← Джавами‘

Джавами‘ · id 16521

موجز دائرة المعارف الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (10 087 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

تدخل طبقة من الأولياء المستورين عددهم محدود، وكلما قبُض منهم واحد خلفه غيره، ورجال الغيب هم: ثلاثمائة من النقباء، وأربعون من الأبدال، وسبعة أمناء، وأربعة عمد ثم القطب وهو الغوث. ب- الرخص التي تقوم عليها حياة الصوفية العامة والغالب أنها رخص لا نظير لها ولا حد لسطوتها، وهي قديمة العهد ترجع إلى أيام البسطامى والشبلى وأبي سعيد وتنتهي بمجذوبى العصر الحديث الذين يتفاوتون في الفسق والتحرر من التبعات. وينشد الصوفية في حلقاتهم أشعارًا خاصة، وقد ترعرع هذا الأدب الذي هو من خصائص الإسلام في كل مكان وغزر إنتاجه إلى حد بعيد، ولكنه لا يخلو من جفوة وإملال، فهو يتوسل بفنون البلاغة إلى إحداث ضرب من التواجد في نفوس المستمعين إليه. ويمدح أصحاب هذا الأدب في لغة صوفية الخمر التي حرمها الشرع في هذه الدنيا وادخرت لجنة أهل الخصوص، ويتغنون بكاس المحبة التي يديرها الساقى (شمس الدير = ترسابجه) عليهم مسترسلين في تلويحاتهم فيتملكهم هيجاق يخرج بهم عن الطور في كثير من الأحيان، ومن هنا رأى غالب نقلة الغرب أن من الحكمة إغفال هذه التلويحات. وأشهر شواهد هذا الشعر في العربية: قصائد ابن الفارض والتسترى، وفي الفارسية رباعيات أبي سعيد ومثنويات العطار والرومى المطولة (كقصة جلال الدين الرومى في الموحدة: من هناك؟ .. إنه أنت .. إلخ) وغزل حافظ وقصائد جامى المختلفة، وأشهرها في التركية أشعار نسيمى ونيازى. وتأقلم هذا الضرب من الأدب في بلاد الأردو والملايو وبقى بها إلى يومنا هذا، ومع ذلك فلم يعد له أثر في الشرق الأدنى، وينصرف عنه خاصة المسلمين المحدثين على الأيام. أما دراسة مصادر التصوف فإن الشقة بيننا وبين استكمالها مازالت بعيدة، وقد حار علماء. الإسلاميات الأول في تعليل ذلك الخلاف الكبير في العقيدة بين مذهب الموحدة الحالى ومذهب أهل السنة الصحيح، فذهبوا

стр. 2207

إلى أن التصوف مذهب دخيل في الإسلام مأخوذ إما من رهبانية الشام (وهو رأى مركس Merx) وإما من أفلاطونية اليونان الجديدة، وإما من زرادشتية الفرس، وإما من فيدا الهنود (هو رأى جونس Jones). وقد بين نيكولسون Nicholson أن إطلاق الحكم بأن التصوف دخيل في الإسلام غير مقبول؛ فالحق إننا نلاحظ منذ ظهور الإسلام أن الأنظار التي اختص بها متصوفة المسلمين نشأت في قلب الجماعة الإسلامية نفسها أثناء عكوف المسلمين على تلاوة القرآن والحديث وتقرئهما وتأثرت بما أصاب هذه الجماعة من أحداث وما حل بالأفراد من نوازل. على أنه إذا كانت مادة التصوف إسلامية عربية خالصة فمما لا يخلو من فائدة أن نتعرف على المحسنات الأجنبية التي أدخلت عليه ونمت في كنفه. وهكذا استطاع الباحثون المحدثون أن يلمسوا في التصوف الإسلامي كثيرًا من خصائص العكوف عند رهبان النصارى (ومن هؤلاء الباحثين آسين بلاثيوس asin Palacios فنسنك Wensinck وأندرية T. Andrae)) وطائفة كبيرة من المصطلحات الفلسفية اليونانية المنقولة عن السريانية. ولم تدرس بعد شواهد المحسنات الإيرانية التي ساقها بلوشيه Blochet. أما من حيث الخصائص السنسكريتية في التصوف الإسلامي (وهو قول هورتن Horten) فقد ذهب البيرونى ودار اشكواه إلى أن هناك تشابها بين الأوبنشاد أو إليوجاسوترا وأنظار المتصوفة الأول، ولم يقم بعد ما ساقاه من الأدلة إلا القليل، ونجد من ناحية أخرى أن بحث المراحل التي أدت إلى إدخال "الذكر" في طرق الصوفية المحدثين تدلنا على تسرب بعض طرائق الهنود إلى التصوف الإسلامي. المصادر: (١) عنى pfannmueller.G عناية فائقة في مصنفه Handbuch der Islam Litter atur يبسك سنة ١٩٢٣ , ص ٢٦٥ - ٢٩٢) بذكر المصادر الغربية التي يرجع إليها في دراسة التصوف وخير المصادر العامة التي أوردها في بيانه المطول هي: (٢) Mystics of Islam: R.A Nicholson لندن سنة ١٩١٤

стр. 2208

(٣) Islamic Mysticism in Studies كامبردج سنة ١٩٢١ (٤) in Sufism The Idea of Personality سنة ١٩٢٢. وثمت مصادر يرجع إليها في بعض مسائل التصوف. فعن أصوله يرجع إلى أبحاث كولدتسيهر Goldziher الدقيقة Revue del'histoire des Religions جـ ٣٧، ص ٣١٤. (٥) fuer die Kunde Wiener Zeitschrift des Morgenlandes ٦٨ , ص ٥٤٤ (٦) Der Islam جـ ٩، ص ١٤٤ (٧) Essai sur les origines: Massignon -du Lexique techique de la mystique Mu sulman , باريس سنة ١٩٢٢. (٨) الكاتب نفسه - La Passion d' al martyr mystique de l'Islam Hallaj باريس سنة ١٩٢٢. ويرجع في شأن الغزالى إلى: (٩) Algazel: Asin Palacios سرقسطة سنة ١٩٠١ وإلى: (١٠) Cultura espaniola , ص ٢٠٩ وإلى: (١١) - Melanges de la Faculte Orien tale de Beyrouth سنة ١٩١٤ , ص ٦٧ (١٢) Der philosophische: Obermann Subjektivismus Gazalis und religioese فينا سنة ١٩٢١ , ويرجع في شأن ابن الفارض إلى: (١٣) Nallino في رده على Di Mat- teo في Rivista degli studi orientali سنة ١٩١٩ - ١٩٢٠. ويرجع في شأن ابن عربي إلى: (١٤) Elmistico Mur-: Asin Palacios: ciano Abenarabi, مدريد سنة ١٩٢٥ - ١٩٢٦ في ثلاثة مجلدات، ويرجع في شأن التصوف الهندى في القرن السابع عشر إلى: (١٥) Von Kremer في Journal Asia- tique سنة ١٨٦٩، ص ١٠٥، ويرجع فيما يختص بمناهج التصوف النفسية إلى: (١٦) وثائق أفلاكى، ترجمة Hart في Les saints des deruiches tour- neurs باريس سنة ١٩١٨ (١٧) The Religious: D.B. Macdonald Attitude and Life in Isilm سنة ١٩٠٨. ويرجع في شأن النصوص الأصلية إلى

стр. 2209

(١٨) الطبعات الجميلة التي قام بها نيكلسون Nicholson لكتب السراج والعطار وابن عربي والرومى، وإلى ترجمة Richard Hartmann لكاتب القشيرى وترجمة Hart لكتاب داراشكوه في Journal Asiatique سنة ١٩٢٦ , ص ٢٨٥ وإلى شروح Gard- ner على كتاب مشكاة الأنوار للغزالى Al Ghazzalis mishkat al - anwar - لندن سنة ١٩٢٤ , وشرح Horten على السهروردى الحلبى Die Philosophie der Erleuch tung nach Suhr awardi هالة ١٩١٢؛ وشرح كوبريلى زاده محمد فؤاد على المتصوفة الترك الأول: تورك أدبياتنده إيلك متصوفلر، إستانبول سنة ١٩١٩ وشرح Nyberg على ابن عربي Schriften des Ibn al - Ara- Kleinere) (bi ليدن سنة ١٩١٩ - إلخ (٢٠) وأمهات الكتب العربية في الصوف هي تواليف المحاسبى والمكى والغزالى وابن عربي، وهي كتب مشايعة له، وانظر كذلك مصنفات المعارضين الكبيرين للتصوف وهما ابن الجوزي: تلبيس إبليس، طبعة القاهرة سنة ٣٤٠ هـ، وابن تيمية. [ماسينيون Louis Massignon] تعليق على مادة "التصوف " أ- نشاة كلمة صوفى، ومتصوف وأصلهما ١ - كان الإقبال على الدين والزهد في الدنيا غالبًا على المسلمين في صدر الإسلام، فلم يكونوا في حاجة إلى وصف يمتاز به أهل التقى والعكوف على الطاعات والانقطاع إلى الله، ولم يتسم أفاضلهم في الجيل الأول بتسمية سوى صحبة رسول الله، إذ لا أفضلية فوقها، فقيل لهم الصحابة، ولما أدركهم أهل الجيل الثاني سمى من صحب الصحابة بالتابعين. فلما فشا الإقبال على الدنيا في القرن الثاني وما بعده وجنح الناس إلى مخالطة المتاع الدنيوى قيل للخواص ممن لهم شدة عناية بأمر الدين، الزهاد والعباد. ثم ظهرت الفرق الإسلامية، فادعى كل فريق أن فيهم زهادًا وعبادًا، هنالك انفرد خواص أهل السنة المقبلون على العبادة باسم الصوفية والمتصوفة،

стр. 2210

واشتهر هذا الاسم قبل المائتين من الهجرة، فهو اسم محدث بعد عهد الصحابة والتابعين (١). ويقول بعض العلماء: إن هذا الاسم معروف في الملة الإسلامية من قبل ذلك، بل يذهب بعضهم إلى أنه لفظ جاهلى عرفته العرب قبل ظهور الإسلام. قال أبو نصر عبد الله بن علي السراج الطوسى المتوفى سنة ٣٧٨ هـ (٩٨٨ م) في كتاب "اللمع" في التصوف: "وأما القائل إنه اسم محدث أحدثه البغداديون فمحال, لأنه في وقت الحسن البصري (٢) كان يعرف هذا الاسم، وكان الحسن قد أدرك جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ ورضى عنهم، وقد روى عنه أنه قال: (رأيت صوفيا في الطواف فأعطيته شيئًا فلم يأخذه وقال: معى أربعة دوانيق فيكفينى ما معى). وروى عن سفيان الثوري (٣) ﵀ أنه قال: لولا أبو هاشم الصوفى (٤) ما عرفت دقيق الرياء. وقد ذكر في الكتاب الذي جمع أخبار مكة عن محمد ابن إسحاق بن يسار (٥) وعن غيره يذكر فيه حديثًا: إن قبل الإسلام قد خلت مكة في وقت من الأوقات حتى كان لا يطوف بالبيت أحد، وكان يجئ من بلد بعيد رجل صوفى فيطوف بالبيت وينصرف. فإن صح ذلك يدل على أن قبل الإسلام كان يعرف هذا الاسم، وكان يندسب إليه أهل الفضل والصلاح والله أعلم". فاستعمال لفظ صوفى ومتصوف لم ينتشر في الإسلام إلا في القرن الثاني وما بعده، سواء) كان هذا التعبير عن الزهد "بالصوفى" حدث في أثناء المائة الثانية كما هو رأى ابن خلدون المتوفى عام ٨٠٦ هـ (١٤٠٦ م) في مقدمته، أم كان هذا التعبير معروفا في الإسلام قبل القرن الثاني، أم كان لفظًا جاهليًا على ما ذكره صاحب "اللمع" الذي

стр. 2211

يحاول أن يبرئ الصوفية من انتحال اسم مبتدع لم يعرفه الصحابة ولا التابعون. ويقول ابن تيمية في رسالته "الصوفية والفقراء": "أما لفظ الصوفية فإنه لم يكن مشهورًا في القرون الثلاثة وإنما اشتهر التكلم به بعد ذلك. وقد نقل التكلم به عن غير واحد من الأئمة والشيوخ كالإمام أحمد بن حنبل (١) وأبي سليمان الدارانى (٢) وغيرهما. وقد روى عن سفيان الثوري أنه تكلم به، وبعضهم يذكر ذلك عن الحسن البصري". أما الأستاذ ماسينيون Louis Mas- signon فيقول في كتابه: Recueil de textes inedits concernatc l Histoire de Mystique en pays d'Islam المطبوع سنة ١٩٢٩ بباريس، عند كلامه على عَبْدَك الصوفى المتوفى حوالي سنة ١٢٠ هـ الموافق ٨٢٥ م: "صاحب عزلة بغدادى، وهو أول من لقب بالصوفى، وكان هذا اللفظ يومئذ يدل على بعض زهاد الشيعة بالكوفة، وعلى رهط من الثائرين بالإسكندرية. وقد يعد من الزنادقة بسبب امتناعه عن أكل اللحم"، ويريد الأستاذ أول من لقب بالصوفى في بغداد كما يؤخذ مما نقله في نفس الكتاب عن الهمذانى، ونصه: "ولم يكن السالكون لطريق الله في الأعصار السالفة والقرون الأولى يعرفون باسم المتصوفة، وإنما الصوفى لفظ اشتهر في القرن الثالث، وأول من سمى ببغداد بهذا الاسم عبدك الصوفى، وهو من كبار المشايخ وقدمائهم، وكان قبل بشر بن الحارث الحافى والسرى بن المفلس السقطى". ويقول ماسينيون في المادة التي نحن بصددها ماخلاصته: "وورد لفظ الصوفى" لقبًا مفردًا لأول مرة في التاريخ في النصف الثاني من القرن الثامن الميلادي إذ نعت به جابر بن حيان، وهو صاحب كيمياء شيعى من أهل الكوفة له في الزهد مذهب خاص، وأبو هشام الكوفي

стр. 2212

الصوفى المشهور. "أما صيغة الجمع "الصوفية" التي ظهرت عام ١٩٩ هـ (٨١٤ م) في خبر فتنة قامت بالإسكندرية فكانت تدل قرابة ذلك العهد على مذهب من مذاهب التصوف الإسلامي يكاد يكون شيعيًا نشأ في الكوفة وكان عَبْدَك الصوفى آخر أئمته، وهو من القائلين بأن الإمامة بالتعيين، وكان لا يأكل اللحم، وتوفى ببغداد حوالي عام ٢١٠ هـ (٨٢٥ م) وإذن فكلمة صوفى كانت أول أمرها مقصورة على الكوفة". ٢ - أما أصل هذا التعبير فالأقاويل فيه كثيرة: فمن مرجح أنه لفظ جامد غير مشتق "كالقشيرى" المتوفى عام ٤٦٥ هـ الموافق ١٠٧٣ م. وقد جاء في "الرسالة مع شرحها" لشيخ الإسلام زكريا الأنصاري المتوفى سنة ٩٢٦ هـ (١٥١٩ م). "وليس يشهد بهذا الاسم من حيث العربية قياس بين ولا إشتقاق كذلك لأن مصدر "صفا" صفو بتأخير حرف العلة عن الفاء، والأظهر فيه أنه غير مشتق بل هو جامد كاللقب". ومن قائل إنه مشتق "من الصفاء أو الصفو" والمراد صفو قلوب أهل التصوف وانشراح صدورهم ورضاهم بما يجريه الله عليهم، ثم إنهم مع الله في صفاء لا يشوبه شاغل، وهم بما أطلعهم الله عليه قد صفوا من كدر الجهل، قالوا: وكان في الأصل صفوى فاستثقل ذلك فقيل صوفى". ومن قائل: إن اللفظ مأخوذ من "الصوف" لأن لباس الصوف كان يكثر في الزهاد، قال صاحب اللمع: "فلما أضفتهم إلى ظاهر اللبسة كان ذلك اسما مجملا عاما مخبرًا عن جميع العلوم والأعمال والأخلاق والأحوال الشريفة المحمودة، ألا ترى أن الله تعالى ذكر طائفة من خواص أصحاب عيسى ﵇ فنسبهم إلى ظاهر اللبسة فقال : ﴿إِذْ قَال الْحَوَارِيُّونَ﴾ الآية، وكانوا قومًا يلبسون البياض فنسبهم الله تعالى إلى ذلك، ولم ينسبهم إلى نوع من العلوم والأعمال والأحوال التي كانوا بها مترسمين، فكذلك الصوفية عندي والله أعلم نسبوا إلى ظاهر اللباس ولم

стр. 2213

ينسبوا إلى نوع من أنواع العلوم والأحوال التي هم بها مترسمون, لأن لبس الصوف كان دأب الأنبياء ﵈ والصديقين وشعار المساكين المتنسكين، وقيل في تسمية أصحاب عيسى ﵇ بالحواريين، إنهم كانوا قَصَارين يغسلون الثياب، أي يحورونها، وهو التبييض. وقال قائلون: إن الصوفية نسبة إلى الصُّفَّة (١) التي ينسب إليها كثير من الصحابة، فيقال أهل الصفة، وأهل الصفة هم زهاد من مهاجرى الصحابة فقراء غرباء، كانوا سبعين ويقلون حينًا ويكثرون لا مسكن لهم ولا مال ولا ولد يسكنون صفة المسجد، وهو موضع مظلل في مسجد المدينة. لكن النسبة إلى الصفة لا تجئ على الصوفى، بل على الصّفى. وثم أقوال ضعيفة آخر، كالقول بأن الصوفى نسبة إلى الصف الأول, لأنهم في الصف الأول بقلوبهم من حيث المحاضرة والمناجاة وارتفاع الهمة مع الله تعالى والقرب منه، أو لأنهم كانوا أسرع الناس إلى الصف الأول في المساجد عند الصلاة. وكالقول بأنهم منسوبون إلى صوفة القفا، أي ما يتدلى في نقرة القفا من شعر يرسلونه متلبدًا مشعثًا كالصوف. وفي الأساس "صوفة قفاه زغباته وقيل

стр. 2214

الشعر السائل من الرأس"؛ أو منسوبون إلى صوفة بن مروان بن أد ابن طانحة، هكذا جاء في كتاب جلاء العينين؛ والذي في القاموس وشرحه واللسان: "وصوفة أبو حي من مضر وهو الغوث بن مر بن أد بن طاحنة بن إلياس بن مضر، كانوا يخدمون الكعبة في الجاهلية ويجيزون الحاج أي يفيضون بهم، وكانت العرب إذا حجت وحضرت عرفة لا تدفع منها حتى يدفع بها صوفة. وسمى الغوث بصوفة لأن أمه جعلت في رأسه صوفة وجعلته ربيطًا للكعبة يخدمها، وقيل صوفة اسم لقبيلة اجتمعت من أفناء قبائل". وأرجح الأقوال وأقربها إلى العقل: مذهب القائلين بأن الصوفى نسبة إلى الصوف، وأن المتصوف مأخوذ منه أيضًا، فيقال تصوف إذا لبس الصوف كما يقال تقمص إذا لبس القميص، فلهذا القول وجه سائغ في الاشتقاق، وهو مختار كبار العلماء من الصوفية مثل صاحب اللمع وشارح الرسالة القشيرية، ومن غيرهم كابن خلدون وابن تيمية وجمهرة الصوفية يميلون إلى رد اسمهم إلى الصفاء وإن لم يكن لذلك وجه ظاهر في قواعد اللغة. ب- أساس التصوف وما مر به من الأدوار. أطلق لفظ الصوفى والمتصوف بادئ الأمر مرادفا للزاهد والعابد والفقير، ولم يكن لهذه الألفاظ معنى يزيد على شدة العناية بأمر الدين ومراعاة أحكام الشريعة (١) فإن الفقر والزهد ولبس الصوف مظهر ذلك. وكانت أحكام الشريعة تتلقى من صدور الرجال لا فرق بين عباداتها ومعاملاتها وعقائدها، ثم تحدث الناس في الأمور الدينية على نظام علمي، ونشأ التدوين فكان أول ما توجهت إليه الهمم وانصرفت إليه الأفكار علم الشريعة بمعنى الأحكام العملية حتى لحسب الناس أن الاشتغال بهذا العلم والعمل به هو غاية الدين.

стр. 2215

هنالك تطور معنى التصوف إلى ما يناسب الكمال في الدين الذي وضع له اللفظ أولًا وأدى هذا الطموح إلى نشأة علم دينى إلى جانب العلم الفقهى. وفي مختصر جامع بيان العلم وفضله لأبي عمر يوسف بن عبد البر النمرى القرطبي المتوفى سنة ٤٦٣ هـ: "وقال سفيان: كتب ابن منبه إلى مكحول إنك امرؤ قد أصبت فيما ظهر من علم الإسلام شرفًا، فاطلب بما بطن من علم الإسلام عند الله محبة وزلفى، وأعلم أن إحدى المحبتين سوف يمنع منك الأخرى". وقد ذكر بن تيمية في رسالته "الصوفية والفقراء": "إن الأمور الصوفية التي فيها زيادة في العبادة والأحوال خرجت من البصرة، فافترق الناس في أمر هؤلاء الذين زادوا في أحوال الزهد والورع والعبادة على ما عرف من حال الصحابة، فقوم يذمونهم وينتقصونهم وقوم يجعلون هذا الطريق من أكمل الطرق وأعلاها، والتحقيق أنهم في هذه العبادات والأحوال مجتهدون كما كان جيرانهم من أهل الكوفة مجتهدين في مسائل القضاء والإمارة ونحو ذلك". وزاد ابن تيمية هذا الرأى بيانًا فقال: "وإذن عرف أن منشأ التصوف كان من البصرة، وأنه كان فيها من يسلك من طريق العبادة والزهد ماله فيه اجتهاد كما كان في الكوفة من يسلك من طريق الفقه والعلم ماله فيه اجتهاد، وهؤلاء نسبوا إلى اللبسة الظاهرة وهي لباس الصوف فقيل في أحدهم صوفى، وليس طريقهم مقيدًا بلباس الصوف ولا هم أوجبوا ذلك ولا علقوا الأمر به، لكن أضيفوا إليه لكونه ظاهر الحال". وكلام ابن تيمية يشير إلى ما بين التصوف والفقه من الصلة. وانقسم علم الشريعة إلى قسمين: علم يدل ويدعو إلى الأعمال الظاهرة التي تجرى على الجوارح والأعضاء الجسمية وهي العبادات كالطهارة والصلاة والزكاة والصوم إلى آخره، وأحكام المعاملات كالحدود والزواج والطلاق، والعتق والبيوع والفرائض

стр. 2216

والقصاص، وسمى هذا العلم علم الفقه وهو مخصوص بالفقهاء وأهل الفتيا في العبادات والمعاملات. والثاني- علم يدل على الأعمال الباطنة ويدعو إليها والأعمال الباطنة هي أعمال القلوب، وسمى هذا العلم الثاني علم التصوف، وسمى المتصوفون أنفسهم أرباب الحقائق وأهل الباطن، وسموا من عداهم أهل ظواهر وأهل رسوم. وأهل الرسوم طائفتان القرّاء، والفقهاء؛ فالقراء هم أهل التنسك والتعبد سواء أكانوا يقرءون القرآن أم لا يقرءون، وهمتهم مقصورة على ظاهر العبادة دون أرواح المعارف وأعمال القلوب. والفقهاء هم المشتغلون بالفتيا وعلوم الشريعة، وهؤلاء وهؤلاء عند الصوفية أهل رسوم، ففريق مع رسوم العلم، وفريق مع رسوم العبادة. والتصوف في هذا الدور عبارة عن الأخلاق الدينية ومعانى العبادة. قال ابن القيم (١) في "مدارج السالكين": "واجتمعت كلمة الناطقين في هذا العلم أن التصوف هو الخلق". وقال في موضوع آخر: "إن هذا العلم مبنى على الإرادة فهي أساسه ومجمع بنائه، وهو يشتمل على تفاصيل أحكام الإرادة وهي حركة القلب، ولهذا سمى علم الباطن كما أن علم الفقه يشتمل على تفاصيل أحكام الجوارح، ولهذا سمى علم الظاهر" وبذلك يتبين أن أولى خطوات التصوف في سبيل التكون العلمي كانت عبارة عن نشأة علم الأخلاق الإسلامي. وهذا التدرج في معنى التصوف طبيعى بسيط لا تبدو فيه دلائل تأثير خارج عن العبادات الإسلامية ولا جهد المفكرين في فهم معانيها وآثارها الروحية واتصالها بالقلوب. ثم اتسعت أنظار الباحثين في العلوم الدينية ودقت وترامت هممهم إلى الكلام في أصول الدين بعقولهم، ولطفت أذواق المراقبين منهم لمعانى العبادات وحركات القلوب، فأخذ

стр. 2217

التصوف يتسامى إلى نظرية خاصة في المعرفة وسبيل الوصول إليها، وهذه النظرية على ما بينه الغزالى في كتاب إحياء علوم الدين هي: "السعادة التي وعد الله بها المتقين هي المعرفة والتوحيد، والمعرفة هي معرفة حضرة الربوبية المحيطة بكل الموجودات، إذ ليس في الوجود شيء سوى الله تعالى وأفعاله، والكون كله من أفعاله. "فما يتجلى من ذلك للقلب هو الجنة بعينها عند قوم وهو سبب استحقاق الجنة عند أهل الحق, وتكون سعة نصيب الإنسان من الجنة بحسب سعة معرفته وبمقدار ما يتجلى له من الله وصفاته وأفعاله. وإنما مراد الطاعات كلها وأعمال الجوارح تصفية القلب وتزكيته وجلاؤه. "وهذه المعرفة تحصل للإنسان من وجهين: أحدهما: طريق الاستدلال والتعلم ويسمى اعتبارًا واستبصارًا ويختص به العلماء والحكماء. والثاني: مالا يكون بطريق التعلم ولا الاستدلال، ولكنه يهجم على القلب كأنه ألقى فيه من حيث لا يدرى. وهو ينقسم إلى ما لا يدرى العبد كيف حصل له، ومن أين حصل، وإلى ما يطلع معه على السبب الذي استفاد منه ذلك العلم، وهو مشاهدة الملك الملقى في القلب، على أنه في الحالين موقن بأن العلم جاءه من الله، والعلم في الحالين بواسطة الملك، فإن العلم إنما يحصل في قلوبنا بواسطة الملك. والأول يسمى إلهامًا ونفثًا في الروع، ويختص به الأولياء. والثاني وحيًا ويختص به الأنبياء. وأهل التصوف يؤثرون العلوم الإلهامية دون التعليمية، ويعدونها المعرفة الحقيقية والمشاهدة اليقينية التي يستحيل معها إمكان الخطأ. ولذلك لم يحرصوا على دراسة العلم وتحصيل ما صنفه المصنفون, والبحث عن الأقاويل والأدلة, بل قالوا إن الطريق إلى تحصيل تلك الدرجة بتقديم المجاهدة، ومحو الصفات المذمومة, وقطع العلائق كلها، والإقبال بكنه الهمة على الله تعالى .. فطريق الصوفية يرجع إلى تطهير محض وتصفية وجلاء ومحاسبة للنفس ثم استعداد وانتظار للتجلى".

стр. 2218

موجز دائرة المعارف الإسلامية «التصوف - الثعالبي» [الجزء الثامن]

стр. 2219

والمريد في مجاهدته وعباداته لا بد أن تنشأ له عن كل مجاهدة حالة نفسية نتيجة لتلك المجاهدة. وأصل المجاهدات كلها الطاعة والإخلاص، ويتقدمها الإيمان ويصاحبها، وتنشأ عنها الأحوال، والصفات نتائج وثمرات، ثم تنشأ عنها أخرى وأخرى إلى مقام التوحيد والعرفان. ولابد للمريد من الترقى في هذه الأطوار النفسية المسماة بلسان أهل التصوف المقامات أو المنازل والأحوال. وللصوفيين اختلاف كثير في عدد المقامات وترتيبها، كل يصف منازل سيره وحال سلوكه, ولهم اختلاف في بعض منازل السير، أهى من قسم المقامات أم من قسم الأحوال؟ كما اختلفوا في الرضا أهو مقام أم حال؟ بل إنهم ليختلفون في الفرق بين المقام والحال. فالمقام بفتح الميم هو في الأصل موضع القيام وبضمها موضع الإقامة، وقد يكون كل منهما بمعنى الإقامة وبمعنى القيام، والمقام بالفتح والضم ما يتحقق به المزيد من الصفات المكتسبة بالرياضة والعبادة كمقام الخوف من الله الذي يحصل بترك الكبائر، فالصغائر، فالمكروهات، فالشبه، فالتوسع في الحلال إلى أن ينتهى إلى ترك كل ما يشغل عن الله. والحال معنى يرد على القلب. من غير تعمد ولا اجتلاب كالطرب والحزن والشوق والهيبة -فالأحوال مواهب، والمقامات مكاسب بمواهب, لأنها إنما تنال بالكسب مع الموهبة، والعبد بالأحوال يترقى إلى المقامات، ولا يلوح له حال من مقام أعلى من مقامه إلا وقد قرب ترقيه إليه. وليس للمريد أن يتشوف إلى مقام فوق مقامه ما لم يستوف أحكام ذلك المقام وأحواله. ومنهم من يقول: الأحوال من نتائج المقامات، والمقامات نتائج الأعمال، فكل من كان أصلح عملا كان أعلى مقامًا، وكل من كان أعلى مقامًا كان أعظم حالا. ويقول صاحب اللمع: "إن معنى المقام مقام العبد فيما يقام فيه من العبادات والمجاهدات والرياضات والانقطاع إلى الله ، أما معنى الأحوال فهو ما

стр. 2220

يحل بالقلوب أو تحل به القلوب وليس الحال من طريق المجاهدات والرياضات كمالمقامات". أما ابن القيم في كتاب "مدارج السالكين" فيقول: "والصحيح أن هذه الواردات والمنازل لها أسماء باعتبار أحوالها، فتكون لوامع وبوارق ولوائح عند ظهورها وبدّوها كما يلمع البارق ويلوح على بعد، فإذا نازلته وباشرها فهي أحوال، فهذا تمكنت منه وثبتت له عن غير انتقال فهي مقامات، وهي لوامع ولوائح في أولها، وأحوال في أوسطها، ومقامات في نهاياتها. فالذي كان بارقًا هو بعينه الحال، والذي كان حالا هو بعينه المقام، وهذه الأسماء له باعتبار تعلقه بالقلب وظهوره له وثباته فيه". كان التصوف طريقًا من طرق العبادة يتناول الأحكام الشرعية من ناحية معانيها الروحية وآثارها في القلوب، فهو يقابل علم الفقه الذي يتناول ظواهر تلك العبادات ورسومها، ثم انتقل التصوف فأصبح طريقًا للمعرفة يقابل طريق أرباب النظر من المتكلمين. قال الغزالى (١) في الإحياء: "إن للإيمان والمعرفة ثلاث مراتب: المرتبة الأولى، إيمان العوام وهو إيمان التقليد المحض، والثانية إيمان المتكلمين، وهو ممزوج بنوع استدلال ودرجته قريبة من درجة إيمان العوام. "والثالثة: إيمان العارفين, وهو المشاهد بنور اليقين". وكما كان الصوفية خصوم الفقهاء في الدور الأول, أصبحوا خصوم المتكلمين أهل النظر في هذا الدور. ولعل علم التصوف إنما صار علمًا مدونًا في هذا الدور, وصار موضوعه ما يوصل إلى درجة العرفان من أنواع المجاهدات وما ينشأ عنها من الأذواق والمواجد التي هي المقامات والأحوال، وقد جدت للقوم عبارات يدلون بها على ما اكتشفوا من دقائق المعاني فضمّنوا علمهم أيضًا شرح هذه الاصطلاحات، وكثرت أسماء هذا العلم فسمى علم القلوب، وعلم الأسرار، وعلم المعارف،

стр. 2221

وعلم الباطن، وعلم الأحوال والمقامات، وعلم السلوك، وعلم الطريقة, وعلم المكاشفة. وإذا كان غير منكور أن التصوف في هذا الدور لم يخل من تأثر ببعض ما وصل إلى المسلمين من معارف الأمم القديمة، فإنا لا نزال نجد الصبغة الإسلامية غالبة في هذا العلم الوليد، ولا نستطيع أن نقول مع كولدتسيهر: "وكذلك يجب عند النظر في التصوف نظرًا تاريخيًا تقدير النصيب الهندى الذي ساهم في تكون هذه الطريقة الدينية المتولدة من المذهب الأفلاطونى الجديد". ثم انصرفت عناية قوم من المتأخرين لكشف حجاب الحس الذي هو نهاية مراتب الصوفية، ولما وراء ذلك من المدارك والمعارف، واختلفت طرقهم في الرياضة والمجاهدة وإماتة القوى الحسية وتغذية الروح العاقل بالعبادات والذكر، وتعرضوا للكلام في حقائق الموجودات العلوية والسفلية على وجه لايفهمه من لم يشاركهم في أذواقهم ومواجدهم. ثم قالوا: إن أهل المجاهدة يدركون كثيرًا من الواقعات قبل وقوعها، ويتصرفون بهممهم وقوى نفوسهم في الموجودات السفلية، وتصير طوع إرادتهم، وظهر في كلام المتصوفة القول بالقطب، ومعناه رأس العارفين، وقد جعلوا لباس خرقة التصوف أصلا لطريقهم ورفعوه إلى عليّ ﵁[في تأثرهم بالتشيع]، ويقول ابن خلدون: "ولم يختص عليّ من بين الصحابة بطريقة في لباس ولا حال". هنالك حدث تطور جديد في موضوع علم التصوف، فأصبحت كتب القوم تتناول أربعة أبحاث: ١ - المجاهدات وما يحصل عنها من الأذواق والمواجد ومحاسبة النفس على الأعمال لتحصيل تلك الأحوال والترقى منها إلى غيرها. ٢ - الكلام في الكشف والحقيقة المدركة من عالم الغيب مثل الصفات الربانية، والعرش والكرسى، والملائكة والروح، وحقائق كل موجود غائب أو شاهد وترتيب الأكوان في صدورها عن موجدها.

стр. 2222

٣ - التصرفات في العوالم والأكوان بأنواع الكرامات. ٤ - ألفاظ موهمة الظاهر صدرت من كثير من أئمة القوم يعبرون عنها في اصطلاحهم بالشطحات، والشطح لفظة مأخوذة من الحركة يقال يشطح إذا تحرك، وهو عبارة مستغربة في وصف وجد فاض بقوته وهاج لشدة غليانه وغلبته، فهي حركة أسرار الواجدين إذا قوى وجدهم فعبروا عن وجدهم بعبارات يستغربها سامعها، ومن ذلك ما يروى عن أبي يزيد البسطامى المتوفى سنة ٢٦١ هـ (٨٧٥ م) أنه قال: "رفعنى مرة فأقامنى بين يديه وقال لي: يا أبا يزيد إن خلقى يحبون أن يروك، فقلت: "زينى بوحدانيتك، وألبسنى أنانيتك، وارفعنى إلى أحديتك حتى إذا رآنى خلقك قالوا رأيناك، فتكون أنت ذاك ولا أكون أنا هناك". وحكى عنه أيضًا أنه قال: "أول ما صرت إلى وحدانيته فصرت طيرًا جسمه من الأحدية وجناحاه من الديمومة، فلم أزل أطير في هواء الكيفية عشر سنين حتى صرت إلى هواء مثل ذلك مائة ألف ألف مرة، فلم أزل أطير إلى أن صرت في ميدان الأزلية فرأيت فيها شجرة الأحدية" ثم وصف أرضها وفرعها وأغصانها وثمارها، ثم قال: فنظرت فعلمت أن هذا كله خدعة. ولابن عربي: عقد الخلائق في الإله عقائدًا ... وأنا أعتقد جميع ما اعتقدوه والغلاة من متأخرى المتصوفة المتكلمين بالمواجد خلطوا مسائل الكلام والفلسفة الإلهية بفنهم، مثل كلامهم في النبوات والاتحاد والحلول ووحدة الوجود. ولما كانت حكمة الإشراق أو الحكمة الذوقية هي من الفلسفة بمنزلة التصوف من العلوم الإسلامية، وكان السالكون طريقة الرياضة والمجاهدة لمعرفة المبدأ والمعاد إن وافقوا في رياضتهم أحكام الشرع فهم الصوفية وإلا فهم الحكماء الإشراقيون. لما كان الأمر كذلك سهل التدانى بين التصوف والفلسفة، وتفتحت له الأبواب في هذا الدور.

стр. 2223

والمتأمل في هذه الأدوار التي تداولت التصوف يلاحظ أن اللفظ استحدث أول الأمر للعبارة عن معنى الكمال بالتمسك بالشرع والزهد في الدنيا حينما أخذ الناس في مخالطة الزخارف الدنيوية وكاد يطغى حب المال على ما غرسه الدين في النفوس من الورع، فكان الصوفى مخالفًا للجماهير بفقره وورعه، على حين يلتمس غيره المال ويطمع في الغنى. ثم حدثت العلوم الدينية، وأقبل الناس على الفقه يتنافسون في تدارسه وفي العمل بأحكامه. فأصبح الكمال الدينى الذي يعبر عنه المتصوف شيئًا وراء ما يدعو إليه الفقهاء ويصرفون إليه مجهودهم، هو صفاء القلب وتأثره بالعبادة وحسن الخلق (١). ولما نشأ البحث في العقائد والتماس الإيمان من طريق النظر أو النصوص المقدسة وتوجهت همم المسلمين إلى التماس المعرفة على أساليب المتكلمين، أصبح الكمال الدينى التماس الإيمان والمعرفة من طريق التصفية والمكاشفة وأصبح عبارة عن بيان هذه الطريق وسلوكها (٢). وشاعت بعد ذلك أقاويل الفلاسفة المتكلمين في الصانع وصدور الموجودات عنه وما إلى ذلك من عوالم الأرواح وشؤون الآخرة، فتكلم الصوفية في كل ذلك على منهجهم الذي لا يعتمد على نظر ولا على نص ولا معرفة إلا من ذاق ما ذاقوا، وهم يرون ما تكلموا به حق اليقين الذي لا يقبل شكا ولا يلحقه بطلان ولا يدركه إلا من بلغ رتبة العرفان، سئل ابن الجلاء ما

стр. 2224

معنى قولهم صوفى، فقال: ليس نعرفه في شرط العلم ولكن نعرف أن [الصوفى] من كان فقيرًا مجردًا من الأسباب وكان مع الله بلا مكان ولا يمنعه الحق سبحانه عن علم كل مكان (١). فالتصوف نشأ معبرًا عن المثل الدينى الأعلى، وظل في أدواره كلها يعبر عن ذلك المثل مخالفا ما عليه العامة، مخالفًا القراء والفقهاء وأهل السنة المتكلمين والمتفلسفين متعرضًا لعداواتهم واضطهاداتهم من غير أن تخرجه العداوات والاضطهادات عن حدود الحب والتسامح. فالتصوف كان وحده من بين معترك المذاهب تسامحًا صرفًا وسلامًا في كل ما مر به من الأدوار. والصوفى -كما قال أبو تراب النخشبى- لا يكدره شيء ويصفو به كل شيء. وقد انتدب للرد على المتأخرين من الصوفية في ما أشرنا إليه من مقالاتهم كثير من الفقهاء وغيرهم، واشتدوا في النقد حتى شملوا بالنكير كل ما وقع للمتصوفة في طريقهم، وأكثر ما تناوله الأخذ والرد بين الباحثين هو موضوع الكرامات للأولياء. فحق أن نعرض للولاية وصلتها بالتصوف، ثم نتكم في كرامات الأولياء، ولابد أن نصرح قبل ذلك بأننا أهملنا عن عمد بعض ما انتهى إليه التصوف في عهوده المتأخرة. وهو الدور الذي لانزال نشهده والذي جعل من طريقة الإخلاص والزهد والعرفان والخير عكس ذلك. ج- الولاية وصلتها بالتصرف وكرامات الأولياء. ١ - اسم ولى مأخوذ من قوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾. وقوله: ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾. وقوله: ﴿أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾. وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾.

стр. 2225

وقوله: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾. وقوله: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣)﴾. ومادة ولى في ما يرجحه أئمة المفسرين -كالطبرى والزمخشرى والرازى- تدل على معنى القرب، فولى كل شيء هو القريب منه في اللغة، والقرب من الله بالمكان والجهة محال، فولى الله من كان قريبا منه بالصفة التي وصفها الله، أي الإيمان والتقوى. وإذا كان العبد قريبًا من حضرة الله بسبب كثرة طاعاته وكثرة إخلاصه، وكان الرب قريبًا منه برحمته وفضله وإحسانه فهناك حصلت الولاية. ثم تطور معنى الولى تبعًا لما حدث في الملة من المذاهب المختلفة، وتبعًا لتطور التصوف نفسه. فأصبح الولى عند المتكلمين هو من يكون آتيًا بالاعتقاد الصحيح المبنى على الدليل، ويكون أتيا بالأعمال الصالحة على وفق ما أتت به الشريعة، وإليه الإشارة بقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ ذلك أن الإيمان مبنى على الاعتقاد والعمل، ومقام التقوى هو أن يتقى العبد كل ما نهى الله عنه. أما الصوفية فيقولون -كما في الرسالة القشيرية: إن الولى له معنيان: أحدهما أن يكون فعيلا بمعنى مفعول كقتيل وجريح بمعنى مقتول ومجروح، وهو الذي يتولى الحق سبحانه حفظه وحراسته، فلا يكله إلى نفسه لحظة بل يتولى رعايته على التوالى ويديم توفيقه إلى الطاعات. ثانيهما -أن يكون فعيلا مبالغة من الفاعل، كالعليم والقدير فيكون معناه من يتولى عبادة الله وطاعته، فطاعته تجرى على التوالى من غير أن يتخللها معصية، فيكون وليا بمعنى توالى طاعاته لربه، ووليا بمعنى توالى فضل ربه عليه، وكلا المعنيين يجب تحقيقه حتى يكون الولى وليا، فيجب أن يتحقق قيامه بحقوق الله تعالى على الاستقصاء والاستيفاء، ويتحقق دوام حفظ الله تعالى إياه في السراء والضراء، فالولاية عندهم عبارة عن دوام الاشتغال بالله والتقرب إليه بطاعته. وإذا كان العبد بهذه الحالة فلا

стр. 2226

يخاف من شيء ولا يحزن من شيء، لأن مقام الولاية والمعرفة منعه من أن يخاف أو يحزن، فالولى عندهم هو الواصل إلى مرتبة العرفان عن الطريق الموصلة إلى تلك المرتبة في رأيهم، وهو العارف أيضًا. والواصل إلى درجة العرفان تنكشف له الحجب ويشهد من علم الله ما لا يشهده سواه، وتظهر على يديه الكرامة التي هي أمر خارق للعادة. ٢ - وجملة القول في كرامة الأولياء أن أكثر الأشعرية أجازوا للصالحين على سبيل كرامة الله لهم اختراع الأجسام وقلب الأعيان وجميع إحالة الطبائع وكل معجز للأنبياء، وقالوا إنه لا فرق بين آيات الأنبياء وكرامات الأولياء إلا بالتحدى مع دعوة النبوة، فإن النبي يتحدى الناس أن يأتوا بمثل ما جاء هو به. ويقول أكثر الصوفية: إن ظهور الكرامات جائز بل واقع، وهي أمور ناقضة للعادة، غير مقترنة بدعوى للنبوة، وهي عون للولى على طاعته ومقوية ليقينه، وحاصلة له على حسن استقامته ودالة على صدق دعواه الولاية، إن دعاها لحاجة وشهدت له بها الشريعة. ويقول هؤلاء الصوفية: إن الكرامة تغاير المعجزة من وجوه ثلاثة: أولها - أن الأنبياء متعبدون بإظهار معجزاتهم للخلق، والاحتجاج بها على من يدعونه إلى الله تعالى، فمتى كتموا ذلك فقد خالفوا الله تعالى، والأولياء متعبدون بكتمان كراهماتهم عند الخلق، فإذا لم ظهروا شيئًا منها لاتخاذ الجاه فقد خالفوا الله تعالى وعصوه. ثانيًا- أن الأنبياء يحتجون بمعجزاتهم على المشركين, لأن قلوبهم قاسية، والأولياء يحتجون بذلك على نفوسهم حتى تطمئن وتوقن ولا تضطرب ولا تجزع عند فوت الرزق، لأن النفس لم أمارة بالسوء مجبولة على الشك، وقد حكى عن سهل بن عبد الله التسترى أنه قال: كان رجل بالبصرة يقال له سحاق بن أحمد، وكان من أبناء الدنيا فخرج من الدنيا، أعنى من

стр. 2227

جميع ما كان له، وتاب وصحب سهلا فقال يوما لسهل: إن نفسى هذه ليس تترك الضجيج والصراخ من خوف فوت القوت والقوام. فقال له سهل: خذ ذلك الحجر وسل ربك أن يصيره لك طعامًا تأكله، فقال له: ومن إمامى في ذلك حتى أفعل ذلك؟ فقال سهل: إمامك إبراهيم ﵇ حيث قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَال أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَال بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾. فالمعنى في ذلك أن النفس لا تطمئن إلا برؤية العين لأن من جبلّها الشك، فقال إبراهيم ﵇: رب أرنى كيف تطمئن نفسى؟ فإني مؤمن بذلك والنفس لا تطمئن إلا برؤية العين. وثالثها - أن الأنبياء كلما زيدت معجزاتهم يكون أتم لمعانيهم وفضلهم، والأولياء كلما زيدت كراماتهم يكون وجلهم أكثر حذرًا أن يكون ذلك من الاستدراج لهم، أن يكون سببًا لسقوط منزلتهم عند الله. ويقول بعض العلماء من المتكلمين والصوفية إن الأولياء لهم كرامات شبه إجابة الدعاء والإخبار بمجئ زيد من سفره، وعافيته من مرضه، فأما جنس ما هو معجزة للأنبياء، كإحياء الموتى وحصول إنسان لا من أبوين وتسبيح الحصى فلا يكون للأولياء. أما المعتزلة وبعض الأشعرية فينكرون وقوع كرامات الأولياء وجوازها. وقالت طائفة بمنع جواز الخوارق للأنبياء والأولياء جميعًا. قال المجوزون للكرامات إن الكرامة جائزة، إذ ليس يلزم من فرض وقوعها محال، إذ هي أمر يتصور في العقل حصوله من غير أن يؤدى إلى رفع أصل من الأصول، فواجب وصفه سبحانه بالقدرة على إيجاده للولى وإذا وجب كونه مقدورا لله تعالى فلا شيء يمنع جواز حصوله. وقالوا: إن انخراق العادة ليس مما ينكره المتكلمون لأنه جائز مع القول بالفاعل المختار. ولا مما ينكره الحكماء, لأنهم يقولون بأن للنفوس الزكية قوى ربما تؤثر في أكثر الأجسام التي في عالم الكون والفساد.

стр. 2228

أما وقوع الكرامة فقد استدلوا عليه بقصة أصحاب الكهف وبقائهم في النوم أحياء سالمين مدة ثلثمائة سنة وتسع سنين، كما ورد في القرآن. واستدلوا عليه بأخبار كثيرة، منها ما أخرج في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: عيسى بن مريم ﵇، وصبى في زمن جريج الناسك، وصبى آخر. أما عيسى فقد عرفتموه، جريج فكان رجلا عابدا ببنى إسرائيل، وكانت له أم فكان يوما يصلى إذ اشتاقت إليه أمه فقالت: يا جريج، فقال: يا رب، الصلاة خير أم رؤيتها؟ ثم صلى، فدعته ثانيا فقال مثل ذلك على أمه، قالت: اللهم لا تمته حتى تريه المومسات، وكانت زانية هناك، فقالت لهم: أنا أفتن جريج حتى يزنى، فأتته فلم تقدر على شيء, وكان هناك راع يأوى بالليل إلى أصل صومعته، فلما أعياها راودت الراعى عن نفسه فأتاها فولدت ثم قالت: ولدى هذا من جريج، فأتاه بنو إسرائيل وكسروا صومعته وشتموه، فصلى ودعا ثم نخس الغلام، فقال أبو هريرة: كأني انظر إلى النبي ﷺ حين قال بيده: يا غلام من أبوك؟ فقال: الراعى، فندم القوم على ما كان منهم وإعتذروا إليه وقالوا: نبنى صومعتك من ذهب أو فضة، فأبى عليهم، وبناها كما كانت. وأما الصبي الآخر: فإن امرأة كان معها صبى لها ترضعه، إذ مر بها شاب جميل ذو شارة حسنة، فقالت: اللهم اجعل ابنى مثل هذا، فقال الصبي: اللهم لا تجعلنى مثله، ثم مرت بها امرأة ذكروا أنها سرقت وزنت وعوقبت فقالت: اللهم لا تجعل ابنى مثل هذه. فقال الصبي: اللهم اجعلنى مثلها فقالت له أمه في ذلك. فقال: إن الشاب كان جبارًا من الجبابرة فكرهت أن أكون مثله، وإن هذه قيل إنها زنت ولم تزن، وقيل إنها سرقت ولم تسرق وهي تقول: حسبى الله. ومن هذه الأخبار خبر الغار، وهو مشهور في الصحاح عن الزهري عن سالم عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : انطلق ثلاثة رهط

стр. 2229

ممن كان قبلكم فآواهم المبيت في غار فدخلوه. فانحدرت صخرة عن الجب وسدت عليهم باب الغار، فقالوا: والله لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا الدعاء بصالح أعمالكم، فقال رجل منهم: كان لي أبوان شيخان كبيران وكنت لا أغبق قبلهما، فناما في ظل شجرة يوما فلم أبرح عنهما وجلب لهما غبوقهما فجئتهما به فوجدتهما نائمين فكرهت أن أوقظهما وكرهت أن أغبق قبلهما، فقمت والقدح في يدي أنتظر استيقاظهما حتى ظهر الفجر فاستيقظا فشربا غبوقهما، اللهم إن كنت فعلت هذا ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة فانفرجت انفراجا لا يستطيعون الخروج منه: ثم قال الآخر: كانت لي ابنة عم وكانت أحب الناس إلى فراودتها عن نفسها حتى ألمت بها سنة من السنين فجاءتنى وأعطيتها مالًا عظيما على أن تخلى بينى وبين نفسها فلما قدرت عليها قالت: لا يجوز لك أن تفض الخاتم إلا بحقه فتحرجت من ذلك العمل وتركتها وتركت المال معها، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه فانفرجت الصخرة، غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها، قال رسول الله [ ﷺ ]، ثم قال الثالث: اللهم إني استأجرت أجراء فأعطيتهم أجورهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهب فثمرت أجرته حتى كثرت منها الأموال فجاءنى بعد حين، وقال: يا عبد الله أد لي أجرتى، فقلت له: كل ما ترى من أجرتك من الإبل والغنم والرقيق، فقال: يا عبد الله أتهزأ بى؟ فقلت: إني لا أستهزئ بك فخذ ذلك كله، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانجفرجت الصخرة عن الغار فخرجوا يمشون. وهذا حديث حسن صحيح متفق عليه. وقد نقلوا كرامات عن الصحابة كالذي روى عن عمر بن الخطاب ﵁ من أنه بعث جيشا وأمر عليهم رجلا يدعى سارية بن الحصين، فبينما عمر يوم الجمعة يخطب جعل يصيح في خطبته وهو على المنبر: "يا سارية، الجبل الجبل! ". قال علي بن أبي طالب

стр. 2230

كرم الله وجهه: فكتبت تاريخ تلك الكلمة، فقدم رسول مقدم الجيش فقال: يا أمير المؤمنين غزونا يوم الجمعة في وقت الخطبة فهزمونا فإذا بإنسان يصيح: "يا سارية، الجبل الجبل! " فأسندنا ظهورنا إلى الجبل. فهزم الله الكفار وظفرنا بالغنائم العظيمة ببركة ذلك الصوت. وقد روى أيضًا لجماعة من التابعين كرامات كثيرة، وكذلك لطبقات أخرى من بعدهم مثل مالك بن دينار ورابعة العدوية وسهل بن عبد الله الذي يروى عنه أنه كان يقول: من زهد في الدنيا أربعين يومًا صادقًا مخلصًا في ذلك تظهر له الكرامات من الله ، ومن لم لظهر له ذلك فلما عدم في زهده من الصدق والإخلاص. قال صاحب اللمع: وسمعت أبا الحسن البصري ﵀ يقول: كان بعبادان رجل أسود فقير يأوى الخرابات، فحملت معى شيئًا وطلبته فلما وقعت عينه عل تبسم، وأشار بيده إلى الأرض فرأيت -يعني الأرض كلها - ذهبًا يلمع، ثم قال لي: هات ما معك، فناولته ما كان معى وهربت منه فهالنى أمره. وقال صاحب اللمع أيضًا: سمعت حمزة بن عبد الله العلوى يقول: دخلت على أبي الخير التيتانى وكنت قد اعتقدت في سرى فيما بينى وبين الله تعالى أن أسلم عليه وأخرج ولا أتناول عنده الطعام ثم دخلت وسلمت عليه وودعته وخرجت من عنده، فلما تباعدت من القرية فإذا به وقد حمل معه طعاما وقال لي: يا فتى، كل هذا فقد خرجت الساعة من اعتقادك. قال ابن حزم في كتابه الفصل: وذهب أهل الحق إلى أنه لا يقلب أَحد عينا ولا يحيل طبيعة إلا الله لأنبيائه فقط سواء تحدوا بذلك أو لم يتحدوا وكل ذلك آيات لهم عليهم الصلاة والسلام تحدوا بذلك أم لا، والتحدى لا معنى له وإنه لا يمكن وجود شيء من ذلك لصالح ولا لساحر ولا لأحد غير الأنبياء ... وهذا هو الحق الذي لا يجوز غيره، برهان ذلك قوله : ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾.

стр. 2231

فقد وجب أن كل ما في العالم مما قد رتبه الله على ما هو عليه من فصوله الذاتية وأنواعه وأجناسه، فلا يتبدل شيء منه قطعيًا إلا حيث قام البرهان على تبدله، وليس ذلك إلا على أحد وجهين: إما استحالة معهودة جارية على رتبة واحدة، وعلى ما بنى الله تعالى عليه العالم من استحالة المني حيوانا والنوى والبذور شجرة ونباتا وسائر الاستحالات والمعهودات. وإما استحالة لم تعهد قط، ولا بنى الله تعالى العالم عليها، وذلك قد صح للأنبياء ﵈ شواهد لهم على صحة نبوتهم ووجود ذلك بالمشاهدة ممن شهدهم ونقله إلى من لم يشاهدهم بالتواتر الموجب للعلم الضرورى، فوجب الإقرار بذلك وبقى ما عدا أمر الأنبياء ﵈ على الامتناع فلا يجوز ذلك البتة لا من ساحر، ولا من صالح بوجه من الوجوه. لأنه لم يقم برهان بوجود ذلك ولا صح به نقل، وهو ممتنع في العقل ولا فرق بين من ادعى شيئًا مما ذكرنا لفاضل وبين دعوى الرافضة رد الشمس على عليّ ابن أبي طالب مرتين، وكذلك دعوى النصارى لرهبانهم وقدمائهم، فإنهم يدعون لهم من قلب الأعيان أضعاف ما يدعيه هؤلاء، وكذلك دعوى اليهود لأحبارهم أن رجلا منهم رحل من بغداد إلى قرطبة في يوم واحد، وأنه ثبت قرنين في رأس رجل مسلم من بنى الإسكندرانى كان يسكن بقرطبة عند باب اليهود، وهذا كله باطل ممنوع. وقال ابن حزم أيضًا: وكذلك ما ذكر عمن ليس نبيا من قلب عين أو إحالة طبيعة فهو كذب إلا ما وجد من ذلك في عصر نبي، فإنه آية كذلك لذلك النبي. وذلك الذي ظهرت عليه آية بمنزلة الجذع الذي ظهر فيه الجنين، والذراع الذي ظهر فيه النطق والعصا التي ظهرت فيها الحياة وسواء كان الذي ظهرت فيه الآية صالحا أو فاسقا. فلو جاز ذلك بعد موت النبي لأشكل الأمر ولم تكن في أمن في دعوى من ادعى أنها آية لذلك الفاضل، ولذلك الفاسق. والإنسان من الناس يدعيها آيه له ... وليس كذلك ما كان في عصر النبي لأنه لا يكون إلا من قبل النبي

стр. 2232

وبإخباره وبإنذاره فبدت بذلك أنها له للذي ظهرت منه. قال أبو محمد "بن حزم": أما الذي روى في ذلك عن الثلاثة أصحاب الغار وانفراج الصخرة ثلثا ثلثا عندما ذكروا من أعمالهم فلا تعلق لهم به لأن تكسير الصخرة ممكن في كل وقت، ولكل أحد بلا إعجاز، وما كان هكذا فجائز وقوعه بالدعاء وبغير الدعاء, لكن وقع وفاقا لتمنيهم كمن دعا في موت عدوه أو تفريج همه, أو بلوغ أمنيته في دنياه، ولقد حدثني حكيم بن منذر بن سعيد أن أباه ﵀ كان في جماعة في سفرة في صحراء فعطشوا وأيقنوا بالهلكة ونزلوا في ظل جبل ينتظرون الموت. قال: فأسندت رأسى إلى حجر ناتئ فتأذيت به فقلعته فاندفع الماء العذب من تحته فشربنا وتزودنا، ومثل هذا كثير، وحتى لو كانت معجزة لوجب أن يكونوا أنبياء، أو لولى ممن في زمن نبي لا بد مما قدمناه. قال أبو محمد: "ولا عجيب أعجب من قول من يجيز قلب الأعيان للساحر، وهو عندهم فاسق أو كافر ويجيز مثل ذلك للصالح وللنبي، فقد جاز عندهم قلب الأعيان للنبي وللصالح وللفاسق وللكافر، فوجب أن قلب الأعيان جائز من كل واحد، وبؤسًا لقول أدى مثل هذا". وظاهر ما في احتجاج ابن حزم من قوة، ولئن لم يعرض لتأويل كل ما روى في الأخبار من الكرامات المشكل تأويلها كحديث من تكلم في المهد من الصبيان فلعله اعتبرها من الوقائع المروية بالأحاديث التي يجوز الشك فيها ولا تنبنى العقائد عليها, ولولا أن ابن حزم من الظاهرية الذين يتبعون النصوص بلا تأويل لقلنا إنه قد يجعلها من باب التمثيل. ولما كان إنكار الكرامات ربما كان موهما إنكار إجابة الدعاء, فإن الدعاء قد يكون بشيء خارق للعادة، ومن هنا تصدى ابن حزم لحل هذا الإشكال فقال: "فإن اعترضوا بقول الله تعالى: ﴿وَقَال رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ وبقوله تعالى: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾، فهذا حق؛ وإنما هو بلا شك في

стр. 2233

الممكنات التي علم الله أنها تكون، لا فيما علم الله تعالى أنها لا تكون، ولا في المحال. ونسألهم عمن دعا الله تعالى أن يجعله نبيًّا، أو أن ينسخ دين الإسلام، أو بأن يجعل القيامة قبل وقتها، أو يمسخ الناس كلهم قردة، أو بأن يجعل له عينا ثالثة، أو بأن يدخل الكفار الجنة والمؤمنين النار أو ما أشبه هذا. فإن أجازوا كل هذا كفروا ولحقوا مع كفرهم بالمجانين، وإن منعوا من كل هذا تركوا استدلالهم بالآيات المذكورة، وصح أن الإجابة إنما تكون في خاص من الدعاء لا في العموم". أما الطائفة القائلة بامتناع الخارق للعادة معجزة كان أو كرامة فقد قالوا: إن تجويز خرق العادة سفسطة ولو جوزناه لجاز انقلاب الجبل ذهبا، وأوانى البيت رجالا كملا، وتولد هذا الشيخ دفعة بلا أب ولا أم، ولجاز كون من ظهرت المعجزة على يده غير من ادعى النبوة بأن يعدم المدعى عقب دعواه بلا مهلة، ويوجد مثله في آن إعدامه، فيكون ظهور المعجزة على يد المثل ولا يخفى ما في ذلك من الخبط والإخلال بالقواعد المتعلقة بالنبوة، والمفاسد التي تنافى نظام المعاش والمعاد، أو يجوز حينئذ أن يكون الآتي بالأحكام الشرعية في الأوقات المتفرقة أشخاصا مماثلة للذي ثبتت نبوته بالمعجزة، وأن يكون الشخص الذي تتقاضاه دينك غير الذي كان عليه الدين. وأهل هذه الطائفة مختلفون مع المتكلمين والصوفية وقد نقض أدلتهم هؤلاء وهؤلاء بل ادعوا أنهم لا يثبتون النبوة أصلا، فهم خارجون عن الدين لكنهم لم يصرحوا بإنكار النبوة، وليس يمتنع أن ينكروا الخوارق من غير أن ينكروا النبوة. د- نبوة النساء وولايتهن وصلة المرأة بالتصوف الإسلامي. لا نعرف خلافا في جواز الولاية وما يتبعها من الكرامة والعرفان للنساء، وإنما حصل الخلاف في نبوة النساء. ويقول ابن حزم: لاهذا فضل لا نعلمه حدث النزاع فيه إلا عندنا بقرطبة وفي زماننا -وابن حزم ولد سنة ٣٨٤ هـ

стр. 2234

وتوفي سنة ٤٥٦ هـ- فإن طائفة ذهبت إلى إبطال كون النبوة في النساء جملة، وبدعت من قال ذلك، وذهبت طائفة إلى القول بأنه قد كانت في النساء نبوة، وذهبت طائفة إلى التوقف في ذلك". وكلام ابن حزم صريح في أنه لا نزاع في عدم حصول رسالة للنساء بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إلا رِجَالًا نُوحِي إِلَيهِمْ﴾ ولم يدع أحد أن الله تعالى أرسل امرأة وإنما الكلام في النبوة. والفرق بين النبوة والرسالة أن النبوة مأخوذة من الإنباء وهو الإعلام، فمن أوحى إليه الله علما بما يكون قبل أن يكون، أو امرًا ما مع يقينه يقينا ضروريا بصحة ما أوحى إليه كعلمه بما أدرك بحواسه وبديهة عقله فهو نبي وذلك يكون بواسطة الملك. أما الرسول فهو من أوحى إليه بدين يتبعه ويبلغه إلى الناس. وقد جاء القرآن بأن الله أرسل ملائكة إلى نساء فأخبروهن بوحى حق من الله تعالى، فبشروا أم إسحاق بإسحاق؛ وقد أرسل جبريل إلى مريم أم عيسى ﵉ فخاطبها وقال لها: ﴿إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾ ووجدنا أم موسى ﵉ قد أوحى الله إليها بإلقاء ولدها في اليم وأعلمها أنه سيرده إليها ويجعله نبيا مرسلًا. ويدرك كل ذي تمييز صحيح أنها لو لم تكن واثقة بنبوة الله لها لكانت بإلقائها ولدها في اليم برؤيا تراها أو بما يقع في نفسها في غاية الجنون. وتبين من هذا البحث أن المسلمين لم يتنازعوا في جواز النبوة والولاية للنساء، ولا مانع من ذلك شرعا ولا عقلا، وقد اتفقوا على عدم وقوع الرسالة للنساء، كما اتفقوا على وقوع الولاية لهن واختلفوا في قوع النبوة على الوجه الذي بيناه، وفي هذا دليل على أن مجال الوحى والإلهام يستوى النساء فيه والرجال، فلا عائق يعوق المرأة عن أن تسمو بروحها إلى أقصى غايات السمو المقدورة للبشر، بأن تصل إلى مرتبة العرفان والولاية، وتشهد من

стр. 2235

جلال حضرة الربوبية ما لا يشهده سائر البشر. وقد بلغت نساء هذه الدرجة الرفيعة في عصور النهضة والرقى منذ نشاة التصوف الإسلامي. وترجم الشعرانى في كتاب الطبقات لأربعمائة وست وثلاثين من الصوفية الأخيار، بينهن ست عشرة امرأة، كلهن من الطراز الأول بين أهل التصوف من أمثال معاذة العدوية، ورابعة العدوية، والسيدة عائشة بنت جعفر الصادق، والسيدة نفيسة ابنة الحسن بن زيد، وهو لم يستوعب الصوفيات من النساء، بل اقتصر على جماعة منهن وجعل عنوان الفصل المختص بالنساء "فصل في ذكر جماعة من عباد النساء ﵅". وما يكون لأحد أن يزعم أن في الإسلام نزوعا إلى الغض من الجانب الروحى للمرأة بعد الذي بيناه من استعدادها لمراتب الصوفية العليا التي تكشف فيها حجب الغيوب وتفيض على صاحبها الكرامات. وما في أحكام الشرع الإسلامي من وجه التفرقة أحيانا بين المرأة والرجل يرجع إلى أمور مادية متصلة بالمادة كما في التفاوت في الإرث. والتفاوت في الشهادة لا يبعد عن هذا النوع، فإن ضعف الذاكرة المعلل به نقص شهادتها ليس حيفا بكمالها الروحى ولا باستعدادها للسمو الدينى. وقد ناقش ابن حزم في كتابه "الفصل" آراء من يفضلون الرجال على النساء مناقشة تدل على أن فكرة التساوى في الفضل بين النساء والرجال كانت من الأفكار المؤيدة بين علماء المسلمين، وكان لها أنصار من طراز الإمام ابن حزم الظاهرى. قال أبو محمد: وقد قال قائل ممن يخالفنا في هذا: قال الله : ﴿وَلَيسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ فقلنا وبالله التوفيق: فهذا أنت -عند نفسك- أفضل من مريم وعائشة وفاطمة؛ لأنك ذكر وهؤلاء إناث؟ فإن قال هذا لحق بالنوكى وكفر، فإن سأل عن معنى الآية قيل له الآية على ظاهرها ولا شك في أن الذكر ليس كالأنثى لأنه لو كان كالأنثى لكان أنثى، والأنثى أيضًا ليست

стр. 2236

كالذكر, لأن هذه أنثى وهذا ذكر وليس هذا من الفضل في شيء البتة، وكذلك الحمرة غير الخضرة، والخضرة ليست كالحمرة، وليس هذا من باب الفضل. فإن اعترض معترض بقول الله تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ قيل له إنما هذا في حقوق الأزواج على الزوجات، ومن أراد حمل هذه الآية على ظاهرها يلزمه أن يكون كل يهودى وكل مجوسى وكل فاسق من الرجال أفضل من أم مرسى وأم عيسى وأم إسحاق ﵈ ومن نساء النبي ﷺ بناته، وهذا كفر ممن قاله بإجماع الأمة. وكذلك قوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيرُ مُبِينٍ﴾ إنما ذلك في تقصيرهن في الأغلب عن المحاجة لقلة دربهن، وليس في هذا ما يحط من الفضل عن ذوات الفضل منهن .. فإن شغب مشغب بقول رسول الله ﷺ : "ما رأيت من ناقصات عقل ودين أسلب للب الرجل الحازم من إحداكن" قلنا له وبالله التوفيق: إن حملت هذا الحديث على ظاهره فيلزمك أن تقول إنك أتم عقلا ودينا من مريم وأم موسى وأم إسحاق ومن عائشة وفاطمة. فإن تمادى على هذا سقط الكلام معه ولم يبعد عن الكفر، وإن قال: لا، سقط اعتراضه واعترف بأن من الرجال من هو أنقص دينا وعقلا من كثير من النساء، فإن سأل عن معنى هذا الحديث، قيل له قد بين رسول الله ﷺ وجه ذلك النقص، وهو كون شهادة المرأة على النصف من شهادة الرجل، وكونها إذا حاضت لا تصلى ولا تصوم وليس هذا بموجب نقصان الفضل ولا نقصان الدين أو العقل في غير هذين الوجهين فقط؛ إذ بالضرورة ندرى أن في النساء من هن أفضل من كثير من الرجال وأتم دينا وعقلا في غير الوجوه التي ذكرها النبي [ ﷺ ] وهو ﵇ لا يقول إلا حقا، فصح يقينا أنه إنما عبر ﵇ ما قد بينه في الحديث نفسه من الشهادة والحيض فقط، وليس ذلك مما ينقص الفضل، فقد علمنا أن أبا بكر

стр. 2237

وعمر وعليا لو شهدوا زنا لم يحكم بشهمادتهم، ولو شهد به أربعة منا عدول في الظاهر حكم بشهادتهم، وليس ذلك بموجب أننا أفضل من هؤلاء المذكورين، وكذلك القول في شهادة النساء فليست الشهادة من باب التفاضل في ورد ولا صدر، لكن نقف فيها عند ما حده النص فقط، ولا شك عند كل مسلم في أن صواحبه من نسائه وبناته ﵈ -كخديجة وعائشة وفاطمة وأم سلمة- أفضل دينا ومنزلة عند الله تعالى من كل تابع أتى بعدهن، ومن كل رجل يأتي في هذه الأمة إلى يوم القيامة، فبطل الاعتراض بالحديث المذكور، وصح أنه على ما فسرناه وبيناه والحمد لله رب العالمين. قال أبو محمد: فإن اعترض معترض بقول النبي [ ﷺ ] كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران وامرأة فرعون. فإن هذا الكمال إنما هو الرسالة والنبوة التي انفرد بها الرجال وشاركهم بعض النساء في النبوة، وقد يتفاضلون أيضًا فيها فيكون بعض الأنبياء أكمل من بعض ويكون بعض الرسل أكمل من بعض. قال الله : ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ فإنما ذكر في هذا الخبر من بلغ غاية الكمال في طبقته ولم يتقدمه منهم أحد، وبالله تعالى التوفيق. فإن اعترض معترض بقوله ﵇: "لا يفلح قوم أسندوا أمرهم إلى امرأة" فلا حجة له في ذلك, لأنه ليس امتناع الولاية فيهن بموجب لهن نقص الفضل، فقد علمنا أن ابن مسعود وبلالا وزيد بن حارثة ﵃ لم يكن لهم حظ الخلافة وليس بموجب أن يكون الحسن وابن الزبير ومعاوية أفضل والخلافة جائزة لهؤلاء غير جائزة لأولئك، ومنهم في الفضل مالا يجهله المسلم. مبنى التصوف -كما يتبين مما أسلفنا على الإيمان والصدق والإخلاص فهو العلم الذي يصور المثل الخلقى الإسلامي الأعلى: سئل سحنون عن التصوف فقال: ألا تملك شيئًا ولا يملكك شيء.

стр. 2238

وقال الجنيد ﵀: آخر مقام العارف الحرية وإذا كان الصوفية هم بناء المثل الأخلاقى الإسلامي الأعلى فإن للمرأة حظًا غير منقوص في تشييد هذا الهيكل العظيم. وإنا لنجد في كتب التصوف والأخلاق ذكرًا لمتصوفات سيرتهن شاهد ومثل يحتذى. قال الجاحظ (١): "والناسكات المتزهدات من النساء المذكورات في الزهد والرياسة من نساء الجماعة أم الدرداء ومعاذة العدوية ورابعة القيسية. "ومن نساء الخوارج السجا وحمادة الصفوية وغزالة الشيبانية قتلن جميعا وصلبت السجا وحمادة وقتل خالد بن عتاب غزالة وكانت امرأة صالح ابن نوح. ومن نساء الغالية الميلاء وحميدة وليلى الناعظية" ولسنا نعرف مؤلفات في التصوف للنساء ولكنا نعرف من اثارهن وأشعارهن وأخبارهن ما يقوم مقام الكتب المدونة، ويدل على ما لبعضهن من منزلة الإمامة كرابعة التي سنعرض لسيرتها. هـ رابعة العدوية: هي رابعة بنت إسماعيل العدوية (٢) البصرية ولقبها ابن خلكان بأم الخير وذكر أنها مولاة آل عتيك (٣). قال الأستاذ ماسينيون في كتابه في أصول الاصطلاحات الصوفية Essai sur Les Origines du: Massignon -Lexique technique de la mystique mu sulmane) " وكانت في أول أمرها تعزف بالمعازف ثم ثابت وقد خلفت مقطوعات تعبر عن حدة عشق مؤثرة، وقضت حياتها بالبصرة وكأنها مسجونة، وبها ماتت في سن لا تقل عن ثمانين سنة، وذلك في عام ١٨٥ هـ (٨٠١ م)، وتركت في الإسلام شذًا من ولايتها لا يزال أريجًا ولم تكن وفاتها سنة ١٣٥ هـ

стр. 2239

(٧٥٢ م) كما زعموه ليجعلوا منها تلميذة للحسن البصري، وأدلة ذلك صداقتها لرباح وكونها لقيت الثوري الذي جاء البصرة بعد سنة ١٥٥ هـ، ومن الأدلة ما رووا من خطبة محمد بن سليمان الذي ولى البصرة من قبل العباسيين منذ سنة ١٤٥ هـ إلى ١٧٢ هـ وقد قالوا إنها ولدت في العام الذي بدأ فيه الحسن البصري مجالس تعليمه وذلك يوافق سنة ٩٥ أو سنة ٩٦ هـ وقد استعملت في غير تهيب كلمة الحب العشق الإلهى معتمدة على ما جاء في القرآن .. وبرئت من مرض خطير أصابها فانقطعت عن قيام الليل، لكن الملائكة هتفت بها في جنح الليل فتنبهت إلى ما فقدته وعادت إلى سنتها". وفي كتاب الاشتقاق لابن دريد: "ولد عمران الأسد والحجر فولد الأسد العتيك .. واشتقاق العتيك من قولهم عتك عليه إذا حمل إما بسيف أو غيره وعتك على يمين فاجرة إذا أقدم عليها". ولم نر أحدًا ممن ترجموا لها ذكر تاريخ ميلادها ثم إنهم اختلفوا في تاريخ وفاتها فمن قائل إنها توفيت سنة خمس وثلاثين ومائة، ومن قائل بل توفيت سنة خمس وثمانين ومائة. وقال الشعرانى في الطبقات: "وكانت بعد أن بلغت ثمانين سنة كأنها شن بال تكاد تسقط إذا مشت، وكان كفنها لم يزل موضوعًا أمامها وكان بموضع سجودها. وهذا يدل على أنها عاشت أكثر من ثمانين عامًا". وذكر ابن خلكان أن قبرها يزار وهو بظاهر القدس من شرقيه على رأس. جبل يقال له الطور، لكن ياقوت الحموى ذكر أن هذا القبر ليس قبر رابعة العدوية إنما قبرها بالبصرة، أما القبر الذي على جبل القدس فهو قبر رابعة زوجة أحمد بن أبي الحوارى الكاتب وقد اشتبه على الناس". ولسنا نعرف شيئًا عن نشأة رابعة وحياتها من قبل أن تكون صوفية فإنها لم تولد صوفية بالضرورة ولم يعن المؤرخون إلا بالجانب الصوفى منها. وجاء في دائرة المعارف للبستانى ما نصه: "وفي بعض الروايات أنها تابت عن يد ذي النون المصري، وذلك أنها كانت في سفينة مع جماعة يشربون الخمر فاتفق ركوب ذي النون (١)

стр. 2240

تلك السفينة لغرض له في بحر النيل فطلبت إليه رابعة على سبيل التهكم أن يسمعهم شيئًا من غنائه كما أسمعوه، فأنشد: أحسن من قينة ومزمار ... في غسق الليل نفحة القارى يا حسنه والجليد (١) يسمعه ... بطيب صوت ودمعه جارى وخده في التراب منعفر ... وقلبه في محبة الباري يقول: يا سيدى ويا سندى ... أشغلنى عنك ثقل أوزارى وكانت بذلك توبة رابعة على يده. وعقب على ذلك صاحب دائرة المعارف بقوله: "ولكن يظهر أن هذه القصة مصنوعة، لبعد العهد بين ذي النون ورابعة كما يعرف من تاريخ وفاتهما". وشواهد الوضع في هذه القصة كثيرة، فإنا لا نعرف أن رابعة العدوية زارت مصر وإن ابتدعت لها الأساطير قبرا بقرافة الإمام يزار ويتبرك به. والشعر الذي في الرواية فيه من الغثاثة ومن اللحن ما يقطع الصلة بينه وبين عصر رابعة العدوية ويظهر أوضح ظهور أنه من شعر العصور المتأخرة. هذا وقد ذكر ما سينيون في مجموعة النصوص المتعلقة بتاريخ التصوف في بلاد الإسلام أن رابعة خطبها أبو عبيدة عبد الواحد بن زيد مع علو شأنه فهجرته أيامًا حتى شفع له إليها إخوانه فلما دخل عليها قالت له: يا شهوانى اطلب شهوانية مثلك، وذكر في كتابه في اصطلاحات الصوفية أن والى البصرة خطبها، وما أظن أن والى البصرة أو عبد الواحد بن زيد كان يرضى أن يخطب امرأة كانت تشرب الخمر في السفن النيلية وتغنى للندمان. وليس فيما بين أيدينا من المراجع ما يدل على أن رابعة العدوية كانت متزوجة بل المأخوذ من الروايات عن حياتها أنها كانت بعبادتها وحبها لله في شغل عن الزواج والولد، وقد ردّت من خطبها.

стр. 2241

وفي مجموع الأستاذ "ماسينيون" وفي غيره: "نظرت رابعة إلى رباح وهو يقبل صبيًّا من أهله ويضمه إليه فقالت: أتحبه؟ قال: نعم، قالت: ما كنت أحسب أن في قلبك موضعًا فارغًا لمحبة غيره تبارك اسمه، قال: فصرخ رباح وسقط مغشيا عليه: ثم أفاق وهو يمسح العرق عن وجهه ويقول: رحمة منه تعالى بكم ألقاها في قلوب العباد للأطفال". وليس من شأن زوجة أو والدة مهما بلغ بها التصوف أن تنكر الحنو على الأطفال. عاشت رابعة العدوية في القرن الثاني من الهجرة وماتت في أخريات هذا القرن، كما يرجحه أكثر من كتبوا سيرتها. ويقول ابن خلكان عنها: "كانت من أعيان عصرها وأخبارها في الصلاح مشهورة". ويقول عنها صاحب كتاب "مرآة الحنان وعبرة اليقظان" الإمام أبو محمد عبد الله بن أسعد اليافعى المتوفى سنة ٧٦٨ هـ: "السيدة الولية ذات المقامات العلية والأحوال السنية". ويقول عنها الأستاذ ماسينيون وعن رابعة (١) القيسية ما تعريبه: "هاتان الزاهدتان -وكلتاهما من أهل المذهب البصري- كان تحمسهما لحياة الزهد مؤديًا إلى معالجة أحوال صوفية مختلفة وإلى البحث في فروض دقيقة في العمليات والعقائد، ورابعة تعتبر عند الباحثين في أمور الولاية والأولياء أعظم ولية". وعندى أن من التعسف أن ينسب إلى رابعة العدوية وصاحبتها التصدى لمعالجة دقائق المسائل الفقهية والكلامية والصوفية. ولقد كان العصر الثاني الهجرى عصر نشأة التصوف وعصر بداية تطوره الأول، إذ نشأ لفظ "الصوفى" عبارة عن العابد الزاهد اللابس للصوف ثم صار يدل مع ذلك على العناية بحال القلوب إلى جانب التمسك بالعبادات الظاهرة. ونجد في تاريخ رابعة العدوية ما يدل على حرصها على التحقق بهذه المعاني، فقد كانت تلبس الصوف. وكانت تستكثر من العبادة، وكانت من أزهد الناس في الدنيا.

стр. 2242

روى الشعرانى: "أنها كانت ترد ما أعطاه الناس لها وتقول: مالى حاجة بالدنيا". وذكر صاحب مرآة الحنان وابن خلكان عن ابن الجوزي في كتابه "صفوة الصفوة" بإسناد له متصل إلى عبدة بنت أبي شوال، وكانت من خيار إماء الله وكانت تخدم رابعة قالت: كانت رابعة تصلى الليل كله، فإذا طلع الفجر، هجعت في مصلاها هجعة خفيفة حتى يسفر الفجر فكنت أسمعها تقول إذا وثبت من مرقدها ذلك وهي فزعة: يا نفس كم تنامين؟ وإلى كم تنامين؟ يوشك أن تنامى نومة لا تقومين منها إلا لصرخة يوم النشور. وكان هذا دأبُها دهرها حتى ماتت. ولما حضرتها الوفاة ودعتنى وقالت: يا عبدة لا تؤذنى بموتى أحدًا وكفنينى في جبتى هذه؛ وهي جبة من شعر كانت تقوم فيها إذا هدأت العيون. قالت: فكفنتها تلك الجبة وفي خمار صوف كانت تلبسه، ثم رأيتها بعد ذلك بسنة أو نحوها في منامى عليها حلة استبراق وخمار من سندس أخضر لم أر قط شيئًا أحسن منه. فقلت: يا رابعة ما فعلت بالحلة التي كفّنّاك فيها وخمار الصوف؟ قالت: إنه والله نزع عنى وأبدلت به ما ترينه على، فطويت أكفانى وختم عليها ورفعت في عليين ليكمل لي بها ثوابها يوم القيامة، فقلت لها: ألهذا كنت تعملين أيام الدنيا؟ فقالت: وما هذا عند ما رأيت من كرامة الله تعالى لأوليائه؟ .. قلت: فمرينى بأمر أتقرب به إلى الله ، قالت: عليك بكثرة ذكره، يوشك أن تغتبطى بذلك في قبرك. ويدل ما ذكرنا على أنها كانت تلبس الصوف وما إليه من ثياب الشعر، وأنها كانت كثيرة العبادة منصرفة عن الدنيا. أما اهتمامها بروح العبادة وما يحدث في النفس من آثارها فيدل عليه كثير مما روى من أقوالها. كانت تقول: استغفارنا يحتاج إلى استغفار. وكانت تقول: ما ظهر من أعمالى لا أعده شيئًا. ومن وصاياها: اكتموا حسناتكم كما تكتمون سيئاتكم. ويقول ما سينيون في كتابه في أصول اصطلاحات الصوفية: إنها

стр. 2243

استعملت في غير تهيب كلمة الحب في العشق الإلهى معتمدة على ما ورد في القرآن من ذلك، وكان من قبلها يتحرجون من كلمة الحب في ذلك المقام. ولعل أظهر ما تميزت به رابعة العدوية كلامها في الحب والمحبة كما في كتاب "مدارج السالكين": هي سمة الطائفة وعنوان الطريقة ومعقد النسبة، يعني سمة هذه الطائفة المسافرين إلى ربهم، وهم الذين قعدوا على الحقائق وقعد من سواهم على الرسوم، وعنوان طريقتهم أي دليلها، والمحبة تدل على صدق الطالب وأنه من أهل الطريق، ومعقد النسبة أي النسبة التي بين الرب وبين العبد فإنه لا نسبة بين الله وبين العبد إلا محض العبودية من العبد، والألوهية من الرب، وليس في العبد شيء من الألوهية ولا في الرب شيء من العبودية، ومعقد نسبة العبودية هو المحبة، فالعبودية معقودة بها بحيث متى انحلت المحبة انحلت العبودية. ولا تحد المحبة بحد أوضح منها، فالحدود لا تزيدها إلا خفاء وجفاء، فحدها وجودها, ولا توصف المحبة بوصف أظهر من المحبة، وإنما يتكلم الناس في أسبابها وموجباتها وعلاماتها وشواهدها وثمراتها وأحكامها. وهذه المادة تدور في اللغة على خمسة أشياء: أحدها - الصفاء والبياض، ومنه قولهم لصفاء بياض الأسنان ونضارتها حبب الأسنان. الثاني- العلو والظهور، ومنه حبب الماء وحبابه وهو ما يعلوه عند المطر الشديد، وحبب الكأس منه. الثالث- اللزوم والثبات، ومنه حب البعير وأحب إذا برك فلم يقم. الرابع- اللب، ومنه حبة القلب للبه وداخله ومنه الحبة لواحدة الحبوب، إذ هي أصل الشيء ومادته وقوامه. الخامس- الحفظ والإمساك، ومنه حب الماء للوعاء الذي يحفظ فيه ويمسكه، وفيه معنى الثبوت أيضًا. ولا ريب أن هذه الخمسة من لوازم المحبة، فإنها صفاء المودة، وهيجان إرادات القلب للمحبوب، وعلوها

стр. 2244

وظهورها منه لتعلقها بالمحبوب المراد، وثبوت إرادة القلب للمحبوب ولزومها لزومًا لا يفارق، ولإعطاء المحب محبوبه لبه وأشرف ما عنده وهو قلبه، ولاجتماع عزماته وإرادته وهمومه على محبوبه فاجتمعت فيها المعاني الخمسة. هذا ما يقوله ابن قيم الجوزية في معنى المحبة ومنزلتها من التصوف. وعندما كان التصوف في سذاجته لعهد رابعة لم يكن الحديث في أمر المحبة الصوفية طريقًا معبدًا، وقد تكون رابعة العدوية أول من هتف في رياض الصوفية بنغمات الحب شعرا ونثرًا، وجدير بمولاة آل عتيك التي كانت من فضلاء عصرها وآزكاهم فطرة وأسماهم نفسًا وأشدهم عزوفا عن الدنيا وزخارفها أن يكون انقطاعها إلى الله قد وجه نفسها الشاعرة وجهة حب إلهى فغنت بأناشيده في مثل قولها: أحبك حبين، حب الهوى ... وحبا لأنك أهل لذاكا فأما الذي هو حب الهوى ... فشغلى بذكرك عمن سواكا وأما الذي أنت أهل له ... فكشفك للحجب حتى أراكا فلا الحمد في ذا, ولا ذاك لي ... ولكن لك الحمد في ذا وذاكا روى هذا الشعر الغزالى في الإحياء ونقله "ماسينيون" أيضًا، والذي في كتاب الإحياء: (فكشفك لي الحجب حتى أراكا) وفي الإحياء أيضًا: قال الثوري (١) لرابعة: ما حقيقة إيمانك؟ قالت: ما عبدته خوفًا من ناره ولا حبًا لجنته فأكون كالأجير السوء, بل عبدته حبًا له وشوقًا إليه. وذكر أبو القاسم القشيرى (٢) في الرسالة أنها كانت تقول في مناجاتها: "إلهى، تحرق بالنار قلبا يحبك؟ " فهتف بها مرة هاتف: "ما كنا نفعل هذا، فلا تظنى بنا ظن السوء". وفي "عوارف المعارف" للسهروردى (٣): قالت رابعة: "كل مطيع مستأنس" وأنشدت:

стр. 2245

إني جعلتك في الفؤاد محدثى ... وأبحت جسمى من أراد جلوسى فالجسم منى للجليس مؤانس ... وحبيب قلبى في الفؤاد أنيسى وكانت تنشد: تعصى الإله وأنت تظهر حبه؟ ! ... هذا لعمرى في الفعال بديع لو كان حبك صادقًا لأطعته ... إن المحب لمن يحب يطيع ومن الظواهر التي تسترعى النظر في حياة رابعة العدوية ما عرف من دوام حزنها وبكائها، قال الشعرانى: كانت ﵂ كثيرة البكاء والحزن، وكانت إذا سمعت ذكر النار غشى عليها زمانًا، وكان موضع سجودها كهيئة الماء المستنقع من دموعها. وروى أنها كانت تقول: "محب الله لا يسكن أنينه وحنينه حتى يسكن، مع محبوبه"، قال المترجمون لها: وقال عندها يومًا سفيان الثوري: وأحزناه! فقالت: لا تكذب، بل قل: وا قلة حزناه! لو كنت محزونًا لم يتهيأ لك أن تتنفس. وقيل لرباح (١): هل طالت بك الليالى والأيام؟ قال: بم؟ قيل بالشوق إلى لقاء الله، فسكت، قالت رابعة: لكننى نعم. وليس هذا الحزن العميق في نفس السيدة رابعة إلا مظهر ما كانت تفيض به نفسها الشاعرة من الحب العميق. فالسيدة رابعة هي السابقة إلى وضع قواعد الحب والحزن في التصوف الإسلامي. وهي التي تركت في الآثار الباقية نفثات صادقة في التعبير عن محبتها وعن حزنها. وإن الذي فاض به الأدب الصوفى بعد ذلك من شعر ونثر في هذين البابين لهو نفحة من نفحات السيدة رابعة العدوية إمام العاشقين والمحزونين في الإسلام. مصطفى عبد الرازق
следующие страницы →