Полный текст (10 087 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.
стр. 3046
في نطاق هذه المدرسة طائفتين من الكتاب: (١) الطائفة الأولى هي أولئك الكتاب الذين يسوقون مادتهم متبعين الاتجاهات الأربعة، أي الشمال والجنوب والشرق والغرب، ويجنحون إلى القول بأن بغداد هي مركز العالم، والطائفة الثانية هي أولئك الذين يرتبون معلوماتهم تبعًا للأقاليم المختلفة ويغلب في كتابتهم جعل مكة مركز العالم (٢) والى الفئة الثانية من الكتب تنتمى كتابات الإصطخري وابن حوقل والمقدسّى، وقد استعمل للدلالة عليهم المصطلح (المدرسة البلخية) ذلك أنهم يتبعون أبا زيد البلخى وقد قصروا بياناتهم على عالم الإسلام، واضعين كل ولاية على اعتبار أنها إقليم قائم بذاته، وقلما يتناولون البلاد غير الإسلامية إلا أقاليم الثغور (الحدود).
(١) المدرسة العراقية: وتتميز كتب ابن خرداذبه واليعقوبى والمسعودى من كتب غيرهم من جغرافي هذه المدرسة بسمتين خاصتين: الأولى أنهم يتبعون منهج الكشورات الإيرانى، والثانية أنهم يساوون بين العراق وإيرانشهر ويبدأون أوصافهم بها، واضعين العراق بذلك في مركز رئيسى في الجغرافيا العربية الإقليمية والوصفية. ويقول البيرونى إن الكشورات السبع كان يمثلها سبع دوائر متساوية. وكان الكشور الرئيسى هو إيرانشهر الذي كان يشمل خراسان، وفارس، والجبال، والعراق. وقد رأى أن هذه الأقسام تحكمية ولم يكن الغرض الأول منها يقوم على أسباب سياسية أو إدارية. وكان الملوك في الأزمان القديمة يعيشون في إيرانشهر، وكان الأمر يقتضيهم الإقامة في منطقة وسطى حتى يكونوا على مسافة متوسطة من الممالك الأخرى، ولذلك وجدوا أن من اليسير تدبير الأمور. ولم يكن لمثل هذا التقسيم علاقة بالمناهج الطبيعية ولا القوانين الفلكية، وإنما كان هذا التقسيم يعتمد على التغيرات السياسية والاختلافات السلالية (صفة المعمورة، طبعة طوغان، ص ٥, ٦٠ - ٦٢) , فلما أنشئت بغداد قصبة للإمبراطورية العباسية، أصبح من الطبيعي أن يشغل العراق مركزا رئيسيا هامًا من الناحية السياسية في العالم الإسلامي. وقد سوى ابن خرداذبه العراق بإيرانشهر
стр. 3047
وشغلت كورة السواد التي كانت تسمى "دل إيرانشهر" في الأزمنة القديمة المركز الرئيسى في منهجه الجغرافي، وقد بدأ بيانه بوصفها. وكذلك جعل اليعقوبى العراق مركزا للعالم و "صرة الأرض"، ولكنه كان يرى أن بغداد هي مركز العراق، ذلك أنها لم تكن أكبر مدينة في العالم لا يقارن بها في مجدها مدينة أخرى فحسب، بل كانت أيضًا مقر حكم بنى هاشم. وكان جو العراق معتدلا لأنه يشغل مركزا متوسطًا في العالم، وكان سكانه ظرفاء أذكياء على خلق رفيع. ولكن بغداد سلُكت في منهجه الجغرافي مع سامراء، ووصفه يبدأ بهاتين المدينتين. وقد ضرب المؤرخ والجغرافى على هذه النغمة في تفوق العراق، ورأى أن بغداد هي أحسن مدائن العالم (التنبيه والإشراف، ص ٣٤؛ انظر ابن الفقيه، ص ١٩٥ وما بعدها).
ونجد قدامة وابن رسته وابن الفقيه، على خلاف هذين الكاتبين، لا يظهران أي تحمس للعراق أو إيرانشهر. وهما في منهجهما يجعلان الصدارة لمكة والجزيرة العربية. وفي قدامة تفضل مكة بإطلاق، وتوصف جميع الطرق المؤدية إلى مكة قبل أن يتناول بالبيان الطرق الخارجة من بغداد صحيح أن قدامة يولى العراق أهمية، إلا أنه يفعل ذلك من حيث هي الولاية الكبرى لمملكة الإسلام، وبذلك يعدها مهمة، وإنما ترجع هذه الأهمية إلى الناحيتين السياسية والإدارية. ومن ثم فإننا نجد في منهجه الجغرافي نقلا للأهمية من التصور الإيرانى إلى ما نستطيع أن نسميه "المدخل الإسلامي للجغرافيا". ونلاحظ مثل هذا الميل أيضًا في ابن رسته (بداية القرن الرابع الهجرى = العاشر الميلادي) الذي ترك تمامًا السنن الإيرانية وجعل لمكة والمدينة المكان الأول في ترتيبة لمادته الجغرافية. وقد آثر في وصفه للأقاليم السبعة أن يصفها على النمط الإغريقى لا على منهج الكشورات. وكذلك يحتل وصف مكة المكان الأول في كتاببن الفقيه في الجغرافيا، ولكن قسما كبيرًا من هذا الكتاب قد انصرف إلى وصف فارس وخراسان وغيرهما، وقد وصفت الأقاليم وفقًا للمنهج القائم على الكشورات.
стр. 3048
وثمة سمة هامة تتسم بها كتب ابن خرداذبه واليعقوبى وقدامة، وهي أن المادة فيها قد رتبت ووضعت تبعًا للاتجاهات الأربعة، أي الشرق والغرب والشمال والجنوب طبقًا لتقسيم العالم إلي أربعة أرباع. ولا شك في أن مثل هذا المنهج في الوصف نجد أصله ماثلا في بعض الروايات الإايرانية الجغرافية. ولا ريب في أن الجغرافيين العرب كان أمامهم نموذج ما ينقلون منه. ويقول المسعودى إن الفرس والأنباط قسموا المعمور من الأرض إلى أربعة أقسام: خراسان (شرقًا)، وباختْرَ (شمالا)، وخُرْبَرَان (غربًا)، ونيمروذ (جنوبًا؛ انظر التنبيه والإشراف، ص ٣١؛ اليعقوبى، ص ٢٦٨). على أن قدامة يبين أن هذا التقسيم تحكمى. وفي رأيه أن المصطلحات: شرق، وغرب، وشمال، وجنوب ليست لها إلا قيمة نسبية. أما ابن رسته وابن الفقيه فقد كان ترتيبهما يقوم على الأقاليم.
وقد وضع ابن خرداذبه- الذي يمكن أن نسميه أبا الجغرافيا- نمط الجغرافيا وأسلوبها في اللغة العربية، ولكنه لم يكن، كما بين كرامرز، مبدع هذا النمط أو هذا الأسلوب. ولا شك أنه كان بين يديه نمط أو سابقة تمثلت في كتاب متقدم عليه يتناول هذا الموضوع. وثمة احتمال كبير بأنه كان ميسورًا له كتاب فهلوى متقدم في الزمن يتناول إيران القديمة. وكتاب ابن خرداذبه لا يتناول "مملكة الإسلام" فحسب، بل يتناول أيضًا حدودها والممالك والشعوب التي تحف بها. وكان يعرف كتاب بطلميوس حق المعرفة، كما يتبين من وصفه حدود الأجزاء المعمورة من العالم ووصفه للتصور الإغريقى للقارات: أروفا، ولوبيا، وإتيوفيا، وإسقوتيا.
ويزعم أحمد بن أبي يعقوب بن واضح الكاتب اليعقوبى المتوفى سنة ٢٨٤ هـ (٨٩٧ م) أنه ارتحل كثيرًا، وينوه بأنه حصل على معلومات من سكان الأقطار التي زارها، وتثبت منها على يد أناس ممن يوثق بهم (ص ٢٣٢ - ٢٣٣). وكان غرضه من تصنيف كتابه وصف الطرق المؤدية إلى تخوم الإمبراطورية الإسلامية والأراضى
стр. 3049
المجاورة لها. ولهذا السبب تناول في رسالة قائمة بذاتها تاريخ الروم (الإمبراطورية البوزنطية) وجغرافيتهم، وأفرد كتابًا آخر لفتح إفريقية (شمالي إفريقية). ويتناول كتاب اليعقوبى- في معظمه- تخطيط البلدان والرحلات، وكان ترتيبه لمادته مماثلا لما جرى عليه ابن خرداذبه.
وقد أفراد قدامة بن جعفر الكاتب (القرن الرابع الهجرى = العاشر الميلادي) الفصل الحادي عشر من مصنفه "كتاب الخراج وصنعة الكتاب" لوصف محطات البريد والطرق في الإمبراطورية العباسية. وكان الغرض الأكبر من تصنيف هذا الكتاب وصف "مملكة الإسلام" وحدودها، وخاصة حدودها مع الإمبراطورية البوزنطية (الروم) التي كان يعدها ألد عدو للإسلام (ص ٢٥٢). ونلاحظ في جغرافيته أيضًا "النظرة الإسلامية"، ولو أننا نميز فيه أيضًا نظرة سياسية مثل الدفاع عن الحدود. ويشمل كتابه كذلك أوصافًا لشعوب وممالك تكتنف مملكة الإسلام. وهو يتناول الجغرافيا الطبيعية العامة، وقد استعار- فيما يظهر- معلوماته في الجغرافيا الإقليمية والوصفية من المصادر اليونانية.
ويشبه كتاببن رستُه أوائل القرن الرابع الهجرى = العاشر الميلادي) المسمى "الأعلاق النفسية" كتاب قدامة في أنه يصف مكة والمدينة في مستهل الجزء الذي يتناول الجغرافيا الإقليمية. على أن الغرض الأكبر من كتابه كان فيما يبدو هو سوق معلومات عامة عن العالم في عمومه، ومن ثم يجد المرء فيه أوصافًا على أساس إقليمى لعدة بلاد تقع خارج حدود الإسلام علاوة على وصف للبلاد الإسلامية. وقد تناول ابن رسته الجغرافيا الرياضية متبعًا أسلوبًا منهجيًا مستقصيًا وجمع نظريات وآراء مختلفة عن المشاكل المتعددة (ص ٢٣ - ٢٤). وهو يعرض مادة في الجغرافيا العامة والطبيعية ويصنف الأقاليم على النمط الإغريقى. ويمكن أن نصف كتابه، على ضوء المعلومات المختلفة التي جمعها فيه، بأنه "دائرة معارف صغيرة في المعارف التاريخية والجغرافية".
стр. 3050
وكذلك نهج ابن الفقيه الهمذانى منهج ابن رسته، فرتب المادة الجغرافية في كتابه "البلدان" (كتب حوالي سنة ٢٩٠ هـ = ٩٠٣ م) على أساس إقليمى. فقد شغل وصف مكة مكان الصدارة بين الأماكن لأخرى، وجاء الترتيب العام لموضوعات مادته شبيهًا بترتيب الإصطخري وابن حوقل. وأدخل في كتابه رواية التاجر سليمان عن الهند والصين، ولكن السمة الخاصة التي يتسم بها هذا الكتاب، هي أنه يسجل، إلى جانب المعلومات الوثيقة ذات السند، مقطوعات طويلة من الشعر، وروايات مختلفة ومعلومات ذات طابع أسطورى. والكتاب مفيد في تناوله الجغرافيا العامة والرياضية.
أما أبو الحسن علي بن الحسين المسعودى المتوفى سنة ٣٤٥ هـ (٩٥٦ م) المؤرخ المشهور، فقد جمع بين صفات الرحالة الخبير والجغرافى النابه. ومن المؤسف أن وصفه لرحلاته (كتاب القضايا والتجارب) لم يصل إلينا، ولكننا نستطيع أن نخرج بفكرة تقريبية عن رحلاته من كتبه الباقية، وهي "مروج الذهب ومعادن الجوهر" و "التنبيه والأشراف" (الكتاب امعنون "أخبار الزمان"، إلخ طبعة عبد الله الصاوى، القاهرة سنة ١٩٣٨؛ ومخطوط مكتبة مولانا آزاد، الجامعة الإسلامية بعليكره [مجموعة قطب الدين، مخطوط رقم ٣٦/ ١] المعنون "عجائب الدنيا"، وفي خاتمة المخطوط "كتاب العجائب، قد نسبا خطأ للمسعودى وليس لهما آية صلة بالكتاب الكبير "كتاب أخبار الزمان" الذي فقد). وقد عد البيرونى الجغرافيا جزءًا من التاريخ، وهذا يفسر أن كتبه تتناول الجغرافيا مقدمة للتاريخ، وهو قد اعتمد على الكتابات الجغرافية المتقدمة عليه في اللغة العربية كما اعتمد على كتب الرحلات والكتب الخاصة بالبحر المعاصرة له؛ ودعم ذلك بمعلومات جمعها بنفسه أثناء أسفاره أو من أناس لقيهم. ولم يسق المسعودى أي بيان منهجى تخطيطى للإمبراطورية العباسية ولم يعرض لطرق المملكة ولا للمحطات البريدية، بل هو يزودنا بإلمامة بارعة للمعرفة العربية المعاصرة عن الجغرافيا الرياضية والطبيعية. على
стр. 3051
أن المأثرة الكبرى للمسعودى كانت في ميدان الجغرافيا البشرية والعامة. ذلك أنه ارتقى بالعلم الجغرافي بتحدى بعض النظريات والتصورات لجغرافى العرب وجد أنها لا أساس لها في ضوء تجربته الخاصة وملاحظته الخاصة. ولم يترد في أن يعرض على محك النقد نظريات أساطين الإغريق المعمّرة مكل نظريات بطلميوس، وشاهد ذلك نقده لقول هذا الإمام الإغريقى بوجود أرض في نصف الكرة الجنوبي. وقد نوه في ميدان الجغرافيا البشرية والطبيعية بأثر البيئة وغيرها من العوامل الجغرافية على أجسام وسلوك الحيوانات والنباتات والجنس البشرى. وتأثر المسعودى أيضًا بالمأثورات الجغرافية الإيرانية، مثل نظام الكشورات السبعة، جاعلا العراق أوسط الأقاليم وخيرها في العالم وقوله إن بغداد هي خير المدائن وما إلى ذلك.
وثمة جغرافي بارز في ذلك العصر كان أثره في النهوض بالجغرافيا العربية متنوعًا عميقًا مثلما كان أثر ابن خرداذبه، ونعنى به الوزير الساسانى أبا عبد الله محمد بن أحمد الجَيهانى (صدر القرن الرابع الهجرى الموافق القرن العاشر الميلادي). ومما يؤسف له أن مصنفه "المسالك والممالك" (ليس لمخطوط كابل آية صلة بكتاب الجيهانى الكبير؛ انظر A FaLse: V. Minorsky Djayhani في Bulletin of the School of , Oriental and African Studies جـ ١٣، سنة ١٩٤٩ - ١٩٥٠, ص ٨٩ - ٩٦) لم يصل إلينا. على أنه من المحتمل كثيرًا أن يكون الجيهانى قد أفاد من النسخة الأصلية لكتاب ابن خرداذبه "كتاب المسالك". وقد استطاع الجيهانى، بفضل كونه وزيرًا يكتب في بغداد "أن يوسع ميدان بحثه موغلا في آسيه الوسطى والشرق الأقصى أكثر مما أتيح لمعاصريه العرب" (Marvazi: Minorsky etc، ص ٦ - ٧، لندن سنة ١٩٤٢). وقد جمع معلومات مباشرة من مصادر مختلفة، ومن هنا جاءت أهمية كتابه. وقد أفادت طائفة كبيرة من الجغرافيين العرب المتأخرين من كتاب الجيهانى الذي يرى المسعودى فيه أنه هام لأن فيه أخبارًا عجيبة وقصصًا طريفة.
стр. 3052
أما كتاب "حدود العالم" المجهول المؤلف الذي كتب بالفارسية سنة ٣٧٢ هـ (٩٨٢ م) فهو من أقدم الكتب الفارسية في جغرافية العالم وقد أفاد كاتبه من عدة مراجع عربية متقدمة في الموضوع، ولا شك أنه كانت بين يديه نسخة من كتاب الإصطخري. وفي حدود العالم نزعة إلى الكمال وضبط الأرقام، ثم إن صاحبه، فضلا عن ذلك، مستقل عن الجغرافيين الآخرين في تعميماته الجغرافية والاصطلاحية، وأصالته تستبين من تصوره انقسام العالم المعمور إلى "أجزاء من العالم" وإلى "بلاد قائمة بذاتها" (انظر مقدمة Barthold لكتاب "حدود العالم")، ص ٢١ - ٣٣). وقد ظهر الكتاب في ترجمة إنكليزية مع تعليق بارع بقلم مينورسكى (Minorsky, لندن سنة ١٩٣٧)، وهذا التعليق من أكثر ما كتب استقصاءً على أي كتاب فارسى أو عربي، عن الجغرافيا في العصر الحديث.
(٢) المدرسة البلخية: وإلى الفئة الثانية الكبرى من الكتاب في الجغرافيا العامة ينتسب الإصطخري، وابن حوقل، والمقدسى وكذلك أبو زيد أحمد ابن سهل البلخي المتوفى سنة ٣٢٢ هـ (٩٣٤ م) والذي نسبت إليه هذه المدرسة. وقد كتب البلخى كتابه الجغرافي "صور الأقاليم" (وهو أولًا شرح على الخرائط) سنة ٣٠٨ هـ (٩٢٠ م) أو بعد ذلك بقليل، وأنفق البلخى ثماني سنوات أو نحوها في العراق ودرس على الكندى. وكان قد رحل كثيرًا قبل عودته إلى موطنه وذاع صيته بالعلم واللوذعية.
على أن من المرجح أنه اعتنق في المرحلة الثانية من حياته آراء أهل السنة وكتب عدة رسائل أثنت عليها الدوائر السنية أجمل الثناء. صحيح أن نص كتاب البلخى الجغرافي لم ينشر بعد قائما بذاته وأن المخطوطات التي نسبت في يوم من الأيام للبلخى قد ثبت الآن أنها للإصطخرى، إلا أن رأى ده غويه لا يزال قائمًا له وجاهته، وهو أن كتاب الإصطخري يمثل نسخة أخرى موسعة توسعة كبيرة من كتاب البلخى، صنعت بين سنتي ٣١٨ و ٣٢١ هـ (٩٣٠ - ٩٣٣ م) في حياة البلخى.
стр. 3053
وقد صبغ جغرافيو مدرسة البلخى الجغرافية العربية بلون إسلامي أكيد. ولم يكتف هؤلاء بالاقتصار في معظم ما كتبوا على البلاد الإسلامية، بل ركزوا أيضًا على التصورات الجغرافية التي من قبيل ما ورد في القرآن أو تلك التصورات القائمة على الأحاديث أو أقوال الصحابة وغيرهم، مثال ذلك أنهم شبهوا جرم الأرض بطائر كبير. وهذا يطابق ما ورد في حديث روى عن عبد الله بن عمرو بن العاص (ابن الفقيه، ص ٣ - ٤). ثم إنهم يقولون إن جرم الأرض مستدير الشكل يحيط به البحر المحيط إحاطة العقد بالعنق، وينصب منه الخليجان (البحر المتوسط والمحيط الهندى) إلى الداخل دون أن يمتزجا، إذ يقوم بينهما البرزخ عند بحر القلزم، وهو تصور نجده في القرآن. ثم نجدهم أيضًا يخالفون بعض جغرافيى المدرسة العراقية، فيجعلون الجزيرة العربية هي صرة العالم، ذلك أنها تضم مكة والمدينة. وهذه النزعات الجديدة في منهج دراسة الجغرافيا وتناولها أصبحت السمة الغالبة على جغرافيى هذه المدرسة، ولا شك أنها في جميع الاحتمالات ذروة ذلك الصنيع القديم الذي سوّدت فيه طائفة من الجغرافيين مكة على العراق. وكان الغرض الأكبر الذي توخاه هؤلاء الجغرافيون المتأخرون هو أن يصفوا "بلاد الإسلام" دون غيرها مقسمين إياها إلى عشرين إقليما، فيما عدا أنهم تناولوا البلاد غير الإسلامية على الإجمال في مقدماتهم.
وكان الأساس الذي اتخذه لهذا التقسيم إلى "أقاليم" لا يقوم على منهج الكشورات ولا على منهج الأقاليم اليونانية، وإنما كان تقسيمهم إقليميا وطبيعيا صرفا. ويعد هذا منهم تقدما إيجابيا بالنسبة للمناهج السابقة، بل جديدا بوجه من الوجوه. والأمر كما بين ابن حوقل (ص ٢ - ٣) فهولم يتبع نموذج "الأقاليم السبعة" ومن ثم فقد رسم ابن حوقل خريطة قائمة بذاتها لكل قسم مبينًا موضع كل "إقليم" وحدوده وغير ذلك من المعلومات الجغرافية. وثمة مأثرة هامة تحسب لهؤلاء الجغرافيين، وهي أنهم قد قعدوا الجغرافيا ووسعوا نطاقها
стр. 3054
بإدخال موضوعات جديدة حتى يزيدوا في فائدتها وأهميتها، ذلك أنهم رأوا أن دائرة أوسع من الناس كانوا يعنون بها، مثل الملوك وأهل المروءة ووجوه القوم في جميع الطبقات (ابن حوقل، ص ٣). أما في ميدان رسم الخرائط، فإنهم لم يكتفوا برسم الخرائط الإقليمية على أساس من العلم أكثر، بل يمكننا أن نقول أيضًا إنهم قد أدخلوا عنصر المنظور. فقد رسموا خريطة مستديرة للعالم بينوا فيها الأقطار المختلفة لبلاد الإسلام وغير ذلك من الأقطار الإسلامية في العالم. وكان غرضهم بيانها في منظور صحيح وإظهار الموضع والحجم لكلٍّ منسوبا إلى الآخر. ولما كانت هذه الخرائط لا تمثل الحجم الصحيح (مستدير، مربع، مثلث)، فقد رسموا كلا بحجم مكبّر. ورسم هذه الأقطار على أساس طبيعى خالص، كان فيما يرجح أول تجربة من نوعها في رسم الخرائط عند العرب، وخرائط الإصطخري وابن حوقل، في هذا الخصوص، تفوق خرائط الإدريسي، ذلك أن الإدريسي قسم الأقاليم السبعة العرضية إلى عشرة أقاليم طولية لكل، ورسم خريطة قائمة بذاتها لكل قسم، ونشأ عن هذا أن هذه الخرائط الخاصة بالأقسام لم تمثل وحدات جغرافية بل أقساما هندسية وقد مثل الإصطخري وابن حوقل والمقدسى للمرة الأولى فكرة القطر محددًا بمصطلحات جغرافية، بل ذهبوا إلى حد تعيين حدود كل قطر، كما عينوا حدود الممالك الأربع الرئيسية في العالم سواء بسواء.
والظاهر أن أبا إسحاق إبراهيم بن محمد الفارسى الإصطخري (النصف الأول للقرن الرابع الهجرى الموافق العاشر الميلادي) كان صاحب الفضل الأول في نشر أفكار المدرسة البلخية. ولا نعرف عن حياة الإصطخري إلا القليل، على أننا نعلم أنه أكثر من الرحلة وضم تجاريبه في رحلاته إلى كتابه "المسالك والممالك" (ظهرت حديثًا طبعة جديدة لهذا الكتاب، قام بها جابر عبد العال الحينى، القاهرة، سنة ١٩٦١). ولا يخامرنا إلا شك قليل في أن كتاب المسالك والممالك قد اعتمد على كتاب أبي زيد البلخى. وقد أفاد كتاب الإصطخري جغرافيى هذه المدرسة من
стр. 3055
حيث هو مرجع للمعلومات وثيق. وقد ترجم هذا الكتاب إلى الفارسية وأصبح عمادا لكثير من الكتب الفارسية في الجغرافيا.
وأتم أبو القاسم محمد بن حوقل البغدادي كتابه في الجغرافيا المسمى "كتاب صورة الأرض" حوالي سنة ٣٦٦ هـ (٩٧٧ م). وكان ابن حوقل، منذ طفولته مهتما بالجغرافيا، وقد رحل فأبعد الرحلة بين عامي ٣٣١ و ٣٥٧ هـ (٩٤٣ - ٩٦٨ م) وكان منصرفًا إلى الجغرافيا انصرافا حتى إن كتب الجيهانى وابن خرداذبه وقدامة لم تكن تفارقه أبدًا، بل لقد قال في الكتابين الأولين إنهما شغلاه حتى عجز عن أن يصرف همه إلى العلوم النافعة الأخرى أو إلى الأحاديث النبوية. ومع ذلك فإن الذي حفزه إلى كتابة كتابه هو أنه لم يجد كتابًا من الكتب القائمة في هذا الموضوع يحوز الرضا، وهو يزعم أنه أصلح كتاب الإصطخري، وكان قد لقيه. على أن مزاعم ابن حوقل هذه لا يسلم بها من غير مناقشة، ذلك أن التشابه القائم بين كتابى هذين الجغرافيين يوحى بأن ابن حوقل مدين للإصطخرى ويعد ابن حوقل من أئمة الجغرافيين في ذاك العصر، ذلك أنه يظهر في ميدان رسم الخرائط استقلالا وتفردا، فهو لا يتبع الآخرين بلا وعى ولا تبصر. زد على ذلك أنه ضم إلى كتابه معلومات جديدة تعتمد على رحلاته أو على أقوال الناس. وظل كتابه مصدرا للمعلومات وثيقًا دأب الجغرافيون الذين أتوا بعده على الرجوع إليه عدة قرون.
وكان أبو عبد الله محمد بن أحمد المقدسي المتوفى سنة ٣٩٠ هـ (١٠٠٠ م) وصاحب كتاب "أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم" جغرافيا علميًّا مبتكرًا عظيم الابتكار في زمانه. وهو يزعم أنه أقام الجغرافيا العربية على أساس جديد وأضفى عليها معنى جديدًا ومدى أوسع وأفسح فقد ألفى المقدسي أن موضوع الجغرافيا مفيد لعدة طوائف من المجتمع كما هو مفيد لأصحاب المهن المختلفة، فأفسح في مداه وضمنه موضوعات متنوعة تتراوح بين السمات الطبيعية للإقليم
стр. 3056
موضوع البحث والمناجم واللغات وأجناس الشعوب والعادات والتقاليد، والديانات والفرق، والطبائع، والموازين والمقاييس والأقسام الإقليمية والطرق والمسافات. ورأى أن الجغرافيا ليست علما يحصل بالقياس، بل يحصل بالتجربة المباشرة والمعلومات المباشرة، ومن ثم أهتم أكبر الاهتمام بكل ما يلاحظه المرء فعلا مما يتفق مع العقل، واستقى من الكتاب المتقدمين أهم ما عندهم "ولم يسرق منهم". ولذلك يمكن تقسيم كتابه إلى ثلاثة أجزاء تبعًا لطبيعة مصادر معلوماته: ما لاحظه بنفسه؛ ما سمعه من أناس ذوي ثقة؛ ما وجده مدونًا في الكتب عن هذا الموضوع. والمقدسى من الجغرافيين العرب القلائل الذين يناقشون المصطلحات الجغرافية والمدلولات الخاصة لبعض العبارات والكلمات المستعملة، فضلا عن أنه يزودنا بملخص، وفهرس للأقاليم والكور وغير ذلك في مقدمة كتابه لينتفع بذلك أولئك الذين يريدون أن يخرجوا بفكرة سريعة عن محتويات كتابه أو يتخذوه دليلا لرحلاتهم. والمقدسى يخالف الإصطخري وابن حوقل في أنه يقسم "مملكة الإسلام" إلي أربعة عشر إقليما (سبعة عربية وسبعة عجمية) وربما أراد بذلك أن يوفق بين ما يقوله وبين الاعتقاد بأن ثمة سبعة أقاليم شمالي خط الاستواء وسبعة أخرى جنوبيه، وهي فكرة تنسب إلى هرمس الشخصية الأسطورية التي عرفها العرب بأنها لفيلسوف مصرى قديم. وهو يختلف في هذا الصدد مع أبي زيد البلخى والجيهانى اللذين يعدهما مع ذلك "إمامين". وثمة سمة هامة يتسم بها كتابه وهي أنه يجرى مجرى المفسرين فيناقش باستفاضة مسائل تتعلق بالجغرافيا العامة، مثل عدد البحور وغير ذلك حتى يجعل هذا العدد يتفق مع الآيات القرآنية التي تحدثت عنها.
(د) التجارة والاستكشاف: الكتب البحرية وثمة ناحية هامة من نواحى تطور الكتب الجغرافية العربية لذلك العصر، هي صدور كتب بحرية وكتب رحلات أثرت معرفة العرب بالجغرافيا الإقليمية والوصفية. وقد تيسر هذا أولًا
стр. 3057
بفضل التوسع السياسي للمسلمين والقربى التي أحسّ بها كل واحد تجاه الآخر بصرف النظر عن القومية والجنس، وثانيًا بفضل الزيادة العجيبة في نواحى النشاط التجارى للتجار العرب. وقد عملت عوامل عدة في الحفز على الرحلة والارتياد مثال ذلك الحج إلى مكة، وغيرة البعوث على الدين، وإيفاد الوفود، والحملات الرسمية، والتجارة، وأخيرًا -وليس آخرًا- مهنة البَحَّارة.
وقد كان للعرب منذ أقدم الأزمنة شأن الوسطاء في التجارة بين الشرق (الهند والصين وغيرهما) والغرب (مصر، والشام ورومة وغيرها). فلما شيدت بغداد قصبة للإمبراطورية العباسية ونما ثغرا البصرة وسيراف، اتسعت رقعة مشاركة العرب الفعلية والشخصية آنئذ وامتدت إلى الصين في الشرق وسفالة على الساحل الشرقي لإفريقيا. وتعلم العرب فن الملاحة وامتلكوا ناصيته آخذين عن الفرس، وما وافى القرن الثالث الهجرى (التاسع الميلادي) حتى أصبح ملاحو العرب على دراية تامة بالرياح الموسمية والتجارية، ولم تكتف سفنهم بالإبحار مسايرة للسواحل فحسب بل مضت مباشرة من جزيرة العرب إلى الهند. وأصبحوا على معرفة وثيقة بامتدادات البحر المختلفة ما بين الخليج الفارسى وبحر الصين الذي قسموه إلى سبعة أبحر مسمين كل قسم اسما خاصًّا. ثم إنهم أبحروا من عدن إلى شرقي إفريقيا حتى سفالة جنوبًا ومخروا بلا عائق عباب البحر الأحمر والبحر المتوسط والبحر الأسود وبحر الخزر كما أبحروا كذلك في عدد من الأنهار الصالحة للملاحة من بينها نهر النيل ونهر السند. صحيح أن سفنهم كانت صغيرة بالقياس إلى سفن الصينيين كما أن المحيط الهندى كان موبوءًا بالحيتان، إلا أنهم قاموا برحلات طويلة خطيرة في شجاعة وصلابة، وقد استعانوا بخرائط بحرية (رهنامات ودفاتر). ويسجل المسعودى (مروج الذهب، جـ ١، ص ٢٣٣ - ٢٣٤) أسماء عدد من ربابنة السفن الذين عرفهم كما سجل أسماء ملاحين مهرة خاضوا عباب المحيط الهندى. وكذلك سجل المقدسي (ص ١٠
стр. 3058
-١١) اسم ملاح خبير تاجر رجع إليه في مسألة شكل المحيط الهندى. ويتحدث أحمد بن ماجد عن رهنامات قديمة صنفها محمد بن شادان، وسهل بن أبّان، والليث بن كهلان (عاش في الجزء الأخير من القرن الثالث الهجرى الموافق التاسع الميلادي)، ولكنه عدّهم أقل كثيرًا من المستوى (انظر Hourani: Arab Seafaring ص ١٠٧ - ١٠٨). وقد فقدت كل هذه الخرائط البحرية، ولذلك فإننا لا نستطيع أن نقوّم المآثر التي أسداها هؤلاء الملاحون العرب المتقدمون للجغرافيا البحرية.
ونمت الملاحة العربية، فاتسعت أيضًا التجارة العربية. وقد أصبح للعرب شأن كبير تجارًا في الشرق بفضل سلطانهم السياسي القوى في الشرق الأوسط واقتصادهم النامى في الجزيرة العربية، ذلك أن نطاق تجارتهم لم يتسع فحسب، بل أصبح أيضًا كثيفًا، وقد بلغ الأمر بهم أن راحوا يتاجرون بالمقايضة مع القبائل البدائية في جزائر أندمان ونيقوبار وهي قبائل لم يكونوا يفقهون لغاتها. واضمحلت التجارة العربية مع الصين منذ نهاية القرن الثالث الهجرى (التاسع الميلادي) تقريبًا، إذ يقال إن أعدادًا كبيرة من الأجانب قد ذبحوا في الصين اثناء ثورة الفلاحين في عهد هوانغ شئآو (سنة ٨٧٨ م). ومن يومها لم تتعد سفن العرب ثغر كالا، القائم على الشاطئ الغربي لشبه جزيرة الملايو، ولا وجود لهذا الثغر الآن.
وكان السبب الأكبر الذي حفز العرب إلى ارتياد أراض جديدة هو رغبتهم في التجارة، وقلما كانوا يقصدون بذلك الارتياد لذاته. ومع وجود بعض الشواهد المسجلة على مغامرات العرب واستكشافهم فإن كثيرًا من هذه الشواهد تدخل في باب قصص العجائب (مثال ذلك رواية الترجمان سلّام عن رحلته إلى سور يأجوج ومأجوج امتثالا لأوامر الخليفة الواثق [٢٢٧ - ٢٣٢ هـ = ٨٤٢ - ٨٤٧ م]؛ انظر: Minorsky, حدود العالم، ص ٢٢٥). وقصة قيام شاب من قرطبة برحلة مع طائفة من أصدقائه الشبان ماخرين عباب المحيط الأطلسي وعودتهم بعد مدة محملين بالغنائم قد
стр. 3059
يكون فيها شيء من الحقيقة التاريخية (المسعودى، جـ ١، ص ٢٥٨ - ٢٥٩). ولم يكن لعرب ذلك الزمان آية مأثرة جوهرية في سبيل الرقى بالمعرفة التي حصّلوها من اليونان. ومع ذلك فلا شك في أن معلوماتهم بخصوص بعض الأقطار -مثل شمالي إفريقيا وشرقيها، وغربى آسية، وآسية الوسطى وأقطار قليلة أخرى- كانت أوثق من الإغريق وأدق.
ويمكننا أن نردّ إلى عدة عوامل عدم ارتياد العرب للأقطار التي يجهلونها بما في ذلك الأقطار نفسها التي كانت لديهم عنها معرفة نظرية: أولًا أنهم كانوا إذا أرضوا الحافز التجارى لديهم فإنهم لم يكونوا يجاوزون ذلك؛ ثانيًا أن بعض الخواطر والأفكار المسبقة كانت تسيطر دائمًا على تفكيرهم وتصرفهم عن اتخاذ آية خطوة جريئة، مثال ذلك أنهم كانوا يرون المحيط الأطلسي هو بحر الظلمات والعين الحمئة. ولهذا السبب نفسه لم يبحروا موغلين في الجنوب بمحاذاة ساحل إفريقيا الشرقي، ذلك أنهم كانوا يرون أن البحر هناك حافل بالأمواج العالية التي يحدثها المد والجزر كما هو حافل بالاضطراب والهياج، ولو أن البيرونى قد اعتمد على بعض الشواهد التي كشف عنها في القرن الثالث الهجرى (التاسع الميلادي) ونعنى بها ما عثر عليه في البحر المتوسط من الواح سفن المحيط الهندى، فتصور أن المحيط الهندى متصل بالمحيط الأطلسي بمضايق جنوبي منابع النيل (البيرونى: صفة المعمورة، ص ٣ - ٤)؛ ثالثًا وأخيرًا أنهم خشوا أن يصادفوا قبائل أصلية ومتوحشة بجزائر الهند الشرقية فحال ذلك بينهم وبين التوغل في الإبحار شرقًا.
ومن أخبار رحلات ذلك العهد التي انتهت إلينا، خبر عن أقدمها. وقد نسبت هذه الرحلة إلى سليمان التاجر الذي قام بعدة رحلات إلى الهند والصين وكتب خواطره عن البلاد والشعوب التي زارها في "أخبار الصين والهند، (سنة ٢٣٥ = ٨٥٠ م). وهذا الكتاب شاهد على عناية شديدة علمية كان يتصف بها التجار العرب في تزويدهم قراءهم من الشعوب العربية لذلك العهد
стр. 3060
بمعلومات فريدة هامة عن بلاد الشرق القاصية. وقد نشرت هذه الأخبار التي جاء بها سليمان أول ما نشرت سنة ٣٠٢ هـ (٩١٦ م) على يد أبي زيد الحسن السيرافى هي وأخبار أخرى جمعها وحققها في كتاب اسمه "سلسلة التواريخ". والظاهر أن أبا زيد كان شخصًا ميسور الحال، ولم يكن هو نفسه قد مارس الرحلات، إلا أنه كان شغوفًا كل الشغف بجمع المعلومات من الرحالة والتجار وتسجيلها وقد لقى هذا الرجل المسعودى مرتين على الأقل، وتبادل معه الكثير من المعلومات وكان المسعودى، الذي يعد من أعلى أهل زمانه همة في ارتياد الآفاق، قد رحل فأبعد الرحلة، وأبحر في عدة بحار بما في ذلك بحر الخزر والبحر المتوسط. ولا جرم أن يكون قد ناقش مع أبي زيد ما كشف قرب إقريطش من ألواح سفينة تنتمى إلى بحر العرب. وكان ذلك ظاهرة فريدة، ذلك أنه كان من المظنون أن بحر العرب لا يتصل بالبحر المتوسط. وقد انتهى المسعودى إلى القول بأن الاحتمال الوحيد لذلك هو أن هذه الألواح ريما تكون قد مضت عائمة إلى الشرق ودخلت في البحر الشرقي (المحيط الهادي) ثم اتجهت شمالا ثم دخلت أخيرًا البحر المتوسط (مروج الذهب، جـ ١، ص ٣٦٥ - ٣٦٦) مارة بالخليج (وهو خليج متوهم يهبط ماؤه من شمالي المحيط الأطلسي [البحر المحيط] حتى يلج البحر الأسود). وإجماعهما هما الاثنان على ذكر هذا الكشف الفريد شاهد على عنايتهما بالمشاكل الجغرافية، وهو يدل أيضًا على أن الاهتمام بالجغرافيا كان حيا نشطا في ذلك العهد، ولم يركد كما حدث في العهد المتأخر.
ومن الكتاب ذوي الشأن لذلك العهد: بُرْزُك بن شهريار ربان رامْهُرْمُز (سنة ٢٩٩ - ٣٩٩ هـ = ٩١٢ - ١٠٠٩ م) الذي صنف كتابًا في الحكايات البحرية عنوانه "كتاب عجائب الهند" حوالي سنة ٣٤٢ هـ (٩٥٣ م) ويروى الكتاب عددًا من الحكايات الظريفة غاية الظرف العجيبة كل العجب عن مغامرات البحارة في جزائر الهند الشرقية وغيرها من أجزاء المحيط الهندى. وهذه الحكايات قد صنفت فيما يظهر للقارئ
стр. 3061
العام، ومع أنها -في معظمها- من تهاويل الخيال، إلا أنه لا يمكن إهمالها جميعها بحجة عدم صحتها وإسقاطها في آية دراسة جادة للجغرافيا العربية والارتياد عند العرب. والظاهر أن الحاجة كانت ماسة في ذلك العهد إلى القصص العجيبة المسلية، يشهد بذلك وجود عدة مخطوطات بالعربية لكتب العجائب.
وقد كان ذلك العهد يتميز عامة بروح البحث والتمحيص والارتياد عند العرب. على أن الكتب البحرية، التي فقد معظمها فيما يظهر، وقفت مواجهة للمعرفة النظرية المستقاة من الإغريق وغير ذلك من المصادر. ومن ثم حدث في بعض الأحيان تناقض بين النظر والعمل، وكان هذا هو المشكلة الجوهرية التي واجهها الجغرافيون والرحالة العرب، كما كان هذا الصراع بين النظر والعمل هو الذي حدد آخر الأمر تطور الجغرافيا العربية في العهد المتأخر. ذلك أنه حين كان أهل العمل يسلمون لأهل النظر يتأكد تدهور الجغرافيا العربية. وإنا لنتسائل: لم لم يوثق بكمة الملاح والرحالة والتاجر الثقة الجديرة بها؟ وتفسير هذه المسألة عسير؛ بيد أننا نقول إن عددًا كبيرًا من الكتب البحرية لا مناص من أن يكون قد فقد نتيجة للإهمال أو العداء.
(هـ) البيروني ومعاصروه:
يمكن أن نعد القرن الخامس الهجرى (الحادي عشرالميلادى) ذروة التقدم الذي بلغته الجغرافيا العربية، ذلك أنه ما وافى هذا العهد حتى كانت المعرفة الجغرافية عند العرب، سواء كانت مستقاة من الأغريق وغيرهم، أوكانت قد نمت بمعرفة العرب بفضل أبحاثهم وملاحظاتهم أو رحلاتهم، قد بلغت مستوى رفيعًا جدًّا من التقدم، زد على ذلك أن الكتب الجغرافية كانت قد غدت لها مكانة خاصة بين المكتبة العربية، كما كانت الأساليب والمناهج المختلفة في عرض المادة الجغرافية قد تقدمت وانضبطت. وأهمية ما أسداه البيرونى إلى الجغرافيا عند العرب أهمية مزدوجة: فهو أولًا قد ساق ملخصًا نقديا لجميع المعرفة الجغرافية حتى زمنه، ولماكان متضلعًا فيما حققه
стр. 3062
اليونان والهنود والإيرانيون في ميدان الجغرافيا تضلعه في فضل العرب على هذا العلم فإنه قد قام ببحث مقارن في هذا الموضوع، وبيَّن أن اليونان كانوا أكمل في ذلك من الهنود، ومن ثم تضمن قوله وجوب الأخذ بمناهج اليونان وأساليبهم الفنية، ولكنه لم يكن جامدًا، فقد قال ببعض الآراء الهامة التي لم تكن تطابق أراء اليونان، الأمر الثاني هو أن البيرونى الفلكى لم يكتف بحساب الأمكنة الجغرافية لعدة مدن، بل حسب أيضًا طول درجة العرض، وبذلك أنجز احدى العمليات المساحية الثلاث في تاريخ الفلك العربي. وقد حقق بعض وجوه التقدم النظرى بصفة عامة في الجغرافيا الطبيعية والبشرية. واتخذ مما ذكرناه انفًا من الكشف في البحر المتوسط عن ألواح سفينة عربية قبل زمنه بمائة سنة، أساسًا لاحتمال نظرى بوجود قنوات تصل المحيط الهندى بالمحيط الأطلسي أسفل جبال القمر ومنابع النيل، بيد أن هذه القنوات كان من العسير عبورها بسبب ارتفاع المد والجزر والرياح الشديدة. ومضى في حجته يقول أن المحيط الهندى فعل ما فعله تجاه الشرق فتوغل في القارة الشمالية (آسيا) وأنه شق سبلا كذلك ليوازن بينها، فاوغلت القارة في المحيط الهندى تجاه الغرب. ويتصل البحر هناك بالمحيط الأطلسي عن طريق قنواتء ومن ثم فإنه قد قرر- من حيث النظر- إمكان الدوران حول ساحل إفريقيا الجنوبي، ومع ذلك فإن هذه الفكرة- من حيث العمل- لم تتحقق على يد المسلمين، فقد بقيت حتى وصول البرتغاليين، وهنالك ألمع النهروانى إلى أن البرتغاليين ربما يكونون قد اتخذوا هذا الطريق. وقد تصور البيرونى أن جرم الأرض محاط بالماء، وأن مركز ثقل الأرض انتقل فأحدث التغيرات الطبيعية على سطحها، مثال ذلك استحالة الأراضي الخصبة قاحلة واليابسة ماءً وبالعكس. وقد وصف بأجلى بيان تصورات مختلفة حدود الأجزاء المعمورة من الأرض في زمنه، والظاهر أنه رجع في ذلك إلى
стр. 3063
بعض المصادر المعاصرة التي لم تكن متيسرة للجغرافيين المتقدمين. وكذلك كان للبيرونى مأثرة أصيلة أسداها للجغرافيا الإقليمية بوصف الهند وصفًا مفصلا.
ومن فلكيى القرن الخامس الهجرى (الحادي عشر الميلادي) الجديرين بالذكر: ابن يونس أبو الحسن علي بن عبد الرحمن المتوفى سنة ٣٩١ هـ (١٠٠٩ م) وبينما كان البيرونى يعمل في الهند وغيرها من البقاع، كان ابن يونس يقوم بأرصاد قيمة في المرصد القائم على جبل المقطم في رعاية الخليفتين الفاطميين العزيز والحاكم وسجل ثمار أرصاده في "الزيج الكبير الحاكمى"، وقد أصبح هذا الكتاب مصدرًا هامًا للمعرفة الفلكية والجغرافية- حتى زمنه- يرجع إليه علماء المشرق الإسلامى.
ومن الجغرافيين والرحالة المعاصرين للبيرونى نذكر الشاعر الرحالة الإسماعيلي ناصر خسرو المتوفى سنة ٤٥٢ هـ (١٠٦٠ م) أو سنة ٤٥٣ هـ (١٠٦١ م)، الذي تشمل أخبار رحلته المعروفة باسم "سفرنامه" والمكتوبة بالفارسية تجارب الكاتب الشخصية وأوصاف مكة ومصر.
وكان أبو عبيد عبد الله بن عبد العزيز البكرى المتوفى سنة ٤٨٧ هـ (١٠٩٤ م) خير ممثل لفقه اللغة في ذلك الزمن من حيث أسماء الأماكن ومعجمه الجغرافي "معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع " كتاب بارع يجمع بين الأدب والجغرافيا. وهو يتناول ضبط أسماء الأماكن في شبه الجزيرة العربية في المقام الأول، مستشهدًا بشواهد أدبية من الأدب العربي والشعر العربي القديم، والحديث وروايات الأقدمين إلى غير ذلك. أما بحثه الجغرافي الثاني "كتاب المسالك والممالك " فلم ينته إلينا كاملًا. على أن البكرى يعد أديبًا أكثر منه جغرافيا.
(٥) عصر توحيد المعرفة الجغرافية (القرن ٦ هـ = ١٢ م-١٠ هـ ١٦ م)
أخذت تظهر على الجغرافيا العربية باستمرار أمارات الاضمحلال منذ القرن السادس الهجرى (الثاني عشر
стр. 3064
الميلادي) حتى القرن العاشر الهجرى (السادس عشر الميلادي). وقد برزت وسط هذا الاضمحلال بعض الاستثناءات، مثل كتب الادريسى وأبي الفداء، أما البقية الباقية فقد انخفض مستواها العام إذا قيست بكتب الحقبة التي سبقت ذلك. وحل محل النظرة العلمية والنقدية للموضوع والاهتمام بوثاقة المعلومات- اللذين كانا سمة الكتاب المتقدمين- الملخصات والموجزات للمعرفة المأثورة والنظرية التي نجدها في كتب هؤلاء الكتاب. فقد كان هذا العصر، بوجه من الوجوه، عصر توحد المعرفة الجغرافية، ويمكن تقسيم كتبه الجغرافية إلى ثماني فئات عامة:
(أ) أخبار جغرافية عالمية.
(ب) كتب في خلق الكون.
(ج) كتب الزيارات.
(د) المعاجم أو المعاجم الجغرافية.
(هـ) كتب الرحلات.
(و) كتب بحرية.
(ز) كتب فلكية.
(ح) كتب في الجغرافيا الاقليمية.
(أ) أخبار جغرافية عالمية
مضى بعض جغرافي هذا العصر يتبعون سنة وصف العالم في عمومه على نهج جغرافيى العصر القديم، على أن الكتب التي تتناول عالم الإسلام دون سواه أصبحت نادرة، ذلك أن الإمبراطورية العباسية نفسها كانت قد تفككت أوصالها؛ وكان النموذج الذي اتبعه كتاب هذا العصر في الوصف والترتيب مخلتفًا أيضًا عما اتبعه أصحاب الكتب المتقدمة. ذلك أننا نجد في كتبهم نزعة إلى التقريب بين الجغرافيا الفلكية والجغرافيا الوصفية، وكان الأثر الإغريقى لا يزال بارزًا في بعض الكتب، على حين أن الأثر الفارسى قد تضاءل نسبيًا، والراجح أن سبب ذلك صدور كتب جغرافية بالفارسية أيضًا. على أن النشاط الجغرافي كان قد اتسع، وأصبحت أماكن مثل الشام وصقلية والأندلس مراكز هامة للمعرفة الجغرافية، وقد صدرت فيها كتب لها أهمية كبيرة جدًّا.
ونذكر من الكتب الهامة التي صدرت في هذا العصر في الجغرافيا والفلك
стр. 3065
العالميين: "منتهى الإدراك في تقسيم الآفاق" لمحمد بن أحمد الخَرْقى المتوفى سنة ٥٣٣ هـ (١١٣٨ - ١١٣٩ م)؛ و "كتاب الجغرافيا" لمحمد أبي بكر الزُهْرى الغرناطى الذي عاش حوالي سنة ٥٣١ هـ (١١٣٧ م) و (نزهة المشتاق في اختراق الآفاق" للشريف الادريسى المتوفى سنة ٥٦٠ هـ (١١٦٦ م)؛ و (كتاب الجغرافيا في الأقاليم السبعة" لابن سعيد المتوفى سنة ٦٧٢ هـ (١٢٧٤ م)؛ و"تقويم البلدان " لأبي الفداء المتوفى سنة ٧٣١ هـ (١٣٣١ م)
وقد اعتمد كتاب الزهري على منهج الاغريق في التقسيم إلى "أقاليم"، وهو يمثل نزعة التقريب بين الجغرافيا الفلكية والجغرافيا الوصفية. وكتاب الادريسى الذي ينم أيضًا عن هذه النزعة؛ شاهد جيد على تعاون العرب والنورمان في الجهود الجغرافية. وقد صدر هذا الكتاب في باليرمو في رعاية ملك النورمان روجر الثاني. وقد كان الادريسى أميرًا ينتسب إلى بنى حَمُّود، ولكنه لم يكن رحالة مشهورًا أو جغرافيا خبيرًا قبل التحاقه ببلاط روجر، والظاهر أن روجر هدف من وراء دعوته إلى بلاطه إلى أن ينتفع بشخصيته لتحقيق أهدافه السياسية. ولا يخامرنا إلا شك قليل في أن روجر كان معنيًا بالجغرافيا، وقد كان قادرًا على جمع فريق من الفلكيين والجغرافيين في بلاطه. وقد تحققت لأول مرة في تاريخ رسم الخرائط عند العرب، بفضل جهود هؤلاء، سبعون خريطة إقليمية تقوم على منهج بطلميوس في التقسيم إلى أقاليم، كما رسمت خريطة كبيرة من الفضة للعالم. وقد صنف مجموع المعلومات الجغرافية المحصلة من الاغريق المعاصرين والمتقدمين أو من المصادر العربية تبعًا للأقسام الفرعية بحيث كان كل منها وصفا لواحدة من هذه الخرائط. وكان هذا الكتاب مأثرة هامة أسديت إلى الجغرافيا الطبيعية والوصفية. وقد اعتمد كتاب ابن سعيد على منهج التقسيم إلى أقاليم، وهو أيضًا يورد عروض وأطوال كثير من الأماكن تيسر جمعها في خريطة، وما وافى ذلك العصر حتى كانت الشام قد أصبحت
стр. 3066
مركزًا للجهود الجغرافية. ذلك أن أبا الفداء، الأمير الشامى والمؤرخ والجغرافى، أتم موجزه الهام في جغرافية العالم سنة ٧٢١ هـ (١٣٢١ م) وهذا الكتاب يحدد عروض وأطوال الأماكن ويتناول مادته على أساس إقليمى. وقد رتب ترتيبًا منهجيًا، ويشمل الجغرافيا الوصفية والفلكية والبشرية. والظاهر أن هذا الكاتب قد انتفع ببعض المصادر المعاصرة له، ذلك أننا نجد فيه بعض المعلومات الجديدة التي لم تتيسر للكتب الأقدام من كتابه.
(ب) كتب في خلق الكون:
صدرت في هذا العصر عدة كتب لا تتناول الجغرافيا فحسب، بل تتناول أيضًا خلق الكون وأصله وعلم الفلك وغير ذلك من العلوم التي من هذا القبيل. وكان الغرض الأكبر الذي تتوخاه هذه الكتب هو- فيما يظهر- عرض المعرفة العالمية في أسلوب منهجى موحد لفائدة القارئ العام. ولا شك أن كتاب الكتب التي نحن بصددها قد أفادوا من المراجع العربية الأقدم. على أننا نستطيع أن نقول- بوجه عام- أن مادتها قد عرضت عرضا لا يقوم على النقد، وقلما نجد فيها مسألة قامت على الاستقصاء والبحث، كما أنها تفتقر كلية إلى الشوق إلى الدرس. وكان السبب الأكبر في النزوع إلى تصنيف هذه الكتب هو اضمحلال التعليم والدراسة اللذين أثرا في تقدم المعرفة الجغرافية.
ونذكر فيما يأتي بعض الكتب التي تنتمى إلى هذه الفئة: "تحفة الألباب (أو الأحباب) ونخبة العجائب. لأبي حامد الغرناطى المتوفى سنة ٥٦٥ هـ (١١٦٩ - ١١٧٠ م)؛ "عجائب البلدان وآثار البلاد" للقزوينى المتوفى سنة (٦٨٢ هـ (١٣٢٧ م)؛ و "نخبة الدهر في عجائب البر والبحر" للدمشقى المتوفى سنة ٧١٧ هـ (١٣٢٧ م)؛ و "خر يدة العجائب وفريدة الغرائب" لابن الوردي المتوفى سنة ٨٦١ هـ (١٤٥٧ م).
(جـ) كتب الزيارات
وثمة سمة خاصة يتسم بها هذا العصر هي صدور عدد من الكتب التي تتناول البلدان والأماكن ذات الأهمية الدينية أو الأماكن التي يحج إليها
стр. 3067
الناس. وليست هذه الكتب وصفية أو تخطيطية- خالصة، فهي تتناول الأماكن المقدسة في الإسلام، ومقابر الأولياء، وتكايا الصوفية والرباطات إلى جانب المعاهد التعليمية (المدارس) وتتخصص في مدارس الشريعة المختلفة، ومثل هذه الموضوعات. ويجد المرء في هذه التصانيف بيانات مفصلة عن أسماء أماكن في بلدان مختلفة معكل مكة، ودمشق وغيرهما. ونستطيع أن نقول بصفة عامة أن كتب الزيارات قد قصد بها أن تكون دلائل دينية للحجاج وأهل العكوف، وهي تمثل رد الفعل الدينى في الإسلام. ومن الكتب التي تمثل هذه الفئة: "الإشارات إلى معرفة الزيارات " للهَرَوى المتوفى سنة ٦١١ هـ (١٢١٤ م)؛ و"الدارس لتاريخ المدارس" لعبد القادر محمد النُعَيمى المتوفى سنة ٤٨ هـ (١٥٢٠ م) وفي مكتبة مولانا آزاد بجامعة عليكره الإسلامية مخطوط (مجموعة شروانى، مخطوط رقم ٢٧/ ٣٤) هو في أغلب الاحتمالات موجز لكتاب النعيمى الأصلي، كتب بعد وفاته بخمسين سنة.
(د) كتب المعاجم أو المعاجم الجغرافية
تمت تقاليد الدراسات الجغرافية في الشام وانتجت عدة ثمار مفيدة ذلك أننا نجد، علاوة على موجز أبي الفدا وكتب الزيارات، أن ياقوتًا الحموى المتوفى سنة ٦٢٦ هـ (١٢٢٩ م) قد أنتج كتابًا من أنفع الكتب في المكتبة الجغرافية العربية، وهو "معجم البلدان". وهذا المعجم الجغرافي في البلدان الذي أتمه ياقوت سنة ٦٢١ هـ (١٢٢٤ م) وضمنه معلومات جغرافية واجتماعية أخرى، كان يجرى على نهج التقاليد الأدبية والعلمية للعصر السابق، وهو يمثل زبدة المعرفة الجغرافية لزمنه- أما من حيث هو كتاب من كتب المراجع فإنه لا غنى عنه حتى في يومنا هذا لطالب الجغرافيا العربية التاريخية. وقد توج ياقوت كتابه بمقدمة عن النظريات والتصورات الجغرافية العربية وعن الجغرافيا الرياضية والطبيعية، وهذا يدل على عمق علمه. ويمثل الكتاب أيضًا تلك الفترة من التطور الجغرافي حين كان الدارسون يفكرون بلغة تصنيف
стр. 3068
معاجم جغرافية، ولعل هذا لم يكن يتأتى إلا بذلك الحشد الحاشد من الكتب الجغرافية التي كانت قد ظهرت بالفعل قبيل ذلك العصر، وتلك التقاليد الجغرافية التي كانت قائمة في الشام. ومن كتب ياقوت الهامة الأخرى: "كتاب المشترك وضعًا والمختلف صَقْعًا" الذي صنفه سنة ٦٢٣ هـ (١٢٢٦ م).
(هـ) أخبار الرحلات:
وقد اغتنت المعرفة العربية بالجغرافيا الإقليمية والوصفية إلى حد كبير بفضل صدور كتب رحلات بالعربية على نطاق واسع. ونذكر- علاوة على الحوافز المألوفة إلى الرحلة، كالحج إلى مكة أو الغيرة الدينية على نشر الدين امتداد المؤثرات السياسية والدينية الإسلامية، وخاصة في المشرق، مما أدى إلى فتح آفاق جديدة في الرحلة للمسلمين وازدياد فرص العيش أمامهم.
ونذكر من أخبار الرحلات الهامة كتاب المازنى المتوفى سنة ٥٦٤ هـ (١١٦٩ م)؛ وكتاب "الرحلة" لابن خبَير المتوفى سنة ٦١٤ هـ (١٢١٧ م)؛ و "تاريخ المستنصر" الذي كتبه ابن المجاور حوالي سنة ٦٢٧ هـ (١٢٣٠ م)؛ ثم رحلات البتانى المتوفى سنة ٦٣٦ هـ (١٢٣٩ م). والعَبْدرَى المتوفى سنة ٦٨٨ هـ (١٢٨٩ م)؛ والطَيِّبى المتوفى عام ٦٩٨ هـ (١٢٩٩ م)؛ والتيجانى المتوفى سنة ٧٠٨ هـ (١٣٠٨ م) وغيرهم وفي حين أن هذه الرحلات لها أهمية كبرى بالنسبة للشرق الأوسط وشمالى إفريقية وأجزاء من أوربا لأنها تزودنا بمعلومات معاصرة مهمة في كثير من الأحيان، فإن كتاب ابن بطوطة المتوفى عام ٧٧٩ هـ (١٣٧٧ م) المعروف باسم "تحفة النُظار" يظل أهم كتاب كتب بالعربية في القرون الوسطى عن بلاد الهند وجنوبى شرق آسيا وغير ذلك من بلاد آسيا وشمالى افريقية.
(و) الكتب البحرية
في هذا العصر الذي نحن بصدده اقتصرت جهود العرب البحرية على البحر المتوسط وبحر العرب. أما في البحر المتوسط فإن الأساطيل العربية، بمعنى العبارة الأوسع، لم تستطع أن
стр. 3069
تسيطر عليه حقًّا سيطرة كاملة. ذلك أنها كانت منشغلة دائمًا في حروب بحرية مع أساطيل المسيحيين، وكان يستخدم في هذه الغارات أحيانًا عدد من السفن الحربية يبلغ المائة. ثم إن الملاحين العرب كانوا على دراية تامة بالبحر المتوسط، إلا أن الإبحار في المحيط الأطلسي كانوا لا يزالون يخشونه، وليس لدينا إلا شاهد واحد على قيام العرب بمغامرة فيه، وهي مغامرة ابن فاطمة سنة ٦٤٨ هـ (١٢٥٠ م) ونستبين من وصف رحلته التي بقيت في كتاب ابن سعيد أنه بلغ في توغله- على ما يظهر- الجبل الأبيض (تحقق أنه رأس برانكو Branco) بمحاذاة ساحل افريقيا الغربي. ومن العسير- بعامة- أن نقوم مبلغ فضل العرب في هذا البحر على الجغرافيا البحرية، ذلك أننا لا نعرف إلا القليل جدًّا عن أخبارهم. فلما قام السلطان العثمانى في آسية الصغرى أصبح الأسطول العثمانى في النهاية قويًّا جدًّا في البحر المتوسط (انظر القسم ٦ فيما يلي).
على أن ملاحى العرب في المحيط الغندى قد عززوا مكانتهم حتى جاء البرتغاليون، وكان شهاب الدين بن أحمد بن ماجد (لا نعلم تاريخ مولده ولا وفاته) هو الذي قاد سفينة فاسكودا كاما من مالندى على الساحل الشرقي لإفريقيا إلى قاليقوط في الهند سنة ١٤٩٨. وهذا الحادث يعد نقطة التحول في تاريخ الملاحة والتجارة العربيتين في المشرق، إذ كان لعلو شان البرتغاليين أثر سيئ في تجارة العرب، فقد تهاوى سلطانهم البحرى وتقوض صرح تجارتهم باطراد على يد البرتغاليين.
ويمكن أن يعد ابن ماجد -الذي قضى أكثر من خمسين سنة من حياته في البحار العليا- الملاحين العرب الأعظمين في جميع العصور. وقد كتب ابن ماجد ثلاثين رسالة بحرية، وكان من أبرز كتاب العرب في وصف المحيطات، والملاحة وغير ذلك. وقد رفعته مآثره إلى صف أكابر علماء هذا العصر. وأهم مأثرة له هي مصنفه "كتاب الفوائد في أصول علم البحر والقواعد".
أما سليمان بن أحمد المهَرئ وهو معاصر لابن ماجد أصغر منه، فقد كان
стр. 3070
ملاحا آخر بارزًا من ملاحى هذا العصر، وكذلك هو صاحب خمس رسائل بحرية كتبت في النصف الأول من القرن العاشر الهجرى (السادس عشر الميلادي) نذكر منها بخاصة للأهمية: "العمدة المهرية في ضبط العلوم البحرية"وقد صنفها سنة ٩١٧ هـ (١٥١١ - ١٥١٢ م)، و "كتاب شرح تحفة الفحول في تمهيد الأصول".
وكتب ابن ماجد وسليمان المهرى هي ذروة ما بلغه العرب من معرفة في الجغرافيا البحرية. وكان هذان البحاران يستخدمان خرائط بحرية بارعة من المظنون أنه كانت تتوفر فيها خطوط الزوال والمتوازيات المرسومة صكليها. وكذلك كانوا يستخدمون عدة آلات دقيقة وينتفعون أقصى انتفاع بالمعارف الفلكية في الملاحة. ولا يخامرنا إلا شك قليل في أن معرفتهم بالبحار كانت متقدمة إلى حد كبير، وخاصة في المحيط الهندى، ذلك أن كتبهم تصف بالتفصيل خطوط السواحل والطرق وما إليها في البلاد التي زاروها، وكانوا على علم بالجزائر المتعددة في جزائر الهند الشرقية.
(ز) الكتب الفلكية
وفي هذا العصر ظهرت كتب في الفلك على قدر عظيم من الأهمية، وكان من أئمة الفلكيين في هذه الحقبة عالم الرياضيات الأمير التيمورى ألغُ بك المتوفى سنة ٨٥٣ هـ (١٤٤٩ م) على أنه بوفاة ألغ بك يمكن أن يقال إن كتب الفلك الإسلامية قد بلغت نهايتها، ذلك أن جهد ألغُ كان هو آخر جهد علمي يبذل من جانب أمير مسلم، قبل أن يحل عصر الانحطاط الاجتماعى الإسلامي، في سبيل مراجعة معلومات بطلميوس والقيام بأرصاد فلكية مستقلة. وقد شمل كتاب "زيج جديد سلطانى، النتائج التي وصل إليها ألغ بك في أرصاده التي شاركه فيها معاونوه.
(ج) كتب الجغرافيا الإقليمية
ظهرت في الفترة بين القرن السابع الهجرى (الثالث عشر الميلادي) والعاشر (السادس عشر الميلادي) جملة كبيرة من الكتب الجغرافية بالعربية والفارسية تقوم على أساس إقليمى أو قومى. صحيح أنه لم يصدر عن جغرافيى ذلك العصر ما يعد مأثرة
стр. 3071
جليلة في ميدان الجغرافيا، إلا أن المعرفة بالجغرافيا الإقليمية قد أثرت بفضل جهود عدة مؤرخين وجغرافيين. ولقد احتفظ بالتقاليد الجغرافية للعصر القديم، ولكن لم يكن ثمة ابتكار في النظر أو في العمل. ولم يحدث في ميدان الجغرافيا الفلكية والطبيعية أو البشرية تقدم جوهوى. وكان إصدار كتب في الجغرافيا الإقليمية في ذلك العصر مرتبطًا أوثق ارتباط بامتداد الإسلام واتساع السلطان الإسلامى في المشرق، كما أنه يرجع إلى العناية التي خص بها عواهل المسلمين الجغرافيا التاريخية والجغرافيا مستهدفين أولًا الأغراض السياسة.
وفي العراق والجزيرة- المركز القديم للنشاط الجغرافي- لم يصدر من الكتب الجغرافية إلا القليل، وقد ظهر في كتاب "ميارث قدشى" لابن العبرى أثر التقليد الإسلامى وفيه خريطة شبه دائرية للعالم أما في مصر والشام فقد صدرت كتب الخطط في ظل الأيوبيين والمماليك وأدى الاهتمام منذ عهد الأيوبيين بكتب العجائب ومصر القديمة إلى صدور وجمع بعض الأخبار ذات التهاويل الخيالية والحكايات عن ملوك مصر القديمة (! ) وغير ذلك من القصص التي تستهوى القارئ العام. على أن هذه الأخبار قد تضمنت شيئًا من المعلومات الجديدة عن الدول الإسلامية في المشرق وفي الهند وغيرها من البلاد. وكان الكتاب الذين تناولوا هذه الموضوعات هم: إبراهيم بن وصيف شاه (كتب سنة ٦٠٥ هـ = ١٢٠٩ م) " والنُوَيرى المتوفى سنة ٦٢٩ هـ (١٣٣٢ م)؛ والمقريزى المتوفى سنة ٨٤٥ هـ (١٤٤١ - ١٤٤٢ م)؛ وابن فضل الله العمرى المتوفى سنة ٧٤٩ هـ (١٣٤٨ م)؛ والقلقشندى المتوفى عام ٨٢١ هـ (١٤١٨ م) وغيرهم. وفي شمالي إفريقية كتب الحسن بن علي المراكشى "جامع المبادئ والغايات " وهو يزودنا بخطوط أطوال وعروض قدَّر الكاتب بعضها، وتشمل مقدمة ابن خلدون فصلًا في الجغرافيا، يشمل ما أُعن بعض مؤرخى العرب الذين وصفوا العالم مقدمة للتاريخ.
ونجد في إيران وآسية الوسطى والهند بعض الكتب التاريخية بالفارسية
стр. 3072
تتناول الجغرافيا الإقليمية والوصفية، وبعض رسائل عن جغرافية العالم وتعتمد الكتب الجغرافية في معظمها على المصادر العربية المتقدمة، وتضمنت التواريخ العامة وأخبار الفتوح معلومات إضافية معاصرة. ونذكر من الكتب الهامة: "فارس نامه" لابن البلخى الذي كتب في أوائل القرن السادس الهجرى (الثاني عشر الميلادي)، و "نزهة القلوب" لحمد الله المستوفى المتوفى سنة ٧٤٠ هـ (١٣٤٠ م)، و"جهان نامه" لمحمد بن نجيب بَكرْان (كتبها محمد هذا لخوارز مشاه محمد سنة ٥٩٦ - ٦١٧ هـ = ١٢٠٠ - ١٢٢٠ م)، وتتناول جهان نامه "بعض المعلومات الهامة عن جغرافية ما وراء النهر"، "ومطلع السعدين" لعبد الرزّاق السمرقندى المتوفى سنة ٨٨٧ هـ (١٤٨٢ م)، و "هفت إقليم" لابن أحمد الرازي، وقد كتب عام ١٠٠٢ هـ (١٥٩٤ م) وهو كتاب في التراجم ولكنه يشمل معلومات جغرافية لها قيمة كبيرة.
المصادر
متون وترجمات وشروح:
(١) أبو دلف مسْعَر بن المهُلْهل: الرسالة الثانية، طبعة مينورسكىَ. V Minorsky، القاهرة سنة ١٩٥٥.
(٢) البيرونى: كتاب القانون المسعودى، طبعة دائرة المعارف، حيدر آباد بالهند، في مجلدين سنة ١٩٥٥.
(٣) البيروني: Picture of the world (صفة المعمورة على البيرونى) طبعة أ. زكى وليدى طوغان , Memoir Asi، جـ ٥٣، نيو دلهى سنة ١٩٤١ (ويشمل هذا الكتاب نصوصًا في الجغرافيا انتخبت من البيرونى: القانون المسعودى: تحديد نهايات الأماكن لتصحيح مسافات المساكن؛ الجماهر في معرفة الجواهر؛ الصيدنة.
(٤) حمد الله مستوفى: نزهة القلوب، طبعة محمد دبير سياغى، طهران سنة ١٩٥٨.
(٥) الهمدانى: كتاب صفة جزيرة العرب، طبعة محمد بن بلْهيد النجدى، القاهرة سنة ١٩٥٣.
стр. 3073
(٦) الهروى علي بن أبي بكر: الإشارات إلى معرفة الزيارات، طبعه وترجمه إلى الفرنسية سوردل تومين وزوجه، دمشق سنة ١٩٥٣ - ١٩٥٧.
(٧) حدود العالم.
(٨) ابن بطوطة (الترجمة الإنكليزية بقلم هـ أ. ر. كب، جـ ١، كمبردج سنة ١٩٥٨).
(٩) ابن فَضْلان: الرسالة، الطبعة الثانية للترجمة والتعليقات التي قام بهما أ. ب. كوفالسكى، سنة ١٩٥٥ (ترجمة كانار Canard في Annales de l' stitut d'Etudes Orientales de I'Universite d' Alger جـ ١٦، ص ١٩٥٨).
(١٠) ابن حوقل.
(١١) ابن خلدون، طبعة روزنتال Rosenthal.
(١٢) ابن ماجد: Three unknown nau- tical instruments on the Indian Ocean، طبعة ت. أ. شوموفسكى Shumovsky، موسكو سنة ١٩٥٧.
(١٣) الإدريسي: Polsha i Ktaje sa - siedni w Shuietle Kriegi Rogera" Geoh rapha arabskigo ZXII w Al - Idrisia'ega جـ ١، كراكوف سنة ١٩٤٥؛ الكراسة ٢، وارسو سنة ١٩٥٤.
(١٤) الإدريسى: India and the neighbouring Territories in the Kitab Nu- zhat al' Mushtak filkhtrak Al- Afak of Al SharifA ١ - Idrisi عليكره سنة ١٩٥٤
(١٥) الإصطخري: المسالك والممالك، طبعة م. جابر عبد العال الحينى، القاهرة سنة ١٩٦١
(١٦) Zrodia arabische: T.Lewicki de dziejow stoivienszczyzny؛ جـ ١، روكلوف، كراكاو سنة ١٩٥٦
(١٧) محمد بن نجيب بكران: جهان نامه نقلها مع ترجمتها ى. بورجفسكى Y. Borshchevsky، سنة ١٩٦٠.
(١٧) عبد القادر النعيمى: الدارس في تاريخ المدارس، في مجلدين، دمشق سنة ١٩٤٨ - ١٩٥١
(١٩) المروزى: Sharaf Al - Zaman Tahir Marwazi on China, the Turks and India المتن والترجمة مع التعليق بقلم مينورسكى، لندن سنة ١٩٤٢
стр. 3074
(٢٠) أخبار الصين والهند، Relation de le Chine et de l'Inde, redigee en ٨٣١ النص والترجمة الفرنسية مع تعليقات Jean Sauvaget باريس سنة ١٩٤٨
(٢١) ياقوت: The Introductory chap ters of Yaqut's Mujam Al - Buldan ترجمة وتعليق Wadie Jwaideh ليدن سنة ١٩٥٩
(٢٢) R. Blachere et H. Darmaun: Extraits des Prinicipaux geographer arabes du Moyen - Age الطبعة الثانية، باريس سنة ١٩٥٧.
(٢) كتب عامة:
(١) نفيس أحمد: Muslim Contribu tion to geography لاهور سنة ١٩٤٧.
(٢) Turkestan: Barthold
(٣) Arab Seafaring: S.F. Hourani برنستون سنة ١٩٢٨.
(٤) Geography in the: G.H.T. Kimble Middle Ages لندن سنة ١٩٣٨.
(٥) Geography and: J.H. Kramer Commerce in the Legacy of Islam طبعة أرنولد وكوييوم، - Arnold & A. Gail Laume، لندن سنة ١٩٤٣.
(٦) Analecta Orientalia, Posthumous: J.H. Kramers Writings and selected Mi- nor Works of، ليدن سنة ١٩٥٤.
(٧) Arabskaya: I.Y. Krachkovisky geograficheskaya literatura (المجلد ٤ من مجموعة آثاره) موسكو سنة ١٩٥٧.
(٨) Al Mas' udi commemoration vol- ume، نشره مقبول أحمد وأ. رحمن، عليكره سنة ١٩٦٠.
(٩) س. مظفَّر على: Arab Geography عليكره سنة ١٩٦٠ (وهو ترجمة للقسم الثاني من كتاب - M. Reinaud (Intro: duction generale a la geographie des Orientaux
(٣) مقالات
(١) Physical geog-: Ziauddin Alavi . raphy Of the Arabs in Xth. Century AD Indian geographical journal في. A.D جـ ٢/ ٢٢، مدارس سنة ١٩٤٧.
(٢) الكاتب نفسه Arab geography . the ٩ th and ١٠ th.Centuries A.D في Mus-
стр. 3075
lim University Journal عليكره سنة ١٩٤٨.
(٣) The Vasco Gamma's: Leo Bagrow Pilot في Studi Colombiani، جنوة سنة ١٩٥١.
(٤) In quest of Kalah: S.Q. Fatimi في Journal Southeast Asian History جـ ١/ ٢، سبتمبر سنة ١٩٦٠.
(٥) A. False Jayhani: V. Minorsky في Bulletin of the School of Oriental and African Studies .، جـ ١٣، سنة ١٩٤٩ - ١٩٥٠، ص ٨٩ - ٩٦.
(٦) Al: M. Maqbul Ahmad Mascudi's Islamic contribution to medieval Arab geography، في جـ ٢/ ٢٧، سنة ١٩٥٣، Islamic Culture، جـ ١/ ٢٨.
(٧) الكاتب نفسه: Travels of Abu'l Husayn Al Mascudi في Islamic Culture، جـ ٢٨، ٤، سنة ١٩٥٤.
(٨) Geography of the: C. Schoy Muslims of the Middle Ages Geographical Review (American , Geographical، Society)، جـ ١٤، سنة ١٩٢٤، ص ٢٥٧ - ٢٦٩؛ مقالات أخرى بالفارسية، ص ٢٦٩ - ٢٧٩.
(٩) الكاتب نفسه: الملحق سنة ١٩٥٦ - ١٩٦٠، ص ٨٢ - ٨٥
خورشيد [مقبول أحمد S. Maqbul Ahmed]
(٦) الجغرافيون العثمانيون
الظاهر أن الجغرافيين العثمانيين لم يبدأوا في كتابة الكتب الجغرافية حتى أواسط القرن التاسع الهجرى (الرابع عشر الميلادي). وكانت الكتب الأول من هذه في خلق العالم على نمط كتب العجائب التي تتناول عجائب الخليقة. ولعل خير ما نعرفه منها هو "درّ مكنون " ليازيجى أوغلى أحمد بيجان المتوفى حوالي سنة ٨٦٠ هـ (١٤٥٦ م) وهو أخو الشاعر العثمانى القديم يازيجى أوغلى محمد المتوفى سنة ٨٥٥ هـ (١٤٥١ م). وكان أحمد بيجان هذا هو إلى ذلك أول من ترجم منتخبات من الكتاب العربي "عجائب المخلوقات" للقزوينى (١٢٠٣ - ١٢٨٥) وسمَّى الترجمة بهذا العنوان، وفي هذا الكتاب اهتمام بعجائب المخلوقات أكثر من
стр. 3076
الاهتمام بالمعرفة العلمية (انظر Catal: Riue of Turkish Mss inthe Rieu British . Museum، ص ١٠٦ وما بعدها). وقد ترجم كتاب القزوينى عدة مرات إلى اللغة التركية (يشير بروكلمان، قسم ١، ص ٨٨٢، إلى ترجمات تركية أربع لهذا الكتاب). وكذلك نجد بهذا العنوان ترجمات أخرى شائعة لكتاب ابن الوردى المتوفى سنة ١٤٥٧ م: "خريدة العجائب" (ذكرت في Beitraege zur historischen Geographie ... vornehmlich des Orients طبعة Festband: Hans Mzhik Eugen Oberhummer ليبسك وفينا سنة ١٩٢٩، ص ٨٦ وما بعدها) نشرت من بينها واحدة مع إضافات معاصرة على يد رجل من العصر العثمانى المتقدم يدعى علي بن عبد الرحمن (انظر مقالتي: Der Bericht des arahicchen Geographen lbn - Al - Wardi ueber Konstantinopel في Festband Eugen Oberhummer ص ٨٤ - ٩١ و Ein Altosmanisher Bericht ueber des uorosma - manische konstantinopel في A ١٠ N سنة ١٩٤٠، ص ١٨١ - ١٨٩) ونجد أن سباهى زاده محمد بن علي المتوفى سنة ٩٩٧ هـ (١٥٨٨ م) قد أصدر نسخة عربية جديدة من كتاب تقويم البلدان لأبي الفداء بعنوان "أوضح المسالك إلى معرفة البلدان والممالك" مع ترتيب مادته بحسب حروف الهجاء وأكمله، (بروكلمان قسم ١، ص ٤٦) ثم ترجم منتخبات منه إلى التركية بالاسم نفسه (بروكلمان، قسم ٢، ص ٤٤).
ونذكر من الترجمات الأخيرة للكتب الجغرافية القديمة "مناظر العوالم " لمحمد بن عمر (وليس عثمان) بن بايزيد العاشق المولود سنة ٩٦٤ هـ (١٥٥٥ م) ولا نعرف تاريخ وفاته؛ وقد أتم كتابه هذا سنة ١٠٠٦ هـ (١٥٩٨ م) وهو من جزءين يتناول الأول "العالم العلوى" أي السماء وسكانها والأجرام السماوية، ثم يذيله بملحق فيه جزء من العالم السفلى أي النار وأهلها. وهذا الجزء، يكاد يقتصر على علم الكلام والأساطير، علاوة على علم الهيئة الذي تضمنه ملخصا فحسب، سكلى أن هذا الجزء الأول ليس إلا مقدمة. ومعظم الكتاب شمله الجزء الثاني، الذي يصف "العالم السفلى" أي الأرض وسكانها؛ وهو يشمل أولًا جغرافية الكون، أي
стр. 3077
شيئًا قليلا من المعرفة العامة عن الأرض، يتبعه أوصاف قائمة بذاتها رتبت على نهج أهل القرون الوسطى: أشياء طبيعية: المحيطات والجزائر، والمستنقعات والبحيرات والأنهار والعيون، والعيون الحارة، والجبال، ثم يشمل أخيرًا القسم الرئيسى من الجغرافيا الوصفية أي المدن. وقد رتبت المادة الجغرافية كلها في هذا القسم بحسب الأقاليم السبعة التي قال بها بطلميوس (أقاليم حقيقية). وفي إطار هذا الهيكل رتبت الأماكن الواردة إلى الأقاليم العرفية (أقاليم عرفية) الثمانية والعشرين الواردة، وهو مبدأ استقاه عاشق من كتاب أبي الفداء، وانتهى بمقتضاه إلى أن بعض المدن التي تناولها بالكلام قد ظهرت بحسب موقعها في أكثر من إقليم من الأقاليم الحقيقية وبذلك تداخل المبدآن في التطبيق. وتحت كل عنوان بين عاشق بالترتيب ما قاله من نقل عنهم مترجمًا إلى اللغة التركية، وهؤلاء هم كتاب القرون الوسطى من العرب والفرس مثل ابن خرداذبه، وابن الجوزي، وياقوت، والقوزينى، وحمد الله مستوفى، وابن الوردي مع الإشارة المضبوطة إلى كل سند من أسانيده، وقد أكمل هذه الشواهد بأخباره هو وخاصة عن الأناضول والروملى والمجر مع الإشارة الدقيقة أيضًا إلى أن هذه المعلومة الخاصة قد استقيت من "الكاتب، (راقم الحروف) مع ذكر تاريخ زيارته للمدينة المذكورة، ومن ثم أتاح للقارئ سندًا تاريخيًا مسلسلا لرحلاته.
وأعقب الجغرافيا علم طبيعى وصفى للكون، أي الجوامد والسوائل والغازات والمعادن، والعطور، والفلزات، والنباتات، والحيوانات، والإنسان، والكتاب في مجموعه موجز يلم إلمامًا عامًا بالجغرافيا التقليدية والعلم الطبيعي.
ويدخل في ترجمات الكتب الجغرافية بمعنى أوسع تلك الرسالة في الفلك والرياضيات التي كتبها بالفارسية على قوشجى المتوفى سنة ٨٧٩ هـ (١٤٧٤ م) الذي كان من قبل مديرًا لمرصد ألغ بك في سمرقند، ثم اصبح من بعد فلكى بلاط محمد الثاني، وقد
стр. 3078
ترجمت هذه الرسالة عدة مرات إلى التركية (انظر Zeitschr. der Deutsch. .Morg. Gesells جـ ٧٧، سنة ١٩٢٣، ص ٤٠، تعليق ٢)، وإلى هذه الفئة ينسب أيضًا كتاب الصين أي "خطاى نامه " الذي كتبه في (الأصل) بالفارسية سيد على أكبر خطائى سنة ١٥١٦، ويصف فيه الكاتب رحلته إلى الصين، ما بين سنتى ٩١٢ و ٩١٤ هـ (١٥٠٦ - ١٥٠٨ م) وأهداه إلى السلطان سليم الأول. وفي عهد مراد الثالث ترجم إلى التركية (انظر P.Kahle في Acta Orientalia جـ ١٢، ص ٩١ وما بعدها؛ opera Minoru، ص ٣٢٢ - (٣٢٣).
أما في ميدان الجغرافيا البحرية والملاحة فقد أصدر الأتراك العثمانيون كتبًا مبتكرة، ونذكر منها بصفة خاصة كتاب ييرى محيي الدين رئيس المتوفى سنة ٩٦٢ هـ (١٥٥٤ م) وهو ابن أخي البطل البحرى المشهور كمال رئيس الذي كان يعرف كل ركن في البحر المتوسط، فقد أصدر ييرى عام ٩١٩ هـ (١٥١٣ م) خريطة للعالم من جزءين لم يبق منها إلا الجزء الغربي، وقد أهداها للسلطان سليم في القاهرة سنة ٩٢٣ هـ (١٥١٧ م). وقد رجع ييري في هذا الجزء من خريطته الذي تناول الغرب إلى خرائط تشمل الاستكشافات البرتغالية حتى سنة ١٥٠٨، كما رجع إلى خريطة، فقدت من يومها، تضم استكشافات كريستوفر كولومبس أثناء رحلته الثالثة سنة ١٤٩٨ م. وكان قد حصل على هذه الخريطة من ملاح أسيانى سبق أن رحل. مع كولومبس إلى أمريكا ثلاث مرات وأسره فيمن أسر الأتراك في بلنسية سنة ١٥٠١ ييرى رئيس عم كمال رئيس (انظر P.Kahle: - Die Verschollene Columbus -Karte Von. Jahre in ١٤٩٨ in einer Tuer kischen Weltkarte Von ١٥١٣، برلين- ليبسك سنة ١٩٣٣, الكاتب نفسه: Al ost map of Columbus في Opera Minora, ليدن سنة ١٩٥٦، ص ٢٤٧ - ٢٦٥؛ إبراهيم حقى: إسكى خريطة لر، إستانبول سنة ١٩٣٦؛ Un Am-: Afet iral Geographie turc du XVle Siecle.Piri Reis, auteur de la Plus ancienne carte de l'Amerique، في بلّتن، جـ ١، سنة ١٩٥٧،
стр. 3079
ص ٣٣٣ - ٣٤٩؛ Dienord: Sadi Selen في بلّتن Amerika Karte des piri (ص ٥١٩ - ٥٢٣).
ثم كتب بيرى رئيس رسالة بحرية عن البحر المتوسط (بعنوان) "بحرية" تشمل ١٢٩ فصلًا زود كل فصل بخريطة وصف فيها وصفًا دقيقًا البحر المتوسط بجميع أجزائه. وكانت النماذج التي جرى عليها هي الكتب الإيطالية عن الموانى وغير ذلك من الرسائل الملاحية الأخرى التي اختفى معظمها. وقد أهدى بيرى رئيس رسالته إلى السلطان سليم الأول سنة ٩٢٧ هـ (١٥٢١ م)، فلما توفى هذا السلطان أعد ييرى نسخة أخرى زودها بخرائط اضافية وعدل المتن وقدم لهذه النسخة بتمهيد منظوم من ١٢٠٠ بيت بالتركية في قصص البحر والملاحين، وأهداها سنة ٩٣٢ هـ (١٥٢٥ - ١٥٢٦ م) إلى السلطان سليمان عن طريق الصدر الأعظم إبراهيم باشا (انظر: P.Kahle Piri Re'is Bahriye في Beitraege Zur historischen Geographie ... Festhan E.Oberhummer. ليبسك- فينا سنة ١٩٢٩، ص ٦٠ - ٧٦؛ الكاتب نفسه: Bahriye, das tuerkische Segelhand - buch fuer des Mistellaendische Meer Uon Jahre ١٥٢١، وهو الجزء الأول من نسخة لم تتم، برلين- ليبسك سنة ١٩٢٦؛ نسخة طبق الأصل من الرسالة "كتاب بحرية"، إستانبول، سنة ١٩٣٥)
وثمة رسالة من هذا القبيل في الجغرافيا البحرية والملاحة في المحيط الهندى كتبها سنة ٩٦١ هـ (١٥٥٤ م) سيدى على رئيس بن حسين المعروف بكاتب رومى المتوفى سنة ٩٧٠ هـ (١٥٦٢ م) عنوانها "المحيط". وقد أفاد على رئيس من خبرة ملاحى جنوبي جزيرة العرب الذين عملوا مرشدين لفاسكودا كاما في رحلته إلى قاليقوط كما ترجم أيضًا أجزاء من كتاب المهرى "العمدة المهرية" إلى التركية في رسالته هذه (انظر M.Bittner & W-Tnmaschek: -Die Topographischen Kapilel des in dischen Seespiegels Mohil فينا سنة ١٨٩٧؛ أما عن السابقين العرب فانظر (Relations de Voyages: Gabriel (Ferrand .. .et Textes geographique، جـ ٢، باريس سنة ١٩١٤).
стр. 3080
على أن ثمة كتابًا آخر في الجغرافيا البحرية ينتمى إلى حقبة متأخرة عن هذه هو "كتاب بحر الأسود والأبيض" كتبه سيد نوح في عهد السلطان محمد الرابع (Seyyed Nuh and his: F.Babinger turkish sailing handbook في (Imago) Mundi، جـ ١٢، سنة ١٩٥٥، ص ١٨٠ - ١٨٢).
وهناك ضرب يقابل هذه الرسائل في الجغرافيا البحرية يتناول اليابسة وهو كتاب مصور يسمى "مجموع منازل" كتبه نصوح المطراقى (لا يعلم تاريخ مولده ولا وفاته) ووصف فيه بإيجاز المنازل كلا على حدة، وهي المنارل التي توقف عندها سليمان القانونى في حملته الأولى على فارس سنة ٩٤٠ - ٩٤٢ هـ (١٥٣٤ - ١٥٣٥ م). وهذا الكتاب ليس منه إلا مخطوط فريد هو في أرجح الاحتمالات النسخة التي أهداها للسلطان، وهو موجود في مكتبة جامعة إستانبول، (ويعد) مرجعًا هامًا للطرق الحربية التي استخدمها السلاطين في حملاتهم بالمشرق (انظر Etapes: Albert Gabriel d'une campagne dans les deux Iraq d'apres un manuscrit tune de XVIe siecle في Syria، سنة ١٩٢٨، ص ٢٣٨ - ٣٤١؛ The Itinerary of: Franz Taeschner -the first Persian Gampaign of Sultan Su leyman ١٥٣٤ - ١٥٣٦ according to Nasuh Al- Matriki في Image Mundi جـ ١٣، سنة ١٩٥٦، ص ٥٣ - ٥٥؛ الكاتب نفسه: - Das Itinerar des ersten Per -sienfeldzuges des Sultan Suelyman Ka nach Matriki Nasuh في Zeitschr. . dest Deutsch. Morgenl. Gesells. سنة ١٩٦١).
وأوصاف حملات سليم الأول وسليمان الأول، ومراد الرابع نجدها فضلا عن ذلك في مجموعة الوثائق المعروفة باسم "منشآت سلاطين، لفريدون أحمد بك المتوفى سنة ٩٩١ (١٥٨٣ م) أو في تكملتها (لا توجد المنشآت إلا في الطبعة الثانية ذات المجلدين من كتاب منشات السلاطين إستانبول سنة ١٢٧٤ هـ-١٢٧٥ هـ = ١٨٥٧ - ١٨٥٩ م)؛ وأوصاف الرحلات هناك قد أحصاها Das and: F.Taeschner -olische Wegenetz nach osmanischen Quel Len، جـ ١، ليبسك سنة ١٩٢٤، ص ٢٠)
стр. 3081
وأهم كتاب جغرافي شامل يشمل في آن واحد فترة الانتقال في تركية من النظرة المشرقية في القرون الوسطى إلى النظرة الأوروبية هو كتاب ("جهاننما") أي منظر العالم، للعالم المشهور مصطفى عبد الله المعروف بكاتب جلبى أو حاجى خليفة - (١٠١٧ - ١٠٦٧ هـ = ١٦٠٩ - ١٦٥٧ م). وللكتاب تاريخ متشابك، فقد بدأ فيه كاتب جلبى مرتين وظل مرتين غير كامل. ففي سنة ١٠٥٨ هـ (١٦٤٨ م) كان قد بدأه على اعتبار أنه كتاب في خلق الكون على غرار هذه الكتب المنتسبة إلى القرون الوسطى مثل كتاب محمد عاشق السالف الذكر. وهو الكتاب الذي أفاد منه واعترف به، واستهل كاتب جلبى كتابه بوصف المحيطات والأنهار والبحيرات، ثم أخذ يتحدث عن البلاد مبتدئًا بالغربية منها أي (الأندلس) الإسلامية وشمالى إفريقية. وأتبع ذلك ببلاد الإمبراطورية العثمانية من حيث هي القسم الرئيسى من الكتاب، فتحدث عن قصبات الدولة الثلاث: بورصة وأدرنة والآستانة، ثم تحدث عن الولايات النصف الأوربى من الإمبراطورية وهي الروملى والبوسنة والمجر (وقد ترجم هامر Von Hammer من مخطوطه من هذا الجزء كتابه المعنون: Rumeli und Bosna فينا سنة ١٨١٢؛ انظر Die Vorlarge: F.Taescher " van Hammers "Rumeli and Bosna في - Metteilungen Zur Osmanischen Ges chichte جـ ١، سنة ١٩٢٣ - ١٩٢٥، ص ٣٠٨ - ٣١٠)
ولما بلغ كاتب جلبى العنوان "هتوان" في وصف المجر وقع على نسخة من "المصور الصغير" لكيرهارد مرقاتور نشرها يودوكوس هونديوس Jodocus Hondius سنة ١٦٢١ في أرنهيم. وترك كاتب جلبى كتاب "جهاننما" وراح يعمل بمعاونة فرنسى أسلم هو محمد أفندى إخلاصى، في ترجمة هذا المصور وعنوانها باسم "لوامع النور في ظلمات أطلس مينور".
ولما أوشك أن يبلغ ثلثى الترجمة بدأ يكتب مرة أخرى في جهاننما متبعًا خطة جديدة تقوم على النموذج الغربي. على أنه بدأ هذه المرة بآسيا الشرقية وأفاد في ذلك بالمراجع الأوربية
стр. 3082
وبالمراجع الشرقية أيضًا مثل كتاب "خطاى نامه" لعلى أكبر وكانت مراجعه الأوربية تغلب كلما تحرك غربًا. ولما تقدم في وصفه من الشرق إلى الغرب حتى بلغ أرمينية (ولاية وان) عاجله الموت بحادثة شلت يده سنة ١٠٦٧ هـ (١٦٥٧ م)، وهكذا ظلت النسخة الثانية من كتابه ناقصة أيضًا لم تكتمل.
على أن ثمة كتابًا أوربيًا آخر كان هو الحافز إلى المضى في إكمال جهاننما وإتمامه آخر الأمر، ففي ١٤ أغسطس سنة ١٦٦٨ قدم المبعوث الهولندى كولير Colier إلى السلطان محمد الرابع في أدرنة نسخة من قبل حكومته للطبعة اللاتينية من أطلس بلاو في ثمانية مجلدات (Atlas Maior sive,: Bleau Cosmogtophia Blaviana، سنة ١٦٦٢).
وبعد ذلك بسنوات قلائل، أي في سنة ١٠٨٦ هـ (١٦٧٥ م) كان السلطان قد عمل على أن يترجم هذا الأطلس إلى التركية بمعرفة أبي بكر بن بهرام الدمشقي المتوفى سنة ١١٠٢ هـ. ١٦٩١ م). ونشر أبو بكر هذه الترجمة بعنوان "نصرة الإسلام والسرور في تقرير أطلس مايور" صدر بالاعتماد على هذه الترجمة وعلى غيرها من المراجع الشرقية كتاب "جغرافيا كبير" (جغرافيايى كبير، انظر The: P, Kahle - Geagraphy of Abu Bekr Ibn Bahram al Dimashki مخطوط ٥٧٥، من مجموعة تشستربيتى Chaster Beatty).
ولما أنشأ المجرى الذي أسلم إبراهيم متفرقه سنة ١١٤٠ هـ (١٧٢٨ م) أول مطبعة في استانبول كان كتاب "جهاننما" هو الكتاب الحادي عشر (سنة ١١٤٥ هـ = ١٧٣٢ م) من الكتب الجديدة التي أصدرها في الطباعة التركية، وقد استخدم متفرقة أساسًا لهذه الطبعة النسخة الثانية من كتاب جهاننما، أي وصف آسيا كما بداه كاتب جلبى مضافًا إليه "اللاحقة" المناسبة مأخوذة من كتاب أبي بكر، ومن ثم شملت النسخة المطبوعة الوصف الكامل لآسيا، وقد عمد الطابع إلى أن يكمل المعلومات في الفصول التمهيدية الخاصة بالمعلومات الفلكية والرياضية والجغرافية حتى زمانه بسلسلة من تذييلات من حيث هو الطابع (انظر F.
стр. 3083
Zur Gasckichte des Dja-: Taeschner hannuma في Mitteilungen des Seminars fuer Orientalischs Sprachen Westasia- tische studiem، جـ ٢، ص ٢٩ [سنة ١٩٢٦]، ٩٩ - ١١١, الكاتب نفسه: Das Hauptwerk der geographuchen Literatur der Chelebis Gihannuema في Imogo Mundi، سنة ١٩٣٥، ص ٤٤ - ٤٧ Katib Chelebi Hayati ve eserleri hak-, kinde incelemeler أنقرة سنة ١٩٥٧: عن جهاننما، مقال حامد سعدى سلن، ص ١٢١ - ١٣٦.
وفي سنة ١١٥٣ هـ (١٧٤٠ م) اضطلع رجل يدعى شهرى زاده أحمد ابن مذهّب سعيد المتوفى سنة ١١٧٨ هـ (١٧٦٤ - ١٧٦٥ م) بتكملة أخرى لجهاننما كاتب جلبى عنوانها "روضة الأنفس". ولكن هذه التكملة لم تطبع قط لسببين: الأول أن إبراهيم متفرقه أدركته المنية، والثاني تدفق الكتب الجغرافية تدفقًا جعل الإنتاج التركى في ميدان الجغرافيا يتضاءل ابتكاره ومن ثم أهميته.
أما فيما يتعلق بأوصاف الرحلات فإن وصف على أكبر من الصين وإقامته هناك قد أسلفنا ذكره ومما يجدر التنويه به أيضًا الوصف الموجز الذي دبجته يراعة سيدى على رئيس لرحلته إلى الهند وعودته البائسة إلى بلاط السلطان في أدرنة من الحملة البحرية العثمانية الفاشلة على البرتغاليين في المحيط الهندى، ونجد ذلك ماثلا في الكتيب المعروف باسم "مرآة الممالك" الذي تم سنة ٩٦٤ هـ (١٥٥٧) وطبع في استانبول سنة ١٣١٣ هـ، وثمة ترجمة إنكليزية له بقلم فامبرى (Travels and ad- A. Vambery ventures of e Turkish Admiral Sidi Ali Re'is during the years ١٥٥٣ - ١٥٥٦ لندن سنة ١٨٩٩).
على أن الكتاب الأكبر في ميدان وصف الرحلات هو الكتاب الكبير ذو المجلدات العشرة "سياحتنامه"، أي "تاريخ سيّاح" لأوليا بن درويش محمد ظليّ المعروف بأوليا جلبى، وهو كتاب فريد بين كتب الشعوب الإسلامية جميعًا، فقد ظل أوليا أربعين سنة
стр. 3084
(١٦٣١ - ١٦٧٠) يجوب كل ركن من أركان الإمبراطورية العثمانية وما جاورها مؤّذنًا في حاشية السراة والولاة والسفراء وفي فرق الجيش، ولذلك فإن كتابه ضرب من المذكرات وهو يشمل- إلى جانب المعرفة بالبلاد التي زارها- بصرًا من عدة وجوه بالسياسات العليا لذلك العصر، فهو يذكر في كتابه تجاربه الشخصية، ثم هو يمزج نتائج قراءته بالثمرات المزدوجة لخياله الحى، وقد أصبح كتاب أوليا جلبى- بفضل اتصلاته بالشخصيات السياسية ومشاركته إياهم أقدارهم- سجلا هامًا لتاريخ أيامه.
وكان ثمة حافز إلى وصف الرحلات هو الحج كل سنة إلى مكة. ونحن نجد بلا شك، وخاصة منذ القرن الثامن عشر، سلسلة من المتون تصف الرحلة إلى إسكودار وهي المنطلق على الساحل الأسيوى للبوسفور الذي يخرج منه الحجاج إلى مكة، كما تصف المناسك التي تقام في مكة، ومعظم الحجاج يحصرون أوصافهم في هذه المناسك ويلمسون لمسًا عابرًا الرحلة نفسها، على أن بعضهم قد وصف الرحلة، ولذلك السبب نجد أهمية لما كتبوا من الناحية الجغرافية، وأكثر هذه الأوصاف تفصيلا هي "مناسك الحج" لمحمد أديب (سنة ١١٩٣ هـ -١٧٧٩ م، طبعة إستانبول سنة ١٢٣٢ هـ = ١٨١٦ - ١٨١٧، . الترجمة الفرنسية بقلم M.Bi- Itineraire de Constantinople a la: anchi -Meque, Recueil des Vayages et des Me -moires publies par la Societe de Giogrp phie، جـ ٢ باريس سنة ١٨٢٥ حيث أرّخ الكتاب خطأ بسنة ١٠٩٣ هـ = ١٦٨٢ م بدلا من ١١٩٣ هـ = ١٧٧٩ م).
وينتمى أيضًا إلى كتب الرحلات- بوجه من الوجوه- تقارير سفراء الباب العالى لدى البلاطات الأوربية (سفر نامه)، وهي تنتمى في الوقت نفسه إلى فئة التأليف في التاريخ، ومن ثم تدخل بصفة عامة في كتب مؤرخى الإمبراطورية (أحصاها كاتب هذه المادة في مجلة Zeutsehr, d. Deutsch Margenl Gesells، جـ ٧٧، سنة ١٩٢٣ ص ٧٥ - ٧٨، وأحصاها إحصاءً أكمل فائق رشيد
стр. 3085
أونات في رسم لي تاريخ مجموعه سى، ٨ أغسطس سنة ١٩٥٠).
وبقيت أيضًا كلمة موجزة نذكرها عن رسم الخرائط، وقد سبق لنا وصف خريطة العالم المؤرخة سنة ١٥١٣ م لييرى رئيس، وكانت في الأصل من جزئين، وقد ضمّن ييرى رئيس كل فصل من رسالته في الملاحة بالبحر المتوسط "بحرية"- جاريا مجرى كتب الموانى الايطالية بل معتمدا عليها فيما يرجح خريطة تمثل ذلك الأقليم من البحر المتوسط الذي يتناوله في الفصل الخاص به، وقد كان في حوزة محرر المجلة الدورية Imago Mundi وهو ليو باكَروف Leo Bagrov مثل هذه الخريطة للبحر المتوسط كله بخطوط الزوال المتوازية وهي تقوم على تصور مخطئ لرسم دوائر البروج.
ومخطوطات النسخة الأولى من كتاب "جهاننما" لكاتب جلبى على هوامشها رسوم تخطيطية دقيقة للواء" أو السنجق الذي يدور الحديث عليه. وقد زودت طبعة جهاننما سنة ١١٤٥ هـ (١٧٣٢ م) بخرائط تشغل الخريطة منها صفحة بأكملها، ومن الواضح أنها تسير على غرار رسم الخرائط الأوربية المعاصرة لها، مع قلب الاتجاه (الشمال في أسفل) وقد خرجت من ورشة الطابع إبراهيم متفرقة أيضًا خريطة مخطوطة للشرقين الأدنى والأوسط، وهي محفوظة الآن في المخطوطات النمسوية العسكرية وتاريخها إما سنة ١١٣٩ هـ (١٧٢٦ - -١٧٢٧؛ وإما سنة ١١٤١ هـ (١٧٢٨ - ١٧٢٩؛ انظر Das anat-: F.Taeschner olische Wegenetz nach Osmanischen Quellen، جـ ٢، ليبسك سنة ١٩٢٦، ص ٦٢ وما بعدها).
ويجدر بنا أن نشير في الختام بإيجاز إلى خريطة للعالم منسوبة إلى حاجى أحمد التونسى، وتاريخها سنة ٩٦٧ هـ (١٥٥٩ م) وهي محفوظة في مارسيانا بالبندقية، وقد وهُمِ مرة أنها إسلامية الأصل، وظهر الآن أنها صناعة أوروبية أعدت للسوق الإسلامية (انظر The Map of Hajji Ahmed: V.L Menage and its Makers في - Seminars fuer Orien -talische Sprachen Mitteilungen des West asiatiche Studien، جـ ٢١، سنة ١٩٥٨،
следующие страницы →