١٧ - أبو فارس (٧٩٦ - ٨٣٧ هـ = ١٣٩٤ - ١٤٣٤ م). وقد نهض بمهمة أبيه وأكملها بذكاء. فاقتلع الدول المحلية فى قسنطينة وبجاية سنة ٧٩٨ هـ - ١٣٩٦ م) وفى طرابلس وقفصة، وتورز، وبسكرة في الفترة من (٨٠٠ - ٨٠٤ هـ) (١٣٩٧ - ١٤٠٢ م) وأقام مقام أمرائها عمالًا من عبيده المحررين المختارين. وقاد حملة جريئة على أوراس سنة ٨٠٠ هـ (١٣٩٨ م) وعلى حدود بلاد طرابلس الصحراوية سنة ٨٠٩ هـ (١٤٠٦ - ١٤٠٧ م). وقضى على أزمة خطيرة أثارت الخواطر في قسنطينة، والجنوب الشرقى في الفترة من ٨١٠ - ٨١١ هـ (١٤٠٧ - ١٤٠٨ م) واحتواها باستيلائه على الجزائر سنة ٨١٣ هـ (١٤١٠ - ١٤١١ م) وتلا ذلك فترة هدوء طويلة قطعها بشن عدة هجمات في الغرب حيث سيطر أبو فارس علي بنى عبد الواد التلمسانيين في الفترة من ٨٢٧ - ٨٣٤ هـ (١٤٢٤ - ١٤٣١ م). وكذلك تدخل في أمور مراكش والأندلس. وكانت علاقاته مع الدول المسيحية علاقات ودية في بعض الأحيان، وطيدة في جميع الأوقات، واستمر النشاط الدبلوماسى المكثف مع هذه الممالك طوال فترة حكمه.
وكان للحالة الموفقة التي ترك والد أبى فارس المملكة عليها، ولقوته الحربية، بعض الأهمية في نجاحه الخارق، كما استفاد بالإضافة إلى ذلك من الشعبية التي أكتسبها نتيجة اهتمامه بالعدل، وسياسته الدينية السُنِّيّة التي تجلت في أمور كثيرة: فقد أسبغ النعم على أهل الورع، وعلى العلماء ولأشراف، واحتفل بالمولد النبوى الشريف، وعمل على مساندة المذهب السنى في جربة، وشيد العمائر المدنية والدينية وألغى الضرائب التي لا تقرها الشريعة، وعد التوسع في تسيير السفن الخاصة التي تحارب العدو نوعًا من الجهاد. وساد التمسك بحرفية المذهب المالكى بفعل سلطان الفقيه المشهور ابن عرفة (٧١٦ - ٨٠٣ هـ = ١٣١٦ - ١٤٠١ م) ويرجع إليه معظم السبب في إبعاد ابن خلدون إلى القاهرة حيث توفى سنة ٨٠٨ هـ (١٤٠٦ م). ويستدل من ذكر قصر باردو لأول مرة سنة ٨٢٣ هـ (١٤٢٠ م) على مبلغ
стр. 4027
تغلغل الأثر الأندلسى في بربر بنى حفص. وكان أبو فارس يحكم دولة زاهرة، كما كان كريمًا مع رعيته؛ فاكتسب بذلك شهرة عظيمة في العالم الإسلامى ببعد نظره وسماحته الواعية. وهذا الأمير الذي تجاوز السبعين وهزم ألفونسو الخامس ملك أراغون عند جربة قبل ذلك بعامين قد ختم حياته في أورسنيس، وهو سائر على رأس حملة لإخضاع تلمسان سنة ٨٣٧ هـ (١٤٣٤ م).
١٨ - المنتصر (٨٣٧ هـ = ١٤٣٤ - ١٤٣٥ م). حفيد أبى فارس، وقد كتب على هذا الأمير أن يدخل في منازعات مع أقاربه المنتقضين عليه وحلفائهم العرب، وشيد نافورة، كما شيد المدرسة المنتصرية التي خلَّدت اسمه.
١٩ - عثمان (٨٣٩ - ٨٩٣ هـ = ١٤٣٥ - ١٤٨٨ م). شقيق المنتصر المتقدم ذكره، وقد واصل ما فعله جده العظيم أبى فارس. وكان عثمان ورعًا عادلًا، وبدأ في إقامة منشئات مائية كثيرة، وبنى عددًا كبيرًا من الزوايا. وشمل برعايتة صاحب الكرامات التونسى سيدى ابن عروس المتوفى سنة ٨٦٨ هـ (١٤٦٣ م) وقدر عليه أن يدخل مع أقاربه في نزاع طوال سبعة عشر عامًا من سنة (٨٣٩ إلى ٨٥٦ هـ (١٤٣٥ - ١٤٥٢ م) وبخاصة مع عمه أبى الحسن على. وكان ابن أبي فارس هذا قد طرد من حكم بجاية سنة ٨٤٣ هـ (١٤٣٩ م)، وظل بعدها مدة طويلة مناهضًا لجنود السلطان في إقليم قسنطينة، كما قام عثمان بأعمال حربية في الجنوب في الفترة من ٨٤٥ إلى ٨٥٥ هـ (١٤٤١ - ١٤٥١ م) وواقع الأمر، أنه ما إن انتهت المرحلة الأولى من مغامرة أبي الحسن حوالى سنة ٨٤٣ هـ (١٥٣٩ م) حتى كان السلام قد ساد الجزء الأعظم من البلاد. وكانت الولايات تحكم بالطريقة نفسها التي انتهجت في أيام أبي فارس - أى بعمال من العبيد المحررين المختارين الذين كان يطلق على الواحد منهم لقب قائد. وقد واجه واحد منهم يسمى نبيل، عثمانًا إذ ادعى أنه يستأثر بسلطة عظيمة في البلاط، فسجن نبيل هذا سنة ٨٥٧ هـ (١٤٥٣ م). وتلبَّد الجو في الجزء الثانى من حكمه ولاح شبح
стр. 4028
المجاعة والطاعون، وعودة الاضطرابات القبيلة التي بلغت مبلغ الإزعاج بوجه خاص سنة ٨٦٧ هـ (١٤٦٣ م) وأخمدت هذه الاضطرابات بقسوة، بيد أنها لم تكبح تمامًا. وقام عثمان في مناسبات عدة بحملات تأديبية في الجنوب، والجنوب الغربى في الفترة ما بين سنة ٨٦٢ هـ (١٤٥٨ م) وسنة ٨٧٠ هـ (١٤٦٥ م) في هذه الأثناء استولى واحد من بنى عبد الواد على تلمسان، وأخضع مرة سنة ٨٦٦ هـ (١٤٦٢ م) إلا أن الأمر استلزم إخضاعه مرة أخرى سنة ٨٧١ هـ (١٤٦٦ م). أما سنوات حكم عثمان الأخيرة (٨٧٥ - ٨٩٣ هـ = ١٤٧٠ - ١٤٨٨ م) فغامضة تمامًا غموض تلك السنوات الأخيرة من حكم بنى حفص. وقد مال عثمان ميلًا شديدًا إلى إقامة أقاربه ولاة على الأقاليم. ويبدو أنه شدد قبضته على تلمسان. وفى سنة ٨٧٧ هـ (١٤٧٢ م) اعترف والى فاس الجديد، ومؤسس أسرة بنى وطَّاس، بسيادته.
٢٠ - أبو زكريا يحيا (٨٩٣ - ٨٩٤ هـ = ١٤٨٨ - ١٤٨٩ م). نجح في أن يخلف جده عثمانًا وعامل أقاربه الذين تحدو حكمه بلا شفقة، واغتاله آخر الأمر ابن عمه الشقيق عبد المؤمن ابن إبراهيم.
٢١ - عبد المؤمن بن إبراهيم (٨٩٤ - ٨٩٥ هـ = ١٤٨٩ - ١٤٩٠ م). خلعه من العرش أحد أبناء سلفه وعدوه في أيام معدودة من ولايته.
٢٢ - أبو يحيا زكريا بن يحيا (٨٩٥ - ٨٠٠ هـ = ١٤٩٠ - ١٤٩٤ م).
ربما كانت دولة بنى حفص خليقة بأن تستعيد قوتها في أيام حكمه، لولا أنه مات بالطاعون، وهو بعد شاب.
٢٣ - أبو عبد الله محمد (٨٩٩ - ٩٣٢ هـ = ١٤٩٤ - ١٥٢٦). ابن عم شقيق لسلفه، وقد استسلم للملذَّات، وعجل باضمحلال أسرة بنى حفص. وقد كبح أبو يحيا جماح القبائل العربية المنتقضة بصعوبة، واستخلص منه الأندلسيون بجاية وطرابلس سنة ١٥١٠ م.
٢٤ - الحسن (٩٣٢ - ٩٥٠ هـ = ١٥٢٦ - ١٥٤٣ م). ابن الأمير السابق،
стр. 4029
طرده من تونس في صفر سنة ٩٤٢ هـ (أغسطس ١٥٣٤ م)، باشا الجزائر خير الدين بربروسه، فلما احتل شارل الخامس حلق الوادى أعاده إلى قصبة ملكه في المحرم سنة ٩٤٢ هـ (يوليو ١٥٣٥ م). وحارب أتراك القيروان سنة ١٥٣٥ - ١٥٣٦ م، ثم حارب سيدى عرفة - ١٥٤٠ م) شيخ دولة المرابطين الخاصة التي أسستها في القيروان قبيلة الشابيَّة، وخلعه ابنه الأكبر أحمد.
٢٥ - أحمد (٩٥٠ - ٩٧٦ هـ = ١٥٤٣ - ١٥٦٩ م). وقد واصل هو الآخر الصراع مع قبيلة الشابيَّة التي تحالف شيخها الجديد محمد بن أبي الطيب مع الأسبان، ومع محمد الوريث الشرعى للأمير الحفصى الراحل. وفى الوقت نفسه كان القرصان طور غور المتحالف مع الأتراك ومع أحمد يحاول التمكين لنفسه في إقليم الساحل. وفى سنة ٩٥٩ هـ (١٥٥٢ م) هزم أحمد قبيلة الشابيَّة، وجلا الأسبان عن المهدية سنة ١٥٥٤ م، وعاد من إستانبول حاملًا لقب باشا طرابلس، واستولى على قفصة في ديسمبر ١٥٥٦ على القيرون في (ديسمبر ١٥٥٧). وفى سنة ٩٦٧ هـ (١٥٦٩ م) استولى باشا الجزائر على تونس، وسار أحمد حتى انضم إلى أخيه محمد في حلق الوادى. وأخيرًا، أي سنة ٩٨٢ هـ (١٥٧٤ م) فقد دون جوان النمسوى تونس التي كان قد استولى عليها في السنة السابقة، وصارت المدينة بمثابة حاضرة لإحدى الولايات العثمانية.
المصادر:
(١) La Berberie: R. Brunschvig Hafsides des origines a orientale sous les la fin du xve Siecle , جـ ١ - ٢، باريس سنة ١٩٤٠ - ١٩٤٧.
(٢) المؤلف الأساسى - Ch.Mochi Kairouan: court Etudes Kairouanaises, et les Chabbia (١٥٩٢, ١٤٥٠) تونس سنة ١٩٣٩.
(٣) Histoire de: Ch. A. Julien l'Afrique du Nord، باريس سنة ١٩٥٢، جـ ٢، الفصلان الرابع والسادس.
(٤) Initiation a la Tunisie، باريس سنة ١٩٥٠.
стр. 4030
(٥) la l''Algérie Initiation a باريس سنة ١٩٥٧.
(٦) La Berbérie musul-: G. Marcais mane et l'Orient au Moyen Age, باريس سنة ١٩٤٦.
(٧) وانظر l'Architecture musulmane d'occident , باريس سنة ١٩٥٤.
حسن شكرى [هـ ر. أدريس - H.R. Idris]
حفص الفرد
أبو عمرو أو أبو يحيى: يقول صاحب الفهرست (ص ١٨) إنه فقيه عربى من أهل مصر خرج إلى بغداد حيث درس على الفقيه المعتزلى أبي هذيل، وفى رواية أخرى (المرتضى: اتحاف السادة جـ ٢، ص ٤٧) أنه درس من قبل على القاضي أبي يوسف ثم لحق بالمعتزلة؛ وكانت له مناظرات كثيرة مع الإمام الشافعي الذي لم يكن يذكره أو يذكر (كلامه) بخير؛ بل لقبه بالمنفرد بدلا من الفرد (انظر Bauer: Die Dogmatik al Ghazali؛ ص ١٩) ويقال إنه رجع إلى مذهب أهل السنة وتبعه الأشعرى، وإنه قال بخلق الأفعال؛ وقد نسبه صاحب الفهرست والشهرستانى أيضًا) هو والنجار إلى المجبرة؛ وذكر له ستة مصنفات هاجم في واحد منها المعتزلة وفى آخر النصارى (انظر أيضًا Die phi-: Horten los Systeme der spek Theologen ص ٤٩٩، والمصادر المذكورة في هذا المؤلف).
خورشيد [باور H. Bauer]
حفصة
بنت الخليفة عمر وزوج النبي [ ﷺ ]، وكان خنيس بن حذافة القرشي قد بنى بها قبله، ثم مات في المدينة بعيد غزوة بدر دون أن يعقب منها؛ وتزوجها النبي بعد يوم أحد رغبة منه في اكتساب معونة عمر (١)، ولا شك في أنها كانت وقتئذ في العشرين من عمرها؛ وهجرها مرة لأسبابًا مجهولة ثم عاد إليها بوحى كريم لما تحلت به من فضائل الإسلام،
стр. 4031
فقد كانت منصرفة إلى الصلاة والصوم. والواقع أن النبي [ ﷺ ] خشى أن يباعد ذلك ما بينه وبين عمر؛ وكانت حفصة في بيت النبي [ ﷺ ] تظاهر عائشة على زوجاته الأخريات، وقد وضعت كل مالها من سلطان في خدمة "حكومة الثلاثة" وهو الحزب الذي كان يسعى إلى استخلاف أبي بكر وعمر بعد محمد، [ ﷺ ] وقد تلقت نصيبها في غنائم خيبر شأنها شأن سائر زوجات النبي [ ﷺ ] ولما مات محمد رصد لها في الديوان دخل يقدر بنحو ١٠,٠٠٠ درهم سنويًا. وصفوة القول أنه لم يكن لها شأن كبير حتى في خلافة أبيها، وهي في ذلك على طرفى نقيض من عائشة التي كان لها شأن خطير في كثير من النواحى.
وقد حرضت حفصة أخاها عبد الله، وكان رجلًا ضئيل الشأن (١)، على المطالبة بالخلافة عندها جرى التحكيم في أذرح واجتمع القول على أنها ماتت عام ٤٥ هـ في عهد مروان بن الحكم وقد بلغت الستين أو نحوها، ولم تعقب من النبي [ ﷺ ].
المصادر:
(١) ابن سعد: الطبقات (طبعة Sachau)؛ جـ ٣، ص ٢٨٥ - ٢٨٦، جـ ٨, ص ٥٦ - ٦٠.
(٢) ابن حجر: الإصابة، جـ ٤، ص ٢٧٣ - ٢٧٤.
(٣) Le triumvirat Abu Bakr,: H.Lammens Omar et Abu Obaida (مستخرج من Mel. facul. orientale, بيروت؛ جـ ٣، ص ١٢٠.
(٤) ابن هشام: السيرة (طبعة Wues- tentenfeld) ص ٣٢١، ١٠٠١.
стр. 4032
(٥) Fatima et les Filles de: H. Lammens Mahomet؛ ص ١٥، ٢٣، ٤٦، ٥٦، ٨٦.
(٦) ابن حنبل: المسند؛ جـ ٦، ص ٢٨٣ - ٢٨٨.
(٧) Das Leben des Muhamed: Sprenger, جـ ٣، ص ٧٤ وما بعدها.
خورشيد [لامنس H. Lammens]
+ حفصة, بنت عمر بن الخطاب، زوج النبي ع [ ﷺ ] , ويقال إنها ولدت قبل البعثة النبوية بخمس سنين حينما كانت قريش تعيد بناء الكعبة. وأمها زينب بنت مظعون أخت عثمان بن مظعون المشهور تزوجت حفصة أول الأمر خُمَيْس بن حذافة السهمى القريشى، وترملت وهي بعد صبية لم تعقب (زوجها ممن شهدوا بدرًا وتوفى بالمدينة بعد رجوعه من هذه الغزوة)؛ وعرضها أبوها على أبي بكر فسكت، وعلى عثمان بن عفان فأوضح عدم رغبته في الزواج وقتئذ، أما أبو بكر فاعتذر لعمر بعد ذلك بأنه عرف أن النبي ﵇ قد نوى الزواج من حفصة. وواقع الأمر أن محمدًا عرض على عمر أن يتزوج حفصة فقبل عمر بطبيعة الحال في حماسة. ومن المرجح أن النبي [ ﷺ ] سعى إلى عقد هذا الزواج لأسباب سياسة (١) وهى دعم الروابط التى تربطه بشخصيه مثل عمر النصير القوى، ومما يؤيد ذلك إلى حد كبير أن النبي [ ﷺ ] كان قد طلب من أبي بكر قبل ذلك بقليل الزواج من ابنته عائشة.
وورد اسم حفصة في المصادر مقترنًا بالحوادث التالية: الهجرة: هاجرت حفصة مع أبيها إلى المدينة. الزواج: تقول معظم المصادر أن النبي ﷺ تزوج حفصة في شهر شعبان الموافق ٣ فبراير سنة ٦٢٥ م بعد زواجه من عائشة وقبل غزوة أحد، ومن ثم كانت رابع زوجة للنبى ﵇. الحوادث الخاصة بنساء النبي [ ﷺ ] تومئ الآيات التي في صدر سورة التحريم (السورة ٦٦) إلى حادثة أو حوادث هي بلا شك من الأمور الزوجية يقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ الآية، عتابًا له [ ﷺ ]
стр. 4033
بتحريمه على نفسه ما أحل الله له ابتغاء مرضاة ازواجه، وأن إحداهن أفشت حديثًا أسره إليها؛ وتشير آيات في هذه السورة أيضًا إلى أن اثنتين من زوجات النبي [ ﷺ ] قد تظاهرتا عليه وتختتم الآيات بتهديدهما بالطلاق. ويشرح المفسرون، ومؤلفو كتب أسباب النزول، وكُتَّاب السيرة النبوية، والمُحَدِّثُون هذه الآيات على هذا النحو: أن الرسول ﵇ خلا بمارية القبطية في بيت حفصة وفى غيبتها، ورجعت حفصة وعلمت بذلك واشتد غضبها فقال لها: اكتمى على وقد حرَمْتُ مارية على نفسى استرضاء لها. ولكن حفصة أفشت الحديث لصديقتها عائشة. وتغيظ النبي [ ﷺ ] فطلق حفصة، فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ فقيل له: "راجعها، فإنها صَوَّامة قوَّامة، وهي من أزواجك ونسائك في الجنّة" (ابن سعد، جـ ٨، ص ٥٨) أضف إلى ذلك أن عمر حزن على ما أصاب ابنته حزنًا شديدًا (من المرجح أن جزع عمر كان السبب في مراجعة النبي [ ﷺ ] لحفصة). وتحلل النبي [ ﷺ ] من يمينه بتحريم مارية بالكفارة وهجر أزواجه تسعًا وعشرين ليلة. ويرجع نولدكه تاريخ هذا الحادث إلى سنة ٧ هـ (٦٢٨ - ٦٢٩ م)، ويرجعه كيتانى إلى سنة ٩ هـ (٦٣٠ - ٦٣١ م). ومن الواضح أن بعض رواة الأحاديث لم يرضو عن هذه القصة فقد رأوا فيها ما يمس النبي [ ﷺ ]: ويؤكدون أن الحديث الذي أسره النبي [ ﷺ ] إلى حفصة وأفشته لعائشة، هو أنه أخبرها بأن الخلافة بعده تكون في أبى بكر وعمر (البلاذرى، أنساب الأشراف، جـ ١، ص ٤٢٤ إلخ ... )
أما عن الآية الأولى من سورة التحريم فتزودنا المصادر بأسباب نزول أخرى، ولكنها تقر التفسير المتقدم لما يليها من آيات، وهذه الأسباب هي أن النبي [ ﷺ ] زار إحدى زوجاته، ويقال بصفة عامة إنها أُم سلمة، ويقال أحيانًا إنها حفصة (ابن سعد، جـ ٨، ص ٥٩ الخ ... ، وفى هذه الحالة تتغير الأسماء كما سيأتى) فاحتبس أكثر ما كان يحتبس، حيث قدمت له شرابا من عسل كان يحبه. فتواطأت عائشة وحفصة، وبعض زوجات النبي [ ﷺ ] الأخريات
стр. 4034
حتى لا يصبح ذلك عادة: فقالت له إحداهن تلو الأخرى حين دنا منها: ما هذه الريح التي أجد منك: أكلت مغافير (لبانة شامية حلوة من شجرة العرفط) ولكن النبي [ ﷺ ] لم يكن أكل من هذا النبات، ومن ثم فإن هذه الريح لا يمكن أن تأتى إلا مما شربه من قبل عند أم سلمة، وأن السبب هو أن العرفط قد جرسه النحل. وكان من نتيجة ذلك أن حرم النبي [ ﷺ ] على نفسه شرب العسل، وقد حلله الله. وفى حديث من الأحاديث (البخاري، جـ ٣، ص ٢٥٨، جـ ٤، ص ٢٧٣ وما بعدها) نجد أن السر الذي أسره النبي [ ﷺ ] إلى إحدى زوجاته، والقسم الذي يشير إليه القرآن يتعلقان بتحريم النبي [ ﷺ ] شرب العسل على نفسه (وليس بحادث مارية القبطية). ومن ثم نجد بعض رواة الحديث المتقدمين يؤكدون وجود قاعدة أخلاقية مختلفة عن تلك القاعدة التي سادت في وسط النبي [ ﷺ ]، محاولين بقدر الإمكان تعديل الروايات التي نقلها رواة آخرون. وهذا الاتجاه الذي يرمى إلى فرض ستار من التحفظ الحكيم على حياة النبي [ ﷺ ] الزوجية تؤكده التفاسير الحديثة، وخاصة تلك النسخة من القرآن وترجمته التي نشرها مولانا محمد على برعاية الطائفة الأحمدية.
وثم حادثة أخرى لم يشر القرآن إليها، توضح لنا مرة أخرى كيف حاولت عائشة وحفصة الكيد لسيدة نبيلة الأرومة هي أسماء بنت النعمان الجونية التي أرسل النبي [ ﷺ ] إلى قبيلتها طالبًا الزواج منها. إذ أنهما بعد أن قاما بتزينيها للدخول بالنبى [ ﷺ ] نصحتاها حين يقربها أن تقول (إنى أعوذ بالله منك) وأخبرتاها بأن هذه العبارة تسره إذا فاهت بها امرأة في مثل هذه الظروف. وكان من نتيجة هذه النصيحة أن النبي [ ﷺ ] غطى وجهه بكم عباءته، وقال ثلاث مرات (أنا الذي أعوذ بالله منك) وتركها وسرعان ما أعادها إلى قبيلتها محملة ببعض الهدايا ليخفف عنها حزنها، ولم تتزوج المسكينة مرة أخرى، وماتت كمدًا. وعن حفصة وهي واحدة من زوجات النبي [ ﷺ ] الأربع اللاتى كن أحب نسائه إليه يقول القرآن في سورة الأحزاب الآية ٥١ ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا
стр. 4035
يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا﴾. وتبين هذه الآية أن الله رخص للنبى [ ﷺ ] أن يؤخر أو يقدم ما يشاء من زوجاته ولا حرج عليه في ذلك. وكانت أحب زوجاته إليه عائشة وزينب وأم سلمة، ولكن البلاذرى (أنساب الأشراف، جـ ١، ص ٤٤٨، ٤٦٧) واليعقوبي (جـ ٢، ص ٩٣) يضيفان حفصة إليهن. وفى مرض النبي [ ﷺ ] الأخير تذكر الأحاديث المحاولات التي بذلتها عائشة وحفصة لتدبير أن يقع حديث خاص بين النبي [ ﷺ ] وبين أبويهما قبل وفاته مع استبعاد صحابته الآخرين، وعلى بخاصة. وهذا أمر محتمل بالتأكيد رغم أن هذه الأحاديث تناقضها أحاديث أخرى فيما يتعلق بالأشخاص الذين دعاهم النبي [ ﷺ ] ليكونوا بجواره. ويستحيل علينا القول أي هذه الأحاديث أقرب إلى الصحة. وتذكر بعض الأحايث أن النبي [ ﷺ ] أرسل حفصة إلى أبي بكر ليؤم الناس في الصلاة في أثناء مرضه. ويقال إن حفصة اقترحت على النبي بناء على نصيحة عائشة (أو نصيحة [ ﷺ ] أبي بكر عن طريق عائشة) أن يكلف عمرًا بهذا الأمر بدلًا من أبي بكر نظرًا لضعف صحته الشديد، وأن صوته قد تخنقه العبرات، ويبدو غريبًا أن تصدر هذه النصيحة من عائشة؛ على أنه قد أشير إلى أن من اختير لإمامة الناس في الصلاة، لا بد أن يحس بالضر أكثر من إحساسه بما يصيبه من فضل بخلافة النبي ﵇ في وقت لم يكن فيه لهذه المهمة أي مغزى سياسى بعد. وفى هذا الشأن أيضًا رويت بعض الأحاديث المختلفة كل الاختلاف ..
بعد موت النبي [ ﷺ ] خصص لحفصة مثل سائر زوجات النبي راتب سنوى، وحظيت باحترام المسلمين، ولكنها لم تقم بأى دور سياسى حتى في أثناء خلافة أبيها، ويتعلق كل ما روى عنها خلال هذه الفترة بأمور غير ذات بال، فقد سألها بعض الصحابة أن تلح على عمر في أن يخصص لنفسه من بيت المال راتبًا أسخى، ولكن عمر لم يكن بالذى يقتنع بذلك: لأنه انتهج نهج النبي [ ﷺ ] وعاش عيشة غاية في الاقتصاد في مطعمه وملبسه، كان يأكل القليل ويلبس الخشن من الثياب. على
стр. 4036
أن حفصة حضته على أن يوسع على نفسه دون جدوى وغلبها الغضب لما قتل أبو لؤلؤة والدها فكانت من بين من حرضوا عبيد الله بن عمر على الثأر من الهرمزان، حتى أن أخاها عبد الله ضاق بهذا التدخل فصاح "رحم الله حفصة" (ابن سعد جـ ٣ - ١، ص ٢٥٩). وعندما انتقضت عائشة وطلحة والزبير على علىَّ، أرادت حفصة الانضمام إلى هذه الجماعة، ولكن أخاها عبد الله ألح عليها ألا تتورط في هذا الأمر. ولما جرى التحكيم على الخلافة في "أذرح" حثت حفصة عبد الله على أن يشترك فيه ليحول دون انقسام المجتمع الإسلامى. ويبرهن هذان الحادثان وحدهما على أنها لم تشترك في الأحداث التي وقعت فى أثناء الفتنة الكبرى.
وفاة حفصة: تقول أغلب المصادر أن حفصة توفيت بالمدينة في شهر شعبان سنة ٤٥ هـ (أكتوبر - نوفمبر ٦٦٥ م) أي خلافة معاوية، وتذكر بعض المصادر أن وفاتها كانت سنة ٤١ هـ (٦٦١ - ٦٦٢ م) عقب تولى معاوية الخلافة مباشرة ويقول ابن الأثير (جـ ٣، ص ٧٣) إن وفاتها كانت سنة ٢٧ هـ (٦٤٧ - ٦٤٨ م) (! ) وإن مروان ابن الحكم الذي كان واليًا على المدينة وقتذاك سار في جنازتها وصلى عليها.
نص القرآن في حوزة حفصة: كانت أول مجموعة من نصوص القرآن التي جمعها زيد بن ثابت بأمر من أبي بكر من ممتلكات حفصة الخاصة، وظلت هذه المجموعة في حوزة أبي بكر، وانتقلت بعد وفاته إلى أيدى عمر ثم إلى حفصة (Noeldeke-Schwally جـ ٢ Gesch: ص ١٥). وقد أفادت الجماعة التي عهد إليها عثمان بجمع أول نسخة رسمية من القرآن بهذه الصُحُفْ، وأعادتها إلى حفصة بعد أن انتهت هذه المهمة. فلما ماتت حفصة انتقلت إلى مروان ابن الحكم الذي أعدمها (البلاذرى، جـ ١، ص ٤٢٧).
شخصية حفصة. لم تكن لحفصة شخصية بارزة، ذلك أنها لم تتصف بما اتصفت به عائشة من نشاط وذكاء وجاذبية ولا اتصفت بالحصافة والرصانة والنجدة مثل أم سلمة، ولم تظهر شخصيتها ظهورًا بينًا من خلال
стр. 4037
الروايات التي تحدثت عنها بالرغم من أن بعض الأحاديث تؤكد أنها أشبهت أباها (مثال ذلك، ابن حنبل، جـ ٦، ص ١٤١، ٢٣٧ وما بعدها) ومن العسير أن نجد أي وجه للتشابه بينهما، وربما تشير هذه الأحاديث إلى السهولة التي تستسلم بها إلى عاطفتها، أو إلى قدرتها على السير في حياتها على طريقتها الخاصة. ولم تكن بالتأكيد من أوسم النساء وأكثرهن خضوعًا. وحين هدد رسول الله بتطليق زوجاته كلهن (البلاذرى، أنساب الأشراف، جـ ١، ص ٤٢٥ وما بعدها الخ .. ) قال عمر لحفصة لا تلحفى في سؤالك ولا تراجعى رسول الله، ولا تسأليه شيئًا وسلينى من مالى ما بدا لك، ولا يغرنك أن كانت جارتك هي أوسم وأحب إلى رسول الله [ ﷺ ] منك، يريد عائشة. ومن المؤكد أن حفصة لم تكن تغار من بنت أبي بكر، بل على العكس، فقد كانتا صديقتين، وتذكر كثير من الأحاديث أنهما كانتا تتناولان الطعام معًا وتصومان معًا، وتعين كل منهما الأخرى للحفاظ على مكانهما بين نساء النبي [ ﷺ ]، وربما سعتا إلى رفع شأن والديهما. على أننا يجب أن نذكر أنه في سنوات زواجهما الأولى كانت حفصة هي المهيمنة على عائشة التي كانت لا تزال صبية، ولكن سرعان ما انتقلت هذه الهيمنة إلى عائشة فسيطرت على جماعة من جماعتين من زوجات النبى [ ﷺ ] (عائشة، حفصة، سودة، صفية). وإذا كان لحفصة أى تأثير على النبي ثم على أبيها، فلا بد أنها مارست هذا التأثير عليهما في حصافة بالغة حتى أن المصادر لم تذكر ذلك. ولم تعرف حفصة القراءة والكتابة، بينما كانت بعض زوجات النبي ﵇ يقرأن ولا يكتبن وبعضهن أميات كل الأمية.
المصادر:
أ - بيانات من التراجم.
(١) ابن سعد: الطبقات، جـ ٣ - ١، ص ١٩٩، ٢٢٢، ٢٥٩، ٢٨٦؛ جـ ٨، ص ٥٦، ٥٨، ٧٦، ١٣١ وما بعدها، ص ١٣٣ وما بعدها، ص ٢٢٢.
(٢) ابن حبيب: المُحبِّر، طبعة حيدر آباد، سنة ١٣٦١ هـ (١٩٤٢ م)، ص ٥٤، ٨٣، ٩٢ , ٩٥، ٩٩.
стр. 4038
(٣) ابن قتيبة: المعارف، طبعة وستنفلد، ص ٦٦.
(٤) البلاذرى: أنساب الأشراف، طبعة حميد الله، جـ ١، القاهرة سنة ١٩٥٩، ص ٢١٤، ٤٢٢ - ٤٢٨، ٤٣١, ٤٤٨، ٤٦٧، ٥٥٤ - ٥٥٧.
(٥) المؤلف نفسه: فتوح البلدان، ص ٤٧٢.
(٦) اليعقوبى: طبعة هوتسما، جـ ٢، ص ٩٣، ٢٨٢ وما بعدها.
(٧) الطبرى: جـ ١، ص ١٣٨٣، ١٧٧١، ١٨٠١، ١٨١٠، ٢٢٤١، ٢٢٤٢، ٢٧٣٢، ٣١٠٠، ٣١٠١، ٣١٠٥؛ جـ ٣, ص ١٤٤١ وما بعدها.
(٨) ابن حنبل: المسند، طبعة القاهرة سنة ١٣١٣ هـ، جـ ١، ص ١٢، ٢٥٦؛ جـ ٢، ص ٢٧، جـ ٣، ص ٤٧٨؛ جـ ٤، ص ٧٥، ١٤١، ٢٣٧ وما بعدها، ص ٢٦٣، ٢٨٣ - ٢٨٨.
(٩) البخاري: طبعة كرهل Krehl, جـ ١، ص ١٧٦، جـ ٢، ص ١٣٢ وما بعدها، جـ ٣، ص ٩٦، ٢٠٦ وما بعدها، ص ٣٥٩، ٣٦٠ م وما بعدها، ص ٣٩٣، ٤٢٥، ٤٢٨، ٤٣١، وما بعدها، ص ٤٤٢.
(١٠) مسلم: الصحيح، طبعة بولاق سنة ١٢٩٠ هـ، جـ ١، ص ٤٢٦.
(١١) النسائي: السنن طبعة القاهرة سنة ١٣١٢ هـ, جـ ٢، ص ٧٥، ٧٧.
(١٢) ابن عبد البر: الاستيعاب، طبعة حيدر آباد سنة ١٣١٨ - ١٣١٩ هـ، ص ٧٣٤ (وقسم ٣٢٤٨).
(١٣) ابن الأثير: أسد الغابة، جـ ٥، ص ٢٤٥ وما بعدها.
(١٤) المؤلف نفسه: الكامل، جـ ٢، ص ١١٤، ٢٣٤، ٣٩٣؛ جـ ٢، ص ٧٣، ١٦٨.
(١٥) ابن حجر: الإصابة، طبعة كلكته سنة ١٨٥٦ - ١٨٩٣, جـ ٤، ص ٥٢٠ - ٥٢٣ (رقم ٢٩٤) , ص ٥٤٧، ٧٦٩ وما بعدها، ص ٨٨٨.
(١٦) ابن تغرى بردى: طبعة ليدن سنة ١٨٥١ - ١٨٥٧، جـ ١، ص ١٣٨، ١٤٦ وما بعدها.
(١٧) الديار بكرى: تاريخ الخميس
стр. 4039
(طبعة القاهرة) سنة ١٣٠٢ هـ, جـ ١، ص ٣٢٥، ٤٦٩.
(١٨) الحلبى: السيرة الحلبية، طبعة الإسكندرية سنة ١٢٨٠ هـ, جـ ٢، ص ٤٠٥؛ جـ ٣، ص ٤٣٧ - ٥٤٢ (تفصيلات عن طلاق حفصة).
ب - مصادر الكتاب الغربيين:
(١) Annali: L. Caetani أخبار سنة ١ هـ فصل ١٥، رقم ٣٨؛ أخبار سنة ٣ هـ؛ فصل ١٠؛ أخبار سنة ٧ هـ، فصل ٤٢؛ أخبار سنة ٩ هـ, فصل ٢٣؛ أخبار سنة ١١ هـ, فصل ٢٦، حاشية ١، فصل ٢٢١، حاشية ١، فصل ٢٢٩ رقم ١٤، ٢٣١، ٢٣٢؛ أخبار سنة ٣٢ هـ، فصل ١١٠ والكشافات، أخبار سنة ٣٦ هـ فصل ٣٠، وأخبار سنة ٣٨ هـ، فصل ٣٧.
(٢) Le "Triumvirat" d': H. Lamens Abou Bekr, Omar et Abou Obaida في Mélanges de La Faculté orientale, de Bei- rut، جـ ٤، ص ١٢٠، ١٢٣ وما بعدها.
(٣) المؤلف نفسه Fatima et les Filles de Mohomet رومة سنة ١٩١٢، ص ١٥، ٢٣، ٤٦، ٥٦، ٨٦.
(٤) Aishah the beloved: N. Abott Muhammed الطبعة الثانية، شيكاغو سنة ١٩٤٤، ص ٩ - ١٢، ٤١, وما بعدها، ص ٤٤، ٥٠ - ٥٤، ٦٣، ٧٧، ٩٦، ١٣٨، ٢٠٥.
(٥) Marriage in early Islam: G. Stem, لندن سنة ١٩٣٩، ص ١٣٢ - ١٣٤. حادث زواج مارية القبطية وطلاق حفصة.
(٦) ابن سعد، جـ ٨، ص ٥٩، ١٣٣ وما بعدها.
(٧) البلاذرى، جـ ١، ص ٤٢٣, ٤٢٦, ٤٢٧.
(٨) الديار بكرى، جـ ٢، ص ١٣٥. حادث شرب العسل.
(٩) ابن سعد، جـ ٨، ص ٧٦، ١٢٢ وما بعدها.
(١٠) البلاذرى، جـ ١، ص ٤٢٤ وما بعدها.
стр. 4040
(١١) ابن حنبل، جـ ٦، ص ٥٩، ٢٢١.
(١٢) البخارى، جـ ٣، ص ٣٥٨، ٤٦٢ وما بعدها، جـ ٤، ص ٢٧٣ وما بعدها.
(١٣) النسائي، جـ ٢، ص ١٤١ وما بعدها. مصادر عن بعض التفاسير، وكتاب أسباب النزول - المشروح فيها السورة ٦٦ من القرآن (سورة التحريم) الآيات من ١ - ٥ حول الحادث موضع المناقشة.
(١٤) الطبرى، التفسير، طبعة القاهرة، سنة ١٣٢١ هـ, جـ ٢٨، ص ٩٠ - ٩٥.
(١٥) الزمخشرى، طبعة كلكته سنة ١٨٥٦ - ١٨٥٩، جـ ٢، من ١٤٩٩ - ١٥٠١.
(١٦) البيضاوى، طبعة Fleischer, جـ ٢، ص ٣٤٠ وما بعدها.
(١٧) مولوى محمد على The Holy Our-an، الطبعة الثانية، لاهور سنة ١٩٢٠، ص ١٠٨٩ - ١٠٩٢.
(١٨) الواحدى، كتاب أسباب النزول، طبعة القاهرة سنة ١٣١٥ هـ, ص ٣٢٥ - ٣٢٧ مكيدة دبرت لأسماء بنت النعمان:
(١٩) ابن سعد، جـ ٨، ص ١٠٤.
(٢٠) البلاذرى، جـ ١، ص ٤٥٧.
(٢١) الطبرى، جـ ٣، ص ٢٤٥٨.
(٢٢) ابن حجر، جـ ٤، ص ٤٤٣، ٤٤٤. ما كان في حوزة حفصة من صحف القرآن.
(٢٣) البخارى، جـ ٣، ص ٣٩٣.
(٢٤) ابن الأثير، جـ ٣ ص ٨٦.
(٢٥) السيوطى، الإتقان، طبعة كلكته سنة ١٨٥٧، ص ١٣٣ وما بعدها.
(٢٦) Geschichte des: Noeldeke-Schwally Qoran، جـ ٢، ص ١٥، ١٩، ٢١، ٢٣، ٢٧, ٤٣، ٤٨، ٦٧ والكشافات.
(٢٧) آيات القرآن (سورة التحريم الآيات من ١ - ٥، وشرح المفسرين: وانظر جـ ١ ص ٢١٧.
(٢٨) Introduction to the Qur'an: R. Bell, ادنبرة، سنة ١٩٤٥، ص ٤٠، ٤٢، ٤٤، ٩٧.
حسن شكرى (فتشيا فالييرى [L.Veccia Vaglieri]
стр. 4041
التعليق على مادة حفصة:
لقد كفانا الدكتور محمد حسين هيكل الرد على ما أثاره كاتب هذه المادة من شبهات. وذلك في كتابه القيم: "حياة محمد"، قال:
وحدث أن كانت حفصة يومًا قد ذهبت إلى أبيها فتحدثت عنده. وجاءت مارية إلى النبي [ ﷺ ] وهو في دار حفصة وأقامت بها زمنًا معه. وعادت حفصة فوجدتها في بيتها، فجعلت تنتظر خروجها وهي أشد ما تكون غيرة، وجعلت كلما طال بها الانتظار تزداد الغيرة بها شدة. فلما خرجت مارية ودخلت حفصة على النبي [ ﷺ ]، قالت له: "لقد رأيت من كان عندك، والله لقد سببتنى. وما كنت لتصنعها لولا هوانى عليك". وأدرك محمد [ ﷺ ] أن الغيرة قد تدفع حفصة إلى إذاعة ما رأت والتحدث به إلى عائشة أو إلى غيرها من أزواجه، فأراد إرضاءها بأن حلف لها أن مارية عليه حرام إذا هي لم تذكر مما رأت شيئًا، ووعدته حفصة أن تفعل. لكن الغيرة أكلت صدرها فلم تطق كتمان ما به، فأسرته إلى عائشة. وأومأت هذه إلى النبي [ ﷺ ] بما رأى منه أن حفصة لم تصن سِرَّه. ولعل الأمر لم يقف عند حفصة وعائشة من أزواج النبي [ ﷺ ]. ولعلهن جميعًا وقد رأين ما رفع من مكانة مارية قد تابعن عائشة وحفصة حين ظاهرتا على النبي [ ﷺ ] على أثر قصة مارية هذه، وإن تكن لذاتها قصة لا شيء فيها أكثر مما يقع بين رجل وزوجه، أو بين رجل وما ملكت يمينه، مما هو حل له ومما لا موضع فيه لهذه الضجة التي أثارتها ابنتا أبي بكر وعمر محاولتين أن تقتصا لذاتيهما من ميل النبي [ ﷺ ] لمارية. وقد رأينا أن شيئًا من الجفوة وقع بين النبي [ ﷺ ] وأزواجه في أوقات مختلفة بسبب النفقة، أو بسبب عسل زينب، أو لغير ذلك من الأسباب التي تدل على أن أزواج النبي [ ﷺ ] كن يَجِدن عليه أن يكون لعائشة أحب، أو أن يكون لمارية أهوى.
стр. 4042
وبلغ من أمرهن أن أوفدن إليه يومًا زينب بنت جحش وهو عند عائشة تصارحه بأنه لا يعدل بين نسائه، وأنه لحبه لعائشة يظلمهن. ألم يجعل لكل امرأة يومًا وليلة! ثم رأت سودة انصراف النبي [ ﷺ ] عنها وعدم بشاشته لها، فوهبت يومها وليلتها لعائشة إرضاء للرسول [ ﷺ ]، ولم تقف زينب من سفارتها عند الكلام في ميل النبي عن العدل بين نسائه، بل نالت من عائشة وهي جالسة بما جعل عائشة تتحفز للرد عليها لولا إشارات من النبي [ ﷺ ] كانت تهدئ من حدتها. غير أن زينب اندفعت ولج بها الاندفاع وبالغت في النيل من عائشة، حتى لم يبق للنبى [ ﷺ ] بُدٌّ من أن يدع لحميرائه أن تدافع عن نفسها. وتكلمت عائشة بما أفحم زينب وسَرَّ النبي [ ﷺ ] ودعاه إلى الأعجاب بابنة أبى بكر.
وبلغت منازعات أمهات المؤمنين في بعض الأحايين، بسبب إيثاره بعضهن بالمحبة على بعضهن، حدًا هم النبي [ ﷺ ] معه أن يطلق بعضهم لولا أنهن جعلنه في حل أن يؤثر من يشاء منهن على من يشاء. فلما ولدت مارية إبراهيم لجت بهن الغيرة أعظم لجاج، وكانت بعائشة ألج. ومدَّ لهن في لجاج الغيرة بهن هذا الرفق الذي كان محمد [ ﷺ ] يعاملهن به، وهذه المكانة التي رفعهنَّ إليها. ومحمد [ ﷺ ] ليس خليًّا فيشغل وقته بهذا اللجاج ويدع نفسه لعبث نسائه، فلا بد من درس فيه حزم وفيه صرامه يرد الأمور بين أزواجه إلى نصابها، ويدع له طمأنينة التفكير فيما فرض الله عليه من الدعوة إلى رسالته. وليكن هذا الدرس هجرهن والتهديد بفراقهن، فإن ثبن إلى رشادهن فذاك، وإلا متعهن وسرحهن سراحًا جميلًا.
وانقطع النبي [ ﷺ ] عن نسائه شهرًا كاملًا لا يكلم أحدًا في شأنهن، ولا يجرؤ أحد أن يفاتحه في حديثهن. وفى خلال هذا الشهر اتجه بتفكيره إلى ما يجب عليه وعلى المسلمين للدعوة إلى الإسلام، ولمد سلطانه إلى ما وراء شبه الجزيرة. على أن أبا بكر وعمر وأصهار النبي [ ﷺ ] جميعًا كانوا في قلق أشد القلق على ما قُدِّر مصيرًا لأمهات
стр. 4043
المؤمنين، وما يتعرضن له من غضب رسول الله [ ﷺ ]، وما يجر إليه غضب الرسول من غضب الله وغضب ملائكته، بل لقد قيل: إن النبي [ ﷺ ] طلق حفصة بنت عمر، بعد الذي كان من إفشائها ما وعدت أن تكتمه. وقد سرى الهمس بين المسلمين أن النبي [ ﷺ ] مطلق أزواجه، وأزواجه خلال ذلك مضطربات نادمات أن دفعتهن الغيرة إلى إيذاء هذا الزوج الرفيق بهن، هو منهن الأخ والأب والأبن وكل ما في الحياة وما وراء الحياة. وجعل محمد [ ﷺ ] يقضى أكثر وقته في خزانة له ذات مشربة، يجلس غلامه رباح على أسْكُفَّتها (عتبتها) ما أقام هو بالخزانة، ويرقى هو إليها على جذع من نخل هو الخشونة كل الخشونة.
وإنه لفى خزانته يوم أو في الشهر الذي نذر فيه هجر نسائه على التمام، وقد أقام المسلمون بالمسجد مطرقين ينكتون الحصى ويقولون: طلق رسول الله [ ﷺ ] نساءه، ويأسون لذلك أسى يبدو على وجوههم واضحًا عميقًا، إذ قام عمر من بينهم فقصد إلى مقام النبي [ ﷺ ] بخزانته، ونادى غلامه رباحًا كى يستأذن له على رسول الله ﷺ . ونظر إلى رباح يروم الجواب، فإذا رباح لا يقول شيئًا علامة أن النبيّ لم يأذن. فكرر عمر النداء، ولم يجب رباح مرة أخرى. فرفع عمر صوته قائلا: (يا رباح استأذن لى عندك على رسول الله [ ﷺ ] فإنى أظنه ظن أنى جئت من أجل حفصة. "والله لئن أمرنى بضرب عنقها لأضربن عنقها". وأذن النبي [ ﷺ ]، فدخل عمر فجلس ثم أجال بصره فيما حوله وبكى. قال محمد: ما يبكيك يا بن الخطاب؟ وكان الذي أبكاه هذا الحصير الذي رأى النبي [ ﷺ ] مضطجعًا عليه وقد أثَرَّ في جنبه، والخزانة لا شيء فيها إلا قبضة من شعير ومثلها من قرظ وأفيق (جلد) معلق. فلما ذكر عمر ما يبكيه علَّمه محمد من وجوب الإعراض عن الدنيا ما ردَّ إليه طمأنينته، ثم قال عمر: يا رسول الله، ما يشق عليك من أمر النساء؟ إن كنت طلقتهن فإن الله معك وملائكته وجبريل وميكائيل وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك. ثم انعكف يحدث
стр. 4044
النبي [ ﷺ ] حتى تحسَّر الغضب عن وجهه وحتى ضحك فلما رأى عمر ذلك منه ذكر له أمر المسلمين بالمسجد وما يذكرون من طلاقه نساءه. فلما ذكر النبي [ ﷺ ] أنه لم يطلقهن استأذنه في أن يفضى بالأمر إلى أولئك المقيمين بالمسجد ينتظرون. ونزل إلى المسجد، فنادى بأعلى صوته: لم يطلق رسول الله [ ﷺ ] نساءه. وفى هذه القصة نزلت الآية الكريمة:
﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٢) وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (٣) إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (٤) عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ (١).
وبذلك انتهى الحادث، وثاب إلى نساء النبي [ ﷺ ] رشادهن، ورجع هو إليهن تائبات عابدات مؤمنات، وعادت إلى حياته البيتية السكينة التي يحتاج اليها كل إنسان لأداء ما فُرض عليه أداؤه.
ما قصصت الآن، عن هجر محمد [ ﷺ ] نساءه وتخييره إياهن ومقدمات هذا الهجر ونتائجه والوقائع التي سبقته وأدت إليه، هو في رأيى الرواية الصحيحة لتاريخ هذا الحادث. وهى رواية يتضافر على تأييدها ما جاء في كتب التفسير وفى كتب الحديث، وما جاء متفرقًا عن أخبار محمد [ ﷺ ] ونسائه في كتب السيرة المختلفة. بيد أنه لم تكن واحدة من هذه السير تَقُصُّ الحوادث أو تضع المقدمات والنتائج بالصورة التي سردناها ها هنا. وأكثر السير تمر بهذا الحادث مَرًّا دون أن تقف عندها؛ وكأنما تجده خشن الملمس فتخشى أن تقربه. وبعضها يقف عند رواية العسل والمغافير، ولا يشير بكلمة إلى مسألة حفصة ومارية. فأما
стр. 4045
المستشرقون فيجعلون مسألة حفصة ومارية وإفضاء حفصة إلى عائشة بما عاهدت النبى [ ﷺ ] أن تكتمه، سبب كل الذى وقع؛ ليحاولوا بذلك أن يضيفوا جديدًا لما يلقون فى روع قرائهم عن النبىّ [ ﷺ ] العربى من أنه كان رجلًا محبًا للنساء حبًا معيبًا، وعندى أن المؤرخين المسلمين لا عذر لهم فى إغفال هذه الوقائع ولها مغزاها الدقيق الذى سقنا شيئًا من أمره، وأن المستشرقين يتخطَّون الدقة التاريخية متأثرين فى ذلك بهواهم المسيحى. فالنقد التاريخى النزيه يأبى كل الإباء على أى إنسان، بلَهْ عظيم كمحمد [ ﷺ ]، أن يجعل من إفضاء حفصة لعائشة بأنها وجدت زوجها فى بيتها مع مولاة له هى ملك يمينه، فهى بذلك حِلُّ له. سببًا لهجر محمد نساءه جميعًا شهرًا كاملًا، وتهديده إياهن جميعا بأن يطلقهن. والنقد التاريخى النزيه يأبى كذلك أن تكون حكاية العسل سبب هذا الهجر والتهديد. فإذا كان الرجل عظيمًا، رفيقًا كمحمد [ ﷺ ]، واسع الصدر طويل الأناة متصفًا بما لمحمد من سائر الصفات التى يقر له بها مؤرخوه على السواء، كان اعتبار أىّ الحادثين لذاته سببًا لهذا الهجر والتهديد بالطلاق مما يَزْوَرّ عند النقد التاريخى وينأى عنه بجانبه أشد النأى، وإنما يطمئن هذا النقد ويستقيم منطق التاريخ إذا سيقت الحوادث المساق الذى لا مفر معه من أن تؤدى إلى نتائجها المحتومة، فتصبح بذلك أمورًا طبيعية يسيغها العقل ويرضاها العلم. وما فعلنا نحن هو فى نظرنا المساق الطبيعى للحوادث، وهو الذى يتفق مع حكمة محمد [ ﷺ ] وعظمته وحزمه وبعد نظره.
ويتحدث بعض المستشرقين عما نزل من الآيات فى مستهل سورة التحريم مما نقلنا هنا، ويذكر أن كتب الشرق المقدسة جميعا لم تشر إلى مثل هذا الحادث المنزلى على هذه الصورة. وما أحسبنا فى حاجة إلى أن نذكر ما ورد بالكتب المقدسة جميعًا والقرآن من بينها، عن قوم لوط ونقيصتهم، وما كان من مجادلتهم الملكين ضَيْفَى لوط، ولا ما ورد فى هذه الكتب عن إمرأته وأنها كانت من الغابرين. بل إن التوراة لتقص نبأ ابنتى لوط، إذ سقتا أباهما حتى ثمل ليلتين متتاليتين ليمس كل واحدة منهما ليلة كيما يخصبها فتلد،
стр. 4046
مخافة فناء آل لوط بعد أن أنزل الله بهم من الجزاء ما أنزل. ذلك بأن الكتب المقدسة جميعًا جعلت من قصص الرسل وسيرهم وما صنعوا وما أصابهم عبرة للناس. وقد جاء فى القرآن كثير من ذلك، قص الله فيه على رسوله [ ﷺ ] أحسن القصص. والقرآن لم ينزل لمحمد [ ﷺ ] وحده، وإنما نزل للناس كافة. ومحمد [ ﷺ ] نبى ورسول خلت من قبله الرسل الذين قصَّ القرآن أخبارهم. فإذا قصَّ القرآن من أخبار محمد [ ﷺ ] وتناول من سيرته ليكون للمسلمين مثلًا، وليكون للمسلمين فيه أسوة حسنة، وأشار إلى حكمته فى تصرفاته، فلا شئ من ذلك يخرج عما أوردت سائر الكتب المقدسة وما أورد القرآن من سير الأنبياء. فإذا ذكرت أن هجر محمد [ ﷺ ] نساءه لم يكن لسبب منفرد من الأسباب التى رويت فى شأنه، ولم يكن لأن حفصة أفضت إلى عائشة بما فعل محمد [ ﷺ ] مع مارية مما يحقّ لكل رجل مع أزواجه وما ملكت يمينه، رأيت فى هذه الملاحظة التى يبديها بعض المستشرقين ما لا يثبت أمام النقد التاريخى، ولا يتفق مع ما جرت به الكتب المقدسة فى شأن الأنبياء وحياتهم وأخبارهم.
محمد حسين هيكل، حياة محمد، الطبعة الرابعة عشرة، القاهرة سنة ١٩٧٧, ص ٤٥٠ - ٤٥٥.
حفصة بنت الحاج
الركونيّة بضم الراء أو فتحها: شاعرة غرناطية ولدت بعد عام ٥٣٠ هـ (١١٣٥ م) وتوفيت عام ٥٨٩ هـ (١١٩٠ - ١١٩١ م) ويمتدح ابن الخطيب (الإحاطة فى أخبار غرناطة، جـ ١ ص ٣١٦) وغيره من الكتاب جمالها، وامتيازها، وثقافتها الأدبية، وذكاءها، ومواهبها الشعرية، وتذكرها الأجيال اللاحقة قبل كل شئ بقصة حبها الشاعر أبا جعفر بن سعيد من أسرة بنى سعيد. وكان أبو جعفر مصدر إلهامها فى معظم ما بقى لنا من شعرها. ولما بلغ أبو سعيد عثمان بن عبد المؤمن الموحدى غرناطة راحت شاعرتنا تغشى بلاطه وتورطت معه فى مكيدة فى الحب (ولو أنها لم تهجر أبا جعفر)، بل هى قد بعثت فى وفد إلى عبد المؤمن فى الرباط. ويقال فى هذه
стр. 4047
المناسبة إن عبد المؤمن منحها قرية أو ضيعة تسمى الرُكونة بالقرب من غرناطة، إليها نسبت وإن كانت هذه القرية لا تعرف إلا بذلك الحادث. وكانت الغيرة عنصرًا فى موقف أبى جعفر السياسى وفى عداء أبى سعيد له، وانتهى الأمر بأن أمر أبو سعيد بقتل غريمه وصلب أبى جعفر سنة ٥٦٠ هـ (١١٦٥ م)، ورثت حفصة حبيبها الفقيد بقصيدة تجيش بالحزن الذى يحرك الأشجان، ولبست السواد مخاطرة بما قد ينزل بها من اضطهاد، ثم هجرت الشعر رويدًا رويدًا، وهيأت نفسها للتدريس. وختمت حياتها فى مراكش حيث عهد إليها السلطان يعقوب المنصور بتأديب الأميرات الموحديات.
ولم يبق من شعرها الذى غلب عليه الجو الرومانتيكى الذى كان لا يزال يسود الأندلس إلا ٧٠ بيتًا تشهد ببراعة الصنعة الواعية، ولو أنه يظهر فيها لمسات ذاتية من المشاعر الأصيلة صيغت فى كثير من الأحيان بأسلوب برئ كل البراءة من الخطابيات المصنوعة.
المصادر:
(١) ياقوت: إرشاد الأريب، جـ ٤، ص ١١٩ - ١٢٣ (= معجم الأدباء، جـ ١٠، ص ٢١٩ - ٢٢٧).
(٢) ابن الخطيب: الإحاطة فى أخبار غرناطة، القاهرة ١٣١٩ هـ, جـ ١, ص ٣١٦ - ٣١٨.
(٣) المقرى: نفح الطيب = Analectes, جـ ١, ص ١٠٨, ص ١٤٧ - ٥٤٤.
(٤) ب .. يموت: شاعرات العرب فى الجاهلية والإسلام، بيروت سنة ١٩٣٤, ص ٢١٥ - ٢١٩.
(٥) Hispano - Arabic: A.R. Nykl poétry بلتيمور سنة ١٩٤٦.
(٦) Une poétesse: L. Di Giacomo andalouse du temps des Almohades: Haf- .sa bint al - Hâjj ar - Rukunik فى مجلة Hesp., جـ ٣٤ - ١, سنة ١٩٤٧, ص ٩ - ١١٠ (وهى رسالة وافية شاملة تضم سيرة أكثر من ذلك تفصيلا).
خورشيد [بلاّ Ch. Pellat]
стр. 4048
حقائق
جمع حقيقة، وهو مصطلح يدل على النظام الغنوصى للإسماعيلية والجماعات المنتسبة لها. وبهذا المعنى الاصطلاحى يستعمل الطَّيْبيَة بخاصة كلمة حقائق.
وفى عهود ائمة الشريعة، أى فى وقت "الستر"، فإن الحقائق هى ما يطوى "الباطن" وهو الحقيقة الباطنية وراء التنزيل والشريعة. على حين تتغير الشريعة مع كل فترة جديدة من النبوة فإن حقيقة الحقائق خالدة. وهذه الحقيقة هى خاصة من خواص الإمام الذى يهتدى بهدى الله وطبقات الأئمة الذين يقيمهم الإمام. ولا يمكن أن تنزل الحقيقة على أى شخص إلا بالتقليد المعترف به. و (القائم) يبطل كل الشريعة الإمامية ويظهر للملأ الحقيقة المستورة وفى عهده تعرف الحقائق معرفة تامة خالية من كل رمز ولا يحتاج بعد لطبقات الأئمة بل يبطل اللجوء إليهم.
والمبدآن الأساسيان فى نظام الحقائق هما: تفسير التاريخ من حيث هو الصراع الدائم والانتصار الأخير للطبقات التى عندها الحقيقة الباطنة على أعدائها؛ ثم رأى فى خلق الكون يقسم العالم إلى مملكة للروح ومملكة للكواكب ومملكة للمادة. والقائلون بالحقائق ينظرون إلى التاريخ على اعتبار أنه تسلسل للدورات تتخللها نماذج متكررة ومواقف تؤدى إلى اكتمالها فى نظر "القائم" الذى سيحكم العالم ويقضى فيه. وجذور هذا التفسير للتاريخ شيعية، وهى تتجلى بسماتها الجوهرية بالفعل فى كتب الإسماعيلية فى القرن الثالث الهجرى (التاسع الميلادى). وأساس رأيهم فى خلق الكون، مقتبس على الأقل منذ أوائل القرن الرابع الهجرى (العاشر الميلادى) من الأفلاطونية الجديدة. فقد استحدث هذا المذهب الأفلاطونى الجديد فى خلق الكون الداعى الفارسى النسفى المتوفى سنة ٣٣٢ هـ (٩٤٣ - ٩٤٤ م). وقد نقد مذهبه، فى بعض مواضعه، معاصره أبو يعقوب السِجزى وأقتبس
стр. 4049
الإسماعيلية الفاطميون هذا المذهب فى خلق الكون فى الظاهر فحسب على عهد الخليفة المعز وقد حكم من ٣٤١ - ٣٦٥ هـ = ٩٥٣ - ٩٧٥ م) وقد تقدم بمذهب جديد فى ذلك حميد الدين الكرمانى المتوفى حوالى سنة ٤١١ هـ (١٠٢٠ م)، ولكنه لم يحظ باهتمام كبير فى عهد الفاطميين. واصطنع الطَّيبية فى اليمن مذهبًا جديدًا يوفق بين الآراء ويستحدث عناصر أسطورية، وكان ذلك على يد إبراهيم الحامدى المتوفى سنة ٥٥٧ هـ (١١٦٢ م). وظل كتابه أساس مذهب ال حق ائق عند الطيبية. وأخذ اهتمام النزارية ينصرف شيئًا فشيئًا عن الحقائق ويركز أكثر وأكثر على حقيقة الإمام على اعتبار أنه شخصية خالدة مطلقة تسمو على التاريخ وعلى العالم.
المصادر:
(١) زاهد على: همارى إسماعيلى مذهب كى حقيقت او رأس كانظام، حيدرآباد الدكن سنة ١٩٥٤، ص ٥٧٦.
خورشيد [مادلنج W. Madelung .]
حق
عاد المعنى الأول للأصل حقق غامضًا فى اللغة العربية، ولكنه يرجع للأصل المقابل له فى العبرية ومعناه "نقش على، أو فى شئ ما" ومن ثم قرر، ثبَّت، عيَّن (- Brown - Diver - Briggs He brew Lexicon , ص ٣٤٩ وما بعدها) ويجب إذن أن نبدأ فى العربية من المعنى الأول "ثبوت" لا من المعنى "مطابقة" أو "موافقة" الذى هو فى واقع الأمر معنى ثانوى ابتدعه أهل المعانى (الجرجانى: التعريفات: ص ٦١, ١١١ وما بعدها، طبعة القاهرة ١٣٢١ هـ) ومما يدعو إلى الأسف أننا نجد غير قليل من اللبس والاضطراب فى هذا الصدد فى لين (Lane، مادة حق، ص ٦٠٥ وما بعدها) الذى يستقى من بعض المعاجم العربية.
والحق، إذن، هو المتين الثابت الدائم الحقيقى؛ ومن ثم نجده فى تفاسير القرآن يفسر بكلمة (الثابت) فالبيضاوى مثلا يفسر (الحق) بوصفه من أسماء الله بالثابت ربوبيته (القرآن،
стр. 4050
سورة يونس، الآية ٣٣؛ البيضاوى، طبعة فليشر Fleischer، جـ ١، ص ٤١٤، س ٨) ويفسره أحيانًا أخرى بالثابت إلهيته فى مقابل الألوهية الباطلة للآلهة الأخرى (القرآن، سورة لقمان، الآية ٣٠؛ البيضاوى، جـ ٢ ص ١١٦, س ١٠ وما بعدها) وجاء فى سورة طه، الآية ١١٤, إنه الملك الحق، أى الثابت فى ذاته وصفاته (البيضاوى، جـ ١، ص ٦٠٧، س ٥). ثم إن البيضاوى يفسر الآية السادسة من سورة الحج "ذلك بأن الله هو الحق" ... أى بسبب أنه الثابت فى نفسه الذى به تتحقق الأشياء. ويفسر الرازى (مفاتيح الغيب، جـ ٦، ص ١٤٤، س ٣, طبع ١٣٠٨ هـ) الآية التى سبق ذكرها بقوله إنه "الموجود الثابت" ويكتفى الصحاح (انظر كلمة "حق") بتعريف الحق بأنه ضد الباطل، ويقول بأن هذا هو الاستعمال الجارى دائمًا فى القرآن وفى غير القرآن أيضًا.
واستعمال المصطلح "باطل" معروف فى العصر الجاهلى فى شعر لبيد "ألا كل شئ ما خلا الله باطل" (Di-: Huber van des Iebid ٤١, بيت ٩) وهو يرتبط فى مناحى تفكير الساميين بالأنظار العبرية: عدم، لغو، عدم التحقق فى مقابل ما هو ثابت، محقق، مؤكد. وهكذا تقابل كلمة باطل فى العربية كلمة حق. والحق اسم مناسب جدًا لإطلاقه على الله، الحقيقى الموجود بإطلاق، مثله مثل صفة نئيمان التى تطلق على يهوه (المؤمن فى القرآن، سورة الحشر، الآية ٢٣). فالله هو الثابت فى نفسه الواجب لذاته (البيضاوى فى تفسير الآية ٦٢ من سورة الحج، جـ ١، ص ٦٣٨, س ١٥) بينما كل الكائنات الأخرى تابعة له فى تحققها ووجودها (البيضاوى تفسير الآية ٦ من سورة الحج).
ومن ثم فإن أدق وأفضل ترجمة لكلمة حق هى Real أو Reality إذا ما استعملت اسما من أسماء الله الحسنى. أما ترجمتها بكلمة Truth وهى الترجمة الغالبة، فخاطئة.
ويفرق الثقات العرب فى عناية بين "حق" و"صدق" واللفظ المقابل لصدق وهو "كذب"، ولا يجعلون لكلمة "حق"
стр. 4051
نفس معنى كلمة "صدق" إلا حينما يكون الأمر أمر "حكم" فإذا حدثت واقعة بالفعل استعملت كلمة حق؛ ولكن الحكم أو التقرير عن هذه الواقعة يوصف بأنه صدق، ولو أنه يمكن استعمال كلمة "حق" فى هذه الحالة أيضًا.
وهذه الكلمة باعتبارها اسما من أسماء الله يكون معناها غالبًا "خالق" وإن كان السند الوحيد لهذا التفسير هو ملازمتها ومقابلتها لكلمة "خلق". (انظر مثلا، إتحاف السادة، جـ ١٠، ص ٥٥٦, س ٢٠: ألسنة الخلق أقلام الحق). ومع هذا فيمكن الرجوع إلى تفسير آخر ذهب إليه ماسينيون (كتاب الطواسين، ص ١٧٤).
وترد كلمة حق بمعنى ما هو لى وما يجب على (حق لى وحق على) أى بمعنى الحق والواجب، هذا فضلا عن المعانى المختلفة التى سبق إيرادها لكلمة حق سواء وصف بها الله وحده أو اشتقت للدلالة على خلقه. ويلاحظ أن هذين المعنيين يرجعان كالمعانى السابقة إلى معنى الثبوت والتعيين. ومن هنا التعبير "حق الله" (فى مقابل حق الآدمى أو حق الناس) فيما يتصل بالعقاب على ما يقترف من سيئات فى جانب الله وحده، أى السيئات التى لا تنال شيئًا ما من حقوق أى إنسان (Handbuch der Islam: Juynboll ص ٢٩٢ الفهرس). زد على ذلك أن كلمة حق مثل كلمة حقيقة يراد بها أحيانًا فى عرف المتصوفة أعلى درجة يمكن أن يصل اليها الصوفى بعد إذ يجاوز المعرفة. ومن ثم "حق اليقين" هو الطمأنينة الحقة التى ينالها المخلوق بفنائه فى الحقيقة المطلقة بعد ما سبق له من "عين اليقين" و"علم اليقين" (انظر فيما يختص بذلك Nicholson: كشف المحجوب، ص ٣٦ وما بعدها؛ القشيرى: الرسالة بشروح العروسى وزكريا، جـ ٢، ص ٩٩ وما بعدها؛ الجرجانى، المصدر نفسه، وقد استقيت هذه العبارة من سورة الواقعة، الآية ٩٥) وحقوق النفس عند الصوفية ما يتوقف عليه حيويتها وبقاؤها وما زاد فهو حظوظ (انظر كشاف اصطلاحات
стр. 4052
الفنون، ص ٣١١, ٣٣٠, ٣٣٠, ٤١٧, س ١٠ وما بعدها).
المصادر:
(١) كشاف اصطلاحات الفنون، ص ٣٢٩ وما بعدها.
(٢) Nicholson: كشف المحجوب، انظر الفهرس.
(٣) Massignon كتاب الطواسين، الفهرس.
(٤) الراغب: المفردات، ص ١٢٤ وما بعدها.
(٥) Theologie des Islam: Horten ص ١٥٢ وما بعدها؛ ٢٩٥ وما بعدها؛ وانظر أيضًا المصادر المذكورة آنفًا.
محمد يوسف موسى [ماكدونالد - D. B. Mac donald]
حقوق
جمع حق وهى الحقوق الشرعية، وما يتصل بها من التزامات فى الشريعة الإسلامية. ويفرق المرء بين "حقوق الله" أى الحد و"حقوق الآدميين"، وهى الحقوق الخاصة، وهى فى جوهرها حقوق مدنية. وإذا استعملت للأشياء فهى المستلزمات التى تتعلق بها بالضرورة مثل مستلزمات المطبخ والخدمات بصفة عامة. والحقوق شائعة فى الشروط الشرعية. وفى المصطلح المعاصر فإنما تدل الحقوق على القانون بالمعنى الحديث للمصطلح، ومن ثم يقال "كلية الحقوق".
وحقوق النفس فى مصطلح الصوفية تدل على المطالب الجوهرية لوجود النفس فى مقابل أية عناصر أخرى إضافية تسمى "حظوظ".
المصادر:
(١) ميخائيل عيد البستانى: مرجع الطُلاّب، بيروت سنة ١٩١٤, ص ٣٩ - ٤١.
(٢) Introduction to Is-: J. Schacht lamic Law الفهرس، مادة حق آدمى، وحق الله.
(٣) التهانوى: كشاف اصطلاحات الفنون مادة حقوق النفس.
خورشيد. [هيئة التحرير Editors]
стр. 4053
حقيقة
يمكن أن تنقل هذه الكلمة إلى اللغات الأجنبية بترجمات شتى تقريبية كما سيظهر بعد. ومن معانيها السائد " reality" أى الجوهر المحسوس للكائن الموجود، أو "طبيعة" الموجود، أو "الحقيقة الصورية" لذلك الموجود. وكلمة حقيقة ليست مصطلحًا قرآنيًا على خلاف مصطلح "حق" the real, the) (true الذى هو اسم من أسماء الله الحسنى؛ ولا بد أن نفرق بينه وبين المصطلح "حقيقة" (انظر ما يأتى). وكما يبين الجرجانى (التعريفات، طبعة ليبسك سنة ١٨٤٥, ص ٩٤) , فإن كلمة حقيقة مشتقة من (حق -) حقيق، والكلمة الأخيرة تصبح بإضافة تاء مربوطة اسم معنى. وإذا شئنا أن نعرف الفروق الدقيقة لظلال المعانى المنطوية على هذا المصطلح، فإنه يجب علينا أن نرجع إلى مفردات النحو والفلسفة والتصوف.
١ - فى البلاغة: (والتفسير) الحقيقة هى المعنى الأساسى لكلمة أو مصطلح ما، وتختلف عن (أ) المجاز والاستعارة والبيان والمجاز المركب (ب) الكيفية فى المعنى العام للقياس التمثيلى - وقد خَلَّفَ ابن تيمية (مخطوطة، مجموعة رشيد رضا، القاهرة) رسالة باسم "الحقيقة والمجاز". على أن المجاز إذا تكرر استعماله كثيرًا حتى يصبح عرفًا، فإنه يكتسب المعنى الأساسى، ويكون قد دَلَّ على الحقيقة العرفية (انظر: Rhetorik: A. Mehren، ص ٣١, فيما نقله عنه ماكدونلد فى صدر هذه المادة). كما ينقل لويس ماسينيون (Louis Massingno: Passion d'al Halladj، طبعة باريس سنة ١٩٢٢, ص ٨٢٢) من مخطوطة للحلاج عنوانها "الكيفية والحقيقة". والكيفية هنا تختلف عن المجاز اختلافًا بينًا (انظر المرجع نفسه، حيث يستشهد ماسينيون بكتاب آخر عنوانه: الكيفية والمجاز المألوفين عند الحلاج والأشعرى)، ومن ثم، يصبح لكلمة حقيقة المعنى الأساسى الإلهى الجازم (انظر المرجع نفسه، تعليق ٢).
٢ - فى الفلسفة: (فى استعمال ابن سينا بخاصة) نجد لكلمة حقيقة معنيين: المعنى الوجودى، والمعنى
стр. 4054
المنطقى. (١) المعنى الوجودى هو (حقيقة الشئ): لكل شئ حقيقة يكون بها هو، وهذا ما أسميناه "الوجود الخاص" ولم نقصد أن ندل على الوجود "الإثباتى" ... ومن الواضح أن لكل شئ حقيقة هى "الماهية" (ابن سينا؛ الشفاء والإلهيات، طبعة القاهرة سنة ١٣٨٠ هـ = ١٩٦٠ م، ص ٣١؛ وانظر ص ٤٥). ثم نقول بعبارة أخرى: الحقيقة هى خاصية الوجود اللازمة لكل موجود (النجاة، طبعة القاهرة سنة ١٣٥٧ هـ = ١٩٣٨ م, ٢٩٩). وتوجد هذه الفكرة نفسها فى كتاب الإشارات (طبعة Forget، ليدن، سنة ١٨٩٢؛ ص ١٣٩) , حيث يذكر أن حقيقة المثلث تقوم على سببين: صورى ومادى، ولا تقوم على أسباب كافية قاطعة. وقد سار الجرجانى على نهج ابن سينا نفسه فى تعريف حقيقة الشئ بقوله: "حقيقة الشئ ما به هو هو"؛ (التعريفات، ص ٩٥) ومن ثم، لا بد أن تفهم الحقيقة ليس على أنها الشئ الموجود، بل على أنها جوهر الشئ بقدر ما هو موجود؛ أى الطبيعة الحقة فى وضوح الشئ المطلق، كما أن التصور الذى يدل على الحقيقة يستقيم مع الجوهر، ولكنه يتمشى فى جميع الأحوال مع فطرية الحقيقة سواء كانت فى داخل العقل أو خارجه (انظر، الشفاء، ص ٣٢). ونحن ندرك أن نصوصًا بعينها تطابق بين الحقيقة وبين "الماهية" أو "الذات"؛ وعلى كل، يجب ألا نحسب هذه الكلمات مجرد مترادفات. ويبدو أن أفضل ترجمة لكلمة "حقيقة" يجب أن تكون بحسب الظروف إما " nature"، وإما كما تقول الآنسة كواشون (Intro-: Mlle. Goichon duction a Avicenne؛ طبعة باريس سنة ١٩٣٣, ص ٧٧) Essential Reality. ويجب أن نقر بوجود مجموعات مزدوجة من الفروق:
(أ) "الهوية" Selfness " للشئ المادى"؛ و"الماهية" Quiddity وهى التعريف الجوهرى؛ و"الذات" وهى الجوهر بمعناه الصحيح؛ و"الحقيقة" أى الحقيقة الجوهرية. و"التحقق"، هو التثبت مما هو كائن؛ و"الحق" Real أو transcendingty True؛ و"الحقيقة"- Re ality أو transcendental truth.
стр. 4055
(ب) و"الحقيقة العقلية" وهى التصور الدقيق للشئ كما يتقرر فى العقل (Lexique de La: A. M. Goichon Longue Philosophique d' Ibn Sina باريس سنة ١٩٣٨ , ص ٨٤). ومن ثم، نخلص من هذا الاتجاه العقلى إلى القول بأن الحق هو الحكم المطابق للواقع (انظر الجرجانى، المصدر المذكور، ص ٩٤).
٣ - فى التصوف: والمعنى الفلسفى للمصطلح يستبطن فى تجربة عقلية مرهفة الذوق (معرفة). والحقيقة هى الحقيقة الباطنة التى لا يفتح الطريق لها إلا الاتحاد بالله، ويترجمها نيكلسون Nicholsom: بعبارة Essential Idea 'The idea of Personality in Sufism, طبعة كمبردج سنة ١٩٢٣, ص ٥٩؛ وانظر الأنصارى: كتاب المنازل، العشرة الفصول التى يضمها القسم المعنون "الحقائق". وثمة اتجاهان لمذاهب التصوف:
(أ) صوفية "وحدة الشهود" ومثال ذلك أن (الحلاج) يحتفظ للحقيقة بمعنى الوضوح المطلق للأشياء ليتفهمها الصوفى بروحه، وهى تؤدى إلى الحق، ولكنها ليست فى ذاتها هى الحق. ويقول الحلاج إن حقيقة الشئ هى دون الحق (انظر، لويس ماسينيون، Passion، ص ٥٦٨).
(ب) الصوفية المتأخرون إبتداء من ابن عربى، ويرون بصفة عامة أن الحقيقة هى الحقيقة المطلقة للحق نفسه ماثلة فى "وحدة الوجود"، ومن ثم، فإن حقيقة الكون هى الله متجليًا فى صفاته (انظر، الرسالة الرئيسية من كتاب فصوص الحكم لابن عربى). وعلى ذلك تكون تجربة الوحدة أو التحقق تجربة فاعلة (ذات طابع عقلى غنوصى) للحقيقة الأحدية دون الحق نفسه. وتصطنع بعض التعبيرات الصوفية هذا المعنى الثانى (الجرجانى، المصدر نفسه، ص ٩٥): حقيقة الحقائق، وتسمى أيضا "حضرة الجمع"، و"حضرة الوجود"، وحقائق الأسماء: أى حقائق أسماء الله، وهى تعينات "الذات" وصلتها بعالم الظاهر، أى الصفات التى يتميز بها إنسان عن إنسان، والحقيقة المحمدية، هى الذات مع التعين الأول وهى "الاسم الأعظم".
стр. 4056
٤ - وثمة استعمالات أخرى يمكن أن نستعرضها. وفى وسعنا أن نسوق بعض الشواهد على سبيل التمثيل لاستعمال الغزالى الذى ينبرى للتحدث وهو واقف على الحد الفاصل بين مفردات الفلسفة والتصوف (قبل أن يشرح شرحًا وافيًا وحدة الوجود): والحقيقة هى الحقيقة الباطنة وجوهر الموجودات، والثمرة التى تكتشف تحت القشرة. ويتردد كثيرًا التعبير القائل: حقائق الأمور (انظر مثلا، المنقذ من الضلال، ص ٨) وتكاد كلمة حقائق هنا أن تكون مرادفة لكلمة (أسرار)؛ وكذلك حقيقة الحق (انظر مثلا، إلجام العوام، ص ٥٦) التى تحيل "الإيمان" فى لمح البصر إلى "يقين".
وقد نعرف بعد معنى "الحقيقة" وفقًا لمقابلين متبادلين يساعدان فى كثير من الأحيان على شرحها.
(أ) الحقيقة من حيث هى مختلفة عن حق. والتحليلات المتقدم ذكرها هى الخطوة الأولى فى هذا السبيل. ويمكن أن نفرق بين الحقيقة والحق فنقول: المجرد والمادى- أى الألوهية والله - على حد قول لويس ماسينيون (Passion , ص ٥٦٨). وبعد فإنه "إذا كانت الحقيقة فى جانب الحق (انظر ما تقدم) "فكل شئ حق له حقيقته" كما يقول الحلاج (المرجع نفسه، ص ٨٠١، تعليق ١) ثم هل أسماء الله (السُلمَى، وانظر Lexique tech-: Louis Massingnon nique de le mystique musulmane طبعة باريس سنة ١٩٥٤، ص ٣١٠): من حيث إدراكنا هى اسم واحد؛ ومن وجهة نظر الحق (الحق = الله)، هى "الحقيقة"؟ وإذا حددت كلمة حق بأداة التعريف فقيل "الحق" فإنها تكون الاسم نفسه الذى يدل فى أغلب الأحوال على الله فى استعمال الصوفية، ومن ثم لا يمكن أن يلتبس بالحقيقة. ولكن الكلمة بغير أداة التعريف "حق" يمكن أن تتخذ معنى مجردًا تمامًا يقربها من كلمة حقيقة (انظر، طبعة لويس ماسينيون، لكتاب الطواسين، باريس سنة ١٩١٣, ص ١٨٤, تعليق ١). ومن هنا نجد عند الصوفية المتأخرين أن الحقيقة أصبحت تدل على حالة مستبطنة فاعلة تدرك المرء فى بحثه عن الله وتثبت قلبه على
стр. 4057
هذه الحال بتنزيه فكره عن الصفة الإلهية (انظر: الهجويرى: كشف المحجوب، الترجمة الإنجليزية، نيكلسون، ليدن - لندن سنة ١٩١١, ص ٣٨٤). وفى هذا المعنى، يمكن أن تدل كلمة حق فيما يتصل بالله على "الذات التى لم تتجل" وأن تكون كلمة حقيقة هى الصفات التى لا ريب فى أنها هى الوجود الباطن للأشياء (انظر، كشاف إصطلاحات الفنون، ص ٣٣٣ وما بعدها). ويحب صوفية "وحدة الوجود" أن يسموا أنفسهم "أهل الحقيقة" ولكن "أهل السنة والجماعة" يتخذون لقب "أهل الحق" (انظر la prifessisn de Foi d' Ibn: H. Laoust Batta؛ طبعة دمشق سنة ١٩٥٨، ص ١٦٦, تعليق ٢).
(ب) الحقيقة متباينة عن الشريعة. وهذا واحد من الموضوعات التى يتناولها كتاب كشف المحجوب للهجويرى. وحقيقة هنا لها معنى قريب كل القرب من استعمال الغزالى، فهى الحقيقة الباطنة التى تظل ثابتة "من عهد آدم حتى تقوم الساعة" مثل معرفة الله، أو أداء الشعائر التى لا تصح إلا بما وقر فى القلب. والشريعة هى الحقيقة التى يجوز عليها النسخ والتغيير شأنها فى ذلك شأن الفرائض والأوامر. وثمة خطأان يجب التحرز منهما: خطأ الفقهاء الخلص الذين يرفضون التفرقة بين الحقيقة الباطنة وأحكام الشريعة؛ وخطأ الباطنية وغلاة الشيعة (مثل القرامطة) الذين يرون أن الشريعة قد تنسخ حين تدرك الحقيقة الباطنة. وواقع الأمر هو أن الشريعة، كما يقول الهجويرى: لا يمكن أن تقوم إلا بوجود الحقيقة، ولا تقوم الحقيقة إلا إذا اتبعت الشريعة (كشف المحجوب، الترجمة الإنجليزية، ص ٣٨٣). ذلك أن كلا منهما يقوم على ثلاث دعائم: فالحقيقة معرفة لها ثلاثة أوجه:
(أ) المعرفة بذات الله ووحدانيته.
(ب) المعرفة بصفاته.
(جـ) المعرفة بأفعاله وحكمته؛ والمعرفة الثلاثية بالشريعة هى:
(أ) معرفة القرآن.
стр. 4058
(ب) معرفة السنة.
(جـ) معرفة الإجماع. (المرجع نفسه، ص ١٤). ومجمل القول، أنه يمكن مقارنة العلاقة المتبادلة بين (الشريعة والحقيقة) بالعلاقة بين الجسد والروح (المرجع نفسه، ص ٣٨٣).
وعلى ذلك، فإن كلمة حقيقة سواء قصد بها الحقيقة الباطنة أو الحقيقة الذاتية أو الحقيقة الصورية قد جرى استعمالها الحديث فى أكثر المعاجم اختلافًا (الحنبلى البربهارى: الطبقات، جـ ٢، ص ٢٢, الذى يقول: إن حقيقة الإيمان إنما تقوم على مراعاة جميع الفرائض والأحكام الدينية؛ (انظر، . H Laoust: المرجع نفسه، ص ٨٢, تعليق ١). وقد قُدِّرَ للفلسفة أن تجعل الحقيقة مصطلحًا دقيقًا لعلم الوجود والمنطق، وقد استعمله التصوف على نحو مختلف عن ذلك كل الإختلاف، معتمدًا على مسألتين: هل التجربة الباطنة المحددة داخلة فى نطاق نظرة موحدة لعلاقات الله والعالم أم غير داخلة؟ .
المصادر:
بالإضافة إلى المصادر المذكورة فى صلب المادة.
(١) الراغب: المفردات، ص ١٢٥.
(٢) Lexicon: Lane ص ٦٠٩.
(٣) Theologie des Is-: M. Horton lam، ص ١٥٢ - ١٥٣.
(٤) القشيرى: الرسالة، شرح العروسى وزكريا، جـ ٢، ص ٦٢ وما بعدها.
(٥) La notion de Certitude: F. Jabre Selon Ghazali باريس سنة ١٩٥٨، الفهرس، هذه المادة.
(٦) الأنصارى الهروى: كتاب المنازل، المتن، والترجمة الفرنسية بقلم: S de Laugier de Beaurecueil, القاهرة سنة ١٩٦٢, ص ٩٢ - ١٠١ - ١٢١ - ١٢٨.
حسن شكرى [ل. كارديه L. Jardet]
стр. 4059
حكاية
لهذه الكلمة تاريخ يتفاوت خطره - لا من الناحية اللغوية وحدها ولكن من ناحية تطور الأدب العربى أيضًا. ومما يؤسف له أن هذا التاريخ جاء مضطربًا فيما كتبه لين " Lane" (ص ٦١٨ وما بعدها). والعجيب أننا إذا راجعنا معاجم اللغة كاللسان مثلا (جـ ١٨؛ ٢٠٧ وما بعدها) فإنا نجد أن المعانى التى أوردتها لهذه الكلمة تخالف كل المخالفة ما اصطلح عليه كتاب العربية فى العصور الأخيرة؛ وهى لا تذكر أبدًا "حكاية" بمعنى "قصة" أو "حديث". ولست تجد هذا المصدر مستعملا فى القرآن بهذا المعنى كذلك. وإنما يرد فيه كثيرا "الحديث" إسما، "وقص" "ونبّأ". فعلا (انظر ما كتبه شبرنكر Sprenger عن أساطير العرب فى كتابه جـ ٢، ص ٣٩٠ وما بعدها). وفى الحديث وردت "حكاية" بمعنى "محاكاة الفعل"، وأكثر استعمالها فى القبيح من المحاكاة (انظر اللسان: المصدر نفسه).
مما تقدم يتبين أن كلمة "حكاية" تطابق الكلمة اليونانية "مميسيس"، ومن ثم جاءت جميع معانيها، فهى أولا تأتى بمعنى "المحاكاة" رغبة فى التسرية، و "الحاكية" المحترف هو الذى يقلد أيضًا، ثم ترد بمعنى رواية فتقول "حكيت عنه الحديث حكاية". وقد تدل على مجرد المشابهة، كما لو كان شئ يحاكى آخر لشبه بينهما (١) وظلت معانى الكلمة على هذا النحو خلال القرون الأربعة الأولى على الأقل، واستمرت زمانًا أطول فى اصطلاح رجال الدين. ويقول أبو البقاء فى "الكليات" (ويرجع تاريخها إلى القرن السابع عشر الميلادى وعنها نقل محيط المحيط جـ ١، ص ٤٣١) إنه "لا يقال "حكى" الله كذا إذ ليس لكلامه مثل" (راجع ما ذكره البيضاوى فى تفسيره للقرآن سورة ص وابن عربشاه، فاكهة الخلفاء، طبعة فريتاغ Freytag ص ١٠٨، س ٢٥).
أما كتاب الفهرست، ويرجع تاريخه إلى الجزء الأخير من القرن الرابع،
стр. 4060
فيستعمل "الأخبار" وأحيانًا "الأحاديث" بمعنى الحكايات، ويستعمل "أسمار" و "خرافات" و"أحاديث" بمعنى القصص المقصود منه التسلية، ولكنه لا يستعمل كلمة "حكايات" فى هذا المعنى أبدا (انظر مثلا قوله المشهور عن أصل ألف ليلة وليلة، ص ٣٠٤ وما بعدها وص ٣١٣). وقد تطلق "أسمار" على الأخبار الصحيحة (انظر الأسمار الصحيحة ص ٣٠٥, س ٩). أما كلمة "حديث" فتستعمل دائما للدلالة على الخبر فى أوسع معانى الكلمة. ولا تعنى كلمة "حكاية" فى كتاب الفهرست إلا رواية القول أو نقل الخط. فمثلا جاء فى ص ٢٧٥, س ٢٠ قوله: "حكاية من خط ... " وفى س ٢١ قوله: ما هذه حكايته، أى ما هذا قوله.
وتجد استعمال المصدر فى هذا المعنى نفسه عند حمزة الإصفهانى المتوفى فى مستهل القرن الرابع (انظر ص ١٧، س ١٢؛ ص ٦٤, س ١؛ ص ٦٥, س ١٣؛ ص ٢٠١، س ٤، طبعة Gottwaldt) وفى كتاب الأغانى لأبى الفرج الإصفهانى ترد "قصة" و"حديث" و "خبر" مستعملة جميعا من غير تفرقة بمعنى الأحاديث. أما "حكاية" فترد فى نفس المعنى الذى جاء فى كتاب الفهرست وعند حمزة الأصفهانى (طبعة بولاق جـ ١، ص ٤، س ٢٠ انظر قوله "هذا ما سمعت من أبى بكر حكاية واللفظ يزيد وينقص" .. ) وفى الأغانى ورد الفعل "حكى" بمعنى "حدث" أيضًا (انظر جـ ٨، ص ١٦٢, س ٧, ١٠) وقد أورد الفعل والمصدر معا مستعملا المصدر بمعنى المحاكاة.
ويظهر أن الاسم احتفظ بالمعنى الأصلى زمنًا أطول، ففى مروج الذهب للمسعودى المتوفى سنة ٣٤٥ - ٣٤٦ هـ عبارة مشهورة عن أصل ألف ليلة وليلة استعمل فيها كلمة "خرافات" فى كلامه على مثل هذه الحكايات، ولا ترد عنده "حكاية" بمعنى "قصة"، وإنما وردت بمعنى المحاكاة (جـ ٨، ص ١٦؛ انظر جـ ٤، ص ٨٩ وما بعدها) وقد أورد ده ساسى فى رسالته عن ألف ليلة وليلة هذه العبارة فى أربع روايات. ويمكن القول بوجه عام أن الترجمات القديمة لهذه الكلمة كانت خاطئة (انظر Barbier de: Kosegarten Meynard Cottwaldt).
стр. 4061
وعندما نبلغ الحريرى المتوفى سنة ٥١٦ للهجرة نجد فى أوائل المقامات "حكى" و"حدث" و"أخبر" و"روى" كلها مستعملة بمعنى "قص" من غير تفرقة بينها، ولكنه يستعمل أيضًا "حكى" (طبعة ده ساسى جـ ٢، ص ٤٢٠) بمدلولها القديم بمعنى "شابه". ويظهر أن هذا المعنى قد بطل استعماله فيما بعد إلى حد أن الشراح اضطروا إلى تفسيره، وقد بلغ تطور معنى هذه الكلمة نهايته عند الحريرى.
على أننا إذا رجعنا إلى أقدم مخطوطات ألف ليلة (مخطوط Galland ومخطوط سول وشمول فى توبنكن Tuebingen, ويرجع تاريخهما إلى صدر القرن الرابع عشر الميلادى - بعد سنة ٧٠٠ للهجرة) فإنا نجد "حكاية" تستعمل باطراد بمعنى "قصة" تروى للتسلية (انظر Geschichte von: Seybold Sul u. Schmul ص ١٦٤ وما كتبته عن the story of the Fisherman and the Jinni فى مواضع مختلفة؛ Festchrift: Noeldeke) ومن بين الأسماء المستعملة فى كتاب الفهرست وعند المسعودى للدلالة على مثل هذه الحكايات كلمة "أسمار" وقد عاد إليها معناها الأصلى الذى يدل بصفة خاصة على الأحاديث والقصص التى يسمر بها الناس ليلا فى حياة الصحراء. أما "خرافات" فقد تطور مدلولها فأصبح لا يدل إلا على الأساطير المستحيلة إذا قوبلت بغيرها من الحكايات التى يقبلها العقل، وإن كانت من نسيج الخيال (انظر الدميرى: حياة الحيوان، جـ ١، ص ١٨٥ س ٣١, طبعة القاهرة سنة ١٣١٣ هـ, خرافات الرياضة وجـ ٢، ص ١٠١، س ٢٥ "خرافات العرب").
ويظهر أن كلمة خرافة ما زالت تستعمل بمعنى حكاية فى طرابلس وبلاد الجزائر (انظر Marchen: Stumme aus Tripolis) .
وينتهى بنا المطاف الآن إلى سؤالين: أيمكن أن نتبع تغير معنى كلمة "حكاية" بطريقة ما وأن نفسره؟ وكيف كانت طبيعة الحكايات الأولى بالمعنى الجديد لهذا اللفظ؟ لقد وجدت دائما فى اللغة العربية أخبار وأحاديث تجد بداياتها الأولى فيما ورد فى القرآن
стр. 4062
وفيما نقله عن الفارسية نضر بن الحارث (انظر ابن هشام ص ١٩١) وتجد خواتيمها فى "الحدوتة" تحكى باللغة العامية ولا يكتبها أو يطبعها حتى الآن إلا علماء أوربيون أو بعض المصريين والسوريين الذين شذوا عن العرف المألوف.
وتعدد الأسماء التى تطلق على الأنواع المختلفة من الحكايات يبين بذاته مقدار الاهتمام بها وكيف أن العرب عنوا عناية فائقة بالتمييز بين أنواعها. وقد ذكرنا فيما سبق طائفة من هذه الأسماء، ونذكر الآن غيرها، فمثلا "رواية" كان مدلولها فى أول الأمر إعادة الحديث أو إنشاد الشعر على لسان "راو" فأصبحت الآن فى معناها العادى تطلق على الخبر والملهاة والمأساة تقرن أحيانا بكلمة تمثيلية وأحيانا تذكر مجردة.
ومن الأسماء أيضًا "المثل" والجمع "أمثال" فالحكاية هنا مثل أو تصوير بعض المواقف أو الأحكام والمبادئ مثل ما اشتملت عليه الحكايات التى ذكرت على ألسنة الحيوان فى كليلة ودمنة.
ومن الأسماء كذلك "سيرة" والجمع "سير" أى ترجمة حياة شخص. ومنها أيضا "نوادر" وهى حكايات متفرقة، ومنها "قصة" والجمع "قصص" وهى تطلق على الخبر أيا كان نوعه، ولكنها خصصت فى القرآن وعند أهل الفن من القصاص للدلالة على أساطير الأولين وقصص الأنبياء (انظر Goldziher: Muh Studren جـ ٢، ص ١٦١ وما بعدها).
وهذه المعانى الأخيرة فيها تضاد تام لمعنى "الحكايات" فى صورته الأولى، فإنه لم يكن يطلق على قصص الغابرين بل كان يطلق للدلالة على صور الحاضر. وقد وضح هذا كل الوضوح فى المثل الوحيد الذى طبع إلى يومنا هذا، وهو حكاية أبى القاسم البغدادى التى نشرها Adam Mez بعنوان (Abulkasim ein bagdader Sittenbild) ومؤلفها محمد أبو المطهر الأزدى يقول فى مقدمتها إنه ينشئ نوعًا من الأدب جديدًا، لا هو بالمقامة ولا هو بالرسالة (ولا بد أن يكون قد عرف مقامات الهمذانى)، وإنما هو صورة واقعية تصور أحوال البغداديين وأسمارهم
стр. 4063
تمثلت فى رجل هو فى رأينا صورة سيئة وإن كان المؤلف يعده ذا مشاركة أدبية ممتازة. ولسنا نجد فى هذا الكتاب أثرًا للقصة، وإنما هو يتناول وصف يوم أقيمت فيه مأدبة، ويسرد نماذج من الشعر وقطعًا من النثر المرصع المصنوع فى الصور البلاغية المألوفة فى عصره، كتبت لا بقصد عرض ما لدى المصنف من ذخيرة لغوية وإنما لإخراج صورة حية من صميم الحياة ويدافع المؤلف عن قصر حواره على شخص واحد يصور أحوال المدينة وآراء أهلها بعبارة طويلة نقلها عن الجاحظ (البيان، طبعة القاهرة، ص ٣١, س ١٢ - ٢٤) وهو على ما يظهر أول من رضيت نفسه عن تصوير طبقات الناس.
وقصة الأزدى فى جوهرها تطبيق للواقعية التى ميزت الشعر البدوى القديم على حضارة المدن، وقد تجلى فى هذا التطبيق كل ما فى اللغة والآراء من بداوة وغلظة تميز بين الصحراء والمدينة وتفرق بين القديم والجديد.
ولسنا نجد فى القصة أثرًا للحكاية البدوية التى ذكر المؤلف أنه ألحقها بقصته للمقابلة بين القصتين.
"وحاكية" فيما كتبه الجاحظ معناها "الشخص الذى يحاكى" وليس معناها الأديب الذى ينشئ القصص الأدبية.
إن التطور الذى خلق هذا النوع الفريد من الأدب عند أبى المطهر يحتاج إلى تفسير، أردّه أنا إلى أثر مذهب أرسطو عن القصة فى الأدب ("مميسيس" Poetics ١ - ٤) والجاحظ توفى ٦٦٢ للهجرة، وكتب أبو المطهر حكايته بعد سنة ٤٠٠ للهجرة (انظر Mez، ص ١٥) ولكن من الواضح أن كتاب الشعر لأرسطو لم يجد من ينقله إلى العربية ويعنى بدراسته إلا فى عصر متأخر عن ذلك. نعم، إن له مختصرًا صنفه الكندى المتوفى سنة ٢٤٧ هـ (انظر الفهرست ص ٢٥٠، س ٥, ص ٢٥٧، س ٦) ولكنه لم يترجم بتمامه حتى نقله متى بن يونس المتوفى سنة ٣٢٨ للهجرة (انظر الفهرست ص ٢٥٠، س ٤، ص ٢٦٣ السطر الأخير) وكتب تلميذه يحيى بن عدى المتوفى
стр. 4064
سنة ٣٦٤ للهجرة تفسيرًا له (انظر الفهرست ص ٢٥٠، س ٤، ص ٢٦٤ س ١٢) وفى هذه الترجمة استعملت كلمة "حكاية" ترجمة للكلمة اليونانية مميسيس (انظر Margoliouth: Analecta Orientali)
وتصوير الفن الأدبى على أنه محاكاة للحياة عندما ينتقل إلى اللغة العربية يمكن أن ينشأ عنه ذلك النوع من الأدب، أدب أبى المطهر. وقد حدث بعد هذا تطور آخر فى معنى "حكاية" فأصبح يدل على القصة، ولا بد أن هذا التطور وقع سريعًا لأننا نجد الحريرى المتوفى سنة ٥١٦ للهجرة قد نسى تمامًا الاستعمالات الأولى لهذه الكلمة؛ بل نسى كذلك أنه كان فى مقدوره أن يطلق "حكاية" حتى على أمثال كالتى جاءت فى "كليلة ودمنة" على ألسنة الحيوان (انظر ده ساسى، جـ ٢١، ص ١٣، الطبعة الثانية).
وعندما يقرر الحريرى فى الفقرة نفسها أن مقاماته حكايات يكون أكثر قربًا من المعنى الحقيقى لهذا اللفظ. ذلك أن المقامات تعطينا من غير شك صورًا للحياة فى عصره، وإن كان قد عرضها فى صورة من البلاغة المصنوعة، وقصد منها إلى إبراز مقدرته اللغوية لا غير. ومن هذه الناحية نجد أن المقامات هى أصدق ما عرفه الأدب العربى تصويرًا لهذا النوع من حياة الصعلكة والاعتماد فى العيش على قوة القريحة، وتلك صفات تتميز بها الروايات التى تتحدث عن مغامرات الصعاليك.
وقد أخذت الفكرة نفسها، ثم بسطت بلغة العامة فى حكايات طويلة مثل حكايات على الزئبق التى تصور حياة الصعلكة تصويرًا صادقًا. واشتمل كتاب ألف ليلة وليلة على مختصر لها. وطبعت المجموعة المطولة على حدة فى بيروت والقاهرة.
ولم يكن من الممكن أن تستعمل كلمة "حكاية" بمعنى القصة من أى نوع إلا بعد أن تكون القصة قد مرت بمرحلة كانت تدل فيها على القصة الخيالية التى لا تتعلق بحوادث عجيبة وقعت فى عصر سالف أو فى بلاد بعيدة، أو تتحدث عن تعاون الجن والسحرة، ولكنها تتضمن صورًا من صميم الحياة
стр. 4065
التى عرفها القراء أنفسهم، نضرب لذلك مثلا حكاية الأحدب التى وردت فى ألف ليلة وليلة وحكاية على بن بكار وشمس النهار وهى من نوع آخر. وعلى هذا النحو دخل فى الأدب العربى لون معين جديد لا نجد له أثرًا فى كتاب الفهرست كما لا نجد فيه أثرًا للمقامة فى بدايتها الأولى: تلك المقامة التى بلغت أوجها بعد ذلك عند الهمذانى والحريرى.
وفى كتاب الفهرست ثبت بالمضحكين والندماء (ص ١٥١ - ١٥٥) وبالحكايات العجيبة، وأخبار الفساق، وحكايات الجن (ص ٣٠٤ وما بعدها). وكذلك لا نجد فى هذا الكتاب شيئا يمكن أن يقال عنه إنه يتصل بهذا النوع المعين من الأدب، وهو فن المقامات. وقد نسب ابن خلكان فى النص الذى نشره فستنفلد (رقم ٤٥١) إلى أبى الفرج الإصفهانى صاحب الأغانى كتابًا سماه "كتاب الحكايات" ولكنا نجده مذكورًا فى مصدر آخر باسم كتاب الحانات (انظر prooemium: Kosegarten فى طبعته للأغانى ص ١٩٦ وكذلك Wright: Chrestomathy، ص ٨٧, س ١١ , من المخطوط ٦٥).
مما تقدم يتبين أن نوعين جديدين من الحكايات قد بدأ فى وقت واحد تقريبًا ما بين القرن الرابع والقرن الخامس للهجرة. وكانا فى أول أمرهما متقاربين جدًا، ولكن سرعان ما افترقا إلى نوعين متمايزين كل التمايز. فالمقامة كانت فى أول أمرها "حكاية" بالمعنى الأصلى لهذا اللفظ، وحكاية أبى المطهر هى فى الواقع كالمقامة، وإن كانت لا يلقيها رجل وهو واقف، كما هى الحال فى المقامة، ولكن أبا المطهر يعتبر قصته نوعًا جديدًا يتميز عن المقامة وأنه أقرب إلى أن يكون تطورًا للحكاية بمعنى المحاكاة. وهدف كل من هذين النوعين يختلف عن الآخر. وقد عبرت عن هذا الاختلاف الأسماء التى سمى بها المؤلفون ما صنفوه منها. والمقامة نوع من القول البليغ، ولهذا دخلت فى فنون البلاغة. أما الحكاية فهى محاكاة، ولهذا اتصلت بالحركة والحياة.