصحيح. أما في غيرها من الطبعات فتعرف بالجامع (٣) ذلك أن فيها -إلى الأحاديث الخاصة بالأحكام- بعض أحاديث في موضوعات أخرى (Muhammedanische Studien: Goldziher, ج ٢، ص ٢٣١, تعليق ٢) ونظرة واحدة إلى أبواب هذه المجموعة تدلنا على أن نصفها تقريبًا في المسائل الكلامية ملو القدر والقيامة والجنة وجهنم والإيمان والقرآن، وفي المعتقدات الشائعة ملو الفتن والرؤية، وفي العبادات مثل الزهد وثواب القرآن والدعوات، وفي التربية والأخلاق مثل الاستئذان والأدب، وفي المناقب.
ويحوى هذا المصنف أحاديث تقل كثيرًا عن الأحاديث التي يتضمنها صحيحا البخاري ومسلم، ولكن المكرر في كتابه أقل مما في صحيحيهما: وفي
стр. 2183
مصنف الترمذي -بصفة خاصة- بابان كبيران هما باب المناقب وباب تفسير القرآن لا نجد لهما ضريبًا في كتب السنن الثلاثة الأخرى (يطلق هذا الاسم "السنن" أحيانًا على المجاميع الأربعة في الأحاديث النبوية لأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجة) وتكثر في جامع الترمذي الأحاديث المشايعة لعلى، وفيه أيضًا أحاديث أخرى تشيد بمدح أبي بكر وعمر وعثمان: ويمتاز كتابه بخصيصتين: الأولى ملاحظاته النقدية على رجال الإسناد، والثانية تبيينه مواضع الخلاف بين المذاهب عقب كل حديث، ويعتبر جامع الترمذي من هذه الناحية أقدم مصنف وصل إلينا عن أوجه الخلاف، والإشارات التي كتبها الشافعي عن هذا الموضوع في كتاب الأم ليست كاملة وقلما يوثق بصحتها (٥).
ونقل كولدتسيهر (- Muhamm: Gold ziner stud, ج ٢، ص ٢٥٢، تعليق رقم ١) عن "التقريب" أن مخطوطات جامع الترمذي قد اختلفت في إثبات رأيه في الإسناد (صحيح، حسن، غريب، حسن صحيح، حسن غريب، صحيح غريب) .. ولم يذكر الترمذي تفسيرًا للأسس التي اتخذها لتمييز الأحاديث بعضها من بعض، ويستهل جامع الترمذي باستقصاء السند إلى آخر من أخذ عنه، وفي خاتمته صيغة ثناء موجزة.
المصادر:
(١) السمعانى: كتاب الأنساب، مجموعة كب التذكارية، ج ٢٠، ص ١٠٦
(٢) الذهبي: طبقات الحفاظ، طبعة فستنفلد، ج ٢، ص ٥٧، رقم ٣.
(٣) الكاتب نفسه: ميزان الاعتدال، القاهرة سنة ١٣٢٥ هـ، ج ٣, ص ١١٧, رقم ١٠٢١.
(٤) ابن خلكان: وفيات الأعيان، طبعة فستنفلد، رقم ٦٢٤.
(٥) ابن حجر العسقلانى: تهذيب التهذيب، حيدر آباد سنة ١٣٢٦ هـ, ج ٩، ص ٣٨٧ - ٧٨٩, رقم ٢٣٦.
(٦) الكاتب نفسه: تقريب التهذيب، طبعة حجرية في دلهى ليس عليها تاريخ، ص ٢٣٠.
(٧) ابن خطيب الدهشة: تحفة ذوي الأرب، طبعة مان T, Mann ص ١٤٣.
стр. 2184
(٨) edanische: Goldziher Muhamm Studien ص ٢٥٠ وما بعدها.
[فنسنك A. J. Wensinck]
تعليقات على مادة "الترمذي ":
(١) ذكر نسبه في أكثر الروايات: أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة ابن موسى بن الضحاك السلمى البوغى الترمذي الضرير، وحكى في نسبه قولان آخران: "محمد بن عيسى بن سورة بن شداد" و "محمد بن عيسى ابن يزيد بن سورة بن السكن".
(٢) ولد سنة ٢٠٩ ولم أجد من نص على ذلك صريحًا إلا ما كتبه الشيخ محمد عابد السندى بخطه على نسخته من كتاب الترمذي، ولعله نقل ذلك استنباطًا من كلام غيره من المتقدمين، أو من كتاب آخر لم يصل إلى، وقد صرح بذلك أيضًا جسوس في شرحه على الشمائل.
وقد ذكر الحافظ الذهبي في (ميزان الاعتدال) أنه مات سنة ٢٧٩ وقال: "وكان من أبناء السبعين". وقال ملّا على القارى في شرح الشمائل بعد أن ذكر وفاته سنة ٢٧٩: "وله سبعون سنة". وقال الصلاح الصفدى في نكت الهميان "ولد سنة بضع ومائتين".
ولا نعرف أين ولد الترمذي، أفي قرية بوغ أم في بلدة ترمذ؟ فقد قال السمعانى في تعليل نسبته إلى بوغ "إما أنه كان من هذه القرية، أو سكن هذه القرية إلى أن مات" ونقل ملّا على القارئ عن الترمذي أنه قال "كان جدى مروزيا أيام ليث بن سيار ثم انتقل منه إلى ترمذ".
(٣) هذا غير صحيح، فإن الترمذي لم يلق أحمد بن حنبل ولم يسمع منه مباشرة، وإن سمع من كثير من أقرانه.
وقد أدرك الترمذي كثيرًا من قدماء الشيوخ وسمع منهم، واشترك هو وجميع الأئمة أصحاب الكتب الستة في الرواية عن تسع شيوخ فقط، وهم:
محمد بن بشار بندار: ولد سنة ١٦٧ وتوفي سنة ٢٥٢.
محمد بن المثنى أبو موسى: ولد سنة ١٦٧ وتوفي سنة ٢٥٢.
زياد بن يحيى الحسانى: توفي سنة ٢٥٢, عباس بن عبد العظيم العنبرى: توفي سنة ٢٤٦.
стр. 2185
أبو سعيد الأشج عبد الله بن سعيد الكندى وتوفي سنة ٢٥٧.
أبو حفص عمرو بن علي الفلاس: ولد بعد سنة ١٦٠ وتوفي سنة ٢٤٩.
يعقوب بن إبراهيم الدورقى: ولد سنة ١٦٦ وتوفي سنة ٢٥٢.
محمد معمر القيس البحرانى: توفى سنة ٢٥٦. نصر بن علي الجهضمى، توفي سنة ٢٥٠. وقد أدرك الترمذي شيوخًا أقدم من هؤلاء، وسمع منهم وروى عنهم في كتابه هذا، منهم:
عبد الله بن معاوية الجمحى، مات سنة ٢٤٣ وقد جاوز المائة.
علي بن حجر المروزى: مات سنة ٢٤٤ وقد قارب المائة.
سويد بن نصر بن سويد المروزى: مات سنة ٢٤٠ عن ٩١ عامًا.
قتيبة بن سعيد الثقفى أبو رجاء: ولد سنة ١٥٠ وتوفي سنة ٢٤٠.
أبو مصعب أحمد بن أبي بكر الزهري المدني ولد سنة ١٥٠ وتوفى سنة ٢٤٢.
محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب: توفي سنة ٢٤٤.
إبراهيم بن عبد الله بن حاتم الهروى: ولد سنة ١٧٨ وتوفى سنة ٢٤٤.
إسماعيل بن موسى الفزارى السدى: توفي سنة ٢٤٥.
محمد بن أبي معشر نجيح السندى: توفي سنة ٢٤٤ وقيل سنة ٢٤٧ عن ٩٩ سنة و ٨ أيام.
(٤) هذا ليس اختلافًا في التسمية من الطابعين بل إن كتاب الترمذي يقال له "السنن" كباقى السنن الأربعة. وقد سماه المتقدمون الجامع الصحيح، فسماه بذلك الحاكم صاحب المستدرك وغيره, لأن أكثر أحاديثه صحاح، والضعيف فيه قليل جدا، وقد بيّن هو ضعف الضعيف. وهو جامع لأنه يجمع إلى أبواب الأحكام أبوبا أخرى، كما بين كاتب هذه المادة.
(٥) ليس للكاتب دليل على هذا التشكيك. مصادر أخرى عن الترمذي. تهذيب الكمال للحافظ المزى مخطوط بدار الكتب المصرية.
نكت الهميان للصلاح الصفدى ص ٢٦٤ - ٢٦٥. الكامل لابن الأثير
стр. 2186
ج ٧، ص ١٦٤ - ١٦٥. النجوم الزاهرة لابن تغرى بردى، ج ٣، ص ٨١ - ٨٢.
مفتاح السعادة لطاشكبرى زاده ج ٢، ص ١١. شذرات الذهب لابن العماد ج ٣، ص ١٧٤ - ١٧٥. شروط الأئمة أصحاب الكتب الستة للحافظ أبي الفضل المقدسي، مخطوط.
شروط الأئمة الخمسة للحازمى، جزء صغير مطبوع:
كشف الظنون ج ١، ص ٣٧٥ الفهرست لابن النديم، ص ٣٢٥. عارضة الأحوذي للقاضي أبي بكر العربي، ج ١، ص ٥ - ٦.
مقدمة شرح الترمذي
أحمد محمد شاكر.
"ترمذى" سيد برهان الدين: ويعرف أيضًا باسم سيد حسين ترمذى. وسيد سِيرْدان أو باسم برهان الدين مُحَقِّق، وهو صوفى من أهل ترمذ من مريدى مولانا بهاء الدين ولد، حضر فترة على بهاء الدين ثم عكف طويلًا على الزهد والتنسك في ترمذ فالتف حوله المريدون، فلما توفى بهاء الدين ولد في قونية عام ٦٢٨ هـ (١٢٣١) جاءها برهان الدين عام ٦٢٩ - ٦٣٠ هـ تلبية لروح أستاذه بهاء، وعنى برياضة نفس جلال الدين رومى وكان يافعًا يدرس الفقه والأدب، واعتكف في قيسارية بعد ذلك بتسع سنوات على الرغم من هواتف مولانا له بالبقاء. ونستبين من ترجماته أنه كان في قيسارية في الوقت الذي استولى فيه المغول عليها وأحدثوا فيها مقتلة عظيمة. وورد في مخطوطات كتاب جامع الدول لمنجم باشى (رقم ٥٠١٩ و ٥٠٢٠ من كتابخانه عمومى) أن ذلك كان عام ٦٤١ هـ الموافق ١٢٤٣ م (انظر تفصيل هذا في - Recueil de tex tes rel. a ١'histoire des Seldj. طبعة هوتسما، ج ٤، ص ٢٤١) وكان شمس الدين أصفهانى عامل السلاجقة على قيسارية نصير برهان الدين ومريده: وهو الذي تكفل بتجهيزه عند موته وبنى ضريحه. ولا نعرف تاريخ مولده ولا وفاته على التحقيق. ويذكر أوليا جلبى أن "مقام" سيد برهان ترمذى كان في قيسارية وأنه توفى عام ٤٧٤, وهو خطأ واضح. وفي قونية اليوم بالقرب من "التربة" المعروفة باسم "تاتار خانيلر تربه سى" ضريح يعرف
стр. 2187
بضريح برهان الدين. وقد كان هذا الضريح ينسب دائمًا إلى سيد برهان ترمذى على الرغم من أنه لم يثبت عليه كتابة ما، ويزعم دولتشاه أن برهان الدين محقق كان شيخ بهاء الدين ومولانا، ويقول إنه صحبهما في أسفارهما في الشام والحجاز، وأن برهان الدين توفى بالشام ودفن فيها، ولا يتفق هذا مع الواقع (انظر دولتشاه، طبعة Browne، ص ١٩٤، طبعة بومباى، ص ٨٦، وكتاب فهيم المسمى "سفينة الشعراء. الذي نقل فيه عن دولتشاه، الآستانة، مطبعة عامرة، سنة ١٢٥٩ هـ, ص ٨٢). وترجع شهرة سيد برهان ترمذى بصفة خاصة إلى ما كان له من شأن في شعائر المولوية، ولذلك فإنه يجدر بنا أن نلجأ إلى أقدم المصادر وأهمها في تاريخ الطريقة المولوية مثل كتاب "سباه سالار مناقبى" وكتاب "أفلاكى مناقبى" إذا أردنا الحصول على معلومات وثيقة عن الترمذي.
المصادر:
نذكر إلى جانب المصادر المذكورة في صلب المادة.
(١) فريدون بن أحمد سباهسلار: مناقب حضرت خدا وندكار، الترجمة التركية، طبعة سنة ١٣٣١ هـ, ص ١٥٩ - ١٦٤
(٢) أفلاكى: مناقب العارفين، مخطوط فارسى
(٣) الكاتب نفسه: الترجمة التركية وقد قام بها محمود دده, مخطوط، فصل ٢، وتوجد نسخ من مخطوطات كلتا الترجمتين في كثير من المكتبات.
(٤) الكاتب نفسه: الترجمة الفرنسية للكتاب السابق وقد قام بها CI. Huart باسم - Les Saints des derwisches tour neurs باريس سنة ١٩١٨ الفهر. س
(٥) لامعى: ترجمة نفحات الأنس، ص ٥١٥ - ٥١٦
(٦) أولياجلى: سياحتنامه، دار سعادت، سنة ١٣١٤ هـ، ج ٣، ص ١٨٦
(٧) خليل أدهم: قيصرية شهرى الآستانة سنة ١٣٣٤ هـ, ص ١١٨
(٨) كوبريليّ زاده فؤاد إيلك متصوفلر، الآستانة سنة ١٩١٨, ص ٢٤٥
[كوبريليّ زاده فؤاد]
стр. 2188
التشريح
" التشريح (١) "لغة الفتح والشرح والبيان والعرض، واصطلاحا:
١ - بيان علم أو تفسير كتاب وهي في ذلك مثل شَرْح.
٢ - علم التشريح وهو فتح الجسم الإنسانى وتفسيره، والمعنيان تجمعهما الجملة التي ذكرها ابن القِفْطى وهي أن "جالينوس هو مفتاح الطب وباسطه وشارحه. ولم يسبقه أحد إلى علم التشريح وألف فيه سبع عشرة مقالة". ولم يقبل المسلمون على التشريح، إذ كان تصوير الإنسان محرما عندهم، وكان التشريح لا يرضى عنه الدين ولا يقره العرف. ولم يمارسه المسلمون بله الأقدمون اللهم إلا في الإسكندرية حيث انتهز جالينوس الفرص التي أتيحت له لتعلم تشريح الإنسان، على أنه كان يمارسه إجمالا في القردة. وما مر بالمسلمين ظرف موات إلا اغتنموه للترقى بهذا العلم، ولتجدن مثالا لذلك في رحلة عبد اللطيف البغدادي، فقد علم أن بالمقس من أعمال مصر تلّا من بقايا انسانية، فأخذ في تفحص هذه الهياكل وكتابة مشاهداته.
وزاول كثير من علماء العرب علم التشريح برغم ما كان يكتنفهم في عملهم من عوائق، واحتذوا في ذلك علماء اليونان وبخاصة جالينوس وأوريباز Oribacec وأتيوس Aetius. ودرس العرب بعض مصنفات جالينوس ونقلوها إلى لغتهم وبين أيدينا من هذه المصنفات كثير من المخطوطات نذكر منها: كتابًا في التشريح (De Anatomia) وكتابا في الأوردة (De venae Section) وكتابا في حركة العضل - De Musculorum Dis) sectione) وكتابا في العظام De Ossibus)) وكتابا في النبض. ولجالينوس كتاب في التشريح الكبير - De Anatomicis Ad) (ministrationibus في خمس عشرة مقالة. ولم تصل إلينا المقالات الخمس الأخيرة إلا باللغة العربية فقط. وقد نقلها ونشرها بالألمانية ماكس سيمون .. Max simon ونشر ده كوننك de.M
стр. 2189
koning ثلاث فقرات مطولة في التشريح استخلصها من المصنفات العربية، إحداها لابن سينا والثانية لعلى بن عباس المجوسى الطبيب الفارسى الأصل الزرادشتى العقيدة المتوفى عام ٣٨٤ هـ, والثالثة لمحمد بن زكريا الرازي الطبيب العربي المعروف المتوفى عام ٣٢٠ هـ. أما فصول الرازي المختصرة فمنقولة من كتابه الموسوم بالمنصورى في الطب، والتي لعلي بن عباس منقولة من كتابه الموسوم بالملكى (١)، والتي من ابن سينا منقولة من كتابه "القانون"، وهذه المصنفات الثلاثة على نسق واحد من الوضوح المعروف في كتب الأقدمين، وكلها يبتدئ بعلم العظام، فهم يتكلمون أولًا عن العظام بوجه عام ثم يدرسونها دراسة مفصلة من قمة الجسم الإنسانى إلى أخمص القدم: عظام الرأس والأسنان والعمود الفقرى والصدر وعظام الأطراف العليا واليدين وعظام الأطراف السفلى والقدمين، ولم يكن الفرع الخاص بالأسنان قد انفصل من التشريح انفصالا تامًّا في ذلك الحين. ثم تأتى بعد ذلك دراسة العضل، وقد أحصوها وبينوها على النظام نفسه. ثم يأتي المجموع العصبى والشريانى: كالأعصاب والدماغ والنخاع الشوكى والشرايين والأوردة. ويختم ذلك بشرح الأعضاء الظاهرة والباطنة، كأعضاء البصر والشم والسمع واللسان والحنجرة والرئتين والمعدة والأمعاء والكبد والطحال والكليتين والمثانة وأعضاء التناسل. وقد أثبت ده كوننك أمام عدة فصول من كتاب ابن سينا الفصول المقابلة لها من كتب جالينوس وأوريباز، وهي الخاصة بالعضلة المربعة المعينية، والعضلة القابضة لأصابع اليد، والشريان الرئوى وصمامات القلب والقزحية وعظم القلب (كذا).
وقد درست جميع هذه الفصول التشريح درسا مفصلا مطولا، فاستقصى أصحابها البحث عن كل عضلة من حيث الوظيفة والغرض؛ وللتشريح العربي مصطلحاته الخاصة
стр. 2190
به فلا توجد فيه ألفاظ فارسية أو يونانية ما عدا كلمة طروخانطير - Tro) (chanter بخلاف الحال في الطب والنبات.
والتشريح يخالف الرياضيات والفلك والكيمياء ذلك أنه لم يزودنا بمصطلحات ما. نعم استعملت بعض ألفاظ في النقول اللاتينية في العصور الوسطى مثل كلمة Meri وهي المرئ، و Myrach وهي بالعربية مراق، و si- phac وهي بالعربية صفاق؛ بيد أن هذه الألفاظ اندثرت الآن:
وأبو القاسم الزهراوى Albucasis)) طبيب عبد الرحمن الثالث القرطبي (القرن الرابع الهجرى الموافق للعاشر الميلادي) وابن زهر الإشبيلي المتوفى عام ٥٩٥ هـ أغزر جراحى العرب علمًا وأكثرهم تجربة، فقد صنف الأول منهما كتاب "التصريف (١) " والجزء التشريحى والجراحى منه مستخلص من كتب بولص الأجانيطى، وهو مؤلف بوزنطى متأخر معاصر لظهور الإسلام رحل إلى بلاد العرب، وعرف هؤلاء قدره لنبوغه في العمل الجراحى، وتكلم أبو القاسم عن العمليات الجراحية ووصفها وصوّر بعض آلاتها, ولهذا الكتاب نسخ مخطوطة كثيرة، وترجمه إلى اللاتينية كيرار القرمونى وهو من أعيان القرن الثاني عشر الميلادي، وطبع في البندقية عام ١٤٩٧ م ثم في بال عام ١٧٧٨, وقبس منه كوى ده شولياك Guy de Chauliac (سنة ١٣٠٠ - ١٣٦٨ م) فكان له أثر كبير على العلم الغربي. أما ابن زهر فكان طبيبا بارعًا ذا نفس وثابة تحرر إلى حد كبير من علم جالينوس, واستعاض عنه بالتجربة، وهو المصدر الكبير الذي اغترف منه أرنو ده فينيف Arnaud deVilleneuve؛ يضاف إلى ذلك أن قسطنطين الإفريقى -أقدم المترجمين الغربيين (١٠٢٠ - ١٠٨٧ م) - قد نقل الكتاب الملكى لعلي بن عباس إلى اللاتينية. وعرف العرب علم الرمد وعدوه فرعًا برأسه، ولهم مشاهدات في تشريح الحيوان والتهجين والمشيئات Monstres.
стр. 2191
المصادر:
(١) analomie: p de koning 'traites d Trois arabe النص والترجمة، ليدن سنة ١٩٠٣.
(٢) الكاتب نفسه: Traite sur Le caL- cul dans les reins et dans la vessi. لأبي بكر محمد بن زكريا الرازي، طبع وترجم في ليدن سنة ١٨٩٦.
(٣) nSieben Buecher der: Max Simon Anatoime des Galen ليبسك سنة ١٩٠٦.
(٤) Arabian Med-: Donald Campbell influence on the Middle icine and its Ages, في مجلدين، لندن سنة ١٩٢٦.
(٥) Islam: Carra de Vaul penseurs de L ج ٢، باريس سنة ١٩٢١, ص ٢٧٦ - ٢٨٩.
(٦) ad Almansorem libri X.: Razes, ميلان سنة ١٤٨٧.
(٧) Canon: Avicenne طبع باللاتينية في البندقية سنة ١٥٠٧، وطبع بالعربية في رومة سنة ١٥٩٣.
(٨) Chyrurgia: G. de Cauliaco, البندقية سنة ١٤٩٧ وهو يتضمن كتاب الجراحة لأبي القاسم خلف بن عباس الزهراوى.
[كارا ده فو B Carra de Vaux]
التشريق
" التشريق": هو الاسم الذي تعرف به الأيام الثلاثة الأخيرة من الحج، من الحادي عشر إلى الثالث عشر من ذي الحجة، وفيها يقيم الحجيج في منى بعد إذ فرغوا من مناسك الحج ليرموا الجمرات الثلاث كل يوم سبع حصيّات.
وكانت كلمة التشريق تطلق في صدر الإسلام على الصلاة التي تقام في صبيحة العاشر من ذي الحجة (١) ولعلها كانت من كلمات الجاهلية فلم يقطع المسلمون فيها بتفسير، من ذلك أنهم أخذوا بظاهر الكلمة فقالوا إنها من
стр. 2192
تشريح اللحم المتبقى من الضحية في ذي الحجة وتقديده وهو تفسير يشك (١) فيه. وفي حديث من أحاديث الآحاد أن كلمة التشريق مأخوذة من تلاوة الكلمات الآتية "أشرق ثبير كيما نغير (٢) ". وعلى هذا جاز القول بأن هذه الكلمات لم تكن تقال في الأصل قبل مشرق اليوم العاشر من ذي الحجة فقط كما نبئنا، وإنما كانت تقال أيضًا عند رمى الجمرات في الأيام التالية له" وأنها كانت من أركان الشعائر في هذه الأيام فسميت الشعائر جميعا فيما بعد بهذا الاسم.
وفي الإسلام جرى الحجاج على رمى الجمرات وهم يكبرون ويهللون بعبارات أخرى.
ولعل هذا هو الذي حدا بأبى حنيفة إلى القول بأن التشريق هو التكبير (تاج العروس، ج ٦، ص ٣٩٣.
المصادر:
(١) لسان العرب، ج ١٢، ص ٤٢ وما بعدها.
(٢) تاج العروس، ج ٦، ص ٣٩٣ وما بعدها.
(٣) An Arabic, English Lex-: Lane icon ص ١٥٤١.
(٤) Die Israeliten zu Mekka: R. Dozy، ليبسك هارلام، سنة ١٨٦٤, ص ١١٨ - ١٢٦، ولا يؤخذ الآن بالرأى القائل بأن الكلمة مشتقة من العبرية.
(٥) Het Mekkaansche: Snouckhurgronje Feest، ليدن سنة ١٨٨٠ Verspreide. Geschriften ج ١، ص ١ وما بعدها) ص ١٧١ - ١٧٤.
(٦) Rete arabischen Hei-: Wellhausen dentims, ص ٨٠, ١٩٠, تعليق ١.
(٧) Ueber die Zeits-: Th. W. Juynboll chrift في Bedeutung des Wortes
стр. 2193
fuer Assyriologie, ج ٢٧, سنة ١٩١٢، ص ١ - ٧.
(٨) Le: Gaudefroy - Demombynese Pelerinage a la Mekk باريس سنة ١٩٢٣, ص ٢٧٣, ٢٩١ - ٢٩٩, ص ٣٠٢, التعليق.
[باريه R. Paret]
تشرين
اسم الشهرين الأولين في التقويم السورى وهذا التقويم قديم قدم النقوش التدمرية، وهو يدل فيها على شهر واحد هو الشهر الأول (السابع في تقويم اليهود) في حين أطلق على الشهر الثاني اسم "كانون" و "تشرين" في تقويم كنيسة السريان اسم شهرين هما الثالث والرابع من التقويم السورى -أي التاسع والعاشر من تقويم اليهود وهما "كسيلو" و"طيبيث" واستبدل بكانون شهر تشرين الثاني، وقد رأى كودشمد Gutschmid أن تقويم هليوبوليس- وتسمى الشهور الأربعة الأولى منه ب"أك" و "ثورين" و "كيلون". "تشانو" -هو مرحلة من مراحل تطور أسماء الشهور الأربعة الأولى من التقويم السريانى، إذ كان لكل منها في أول الأمر اسم بذاته ثم غدا لكل زوجين منها اسم واحد؛ وتقابل الأسماء "ثورى" و "كيلون" و "تشانو" الأسماء "تشرى" و "كسليو" و "كانون". والسبب في تغير "كيلون" إلى "كانون" يرجع إلى إبدال في الحروف، أما إحلال "تشرى" محل "أك" فلعله يعود إلى اليهود. ويميز أهل الشام بين التشرينين بقولهم تشرين "قديم" و "تشرين حراى" كما ورد في البيرونى. أما العرب فيقولون "تشرين الأول" و "تشرين الآخر" أو "الثاني".
وأصبح هذان الشهران متفقين في الزمن مع شهرى أكتوبر ونوفمبر من التقويم الروماني، وأيام الأول واحد وثلاثون يوما والثاني ثلاثون فقط. وتسقط في التشرينين منازل القمر الأربعة الأولى وتطلع فيما بين الخامس عشر والثامن عشر، ويحدث هذا -كما يقول البيرونى- في العاشر والثالث والعشرين من تشرين الأول، وفي
стр. 2194
الخامس والثامن عشر من تشرين الثاني، أو في الثامن عشر والحادى والثلاثين من تشرين الأول والثالث عشر والسادس والعشرين من تشرين الثاني، كما يقول القزوينى. ويقول البيرونى إن كواكب منازل القمر الأربعة طلعت وسقطت في الثاني والعشرين من تشرين الأول وفي الخامس والثامن عشر والحادى والثلاثين من تشرين الثاني لسنة ألف وثلاثمائة للإسكندر الرومى الموافق عام ٩٨٩ لميلاد المسيح. المصادر:
(١) البيرونى، طبعة سخاو، ص ٦٠, ٧٠ , ٣٤٧ - ٣٤٩
(٢) القزوينى: عجائب المخلوقات طبعة فستنفلد، ج ١، ص ٤٢ وما بعدها، ٤٧ وما بعدها، والترجمة الألمانية بقلم Ethe ص ٨٨ وما بعدها، ٩٨ وما بعدها، ١٣٥ وما بعدها.
(٣) A glossary of the Ara-: A, Cook lnscriptions maic سنة ١٨٩٨، هذه المادة.
(٤) A Text - Book of: G A Cook lnscripitions North - Semitic سنة ١٩٠٣.
(٥) Schriften: A.V. Gutschmid Kleine ج ٢، سنة ١٨٩٠، ص ٦٤٧ وما بعدها.
(٦) Techn. Chron.: Ginzel .U .math .d .Hand b ج ١، ص ٢٦٤, ج ٣، ص ٣٣.
[بلسنر M. Plessner]
التشهد
" التشهد": مصدر الخماسي من شهد، وهو تلاوة الشهادة خصوصا في الصلاة.
وينبغى ألا يغيب عن الذهن أن التشهد في هذه الحالة لا يشمل الكلمتين وحدهما ولكنه يشمل كذلك النص الآتي:
١ - "التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله".
٢ - و "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين".
٣ - والشهادة الأصلية المكونة من الكلمتين (١) وصيغة التشهد هذه تتفق
стр. 2195
وحديث رواه ابن عباس جاء في صدره "كان رسول الله [ ﷺ ] يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن" (انظر مسلم، كتاب الصلاة، ٦٠).
ويروى ابن مسعود الحديث نفسه مُسقطا لفظ "المباركات" من الفقرة الأولى من (١) (صحيح مسلم، كتاب الصلاة، ٥٦؛ أحمد بن حنبل: المسند, ج ١، ص ٤٢٢).
أما أبو موسى الأشعرى فيرويه هكذا: "التحيات الطيبات الصلوات لله".
ويثبت النووي في شرحه كتاب الصلاة من صحيح مسلم أن الأئمة يجيزون الصيغ الثلاث، وإن كانت المذاهب لم تجمع الرأى على أي الصيغ هي الأفضل (٢).
ويتلى التشهد مرتين في الصلاة: الأولى عقب الركعتين الأوليين، والثانية في ختام الصلاة. وفي المرة الأخيرة قد يتبع بدعوات خاصة ثم يختم بالتسليمتين.
المصادر:
(١) كتب الفقه
(٢) الفقرات من كتب الحديث التي ذكرها فنسنك في كتابه Handbook of Muhammadan Tradition Early مادة تشهد، وبخاصة الإشارات إلى الترمذي.
(٣) وقد وصف لين Lane الشعائر الحديثة في الفصل الخاص بالدين والشريعة من كتابه - Manners and Cus .toms of the Modern Egyptians
[فنسنك Wensinck .J.A]
стр. 2196
التصوف
١ - أصل الكلمة:
التصوف مصدر الفعل الخماسي المصوغ من "صف" للدلالة على لبس الصوف، ومن ثم كان المتجرد لحياة الصوفية يسمى في الإسلام صوفيًا.
ينبغي رفض ماعدا ذلك من الأقوال التي قال بها القدماء والمحدثون في أصل الكلمة، كقولهم إن الصوفية نسبة إلى "أهل الصفة" وهم فرق من النساك كانوا يجلسون فوق دكة المسجد بالمدينة لعهد النبي [ ﷺ ]، أو أنهم من الصف الأول من صفوف المسلمين في الصلاة، أو من بنى صوفة، وهي قبيلة بدوية، أو أنهم نسبوا إلى "الصَوفْانة" وهي بَقْلة أو إلى "صوفة القفا" وهي الشعرات النابتة عليه، أو أن اللفظ مشتق من "صوفى"، مطاوع صافى والأصل صَفَا. وقد استعصل هذا اللفظ المطاوع منذ القرن الثامن الميلادي للتورية مع كلمة صوفى بمعنى المتنسك لابس الصوف، ومع الكلمة اليونانية سوفوس التي حاولوا فيها المحال بالمعادلة بين "تيوسوفيا" Theosophie".
و"تصوف". وقد رد نولدكه Noeldeke هذا المذهب الأخير في أصل كلمة "صوفى" مبينا أن السين اليونانية تكتب باطراد في العربية سينًا لاصادًا، وأن ليس في اللغة الآرمية كلمة متوسطة للانتقال من "سوفوس" اليونانية إلى "صوفى" العربية (Noeldeke في Zeitschrift der -Deutschen Morgenlandischen Ge sellschafl ج ٤٨، ص ٤٥).
وورد لفظ "الصوفى" لقبًا مفردا لأول مرة في التاريخ في النصف الثاني من القرن الثامن الميلادي، إذ نعت به جابر بن حَيان، وهو صاحب كيمياء شيعى من أهل الكوفة، له في الزهد مذهب خاص (انظر خشيش النسائي المتوفى عام ٢٥٣ هـ الموافق عام ٨٦٧ م: الاستقمامة) وأبو هاشم الكوفي المتصوف المشهور. أما صيغة الجمع "الصوفية" التي ظهرت عام ١٩٩ هـ (٨١٤ م) في خبر فتنة قامت بالإسكندرية (الكندى: قضاة مصر، طبعة غست Guest, ص ١٦٢ , ٤٤٠) فكانت تَدل -قرابةَ ذلك العهد فيما يراه المحاسى (مكاسب، مخطوط فارسى، رقم ٨٧) والجاحظ (البيان والتبين ج
стр. 2197
١، ص ١٩٤ - على مذهب من مذاهب التصوف الإسلامي يكاد يكون شيعيا نشأ في الكوفة، وكان عَبْدَك الصوفى آخر أئمته، وهو من القائلين بأن الإمامة بالتعيين، وكان لا يأكل اللحم، وتوفى ببغداد حوالي عام ٢١٠ هـ (٨٢٥ م) , وإذن فكلمة "صوفى" كانت أول أمرها مقصورة على الكوفة.
وقدر لهذا الاسم أن يكون له شأن خطير فيما بعد، فما انقضى خمسون عاما حتى أصبح يطلق على جميع الصوفية بالعراق في مقابل "الملامتية" وهم الصوفية بخراسان، ثم أخذ هذا الاسم يطلق بعد ذلك بقرنين على جميع أهل الباطن من المسلمين كما هو حالنا اليوم في إطلاق كلمة "صوفى" و"صوفية". وفي غضون ذلك أصبحت لبسة الصوف، أي عباءة من الصوف، وما برحت، من أخص أزياء المسلمين من أهل السنة. واستقبح هذا الزى حوالي عام ١٠٠ هـ (٧١٩ م) فقيل إنه نصرانى دخيل في الإسلام. وقد عابوا على فرقد السبخى تلميذ الحسن البصري هذه اللبسة. وروى الجوبيارى عن النبي أحاديث، يستحب فيها لبس الصوف لرجال الدين.
٢ - أصول التصوف:
والتفاسير الصوفية للقرآن والأحاديث الصوفية عن حياة محمد الباطنة التي لا نعلم عنها إلا القليل، متأخرة في الزمن بعض الشيء حتى ليشك فيها، على أن النزوع إلى التصوف، وما خلا منه قطر من الأقطار أو أمة من الأمم لم يكن يعوز البلاد العربية الإسلامية في القرنين الأولين للهجرة؛ فإذا ما استبعدنا الأساطير المتأخرة، فإنا نجد الجاحظ وابن الجوزي، وهما من القصاص، قد حفظا لنا أسماء نيّف وأربعين زاهدًا عاشوا حقا في ذلك العهد، وكان في إبطانهم العبادات دلائل بينة على حياة التصوف؛ على أنه لم يعد من الجائز أن يقال إن محمدًا [ ﷺ ] أخرج المتصوفة ابتداءً من الجماعة الإسلامية، إذ لا يخفى على أحد اليوم أن الحديث المشهور "لا رهبانية في الإسلام" - الذي ذهب شبرنكر Sprenger في تفسيره
стр. 2198
هذا المذهب- حديث موضوع، وليس من شك أنه وضع في القرن الثالث الهجرى على أكثر تقدير تحبيذا وتدعيما لتفسير جديد للآية السابعة والعشرين من سورة الحديد التي ورد فيها ذكر الرهبانية، وهو تفسير يحرمها ويعيذ الإسلام منها، وكان مفسرو القرون الثلاثة الأولى للهجرة أمثال مجاهد وأبي أمامه الباهلى (انظر Essai sur les origines: Massignon -du Lexique tech nique de la mystique Mu sulmane ص ١٢٣ - ١٣١) والمتصوفة القدامى الذين عرفوا بالحرص (انظر جنيد: دواء الأرواح) قد أجمعوا على تفسير هذه الآية تفسيرا يجيزها ويمتدحها قبل أن يشيع التفسير المعارض الذي غلّبه الزمخشرى على جميع التفاسير.
ويجوز للمتصوفة المسلمين أن يزعموا أنه كان بين الصحابة رجلان يعدان بحق السابقين إلى التصوف هما أبو ذر وحذيفة، ولم يثبت ثبوتا قاطعا أن أويسا وصهيبا كانا على شاكلة هذين الصحابين. وجاء بعد هؤلاء، النساك والزهاد والبكاءون والقصاص، وكانوا أول أمرهم متفرقين لا رابط بينهم، ثم تجمعوا فريقين، شأنهم في ذلك شأن بقية المتفقهين في سائر العلوم الإسلامية، وكان مركز الفريقين على حدود أرض الجزيرة من صحراء العرب أحدهما في البصرة والآخر في الكوفة.
وكان العرب الذين استوطنوا البصرة من بنى تميم، مفطورين على النقد لا يؤمنون إلا بالواقع، كلفوا بالمنطق في النحو والواقع في الشعر والنقد في الحديث وكانوا على مذهب أهل السنة مع جنوح المعتزلة والقَدِرَية، وكان شيوخهم في التصوف الحسن البصري المتوفى عام ١١٠ هـ (٧٢٨ م) ومالك بن دينار وفضل الرقاشى ورباح ابن عمرو القيسى وصالحا المرّى وعبد الواحد ابن زيد المتوفى عام ١٧٧ هـ (٧٩٣ م) صاحب طائفة الزهاد في عبادان.
أما العرب الذين استوطنوا الكوفة فكانا من اليمانية، أصحاب مثل وتقاليد يستهويهم الشواذ في النحو والخيال في الشعر والظاهر في الحديث. وكانوا
стр. 2199
على مذهب الشيعة مع ميل إلى المرجئة. وشيوخهم في التصوف ربيع بن خَيثَم المتوفى عام ٦٧ هـ (٦٨٦ م) وأبو إسرائيل الملائى المتوفى عام ١٤٠ هـ (٧٥٧ م) وجابر بن حَيّان، وكليب الصيداوى، ومنصور بن عمّار، وأبو العتاهية وعَبْدَك. وقضى منصور بن عمّار وأبوالعتاهية وعبدك الشطر الثاني من حياتهم في بغداد، قصبة الدولة الإسلامية التي غدت مركز الحركة الصوفية بعد عام ٢٥٠ هـ، وهو العام الذي بدأت تعقد فيه الاجتماعات والحلقات للتناظر في شئون الدين، وتلقى فيه أولى الدروس الصوفية في المساجد.
وهو أيضًا العهد الذي اشتجر فيه الخلاف جهرة ولأول مرة بين المتصوفة والفقهاء، وسيق فيه أمام قضاة بغداد ذو النون المصري عام ٢٤٠ هـ، والنورى، وأبو حمزة (ما بين عامي ٢٦٢ - ٢٦٩ هـ = ٨٧٥ - ٨٨٢ م في رواية ابن الجوزي: تلبيس إبليس، ص ١٣٨) والحلّاج.
٣ - شأن الصوفية في الجماعة الإسلامية:
لم يكن المتصوفة الأول يتوقعون أن يصطدموا بأولى الأمر في الجماعة الإسلامية، فهم إذا كانوا قد جنحوا إلى العزلة وآثروا الفقر فذلك لكى يتقرأوا القرآن (تقرأ هو المرادف القديم لكلمة تصوف) بالتماس القربى من الله في الصلاة. والواقع أن منشأ النزوع إلى التصوف هو ثورة الضمير على ما يصيب الناس من مظالم لا تقتصر على ما يصدر عن الآخرين وإنما تنصب أولًا وقبل كل شيء على ظلم الإنسان نفسه. وتقترن هذه الثورة برغبة في الكشف عن الّله بأى وسيلة يقويها تصفية القلب من كل شاغل، وهذا الذي نلمسه في سيرة الحسن البصري وفي عبره وعظاته (انظر Is ١: Schaeder ج ١٤، ص ١ - ٧٢, Massignon: Essai , ص ١٥٢ - ١٧٩) قد تجلى في السيرتين الرائعتين اللتين كتبهما المتصوفان الكبيران المحاسبى (الوصايا، وقد نشرت ترجمتها في Massignon, ص ٢١٦ - ٢١٨) والغزالى (المنقذ من الضلال، وقد ترجمه - Barbier de Mey
стр. 2200
nard) يترجمان فيهما عن نفسيهما. على أن ذلك لم يكن قد هدد بعد النظام القائم بالغا ما بلغ جور الحاكم، ولكن الفقهاء والمتكلمين أسخطهم أن يروا أناسا يتحدثون عن نشدان الضمير ويحتكمون إلى قضائه الباطن، في حين أن شريعة القرآن تحاسب على الأعمال الظاهرة وتعاقب الناس على آثامهم ولا حيلة لها مع النفاق في الدين، ولذلك حاولوا أن يبينوا أن حياة الصوفية لا محالة مفضية بهم إلى الزيغ, لأنهم يقولون إن النية مقدمة على العمل وإن السنة خير من الفرض وإن الطاعة خير من العبادة.
وكان الخوارج أول الفرق الإسلامية التي أظهرت عداوتها للصوفية، وهذا باد فيما وقع للحسن البصري. ثم جاءت الإمامية (الزيدية والاثنا عشرية والغلاة) في القرن الثالث الهجرى فأنكروا كل نزوع إلى التصوف لأنه يستحدث بين المؤمنين ضربًا من الحياة الشاذة (صوف، خانقاه) تتمثل في طلب الرضا من غير توسل بالأئمة الاثنى عشر وطلب إمامة تناقض ما جروا عليه من تَقِيَّة.
وأبطأ أهل السنة في بيان موقفهم وأجمعوا على إنكار التصوف، ودحضه فريقان منهم الحَشْويَّة، وابن حنبل يأخذ على التصوف أنَّه يغذى التفكر ويصرف أصحابه عن مظاهر العبادة ويحملهم على طلب الخلة مع الله فيستبيحون إغفال الفرائض. وخشيش وأبو زرعة، وهما ممن تتلمذ لابن حنبل، يجعلان المتصوفة طائفة من الزنادقة (الروحانية).
أما المعتزلة والظاهرية فيستنكرون العشق, لأنه يقوم من الناحية النظرية على التشبيه، ويقوم من الناحية العلمية على الملامسة والحلول.
ولكن الواقع أن أهل السنة لم يقولوا بمروق المعتدلين من المتصوفة، فقد دأب أهل السنة على الاهتداء في معاملاتهم وعباداتهم بالرسائل المشهورة التي ألفها ابن أبي الدنيا المتوفى عام ١٨١ هـ (٨٩٤ م) ثم بعيون التواليف مثل كتاب "قوت القلوب" لأبي طالب المكي المتوفى عام ٣٨٦ هـ (٩٩٦ م) وكتاب الإحياء للغزالى بصفة خاصة، وكان
стр. 2201
فقهاؤهم -الذين اشتدوا في الحط من شأن المتصوفة أمثال ابن الجوزي وابن تيمية وابن القيّم- يقدرون الغزالى ويعدونه حجة في مسائل الأخلاق. وإنما صب فقهاء أهل السنة المتأخرون جام غضبهم على مريدى ابن عربي لقولهم بالوحدة. وقد شرح صاحب مذهب الوهابية -ونحن نعلم مبلغ خصومته للمتصوفة- وصية المتصوف "شقيق" إلى "حاتم الأصم".
٤ - معنى الاتحاد وتطوره في تاريخ التصوف
كان التصوف في أول عهده يدور حول نقطتين: أولاهما أن العكوف على العبادة يولد في النفس "فوائد" هي الحقائق الروحية، وقد أنكر الحَشْويَّة ذلك؛ وثانيهما أن علم القلوب يفيض على النفس "معرفة" تنطوى على استعداد الإرادة لتلقى هذه الفوائد، وقد أنكر المعتزلة ذلك وقنعوا بمعرفة النفس معرفة نظرية.
ويقول المتصوفة إن في علم القلوب قوة محركة، وهو يبين السفر إلى الله وما فيه من مقامات وأحوال عدتها اثنا عشر، كما يقولون إن بعض الفضائل يُكتسب وبعض الفوائد يُتلقى. والمتصوفة -أمثال السرَاج والقشيرى والغزالى- يختلفون في ذكر المقامات والأحوال، ولكنهم مع ذلك يكادون يجمعون على استعمال اصطلاحات مشهورة بعينها مثل التوبة والصبر والتوكل والرضا.
وإذا صرفنا النظر عن خلاف المتصوفة في السفر إلى الله فإنا نجدهم قد وجهوا همهم بنوع خاص إلى تحديد الغاية القصوى التي هي تحقق النفس بمعرفة الحق عندما يقطع العبد كل علائقها بالبدن. ولكن كيف السبيل إلى التعبير في لغة أهل السنة عن هذه الحال الراقية التي تخاطب فيها النفس الله وهي واحدة، وهي حال تثير موضوع "الشَطْح" الذي لم نصل بعد إلى رأى فيه، وقد كانت رابعة والمحاسبى ويحيى الرازي أول من فتح الله عليهم بها.
ومن هنا لم يجد الصوفية بدًا من الرجوع إلى الألفاظ التي استعملها الفقهاء لعهدهم، فاستعاروا منها في
стр. 2202
شتى المواطن مصطلحات حوروها بعض الشيء دون أن يحددوا لها معنى. ومن قبيل ذلك أن شقيقا استعمل لفظ "التوكل"، والمصرى وابن كَرَام لفظ "المعرفة", والمصرى والبسطامى لفظ "الفناء" وهو ضد "البقاء" (انظر سورة الرحمن، الآيتين ٢٦ , ٢٧)، والخرّاز لفظ "عين الجمع"، والترمذي لفظ "الولاية" إلخ. وقد انتهج التصوف الإسلامي في عهده الأول هذا السبيل فألقى بنفسه في مزالق ما وراء الطبيعة التي عرض لها المتكلمون الأول وفي مسائل الجوهر الفرد والمادية والاتفاق، وهي مباحث تنكر روحانية النفس بل بقاءها، وتخلط بين الموحدة الوجودية والوحدة العددية مما ينبنى عليه بالضرورة أن تسلك المدرسة الصوفية الأولى في زندقة الحلولية. فلو نظرنا إلى الكَرَامية الذين يقولون إن لله شأنا في خلق النفوس رأينا أن الأشعرية يأخذون عليهم إضافة الأعراض إلى الذات الأزلية، وإذا نظرنا إلى السالمية الذين يميلون إلى القول بأن النفوس المقبلة على الله تستطيع أن تتصل بالحضرة الإلهية، وجدنا أن الحنابلة يعيبون عليهم اتخاذهم من ذكر الله سبيلا إلى معرفته، ثم إننا إذا نظرنا إلى الحَلاجية رأينا أنهم يستدلون من خطاب الله في حالة الوجد ومما يعرض للعبد في هذه الحالة من تغير يحصل في أعماق نفسه، على أن الله قد جعل له من أوليائه شواهد، وهذا الرأى مردود لاستحالته ومنافاته للدين وتغليبه جسم الإنسان الفانى على الذات الإلهية، إذ ليس لذاتين أن تتحيزا مكانا بعينه في وقت واحد.
وتسربت الفلسفة اليونانية إلى العالم الإسلامي، وأخذ سلطانها يزداد باطراد منذ أيام الأدرية القرامطة القدامى والرازى الطبيب إلى عهد ابن سينا، وكان من نتيجة ذلك أن استحدثت في القرن الرابع للهجرة مصطلحات ميتافيزيقية أدق من سابقها يفهم منها أن الروح والنفوس جواهر غير مادية، وأن ثمت معاني عامة وسلسلة من العلل الثانية وغير ذلك، وأن هذه المصطلحات اختلطت بالإلهيات المنحولة لأرسطو وبمثل أفلاطون وفيوضات أفلوطين، وقد كان لهذا كله
стр. 2203
أثر بالغ في تطور التصوف. وحار شيوخ الصوفية لهذا العهد بين ضروب ثلاثة في تصير الاتحاد الصوفى تفسيرًا، فلسفيًا:
(١) فالاتحادية -من ابن مَسَرَة وإخوان الصفاء إلى الفارابى وابن قَسى - يقولون إن الاتحاد هو تأليف معان بتأثير العقل الفعال (والعقل الفعال هو الفيض الإلهى؛ والفيض الإلهى هو النور المحمدى عند القرامطة والسالمية) على النفس المنفعلة.
(ب) والإشراقية -من السهروردى الحلبى والجلدَكى إلى الدّوانى وصدر الدين الشيرازى- يقولون بتجوهر النفس وتألق النور الإلهى في إشراقات العقل الفعال.
(ج) والوصولية -من ابن سينا إلى ابن طفيل وابن سبعين- يلتزمون القول بأن النفس تصل إلى موافقة الحق، ومن ثم تشعر بوجود جامع لا تكثُّر فيه ولا تعدد ولا تفرقة بأى وجه من الوجوه.
ولنلاحظ في هذا المقام أن الغزالى (مقاصد الفلاسفة، ص ٧٤) أنكر رأى الاتحادية، وهو رأى أقره ابن سينا في كتاب النجاة (القاهرة، ص ٤٠٢ - ٤٨١) ورفضه في كتاب "الإشارات" (الفصل التاسع، ص ١١٨؛ ابن عربي: التجليات)؛ ولنلاحظ أيضًا أن ابن سبعين، وهو من غلاة القائلين بالمادة الحية Hylemorphiste) لا يرى في الله إلا الصورة أو مبدأ "الأنِّية" في جميع المخلوقات.
وفي القرن السابع الهجرى (الثالث عشر الميلادي) يبدأ العهد الثالث والأخير في تطور مذهب التصوف، وأبرز مدارس الصوفية لهذا العهد هي المدرسة التي أطلق عليها خصومها اسم "الوحدانية" أو "الوجودية" لأنها تدعو إلى وحدة الوجود، ويزعم أصحاب هذه المدرسة أن لمذهبهم أصلا قديما، فهم يؤولون آيات من القرآن سورة القصص، الآية ٨٨؛ سورة ق، الآية ١٥ *) بما يعزز مذهبهم، كما يؤولون "كلام" الأشاعرة الأقدمين في أن كل حال روحية إنما هي فعل من أفعال الله الصادرة عنه بلا واسطة، ومبالغات المتصوفة الأول كالبسطامى
стр. 2204
والحلاج (وقد جمع عين القضاة الهمذانى في كتاب "التمهيدات" بعض هذه الأقوال، ومنها كلمة "الوجود" المشتقة من الوجد، واستعملها صاحب هذا الكتاب أيضًا بمعنى إلباس الّله مخلوقاته صفات في مقابل كلمة "كون"). على أن مذهب الوحدانية هذا مستمد في الواقع من الفكرة التي عرضت منذ القرن الثالث الهجرى وهي أن النور المحمدى الذي قال به الأدرية المسلمون هو عين العقل الفعال الذي ظهر في العهد اليونانى المتأخر، (ولم يبرأ ابن رشد نفسه من التأثر بمذهب الفيض، وذلك أنه قال في كتابه "تهافت التهافت" إن ثبوت الأشياء في علم الّله هو أرقى درجات وجودها وإن النفوس يجب أن تتحد به على نحو ما يتحد عقل منفعل في العقل الفعال). وكان ابن عربي المتوفى عام ٦٣٨ هـ الموافق ١٢٤٠ م أول من صاغ أصول مذهب وحدة الوجود. ويلاحظ ابن تيمية أن مذهب ابن عربي في جوهره هو أن وجود المخلوقات عين وجود الخالق: وهو في الحقيقة يرى أن الأشياء تصدر ضرورة عن العلم الإلهى الذي ثبتت فيه معانيها بفيض يتجلى على مراتب خمس. وأن النفس تعود إلى الذات الإلهية الجامعة بتنقلها من الكثرة إلى الموحدة تنقلا ترتبط مراحله ارتباطا منطقيًا. وفصل الفرغانى والجيلى هذا المذهب بعض التفصيل، وما زال الصوفية المسلمون جميعًا يقولون بهذا المذهب، وكثيرًا ما تغنى شعراء الفرس بالعبارة السهلة التي صاغها القونيوى ورتب بها آراء العطار على النحو الآتي: الله هو الوجود من حيث هو كلى لا يقوم بشيء، وهذا الوجود هو الذي يفيض بالكائنات المشخصة كما يفيض البحر من تحت أمواجه.
وفي نهاية القرن السابع عشر الميلادي أثار الكورانى والنابلسى سخط أهل السنة لأنهما انتهيا إلى أن مذهب وحدة الوجود هذا هو أصح ما تؤول به شهادة "أن لا إله إلا الله" في الإسلام (انظر Massignon: Hallaj, ص ٧٨٤ - ٧٩٠). ذلك أنهما يذهبان إلى أن الشهادة التي يرى المسلمون أنها تثبت استقلال الله الواحد عن خلقه إنما تدل على اتصاله به اتصالا مطلقا، وإن
стр. 2205
جُمّاع الموجودات بكل ما يصدر عنها من أفعال خلقية بأن تكون مجلى يُعبد الله فيه. وهذا المذهب في التأمل الذي يجعل للمشيئة الإلهية المكان الأرفع بالقياس إلى الأمر التكليفى قد جر الصوفية فيما جرهم إلى القول بفتوة إبليس (وهو قول أيده الجيلى) وفرعون (وهو قول مشهور من أقوال ابن العربي).
٥ - سمات التصوف الأخرى ودراسة مصادره:
والخصائص الأخرى التي يمكن ملاحظتها في مذهب التصوف هي:
١ - الإسناد: ويزعم الصوفية أنه يصل سلسلة شيوخهم بالنبي [ ﷺ ] كما هو الشأن في الحديث، وأقدم أسانيدهم المعروفة (الفهرست، ص ١٨٣) إسناد الخُلدى المتوفى عام ٣٤٨ هـ الموافق ٩٥٩ م، وهو يرفعه إلى النبي [ ﷺ ] على الوجه الآتي:
جنيد (٧) السَقَطى (٦) معروف الكرخى) (٥) فَرقَد (٤) الحسن البصري (٣) ثم أنس بن مالك (٢) وجاء الدقاق المتوفى عام ٤٠٥ هـ (١٠١٤ م)، (انظر القشيرى، ص ١٥٨) بعده بعشرين عامًا فذكر شيوخه بترتيب الخلدى ولم يختلف معه إلا في ذكر الكرخى قيل داود الطائى (٤) ثم ذكر آخر الأمر الإسناد الذي عليه الجمهور والذي تحددت طبقاته في القرن الثالث عشر الميلادي (ابن أبي أصيبعة: عيون الأنباء، جـ ٢، ص ٢٥٠) وهو الإسناد الذي أخذت به جميع الطرق الدينية الكبرى, ويأتى فيه بعد جنيد (٧) الروذبارى (٨) وأبو على الكاتب أو الزجاجى (٩) والمغربى (١٠) والكركانى (١١) ثم يأتي قبل داود الطائى (٤) حبيب العجمى (٣) والحسن البصري (٢) وعلى (١).
وقد بين ابن الجوزي والذهبي أن الطبقات الأربع الأولى في هذا الإسناد منحولة لأن واحدًا من هؤلاء لم يلق الآخر. وتصطنع بعض الطرق الأخرى إسنادًا تقدم فيه أئمة الشيعة التسعة الأول على معروف الكرخى، وهو أيضًا إسناد ملفق.
ب- طبقات رجال الغيب: ويزعم الصوفية أن العالم يدوم بقاؤه بفضل
стр. 2206
تدخل طبقة من الأولياء المستورين عددهم محدود، وكلما قبُض منهم واحد خلفه غيره، ورجال الغيب هم: ثلاثمائة من النقباء، وأربعون من الأبدال، وسبعة أمناء، وأربعة عمد ثم القطب وهو الغوث.
ب- الرخص التي تقوم عليها حياة الصوفية العامة والغالب أنها رخص لا نظير لها ولا حد لسطوتها، وهي قديمة العهد ترجع إلى أيام البسطامى والشبلى وأبي سعيد وتنتهي بمجذوبى العصر الحديث الذين يتفاوتون في الفسق والتحرر من التبعات. وينشد الصوفية في حلقاتهم أشعارًا خاصة، وقد ترعرع هذا الأدب الذي هو من خصائص الإسلام في كل مكان وغزر إنتاجه إلى حد بعيد، ولكنه لا يخلو من جفوة وإملال، فهو يتوسل بفنون البلاغة إلى إحداث ضرب من التواجد في نفوس المستمعين إليه.
ويمدح أصحاب هذا الأدب في لغة صوفية الخمر التي حرمها الشرع في هذه الدنيا وادخرت لجنة أهل الخصوص، ويتغنون بكاس المحبة التي يديرها الساقى (شمس الدير = ترسابجه) عليهم مسترسلين في تلويحاتهم فيتملكهم هيجاق يخرج بهم عن الطور في كثير من الأحيان، ومن هنا رأى غالب نقلة الغرب أن من الحكمة إغفال هذه التلويحات.
وأشهر شواهد هذا الشعر في العربية: قصائد ابن الفارض والتسترى، وفي الفارسية رباعيات أبي سعيد ومثنويات العطار والرومى المطولة (كقصة جلال الدين الرومى في الموحدة: من هناك؟ .. إنه أنت .. إلخ) وغزل حافظ وقصائد جامى المختلفة، وأشهرها في التركية أشعار نسيمى ونيازى. وتأقلم هذا الضرب من الأدب في بلاد الأردو والملايو وبقى بها إلى يومنا هذا، ومع ذلك فلم يعد له أثر في الشرق الأدنى، وينصرف عنه خاصة المسلمين المحدثين على الأيام.
أما دراسة مصادر التصوف فإن الشقة بيننا وبين استكمالها مازالت بعيدة، وقد حار علماء. الإسلاميات الأول في تعليل ذلك الخلاف الكبير في العقيدة بين مذهب الموحدة الحالى ومذهب أهل السنة الصحيح، فذهبوا
стр. 2207
إلى أن التصوف مذهب دخيل في الإسلام مأخوذ إما من رهبانية الشام (وهو رأى مركس Merx) وإما من أفلاطونية اليونان الجديدة، وإما من زرادشتية الفرس، وإما من فيدا الهنود (هو رأى جونس Jones). وقد بين نيكولسون Nicholson أن إطلاق الحكم بأن التصوف دخيل في الإسلام غير مقبول؛ فالحق إننا نلاحظ منذ ظهور الإسلام أن الأنظار التي اختص بها متصوفة المسلمين نشأت في قلب الجماعة الإسلامية نفسها أثناء عكوف المسلمين على تلاوة القرآن والحديث وتقرئهما وتأثرت بما أصاب هذه الجماعة من أحداث وما حل بالأفراد من نوازل. على أنه إذا كانت مادة التصوف إسلامية عربية خالصة فمما لا يخلو من فائدة أن نتعرف على المحسنات الأجنبية التي أدخلت عليه ونمت في كنفه. وهكذا استطاع الباحثون المحدثون أن يلمسوا في التصوف الإسلامي كثيرًا من خصائص العكوف عند رهبان النصارى (ومن هؤلاء الباحثين آسين بلاثيوس asin Palacios فنسنك Wensinck وأندرية T. Andrae)) وطائفة كبيرة من المصطلحات الفلسفية اليونانية المنقولة عن السريانية. ولم تدرس بعد شواهد المحسنات الإيرانية التي ساقها بلوشيه Blochet.
أما من حيث الخصائص السنسكريتية في التصوف الإسلامي (وهو قول هورتن Horten) فقد ذهب البيرونى ودار اشكواه إلى أن هناك تشابها بين الأوبنشاد أو إليوجاسوترا وأنظار المتصوفة الأول، ولم يقم بعد ما ساقاه من الأدلة إلا القليل، ونجد من ناحية أخرى أن بحث المراحل التي أدت إلى إدخال "الذكر" في طرق الصوفية المحدثين تدلنا على تسرب بعض طرائق الهنود إلى التصوف الإسلامي.
المصادر:
(١) عنى pfannmueller.G عناية فائقة في مصنفه Handbuch der Islam Litter atur يبسك سنة ١٩٢٣ , ص ٢٦٥ - ٢٩٢) بذكر المصادر الغربية التي يرجع إليها في دراسة التصوف وخير المصادر العامة التي أوردها في بيانه المطول هي:
(٢) Mystics of Islam: R.A Nicholson لندن سنة ١٩١٤
стр. 2208
(٣) Islamic Mysticism in Studies كامبردج سنة ١٩٢١
(٤) in Sufism The Idea of Personality سنة ١٩٢٢. وثمت مصادر يرجع إليها في بعض مسائل التصوف. فعن أصوله يرجع إلى أبحاث كولدتسيهر Goldziher الدقيقة Revue del'histoire des Religions جـ ٣٧، ص ٣١٤.
(٥) fuer die Kunde Wiener Zeitschrift des Morgenlandes ٦٨ , ص ٥٤٤
(٦) Der Islam جـ ٩، ص ١٤٤
(٧) Essai sur les origines: Massignon -du Lexique techique de la mystique Mu sulman , باريس سنة ١٩٢٢.
(٨) الكاتب نفسه - La Passion d' al martyr mystique de l'Islam Hallaj باريس سنة ١٩٢٢. ويرجع في شأن الغزالى إلى:
(٩) Algazel: Asin Palacios سرقسطة سنة ١٩٠١ وإلى:
(١٠) Cultura espaniola , ص ٢٠٩ وإلى:
(١١) - Melanges de la Faculte Orien tale de Beyrouth سنة ١٩١٤ , ص ٦٧
(١٢) Der philosophische: Obermann Subjektivismus Gazalis und religioese فينا سنة ١٩٢١ , ويرجع في شأن ابن الفارض إلى:
(١٣) Nallino في رده على Di Mat- teo في Rivista degli studi orientali سنة ١٩١٩ - ١٩٢٠. ويرجع في شأن ابن عربي إلى:
(١٤) Elmistico Mur-: Asin Palacios: ciano Abenarabi, مدريد سنة ١٩٢٥ - ١٩٢٦ في ثلاثة مجلدات، ويرجع في شأن التصوف الهندى في القرن السابع عشر إلى:
(١٥) Von Kremer في Journal Asia- tique سنة ١٨٦٩، ص ١٠٥، ويرجع فيما يختص بمناهج التصوف النفسية إلى:
(١٦) وثائق أفلاكى، ترجمة Hart في Les saints des deruiches tour- neurs باريس سنة ١٩١٨
(١٧) The Religious: D.B. Macdonald Attitude and Life in Isilm سنة ١٩٠٨.
ويرجع في شأن النصوص الأصلية إلى
стр. 2209
(١٨) الطبعات الجميلة التي قام بها نيكلسون Nicholson لكتب السراج والعطار وابن عربي والرومى، وإلى ترجمة Richard Hartmann لكاتب القشيرى وترجمة Hart لكتاب داراشكوه في Journal Asiatique سنة ١٩٢٦ , ص ٢٨٥ وإلى شروح Gard- ner على كتاب مشكاة الأنوار للغزالى Al Ghazzalis mishkat al - anwar - لندن سنة ١٩٢٤ , وشرح Horten على السهروردى الحلبى Die Philosophie der Erleuch tung nach Suhr awardi هالة ١٩١٢؛ وشرح كوبريلى زاده محمد فؤاد على المتصوفة الترك الأول: تورك أدبياتنده إيلك متصوفلر، إستانبول سنة ١٩١٩ وشرح Nyberg على ابن عربي Schriften des Ibn al - Ara- Kleinere) (bi ليدن سنة ١٩١٩ - إلخ
(٢٠) وأمهات الكتب العربية في الصوف هي تواليف المحاسبى والمكى والغزالى وابن عربي، وهي كتب مشايعة له، وانظر كذلك مصنفات المعارضين الكبيرين للتصوف وهما ابن الجوزي: تلبيس إبليس، طبعة القاهرة سنة ٣٤٠ هـ، وابن تيمية.
[ماسينيون Louis Massignon]
تعليق على مادة "التصوف "
أ- نشاة كلمة صوفى، ومتصوف وأصلهما
١ - كان الإقبال على الدين والزهد في الدنيا غالبًا على المسلمين في صدر الإسلام، فلم يكونوا في حاجة إلى وصف يمتاز به أهل التقى والعكوف على الطاعات والانقطاع إلى الله، ولم يتسم أفاضلهم في الجيل الأول بتسمية سوى صحبة رسول الله، إذ لا أفضلية فوقها، فقيل لهم الصحابة، ولما أدركهم أهل الجيل الثاني سمى من صحب الصحابة بالتابعين.
فلما فشا الإقبال على الدنيا في القرن الثاني وما بعده وجنح الناس إلى مخالطة المتاع الدنيوى قيل للخواص ممن لهم شدة عناية بأمر الدين، الزهاد والعباد.
ثم ظهرت الفرق الإسلامية، فادعى كل فريق أن فيهم زهادًا وعبادًا، هنالك انفرد خواص أهل السنة المقبلون على العبادة باسم الصوفية والمتصوفة،
стр. 2210
واشتهر هذا الاسم قبل المائتين من الهجرة، فهو اسم محدث بعد عهد الصحابة والتابعين (١).
ويقول بعض العلماء: إن هذا الاسم معروف في الملة الإسلامية من قبل ذلك، بل يذهب بعضهم إلى أنه لفظ جاهلى عرفته العرب قبل ظهور الإسلام.
قال أبو نصر عبد الله بن علي السراج الطوسى المتوفى سنة ٣٧٨ هـ (٩٨٨ م) في كتاب "اللمع" في التصوف: "وأما القائل إنه اسم محدث أحدثه البغداديون فمحال, لأنه في وقت الحسن البصري (٢) كان يعرف هذا الاسم، وكان الحسن قد أدرك جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ ورضى عنهم، وقد روى عنه أنه قال: (رأيت صوفيا في الطواف فأعطيته شيئًا فلم يأخذه وقال: معى أربعة دوانيق فيكفينى ما معى).
وروى عن سفيان الثوري (٣) ﵀ أنه قال: لولا أبو هاشم الصوفى (٤) ما عرفت دقيق الرياء. وقد ذكر في الكتاب الذي جمع أخبار مكة عن محمد ابن إسحاق بن يسار (٥) وعن غيره يذكر فيه حديثًا: إن قبل الإسلام قد خلت مكة في وقت من الأوقات حتى كان لا يطوف بالبيت أحد، وكان يجئ من بلد بعيد رجل صوفى فيطوف بالبيت وينصرف. فإن صح ذلك يدل على أن قبل الإسلام كان يعرف هذا الاسم، وكان يندسب إليه أهل الفضل والصلاح والله أعلم".
فاستعمال لفظ صوفى ومتصوف لم ينتشر في الإسلام إلا في القرن الثاني وما بعده، سواء) كان هذا التعبير عن الزهد "بالصوفى" حدث في أثناء المائة الثانية كما هو رأى ابن خلدون المتوفى عام ٨٠٦ هـ (١٤٠٦ م) في مقدمته، أم كان هذا التعبير معروفا في الإسلام قبل القرن الثاني، أم كان لفظًا جاهليًا على ما ذكره صاحب "اللمع" الذي