Полный текст (10 087 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.
стр. 2871
التنظيم الإدارى: والأقاليم الثلاثة (مدينة الجزائر، قسنطينة، وهران) لها مديرون سلطاتهم أوسع مما هو حادث في قصبة البلاد، وهي مقسمة إلى أقسام (٧، ٧ و ٦) , ومجالسها العامة مكونة من ٥/ ٣ المواطنين الذين لهم حقوق الفرنسيين و ٢/ ٥ من المسلمين المنتخبين. والمراكز كبيرة مختلقة الطبائع. فإذا وجد الفرنسيون من غير المسلمين بأعداد كافية سميت المراكز "مراكز ذات سلطة كاملة" تمثل فيها الفئتان (٥/ ٣ و ٥/ ٢). وتتبع العمدة، إذا تطلب الأمر وجوده" قائديات الدواوير، وهي فروع لها ممثلوها المنتخبون وهم "الجماعة".و"المراكز المختلطة، التي قدر لها أن تختفى آخر الأمر يرأسها عمال من الموظفين المدنيين الجزائريين. ويرأس هؤلاء المجالس البلدية التي تتألف من أعضاء منتخبين، ومن القائديات، ومن رؤساء "الجماعة" من مختلف الدواوير. وقد أقيم حديثًا في تلك المناطق ذات السكان الوطنيين التي بلغت درجة كافية من النمو، "مراكز بلدية" وهي تتمرس على الحياة العامة تحت إشراف موظف مدنى.
وقد أدت الزيادة في حجم الأقاليم شيئًا فشيئا إلى رد المناطق العسكرية إلى الوراء صوب الصحراء، وأصبحت هذه المناطق تسمى الأراضي الجنوبية. وغطت هذه الأراضي مساحة ضخمة, وتحيفت اثنتان منها على أطلس الصحراء وعلى الفيافى المرتفعة في الغرب، واتخذت هذه الأراضي الأربع قواعدها في كولومب بيشار، ولغواط، وطقورت، وورجلة. وهي تخضع خضوعا مباشرًا لسلطان الحاكم العام يحكمها بصفته مديرًا لها. أما القواد العسكريون الذين يخضعون له فلهم السلطات الإدارية لنائب المدير. وقد جرت الحال بأن تقسم هذه الأراضي إلى ملاحق أصبحت أساس المراكز الحالية: ١٠ مراكز مختلطة يديرها مراقبون مدنيون و ٩ "مراكز وطنية" يديرها مراقبون للشئون الصحراوية. أما قواد واوير فهم خاضعون لهم، وأعضاء "الجماعة" ينتخبون أو يعينون. وينص القانون الجزائرى على تحويل الأراضي الجنوبية تدريجًا إلى أقاليم مدنية.
стр. 2872
النظام القضائي: رسم النظام القضائى رسمًا وثيق الصلة بالنظام المتبع في قصبة البلاد، فمدينة الجزائر مقر محكمة الاستئناف. وهناك ١٧ محكمة جنائية (قضاتها فرنسيون ومسلمون) و ١٧ محكمة من محاكم أول درجة. ويحكم في المسائل الخاصة بالأحوال الشخصية والميراث للفرنسيين المسلمين قضاة من الأربع والثمانين محكمة مركزية والباش عادل الخاص بالثلاث والعشرين ناحية التابعة. ولكن اختصاصها في جميع الأحوال اختيارى. وللأطراف المتنازعة أن تلجأ إلى محاكم الصلح، أو إلى قضاة القانون العام الذين يطبقون أحكام الشريعة الإسلامية، أو إلى السلطات القضائية الفرنسية، كما يمكنهم أن يحتكموا للقانون الفرنسى. وليس لقبائل الغرب التي احتفظ معظمها بعرفها الخاص، قضاة.
المصادر:
(١) L. Millot, M. Morand L'oeuvre legislative de la: et M. Gaffiot France en Algerie" سنة ١٩٣٠.
(٢) Manuel de legisla- J. Lambert lion Algerienne, " سنة ١٩٥٢.
(٣) Les caracteres pol-: P. E. Viard d'Algerie ftiques et le regime legislatif سنة ١٩٤٩.
(٤) Le regislatif de: Ettori l, Algerie.
(٥) Precis de: Rolland et Lampu ٦ adroit des pays d'Outre Mer، سنة ١٩٥٢.
(٦) Manuel de droit: Fr. Luchaire d'outre Mer سنة ١٩٤٩.
(٧) Revue politque et juridque de . l'Union Francaise
[دسبوا J. Despois]
(٥) اللغات
١ - اللهجات العربية في بلاد الجزائر:
تعربت الأرض التي تكوّن الآن بلاد الجزائر الحالية في حقبتين متمايزتين مشتركة في ذلك مع شمالي إفريقية بصفة عامة. الحقبة الأولى تبدا بفتوحات المسلمين في نهاية القرن
стр. 2873
الأول للهجرة (السابع الميلادي). وليست هذه الفتوحات مهمة من حيث ما أتت به من الناحية السلالية، إلا أن لها أثرًا كبيرا من النواحى العسكرية والسياسية والدينية، ومن ثم اللغوية، وهي قد أثرت أولًا وقبل كل شيء في المراكز الحضارية، ذلك أن العرب الفاتحين قد أقاموا في هذه البلاد حاميات توزع وحدات من الجند المشارقة في أرجاء البلاد التي رغبوا في أن يشرفوا عليها ويحكموها. وكما عربت فاس الإدريسية والقيروان الأغلبية الأقاليم الريفية والحضرية القائمة حولهما، كذلك فعلت تلمسان وقسنطينة في بلاد الجزائر، فحملتا الأقاليم القائمة بينهما وبين البحر، ونعنى بها ترارة وبلاد القبائل الشرقية، على أن تترك لسانها الوطنى وتصطنع لغة الفاتحين. وأغلب الظن أنه حدث بعد ذلك أن الدعوة الشيعية استطاعت- بربط القبائل البربرية بحركة الشيعة ربطا مباشرًا - أن يكون لها شأن في فرض اللغة العربية على أقوام بعينها في الشمال من إقليم قسنطينة. وهذا الاستعراب الذي حدث في الحقبة الأولى هو صاحب الفضل في العربية التي جرى الحديث بها في المراكز القديمة وفي الأقاليم الجبلية المجاورة. ومن ثم يمكن أن نسمى الصور المختلفة لهذه اللغة باسم: "اللهجات السابقة على الغزوة الهلالية".
وغزوة بنى هلال وسليم ومعقل، هي التي افتتحت الحقبة الثانية من التعريب. وقد بدأت في غضون منتصف القرن الرابع الهجرى (العاشر الميلادي) بإطلاق حشود القبائل العربية على "المغرب الغدار". وفي هذه المرة كان الأثر السلالى هامًا. وتنقل السكان الذي أحدثته غزوة هؤلاء الوافدين الجدد قد جعل بلاد البربر في حالة غليان، وأدى إلى الانتشار الواسع للغة التي جلبها الغزاة معهم. فلم تهجر البربرية إلى العربية نواح قليلة فحسب، بل هجرتها مناطق مترامية الأطراف أيضًا. والذي حدث أول الأمر بلا شك هو أن الفيافى والوديان العالية المنصرفة لحياة الرعى هي التي أنس إليها الوافدون البدو وأحسوا بأنهم فيها في مثل وطنهم. ثم
стр. 2874
عرضت على هؤلاء الفاتحين أحلاف أو فرضوها هم، فدانت لهم أقاليم من التل مستقرة الحياة مترامية الأطراف بل من الساحل. وظلت تنقلات هامة للسكان تحدث حتى نهاية القرن الثامن الهجرى (الرابع عشر الميلادي)، مثال ذلك استقرار الدواددة الهلالية في شمالي ولاية قسنطينة، واستقرار معقل عبيد الله وزغبة بن عامر الهلالى بين تلمسان والبحر.، وكذلك اتجهت إلى اللغة العربية قبائل بربرية برمتها بفضل احتكاكها بالعرب البدو أو تحت إمرتهم، واشتراكها مع البدو في أسلوب حياتها. مثال ذلك ما فعلت سدوكيش غربي ولاية قسنطينة، وفروع من زناتة شمالي وهران. واستمر الاستعراب حتى وقتنا هذا يتغلغل في الص الجبلية ومراكز الصحراء القديمة التي ظلت معاقل البربرية. وكتاب الصباغ الذي لم يطبع عن حياة ولى شلف الكبير سيدى أحمد بن يوسف يزودنا بفكرة عن الحالة اللغوية لهذا الأقليم في القرن العاشر الهجرى (السادس عشر الميلادي) ويستشهد بعبارات من "اللغة الزناتية". J وكانت اللغة البربرية لاتزال يتحدث بها في تلك الفترة، ولكن العربية دون سواها هي لغة الحديث اليوم إلا في السلاسل الجبلية لبنى مناصر وونشريس الذين يعيشون على أكناف هذا الإقليم. وإن المرء ليجد ما يغريه على القول بأن انتشار لغة الفاتحين قد شجع عليه بصفة خاصة الأتراك بين القرنين التاسع والثالث عشر الهجريين (الخامس عشر والتاسع عشر الميلاديين). فهم قد عمدوا في الأقاليم الشمالية التي حاولوا السيطرة عليها، إلى القيام بتنقلات واسعة لجماعات من الريف والبدو على نطاق يفوق ما فعلته الأسر الحاكمة التي سبقتهم في المغرب الأوسط.
وقد كانت فورة السكان في هذه القرون عظيمة حتى أن علماء اللغة عجزوا عن أن يسوقوا أي مقياس سلالى. ولا شك أنه من الجائز أن نذهب إلى أن الجماعات التي بقيت تتحدث بالبربرية تشمل نسبة كبيرة من العناصر البربرية الأصل، ولكن
стр. 2875
ما من شيء يمكننا من أن نقدر نسبة العناصر العربية الأصل بين الأقوام الذين يتحدثون بالعربية. فأغلب الظن أن هذه الأقوام تتألف إلى حد كبير من بربر استعربوا. وما من مقياس لغوى يمكننا من أن نقرر الأصل السلالى للجماعات المختلفة. وما من دلالة لهجية، فيما نعلم، تجعل في استطاعتنا أن نتحقق من الجماعات البربرية التي اصطنعت العربية مثل إلا الحاصة والهُوارَة، والسنجاس، والعجيسة، واللواتة أو الكتامة وغيرهم.
وفيما يختص باللهجات العربية التي جاءت بها الغزوات التي وقعت فيما بين القرنين الخامس والسادس الهجريين (الحادي عشر والثاني عشر الميلاديين) فإننا نرى بصفة عامة أن أرض سُلَيم كانت بلا جدال إلى الشرق، وأن أرض معقل كانت أدخل من ذلك غربا. ولا يمكن تحديد أرض هلال تحديدا دقيقا، ولكنها كانت بلا شك في موقع وسط، والأرجح أنها كانت تتحيف الأراضي التي إلى الشرق والغرب، والتغيرات اللهجية في اللغة التي كانوا يتحدثون بها أو اللغة التي نشروها قد عرفت بأنها "لهجات بدوية".
(١) لهجات ما قبل الغزوة الهلالية: وتدخل في هذه الفئة لهجات القرى (أو الجبل) واللهجات الحضرية (يهودية وإسلامية).
(١) لهجات القرى: وتمثل هذه اللهجات مجموعتان تحققنا منهما تحققا واضحًا، ولكنهما لم تكونا موضوع دراسة متكافئة، ونعنى بهما لهجات وهران، ولهجات قسنطينة. وتضم لهجات وهران كتلة ترارة الجبلية التي تمتد من وادي مُغْنية حتى البحر، ويحدها على وجه التقريب مجرى نهر تافنة إلى الشرق. وندرومة هي المركز الحضرى لها. وينتمى هذا الإقليم إلى الألحاصة والكومية، وتقطعه طرق تصل للمسان بثغرى حنين وأرشقون. والراجح أن استعرابه يرجع إلى عصر الأدارسة. ولهجات فسنطينة تتفق وبلاد القبائل الشرقية، وهي جبلية كلها، لها شكل المثلث، رؤوسه: جيجل وميلة وكلو. ويمثل هذا الأقليم من الناحية التاريخية التوسع البحرى
стр. 2876
لقسنطينة وميلة، وقد كانتا مدنًا عربية ذات حاميات في عصر الأغالبة. وكان هذا الإقليم هو أرض كتامة من قبل، ومركز الحركة الفاطمية.
وتتميز هذه اللهجات صوتيًا بما يأتي: تبدل القاف اللهوية كافًا نطعية، مثل النطق بقلب كلب، والكاف تنطق حرفا لهويًا، مع التشديد على لهويتها: كى، أو تنطق نطق الحرف الاحتكاكى: كش وتش مع حرف غير صائت هو: ى (ترارة) مثل تشلب وشلب والمقصود بها كلب. والحروف التي تنطق من بين الثنايا: ث، ذ، ظ تختفى وتختلط بالحروف ت، د، ص. ويصبح الحرف ت حرفا احتكاكيا هو تس، وتصبح الضاد في كثير من الأحيان طاءً. وينطق حرف الصفير المجهور إذا كان مفردًا، وينطق جيما إذا كان مضعفا. ويفك الإدغام القصير، فتصبح أي: ى، و"أو": و. وثمة أضمحلال ملحوظ جدًّا للحركات القصيرة وخاصة في بلاد القبائل الشرقية، حيث تسيطر الفتحة الممالة. ويحدث التغيير في تركيب المقاطع الذي يتأثر، في الكلمات التي تحتوى على حركات قصيرة، بالمؤثرات الصوتية للحروف الساكنة الجذرية أكثر من تأثره بعوامل الصرف. فالحرفان الشفويان. م. ب، والحرف اللهوى قاف قادرة على أن تتمثل أداة التعريف مثل إب- باب أي الباب, إق- قمح أي القمح.
وتتميز هذه اللهجات من حيث التركيب بما ياتى: توالى إعادة تركيب الأفعال الناقصة: نسا- نسات- نساو، ينسا- ينساو: أي ينسى، بكا- بكات- بكاو، يبكى- يبكيو أي يبكى، وكذلك الأفعال التي تدخل الهمزة في تركيب المقطع الأول منها: كلا- كليت- كلاو، يأكل- كول أي يأكل, واستعمال إين دلالة التثنية في الأسماء الدالة على المقياس: يوم- يوماين آى يومان، شبر - شبواين أي شبرأن، واستعمال صيغ الجمع: صنادق أي صناديق، واستعمال صيغ التصغير: مفيتح أي مفتاح صغير (مع استعمال حركة قصيرة في المقطع الأخير) في جميع صيغ الرباعي. واستبدال كلمة طفيل ومعناها الطفل الصغير بكلمة طفل في حالة التصغير،
стр. 2877
وكذلك كلمة رنين ومعناها الجنة الصغيرة بكلمَة جنة, والخلط في الجنس عند التعبير عن ضمير المخاطب في نهاية الأفعال وفي تصريف ضمائر المتكلم المستقلة: ضربت (للمذكر والمؤنث) وتضرب (للمذكر والمؤنث) وأنت (للمذكر والمؤنث) , والاستكثار من استعمال يانا والمقصود أنا, والنطق بالضمة في ضمير الغائب المذكر المفرد بعد حرف ساكن فيقال ضربُه والمقصود "ضَرَبَه" و "ولدُه" أي ابنه. ودوام استعمال أي / إى، آق / - إيك، آه / - إيه وغير ذلك في نهاية الضمائر التي ينتهى بها المثنى الدال على أجراء الجسم. وفي هذه المسائل جميعا الخاصة بالتركيب فإن لهجات ترارة تماثل لهجات بلاد القبائل الشرقية، ولكنها تختلف عنها في نواح أخرى بعينها. وفي ضمير الجمع من الأفعال الناقصة الصحيحة ذات الجذور فإننا نجد في لهجات ترارة الصيغة المضعفة يضرب على حين نجدها في لهجات الجيجليين الريفيين صيغة غير مضغفة هي إضربُ من الفعل ضَرَب, وكذلك في حالة الأسماء ذات الحركة القصيرة والتي تنتهي بالتاء المربوطة فإن لهجات ترارة تقول "رِقبتك"، ولهجات جيجل تقول "رقَبْتك" أَى رَقَبتك من كلمة "رقبة". أما في الفعل الماضي في الأفعال المعتلة فإن لهجات ترارة تتبع التسلسل من حيث الحركة الجذرية سواء كانت قصيرة متغيرة أو طويلة غير متغيرة وبحسب وقوعها في مقطع ينتهى بحرف ساكن أو لا ينتهى بمثل هذا الحرف: باع- إبيع- بعت أي باع، في حين أن أقوام جيجلَ الريفيين يحتفظون بصفة الحركة نفسها ويتبعون التسلسل سواء كانت الحركة شبه ممدودة أو ممدودة: باع - (بيع- بيعت, ويستعمل الترارة للتعبير عن المضارع المستمر الفعل الناقص دون أن يدخلوا عليه أي بادئة فعلية خاصة، أما الجيجليون الريفيون فيستعملون في حرية البادئة كَ / كُ (والراجح أنها مشتقة من الفعل: كان- إكون) فيقولون: ك- يكتب، كُ نكتْب أي هو يكتب وأنا أكتب.
أما من حيث الإعراب والمفردات فإن
стр. 2878
هذه اللهجات تتميز بما يأتي: الاستعمال الواسع النطاق لأداة التنكير واحد أو ح, وحَ سائدة بصفة خاصة في بلاد القبائل الشرقية, اختفاء الصلة التركيبية المباشرة (إلا في الجماعات التي تلح فكرة صلة الملكية إلحاحا شديدًا على المتكلم) وبالتعبير عن هذه الصلة بالأدوات: د، إد، ديال، وإل في كلو بصفة خاصة، استحالة التعبير، في إقليم جيجل، عن الاسم الدال على القرابة إلا إذا كان له كاسعة ضميرية تدل على الشخص الذي يرتبط بمثل هذه القرابة مثل "عَمُّ دد - كدّور" أي عم كدور. وفي كلتا الجمَاعتين بقيت سمات بربرية خاصة ودخلت وتوحدت في قواعد النحو، مثل استعمال الصلة ن الدالة على الخفض بين الترارة مثل: ببواى إن فاطمة أي أبو فاطمة، أو استعمال اسم الإشارة د، الذي يلعب في إقليم جيجل، دور الصلة المنطقية كما في "خوه د- إق- قايد" أي أخوه هو القائد، أو انتقال العدد والجنس من الكلمة البربرية إلى الكلمة العربية التي حلت محلها مثال ذلك في بلاد القبائل الشرقية: رزل، وهي مؤنث يعامل معاملة المذكر (الكلمة البربرية أضَر مذكرة) بمعنى قدم، و"صوف") وهي مذكر قلب مؤنثا (المؤنث في البربرية "تضف" بمعنى صوف، و"م، وهي مفرد يعد جمعا (الجمع في البربرية أمن) بمعنى ماء" ونذكر أخيرا بعض عناصر بقيت من المفردات مثال ذلك كلمات ذات صيغ بربرية بادئتها أ (ولا تدخل عليها أداة التعريف العربية) أو صيغتها ت ... ت، ومعظمها تقترن بالحياة الريفية (المساكن، والحياة المنزلية، والأدوات المنزلية، وحياة الريف، والأدوات الزراعية، والحيوانات والنباتات وغير ذلك).
ولا شك أن هذين النمطين من اللهجات القروية بينهما نقاط خلاف كبيرة، ولكنهما مشتركان بسمات معينة مع لهجة جبالة المراكشية إلى الغرب، ومجموعة وهران أقرب إلى مجموعة مراكش منها إلى مجموعة قسنطينة. ويبدو لسان جبالة وترارة والجيجليين والريفيين في أذن أهل الحضر، بل في أذن البدويين أكثر، كأنما هو لسان
стр. 2879
دخيل، أصواته وإعرابه ومفرداته تبدو غريبة على العربية. على أنه لسان عربي، بل عربي قديم كما يشاهد في بعض الألفاظ المهجورة مثل الإبقاء على الكلمة ذات الحرف الواحد "فَ" أي الفم في إقليم ندرومة، والكاسعة "إيش" عند الجيجليين الريفيين. على أن هذا اللسان يعد في الوقت نفسه لسانا عربيا تتبدى فيه الطريقة العربية في عرض الأفكار ومن خلاله تنبثق في كثير من الأحيان المفردات البربرية الخفية. أجل هو لسان عربي آخر الأمر, يحتفظ بأمارات ازدواج اللغة الذي سبق طغيان العربية على البربرية، وبفضل هذا الاحتفاظ فإنه ما يزال يستعمله أولئك الذين اصطنعه أجدادهم، استعمالا فيه من ركاكة المبتديء في اللغة.
(ب) اللهجات الحضرية: وليست هذه اللهجات مجموعة متجانسة، وتسجيل هذه اللهجات ووصفها أبعد ما يكون عن الكمال وهي تقسم إلى فئتين: اللهجات اليهودية واللهجات الإسلامية.
اللهجات اليهودية: يكاد يكون جميع يهود إفريقية الشمالية سكان مدن في بلاد الجزائر. وإذا استثنينا جماعة البحوصية شبه البدوية في إقليم سوق الأهراس التي تشتت شملها الآن، فإن هؤلاء اليهود يعيشون جميعا في المدن. والجماعات اليهودية التي تقيم بفضل وفرة أهلها وتماسكهم الاجتماعى القوى، مجتمعات متميزة وغريبة في الواقع عن الأغلبية الإسلامية التي تحيط بهاء هي التي لديها دون سواها صورة خاصة من صور العربية، مثال ذلك جماعات اليهود في وهران وتلمسان ومليانة ومدية ومدينة الجزائر وقسنطينة. صحيح أن اللهجات اليهودية تختلف من مدينة إلى أخرى، إلا أنه تربط بينها خصائص مشتركة.
والقاعدة الصوتية أميل إلى التغير في هذه اللهجات، وخاصة حين تتحدث بها النساء: فالحروف التي تنطق من بين الثنايا: ث، ذ، ظ لا توجد وتنقلب تاءً ودالا وضادا. وحرف التاء الشمسى غير المجهور يصبح تس الاحتكاكى في وهران وللمسان، وهو تغير يؤدى إلى
стр. 2880
التباسه بالحرفين الاحتكاكيين ش وس وحرفى الصفير ز (ج)، ز والإسراف في الجهر بحرف الراء، وهو أمر ملحوظ جدًّا في مدينة الجزائر، وعجز عام في ترديد الحروف الساكنة ترديدًا صحيحًا، ومن ثم فإن حرف العين يرد بفتحة اللسان في مدينة الجزائر ويقصد به القاف، وينطق بالكاف، في تلمسان ووهران (كما في يهودية فاس) ء كافا والكاف تش، والكف عن تفخيم حروف العلة وخاصة في مدينة الجزائر, واضمحلال الحركات القصيرة التي تسود فيها حركة الفتحة الممالة؛ والإسراف في إيجاز المقاطع مما يحمل المرء علي الظن بأن اللغة تتألف كلها من حروف صائتة ولا يكون فيها من الحركات إلا ما لا محيص عنه للنطق بالحروف الصائتة وتحديد مجموعات التراكيب، مثال ذلك: يكتبُ أي يكتبون، ضَرَبْتُ أي ضَرَبَتْه، رقَبتْى أي رقَبَتى إلخ. وتركيب الكلمات من حيث المنهج له صيغ تماثل، إن لم تطابق، تلك الصيغ التي وصفناها فيما يختص باللهجات القروية، وخاصة من حيث تقعيد المقاييس وتقوية الصيغ النحوية، وهذا من خصائص العربية.
وتختلف اللهجات التي تستعملها الجماعات اليهودية عن اللهجات الحضرية الإسلامية، ولا في المفردات؛ صحيح أن المفردات معظمها عربي، إلا أنها تشمل عنصرا دخيلا كبيرًا، فهي تستعير من الأسيانية استعارات هامة- ويرجع بعضها إلى العصر الأول (جلبها في القرنين الرابع عشر والخامس عشر الميلاديين اليهود المهاجرون من الأندلس الذين كانوا يتحدثون بالأسبانية) وبعضها من العصر الثاني (يهود بلاد الجزائر، وخاصة يهود مدينة الجزائر وقسنطينة، ذلك أنه كانت لهم صلات مستمرة بيهود لكهورن) وهذا البعض الأخير يتفق تاريخيًا وما كان للأندلس من فضل في ذلك في العصر الثاني؛ والاستعارات من التركية، وهو أمر مشترك بين اللهجات اليهودية واللهجات الإسلامية، وكلمات بربرية قليلة مستعارة، ثم أخيرًا استعارات كثيرة من اليهودية، وخاصة الكلمات
стр. 2881
الداخلة في الحياة العقلية أو الدينية، ويقتضينا الأمر أن ننوه بأن يهود بلاد الجزائر يكتبون عربيتهم اليهودية بخط يهودى خاص يشبه الكتابة اليدوية، ويكتبونها بالحروف العربية. ولكن أخذهم السريع بالأساليب الأوربية الذي حفز إليه تفكك الجماعات وانهيار التقسيم إلى أحياء، يؤدى بهم الآن إلى الاستعاضة بالفرنسية عن اللهجة المأثورة بين الأجيال الأصغر من غيرها وإحلال الحروف اللاتينية محل الخط العبرى العادى.
اللهجات الإسلامية: والأقوام الحضرية المسلمة تمثل من ثم تنوعا بشريا ولغويا كبيرًا. فبعضهم قد احتفظ باستعمال عربية الطبقة الأولى كما نجد ذلك في تلمسان وندرومة وشرشال ودليس وجيجل وكلو. على أننا لا نتبين تلك العربية بتنس ومليانة ومدية وبليدة وبجاية وميلة، وفيلييفيل وقسنطينة إلا بين أهل الجيل القديم، والظاهر أنه قد كتب عليها الاندثار المبكر إن لم تكن قد درست فعلا. وتحمل المدن القديمة في جميع الأرجاء أمارات المؤثرات الخارجية التي تعرضت لها في غضون الأجيال والتي ماتزال تخضع لها حتى الآن. ونعنى بها السكان الريفيين والبدو. فقد امتلأ وفاض سكان بعض المدن بمؤثرات المناطق الريفية التي تحيط بهم، كما هو الشأن بالنسبة لندرومة وجيجل وكلو حيث تجنح اللهجة التي يتحدثون بها في هذه المدن إلى التطابق مع لهجة القرويين المحيطين بها. ونجد في حالات أخرى أن الحضريين قد استعاروا لسان البدو المحيطين بهم في مجموعهم أولسان مجموعات من البدو قد استقرت. مثال ذلك ما نجده في تلمسان وتنس وبليدة ومليانة ومدية وميلة وفيليبفيل وقسنطينة. صحيح أن لغة هذه القواعد القديمة ظلت في مجموعها لغة حضرية، إلا أن ثمة لغات أخرى تسيطو عليها لهجة بدوية سيطرة تكاد تكون كاملة. مثال ذلك ما نجده في وهران ومستغانم والمعسكر، ومزونة وبونة (وكذلك في الشرق الأقصى للمغرب، في طرابلس وبنغازى). أما حال مدينة الجزائر
стр. 2882
وأرباضها، وحال مدينة بجاية، فأعقد من ذلك. فمدينة الجزائر وفحصها بوتقة تنصهر فيها العناصر الحضرية والسكان الريفيون الذين استقروا منذ القدم.
والوافدون الجدد من العناصر الريفية، والبدو الذين قضوا فترة تأقلموا فيها بشلف ومتيجة، ثم جاءوا يتكأكؤون على حياة مدنية تجتذبهم وإن كانت ذات طبيعة عمالية. زد على ذلك أن القبائل تصب مهاجريها هناك في تيار لا ينقطع. والحق إن عنصر القبائل قد استولى بعد على بجاية حتى يجعل من هذه الحاضرة القديمة والمركز الذي ينتمى للقرون الوسطى من مراكز الثقافة العربية مدينة تتحدث بالبربرية.
واللهجات الإسلامية الحضرية لها بصفة عامة، من حيث الصوت، نفس الخصائص التي للهجات القروية واللهجات اليهودية. ولم يحتفظ بالحروف التي تنطق من بين الثنايا إلا القدماء في تنس وشرشال ودليس وقسنطينة. ويسمع في مدية وبليدة ومدينة الجزائر النطق بالحروف الاحتكاكية والحروف المطبقة معا. فيقلب حرف التاء في كل مكان الحرف الاحتكاكى تس. وحرف الصفير الاحتكاكى المجهور يختلف في نطقه: فهو حرف ج أول شمسى بتلمسان وتنس وشرشال، ومدية، وبليدة ومدينة الجزائر ودليس وميلة وقسنطينة، وهو ز في غيرها من البلدان. ويمكن القول بأن الإسراف في تفخيم الراء هو داء يلازم الحضريين بخاصة، وقد سبق أن لاحظنا وجوده في اللهجات اليهودية، وهو شائع في قسنطينة وجيجل وشرشال وللمسان وندرومة (وكذلك في تونس وفاس). وقلب القاف عينا بردة بسيطة لطرف اللسان، قائم في تلمسان. وفي جيجل يستعاض عن ذلك بكاف لهوية، ولكن تبقى القاف في غير ذلك من المدن. ويقيم ابن خلدون الخلاف الأساسي بين لهجات الأقوام المتحضرة ولهجات البدو في المغرب على التباين القائم بين القاف المجهورة التي تنطق غير معطشة نطعية، وما يزال هذا التباين قائما. ولكن تدفق
стр. 2883
العناصر البدوية على المدن استحدث حرف الجيم غير المعطشة, وقد حدث هذا في تنس وشرشال ومدية ومدينة الجزائر نفسها وميلة وقسنطينة (حيث يسمع في بعض الأحيان الحرفان جميعا في الكلمات نفسها تنطلق من فم واحد). أما في غير ذلك من الأماكن فإن وجود حرف الجيم غير المعطشة في كلمة تطبع الكلمة بطابع اللفظ المستعار من لهجات البدو. وفي كل مكان نجد أن حرف الهاء الحلقى هو حرف ساكن ضعيف أقرب إلى أن يصبح صامتا. ومن ثم فإننا نسمع راهم: رام مع تفخيم الراء في الحالين، بمعنى "هاهم أولاء! " وفي ندرومة تنطق "ماعندهاش" "معنداش" أي ليس عندها شيء.
وتشمل صيغ التراكيب عناصر متشابهة وغير متشابهة، ومن العناصر المتشابهة يجب أن نلاحظ تركيب الأفعال الجامدة، مثال ذلك "خْدا" أي يأخذ و"كلا" أي يأكل، والاستعمال العام لجمع الرباعي "صنادق" والمقصود بها صناديق، وصيغة التصغير "مِفِيتح" أي المفتاح الصغير، وتصغير الثلاثى "طفئل" أي الطفل الصغير, والإكثار من اسَتَعمال (إلا في قسنطينة وميلة وفيلييفيل) لنوع عجيب من تصغير الصفة "كبيَبر" أي كبير بعض الشيء من كبير، و "كحيحل" أي حداد من كَحل وهذا النطق سَارَيا من قبل في الأنَدلس، والنطق بالضمة المطبقة أو الضمة المفتوحة الدالة على صلة ضمير الغائب المفرد المذكر بعد الحرف الساكن. أما اللاحقة "أه" فخاصة بأهل شرشال. أما في غيرها فترد"هه" دائما، ولا شك أن صلة ضمير الغائب "أه" مستعارة من الأندلس، وثمة شاهد على غير ذلك من الاستعارات في لهجة شرشال. وأما في ضمير المخاطب وضمير الغائب للجمع في حالة الضمائر المنفصلة فإن لهجة شرشال بينة أيضًا، فهي تستخدم الصيغتان "أنتومان" و "هومان" على حين أن الصيغ التي تستعمل دائما في غيرها هي "إنتم" و"هم" أو "أنتوما" و"هوما". ولا تفرق ندرومة ومستغانم وتنس وبجاية وجيجل بين جنس المخاطب المفرد في الضمائر والأفعال فيقال "إنتَ، للمذكر والمؤنث و"ضرَبْت"
стр. 2884
للمذكر والمؤنث، في حين أن مليانة وشرشال ومدية وبليدة ومدينة الجزائر تفرق بينها فيقال "أنتَ، للمذكر، و"أنت" للمؤنث، و "ضربتَ" للمذكر، و"ضربت" للمؤنث. ويختفى الجنس أيضًا في اللهجات الشوعية، في كلو وميلة وفيلييفيل وقسنطينة، أما صيغة المؤنث "أنتِ، و "ضربتِ، فتمتد حتى تشمل الجنسين. وتقتصر هذه الصيغة في تونس على الضمير المنفصل. والتناول المقطعى لضمائر الجمع من الصيغة الأولى للأفعال الصحيحة يحدث تغيرا مشهودًا في الصيغ: مثال ذلك أن صيغة "يَضرب" أي "يضربون" هي الصيغة المستعملة في تلمسان، وندرومة ومستغانم وتنس ومليانة وشرشال ومدية وبليدة ومدينهْ الجزأئر ودليس وكلو ولكن صيغة "إضرب" (مع التشديد على المقطع الأول) تستعمل في بجاية وجيجل وفيلييفيل، كما تستعمل أحيانا في أرباض مدينة الجزائر، وتستعمل صيغة "يضَرْبُ" مع تفخيم الراء (والتشديد عَلى المقطع الأول) في ميلة وقسنطينة. وإلحاق صلة الضمائر مع وجود حركة في البداية في حالة الأسماء المؤنثة من صيغة "فَعلَ (ت) " يثير المشكلة المعهودة وهي الاقتصاد في المقاطع، وينتهى فيها إلى الحال المعهود بحسب اللهجة. ذلك أن رقُّبتى، و"رْقبتى" و "رَقبْتي" بمعني رقبتى و"ضَربَت+ الضمةَ" مع تفخيم الراء بمعنى "ضَرَبَتْه" تنطق في جميع الأرجاء الحضرية من غربي بلاد الجزائر ووسطها "ضَربات" وينطق بها أحيانا في فحص مدينة الجزائر "ضربت" وفي أرجاء الشرق "ضربت" (كما في مدن بلاد تونس). وفي جميع المدن يسمح في جمع أسماء اللون بمد حركة الضمة، وهو أمر معروف في اللهجات القروية: فيقال مثلًا "حومُو" بتفخيم الراء بمعنى أحمر (بل هي تمد حتى يقال حومرين بتفخيم الراء في ندرومة وجيجل) إلا في دليس حيث تستعمل الصيغة "حموزة، مع تفخيم الراء وفي كلو وميلة وقسنطينة وفيلييفيل حيث تكون الصيغة الوحيدة الشائعة هي حمر، وهي الصيغة التي تستعمل في اللهجات الحضرية والريفية ببلاد تونس- وللدلالة على صلة الملكية لا تستخدم اللهجات
стр. 2885
الحضرية إلا طريقة الاضافة المباشرة إلي حد محدود، وهم يلجئون في الكثير من الأحيان إلى الطريقة التحليلية فتوصل الكلمة الرئيسية بالكلمات التابعة لها بحرف جر له أصل لهجى ونعنى به: "دي" (إدى) ["ديال" وهو مستعمل من للمسان إلى جيجل، ويناظر "مراع" وهو نتاع من تلمسان ألى دليس] الذي يسودصْ قسنطيثة. وتستعمل كلو في كثير من الأحيان الموصول "إللى" أداة صلة مثل "إن- ناس اللى- د- دوار" أي أهل الدوار.
ولكل لهجة حضرية خصائص تنفرد بها، ولكن نقاط الخلاف آخذه في القلة باطراد، وإنما احتفظ بالمشترك بينها كلها، وهذه اللهجات تندمج تدويجًا في ضرب من لهجة عامة للحضر. ويوحى التقدم المستمر للعلاقات بين مركز حضرى ومركز حضرى آخر بالرغبة، عن وعى أو غير وعى، في استبعاد الخصائص اللهجية وإقامة لغة يمكن أن تفهم في كل مكان تتحاشى الالتباسات ولا تحدث دهشة أو تكون هدفا للضحك. ووبما كان هذا الجنوح إلى التوحيد قد دعمه اهتمام خاص بتنقية للغة أيقظها الاستماع إلى الاذاعات اللاسلكية التي تسمع في كثير من البيوت وفي عدد أكثر من الحوانيت وفي كل مقهى وملتقى للناس. وأخذ المجتمع النسائي، الذي كان في جميع الأحوال عنصرًا هاما في مذهب المحافظة في اللغة، يتأثر تأثرًا عميقا بالإذاعة اللاسلكية التي تأتى إلى البيوت بلغة عربية عامة وتؤثر في اصطناع هذه اللغة، وكذلك بالحياة الحضرية التي تيسر دائمًا حرية أكبر وتزود النساء بفرص أكثر وأكثر للاحتكاك بالعالم الخارجى، ويبدو أن الوقت ليس ببعيد جدًّا حتى تبلغ اللهجات الإسلامية الحضرية في بلاد الجزائر مظهر الموحدة التي لا تتميز بسمات خاصة، ولن تستبقى بعد خصائصها الأصلية إلا تلك الخصائص التي تحجرت في الأغانى والحكم وفي قليل من التعبيرات العفوية.
(ب) اللهجات البدوية: واللهجات البدوية ببلاد الجزائر فيما بلغ إليه علمنا عنها (المعرفة بها تقريبية فحسب
стр. 2886
وغير مكتملة) لها مظهر الكتلة المركبة غير المتجانسة. والظواهر اللغوية في منطقة بعينها التي حاول البعض تتبعها هي صورة متشابكة. وتفسير هذه الصورة، إذا كان هذا التفسير يقصد إلى تكوين صورة عامة، يتجاهل تنوع المادة والظواهر التي تغشى عديدًا من المتناقضات.
وفيما يلي العلامات المميزة للهجة البدوية:
(أ) من حيث الصوت: استبقاء الحروف ث، ذ، ظ التي تنطق من بين الثنايا، نطق مطبق لحرف التاء غير المجهور إلا في بعض لهجات الواحات التي ينطق به حرفًا احتكاكيا (كما في بنى عباس في جنوبي وهران، أو طفورت في جنوبي قسنطينة). والجهر بالحرفين اللهويين: الجيم غير المعطشة والقاف، اللذين لا يظهران إلا في الكلمات المستعارة، وخاصة في مفردات القانون والدين، والاحتفاظ أحيانًا بالحركات القصيرة، التي تتعقد في كثير من الأحيان بتغير في صفتها المنسوبة إلى أثر الحروف الساكنة المجاورة لها، أو إلى موقع النبرة أحيانا.
(ب) التراكيب: بعض المحافظة التي تستبقى في الصيغ الفعلية والاسمية آثار اللسان القديم، وتفريق في الجنس في المخاطب المفرد من الأفعال والضمير المستقل: ظْربت أي ضَرَبْتَ للمذكر.
وظربت أي ضربت للمؤنث، وإنتَ للمذكر وإنت (للمؤنت)، واستعمال شائع شيوعا لا بأس به للمثنى يجاوز الاستعمال المحدد لأسماء المقاييس والأسماء الدالة على أجزاء من الجسم التي تكون من اثنين (ج) في الصرف والمفردات: استعمال محدد لأداة التنكير: "واحد- إل"، واستعمال الاسم غير المعرف يكون في بعض الأحيان كافيا للدلالة على التنكير, والتعبير كثيرًا عن صلة الملكية بالطريقة القديمة التي تقوم على الصلة المباشرةًا واستعمال مفردات أكثر تفردًا بالعربية من الأقوام المستقرين.
وهذه الطائفة من الصيغ الخاصة هي الأساس العام للهجات البدوية. ولهذه اللهجات خصائص أخرى، ولكنها لا تمتاز بها جميعا، أو أنها لا تنفرد بها، مثال ذلك استعمال التضعيف: إى، أو،
стр. 2887
أو إدغامه إلى ى أو و , واستعمال صيغة "إيد"- وليس "يَد"- واستعمال حرف الجر "متاع" (نتاع) " الدال على الملكية مع استثناء "إدي" ودي" و"ديال", واستعمال صيغة الجمع "صناديك"- وليس "صنادكك"- بمعنى صناديق، واستعمال صيغة التصغير "مفيتيح" (وليس مفيتح) أي المفتاح الصغير للرباعى، واستعمال صيغة التصغير "طفَيل" و "طفيل" مع نطق الياء مفتوحة و"طفيل" وليس "طِفيل" بمعنى طفل صغير للثلاثى مع حركَة قصيرة، ووجود صيغة الجمع للثلاثى مع حرف ساكن وسط مضغف وحركة قصيرة "شرف، من شارف" أي قديم أو غليظ، وَصيغة الجَمع "مفَعلة" من "مفعول" مثال ذلك "مَغْبَنه" من "مغبون"، والاحتفاظ في أسماء الأعداد من ١١ - ١١ بحرف العين في عَشَر مثل "خمْسطاعاش" أي خمسة عشر) وخاصة في جنوبي وهران، أما اللهجات المستقرة فقد جرت على أن تقو ل "خمْسطاش" .. إلخ).
وإذا أردنا أن نحاول أن نضع تخطيطًا موقوتا لتصنيف طائفة اللهجات البدوية، فحسبنا أن نختار عددا محدودا من تلك السمات اللهجية التي يمكن أن يقال بحق إنها متميزة، وبعض هذه السمات صوتية وبعضها خاص بالتراكيب (ولا نختار سمات خاصة بالمفردات، لأن إحصاءها سوف يخرجنا عما نحن فيه):
(١) النطق بحرف الصفير المجهور: فحرف ز (ج المعطشة) هو نطق اللهجمات البدوية في شرقي بلاد الجزائر. والحد الفاصل بين ج وز يتجاوز إلى الشرق من فيلييفيل وقسنطينة وأولاد رحموم وينثنى جنوب بريكة ويلزم جنوبي الحضنة وينحرف شمالًا حتى يبلغ البيبان جوار منصورة البيبان. وهو أيضًا يطابق الحد الفاصل للسهول العليا والأقاليم الصحراوية في وسط بلاد الجزائر وغربيها: والخط الفاصل بين ج وز يمر إلى الشمال من عين بسَام في اتجاه شاميلين، ويترك مدية وجربال وورشنيس متجها إلى الجنوب، ويعبر عند مرتفع ثنية الأحد سرسو، ويمضى إلى الجنوب من ترزل وإلى الشمال من فرنده وسيده، وينقلب شمالا تجاه
стр. 2888
مرسييه لاكومب، وسانت دنيس السج ومشارف تلمسان، ومن ثم فإن الجيم المعطشة هي نطق أقاليم قسنطينة وسانت أرنو وسطيف وبرج بو عراريج وبريكة ومسيلة والحضنة، والساحل الجزائرى ومتيجة ووادي شلف والظهرة وهضبة مستغانم، وجبال المعسكر وسهل المقطع مكونا طائفة بدوية جانحة إلى الشمال.
(٢) إبدال الحرف اللهوى الاحتكاكى غ حرفا نهويا مطبقًا هو ق. وهذا يميز اللهجات البدوية الصحراوية (فيما عدا بعض لهجات الواحات). ولكنه يمتد أيضًا فيشمل مساحة كبيرة إلى الشمال تجاه السهول الجزائرية العليا: ويبدأ الحد الفاصل بين الغين والقاف جنوبي العين الصفراء ويعبر إلى الشرق من مشارية وينقلب عائدًا تجاه خريدار ويتبع الشط الشرقي ويترك ترزل إلى الغرب، ويعبر سرسو وينتقل إلى ثنية الأحد وبروغية وعين بسام، ثم يعبر الحضنة على ارتفاع مسيلة ويمر بجوار بريكة والقنطرة وبسكرة ويغيب جنوبا تاركًا مراير وجماعة وطقورت إلى الشرق.
(٣) النطق بـ"اه" بعد حرف ساكن في صلة ضمير الغائب المفرد المذكر، وهذا من خصائص لهجات البدو في (١) وهران، والحد الفاصل بين اه والضمة يبدأ عند مستغانم ثم يهبط تجاه أوزيس له دوك، ويترك تيارت وترزل إلى الشرق، ويتبع الشعبة الشرقية للشط الشرقي ويمر في منتصف الطريق تقريبا بين جريفيل وأفلو: ويستعمل أولاد سيدى الشيخ "اه" و، ولكن دوى منية والأقوام المستقرة بصاورة يستعملون الضمة. والأرباض البدوية لتلمسان هي والإقليم الذي يقع تجاه عين تموشانت ووهران تستعمل "اه" (٢) شرقي قسنطينة، وتشمل: إلي الشمال سكان الجبال بإقليم كلو تلك الجبال التي هي امتداد لخرومير وموجود ببلاد تونس (يختصر "اه" في كثير من الأحيان إلى الفتحة)، وهذه الصيغة توجد بين فريق كبير من بدو بلاد تونس وفي أرجاء ليببا، أما بقية بلاد الجزائر شمالا وجنوبا، فتستعمل الضمة المطبقة والضمة المفتوحة.
стр. 2889
(٤) تركيب ضمير الغائب المؤنث من الأفعال الماضية الصحيحة إذا أعقبته صلة مع حركة في الأول مثل "ظَرَبت مع تفخيم الراء + ك" بمعنى ضَرَبَتكَ (١) فأهل شمال شرق قسنطينة ينطقونها "ظَرْباتك" ويمتد النطق بذلك في خط يبدأ شرقي فيلييفيل حتى يبلغ جَمَابس، Jammapes ثم ينحرف غربًا ويمس شاتودان دورومل ويمضى في اتجاه بريكوتفيل ' Perigotville- وهو أيضًا نطق الأقليم القائم إلى الجنوب من هذا الخط، ونعنى به سهول سطيف العالية حتى برج بوعراريج، وكذلك الصحراء الشرقية حتى أرباض بسكرة وطقورت, ويشمل أيضًا تل بلاد الجزائر حيث ينطق بحرف الصفير المجهور كأنما هو حرف ج. ويشمل آخر الأمر شمالي وهران وغربها مساقيلم خطا يمر جنوبي عض موسى وينقلب في اتجاه الجنوب بين تيارت وفرندة، ويساير الشط الشرقي ثم ينحرف مرة أخرى جنوبا تاركا مشرية وعين صفرة إلى الشرق (٢) والنطق "ظَرِبتك" مع تفخيم الراء هو نطق إقليم فرجيوه وأرباض فج مزاله حتى قرقور. (٣) والنطق "ظَربتك" مع تفخيم الراء (والنبرة على المقطع الأول) يمتد جنوبي خط يتصل ببرج بوعزاريج وكولبرت مخترقا جبال الحضة جنوبي غرب قسنطينة والصحراء الوسطى. وهو نطق جميع بدو بلاد الجزائر (بما في ذلك سكان ثنية الأحد) الذين ينطقون حرف الصفير المجهور كأنما هو حرف ز. وهو أيضًا النطق السائد في شرقي وهران وجنوبيها.
(٥) وتركيب المقاطع في أفعال المضارع الصحيحة، في الوزن الأول بصيغة الجمع: "يظرب مع تفخيم الراء + ضمة" بمعنى يضربون، وتركيب الاسم الثلاثى "فَعْلـ - (ت) " بصلة تبدأ بحركة: رَقْبَ - (ت) + كسرة، أي رقَبتى (١) و"يظرَب" رَقْبتِ (مع نبرة على المقطم الأول) نطقَ موجود في أرجاء إقليم قسنطينة ماعدا القنطرة، وفي سهول الجزائر العالية وفي جميع أرجاء الصحراء الشرقية والوسطى والغربية، أما لهجات الجنوب الشرقي فإننا نجد فيها نزعة بينة لمد الحركة التي يقع عليها النبر (٢) "يطربُ، رَقِبتِ "
стр. 2890
مع تشديد الحرف الأوسط والنبرة على المقطع الثاني، وهذا سائد في القنطرة وفي إقليم فيلييفيل؛ وهذه هي الصيغ المستعملة في شمالي بلاد الجزائر حينما نطق بحرف الصفير المجهور ج، بما في ذلك ثنية الأحد؛ وهي مستعملة أيضًاً في أرجاء وهران شماليها وغربيها؛ والحد الفاصل بين يظرب وبين يَظرُب بتفخيم الراء في الثانية يمر بين تيارَت والأوسوخ ويساير الحافة الشمالية للشط الشرقي وينقلب جنوبًا تاركًا مشرية إلى الغرب وعين صفرة إلى الشرق.
٦ - وتصريف الأفعال الجامدة (الماضي والمضارع: أ): مَشَى- يمشى ونَسَى ينسَى: (١) شمالي قسنطينة، من الحد التونسى حتى يهبط سريعًا من بونة نحو عين البيضا، والصحراء الشرقية حتى سيدى عقبة والواد، تستعملان الصيغ مشَى (مِشى) - مشت- مشو- يِمْشى- يِمشو؛ نسَى (نسَى) - نستْ- نسُو- يَنسَى- تنْسِى - ينَسُو (٢) قسنطينة الوسطىَ من الحد الشمالي الذي بينًا أنفا حتى أرباض بسكرة ومدوكل بمحاذاة خط يساير غور الحضنة ويرتفع مرة أخرى تجاه منصورة البيبان حتى بلاد القبائل، وتستعمل صيغًا ثبتت عليها ثباتًا: مشَى- مشات- مشاو يمْشى- يِمْشيِوْ- نْسى- نْسات- نْسَاو- تنْسَى - تنْسَى نْسَاوْ، وهي مماثلة لتَلك الصَيغ التى تستعملها لهجات القوم المستقرين (٣) أما بلاد الجزائر البدوية بجميع أرجائها، من الصحراء إلى البحر، وفي جزء كبير من وهران، يحده من الشرق خط يبدأ من أرباض وهران نفسها ويمر إلى الجنوب من سانت دنيس ده سج، وإلى الشمال من كاشرو، ويترك فرندة إلى الشرق ويمضى جنوبًا مارًا بين أفلو وجريفيل، فإن تصريف الأفعال في صيغة المضارع بالكسرة والفتحة يتميز باستعمال فريد: يِمْشِى- يمْشو من ناحية، ويِنسَى، ويَنَسَى- وَينْساو من ناحية أخرى، وهذا الاستعمَال نجده أيضًا في غربي وهران، من خط يسير شرقي تلمسان، ويمر شرقي هُمْيان، وينحرف غربا شمالي عين صفرة (٤) وهران الوسطى، وتشمل أقاليم عين
стр. 2891
تموشانت، وسيدى بل عباس، والمعسكر، وسيدة، وميشينة، وكريفيل، وعين صفرة وأولاد سيدى شيخ، وهي تستعمل الصيغ: يِمْش، تِنْسِى، يِنْسُو.
ونحن إذ نرسم جدولا بجميع الخصائص المختلفة يبرز لنا، بالرغم من التداخل والمتناقضات التي تطمس الحدود وتفرق المناطق الجغرافية، أربع شعب رئيسية بينة أو ربما خمس شعب:
(١) اللهجات البدوية لشرقى قسنطينة، وإقليم القالة والسوف (شعبة كانتينو cantineau) والنطق هناك: ز، غ، أه، ظَربَاتك بتفخيم الراء، يظَرب بتفخيم الراء، ورقبتِ، مشِت- مشُو- يمشُ، نْستْ- نسو- تنْسى- ينسو. وَالحرف الأخير ياء يميَل إلى أن يصبح كسرة بالإمالة. والحروف المضعفة تفك إلى ى مفتوحة وو.
(٢) واللهجات البدوية في وسط وهران وغربيها (شعبة كـ عند كانتينو) يكون النطق فيها: ز، غ، أه ظَربْتِك بتفخيم الراء، يظربُ، رَفبتِ، تِمشْ، تنسىِ ينْسو؛ والحروف المضغفة إما تبقى على صَحة إى، أو، أو تفك إلى ى، و.
(٣) واللهجات البدوية لبلاد الجزائر الوسطى أو الصحراء (شعبة أعند كانتينو) يكوب النطق فيها: ز، ق، للغين والضمة، ظَربتك، يَظرب بتفخيم الراء، رَقبت، أما الحَروف المضغفة فتستبقى على صَحة أو تفك إلى ى المفتوحة وو.
(٤) اللهجات البدوية للتر، وللساحل الجزائرى الوهرانى (شعبة ب عند كانتينو) والنطق فيها: ح، غ، ضمة مطبقة) ومبسوطة، ظَرباتك بتفخيم الراء، يظرب، رَقنت، اما الحروف المضعفة فتستبقى أحيانًا وتفك أحيانًا إلى ى وو، أما الضمة الأخيرة المطبقة فتنطق ضمة مبسوطة.
وفي هاتين الشعبتين الأخيرتين يكون تصريف الفعل الماضي هو التصريف المعهود: مْشَى، مْشات، مْشاو - يمْشو، نْسَى، نْسات- نْساو- تنْساى - ينساو.
(٥) أما لهجات السهول العالية بقسنطينة التي تشمل شمال الحضنة والحزام الذي يمتد إجمالًا من برج
стр. 2892
بوعرّاريج حتى وادي سيبوس، فهي وسط بين الشعبات ١، ٣، ٤ وبين اللهجات المستقرة (شعبة ج عند كانتينو): والنطق فيها هو: ج، ع، والضمة، وظَربتك بتفخيم الراء، ويظَرب بتفخيم الراء، ورَقبْت، ويفك التضعيف إلى ى وو , ويستردَ التصريف للفعل الماضي استردادًا كاملًا كما في اللهجات الحضرية والقروية. ويمكن أن نعد اللهجات التي نحن بصددها شعبة تكميلية إن لم نعدها شعبة قائمة برأسها: فهي لهجات دولة القلعة الزيرية القديمة التي هي قاعدة للشعوب المستقرة طمرت تحت كتلة البدو.
ولا يمكن أن نزعم أن أي تفسير لهذا التصنيف يعدو أن يكون جهدًا فيه مخاطرة وعملا موضع خلاف. ونحن إذا أدخلنافى اعتبارنا دقة هذه المهمة فإننا يمكن أن نجازف فنقول إن الشعبة (١) تتصل بالشعبة التونسية التي يعدها مارسيه سلَيمية. ولنطلق على هذه الشعبة مجاراة له شعبة س. والراجح أن الشعبة (٢) هي امتداد للشعبة المراكشية الشرقية، التي يعدها كولان.". G.S.Colin مَعْقلية. ولنطلق عليها شعبة م. وتشمل الشعبة (٣) العناصر البدوية الصحراوية الأقحاح، وهي تبدو للوهلة الأولى أفعل الشعب أثرًا في النفس وأكثرها توحدًا وتشمل شعانبة والأربعاء، وأولاد نايل والشراقة العربية. وتمتد المنطقة اللهجية لهؤلاء البدو في مساحة مترامية في الشمال، أقرب إلى الشرق منها إلى الغرب، وتشمل مراعى البدو ومراعى الوديان العالية. والجزء الشمالي من منازلهم يقيم نطاقا كبيرا من الانتقال تشاركها فيه الشعبة (٤) وهي تلتم في وداى شلف، وتمتد حتى أرباض رلزانة ومستغانم في الغرب، وتدخل في متيجة كما تمتد حتى بلاد القبائل في الشرق. ولنسم الشعبة (٣) شعبة هـ ٢، فارضين تمكن العرب الهلالية على نطاق واسع في منازل هذه الشعوب، وامتزاج العنصر العربي (ربما عنصر الأثْبج والزغبه) بالعنصر الزناتى، ولا شك أن نسبة البربر المتعربين أكبر من غيرها في شمالي السهول العالية، وعلى طول تل أطلس. أما الشعبة الخامسة، وهي شعبة متشابكة أشد
стр. 2893
التشابك، فقد دخلت كالإسفين بين الشعب البربرية اللغة لبلاد القبائل وإقليم الشاوية. وربما كان دخولها هذا مطابقًا في الزمن لتمكن الهلالية العرب (رياح؟ ) في منازل عجيسة وكُتامة السابقة. ولنطلق علِى هذه الشعبة شعبة هـ ٣.
ونحن لا نقر بأننا نحدد النزعة. الدقيقة لمناطق الانتقال بين الشعب المختلفة، أو نجزم بالغلبة الممكنة بينهم لنمط معين من لهجة تناظر أخرى. على أننا نذهب إلى أن شعبة هـ ١ نجحت خلال القرون في الانتشار أكثر على حساب الشعبتين هـ ٢ وهـ ٣ نتيجة للغلبة السياسية التي تمتع بها أصحاب تلك الشعبة. وكانت حالة هؤلاء حالة بدو رعاة نزاعين إلى القتال تشربوا روح الغزو، يواجهون قومًا كانوا في الوقت نفسه زراعا صغارًا شبه بدو وشبه مستقرين، وقد كانت الشعبة هـ ٣ في الوقت نفسه قد ذموا بشدة أملاك الأقاليم المستقرة غربي قسنطينة؛ ومن ثم كان وجود صيغ لهجية مستقرة انبثقت من اللهجة البدوية المتراكبة الطبقات شاهدا حيًّا على طائفة من اللهجات حلت محلها غيرها. على أننا نجد في عهد أحدث من ذلك أن التوسع البدوى اللغوي لم يكبح جماحه فحسب نتيجة لاضمحلال الحياة الرعوية ومنطقته الجغرافية المحدودة، أو قل أه اختفى من نواح كثيرة، بل أن العناصر اللهجية المستقرة أخذت الآن أيضًا تكتسب أرضا جديدة، وخاصة في المناطق الشمالية.
صحيح أن أي تنبؤ أمر محفوف بالمكاره، إلا أننا نميل إلى القول بأن التغيرات الاجتماعية التي تبلو أثارها يوميا شعوب بلاد الجزائر المتحدثة بالعربية، يمكن أن تحول ما اصطلح عليه الناس في الكلام إلى سبل جديدة. وفي الأرض التي يعيشون فيها وفي المدن القليلة العدد التي تكتنفها اسوار تظل أبوابها مقفلة في الليل قد بقى آلاف السنين غرباء دخلاء في عالم ريفى رعوى متداخل جامد. ومدن بلاد الجزائر الحديثة- سواء أكانت من تراث الماضي أم منشآت حديثه وبعضها عامر بالسكان وكلها مراكز للنشاط الاقتصادى- تؤثر تأثير السحر على نواحٍ كثيرة من السلطنة السابقة، حتى
стр. 2894
النواحى القاصية التي تعد أسواقًا للعمل وموردًا للمعاش؛ ويمكن أن نضيف إلى ذلك أن هذه المراكز والنواحى بوتقة تنصهر فيها عناصر مختلفة، تخرج لغة عربية جزائرية عامة قادرة على أن تؤدى إلى اندثار اللهجات الإقليمية القديمة.
المصادر:
(١) le dialecte arabe barle: w marcais a Tlemcen باريس سنة ١٩٠٢.
(٢) الكاتب نفسه: le dialecte arabe Ul&d Bra him de Saida، باريس سنة ٩٠٨.
(٣) Contribution a: ph . Marcais l'etude de parler arabe de Bou Sa' da, القاهرة سنة ١٩٤٥.
(٤) الكاتب نفسه: Le parler arabe de Djidjelli باريس سنة ١٩٥٤.
(٥) Le parler arabe des: M. Cohen
d'Alger Juifs باريس سنة ١٩١٢
(٦) Recueil de texes: G. Delphin our ١'etude de ١'arabe parle باريس- الجزائر سنة ١٨٩١.
(٧) Textes arabes du sud: A. Dhin alg&rois، الجزائر سنة ١٩٤٠.
(٨) Enseignement de J. Desparme ١' l, arabe dialectal. الجزائر سنة ١٩١٣.
(٩) Les parlers arabes J. Cantineau Constantine , d, Alger, de du department d'Oran, des territoires du Sud'Alger في. R.Afr . سنة ١٩٣٨، ١٩٣٩ , ١٩٤٠، ١٩٤١.
+ "الجزائر": مدينة على الساحل الشمالي لأفريقية، وهي قصبة بلاد الجزائر، وكانت مقر الحاكم العام ورؤساء الإدارات العسكرية والمدنية المختلفة في هذه المستعمرة الفرنسية، وهي على خط عرض ٣٦ ْ ٤٧ َ شمالا، وخط طول ٠ ْ ٤٤ َ شرقا (بالنسبة لخط طول مدينة باريس) ويبلغ عدد سكانها في إحصاء عام ١٩٠٦: ١٤٤.٦٠٠ مائة وأربعة وأربعين ألف نسمة وستمائة. ولسنا نعلم شيئًا محققًا عن مدينة الجزائر قبل أن يستقر الرومان في هذا الجزء من إفريقية، اللهم إلا أنهم أنشأوا فيه مجلة تعرف باسم الإكوزيوم - ico sium وكل ما نستطيع أن نفترضه
стр. 2895
بالاستناد إلى الاكتشافات الأثرية، والأسطورة التي تروى عن تأسيس الإكوزيوم على يد عشرين من أصحاب هرقل (انظر Solinus، جـ ٣، ص ٣) هو أن محلة تجارية فينيقية أو قرطاجنية كانت قائمة من قبل في هذا المكان من الساحل الإفريقى. يضاف إلى هذا أن المعلومات التي لدينا عن الإكوزيوم قليلة جدًّا، فلسنا نعرف عنها إلا أنها أصبحت محلة لاتينية أيام فسبسيان Vespasian . وأن فرموس Firmus أمير البربر استولى عليها عام ٣٧١ و ٣٧٢ ولكنه ردها إلى الرومان بعدئذ، ثم أصبحت مقر أسقفية يجلس على كرسيها مع غيرها من البلاد الأسقف فيكتور Victor الذي اشترك في المجمع المنعقد في قرطاجنة عام ٤١٤ بأمر من الملك هونريك Huneric الوندالى، ولم يرد اسم الاكوزيوم في كتب التاريخ بعد القرن الخامس. وليس من شك في أن المدينة التي كانت تشغل ما يقرب من مساحة الجزائر في عهد الترك، دمرت في أثناء الفتح العربي في القرن السابع، فهجرها أهلها. وكانت أطلال الأبنية القديمة ماتزال تشاهد في مكانها في القرن الحادي عشر. ويذكر البكرى في كتابه المسالك (ترجمة ده سلان de Slane ص ١٥٦) أنه كان في جزائر بنى مزغنى أطلال قديمة وأزاج عتيقة، وملعب أرضه من الفسيفساء وجدار كنيسة مدير، وقد كشف منذ عام ١٨٣٠ عن مبان أخرى ونقوش. (انظر latin . Corpus inscript جـ ٨ ب، جـ ١٥، والملحق , Altas archeologiue de: Gsell I, Ageriel العدد الأول، اللوحة رقم ٥ والتعليق عليها). وظل موضع الإكوزيوم مهجورًا إلى أواسط القرن العاشر، وإن كانت قبيلة من بربر صنهاجة تنتمى إلى بنى مزغنى قد استقرت قبل ذلك بجوار هذه البلدة في وقت لايعرف على التحقيق. وقد استطاع بُلُكين في أيام أبيه الأمير زيرى بن مناد (٩٤٥ - ٩٧١ م) أن يحصل على إذن ببناء مدينة في هذا الموضوع سميت جزائر بنى مزغنى (١ بن خلدون، ترجمة ده سلان جـ ٢، ص ٦) لوجود جزائر صخرية صغيرة على مسافة من الساحل تقيم أهامها حاجزًا طبيعيًا. وبلغت المدينة في أواخر القرن العاشر درجة لا بأس بها من الازدهار، كما يتضح ذلك من
стр. 2896
وصف ابن حوقل لها، فقد كتب هذا الرحالة يقول: "وجزائر بنى مزغناى مدينة عليها سور على سيف البحر أيضًا، وفيها أسواق كثيرة، ولها عيون على البحر طيبة، وشربهم منها، ولها بادية كبيرة، وجبال فيها من البربر كثرة، وأكثر أموالهم المواشى من البقر والغنم سائمة في الجبال، ولهم من العسل ما يجهز عنهم، والسمن والتين وما يجهز ويجلب إلى القيروان وغيرها. ولها جزيرة في البحر على رمية سهم منها تحاذيها، فإذا نزل بهم عدو لجأوا إليها، فكانوا في منعة وأمن ممن يحذرونه ويخافونه (ابن حوقل، ترجمة ده سلان، المجلة الأسيوية, عدد فبراير ١٨٤٣، ص ١٨٣)، ويشير البكرى في وصفه لإفريقية (كتابه السابق) إلى مدينة الجزائر فيقول أنها "مرسى مأمون يقصد إليه أهل السفن من إفريقية والأندلس وغيرهما".
ويتصل تاريخ الجزائر اتصالا وثيقًا بتاريخ المغرب الأوسط، ذلك أن هذه المدينة خضعت في الفترة الواقعة بين القرنين الحادي عشر والثاني عشر لسلطان الفاتحين والمطالبين بالملك الذين تنازعوا هذه البلاد فيما بينهم. وقد كانت جزءًا من مملكة بنى حماد، ثم استولى عليها المرابطون، ودانت من بعدهم لسلطان الموحدين , عام ١١٥٢ م. ولم حاول بنو غانية أن يعيدوا ملك المرابطين في افريقية استولى علي بن غانية على الجزائر عام (١١٨٥ م) ولكنه لم يحتفظ بها طويلا، فقد ثار الأهلون في وجهه، وقدموا طاعتهم إلى المنصور. ولكن يحيى بن غانية استطاع بالرغم من هذا كله، أن يحلو المدينة عام ٦٢٣ هـ (١٢٢٦ م)، ثم استعادها المأمون الموحدى , عام ٦٢٨ هـ (١٢٣٠ م). وفي عام ٦٣٢ هـ (١٢٣٤ - ١٢٣٥ م) خضعت لسلطان أحد الحكام الحفصيين، وماوافت سنة ٦٦٤ هـ (١٢٥٥ - ١٢٥٦ م) حتى كان أهل الجزائر قد طردوا عامل سلطان تونس، وأنشأوا ضربَا من الحكم الجمهورى. وظلوا مستقلين إلى عام ٦٧٦ (١٢٧٧ م) وفي هذه السنة استطاع عاهل بجاية الحفصى أن يخمد نار الثورة بعد أن فشل في ذلك مرتين من قبل. ولما أسس أبو زكريا الحفصى
стр. 2897
دولة مستقلة في بجاية، اعترف لم هل الجزائر بسلطان هذا الأمير (٦٨٤ هـ - ١٢٨٥ م) ولكنهم مع ذلك لم يخلصوا له الإخلاص كله، فقد اغتصب السلطان رجل يدعى ابن علان سنة (١٣٠٧ م) وطرد عمال سلطان بجاية، وصمد أربع عشرة سنة للحملات التي وجهت إليه، حتى هزمه في نهاية الأمر أبو حَمو الأول صاحب تلمسان. فقد حاصر المدينة واضطرها إلى التسليم، وضمها إلى ملكه سنة ٧١٢ هـ (١٣١٢ - ١٣١٣ م). واستطاع المرينيون- في الفترة ما بين ١٣٤٧ و ١٣٥١ م التي قام فيها أبو الحسن بأعمال جليلة لهذه المدينة، وكذلك في عامي ١٣٦٠. ١٣٩٣ م- أن يستولوا مرارًا على المدينة، وذلك في أثناء حروبهم مع بنى عبد الواد. لم ما أبو حَمو الثاني فقد استعادها مرتين، ولكنه لم يوطد أقدامه فيها. ذلك أن الضرائب التي فرضها رجاله على أهلها وأكرهوهم على دفعها أثارت عليه الأهلين، فاستغاثوا بأبى زيان صاحب بجاية وبعبد العزيز المرينى، وأفاد الثعالبة، وهم قبيلة من عرب متيجة، من الفوضى التي عمت البلاد في أثناء هذا الاضطراب، فاستولوا على المدينة وأخضعوها لسلطانهم فعلا، وكانوا قبل ذلك قد طردوابنى صنهاجة من سهل متيجة ودفعوهم إلى إقليم أطلس، واضطر سالم بن إبراهيم أحد أمرائهم إلى النزول عن مدينة الجزائر، وأقسم يمين الولاء للزيانية ثم للحفصية ثم للمرينيين، وكان يحنث في يمينه كل مرة حتى قتله أبو حَمو الثاني في عام ١٣٧٨ م، وكان قد عفا عنه من قبل أكثر من مرة. وكانت مدينة الجزائر في ذلك الوقت قد لم صبحت قصبة مملكة الزيانية أو كادت، وخاف أبو حمو الثاني من دسائس ولده أبي تاشفين، فرأى أن ينقل ملكه من تلمسان إلى مدينة الجزائر، ولكنه اضطر إلى الانصراف عن هذا الرأى. وتجددت الاضطرابات في المدينة في القرن الخامس عشر. وفي عام ١٤٣٨ م ثار المطالب الزيانى بالعرش، واسمه أبو زيان محمد، في وجه صاحب تلمسان، واستولى على مدينة الجزائر بعد حصار طويل، واتخذها قصبة دولة تضم متيجة والمدية ومليانة وتنس. واتخذ لنفسه
стр. 2898
شعار الملك، ولقب نفسه بالمستعين بالله. ولكن شدته في الحكم أثارت عليه أهل مدينة الجزائر، فقتلوه غيلة في سبتمبر من العام نفسه. وظلت مدينة الجزائر من ذلك الوقت إلى استيلاء الترك عليها أشبه بجمهورية بلدية صغيرة يقوم عليها جماعة من أعيان المدينة، تحت حماية الثعالبة الذين اتخذوا هذه الحماية وسيلة لقضاء مصالحهم الشخصية. ولم تكن مدينة الجزائر البربرية (لخصنا تاريخها فيما سلف) في واقع الأمر إلاسوقا تجارْية متوسطة الحجم، وكان وقوع مينائها بجوار متيجة هو وحده الذي جعل لها شيئًا من الأهمية، ولم يكن يؤمها الملاحون المسلمون وحدهم، بل ظل يرتادها تجار النصارى ايضَا. فكانت أساطيل البندقية وفلورنسة- في القرن الخامس عشر- ترسو في هذا الثغر كل سنة (انظرح ri -: في كتابه "المعاهدات بين المسيحيين والعرب" Traites entre chretiens et Arabes المقدمة التاريخية، ص ٣٣٠، ٣٣٣). ولم يكن سكانها يتميزون بنبوغ عقلى، أو ذوق فنى، وقلما ظهر من بينهم أدباء، وفي ذلك يقول محمد العبدرى (عاش في النصف الثاني من القرن السابع الهجرى الموافق الثالث عشر الميلادي) أنه لما بلغ الجزائر سأل: هل فيها علماء من ذوي الحجة، ولكنه وجد نفسه كالباحث عن فحل حصان عشار أو بيض الأنوق كما يقول المثل. ويجب أن نستثنى من هذا الحكم العام سيدى عبد الرحمن الثعالبى المرابطى، الذي اشتهر بولايته وتفقهه في الدين (٧٨٩ - ٨٧٣ هـ أي ١٣٨٧ - ١٤٦٨ م) وقد أصبح هذا الرجل التقى الورع، فيما بعد، ولى مدينة الجزائر وحاميها؛ ولا يزال الناس يعظمون ذكراه تعظيمًا كبيرًا، وكانت مساجد المدينة جميعًا مبانى قائمة عاطلة من الزينة، وصحونها غير منتظمة، تغطت سقوقها بالآجر الآحمر، ولايزال بعض هذه المساجد قائمًا إلى الآن. ومن هذه مسجد سيدى هدى، ومسجد سيدى رمضان، وأهمها كلها الجامع الكبير، الذي ورد ذكره في نقش يرجع إلى عام ٤٠٩ هـ (١٠١٨ م) وقد أنشأ فيه أبو تاشفين صاحب تلمسان منارة في عام ١٣٢٤.
стр. 2899
وفي أواخر القرن الخامس عشر وأوائل السادس عشر، تعرضت الجزائر وسائر مدن الساحل الإفريقى لكثير من المتاعب على أثر استعادة الأسيان بلاد الأندلس. نعم إن سكانها أخذوا يزدادون بالتجاء كثير من المهاجرين اليهود والمغاربة الفارين من الأندلس اليهاه ولكن المسلمين في ذلك الوقت لم يجدوا بدَا من الوقوف في وجه النصارى. وقد صمم الملوك الكثالكة، أن يخضعوا لسلطانهم جميع بلاد الشاطيء الشمالي لإفريقية، وتنبه سكان الجزائر إلى ما يحدق بهم من خطر داهم على إثر استيلاء يدرو نفارو Pedro Navarro وإكسيمينس ximenes على مدينة وهران (سنة ١٥٠٩) واحتلال بجاية (سنة ١٥١٠)، فلما عجزوا عن مقاومة الجيوش المسيحية، أعلنوا رغبتهم في التسليم، ووعدوا أن يعترفوا بسلطان الملك الكاثوليكى عليهم وأن يؤدوا له جزية سنوية، ويطلقوا سراح الأسرى المسيحيين، وأن يقلعوا عن أعمال القرصنة، ويمنعوا أعداء أسبانيا من الالتجاء إلى مينائهم (٣١ يناير ١٥١٠)، ورحل الشيخ سالم التومى نفسه ومعه جماعة من الأعيان إلى أسبانيا، ليقسموا يمين الطاعة ويقدموا الهدايا للملك فرديناند، ووضع يدرو نفارو Pedro Navarro يده على جزيرة ينيون Penon التي لا تبعد عن مرمى المدفع من الجزائر، لكى يضمن تنفيذ الشرط الخاص بأعمال القرصنة، وليراقب أهالى المدينة، وقد شيد حصنًا على هذه الجزيرة، ووضع فيها حامية من مائتى رجل. ولما ضاقت سبل العيش بأهل الجزائر بعد القضاء على قرصنتهم لم يطيقوا صبرًا على هذه الأحوال، وحاولوا الخلاص من نير الأسبان، وقد أفادوا من الاضطراب الذي عم بلاد البربر بأسرها على إثر وصول نبأ موت الملك فرديناند الكاثوليكى إليها، فطلبوا إلى سالم التومى أن يرسل وفدًا إلى القرصان التركى عووج الذي كان يسيطر على جيجل منذ عام ١٥١٣ م يلتمسون منه العون، فلما جاء إلى مدينة الجزائر استقبله أهلوها استقبال المنقذ لحريتهم. ولكنه عجز عن احتلال جزيرة ينيون Penon وقد تخلص هذا القوصان من سالم التومى بقتله، ونادى به جنده
стр. 2900
سلطانا على الجزائر. ولكن الجزائريين لجأوا إلى الثعالبة والأسيان للتخلص من الترك. وكشف عروج مؤامراتهم، وقبض على زعماء الحركة وقتلهم، وألقى بمن ارتاب في أمرهم وبالمتذمرين من أهل المدينة في غياهب السجن، وأعدمهم. وهكذا قضى على كل مقاومة وبقى عروج سيدَا على مدينة الجزائر. وعبثا حاول الأسيان انتزاع المدينة منه، وفشلت الحملتان اللتان قادهما على المدينة الدون دييكو ده فيرا. Don Dieg de Vera(١٥١٦) والدون يوكوده منكاده Don Ugo de Monkada (١٥١٩). بيد أن الأمر لم يكن ليستتب للترك، طالما كانت جزيرة ينيون Penon باقية في يد النصارى. وتأخر استيلاء الترك على القلعة الأسبانية أمدَا طويلا، لموت عروج، وللصعاب المتوالية التي واجهها أخوه وخلفه خير الدين في أوائل عهده، وما وافت سنة ١٥٢٩ حتى كان قد قضى على خصومه جميعًا، وعادت مدينة الجزائر فاستقبلته من جديد بعد أن كانت القبائل قد أخرجته منها من خمس سنين مضت. وعندئذ صمم على القضاء على الاحتلال الأسيانى بقضه وقضيضه، فهاجم ينيون Penon في أول مايو ١٥٢٩، ولم يتلق الدون مارتين ده فركاس حاكم الجزيرة Don Martin de Vargas من أسبانيا إمدادًا أو مؤئا, ومع ذلك صمد لمدافع الأعداء اثنين وعشرين يوما. وفي ٢٧ مايو هوجمت القلعة، ولم يجد فركاس، الذي كان يدافع عنها، مناصًا من التسليم بعد أن لم يبق معه من رجاله سوى خمسة وعشرين رجلا قادرين على القتال. وأمر خير الدين بضربه حتى مات، وهدمت قلعة ينيون وأخذت بعض أنقاضها لبناء سد يصل بين الجزر الصغيرة القائمة عند مرسى السفن في الميناء، وبهذه الوسيلة، أقيم عند مدخل المرسى ذلك الرصيف الذي لا يزال يسمى إلى الآن باسم "رصيف خير الدين" وأضيفت إليه فيما بعد ربوة قائمة، فحمى الرصيف والربوة الميناء من الرياح الشمالية والشمالية الغربية، وجعلاها مرفأ للسفن في فصل الشتاء، فأصبحت لا تخشى العواصف، ولا غزوات النصارى، ونصبت المدافع في مواجهة البحر، وأقيم سور حول المدينة من ناحية
стр. 2901
الأرض، فأصبحت المدينة بذلك أمنع من عقاب الجو، وقد بدأ خير الدين هذه التحصينات جميعًا وأتمها خلفاؤه البكلربكية فيما بعد، وكان رسوخ أقدام الترك في مدينة الجزائر تهديدًا دائما للدول المسيحية. ولذلك أخذ شارل الخامس على نفسه أن يقوض سلطانهم. وكان قبل ذلك قد استولى على تونس ١٥٣٥ ونصب عليها أميرًا يدين بالطاعة لأسبانيا. ثم أخذ يفكر في تحقيق رغبته باحتلال مدينة الجزائر، وبعد مفاوضات طويلة مع بعض أمراء البلاد- ومع خير الدين نفسه- عبر شارل الخامس إلى إفريقية في سبتمبر سنة ١٥٤١، وكانت الحملة التي قادها الإمبراطور بنفسه، تتألف من عمارة بحرية تحمل ١٢.٠٠ بحّار تحت إمرة أندريا دوريا Andria Doria وجيشًا بريا عدته ٢٤.٠٠٠ جندى. ولم يكن شارل الخامس أسعد حظا من سلفيه فيرا ومونكاده، فقد نزل إلى البر في الثالث والعشرين من أكتوبر عند مصب نهر الحَرّاش، ونجح أول الأمر في توطيد قدميه على أكمة كدية الصابون التي تشرف على المدينة، ولكن القوات المحصورة كرت على جنوده أثناء عاصفة هوجاء هبت على مراكزهم ليلا في الرابع والعشرين من أغسطس، فاضطرب الأمر بينهم، وكادت الضربة تكون القاضية لولا شجاعة فرسان مالطة، الذين ردوا المهاجمين إلى المدينة، فأسرع حسن أغا إلى إقفال أبوابها. وقد استطاع احد الفرسان المالطيين، واسمه سافنياك - Sa vignac أن يغمد خنجره في بابا عزون، وثارت في الليلة نفسها عاصفة دمرت مائة وأربعين من سفن الأسيان وأفقدت الجيش جميع مؤنه، وأصبح الانسحاب أمرًا محتومًا، واستعاد الامبراطور رأس ماتيفو Cape Matifou بعد أن لقى من الصعاب مالم يسمع بمثله من قبل، ومن هناك أبحرت فلول جنده، وعادت هذه الحملة التي أريد بها تدمير مدينة الجزائر بالفائدة على قرصان البربر، فقد غنموا منها مغانم كثيرة جدًّا، وظنوا من ذلد الحين أنهم لا يغلبون، وأخذ الجزائريون بعدئذ يمعنون في أعمال القرصنة كما يشتهون، وظلوا كذلك حتى عام ١٨٣٠، ولكن أعمال السلب والنهب القديمة تغيرت طبيعتها الأولى،
стр. 2902
فقد استحالت من جهاد الكفار إلى حرفه وضيعة لم يعد للجزائريين حرفة سواها، وقد أغنت القرصنة خزائن الحكومة التي كانت تشاطر القرصان غنائمهم، كما أغنت الذين كانوا يشتركون في تجهيز السفن، وأغنت المحظوظين جميعًا، بما أفادوا من سخاء القرصان، وأصحاب السفن. وقد اجتذبت هذه الحرفة المغامرين من جممع البلدان فنزحوا إلى العاصمة، وكان معظمهم من أصل مسيحى "وضعوا العمامة على رؤوسهم" ليشبعوا شهوة السلب والنهب، أو لذة المغامرة. وقد أدت فعال القراصنة، وما وقع على الملاحين النصارى من اعتداء فظيع، وتجاهل المعاهدات المعقودة مع الدول المسيحية، أدى ذلك كله إلى إثارة المسيحيين إلى الأخذ بالثأر، ولكن مدينة الجزائر نفسها ظلت بمنجاة من انتقامهم، ولم توفق المحاولة الجزئية التي قام بها الملاح الأسيانى دون خوان كاسكون don Juan Gascon في عام ١٥٦٧ للنفاذ إلى المدينة، وإطلاق سراح الأسرى، وإحراق سفن القراصنة، وقد ضرب الانكليز المدينة بمدافعهم عدة مرات (أعوام ١٦٢٢, ١٦٥٥، ١٦٧٢ م) ثم ضربها الدنمركيون عام.١٧٧٠ ولكن ذلك لم يجدهم نفعَا، وكانت حرية الملاحة في البحر المتوسط تهم فرنسا بنوع خاص لموقعها الجغرافي، وأهمية تجارتها في شرق البحر المتوسط. فحاولت مرارًا أن تؤدب الجزائريين. فضربت وحدات الأسطول الفرنسى الحاجز البحرى في عام ١٦٦١ - ١٦٦٥ بغير طائل، وقاد دوكوسن Duqusne حملتين بحريتين على مدينة الجزائر عامي ١٦٨٢, ١٦٨٣, وأطلقت إحداهما النار على المدينة في الفترة الواقعة بين ٢٠ أغسطس و ٢٠ سبتمبر من عام ١٦٨٢, فأدى ذلك إلى تدمير خمسين منزلًا، وقدكل خمسمائة من السكان. وفي المرة الثانية (في ١ يونيه ويوليه سنة ١٦٨٣) أصيبت المدينة بأضرار مادية جسيمة، ولكنها أثارت الاضطراب بين الأهلين، فذبحوا الفرنسيين المقيمين بينهم بما فيهم القنصل الأب ليفاشيه Ievacher الذي شد إلى فوهة مدفع، ولكن حملة ثالثة أرسلت عام ١٦٨٨ بقيادة ديستريه d, Estrees كانت
стр. 2903
أعظم من الحملتين السابقتين خطرًا على الجزائريين، فاضطرتهم إلى طلب الصلح. ولكن أموالا طائلة ضاعت، وأرواحًا كثيرة أزهقت نى بذه الحملات، مما جعل تكرارها غير مأمون العواقب، وكانت فرنسا في القرن الثامن عشر كلما بدالها ما تشكو منه من فعال أمراء الجرائر تقصر همها على مظاهرات بحرية صغيرة. أما أسبانيا فقد حاولت بعد أن أعلن الداى محمود عثمان عليها الحرب (سنة ١٧٧٣) أن تضرب مدينة الجزائر وسيرت لذلك أسطولا من عشرين بارجة، وأربع وعشرين مدمرة صغيرة، وجيشا من خمسة وعشرين ألف مقاتل، بقيادة أمير البحر دون بدرو كاستيخو Don Pedro Gastejo، والقائد أوريللى ونزلت القوات الأسبانية إلى البر عند مصب نهر الحراش في الثامن من يولية عام ١٧٧٥، ولكن العدو حاصر الحملة، وكان أكثر من رجالها عددًا، ولم هكن هي نفسها حسنة القيادة فاضطرت إلى الانسحاب في اليوم التالي بعد أن فقدت ٢.٨٠٠ من رجالها، ولم يعوض هذه الخسارة تلك الغارة البحرية الموفقة التي قادها أمير البحر الأسباني الدرن انجلو برسلو Don Angelo Bercelo والتي ضربت مدينة الجرائر بالمدافع في عام ١٧٨٣. ونشطت القرصنة من جديد نتيجة لحروب الثورة الفرنسية والامبرأطورية التي وجهت عناية الدول البحرية وجهة أخرى، ثم بدا بعد عام ١٨١٥ الدول الأوربية قد اعتزمت أن تقضى نهائيا على هذه الحالة التي لم تعد تطيق صبرا عليها، وأرسل اللورد إكسموث Exmouth في ١٥ مايو ١٨١٦ يبلغ الداى قرارات مؤتمر فيينا الخاصة بمنع تجارة الرقيق، فلقى في الجرائر معاملة سيئة قررت على أثرها الحكومة البريطانية يؤيدها الراى العام، أن تغسل هذه إلاهانة، وظهر أمام المدينة أسطول مؤلف من اثنتين وثلاثين سفينة تحت إمرة اللورد إكسموث يعاونه أمير البحر الهولندى كبلين CappeUen، ودخل إلى الميناء تحت حماية الراية البيضاء، وأطلق النار على المدينة فقتل خمسمائة من الترك وحطم مدفعية
стр. 2904
السواحل، وجرح ألفا من السكان. بيد أن الجزائريين هبوا للدفاع عن أنفسهم وأوقعوا بأسطول الحلفاء خسارة بلغت ٨٨٣ رجلا (٢٧ أغسطس سنة ١٨١٦). وحدثت غارة بحرية أخرى بقيادة أمير البحر نيل له في يونية عام ١٨٢٥ م لخلاف حدث بين الداى حسين والحكومة البريطانية، ولكن المدينة لم تصب من جرائها بضرر كبير. واتضح من هذه الحملات المتكررة أن في وسع مدينة الجزائر أن تقاوم كل حملة بحرية خالصة مهما تكن قوتها، فلما قررت الحكومة الفرنسية أن تغسل الإهانة التي لحقت بالقنصل ديفال Deval على يد الداى حسين، بعد أن فشلت في حصارها البحرى ثلاث سنين كاملة، عادت إلى الخطط التي وضعها القائد بوتان هنا Boutin من سلاح المهندسين العسكريين، وكان نايليون قد أرسل هذا الضابط في عام ١٨٠٨ لاختبار الحصون الدفاعية في الجزائر فاقترح أن يكون الهجوم على المدينة من البر، وأن يوجه أولًا إلى حصن الامبراطور، وهو الحصن الذي يشرف على المدينة ويسيطر عليها، وقد أعادت هيئة أركان الحرب الفرنسية النظر في هذه الخطة وأكملتها، ووافقت عليها الحكومة وعملت على تنفيذها، وفي ١٤ يونية عام ١٨٣٠ نزلت الحملة الفرنسية عند سيدى فَروشى على بعد أربعة عشر ميلا غربي مدينة الجزائر، وهزمت في التاسع عشر منه جيش الداى فوق هضبة ستاولى. ثم ظهرت في التاسع والعشرين من هذا الشهر أمام حصن الإمبراطور وأطلقت المدافع الفرنسية نيرانها على هذا الحصن في فجر اليوم الرابع من يولية، وفي الساعة العاشرة من ذلك اليوم نفسه احتلته بعد أن دمرت بعض أجزائه وغادرته حاميته، وفي اليوم التالي، وقع الداى شروط التسليم، التي وضعها القائد العام، ودخل القاثد المدينة على الفور، وكان قيام سيادة الترك وبقاؤها هذا الزمن كله في مدينة الجزائر، قد جعل هذه المدينة من أهم المدن الممتازة في البحر المتوسط، فقد أصبحت هذه السوق البربرية الصغيرة مدينة زاهرة تكتظ بالسكان، وكانت مدينة الجزائر التركية تمتد على المنحدرات الصخرية من القصبة إلى
стр. 2905
شاطن البحر، وقد وصفها هايدو Haedo وصفا مسهبَا، وشبه محيطها بقوس ذي وتر، فالقوس هو الجدران، وشاطيء البحر هو الوتر. وكان محيط المدينة إذا قيس من خارج أسوارها حوالي ١٠.١٧٠ قدمًا، وكانت تحميها الحصون التي بناها خير الدين وأكملها خلفاؤه وجعلتها غاية في المنعة. وكانت هذه الحصون تتألف من سور ومن القصبة ومن عدد معين من الحصون وبطاريات المدافع، وكان ارتفاع السور يتراوح بين ست وثلاثين واثنين وأربعين قدما، يحيط به خندق وتحميه أبراج. وكانت له خمسة أبواب: باب البحر، وباب السفاكين إلى جانب المرفا، وباب عَزون في الجانب الجنوبي من المدينة، وبجواره وقعت حوادث الإعدام، وباب الواد في الجانب الشمالي، حيث أعدم النصارى واليهود ثم الباب الجديد في الناحية الجنوبية الغربية ويخرج منه الطريق المؤدى إلى حصن الامبراطور. أما القصبة قد بنيت في أعلى موضع بالمدينة، وحلت منذ ١٥٥٦ محل القلعة البربرية القديمة التي كانت تشغل موضعًا أقل منها ارتفاعًا. وأصبحت القصبة مقر الدايات من عام ١٨١٦ عندما هجر على خوجة الجنينة مقر أسلافه، لأنها تقوم في المدينة السفلى وتتعرض بذلك لهجمات الإنكشارية المفاجئة، وكانت القصبة تضم ثكنات الجنود ودور الصناعة، وبيت المال ومنازل الأمير الخاصة. وفي خارج المدينة على مكان مرتفع يشرف على القصبة نفسها، يقوم برج الطاوس (ويسمى بالتركية سلطان قلعه، بالإنكليزية قلعة الإمبراطور Emperor's Fort) وقد شيده حسن أغا في الموضع الذي نزل فيه شارل الخامس. وكان يحمى واجهة المدينة من ناحية البحر البرج الجديد وبرج باب الواد، وبرج الانكليز، وبرج باب عزون ومدافع الربوة التي زيد عددها وضمت إليها مدافع جديدة بعد غارة أوريلى في القرن الثامن عشر وغارة اللورد إكسموث في القرن التاسع عشر، لا تقل عن ١٨٠ مدفعًا من ذات العيار الكبير. وتمتد المدينة في الداخل على سفح التل، فترى البيوت المطلية بالجير الأبيض قائمة على "الجبل" كما يسميه الأهلون إلى الآن. وهو أعلى أجزاء التل،
стр. 2906
وهي تستند إلى قوائم من الخشب، ويلتصق بعضها ببعض، وتبرز طبقاتها العليا واحدة فوق الأخرى حتى تلتقى أو تكاد عند القمة، وتلف حول السفوح دروب منحدرة ذات درج، تحجب الأقبية عنها النور، وأغلبها ضيق جدَا لا يسمع لاثنين بالمرور إلا إذا التصقا بظهريهما إلى الجدار. أما الجزء الأسفل من المدينة، وهو الذي يخترقه الشارع الوحيد الجدير بهذا الاسم، والذي يصل بين باب الواد وباب عزون منذ نهاية القرن السادس عشر، فقد كان هو المكان المختار لسكنى رؤساء القراصنة، وكانت مساكنهم الفخمة المتجمعة بالقرب من البحر، يسكنها البحارة الذين يسيطرون عليهم، وكانوا من موضعهم هذا يحمون المرفأ، وكانت الربوه ربوتهم، وبذلك كان هذا الحى بأسره كأنه دار صناعة لهم، وكانوا فيه آمنين من اعتداء الجنود المفاجيء عليهم (Tivque جـ ١٠ ص ١٢٧ وهناك قامت قصور لم شهر الرؤساء في القرن السابع عشر أمثال مامي أرنوط، وسليمان رئيس، ومراد رئيس، وعربجى بيجنين، وفيه أيضًا شيدت المساجد التي أنفق عليها هؤلاء المغامرون جانبَا من أموالهم؛ والحق إن دور العبادة كانت كثيرة في مدينة الجزائر القديمة. فقد كان بها في أواخر القرن السادس عشر مائة مسجد وخلوة وزاوية. وكان بها قبيل الفتح الفرنسى ثلاثة عشر مسجدًا جامعًا، ومائة وتسعة مساجد صغيرة، واثنتان وثلاثون خلوة وخمس زوايا وكان غالب هذه الدور متوسط الحجم، ليست له أهمية فنية كبيرة، وكان أشهر هذه المساجد بعد المسجد الكبير الذي يرجع تاريخه إلى العصر البربرى هو المسجد الجديد (ويسمى الآن جامع بركة السمك Mosquee de La Pecherie). وقد شيد في عام ١٦٦٠ لتعبد فيه الترك من الحنفية، ثم مسجد كجاوة، وهو مزين بزخارف متعددة الألوان، ومسجد سيدة، ومسجد حاجى حسين باشا ومسجد الأندلسيين الذي بناه في عام ١٦٢٣ المهاجرون الأندلسيون, وزاوية الشرفاء التي أقيمت في عهد الداى محمد بكتاش (سنة ١٧٠٩) إلخ. أما المبانى العامة فكانت قليلة العدد، ويكفى
стр. 2907
أن نذكر منها الجنينة، وهي طائفة من القصور والثكنات، والثكنات السبع الكبيرة الخاصة بالإنكشارية، وسجون الرقيق، ولكن كثيرًا جدا من الدور الخاصة كانت تخفى وراء واجهاتها العاطلة عن الزينة زخارف طريفة أو فخمة ذات روعة، لها أفنية تحيط بها أعمدة من الرخام البديع الصنع، وطنف من خشب الأرز، واسوار عليها رسوم حائطية إيطالية أو هولندية، ومن داخلها أثاث صنعت أجزاؤه في أوربا، أو صنعها العمال الوطنيون محاكاة لنماذج أوربية (انظر: G.Marcain L, expositiond , art Musuhm المجلة الإفريقية في العددين الثالث والرابع من عام ١٩٠٥).
وقد طرأ على تعداد السكان في مدينة الجزائر تغير كبير في أثناء القرون الثلاثة التي كانت خاضعة فيها لحكم الترك. وقدر هايدو Heads الذي ظهر كتابه عام ١٦١٢ عدد المنازل والسكان باثنى عشر ألف منزل وستين ألف نسمة، وقدر الأب دان Dan عدد المنازل والسكان في عام ١٦٣٤, عندما بلغت القرصنة ذروتها، بخمسة عشر ألف منزل، ومائة ألف نسمة. ثم بدأ الاضمحلال يدب فيها عندما قلت أعمال القرصنة. وفي عام ١٧٨٩ قدر فنتورده يارادى Venture de Paradis السكان بخمسين ألفا، ثم هبط هذا العدد إلى ثلاثين ألفا عام ١٨٣٠, وكان السكان من أجناس مختلفة، ولكن يمكن ردهم كلهم إلى أجناس ثلاثة: الترك والمغاربهَ واليهود. وكان الترك طبقة من الخاصة شديدة الارتباط بعضها ببعض، وقد وفد أغلبهم من آسية الصغرى، وانضموا إلى صفوف اليلداش. وكانت النظم التي يخضع لها جيش اليلداش هذا تمكنهم من الوصول إلى أعلى المراتب، أي إلى مرتبة الأغا، بل تؤهلهم لأرفع المناصب المدنية، وكان الترك جميعًا، حتى ولو كانوا من صغار الإنكشارية، ينادون باسم الأفندى ويلقبون بالسادة العظماء الفخام، ويكونون طبقة السراة أو الأعيان في مدينة الجزائر، ولم ينزلوا عن كبريائهم حتى بعد أن فقدت الجندية شأنها السياسي, وقد تزوج الكثيرون منهم
стр. 2908
نساء من أهل البلاد، ولكن أبناء هذه الزيجات- ويسمون "قلغلى"- ظلوا بمعزل عن جماعة الأتراك، فلما انقضى القرن السادس كانت هذه الطبقة قد أقصيت عن الوظائف العامة، ولم يفلحوا في رفع هذا الحيف عنهم على الرغم من فتنهم المتكررة، ومنها فتنة عام ١٦٦٣ التي كانت على جانب كبير من الخطورة. ومن أجل ذلك ظل الترك دائمَا أقلية في هذه العاصمة، كما كانوا أقلية في الولاية كلها. وفي وسعنا أن نقدر عددهم بعشرة آلاف أيام خير الدين وبثلاثين ألفا في عهد البكلربكية، واثنين وعشرين ألفا عام ١٦٣٤ وخمسة آلاف عام ١٧٨٩, ونقص عددهم عام ١٨٣٠ إلي أربعة آلاف نسمهْ. وبعد الفتح الفرنسى مباشرة قرر الجنرال ده بورمون General de Bourmont أن يقصى كل إنكشارى أعزب عن البلاد، ويرسل إلى آسية، ثم عمم هذا القرار حتى شمل كل أفراد الفرق العسكرية، ويجدر بنا أن نضيف إلى طائفة الأتراك أولئك الذين أسلموا وكانوا من أصل أوربى، وهم الذين كان يؤخذ منهم مهندسو الأسطول الجزائرى وما يلزمه من الصناع، ومرشدو الموانى وبعض القراصنة المشهورين، وأخذ عددهم في النقصان تبعَا لتعذر أعمال القرصنة، وقلة غنائمها بسبب تجول أساطيل الدول الأوربية في البحار، والمظاهرات البحرية التي كانت تقوم بها أمام الشواطن، فنقص عددهم من عشرين ألفا أيام هايدو إلى مائتين أو ثلاثمائة في نهاية القرن الثامن عشر.
وكان المغاربة أغلبية بين أهل المدينة أو "البلدى"، وكان بعضهم ممن وفدوا من خارج البلاد، وأقاموا في المدينة منذ العهد التركى، كالأندلسيين الذين طردهم المسيحيون من أسبانيا، والمغامرين من الأوربيين والقلغْلى وغيرهم. وقد حرم على هؤلاء الاشتراك في الشئون العامة بأجمعها، وأعفوا من الخدمة العسكبرية، فلم يبدوا آية مقاومة للحكم التركى، وظلوا يشاهدون المآسى الجسام التي كانت تمثل على مسرح الجزائر بلا مبالاة، وقنع سراتهم بنصيبهم من غنائم القرصنة، وباشتراكهم بالمال في تجهيز السفن
стр. 2909
وبالمضاربات في صفقات بيع الغنيمة والرقيق، أما فقراؤهم فلم يكن لهم عمل. وإن كانوا هم أيضًا يتمتعون بنصيب من الرخاء العام. وكان من هذا العنصر. المغربي التجار والصناع، الذين كانت لهم نقابات مختلفة تحت رياسة "نقباء أو أمناء"، وقد استقر أيضًا في مدينة الجزائر جماعة من داخل البلاد، وكان رجال من القبائل يسكنون المدينة تحت رقابة ولاة الأمور الأتراك الشديدة، ومنهم الفعلة والعمال في الصناعات اليدوية الصغيرة. وكان أهل بسكرة حمالين، والمزابية خبازين وكانت كل جماعة من هؤلاء "البرانية" وحدة قائمة بنفسها يشرف عليها أمين مسئول عن حسن تصرفاتها. وكان عدد المغازية، وبينهم القلغلى، يبلغ ثمانية عشر ألفا في عام ١٨٣٠, الزنج ألفين والوطنيين المنحدرين من أصل بربرى ألفا. وكان لليهود شأن في الحياة الجزائرية، أخذت تزداد أهميته على مر الأيام، وقد انضم إلى العدد القليل من الوطنيين اليهود منذ القرن الخامس عشر إخوانهم من يهود أسبانيا، وحدث أول استقرار لهؤلاء اليهود الأسيانيين في مدينة الجزائر ١٣٩١ تحت إمرة الربانيين دوران، وبرفت، Duran Barfat , ولكن الهجرة الكبيرة حدثت في القرن السادس عشر. وقد سمح لهم خير الدين بالإقامة في المدينة ولكنه حدد لهم عدد الحوانيت التي يفتحونها، وفرض عليهم ضريبة الرؤوس. وقد تضاعف عددهم سريعًا على الرغم من كل أنواع الاضطهاد التي لحقتهم من الترك والمغاربة، ومنها إكراههم على اتخاذ زى خاص بهم، بل على الرغم من الغرامات الفادحة التي فرضت عليهم مرارًا وتكرارًا. ويذكر هايدو أن مائة وخمسين أسرة يهودية لا أكثر كانت تسكن الجزائر في نهاية القرن السادس عشر. وقدر الأب دان عددهم في عام ١٦٣٤ بعشرة آلاف يهودى. ثم قدرهم لوجييه ده تاسى في Laugier de Tassy عام ١٧٢٥ بخمسة عشر ألفا، ولا شك في أن هذا التقدير لم يخل من المبالغة، وبدأ يظهر حوالي ذلك الوقت فرق واضح بين اليهود الوطنيين، الذين كانوا بائسين وبين "اليهود الفرنجة" الذين كانوا من أصل إيطالى جاء أكثرهم من مدينة لقورنة Leghorn، وقد
стр. 2910
أفادوا بوصفهم أجانب من نظام الامتيازات، ومن حماية القنصل الفرنسى، ومن ثم كانوا بمنجاة من ضروب الاضطهادات التي تعرض لها أبناء دينهم الوطنيون، فأثروا من تجارتهم مع أوربة، ومن استغلال أنظمة الاحتكار التي اختص بها البكوات أنفسهم، وقد كان لأكثرهم نفوذا في القرن الثامن عشر- كسليمان جاكت (المتوفى عام ١٧٢٥) وآل بكرى وبوزناخ خاصة- شأن خطير، بل كان لهم في بعض الأحيان الشأن الأكبر في الشئرن الجزائرية (بعد أن أصبحوا يتولون أمور الداى المالية ويقومون بالوساطة الرسمية بين الولاية وبين الدول الأوربية). وقد ظل نفتالى يوزناخ خمسَا وعشرين سنة (سنة ١٧٨٠ - ١٨٠٥ يستغل نفوذ في تنصيب البكوات والدايات وخلعهم، والتصرف في موارد الدولة، أو قل بإيجاز إنه كان يدبر السياسة الداخلية والخارجية للإمارة. ويصرفها وفق مصالحه الخاصة. ثم كان لهذا النفوذ العظيبم رد فعله، إذا اغتال أحد الانكشارية نفتالى بوزناخ "ملك الجزائر" عام ١٨٠٥ وأعقبت ذلك فتنة دموية، ذبح فيها أغنى اغنياء اليهود، أو أخرجوا من البلاد، ونهبت حوانيتهم، وصودرت أملاكهم، ولم تفق قط "الأمة" اليهودية من أثر هذه النكبة، ونقص عدد اليهود إلى أربعة آلاف كما يقول روزيه). ولكنهم ظلوا يحتملون نير الترك في عناء معن، ولذلك رحبوا بسقوط حسين ترحيبًا عظيمَا، وانضموا إلى الفاتحين، ولم يظهروا لهم معارضة ما.
وكان الأوربيون في مدينة الجزائر إما عبيدا أو تجارا أحرارا. أما العبيد فهم الذين أسرهم القراصنة مع غنائمهم البحرية، أو أثناء غاراتهم على شواطيء البحر المتوسط، وبخاصة على شواطيء أسبانيا وإيطاليا وقورشقة وسردانية. وكان فويق من هؤلاء العبيد من نصيب البكوات، أما الباقون فكانوا يياعون لمن يدفع فيهم أغلى الأثمان في موضع البدستان. وكان الأسرى يعملون في المنازل، أو يستخدمون في المدينة نفسها، أو في الحدائق خارج الأسوار (حسب مشيئة سادتهم)
следующие страницы →