Полный текст (10 087 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.
стр. 2906
وهي تستند إلى قوائم من الخشب، ويلتصق بعضها ببعض، وتبرز طبقاتها العليا واحدة فوق الأخرى حتى تلتقى أو تكاد عند القمة، وتلف حول السفوح دروب منحدرة ذات درج، تحجب الأقبية عنها النور، وأغلبها ضيق جدَا لا يسمع لاثنين بالمرور إلا إذا التصقا بظهريهما إلى الجدار. أما الجزء الأسفل من المدينة، وهو الذي يخترقه الشارع الوحيد الجدير بهذا الاسم، والذي يصل بين باب الواد وباب عزون منذ نهاية القرن السادس عشر، فقد كان هو المكان المختار لسكنى رؤساء القراصنة، وكانت مساكنهم الفخمة المتجمعة بالقرب من البحر، يسكنها البحارة الذين يسيطرون عليهم، وكانوا من موضعهم هذا يحمون المرفأ، وكانت الربوه ربوتهم، وبذلك كان هذا الحى بأسره كأنه دار صناعة لهم، وكانوا فيه آمنين من اعتداء الجنود المفاجيء عليهم (Tivque جـ ١٠ ص ١٢٧ وهناك قامت قصور لم شهر الرؤساء في القرن السابع عشر أمثال مامي أرنوط، وسليمان رئيس، ومراد رئيس، وعربجى بيجنين، وفيه أيضًا شيدت المساجد التي أنفق عليها هؤلاء المغامرون جانبَا من أموالهم؛ والحق إن دور العبادة كانت كثيرة في مدينة الجزائر القديمة. فقد كان بها في أواخر القرن السادس عشر مائة مسجد وخلوة وزاوية. وكان بها قبيل الفتح الفرنسى ثلاثة عشر مسجدًا جامعًا، ومائة وتسعة مساجد صغيرة، واثنتان وثلاثون خلوة وخمس زوايا وكان غالب هذه الدور متوسط الحجم، ليست له أهمية فنية كبيرة، وكان أشهر هذه المساجد بعد المسجد الكبير الذي يرجع تاريخه إلى العصر البربرى هو المسجد الجديد (ويسمى الآن جامع بركة السمك Mosquee de La Pecherie). وقد شيد في عام ١٦٦٠ لتعبد فيه الترك من الحنفية، ثم مسجد كجاوة، وهو مزين بزخارف متعددة الألوان، ومسجد سيدة، ومسجد حاجى حسين باشا ومسجد الأندلسيين الذي بناه في عام ١٦٢٣ المهاجرون الأندلسيون, وزاوية الشرفاء التي أقيمت في عهد الداى محمد بكتاش (سنة ١٧٠٩) إلخ. أما المبانى العامة فكانت قليلة العدد، ويكفى
стр. 2907
أن نذكر منها الجنينة، وهي طائفة من القصور والثكنات، والثكنات السبع الكبيرة الخاصة بالإنكشارية، وسجون الرقيق، ولكن كثيرًا جدا من الدور الخاصة كانت تخفى وراء واجهاتها العاطلة عن الزينة زخارف طريفة أو فخمة ذات روعة، لها أفنية تحيط بها أعمدة من الرخام البديع الصنع، وطنف من خشب الأرز، واسوار عليها رسوم حائطية إيطالية أو هولندية، ومن داخلها أثاث صنعت أجزاؤه في أوربا، أو صنعها العمال الوطنيون محاكاة لنماذج أوربية (انظر: G.Marcain L, expositiond , art Musuhm المجلة الإفريقية في العددين الثالث والرابع من عام ١٩٠٥).
وقد طرأ على تعداد السكان في مدينة الجزائر تغير كبير في أثناء القرون الثلاثة التي كانت خاضعة فيها لحكم الترك. وقدر هايدو Heads الذي ظهر كتابه عام ١٦١٢ عدد المنازل والسكان باثنى عشر ألف منزل وستين ألف نسمة، وقدر الأب دان Dan عدد المنازل والسكان في عام ١٦٣٤, عندما بلغت القرصنة ذروتها، بخمسة عشر ألف منزل، ومائة ألف نسمة. ثم بدأ الاضمحلال يدب فيها عندما قلت أعمال القرصنة. وفي عام ١٧٨٩ قدر فنتورده يارادى Venture de Paradis السكان بخمسين ألفا، ثم هبط هذا العدد إلى ثلاثين ألفا عام ١٨٣٠, وكان السكان من أجناس مختلفة، ولكن يمكن ردهم كلهم إلى أجناس ثلاثة: الترك والمغاربهَ واليهود. وكان الترك طبقة من الخاصة شديدة الارتباط بعضها ببعض، وقد وفد أغلبهم من آسية الصغرى، وانضموا إلى صفوف اليلداش. وكانت النظم التي يخضع لها جيش اليلداش هذا تمكنهم من الوصول إلى أعلى المراتب، أي إلى مرتبة الأغا، بل تؤهلهم لأرفع المناصب المدنية، وكان الترك جميعًا، حتى ولو كانوا من صغار الإنكشارية، ينادون باسم الأفندى ويلقبون بالسادة العظماء الفخام، ويكونون طبقة السراة أو الأعيان في مدينة الجزائر، ولم ينزلوا عن كبريائهم حتى بعد أن فقدت الجندية شأنها السياسي, وقد تزوج الكثيرون منهم
стр. 2908
نساء من أهل البلاد، ولكن أبناء هذه الزيجات- ويسمون "قلغلى"- ظلوا بمعزل عن جماعة الأتراك، فلما انقضى القرن السادس كانت هذه الطبقة قد أقصيت عن الوظائف العامة، ولم يفلحوا في رفع هذا الحيف عنهم على الرغم من فتنهم المتكررة، ومنها فتنة عام ١٦٦٣ التي كانت على جانب كبير من الخطورة. ومن أجل ذلك ظل الترك دائمَا أقلية في هذه العاصمة، كما كانوا أقلية في الولاية كلها. وفي وسعنا أن نقدر عددهم بعشرة آلاف أيام خير الدين وبثلاثين ألفا في عهد البكلربكية، واثنين وعشرين ألفا عام ١٦٣٤ وخمسة آلاف عام ١٧٨٩, ونقص عددهم عام ١٨٣٠ إلي أربعة آلاف نسمهْ. وبعد الفتح الفرنسى مباشرة قرر الجنرال ده بورمون General de Bourmont أن يقصى كل إنكشارى أعزب عن البلاد، ويرسل إلى آسية، ثم عمم هذا القرار حتى شمل كل أفراد الفرق العسكرية، ويجدر بنا أن نضيف إلى طائفة الأتراك أولئك الذين أسلموا وكانوا من أصل أوربى، وهم الذين كان يؤخذ منهم مهندسو الأسطول الجزائرى وما يلزمه من الصناع، ومرشدو الموانى وبعض القراصنة المشهورين، وأخذ عددهم في النقصان تبعَا لتعذر أعمال القرصنة، وقلة غنائمها بسبب تجول أساطيل الدول الأوربية في البحار، والمظاهرات البحرية التي كانت تقوم بها أمام الشواطن، فنقص عددهم من عشرين ألفا أيام هايدو إلى مائتين أو ثلاثمائة في نهاية القرن الثامن عشر.
وكان المغاربة أغلبية بين أهل المدينة أو "البلدى"، وكان بعضهم ممن وفدوا من خارج البلاد، وأقاموا في المدينة منذ العهد التركى، كالأندلسيين الذين طردهم المسيحيون من أسبانيا، والمغامرين من الأوربيين والقلغْلى وغيرهم. وقد حرم على هؤلاء الاشتراك في الشئون العامة بأجمعها، وأعفوا من الخدمة العسكبرية، فلم يبدوا آية مقاومة للحكم التركى، وظلوا يشاهدون المآسى الجسام التي كانت تمثل على مسرح الجزائر بلا مبالاة، وقنع سراتهم بنصيبهم من غنائم القرصنة، وباشتراكهم بالمال في تجهيز السفن
стр. 2909
وبالمضاربات في صفقات بيع الغنيمة والرقيق، أما فقراؤهم فلم يكن لهم عمل. وإن كانوا هم أيضًا يتمتعون بنصيب من الرخاء العام. وكان من هذا العنصر. المغربي التجار والصناع، الذين كانت لهم نقابات مختلفة تحت رياسة "نقباء أو أمناء"، وقد استقر أيضًا في مدينة الجزائر جماعة من داخل البلاد، وكان رجال من القبائل يسكنون المدينة تحت رقابة ولاة الأمور الأتراك الشديدة، ومنهم الفعلة والعمال في الصناعات اليدوية الصغيرة. وكان أهل بسكرة حمالين، والمزابية خبازين وكانت كل جماعة من هؤلاء "البرانية" وحدة قائمة بنفسها يشرف عليها أمين مسئول عن حسن تصرفاتها. وكان عدد المغازية، وبينهم القلغلى، يبلغ ثمانية عشر ألفا في عام ١٨٣٠, الزنج ألفين والوطنيين المنحدرين من أصل بربرى ألفا. وكان لليهود شأن في الحياة الجزائرية، أخذت تزداد أهميته على مر الأيام، وقد انضم إلى العدد القليل من الوطنيين اليهود منذ القرن الخامس عشر إخوانهم من يهود أسبانيا، وحدث أول استقرار لهؤلاء اليهود الأسيانيين في مدينة الجزائر ١٣٩١ تحت إمرة الربانيين دوران، وبرفت، Duran Barfat , ولكن الهجرة الكبيرة حدثت في القرن السادس عشر. وقد سمح لهم خير الدين بالإقامة في المدينة ولكنه حدد لهم عدد الحوانيت التي يفتحونها، وفرض عليهم ضريبة الرؤوس. وقد تضاعف عددهم سريعًا على الرغم من كل أنواع الاضطهاد التي لحقتهم من الترك والمغاربة، ومنها إكراههم على اتخاذ زى خاص بهم، بل على الرغم من الغرامات الفادحة التي فرضت عليهم مرارًا وتكرارًا. ويذكر هايدو أن مائة وخمسين أسرة يهودية لا أكثر كانت تسكن الجزائر في نهاية القرن السادس عشر. وقدر الأب دان عددهم في عام ١٦٣٤ بعشرة آلاف يهودى. ثم قدرهم لوجييه ده تاسى في Laugier de Tassy عام ١٧٢٥ بخمسة عشر ألفا، ولا شك في أن هذا التقدير لم يخل من المبالغة، وبدأ يظهر حوالي ذلك الوقت فرق واضح بين اليهود الوطنيين، الذين كانوا بائسين وبين "اليهود الفرنجة" الذين كانوا من أصل إيطالى جاء أكثرهم من مدينة لقورنة Leghorn، وقد
стр. 2910
أفادوا بوصفهم أجانب من نظام الامتيازات، ومن حماية القنصل الفرنسى، ومن ثم كانوا بمنجاة من ضروب الاضطهادات التي تعرض لها أبناء دينهم الوطنيون، فأثروا من تجارتهم مع أوربة، ومن استغلال أنظمة الاحتكار التي اختص بها البكوات أنفسهم، وقد كان لأكثرهم نفوذا في القرن الثامن عشر- كسليمان جاكت (المتوفى عام ١٧٢٥) وآل بكرى وبوزناخ خاصة- شأن خطير، بل كان لهم في بعض الأحيان الشأن الأكبر في الشئرن الجزائرية (بعد أن أصبحوا يتولون أمور الداى المالية ويقومون بالوساطة الرسمية بين الولاية وبين الدول الأوربية). وقد ظل نفتالى يوزناخ خمسَا وعشرين سنة (سنة ١٧٨٠ - ١٨٠٥ يستغل نفوذ في تنصيب البكوات والدايات وخلعهم، والتصرف في موارد الدولة، أو قل بإيجاز إنه كان يدبر السياسة الداخلية والخارجية للإمارة. ويصرفها وفق مصالحه الخاصة. ثم كان لهذا النفوذ العظيبم رد فعله، إذا اغتال أحد الانكشارية نفتالى بوزناخ "ملك الجزائر" عام ١٨٠٥ وأعقبت ذلك فتنة دموية، ذبح فيها أغنى اغنياء اليهود، أو أخرجوا من البلاد، ونهبت حوانيتهم، وصودرت أملاكهم، ولم تفق قط "الأمة" اليهودية من أثر هذه النكبة، ونقص عدد اليهود إلى أربعة آلاف كما يقول روزيه). ولكنهم ظلوا يحتملون نير الترك في عناء معن، ولذلك رحبوا بسقوط حسين ترحيبًا عظيمَا، وانضموا إلى الفاتحين، ولم يظهروا لهم معارضة ما.
وكان الأوربيون في مدينة الجزائر إما عبيدا أو تجارا أحرارا. أما العبيد فهم الذين أسرهم القراصنة مع غنائمهم البحرية، أو أثناء غاراتهم على شواطيء البحر المتوسط، وبخاصة على شواطيء أسبانيا وإيطاليا وقورشقة وسردانية. وكان فويق من هؤلاء العبيد من نصيب البكوات، أما الباقون فكانوا يياعون لمن يدفع فيهم أغلى الأثمان في موضع البدستان. وكان الأسرى يعملون في المنازل، أو يستخدمون في المدينة نفسها، أو في الحدائق خارج الأسوار (حسب مشيئة سادتهم)
стр. 2911
وكانوا كذلك يسخرون في تسيير السفن الكبيرة بالمجاديف أيامًا معلومة. وكانوا يحبسون ليلا في دور خاصة تابعة للحكومة، أو مملوكة للأفراد، كانت تعرف بسجون الرقيق Bagnioss. وكان هؤلاء الأسرى أقل بؤسا مما يقوله الناس عنهم، فقد كانوا آمنين على أرواحهم، إلا عندما يثور الانكشارية، أو يظهر أسطول مسيحى فتهيج خواطر المسلمين، وأكثر من هذا أن تلك السجون كان بها معابد صغيرة، لها قساوسة، وكان بها ملجأ للعجزة، وحانة للشراب، ولكنهم لم يكن يطلق سراحهم إلا إذا افتدتهم أسرهم بمعاونة رجال الدين كالثالوثيين والمفتدين واللازارين الذين وقفوا أنفسهم على هذه الأغراض، أو إذا استعادوا حريتهم بعد مفاوضات سياسية. وكان طبيعيا أن يختلف عدد هؤلاء العبيد قلة وكثرة تبعًا لانتشار القرصنة أو كسادها، وقد بلغ عددهم أقصاه في النصف الأول من القرن السابع عشر. فقد كانت سجونهم وقتذاك تضم خمسة وعشرين ألفا، كما يقول دان، أو خمسة وثلاثين ألفا، كما يقول كراماى Gramaye ثم نقص هذا العدد أثناء القرن الذي تلاه. فلم يكن في هذه السجون عام ١٧٤٠ سوى ١٤٤٢ أسيرًا، ولم يكن فيها عام ١٧٦٧ أكثر من ٢٦٢ ومن ألف وثمانمائة عام ١٧٦٩ من ١٦٦٩ في عام ١٨١٣, ونقصوا أخيرًا إلى ١٢٠٠ عام ١٨١٦ حين أطلق سراحهم بعد غزوة اللورد إكسموث الموفقة.
أما الأوربيون الذين كانوا يتمتعون بحرية مطلقة، فقد كان عددهم دائما قليلا، لأن الجزائر لم يكن لها قط أهمية تجارية تضارع ما لمدن بلاد البربر الأخرى، وكانت على الأخص أقل شأنًا من ثغور شرقي البحر المتوسط من هذه الناحية، فقد كانت في المدينة جالية أوربية صغيرة مكونة من مائة شخص على الأكثر تتألف من القناصل، وبينهم قنصل إنكلتره وقنصل فرنسا اللذان كانا يتنازعان الصدارة، ومن الموظفين في مكاتب القناصل وقليل من التجار. وكانت مدينة الجزائر أثناء العصر التركى تصرف شئونها إدارة مستقلة، ويشرف عليها "الخزنجى" أو وزير مالية الإمارة، وكانت الجماعات التي يضم كل منها أبناء جنس خاص من
стр. 2912
السكان (كالزنوج والمزابية) أو أبناء طائفة خاصة من الصناع تتألف منها طوائف متعددة يرأس كلا منها أمين. أما اليهود فكانوا "امة" يحكمها زعيم يختارونه منهم، وكان الأمناء كلهم يخضعون لسلطان شيخ البلد.
وكان التفتيش على الأسواق منوطا بـ "المكاتب" وعلى الشوارع في أثناء النهار، من أعمال "الكخيا" (وهي كلمة مشتقة من اللفظ الفاوسى كتخدا) وكان التفتيش عليها أثناء الليل من أعمال "أغا الكل، ولابد أن يكون هذا تركيَا. أما المزواو فكان عليه أن يراقب الحمامات وبيوت الدعارة. وكان على "أمين العيون، أن يحافظ على عيون الماء ويتأكد من سلامة ابنيتهاه وكان هذا النظام الأدارى يفى بالأغراض المرجوة منه، ويحفظ الأمن والنظام على أحسن حال، كما يشهد بذلك جميع الرحالة الذين زاروا مدينة الجزائر التركية. ثم زال هذا بزوال هذه السيادة التركية.
وقد شهدت مدينة الجزائر منذ عام ١٨٣٠ تغييرات متواصلة، ولو أننا حاولنا أن نسهب في بيان هذه التغييرات ونصف المدينة الأوربية التي حلت على مر الأيام محل مدينة الجزائر البربرية والتركية، لخرجنا عن الحدود المرسومة لدائرة المعارف الإسلامية. على أننا لا يسعنا إلا أن نورد هنا بعض الحقائق الهامة وأولاها: زيادة عدد السكان، فقد ارتفع في إحصاء عام ١٩٠١ إلى ١٨٣.٠٠٠ نسمة، ثم إلى ١٤٤.٠٠٠ في إحصاء عام ١٩٠٦، ولم يكن عددهم في هذا الإحصاء الإخير قد عرف وقت كتابة هذه المادة إلا على وجه التقريب. وسكان المدينة الحديثة خليط من أجناس مختلفة كسكان المدينة القديمة. بيد أن الأوربيين حلوا محل الوطنيين كما يظهر ذلك من الأرقام الواردة في إحصاء عام ١٩٠١، وهي ٦٩.٠٠٠ فرنسى، ١١.٧٥٠ يهوديًّا متجنسين بالجنسية الفرنسية و ٢٨٢٥٠ أجنبيًّا أغلبهم من الأسبان. ومما هو جدير بالتنويه أيضًا ذلك التطور الذي طرأ على الميناء، فقد وسع حوضه الذي لم يكن يتسع لسفن القراصنة إلا إذا تجاورت فيه، وذلك بإكمال حاجز خير الدين، وبناء رصيف جديد في البحر يبدأ من برج باب
стр. 2913
عزون، فيتكهن بذلك حوض واسع مساحته ٢٣٧ فدانًا تستطيع أكبر البواخر حمولة أن ترسو فيه. وقد أدت الزيادة المطردة في حركة السفن (بلغ مجموع حمولتها ٦.٦٠٠.٠٠٠ طن في عام ١٩٠٤) إلى إقامة منشآت أخرى، بدئ فيها فعلا. ثم اننا لا نستطيع أن نغفل اتساع رقعة المدينة الجديدة. فقد زادت مساحتها من زمن طويل على ما كانت عليه أيام الترك، وامتدت مبانيها ومبانى أرباضها كأحياء الداى حسين ومصطفى، وباب الواد وسانت يوجين، فبلغ متوسط طولها أكثر من سبعة أميال ونصف الميل. ولم يحدث هذا التحول دون أن يصحبه انقلاب عميق الأثر في المظهر العام لمدينة الجزائر القديمة التي لم تبن علي غرار غيرها من المدائن. فقد كان من الضرورى في باكورة عهد الاحتلال من إنشاء طرق للمواصلات لإقامة ثكنات للقوات العسكرية، ودواوين لمخطف المصالح الإدارية: ولم يكن هذا كله يتم دون تدمير المنازل الخاصة ودور العبادة، ومن أجل ذلك هدمت الجنينة حجرًا حجزا، وعفت أثارها كلها في عام ١٨٥٦ ولم يبق من القصور التي كانت في داخل أسوارها سوى قصر بنت السلطان، وهو الآن قصر الأسقف، وترك جامع "كجاوة" يتداعى بين عامي ١٨٤٥، ١٨٦٠ وقامت مكانه الكنيسة الكاثوليكية الكبرى. وقوضت أركان مسجد السيدية، وحول مسجد حاجى حسين إلى كنيسة، واتخذت مساجد أخرى لكنات للجند، أو مخازن عسكرية، وما وافت سنة ١٧٦ حتى لم يبق من دور العبادة التي بلغت ١٧٦ دارًا في عام. ١٣٨٠، سوى ٤٨ (تسعة مساجد كبيرة، وتسعة عشر مسجدًا صغيرًا، وعشرين خلوة وزاوية) وليس لغير ثلاثة من المساجد الإسلامية الباقية قيمة أثرية فنية، وهذه المساجد هي: الجامع الكبير برواقه ذي الأعمدة المأخوذة من مسجد السيدية، ومسجد السماكين الذي شيد عام ١٦٦٠ على طراز يشبه شكل صليب الكنائس البوزنطية في الأستانة، وثالثها مسجد سيدى عبد الرحمن الثعالبى الذي شيده عام ١٦٩٦ الداى الحاج أحمد في موضع بناء أقدم منه عهدًا، وقد هدم أغلب الحصون التركية وحل محلها
стр. 2914
سور حديث يهدم هو الآخر الآن، ولم يبق من القصبة كما كانت عليه في عهدها السابق إلا آثار قليلة (هي غرف ذات أقبية، والباب، وفوارة، والجوسق الذي يسمونه جوسق ضربة المروحة، والمسجد) وكذلك اختفت بطاريات المدافع وهدمت التحصينات التي كانت تواجه البحر. وجددت المدينة نفسها بأكملها تقريبًا، وبنيت على الطراز الحديث، فأنشئت في الجزء الأسفل منها شوارع على نمط الشوارع الأوربية، تقطعها شوارع أخرى تسير في الجزء الأعلى من المدينة، وبذلك زال ما كانت تمتاز به من مظهر فذ لا يشاركها فيه غيرها من المدن. وإذا كان لأعمال التخريب هذه ما يبررها في أوائل أيام الاحتلال حين لم يكن بد من إيجاد ملجأ أمين للسكان الأوربيين داخل أسوار المدينة، فما من شك في أنه ليس ثمت ما يبررها بعد أن امتدت حدود المدينة ناحية الشمال والجنوب. وتسرى مع الأيام روح الحياة الأوربية إلى هذه الأحياء الجديدة، في حين أن المدينة العليا ظلت مركزا للحياة الإسلامية، فالأهلون يزدحمون في شوارعها الضيقة المظلمة، يزاولون صناعاتهم وحرفهم الوطنية الصغيرة. ويظهر أن بعض العقول المستنيرة رأت أن لا بد من المحافظة على هذا الجانب من المدينة وإنقاذه من يد الدمار، وإن كانوا قد وصلوا إلى هذه النتيجة متأخرين، فأنشئت في عام ١٩٠٥ جمعية لهذا الغرض سميت "جمعية الجزائر القديمة" وأخذت على عاتقها البحث عن الآثار الباقية من مدينة الجزائر الإسلامية والمحافظة عليها.
ولم تقنع مدينة الجزائر بأن تكون القصبة السياسية للأقليم، بل أخذت في السنين الأخيرة تحاول جهدها أن تكون مركزا من مراكز الحياة العقلية والعلوم الإسلامية. وقد صدر قانون في ٢٠ ديسمبر سنة ١٨٥٩ يقضى بإنشاء أربع مدارس عليا (للحقوق والطب والعلوم والآداب) تتألف من مجموعها جامعة بحق، وكانت هذه المدارس في عام ١٩٠٤، تضم تسعمائة وستة وعشرين طالبًا ومستمعا، ومع أن مدارس الجزائر يدرس فيها من العلوم العامة ما يدرس في جامعات باريس
стр. 2915
نفسها، فإن النشاط العلمي والبحث العلمي فيها يتجهان بنوع خاص نحو المسائل الإفريقية، وللدراسات الشرقية شأن كبير في مدرسة الحقوق، وشأن أكبر من ذلك في مدرسة الآداب، التي تعنى بالبحث الدقيق في آداب إفريقية الشمالية ولغاتها وقصصها الشعبي وأجناسها، ومدنيتها، وفي مدرسة الحقوق كرسى للفقه الإسلامي، وفي مدرسة الآداب كراس للغات العربية والفارسية والبربرية وآدابها، وللحضارة الإسلامية وعلم الآثار المصرية القديمة، وتاريخ افريقية، وقد أثمرت هذه الدراسات حتى الآن ثمرة طيبة (انظر دوتى L, Ecole L'oeuvre de de Letter d, Alger Doutte, في المجلة الإفريقية، العدد الثالث والرابع من عام ١٩٠٥ (وتعاون كثير من الجمعيات العلمية المختلفة في البحوث القائمة منذ عام ١٨٣٠ والخاصة بماضى شمالي افريقية وحاضرها، وفي مقدمة هذه الجمعيات الجمعية التاريخية التي نشرت في صحيفتها "المجلة الإفريقية Revue Atricaine. منذ عام ١٨٥٦، مقالات كبيرة القيمة، ووثائق هامة عن تاريخ إفريقية. وقد نظمت الجمعية الجغرافية قسمًا للأبحاث التاريخوثرية. وهي لا تكتفى بنشر بحوث في جغرافية البلاد الإسلامية، بل تنشر أيضًا في "نشرتها الرسمية"بحوثًا في تاريخ العالم الإسلامي كله وحضارته. وفي المدرسة الثعالبية التي وضعت تحت رعاية سيدى عبد الرحمن تدرس الثقافة الإسلامية العليا. كما يدرس فيها الفقه والشريعة الإسلامية مع بعض المبادئ الأولية للعلوم الأوربية، للطلاب الوطنيين الذين يشغلون فيما بعد المناصب القضائية والدينية (قضاة وعدولا وأئمة ... إلخ) وتضم المكتبة الأهلية ألفين من المخطوطات العربية والتركية والبربرية. ويضاف إلى ذلك أن الحكومة الفرنسية تحاول تنمية الذوق الفني بين الأهالى، وإحياء الصناعات المحلية، فضلا عما تبذله من الجهد في الاحتفاظ بالمستوى الرفيع الذي بلغته الدراسات الإسلامية في تلك البلاد، وقد أنشئ لذلك الغرض قسم للفن الإسلامي في متحف مصطفى في عام ١٩٠٣، وبذلت المعونة والتشجيع للمدارس الفنية التي تعلم فيها صناعة السجاجيد وصناعة التطريز.
стр. 2916
المصادر:
(١) Coarpus inscr. Lat . جـ ٨ ب، جـ ١٥ (إيكوزيوم والملحق).
(٢) Corpus des ies inscriptions: G.Colin arabes et torques de ٤ l'Algerie جـ ١، partement d, Alger باريس سنة ١٩٠١.
(٣) Topografia e historia: Haedo! general de Arge بلد الوليد سنة ١٦١٢، ترجمة Monnereau و Berbrugget في Revue Africine جـ ١٤، جـ ١٥.
(٤) Alger au: Venture de paradis XVIIIe scMcle نشره فانيان في الجزائر عام ١٨٩٨.
(٥) Las: Berbrugger & Monnereau Janissaires ٤ Alger كلنكل Revue i Casenes de + Africai، جـ ٣.
(٦) Les edifices religieus: A.Devoulx Revue Africains . جـ ٦ - ١٣.
(٧) الكاتب نفسه: Notes historiques sur les mosquees d'Alger جـ ٤ - ٥.
(٨) الكاتب نفسه Alger, Etude aux epoques romaine, arabe, tuque، جـ ٢٠، ٢١.
(٩) rozet: Voyage dans la regencs . d'Alger، الجزائر سنة ١٨٣٣
(١٠) Alger, etude: E.Feydeau طبعة جديدة، باريس سنة ١٨٨٤.
(١١) Esquisses africaines de-: Otth singes pendant un Voyage Li Alger برن سنة ١٨٣٩
(١٢) Alger: Guiauchain الجزائر سنة ١٩٠٥، وهو نقول لآراء القدماء.
(١٣) Reconnaissance de la: Boutin ville, des forts et batteries d'Alger طبع عام ١٨٦٧ بمعرفة Nettement في His toire de la conquete d'Alger
(١٤) Pieces justificatives رقم ٥، ص ٥٧٤ - ٥٩٩ وانظر أيضًا مصادر بلاد الجزائر.
[إيفر G.Yver]
+ الجزائر: هو الاسم الذى أطلق على الجزائر القائمة تجاه الساحل الشمالي الغربي لجون الجزائر مباشرة، وهي مقر إمارة بحر مدينة الجزائر الآن. وقد أطلق العرب اسم الجزائر على
стр. 2917
المدينة التي أنشئت في القرن الرابع الهجرى (العاشر الميلادي) على البر المقابل لها، وأصبحت هذه المدينة في عهد الأتراك قصبة بلاد الجزائر، وظل هذا شأنها إلى اليوم. وقد كان الفرنسيون هم الذين حرفوا اسمها العربي إلى Algiers) Alger بالإنكليزية). والمدينة تقوم على خط عرض ٣٦ ْ ٤٧ َ شمالا، وخط طول ٣ ْ ٤ َ شرقا (كرينويتش). وفي تعداد سنة ١٩٥٤ بلغ سكان المدينة ٣٥٥.٠٠٠ نسمة منهم ١٦٢.٠٠٠ مسلمون، وفي سنة ١٩٥٩ بلغ سكان مدينة الجزائر الكبرى (المدينة والنواحى المجاورة لها): ٨٠٥.٠٠٠ منهم ٤٥٦.٠٠٠ مسلمون.
واكتشاف مجموعة هامة من السكة اليونية مصنوعة من الرصاص والبرونز سنة ١٩٤٠ في الناحية المجاورة للمرفأ (& J.Cantineau. d'Alger: L.Leschi Monnaies Puniques في Comptes Rendus Ac Insct.et Belles lelles سنة ١٩٤١، ص ٢٦٣ - ٢٧٧) دليل واف على وجود مستودع فينيقى على الجزائر في الراجح، وكان اسمه إيكوزيم Ikosim (أي جزيرة البوم أو الحسك الصغيرة).
وقد أطلقت الصيغة اللاتينية للاسم، وهي إيكوزيوم، على المحلة الرومانية القائمة على البر الأم. ولا نعرف في أي تاريخ أقيمت هذه المحلة، ولكنها لم تكن محلة هامة، ولو أنها كانت مقر أسقفية. ولم تتوفر لنا آية إشارة إليها في الوثائق التاريخية بعد القرن الخامس. ويقول البكرى (Desc . de L, Afr . sept .. ص ٦٦، الترجمة ص. ١٥٦) إن أطلالها كانت قائمة حتى القرن الرابع الهجرى (العاشر الميلادي) حين أقام المدينة الإسلامية بلكين بن زيرى.
وأصبح اسمها في ذلك الحين "جزائر بنى مزغنى" نسبة إلى قبيلة صنهاجية كانت تعيش في هذا الإقليم في ذلك الوقت. وظلت الجزائر مدينة ومرفأ قليل الأهمية حتى مستهل القرن العاشر الهجرى (السادس عشر الميلادي) وارتبطت بالتقلبات التي انتابت المغرب الأوسط. ومع ذلك فإن الأمر يقتضينا أن نذكر أن المرابطين أقاموا بمدينة الجزائر في أوائل القرن
стр. 2918
السادس الهجرى (الثاني عشر الميلادي) مسجدا كبيرا. وأن هذه المدينة قد استظلت بحماية العرب الثعالبة في منطقة متيجة فأكدت حوالي سنة ٧٧١ هـ (١٣٧٠ م) مطلبها في أن تكون مدينة مستقلة. وفي القرن التاسع الهجرى (الخامس عشر الميلادي) كان حاميها شخصا مباركا هو سيدى عبد الرحمن الثعالبى، وقد أصبح منذ ذاك الولى الحامى لهذه المدينة. وكان بعض سكان مدينة الجزائر في القرون الوسطى مهاجرين فروا من الحركة النصرانية الرامية إلى إعادة غزو الأندلس، واستقر كثير منهم قرصانا في مدينة الجزائر.
وفي سنة ١٥١٠ فرض الأسبان ضريبة على المدينة واحتلوا الجزائر لقمع حركة القرصان. ولما أدرك السكان هم وزعيمهم سليم التومى أن ذلك خليق بأن يهدد رخاءهم تهديدًا خطيرا، التمسوا حليفا يخلصهم من نير الأسبان، وهنالك استنجدوا بالقرصان التركى عروج الذي كان آنذاك يحكم جيجل, ولم ينجح عروج في طرد الأسبان، ولكنه استولى هو نفسه على المدينة واتخذها القاعدة الأولى لعملياته. وحاول الأسبان استعادة مدينة الجزائر سنة ١٥١٦ و ١٥١٩، ولكنهم باءوا بالخيبة في المرتين. ولما توفى عروج سنة ٩٢٤ هـ (١٥١٨ م) تولى أخوه خير الدين السلطة ولكنه لم يستطع أن يحافظ على السيطرة على مدينة الجزائر، وارتد إلى جيجل من سنة ٩٢٦ إلي ٩٢١ هـ (١٥٢٠ - ١٥٢٥ م) وهنالك استنجدت به الجزائر مرة أخرى سنة ١٥٢٥، وفي ٢٧ مايو سنة ١٥٢٩ نجح خير الدين في الاستيلاء على القلعة (بنيون) التي كان الأسبان قد أقاموها عيل أكبر الجزائر. وهدمت بنيون، واستخدمت الأنقاض في إنشاء- سد وصل من ثم الجزائر بالبر الأصلي، وكان هذا هو منشأ ثغر الجزائر.
وفي هذه الأثناء كان خير الدين قد وهب ما فتح الله عليه للإمبراطورية العثمانية، وبذلك ملكت هذه الإمبراطورية قاعدة بحرية هامة في غربي البحر المتوسط. ومن ثم فما من
стр. 2919
سبب يدعونا إلى أن نعجب أي عجب إذا رأينا شارل الخامس يحاول الاستيلاء على مدينة الجزائر سنة ١٥٤١، وقد رست جنوده في.٢٣ أكتوبر على سواحل جون الجزائر، وعبروا وادي الحَراش وعسكروا على تل يشرف على المدينة يعرف الآن بقلعة الأمبراطور، ولكنه كان يعرف في تلك الأيام باسم كدية الصابون. على أنه حدث في ليلة ٢٤ - ٢٥ أكتوبر أن اكفهر الجو سريعًا وفقد نصف الأسطول الراسى إثر العاصفة التي تلت هذا الأكفهرار. واضطر شارل الخامس الذي تعاونت على هزيمته الطبيعة والأتراك، إلى التخلى عن مؤونة كثيرة، وانسحب من مدينة الجزائر تاركا إياها تنعم بأسطورة المناعة التي ظلت سليمة حتى سنة ١٨٣٠.
وكانت حملة شارل الخامس إنذارا للأتراك، فمضوا يمدون تحصيناتهم ويدعمونها وخصوصًا من جانب البحر، حتى أصبحت مدينة الجزائر معقلا بمعنى الكلمة: زد على ذلك أنها غدت قصبة ولاية تركية كبيرة، تنعم في الواقع بالاستقلال عن الآستانة، وقاعدة لعمليات كثير من القرصان. وقد أسهمت كل هذه العوامل في نهضتها الاقتصادية والاجتماعية التي بدأت في القرن السادس عشر.
ولا يعرف عن المدينة قبل العصر التركى إلا النزر اليسير. ومن الراجح أن سور المدينة الأصلي كان يمتد حتى السور التركى، ولكن كثافة المبانى في رحابه كانت أقل مما في رحاب التركى كثيرا. وكان السور التركى، وطوله ٣.١٠٠ متر متصلا حتى من ناحية الساحل , وكان مدعمًا بأبراج وخندق. كان ثمة خمسة أبواب يلج منها الداخل إلى المدينة: باب السماكين، وباب الأسطول على جانب المرفا، وباب الواد إلى الشمال، وباب عزون إلى الجنوب، والباب الجديد إلى الجنوب الغربي. , LS وكان ثمة تحصينات أخرى تدعم الحماية التي يوفرها سور المدينة، وهي: القصبة التي أصبحت منذ سنة ١٨١٦ مقر داى الجزائر، وقد أقيمت سنة ١٥٥٦ لتحل محل معقل بربرى على
стр. 2920
رأس مثلث كانت المدينة آنئذ على هيئته، وقلعة الإمبراطور التي أقيمت على موتع معسكر شارل الخامس, وعدة قلاع ومواقع مدافع بين بابى الواد وعزون، بمحاذاة جبهة البحر، وعلى الجزائر السابقة التي كانت تحمى المرفأ.
وأقام الأتراك قصرا اسمه "الجنينة" (أي الحديقة الصغيرة) في داخل المدينة، وكان قصر كبير الأساقفة السابق جزءًا منه، وقد استخدم قصرًا للحاكم حتى سنة ١٨١٦. في الجزء الأدنى من المدينة قرب المرفأ أقام عدة أعيان من الترك والسراة مساكن فاخرة لهم. وكان زخرفها الداخلى- الذي يعتمد على ذوق صاحبها ومبلغ سيطرته على أعالى البحار- من أصل أوربى (البلور البندقى، والقاشانى الهولندى ... إلخ). وقد أقيم كثير من المساجد: أشهرها الجامع الجديد (يسمى أيضًا مسجد السماكين) في ساحة الحكومة (سنة -١٦٦٠ م). وكان ثمة أيضًا عدد من الثكنات والسجون، ولكنها جميعا قد درست أو كادت.
وبين أيدينا تقديرات إجمالية فحسب لعدد سكان المدينة في مختلف العهود. إذ يقدر هايدو بستين ألف نفس في نهاية القرن السادس عشر، ويقول دان P.Dan إنهم بلغوا مائة ألف نفس سنة ١٦٣٤, على حين جعلهم فنتور ده بارادى Venture de Paradis ٥٠.٠٠٠ نسمة فحسب في نهاية القرن الثامن عشر، و ٣٠.٠٠٠ نسمة سنة -١٨٣٠. وكان السكان دائمًا خليطًا متعددى الأجناس جدًّا, كان ثمة الأتراك، وقوامهم من رجال الجيش والإدارة (بلغ عددهم ٤٠٠٠ سنة ١٨٣٠) , والقلغلى (بالتركية: قول أوغلى، انظر أولاد الناس في مصر) وهم سلالة الأتراك ونساء وطنيات من أهل ذلك الإقليم، وكان الأتراك يحتقرونهم، والأسر القديمة المتأصلة الجذور، وهم في كثير من الأحيان من أصل أندلسى أو مغربى، وهم أيضًا قوام طبقتى التجار والصناع أهل القبائل المتعددة، وهم طبقة العمال، والصحراويون من بسكرة ومزاب, واليهود (٤٠٠٠ سنة
стр. 2921
١٨٣٠) وأغنى أغنيائهم قدموا من لكهورن في القرن الثامن عشر، وتمتعوا بالمزايا التي كان يتمع بها الأوربيون! وبعض الأوربيين من رجال الأعمال والقناصل, ثم أخيرًا أسرى المسيحيين الذين بلغ عددهم سنة ١٦٣٤ خمسة وعشرين ألف نسمة (انظر دان). ومن الجلى أن السكان كانوا من أهل البحر المتوسط بمقدار ما كانوا من أهل شمالي إفريقية.
وقد وضعت مدينة الجزائر، فيما بلغ إليه علمنا، تحت سلطة رئيس الحكومة مباشرة. وكان النظام القضائى يقوم عليه قاضيان، أحدهما حنفى للأتراك والآخر مالكى للعرب، وكانا يعملان معا مع محكمة من الأحبار والقناصل تمثل الأقليات اليهودية والنصرانية. وكانت قوات الشرطة من الشاوشية (من الكلمة التركية "جاوش")! تحت إمرة "باش شاوش"، وكانت قوة تتناول شئون الأتراك وقوة أخرى تتناول شئون المغاربة، واستكمالا للأدارة كان ثمة "شيخ البلد"، و"مِزوار" وهو نظير المحتسب في المدن المراكشية على تفاوت في ذلك. وكان للمجتمع اليهودى نظمه، وكان الأوربيون ينعمون بحماية قناصلهم المختصين.
وكانت القرصنة هي الحرفة الكبرى في العصر التركى، وقد اتخذت صورة الجهاد أو الصراع بين الإمبراطورية العثمانية والامبراطورية النمسوية الأسبانية لشارل الخامس وفيليب الثاني، وأصبحت من بعد عملا مربحا، ومن ثم الشغل الشاغل للسكان، وقد جنت جميع قطاعات السكان الربح منهاة الحكومة التي تلقت جزءًا من الغنائم، والأفراد الذين أقاموا شركات لتسليح السفن، والعامة الذين أفادوا من كرم القراصنة، وملاك السفن الأغنياء، وقد أدت القرصنة أيضًا إلى تدفق المغامرين على الجزائر، ومعظمهم أوربيون ينتمون إلى البحر المتوسط، "ارتدوا العمامة" ليتركوا - العنان لروح المغامرة فيهم، أولمجرد تحاشى الوقوع في أيدى الذين يتاجرون في الرقيق. وقد قدر أن عدد المرتدين عن دينهم
стр. 2922
الأصلي في مدينة الجزائر بلغوا ٨.٠٠٠ سنة ١٦٣٤.
وأثارت مثل هذه القرصنة الدول الأوربية ودفعتها إلى الانتقام، واتخذ هذا الانتقام بصفة عامة صورة قذف مدينة الجزائر بالقنابل من البحر، وأحدث بعض هذا القذف أضرارًا جسيمة. وقد قذف الأسبان مدينة الجزائر سنة ١٥٦٧ وسنة يفلحوا فيما تلا ذلك من محاولة النزول إلى البر) وسنة ١٧٨٣, كما فعل ذلك الدانيماركيون سنة.١٧٧٠. وكان معظم الحملات من قبل فرنسا (سنة ١٦٦١, ١٦٦٥ , ١٦٨٢, ١٦٨٣، ١٦٨٨) وإنكلترة (سنة ١٦٢٢، ١٦٥٥, ١٦٧٢. وقمعت حركة القرصنة إلى حد كبير قبيل نهاية القرن الثامن عشر، إلا أنها انتعشت أثناء حروب الثورة الفرنسية والإمبراطورية الأولى، وقام الإنكليز من ثم برمى المدينة بالقنابل سنتى ١٨١٦, ١٨٢٥.
وكان الغزو الفرنسى سنة ١٨٣٠ قد أعد له سنة ١٨٠٨ الماجور روتان Routin، وهو ضابط مهندس بعث به نابليون ليقدم تقرير شاهد عيان عن الظروف التي تقتضي القيام بمثل هذا الغزو بنجاح. وقد اتبع المعالم العامة لخطته أولئك الذين جهزوا لحملة سنة ١٨٣٠.ورست القوات الفرنسية على ساحل شبه جزيرة فروش إلى الغرب من مدينة الجزائر، في ١٤ يونية، وما وافى اليوم التاسع والعشرون حتى كانوا قد بلغوا تحصينات قلعة الإمبراطور، فاحتلوها في ٤ يولية، وسلمت المدينة نفسها في اليوم التالي دون أن يلحق بها أي ضرر.
وعاش الفرنسيون سنوات كثيرة في نطاق الحدود الحضرية القائمة، ولو أنهم اندفعوا خارج هذا النطاق في موضع أو موضعين, على أن عدد سكان المدينة زادوا، فامتدت شمالا (حي باب الواد) وجنوبا (حي باب عزون)، وتمتد عاصمة البلاد اليوم إلى
стр. 2923
الأحياء شبه الحضرية: سانت أوجين (شمالا) والداى حسين (جنوبا بشرق) وبئر مراد رئيس (جنوبا) والأبيار (جنوبا بغرب) بل تمتد إلى قرابة بوزريعة (غربا). وظل نموها متصلا لا ينقطع، وهو اليوم يأتي على الساحات المكشوفة والحدائق التي كانت تكتنف المدينة من قبل.
وقد طرأ على المرفأ توسع كبير في السنوات الحديثة، وفي سنة ١٩٥٥ سجل المرفأ حركة ٩٣٨٧ سفينة و ٥٠.٠٠٠ راكب. ويسد الميناء الجوى ميزون بلانش (على مسيرة ٢٥ كيلو مترا شرقي المدينة) جميع متطلبات خدمات الطيران الدولى الحديث.
وقد عدل تنظيم المحلية منذ أبريل سنة ١٩٥٩, وقسمت المدينة إلى أثمان على النمط الفرنسى، وهي مع النواحى المجاورة البلدية الوحيدة لمدينة الجزائر الكبرى.
وأصبحت مدينة الجزائر بعد نزول القوات الانكليزية الأمريكية في ٨ نوفمبر سنة ١٩٤٢ العاصمة المؤقتة لفرنسا حتى تحررت باريس في أغسطس سنة ١٩٤٤. وغدت مدينة الجزائر نفسها منذ أوائل الثورة الجزائرية في أول نوفمبر سنة ١٩٥٤، مشهد أحداث سياسية لها أهمية بعيدة الأثر، وخاصة أحداث ٦ فبراير سنة ١٩٥٦ و ١٣ مايو سنة ١٩٥٨، و ٢٤ يناير سنة ١٩٦٠ والأيام التالية. وأصبحت المدينة قصبة بلاد الجزائر المستقلة منذ أول يولية سنة ١٩٦٢.
المصادر
(١) B ٨, Corpus Inscr . Latin جـ ١٥ (إيكوزيوم) والملحق
(٢). S.Colin: Corpus des incsriptions l'Algdrie arabes et turques de جـ ١، إقليم مدينة الجزائر، باريس سنة ١٩٠١
(٣) ابن حوقل، توجمة ده سلان في. Jour. As فبراير سنة ١٨٤٢، ص ١٨٣.
(٤) البكرى: . Desct de L, Afr . Sept ص ٦٦, ترجمة ده سلان، ص ١٥٦ - ١٥٧.
(٥) الإدريسي: Extraits، طبعة H.Peres ص ٦٢.
стр. 2924
(٦) العبدرى: Notices et extraits du voyage d, El- Abdari . ترجمة bonneau في .. Jour. As سنة ١٨٥٤، جـ ٢
(٧) Descr. de: Leo Afrique I, Afrique ترجمة Epaulard جـ ٢، ص ٣٤٧ - ٣٥٠.
(٨) Topographia e historia: D.Haddo general de Argel بلد الوليد سنة ١٦١٢، الترجمة الفرنسية بقلم Monnereau et Berbrugget في، سنة. ١٨٧٠ - ١٨٧١.
(٩) Histoira des rois d'Alger الترجمة الفرنسية بقلم H. de Grammont في. سنة ١٨٨٠ - ١٨٨١.
(١٠) Histoire de Barbaric et P. Dan es de ses carsair، باريس سنة ١٦٣٧, ص ٩٤ - ١٣٨.
(١١) Alger au: Venture de Paradis XVIIIe siecle طبعة فانيان Fagnan مدينة الجزائر سنة ١٨٩٨.
(١٢) Reconnaissance de lo: Boutin forts et batteries d'Alger vile, des في d'Alger: Nettement Hist. de la conquete, باريس سنة ١٨٧٩ ص ٥٧٤ - ٥٩٩.
(١٣) Histoire: H. de Gramm d, Alger sous la domination torque، باريس سنة ١٨٨٧.
(١٤) The Barbary: S. Lane poole Corsairs لندن سنة ١٨٩٠.
(١٥) Les edifices re-: A. DevoulxLes digieux في d'Alger في. RAfr جـ ٦ - ٨.
(١٦) Feuillets d' El-: H. Klein Djezair مدينة الجزائر سنة ١٩٣٧.
(١٧) Alger: Lesp ٦ s باريس سنة ١٩٣٠.
(١٨) Les cemmencements: G. Esquer d'un Empire. La Prise d'Alger. باريس سنة ١٩٢٩.
(١٩) الكاتب نفسه: Alger et sa re gion باريس سنة سنة ١٩٤٩
(٢٠) Le Port d'Alger: Laye مدينة الجزائر سنة ١٩٥١.
(٢١) Documents Algeriens, السلسلة الاقتصادية، رقم ٨٢ - ٨٣، السلسلة الثقافية، رقم ٥٥ - ٥٦ و ٦٢.
خورشيد [له تورنو R. Le Tourneau].
стр. 2925
الجزار باشا
أحمد: باشا عكا، بسنوى المولد وإن قيل إنه من ودين أونيش. وُلدَ حوالي عام ١١٣٢ هـ (١٧٢٠ م) وخَدم في أول أمره الصدر الأعظم حكيم أوغلى على باشا. وقد اصطحبه على باشا إلى مصر عندما ولى عليها للمرة الثانية، ثم رحل عنها إلى مكة ليؤدي فريضة الحج. ولما عاد من الحج وجد أن على باشا صرف عن ولاية مصر فالتحق بالمماليك. فباع نفسه إلى عبد الله بك أحد مماليك على بك عام ١١٦٨ هـ (١٧٥٥ م). ووكل إليه عندما كان كاشفا لمديرية البحيرة تأديب البدو الذين قتلوا عبد الله بك، فانتقم له بذبح أكثر من سبعين عربيا، فلقب من أجل ذلك بالجزار. واتهم الجزار بالاشتراك في مقتل صالح بك، ففر إلى تركية أوربا متنكرًا في زى رجل جزائرى، ولكنه سرعان ما عاد ثانية ليتزوج من ابنة زعيم بدوى من زعماء البحيرة من قبيلة هنادى. وجعل جزار باشا لنفسه في الشام مركزًا مستقلا، وذلك بمعونة فرقة من الجند كونها من شراء العبيد، ومنح في عام ١١٨١ هـ (١٧٦٧ م) لقب ميرميران، ثم جعل في عام ١١٨٩ هـ (١٧٧٥) بكلربك الروملى. وأقيم في العام نفسه واليا على إيالة صيدا مكافأة له على خدماته التي أداها للباب العالى في مسألة طاهر عمر. واستغل منصبه في تحصين عكا وجعلها مقرًا له. وعين في مناسبات كثيرة واليًا على الشام وأميرًا للحج.
وفي عام ١٢١٣ هـ (١٧٩٩ م) هزمه نابليون بونايرت، فارتد إلى عكا، ودافع عنها بمعاونة الأسطول الأنكليزى بقيادة السير سدنى سميث الذي أمده بالمهندسين والمدفعيين والذخائر. وبدأ حصار عكا في الحادي والعشرين من مارس وانتهى في العشرين من مايو بعد عدة هجمات باءت بالخيبة، وفي الرابع من أبريل قام الجزار باشا من ناحيته بهجوم لم يوفق فيه، وكان قصده تسهيل حركات الجيش التركى. واحتكر الجزار باشا تجارة القمح والقطن، وابتنى بالأموال الوفيرة التي اغتصبها ثلاث عمائر رائعة في عاصمته هي: مسجد وبئر وسوق. وعده الباب العالى من الخارجين عليه، ولكنه نجا من العقاب لقيام حركة الوهابيين، وغدا مرة أخرى واليا على الشام وقائدًا أعلى في
стр. 2926
بلاد الحجاز، ولكن المرض حال بينه وبين متابعة مشاريعه، وتوفى أحمد الجزار باشا عام ١٢١٩ هـ (١٨٠٤ م) بالغًا من العمر سبعين عامًا.
المصادر:
(١) جودت: تاريخ، جـ ٧، ص ٧٠، ١١٧، ٣٥٣ , ٣٨٦.
(٢): Syrie, Libon et: V. Cuinet Palestine ص ١٠٢.
[إيوار CI. Huart]
الجزولى
أبو عبد الله محمد بن سليمان بن أبي بكر الجزولى السملالى: متصوف مراكشى، يقول كتاب سيرته وإخوانه في الطريقة إنه من نسل النبي ﷺ ]، شأنه في ذلك شأن جميع شيوخ الطرق الدينية، وإن كنا مع ذلك لا نعرف على التحقيق اسم أبيه بله جده. وهو من قبيلة جزولة ألبربرية التي استقرت في السوس المراكشية، فيما بين المحيط الأطلسي وصحراء أطلس والمجرى الأدنى لوادى درعة.
وبدأ الجزولى دراسته مدة في مسقط رأسه، ثم ذهب إلى فاس ليلتحق بمدرسة الصفارين حيث لا تزال الغرفة التي عاش فيها باقية إلى اليوم. وما إن عاد إلى بلده حتى اشترك في نزاع قبلى اضطر معه إلى المهاجرة إلى مراكش الشمالية. وبعد نضال مرير تبرأ كل فريق من المتنازعين من دم رجل وقع صريعًا في ساحة القتال، وكاد النضال يعود من جديد، وهنالك ظهر الجزولى فجأة في ساحة القتال بعد أن رأى الأمور تسير من سيئ إلى أسوأ، وأعلن أنه هو الذي قتل الرجل. وكان العرف المتبع إذ ذاك يقضى بنفى القاتل، فرحل الجزولى إلى طنجة وأبحر منها إلى المشرق. وصرف أربعين (؟ ) عاما في مكة والمدينة وبيت المقدس. ولما عاد إلى فاس صنف كتابه "دلائل الخيرات" مستعينا بالكتب المحفوظة بمكتبة القرويين. فألحقه الشريف أبو عبد الله محمد بن آمغار الصغير بطائفة الشاذلية، وكان ابن آمغار يعيش في تيطنفطر (تيط الحديثة) على ساحل المحيط الأطلسي على مسيرة بضعة أميال إلى الجنوب الشرقي من البريجة (مازكان). وذهب الجزولى إلى آسفى (سفى) بعد أن أمضى أربعة عشر عامًا في
стр. 2927
خلوة يتعبد فيها، وسرعان ما مال إليه أتباع كثيرون من هذه البلدة فاضطر والى المدينة إلى إخراجه منها. وسأل الجزولى ربه أن ينزل غضبه على المدينة فاستولى عليها البرتغال، وظلت في حوزتهم أربعين عامًا. وتذهب إحدى الروايات إلى أن والى المدينة دس السم للجزولى لأنه رأى فيه المهدي الفاطمى المنتظر، وتوفى الجزولى في وهو قائم بالصلاة في يوم الأربعاء (كذا) من ذي القعدة عام ٨٦٩ أو ١٦ ربيع الأول عام ٨٧٠ أو ٨٧٣ أو في ١٦ ربيع الأول عام ٨٧٥ (٢٥ يونية-٢٤ يولية ١٤٦٥، ٧ نوفمبر ١٤٦٥، ٢ أغسطس ١٤٦٧ - ٢١ يولية ١٤٦٨، ١٣ سبتمبر ١٤٧٠). وصمم أحد أتباعه: عمرو بن سليمان الشيظمى- ويعرف بالسياف، وقد اذعى النبوة بعد ذلك- أن يثأر للجزولى. فبعد أن وارى جثه- شيخه في تابوت رفع راية العصيان وظل عشرين عاما يخرب إقليم السوس بالنار والحديد. وحمل معه التابوت الذي به جثمان أستاذه وأخذ يعرضه كل مساء في مكان يعرف بالرباط وحوله نفر لحراسته وتضيئه طوال الليل شمعة بطول الرجل قائمة في إناء ملئ بالزيت، ولما توفى عمرو السياف عام ٨٩٠ (١٨ يناير ١٤٨٥ - ٦ يناير ١٤٨٦) دفن الجزولى في ناحية "حاحة" بمكان يدعى آفغال أو آفوغال. وبعد ذلك بسبعة وسبعين عاما أخرج السلطان أبو العباس أحمد الملقب بالأعرج بعد دخوله إلى مراكش- بقايا رفات الجزولى من مقبرته هي وبقايا رفات والد السلطان الذي دفن إلى جانبه، وربما كان ذلك لأغراض سياسية، وأخذ معه التابوتين إلى مراكش ودفن الجثتين هناك.
ويظهر أن جثة الشيخ لم يكن قد أصابها الانحلال بعد أن أخرجت من مقبرتها، وهذا يدعو إلى الظن بأن الوفاة حدثت قبل ذلك بوقت قصير.
وكان الجزولى- إلى جانب درايته الواسعة بمذاهب الصوفية- فقيها متضلعًا يعرف عن ظهر قلب المدونة والمختصر الفرعى لابن الحاجب.
ولا نعرف من مصنفات الجزولى في التصوف إلا ما يأتي:
١ - دلائل الخيرات وشوارق الأنوار في ذكر الصلاة على النبي [ ﷺ ] المختار.
стр. 2928
وهي مجموعة صلوات على النبي [ ﷺ ] مع وصف ضريحه وذكر- أسمائه وغير ذلك، وقد طبعت أكثر من مرة في القاهرة والآستانة وسانت بطرسبرغ سنة ١٨٤٢.
٢ - حزب الفلاح وهو لا يزال مخطوطة في برلين رقم ٢٨٨٦, كوتا ٨٢٠، ليدن ٢٢٠٠
٣ - حزب الجزولى ويعرف أيضًا باسم "حزب سبحان الدائم لا يزول" وهو من تواليف الشاذلية، وقد كتب بالعامية.
والجزولى منشئ طريقة شاذلية تعرف باسم، يردد أتباعها البسملة أربع عشرة ألف مرة، ودلالو الخيرات مرتين في اليوم، ويتلون في الليل دلائل الخيرات مرة واحدة هي والربع الأخير من القرآن.
المصادر:
(١) ابن القاضي: جذوة الاقتباس فيمن حل من الأعلام مدينة فاس (فاس سنة ١٣٠٩ هـ) ص ١٣٥.
(٢) أحمد بابا: نيل الابتهاج بتطريز الديباج (فاس سنة ١٣١٧ هـ)، ص ٣٣٩.
(٣) الكاتب نفسه: كفاية المحتاج، مخطوط بمدرسة الجزائر ورقة رقم ١٧٤.
(٤) محمد المهدي الفاسى: ممتع الأسماع في ذكر الجزولى والتباع وما لهم من الأتباع (فاس ١٣١٣) ص ٢ - ٣٣.
(٥) القادرى: الإشراف على نسب الأقطاب الأربعة الأشراف، فاس سنة ١٣٠٩ هـ
(٦) أبو حامد: مرآة المحاسن من أخبار أبي المحاسن، مخطوط بالمكتبة الأهلية بالجزائر ١٧١٧, ورقة رقم ١٤١
(٧) الوفرانى: نزهة الحادي، طبعة هوداس، باريس سنة ١٨٨٨ والنص العربي، ص ١٨.
(٨) أحمد بن خالد الناصرى السلاوى: الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى، القاهرة ١٣١٢ هـ، جـ ٢, ص ١٦١, جـ ٣ ص ٧.
(٩) Gesch. der - Arab: Brockelm Lin جـ ٢، ص ٢٥٢ وما بعدها.
[محمد بن شنب]
стр. 2929
+ الجزولي أبو موسى عيسى بن عبد العزيز بن يللبَخت بن عيسى بن يوفريلى: من قبيلة جَزولة البربرية، بفتح الجيم لا بضمها كما يقول ابن خلكان. والأصح كزولة (كزولة الحديثة) وهي بطن من اليزدكتن في مراكش الجنوبية، واشتهر الجزولى بمقدمته القصيرة لدراسة النحو العربي المعروفة باسم القانون.
ذهب الجزولى إلى المشرق للحج إلى مكة والمدينة وذلك بعد أن أتم دراسته الأولى في مراكش. وحضر في القاهرة على الفقيه اللغوي المشهور أبي محمد عبد الله بن برى، بل يقال إن رسالة القانون ما هي إلا صورة طبق الأصل من محاضرات أستاذه في جُمل الزجاجى. ومما يؤيد ذلك اعتراف الجزولى بأنه ليس هو مصنف هذه الرسالة. ودرس الجزولى في القاهرة أيضًا صحيح البخاري على أبي محمد بن عبيد الله، وكان يعيش في فقر مدقع، وكثيرا. كان يقوم بأعمال الإمام في مسجد قريب كى يكسب بعض المال يستعين به على قضاء حوائجه حتى يتمكن من إتمام دراسته، ذلك أنه لم يستطع الالتحاق بمدرسة من المدارس. ومكث الجزولى عند عودته من المشرق مدة في بجاية انصرف فيها إلى تدريس النحو ولكنه كان دائما في عوز شديد.
وكان الجزولى في الجزائر عام ٥٤٣ هـ (١١٤٨ - ١١٤٩ م) وأشرك معه أبا عبد الله بن محمد بن قاسم بن مَنْداس -أحد نحاة آشير- في رسالة القانون. وذهب بعد ذلك إلى المرية في الأندلس Jj ودرس فيها النحو مدة من الزمن. وهناك تعهد نسخته من كتاب الأصول لابن السراج وكان يدرسها على ابن برى وعليها خطه. وأخبر الرجل الذي أعد هذه النسخة من كتاب الأصول مع الجزولى، أبا العباس المغربي- وكان في ذلك الوقت اشهر زاهد في تلك الناحية من العالم- برقة حال الجزولى فتوسط له بنفوذه لدى سلطان الموحدين، فعينه خطيبا للمسجد الجامع في مراكش. وتوفى الجزولى في أزمور عام ٦٠٦ هـ أو , ٦٠٧ أو ٦١٠ أو في عام ٦١٦ كما يقول ابن قنفذ في كتابه: "الوفيات":
ونذكر من تلاميذ الجزولى: زين الدين أبا الحسين يحيى بن عبد المعطى (أو ابن معطى فحسب) ابن عبد الرحمن الزواوى
стр. 2930
وهو أول نحوى نظم ألفية، وأبا على عمر ابن محمد بن عمر بن عبد الله الأزدى الشلوبينى الذي كتب شروحًا لرسالة أستاذه المسماة القانون. وهناك نسخ من هذه الشروح في مكتبة الأسكوريال (Catalogue: Derenbourg رقم ٢، ٣٦، ١٩٠).
ونذكر من مصنفات الجزولى ما يلي:
١ - شرح لقصيدة بانت سعاد لكعب ابن زهير (طبعة R. Basse الجزائر سنة ١٩١٠).
٢ - القانون وتعرف أيضًا باسم المقدمة الجزولية.
٣ - شرح على القانون.
٤ - أمالى في النحو.
٥ - مختصر لشرح أبي الفتح عثمان بن جنى لديوان المتنبي.
٦ - شرح على أصول ابن السَراج.
المصادر:
(١) ابن الأبار: التكملة، طبعة Godera مدريد سنة ١٨٨٩, رقم ١٩٣٢.
(٢) ابن خلكان، طبعة ده سلان، ص ٤٨٦, طبعة القاهرة، سنة جـ ١، ص ٣٩٤.
(٣) السيوطي: بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة، القاهرة، سنة ١٣٢٦ هـ ص ٣٦٩.
(٤) الغبرينى: عنوان الدراية فيمن عرف من العلماء في المائة السابعة ببجاية، الجزائر سنة ١٩١١، ص ٢٣١.
(٥) ابن قنفذ: الوفيات، مخطوط في حوزتى.
(٦) أحمد بن علي الدلجى: الفلاكة والمفلوكون، القاهرة سنة سنة ١٣٢٢ هـ ص ٩١.
(٧) Gesch der Ar -: Brockelmann . abischen Litter فيمار سنة جـ ١، ص ٣٠٨:
[محمد بن شنب]
جزيرة
والجمع جؤائر: مصطلح يدل في جوهره على الجزيرة بمعناها المعروف، ويدل ثانيًا على شبه جزيرة مثل "جزيرة الأندلس، و"جزيرة العرب" ويتوسع في معنى الجزيرة فيطلق اللفظ أيضًا على الأراضي الكائنة بين نهرين كبيرين أو
стр. 2931
على الأراضي التي يفصلها عن بقية قارة منفسح صحراوى، وتدل كلمة جزيرة كذلك على قطر بحرى (انظر - Asin Pa Aberhazan de Gordoba: lacios. مدريد سنة ١٩٢٧ - ١٩٣٢ - جـ ١، ص ٢٩١، تعليق ٣٤٧) كما يطلق متبوعًا بالنخل أو غير متبوع على الواحة (انظر Dozy: Suppl هذه المادة)، ثم نجده، منسوبا إلى الإسماعيلية أو غير منسوب، اسما يدل على منطقة دعوة (انظر S. de Sacy: .Expos ٦ de la religion des Druzes ١١٤، The Organization of the: W. Ivanov Fatimid Propaganda في Journal of the Bombay Branch of he Royal Asiatic Society جـ ١٥، سنة ١٩٣٩، ص ١٠، و Ismaili tradition concerning the rise of the ص ٢٠ - ٢١.
خورشيد [هيئة التحرير]
+ الجزيرة: جزيرة أقور أو إقليم أقور (انظر عن أقور أو أثور: ياقوت، جـ ١، ص ٣٤٠, ١١٩ جـ ٢، ص ٧٢): هو الاسم الذي استعمله جغرافيو العرب للدلالة على الجزء الشمالي من الأرض القائمة بين نهر دجلة ونهر الفرات. على أن الجزيرة تشمل أيضًا الأقاليم والمدن التي تقوم عبر نهر دجلة الأعلى في الشمال (ميافارقبن، وأرزن وسعرت) إلى الشرق من الامتداد الأوسط للنهر (باعيَنْاثَى، وخابور الحَسنَية والزابين). ويعد من الجزيرة على هذا النحو أيضًا، شقة من الأرض تقوم إلى الغرب بمحاذاة الضفة اليمنى للفرات في جوار طريق الفرات.
والجزيرة هضبة متوسطة الانخفاض تشمل طائفة بعينها من الجبال هي قرجا داع بين أمد والفرات، وطور عابدين بين ماردين وجزيرة ابن عمر، وجبل عبد العزيز بين بللئ والخابور، وجبل سنجار بين الخابور ودجلة، وجبل مكحول جنوبي الموصل. وتنبع من هذه الجبال نهيرات مختلفة نخص منها فروع الضفة اليسرى للفرات، وهي بليخ الذي يقبل من إقليم حزان، والخابور الذي يقبل من رأس عين بفرعه هرْماس الذي ينبع من طور عبدين: وتقوم في جبل سنجار ينابيع نهر لرثار الذي يصب في الصحراء ويغيض ماؤه فيها.
وتحدّ الجزيرة من الغرب الشام، ومن الشمال الغربي إقليم ثغور الجزيرة، ومن
стр. 2932
الشمال والشمال الشرقي أرمينية، ومن الشرق أذربيجان، ومن الجنوب العراق ويبدأ هذا الحد من خط يمتد من الأنبار إلى تكريت.
والجزيرة ثلاث كور: ديار ربيعة في الشرق، وديار مضر في الغرب، وديار بكر في الشمال نسبة إلى القبائل التي كانت تنزل بها في الجاهلية وفي صدر الإسلام؛ على أنه كان في الجزيرة عرب حتى في العصور القديمة، وكانت إحدى كورها في هذه العصور- وهي كورة نصيبين- تسمى عند الفرس أرفستان وعند الأراميين: بيت أربايا. وكان يسكن الجزيرة علاوة على العرب، عدد كبير من العناصر الأرامية، وخاصة في طور عبدين، كما كان عدد من الأماكن بها يحمل أسماء آرامية، وكان ثمة أكراد في إقليم الموصل وأرمن إلى الشمال من نهر دجلة الأعلى.
والجزيرة لها أهمية تاريخية عظيمة، ذلك أنها كانت تقوم عند تقاطع خطوط المواصلات بين العراق والأناضول (تقطعها سكة حديد بغداد) والعراق وسورية على الثنية الكبرى لما يسمى بالهلال الخصيب، وبين الأقاليم الأرمنية الإيرانية وسورية من ناحية والعراق من ناحية أخرى. وكانت الجزيرة تشمل كثيرًا من بلدان الأسواق والمدن تقوم على النهرين وعلى فروعهما في طور عبدين وعلى طول الطريق الذي يربط بين الموصل والرقة. وكانت الجزيرة في العصر الروماني البوزنطى مقسمة بين بلاد فارس ورومة وبوزنطة. وكانت بوزنطة زمن الفتح العربي مستحوذة على الإقليم الذي يمتد من رأس عين إلى الفرات والسهل الممتد إلى الجنوب من طور عبدين. وكان الحد يقوم بين نصيبين ودارا عند قلعة سَرْجَة (ياقوت، جـ ٢، ص ٥١٦ جـ ٣، ص ٧٠, أبو يوسف يعقوب: كتاب الخراج، طبعة سنة ١٣٠٢ هـ ص ٢٢، ترجمة فانيان، ص ٦٢). وبعد فتح الشام عزلت الحاميات البوزنطية ولم تعد تستطيع الاتصال بالإمبراطورية البوزنطية إلا عن طريق أرمينية، ومن ثم لم يلق عياض بن غَنْم آية مقاومة، وفتح الجزء الغربي من الجزيرة بين سنتى ١٨ و ٢٠ هـ (٦٣٩ - ٦٣١ م) , والجزء الشرقي سنة ٢٠ هـ (٦٤١) علي يد جنود قادمين من العراق (البلاذرى، ص ١٧١. وما بعدها، طبعة القاهرة، ص ١٧٩ وما بعدها).
стр. 2933
وشهدت الجزيرة في العصر الأموى صراعًا بين الشآميين وشيعة العراق، فقد قتل سليمان بن صُرَد، الذي كان يظاهره زفر بن الحارث القيسى، سنة ٦٥ هـ (٦٨٥ م) في معركة بالقرب من رأس عين دارت بينه وبين نائب عبيد الله بن زياد. ولما انتصر المختار على الشآميين سنة ٦٧ هـ (٦٨٦ م) على فرع من فروع الزاب، احتل المنتصرون نصيبين ودارا وسنجار (انظر الطبري وابن الأثير في هاتين السنتين). وقد اضطر عبد الملك إلى فتح الجزيرة قبل أن يتمكن من أن يشخص لهزيمة مصعب بن الزبير في دير الجاثليق بالعراق سنة ٧٢ هـ (٦٩١ م): وفي الجزيرة أيضًا وقع القتال بين القيسية والتغلبية قبل هذا التاريخ وبعده (انظر الطبري Das Arahicche - Wellhaacen La j? Y ١ u Reich ص ١٢٦ وما بعدها, الترجمة الانكليزية، ص ٢٠٢ وما بعدها). وعلى هذا النحو شبت عدة فتن في الجزيرة أيام الحجاج وبعد ذلك في عهود الخلفاء الأمويين ٢١ الأخيرين حين نجح خوارج الجزيرة في الاستيلاء على مقاليد السلطة (انظر Oppositionspartin: Wellhausen، ص ٤١ وما بعدها). وفي الجزيرة، بحران، اتخذ مروان الثاني آخر خلفاء بنى أمية قصبته.
ولما تولى معاوية ولاية الشام ضمت الجزيرة إلى ولايته، ثم أصبحت الجزيرة من بعد ولاية قائمة بنفسها تضم ثلاث كور، تولى أمرها حينا أفرد من الأسرة الأموية مثل محمد بن مروان ومسلمة بن عبد الملك اللذين كانا في الوقت نفسه واليين على ولاية أرمينية المجاورة لها. وكانت الموصل قائمة برأسها، ولم تصبح قصبة الجزيرة إلا في عهد مروان الثاني.
ولم تخضع الجزيرة للعباسيين إلا بعد مقاومة، بل لقد وقعت أحداث خطيرة في الموصل حين أنفذ إليها محمد بن صول ثم يحيى أخو الخليفة العباسى الأول (انظر ابن الأثير في حوادث عام ٣٢ هـ طبعة سنة ١٣١٣, ص ١٦٣, ١٦٦ - ١٦٧). وقد شهدت الجزيرة فتنة عبد الله بن علي عم المنصور، ثم شهدت من بعد، أي في عهد المأمون، فتنة نصر بن شبَث التي اكتسحت الجزيرة ولم يقض عليها إلا عبد الله بن
стр. 2934
طاهر، والى الشام والجزيرة، بمشقة سنة ٢٠٩ هـ (٨٢١ م). وكذلك أخمدت بمشقة فتنة كردلِة إلى الشمال من الموصل في عهد المعتصم. وقامت فتن الخوارج مرة أخرى وفي الجزيرة، وخاصة بعد عهد المهدي. وقد عرفت ولاية الجزيرة بأنها معقل الخوارج مما جعل الجاحظ يقول: "أما الجزيرة فحرورِيَة شارِية وخارجة مارقة" (الجاحظ: في مناقب الترك، طبعة سنة ١٣٢٤ هـ, ص ١٠، وانظر عن الخوارج في الجزيرة: حدود العالم، ترجمة مينورسكى، ص ١٤٠). ووقعت في عهد هارون الرشيد فتنة الوليد بن طريف الخارجى التغلبى (انظر ابن الأثير، جـ ٦، ص ٤٧). وحدثت وقائع عنيفة من التمرد الخارجى في النصف الثاني من القرن الثالث الهجرى (السادس الميلادي) أحدثها مساور ثم هارون الشارى من يعده وقد قضى المعتضد على هاتين الفتنتين.
وحدث في العصر العباسى أن فصلت الموصل في بعض الأحيان عن حكم الجزيرة، وكانت الولاية في أحيان أخرى تندرج في تقسيمات إدارية أكبر. فكانت أرمينية، وهي الولاية المجاورة للجزيرة، ترتبط بها في كثير من الأحيان أو تتحد مع ديار بكر عند الضرورة، ونذكر من ولاة الجزيرة الجديرين بالتنويه: طاهر بن الحسين، ثم ابنه عبد الله بن طاهر في عهد المأمون. وفي النصف الثاني من القرن الثالث الهجرى (التاسع الميلادي) تملصت الجزيرة مدة من إسار السلطة المركزية وأصبحت تابعة لحاكم مصر الطولونى وذلك في ولاية إسحاق بن كنداجيق ثم في ولاية محمد بن أبي الساج، ثم في ولاية ابن إسحاق. ولكن الخليفة المعتضد استرد الجزيرة بعد سنة ٢٧٩ هـ (٨٩٢ م). والجزيرة وطن الأسوة الحمدانية التي عمدت بعد كثير من التجوال (كان حمدان نفسه جد هذه الأسرة خارجيا) إلى مد سلطانها على الولاية بأسرها التي كانت مقسمة بين الأمارتين الحمدانيتين الموصل وحلب اللتين كانتا مستقلتين تماما تقريبا وإن كانتا تعترفان بسلطان الخليفة، ثم انتقلت بعد ذلك إلى حكم بويهية بغداد بعد
стр. 2935
الفتح الذي تم على يد عضد الدولة سنة ٣٦٧ هـ (٩٧٧ م). وهنالك قسمت، نتيجة للضعف المتزايد الذي لحق بالبويهيين، بين المروانيين في الشمال (ديار بكر) والعقَيْليين (الموصل) الذين اعترف أمير من أمرائهم هو قرْواش بن مُقلد سنة ٤٠١ هـ (١٠١٠ - ١٠١١ م) بسيادة الفاطميين. وقد قضى السلاجقة على حكم هاتين الأسرتين.
وكانت الجزيرة ولاية غنية خصيبة بالنسبة لغيرها من الولايات، تمدها أنهارها بالماء، ولم تعدم فيافيها الكثيرةُ المراعي العيونَ والآبار. وقد كان المثلث المحصور بين الجبلين الأرمنيين: جبل عبد العزيز وجبل سنجار، منطقة مزروعة مترامية الأطراف، وكذلك كانت تقوم أيضًا مناطق زراعية كبيرة على طول نهرى بليخ والخابور. ومن أهم المحصولات والمنتجات الزراعية في الجزيرة التي ذكرها المقدسي وابن حوقل بخاصة: الخيول، والأغنام، والحبوب (كانت الموصل تزود بغداد وسأمراء بالدقيق- انظر الصولى: أخبار الراضى، ص ٧٦, ١٠٩ , الترجمة، ص ١٣٣، ١٧٧ - وقد اشتهرت الطواحين المتنقلة بالموصل وبلدَ) والأرز (نصيبين) وزيت الزيتون (الرقة وماردين) والزبد، والجبن، وقصب السكر (سنجار)، والدجاج، والفواكه الطازجة والمجففة والزبيب والبندق (نصيبين) والمربى (كُبيط) وعسل النحل، واللحم المقدد (نمسكود) والفحم النباتي، والقطن (حزان ووادي الخابور) إلى غير ذلك. ونذكر من بين منتجات الصناعة والحرف المحلية: الصابون، والقطران، والحديد، والدلاء، والمدى، والسهام، والسلاسل، واللجم، والموازين (حران ونصيبين) والكتان والمنسوجات الصوفية (آمد) ومطارق القصارين. وازدهرت التجارة في الجزيرة بفضل الملاحة في دجلة والفرات. وكانت جزيرة ابن عمر هي الثغر الذي تشحن فيه البضائع من أرمينية وبلاد الروم، وبالس لشحن البضائع من الشام.
ولذلك لم يكن بعجيب أن تجنح السلطة القائمة ببغداد في جميع الأحوال إلى الاحتفاظ بالجزيرة تحت سلطانها المباشر أو غير المباشر، وهذا يبين سياسة المعتضد
стр. 2936
وسياسة السلطة المركزية في بغداد في العصر الحمدانى. ومن العسير أن نكون فكرة دقيقة عن موارد الجزيرة، ذلك أن مقاديرها تختلف اختلافا كبيرًا، وإذا قارن المرء الأرقام التي ساقها قدامة وأرقام ميزانية سنة ٣٠٦ التي ذكرها فون كريمر (Ueber das Ein-: Von Kremer nahmebudget des Abbasiden - Reiches) بأرقام الخراج الذي أداه أمير الموصل الحمدانى أو طلب منه، لاحظنا هبوطا كبيرًا في الموارد التي كانت تؤديها الجزيرة. ويقول قدامة إن خراج ديار مضر كان ستة ملايين درهم، وديار ربيعة ٩.٦٣٥.٠٠٠ درهم، والموصل ٣.٦٠٠.٠٠٠ درهم. على أن ناصر الدولة الحمدانى اتفق سنة ٣٣٢ هـ (٩٤٤ م) على أن يؤدى عن ديار ربيعة وجزء من ديار مضر: ٣.٦٠٠.٠٠٠ درهم, وفي سنة ٣٣٧ هـ طلبت منه الدولة البويهية ثمانية ملايين درهم، ولكن الأمر استقر على ثلاثة ملايين، ويبدو أنه لم يؤد قط أكثر من مليونين من الدراهم. وحتى إذا اضفنا ما أدى عينا كان قليلا. ولكنه لم يكن بالمبلغ الهين في نظر السلطة المركزية.
المصادر:
(١) Le Strange ص ٨٦ - ١١٤ حيث وردت إشارات إلى جغرافيى العرب.
(٢) يضاف إلى ذلك كتاب "حدود العالم"، ترجمة Minonsky. انظر الفهرس.
(٣) Ueber die his-: E. Herzfeld torische Geographie von Mesepotemien في. Pei سنة ١٩٠٩، جـ ١٢.
(٤) r-: ٣٠ Sarre & E. Herzfeld (f -chaeologische Reise im Euphrat. / - and Ti gris - Gebeil في lamischen Kensi. في ثلاثة مجلدات، سنة ١٩١١ - ١٩٢٠.
(٥) Vom Mittelm-: Von Oppenhe Persischen Golf، في مجلدين سنة ١٨٩٩ - ١٩٠٠.
(٦) ص ٣٨ وما بعد ها.
(٧) Les routes an-: A. Poidebard i ciennes de Haute Djezireh في Syria. جـ ٨، سنة ١٩٢٧.
стр. 2937
(٨) الكاتب نفسه: Syria .١ cheologique en Haute Djezireh, جـ ١١، سنة ١٩٣٠.
(٩) محمود الآلوسى: بلوغ الأرب، جـ ١، ص ٢١٧ وما بعدها.
(١٠) Topographie his-: Dussaud itorzque ويتناول المدن على الفرات الأوسط وفي حوض الخابور، ص ٤٤٧ وما بعدها، ٤٨١ وما بعدها.
(١١) Hist. de la dynastie: M. Canard des Hammdanides جـ ١، ص ٧٥ - ١٤٣, ٢٩١ - ٣٠٢ , ٣٠٨ - ٣١١، ٣٣٤ وما بعدها ٣٧٧ - ٤٠٧, ٤١٨, ٥٢٠ وما بعدها، ٥٢٦ - ٥٣١، وفي مواضع مختلفة.
خورشيد [كانار M. Canard]
الجزيرة الخضراء
Algeziras أو Algeciras, وقد سميت باسم إيله فرده Ila Verde المواجهة لها، ويقال أيضًا جزيرة أم حكيم: أول مدينة أندلسية استولى عليها طريف في رمضان عام ٩١ (يولية ٧١٠)، وهي على جون الجزيرة الخضراء أو جون جبل طارق، وقد استخدمها العرب هي وجبل طارق مرفأ ومرسى. وجرى الولاة الأولون ثم الأمويون ثم ملوك الطوائف ثم المرابطون ثم الموحدون ثم بنو نصر على العبور إلى الساحل الأفريقى من الجزيرة الخضراء، وظل هذا شأنهم إلى أن استولى الأذفنش الحادي عشر صاحب قشتالة على هذه المدينة عام ١٣٤٢ بعد النصر الذي حازه على نهير سليط عام ١٣٤٠. واستعادها ملك غرناطة أمدًا ما عام ١٣٦٩ وخرب حصونها. ووقعت في حوزة الملك الحمودى محمد بن الخليفة القاسم من عام ٤٢٨ إلي عام ٤٤٠ هـ (١٠٣٦ - ١٠٤٨ م) ثم في حوزة محمد بن القاسم من عام ٤٤٠ إلي عام ٤٥٠ هـ (١٠٤٨ - ١٠٥٨ م) ثم انتقلت إلى ملوك بنى عَباد أمراء إشبيلية.
وقد عقد في الجزيرة الخضراء ما بين أول يناير و ٧ أبريل سنة ١٩٠٦ المؤتمر الدولى الذي التمست مراكش عقده، وقد ضمن هذا المؤتمر باسم الدول العظمى استقلال هذه البلاد سياسيا واقتصاديا، وقرر إنشاء مصرف مراكشى وطنى وهيئة للشرطة تحت إشراف ضباط فرنسيين وأسبان.
стр. 2938
المصادر:
(١) Diccionario geogr.: Madoz frico - estadisticohistorico، جـ ١، ص ٣٧٤ وما بعدها.
(٢) Die Provinz Codiz: Seybold , هال ١٩٠٦.
[تسيبولد Seybold]
+ الجزيرة الخضراء: وبالإسبانية Algeciras وقد اشتقت اسمها بالعربية من إيلة فرده Ila Verde المواجهة لها، في الجون القائم بين بونتا دل كارنيرو a Punt del CARNER وبونتاده أوروبا Punta de Eu ropa . وتسمى الجزيرة الخضراء أيضًا جزيرة أم حكيم نسبة إلى امرأة دخل معها طارق بن زياد شبه الجزيرة حين أعتقه موسى بن نصير وخلفها لها. وما من شك أن هذا هو المكان الذي أقيمت فيه يوليا ترادوكتا Julia Traducta على يد مستعمرين جلبوا من أرجيلة وطنجة. وفي هذا المكان أيضًا احتفظ بالزعماء الشآميين رهائن قدمها بلج بن بشر سنة ١٢٤ هـ (٧٤٠ م) حين عبر من سبتة إلى شبه الجزيرة ليخمد فتنة البربر. وكان للمدينة أيضًا اسم لاتينى بونى مولدَ هو يوليا إيوزا Julia Io وهو نظير يوليا ترادوكتا. وفي عصر الرومان كانت الجزيرة الخضراء الحالية تسمى آدبورتوم ألبوم j Ad Portum Album وقد ورد في المصادر المسيحية إشارات إلى مكانين يسميان الجزيرة الخضراء، أحدهما على الجزيرة التي هجرت من بعد، والآخر على البر الأصلي احتفظ باسمه وأهميته منذ هيأ ميناؤه وجونه منذ أقدم العصور مرسى آمنا حتى في الشتاء، ثم هو مبدأ العبور إلى سبتة وبينها وبينه ثمانية عشر ميلا فحسب. وقد كان الموحدون في جميع الأحوال تقريبا يؤثرون العبور بطريق طريف- قصر شقر وطوله اثنا عشر ميلا، وقد حذا المرينيون حذوهم.
والمدينة على تل يشرف على البحر، وأسوارها تمتد حتى شاطيء البحر، وتقوم القلعة المشيدة بالحجر بزاوية حادة فوق حلق الجبل الذي يحاذى المدينة إلى الشرق. ويخترق المدينة وادي العسل الذي احتفظ بهذا الاسم في الإسبانية. وتغطى ضفتيه البساتين والحدائق. وإلى الجنوب الشرقي، غير بعيد من باب البحر، مسجد الرايات وهناك اجتمعت رايات القوم للرأى
стр. 2939
قبل الفتح، على حين قدمت كتائب البربر التي أنفذها طارق عن طريق جبل طارق، وتجاه هذا المسجد بالذات صف النورمان (المجوس) قواتهم سنة ٢٤٥ هـ (٨٥٩ - ٨٦٠) حين استولوا عليه وحرقوه.- وقد أقام عبد الرحمن الثالث دار صناعة هناك لأساطيله، ومن هذا المرفأ قام قواده بحملاتهم الحربية على أدارسة مراكش، فلما سقطت الخلافة نهب البربر الجزيرة الخضراء سنة ٤٠١ هـ (١٠١١ م)، ومن سنة ٤٢٧ إلى سنة ٤٤٨ هـ (١٠٣٥ - ١٠٥٦ م) مكّن محمد والقاسم الحموديان لنفسيهما فيها خليفتين قبل أن تضم إلى إشبيلية.
وفي سنة ٤٧٩ هـ (١٠٨٦ م) سلمها المعتمد إلى يوسف بن ناشفين الذي شخص إلى الأندلس ليسحق ألفونسو السادس في الزَلافة. ولم بن يوسف عن تحصين المدينة وإصلاح المواضع الضعيفة في الأسوار، وقد عمل على أن يحيط المدينة كلها بخندق وجهزه بالأسلحة والمؤن، وأقام حامية منتقاة من خيرة جنوده. وفي عبوره للمرة الثانية أرسى في الجزيرة الخضراء وخرج منها ليضرب الحصار على بدو. واحتل الموحدون المدينة سنة ٥٤١ هـ (١١٤٦ م) وخرب القشتاليون إقليمها وإقليم رندة سنة ٥٦٩ هـ (١١٤٦ م) وسنة ٥٧٨ هـ (١١٨٢ م). وفي سنة ٦٢٩ هـ (١٢٣١ - ١٢٣٢) اعترفت الجزيرة الخضراء بابن هود. وضرب ألفونسو العالم الحصار على الجزيرة الخضراء من البحر في صيف سنة ٦٧٧ هـ (١٢٧٨ م) وعسكر جيش النصارى فيها في مارس سنة ١٢٧٩. وفي العاشر من ربيع الأول (٢١ يولية) هزم المرينيون أسطولا قشتاليا هزيمة نكراء. وأخذت الجزيرة الخضراء عنوة وأعمل القتل في المدافعين عنها. وقد اتخذها أبو يوسف في حملاته الأربع قاعدة لعملياته الحربية وبنى بالقرب منها قصر "البنية" السلطانى على نحو ما بنى القصر الذي بناه في فاس الجديدة. وتوفى هناك في المحرم سنة ٦٨٥ هـ (مارس سنة ١٢٨٦، وفي نفس هذا اليوم الذي توفى فيه بويع ابنه يعقوب في هذا القصر المعهود "قصر البنية". وعاد أبو الحسن على إلى سنّة المرينيين، أي سنة الجهاد، في الأندلس سنة ٧٤١ هـ (١٣٤٠ م) بعد أن هزم أسطول أمير البحر تنوريو - Ten
стр. 2940
orio في جون الجزيرة الخضراء، ونزل فيها وخرج ليضرب الحصار على جزيرة طريف المجاورة لها. ولما هزم على نهر سليط في السابع من جمادى الأولى سنة ٧٤١ هـ (٢٩ أكتوبر سنة ١٣٤٠) عاد إلي الجزيرة الخضراء وكان قد ترك حريمه فيها. ثم عاد منها إلى مراكش. وبه انتهى تدخل المرينيين في الأندلس، وبعد ذلك بعامين ضرب الفونسو الحادي عشر الحصار على قاعدته البحرية الكبرى واستحر القتال ضاريًا عشرين شهرًا ثم نجح ألفونسو في الاستيلاء عليها، وفي سنة (٧٧١ هـ (١٣٦٩) استعادها سلطان غرناطة ودمرها تدميرًا. وضم الإقليم إلى منطقة جبل طارق، ولم يفصل إداريًا عن سان روك إلا سنة ١٧٥٥. ثم نمت الجزيرة الخضراء سريعا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وفيها عقد سنة ١٩٠٥ المؤتمر الدولى للنظر في مسألة مراكش.
المصادر:
(١) الإدريسى: Descript ص ١٧٦ - ١٧٧ من المتن، وص ٢١٢ - ٢١٣ من الترجمة.
(٢) ابن عبد المنعم الحميرى: الروض المعطار، طبعة ليفى يروفنسال، ص ٧٣ - ٧٥ من المتن، وص ٩١ - ٩٤ من الترجمة.
(٣) ابن عذارى: البيان المغرب، جـ ٢، ص ٩٩ من المتن، وص ١٥٨ من الترجمة.
(٤) Memoirs of Abd Allah b. ziri King of Granada في الأندلس، جـ ٢/ ٢، ص ٣٩٩ من المتن، وجـ ٤/ ١، ص ٧٢ من الترجمة.
(٥) Les grande batallas de: A. Huici la reconquista. ص ٣٩٩ وما بعدها.
(٦) Cronica de Alfonso XI في lioteca de Autores espan جـ ٦٦، ص ٣٣٩ وما بعدها.
(٧) Cronica des sete: Carlos da Silva reis، جـ ٢، ص ٣١٧ وما بعدها.
(٨) ابن ابى زرع: روض القرطاس، طبعة فاس، ص ١٩١ وما بعدها من المتن، وص ٣٠٢ وما بعدها في ترجمة ميراندا.
خورشيد [ميراندا A. Huici Miranda]
стр. 2941
جزية
يطلق لفظ الجزية في الشريعة على الأموال التي تفرض على أهل الذمة.
١ - الجزيه في نظر الفقه: تبحث الجزية في كتب الفقه عند الكلام على الجهاد، فأما أهل الكتاب فيؤمنون على أنفسهم وأسرهم ومالهم إذا أدوا الجزية. وهذه القاعدة مبنية على ما جاء في القرآن: "قاتلوا الذين لايؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولايحرمون ما حرم الله ورسوله ولايدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، (سورة التوبة، الآية ٢٩). فكتب الفقه- استنادًا على هذه الآية- ترى أن الجزية هي جزية الرؤوس إذا أداها النصارى واليهود والمجوس والصابئة والسامرة قام بينهم وبين المسلمين عقد يقتصْى هؤلاء الكف عنهم بل حمايتهم. ولبعض جماعات النصارى مكانة خاصة- محو بنى تغلب ونصارى نجران- فهم يؤدون الجزية. ولا تجب الجزية إلا على البالغين المكلفين من الذكور الذين يستطيعون أداءها. ولاتجب على النساء والصبيان والشيوخ لأنهم لايشتركون في القتال. ولايؤدى الأعمى والأعرج الجزية إلا إذا كان موسرًا. أما المساكين والفقراء فلا ينتظر منهم أن يؤدوا الجزية، ويعفى المترهبون من أداء الجزية إذا كانوا فقراء، أما إذا كانت دياراتهم ذات ثراء فإن على قوامهم أداء الجزية. وهي لاتجب على العبيد، ونحن نلمس من هذا كيف يعامل الفقير والمريض معاملة سمحة، إلا أن هذه المعاملة يقابلها معاملة أخرى مع الموسرين فيها دقة وإحكام. وقد حرصت الشريعة أيضًا على إلا يفلت من أداء الجزية من هو قادر على أدائها، لذلك حذر الجباة بوجه خاص من أن يجبوها جملة من الجماعات على أساس عدد أفرادها. والجزية على من يدخل في الإسلام أو الذي يموت خلال السنة المالية من مسائل الخلاف.
ويجب أداء الجزية نقدًا، وقد تدفع عينا كالملابس والدواب، ولا تعد الخمر والميتة أموالا شرعية، بل كانت تباع
стр. 2942
وتؤخذ الجزية من أثمانها، وقدرت الجزية المألوفة باديء الأمر بدينار، ثم أصبح ذلك فيما بعد هو الحد الأدنى. ويدفع ما يعادل ذلك في البلاد التي تتعامل بالفضة أي اثنى عشر درهمًا. وهي على الذمى المتوسط الحال ديناران أي أربعة وعشرون درهما، وعلى الموسر أربعة دنانير أي ثمانية وأربعون درهما. ويذكر أبو يوسف - وهو الذي نقلنا عنه معظم ما قلنا- أن الموسرين هم أمثال الصيرفى والبزاز وصاحب الضيعة والتاجر والطبيب، أما الفقراء فهم أصحاب الحرف مثل الخياط والصباغ والاسكاف والخزاز، ولم يذكر شيئًا مفصلا عن الطبقة الوسطى، وإذا لم يستطع أحد أداء الجزية فلا يعذب بالجلد أو تعريضه للشمس أو صب الزيت عليه، ويكتفى بحبسه. وجاء في الآية الخاصة بالجزية أن على الذميين أداؤها "هم صاغرون". وقد أصاب الشافعي دون شك في تفسيره هذه الفقرة بأن عليهم أداءها وفق حكم الإسلام، وهو الحكم الذي يخضعون له. ويرى آخرون- استناد، على هذه العبارة- أنه يجب عليهم أداؤها وأن يكون ذلك على نحو فيه خضوع. والراجح أن الأوصاف التي خلعت على أهل الذمة وغيرهم إنما هي تفسيرات لهذه العبارة. ويؤدى ما يجبى من الجزية إلى بيت المال والجزية والخراج يتكون منهما الفئ. وهو أموال المسلمين عامة.
٢ - تاريخ الجزية من حيث العمل: دلت الجزية في بادئ الأمر على الأموال الجماعية التي تجبى من البلاد المفتوحة. وقد ترك العرب النظام الإدارى في كل إقليم فتحوه على ما هو عليه وعدوا دخل الإقليم جزية لهم. ولم يكن هناك في أول الأمر فارق بين الجزية بوصفها ضريبة رووس وبين الخراج بوصفه ضريبة أرض، وهي التفرقة التي شاعت فيما بعد. فالمصادر التي ناخذ عنها تتحدث كثيرا عن الخراج الذي يجبى على الرؤوس والجزية التي تجبى على الأرض.
ويطلق عادة على أموال الفئ اسم الجزية اشارة إلى الآية القرآنية. ولنذكر على سبيل المثال أنه لم يرد في أوراق البردى المصرية التي يرجع عهدها إلى
стр. 2943
القرن الأول الهجرى إلى جانب الجزية (باليونانية "ديموسيا") التي هي الضريبة الأساسية التي تدفع ذهبا سوى الدفع عينا مما لا يسمح المجال هنا بمناقشته. والجزية من وجهة النظر العربية هي ضريبة الرؤوس، لأن العرب كانوا يعمدون بعد إبرام معاهدات الصلح عقب فتح كل إقليم إلى اتخاذ عدد السكان التقديرى، لامساحة الأرض المزروعة، أساسا لتقدير الجزية. وكانت جزية الرؤوس معروفة قبل الفتح الإسلامي في البلاد المفتوحة سواء أكانت ساسانية أم رومية (باليونانية "إبيكفاليون" و "أندرسموس"). أما مصدر الدخل الأساسي، أي الجزية، فكان هن خراج الأرض، وكان يعرف بالاسم الآرامى "خراكه" وقد جعل هذا اللفظ عين اللفظ العربي خَرْج أو خَراج (سور الكهف، الآية ٩٤، سورة المؤمنون، الآية ٧٢). وشاع استعماله هذا منذ العهد العباسى في الأقاليم غير الآرامية أيضًا، وكان لفظ الخراج- بوصفه خراج الأرض- يستعمل هو ولفظ جزية كل منهما في معنى الآخر حتى في أقدم المؤلفات التي وصلت إلينا. وكان لفظ الخراج هو المستعمل، إذا كان المقصود الأموال المتحصلة من الأرض، أما إذا كان التفكير متجها بصفة خاصة إلى الأموال التي يدفعها أهالى البلاد المفتوحة فيستعمل لفظ جزية الوارد في القرآن. ولما توحد سلطان العرب أصبح لفظ خراج يطلق شيئًا فشيئًا على ضريبة الأرض، للك الضريبة التي غدت تجبى من المسلمين أيضًا بعد أن أخذت الشعوب المغلوبة على أمرها تدخل في الإسلام تدريجًا، وبذلك فقدت صفة الجزية. وحلت جزية الرؤوس محل الجزية الواردة في القرآن. وكانت هذه الجزية معروفة قبل الإسلام، وكانت تفرض بطبيعة الحال على غير المسلمين دون سواهم. وورد في التواليف المتقدهة وفي الأيصالات المصرية التي تؤخذ نظير دفع جزية الرؤوس كلمة جالية (والجمع جوالى) وقد أصبحت هذه الكلمة مرادفة لكلمة جزية. وكانت هذه الجالية أو الجزية تحسب لخراج سنة بعينها، لأن جملة الدخل من الفئ كان يطلق عليه أيضًا اسم خراج، ومن ثم ظهرت في غضون قرن ونصف قرن
стр. 2944
التعريفات الخاصة بكلمتى خراج وجزية، وإن كانت كتب الفقه تدرسها دراستها للشئ الموجود من أول الأمر.
وليس لدينا معلومات وافية عما كانت عليه حال الجزية والخراج في الأزمنة القديمة، اللهم إلا في مصر. فقد كان يوضع حول عنق الشخص بعد أدائه الجزية خاتم من رصاص، ولكن الخليفة هشامًا أدخل طريقة الإيصالات المنتظمة المعروفة بالبراءات. وقد وصل إلينا عدد من هذه البراءات، ولكنها لم تدرس بعد دراسة وافية. ويقال إن الحزية في مصر وقت الفتح كانت دينارين على الفرد. على أنه يستدل بطبيعة الحال من صكوك الضرائب اليونانية- التي يرجع عهدها إلى نهاية القرن الأول- على أن الجزية كانت في المتوسط دينارين. ولكن هناك مقادير أقل من ذلك كثيرًا. ويتضح من البراءات التي يرجع تاريخها إلى القرون المتأخرة أن الجزية كثيرًا ما كانت تقل عن دينار واحد، وهو الحد الأدنى الذي نصت عليه كتب الفقه. وقداعفى كثير من الناس من اداء الجزية في القرن الأول دون أن نعرف السبب في ذلك، ولايزال يكتنف هذا الموضوع غموض كثير، وقد شدد على المترهبين في مصر بدفع الجزية منذ عهد عبد العزيز أخى عبد الملك، ولو أنه من الواضح أنهم كانوا هد أعفوا منها قبل ذلك.
واضمحل شأن الجزية بالتدريج -بوصفها جزية على الرؤوس- بدخول الناس في الإسلام شيئًا فشيئا، فلم يزد دخل مصر منها في عهد صلاح الدين على ١٣٠ ألف دينار (المقريزى: الخطط" جـ ١، ص ١٠٧، س ٢٣؛ ص ٢٠٨، س ٢٧). ومع ذلك فقد ظلت الجزية نظاما ثابتا تجبى من غير المسلمين دلالة على خضوعهم. ولدينا تفصيلات دقيقة عن نظام الجزية في تركية. وقد جمع هذه المعلومات هيدبورن Heidborn كتابه) nances ottomanec. فينا - ليبسك سنة ١٩١٢، ص ٢٣ وما بعدها نقلا عن. v Hammer وغيره من المصادر). وهناك صورة من إيصال تركى للجزية في كتاب (Fuehrer Burch die-Karahacek ausstellung der Papyrus Erzherzog Rainer
стр. 2945
ص ١٧٦). وظل نظام الجزية قائما في تركية حتى حرب القريم- وحل محل الجزية- بوصفها ضريبة تؤخذ نظير حرية التدين- ضريبة أخرى نظير الإعفاء من الخدمة العسكرية، وذلك بمقتضى القانون الصادر في ١٠ مايو سنة ١٨٥٥ (انظر: Ges-: F. Bamberg chichte der oriental angelegenheit ص ٢٦٣). لم يذهب أخر أثر لهذه الضريبة إلا بعد الثورة التركية عندما أخذ النصارى أيضًا يؤدون الخدمة العسكرية.
المصادر:
(١) كتب الفقه في مادة "جهاد" وبخاصة كتاب أبي يوسف وعنوانه "كتاب الخراج". ص ٦٩ وما بعدها.
(٢) الشافعي: كتاب الأم، جـ ٤، ص ٨٢ وما بعدها.
(٣) الماوردى: الأحكام السلطانية في مواضع مختلفة.
(٤) Tableau General del': d' Ohsson Empire Ottoman جـ ٣، ص ٩ وما بعدها.
(٥) Wcllhausen: Das Arabische Reich ص ١٧٢ وما بعد ها.
(٦) Beitraege: Becker ص ٨١ وما بعدها
(٧) Papyri: Schott- Reinhardt , جـ ١، ص ٣٧ وما بعدها.
(٨) Greek papyri in the: H. I. Bell L British Museum Catalogue جـ ٤، ص ٢٥ وما بعدها، وما بعدها.
(٩) Annali dell' Islam: Caetani جـ ٤، حوادث سنة ٢١ هجرية، فقرة ٣٥ وما بعدها، جـ ٥، حوادث سنة ٢٣، فقرة ٥٦٢ وما بعدها.
[بيكر C. H. Beckez]
+ جزية: (١) هي ضريبة الرؤوس التي كانت تفرض بمقتضى الفقة الإسلامي المأثور على غير المسلمين في الدول الإسلامية. وتاريخ أصول "الجزية" متشابك غاية التشابك لأسباب ثلاثة مختلفة، الأول: أن الكتاب الذين حاولوا، في العصر العباسى، أن يجمعوا ما بين أيديهم من مواد تتعلق بأداء الجزية والخراج وجدوا أنفسهم
следующие страницы →