← Джавами‘

Джавами‘ · id 16521

موجز دائرة المعارف الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (10 087 стр.). Показаны 3991–4030 · переход к 3996.

стр. 3991

ومن جبال حضرموت حويره (في الوادى المسمى بهذا الاسم) وعبد الله غريب، والفقرة وهضبة العرشة، وقد سبق ذكرها، وطمحة (وكلها في الشمال قرب الشاطئ) وريدة الدين (في جنوب واديى عمدو ودوعن) وهيسون والغوز وريدة المعارة (في جنوب وادى عديم) وصويغرة (وبه حصن القاع في جنوب وادى ابن علي) وجهلان وغمدان والغيوار (في شمال وادي عمد ودوعن) وجبال الأبتر (بين وادى جابية ووادى هينن) وجلدة (وبه حصن عرقوب) وجثمة (وكلاهما جنوب سيؤون) ووطى (شمال تريم) والمنيحاز (جنوب تريم) وغيل ابن نمين (شمال غربى قبر هود). وإلى غرب سلسلة الجبال الشمالية هضبة كبيرة تسمى ريدة الصيعر إنسبة إلى القبيلة البدوية القديمة "صيعر" وهي عشيرة من عشائر الصدف وقد حملت اسمها في زمن الهمدانى فصيلة كريمة من الأبل)، تتصل بها هضبة أكبر تسمى (نجد) (نييد ونجد آل كثير ونجد العوامر)، ويتصل كلاهما بالصحراء العربية الكبرى في الشمال، وليس في هاتين السلسلتين من الجبال مكان له أهمية ما. ومناخ حضرموت جاف ملائم للصحة؛ وهو شديد القيظ صيفًا شديد القرّ شتاء، ويكسو الثلج الجبال العالية حتى في الصيف، ويستمر الفصل الممطر من أكتوبر حتى فبراير وقلما تمطر السماء أربع مرات، وثمة سنوات كثيرة لا ينزل فيها المطر أبدًا؛ وتنبت الأرض الحبوب والأذرة والدخن (نوع من أنواع الشوفان) والبلح والعنب والتين والنبق والنيلة والسمسم والتبغ؛ وتروى الأرض ريًا صناعيًا بالآبار الأرتوازية؛ وقد بنيت منازلها بالآجر، وتتخذ أحيانًا شكل الحصن وهي ما بين طبقتين وأربع، وفيها كوى. ويعيش البدو في أكواخ بنيت من اللبن أو في كهوف؛ ولا توجد خيام في حضرموت ولا قهاوى كالتى توجد في سائر بلاد العرب. والطبقة الحاكمة في حضرموت هي قبيلة "قبائل" ويقيم شيوخ القبائل ويعرفون بالمقدَّمين في قصور حصينة، ويحتفظون بحرس قليل العدد. أما سكان المدن الأحرار الذين يهيمنون على التجارة والصناعات بالمدينة فهم رعايا

стр. 3992

المقدمين، وهم يفرضون عليهم ضرائب ثقيلة؛ وأقوى الأمراء على ساحل حضرموت هو حاكم الشحر وتتبعه أيضًا مدن المكلا وغيل بوازير والهجرين والحورة والقتن وشبام؛ أما في داخل البلاد فأكبر المقدمين شأنًا مقدم سيؤون ويلقب بالسلطان، ويملك مدن تريم وتريس والغرفة، وتسكن حضرموت القبائل الآتية: (١) بريك وهم بدو يتوارثون لقب شيخ في الأرض المحيطة بشبوة (ويتبع جزء منها الشحر)، (٢) آل عمرو في وادى عرمة ووُهر؛ (٣) بنو كندة وهم بدو ينقسمون إلى: آل صيعر (في ريدة الصيعر والجبال التي تكتنفها) و ٢ آل محفوث، وكانوا من قبل في هجرين، وهم الآن متفرقون في الجبال المجاورة؛ (٤) آل الكرب وهم بدو حول ركبان في وادى جابية؛ (٥) النهد في الجزء الأسفل من وادى رخية وفى الوادى الكبير حتى قعوثة وهينن (وهم ينقسمون إلى عشر عشائر أهمها عشيرة الحكمان. وشيخ الحكمان، ويقيم في قعوثة، هو مقدم القبيلة كلها)؛ (٦) آل بلَّيث، (٧) وآل حيدرة وهما من البدو ويقيمان في الجزء الأعلى من وادى رخية؛ (٨) الجعدة وجلهم عرب بدو ينزلون وادى عمد؛ (٩) آل عمود أو بنو عيسى (نسبة إلى الشيخ أحمد بن عيسى عمود الدين) ويتوارثون لقب الشيخ وهم في وادى دوعن وريدة الدَّين (وينقسمون إلى اثنتين وعشرين عشيرة أهمها آل مطهر ويقيم شيخهم في بثة)؛ (١٠) الذيابنة (ومفردها ذيبانى) و (١١) آل ابن سعد (وهما قبيلتان من البدو تنزلان في وادى عين والجبال المجاورة)، (١٢) آل يافع على الشاطئ، وفى مدن هجرين وحوره والقطن وشبام وينقسمون إلى: ١ - آل ثُبْى (وهم ثمانى عشائر) ٢ - آل لبعوس (مفردها البعسى وهم أربع عشائر) ٣ - آل الموسطح (وهم ثمانى عشائر أهمها القعطة ومفردها القطيعى وزعيمها هو شيخ القبيلة كلها؛ (١٣) سيبان وهم قبيلة بدوية كبيرة تنقسم إلى: ١ - سيبان نفسها في شمال وشمال غربى جبل حويرة ٢ - الأكابرة (مفردها الأكبرى) في جنوب وجنوب غربى هذا الجبل، ٣ - العوابثة (مفردها

стр. 3993

العوبثانى) في جنوب شرقى وادى دوعن، ٤ - آل بَحْسَن (مفردها البحسنى) في وادى جربة والجبال المجاورة؛ (١٤) الهموم، وهم بدو في جبال عبد الله غريب والفقرة والعرشة وطمحة؛ (١٥) الشنافرة وهم سلالة شنفرى الهمدانى. وفى الرواية أنه أمير من أفراد حضرموت وهي قبيلة كبيرة تنقسم إلى: ١ - "آل كثير (كثيرى) بين شبام وسيؤون (وهم خمسة بطون كبيرة منها آل عبد الودود حول قصيعر)، ٢ - العوامر (العامرى) في الوادى الكبير بين سؤون وتريم والجبال التي إلى الشمال، ٣ - آل جابر، وهي قبيلة بدوية في جبلى جلدة وجثمة وواديى ابن علي وعديم. وشيخ الشنافرة هو سلطان سؤون؛ (١٦) آل باجراى في شمال شرقى سؤون بين كثير وعوامر؛ (١٧) بنوثنَّة وهي ثلاثة بطون: ١ - آل تميم في الوادى الكبير بين القسم وقبر هود، ويقيم شيخهم في القسم، ٢ - المناهل (منهالى) وهي قبيلة بدوية في وادى مسيلة بين قبر هود وسيحوت وفى الجبال التي إلى الشرق وإلى الغرب (ويقيم شيخها في عينات)، ٣ - آل السماح (مفردها السماحى) قبيلة بدوية في التلال التي إلى الشمال من وادى عينات. وفى حضرموت إلى جانب القبائل والرعية طبقة قائمة بذاتها هم السادة ويمثلون الطبقة الدينية الارستقراطية بالبلاد وعددهم كبير، ولهم بين الناس مقام عظيم يفوق مقام المقدمين. ويقبل سائر السكان أيديهم احترامًا لهم، وهم محافظون مغالون يقاومون كل تجديد ويلقبون بالحبيب وينقسمون إلى أسر يتوارث رؤساؤها لقب الشرف. ويرفع الناس كثيرًا من هؤلاء السادة إلى مقام الأولياء ويبجلونهم ويغمرونهم بالهدايا كما أن كثيرًا منهم لهم شهرة عظيمة بوصفهم من العلماء. وهم يحملون سلاحًا ولا يدفعون ضرائب بصفة عامة، ويعدون أنفسهم سادة الأشراف في بلاد العرب ويردون نسبهم إلى الشيخ أحمد بن عيسى الذي تقدم بنا ذكره. ويقال إن هذا الشيخ سبط من أسباط الحسين في الطبقة السابعة من ذريته، وفى رواية أن أحمد بن عيسى

стр. 3994

وفد من البصرة إلى حضرموت قبل ذلك بعدة قرون ومعه ثمانون رجلًا أضحوا من أجداد السادة. ولا نعرف عدد سكان حضرموت على التحقيق. ويؤخذ من أبحاث فان دن برج (Van den Berg) أن سكانها لا يزيدون على ١٥٠,٠٠٠ نسمة بيانهم كما يلي: من وادى دهر إلى وادى رخية ٢٠,٠٠٠؛ وفى وديان عمد ودوعن والعين ٢٥,٠٠٠؛ ومن شبام إلى تريم ٥٠,٠٠٠؛ ومن تريم إلى سيحوت ٦,٠٠٠. وفى شمال الوادى الكبير حتى الصحراء العربية الكبرى ١٥,٠٠٠. ومن جنوب الوادى الكبير إلى البحر ١٦,٠٠٠. وفى شحر وما جاورها ١٢,٠٠٠، وفى المكلا وما جاورها ٦,٠٠٠. وللتجارة أهميتها على الساحل وبخاصة في مدينتى شحر والمكلا، وهي تمتد إلى الساحل الشرقى لإفريقية والهند البريطانية والبحر الأحمر والساحل الجنوبى لبلاد العرب (وبخاصة عدن ومسقط وظفار) والخليج الفارسي؛ وصادرات حضرموت هي: زعانف السمك (للهند البريطانية والصين) والبلح والأقمشة المصبوغة بالنيلة والصمغ العربى والراتنج؛ أما الواردات فهي الحبوب وجوز الهند والبن والسكر والأرز والقطن والحديد وغيرها؛ وتجارة القوافل مع داخل البلاد ضئيلة؛ وهي تسير غربًا حتى اليمن وشرقًا حتى عمان. ويقام في المدن الكبيرة سوق في يوم الجمعة من كل أسبوع وأكبرها في سيوؤن. وللقبائل ممثلوها في أسواق البلاد الكبيرة، ويسمى كل من هؤلاء "الدلال" أما السماسرة فيطلق عليهم السكان اسم كلاب السوق؛ ويعهد إلى هؤلاء الدلالين ببيع بضائع القبائل وهم يؤلفون اتحادًا خاصًا تحت إمرة "أبو" (رئيس)؛ وأكبر صناعة في حضرموت هي صناعة المنسوجات، وهي الآن آخذة في الاضمحلال نظرًا لمنافسة الواردات الأوروبية الرخيصة لها، وكان مركزها الكبير في تريم؛ ونذكر إلى جانب صناعة المنسوجات صناعة النيلة وصناعة بناء السفن على الشاطئ؛ أما الزراعة ففي أيدى القبائل والسادة الذين ينيطون بالعبيد حراثة أرضهم.

стр. 3995

وهؤلاء على وجه عام إما صوماليون واما نوبيون، وهم في الغالب من المسلمين، ويسمون بأسماء خاصة تختلف عن الأسماء العربية المألوفة كمبروك ومرجان وغيرها. والحضرميون قوم أكفاء مجتهدون مخلصون لوطنهم، وقد اضطر كثير من السكان إلى النزوح عن حضرموت لازدياد فقر البلاد وسعوا وراء رزقهم في غير بلادهم؛ ونجد كثيرًا من الحضارمة اليوم في المراكز التجارية ببلاد العرب حيث يكسبون عيشهم من الاشتغال بمهنة الحمالين وممارسة الأعمال التجارية الصغيرة، ويوجدون أيضًا في مصر وبالأخص في جزر الهند البريطانية والهولاندية؛ وما إن يفلح الواحد منهم في جمع شيء من المال حتى يعود إلى وطنه بعد غيبة تختلف في الغالب بين العشرين والثلاثين عامًا؛ وهم شوافع متعصبون مغالون تستهويهم الخرافات ويعتقدون في الأرواح التي تسكن الأماكن المدفونة فيها الكنوز، ولا يستطيع النصارى ولا اليهود أن يقيموا ولو إلى حين في حضرموت. ويسميها أهلها (بلد العلم والدين)؛ أما نساءهم فيجهلن على وجه عام القراءة والكتابة (حتى نساء السادة أيضًا) ولكنهن أوفر حظًا من أترابهن في سائر جهات بلاد العرب. فالطلاق نادر جدًا ولا يعرف هؤلاء البدو تعداد الزوجات. وقد زار أدولف فردة (Adolph v.Wrede) حضرموت أول مرة عام ١٨٤٣ ولكنه لم يستطع إلا استكشاف جزء من الأرض، فقد عرف أنه أوربى وهو في مدينة صيف ولم ينج من الموت الذي كان يتهدده إلا بإسراعه بالفرار؛ وقد زار البلاد بعد خمسين عام ليوهرش والسيد بنت وزوجه. Leo Hirsch and Mr. and Mrs Th.Bent ولكنهم لم يستطيعوا أن يكشفوا البلاد كلها. المصادر: (١) الهمدانى: الجزيرة، ص ١٨٥ - ٨٩، ٢، ٧٢٨، ٢٥ - ٢٦، ١٣٤، ١٨ - ١٩، ١٧٧، ١٧، ١٨٨، ٢١ - ٢٤، ٢٠٣ - ١٦ والفهرس. (٢) ياقوت: المعجم، جـ ٢، ص ٢٨٤ - ٢٨٨.

стр. 3996

(٣) المقريزى: De valle Born' (ed. p. (Berlin: Hadharmaut Noskowiyz سنة ١٨٦٦. (٤) Beschrebung von: C.Niebuhr Arabien؛ ص ٢٨٣ - ٢٨٩. (٥) Braunschweig: H. V.Maltzan Adolph von Wrede's in Hadhrumaut, ١٨٧٣. (٦) Erdkunde: K.Ritter , جـ ١٢, ص ٢٦٨ - ٢٨٠، ص ٢٨٤ - ٢٩٢, ص ٦٠٩ - ٦٤٤. (٧) Die Sufiten im: F. Wuesrenfeld Xi (XVii) Jahr. ص ١٤٢ و ١٤٣ و ١٤٤ و ١٤٥ و ١٤٧. (٨) Die alte Geographie A.Sprenger Arabiens, ص ٨٤ - ٨٥، ١٦١ - ١٦٧, ١٨٩ - ١٩٠، ١٩٥، ١٩٧، ٢١٦، ٢٤٦، ٢٥٠، ٢٧٣، ٣٠٥، ٣٠٧. (٩) الجريدة العربية الجوائب (الآستانة) بتاريخ ١٨ ربيع الأول عام ١٢٩٩ (= ٨ فبراير سنة ١٨٩٢) وتشمل بحثًا عن حضرموت. (١٠) Hadramawt: M.J.de Goeje في Revue coloniale internationale: جـ ٢, (١٨٦٦)، ص ١٠١ - ١٢٤. (١١) Le Hadrmout et: Van den Berg les colonies arabes dans l'Archipel In- dien، بتافيا ١٨٨٦. (١٢) Reisen in Sue-: Leo Hirsch darabien. Mahraland und Hardamut, ليدن، ١٨٩٧. (١٣) Th. Bent and Mrs.Th. Bent: South Arabia, لندن ١٩٠٠، ص ٧٠ - ٢٢٦. (١٤) Modern Mu-: W. H. Valentine hammadan Coins لندن ١٩١٠. خورشيد [شليفر Schleifer .J]. + حضرموت: يطلق اسم حضرموت بأدق معانيه على الوادى السحيق الذي يحاذى الساحل الجنوبى لجزيرة العرب على خط طول ٤٨ - ٥٠ شرقًا تقريبًا. بين حائطين يرتفعان حتى يبلغا هضبة الجول التي تفصل الوادى في الجنوب عن السهل الساحلى الضيق، كما تفصله في الشمال عن صقع قاحل يندمج في صحراء الربع الخالى بجزيرة العرب. ويسمى الطرف الشرقى من هذا الوادى الذي ينعطف شرقًا إلى البحر وادى مسيلة. وهو بصحيح العبارة ليس جزءًا من وادى حضرموت. وعلى أية حال، فإن اسم حضرموت بمعناه الأعم كان

стр. 3997

يطلق دائمًا على مساحة أكبر تدخل فيها المناطق الشمالية والجنوبية من وادى حضرموت الأصلى إلى جانب منطقة غربية لم تكن تشمل النجود التي تزود وادى حضرموت بالمصادر الرئيسية للمياه فحسب، بل تضم أيضًا عددًا من شبكات الصرف فيما وراء تلك النجود من الشمال الغربى، في رملة السبأتين (بقعة خارجة من الصحراء الرملية معزولة عن الجزء الرئيسى من الربع الخالى) وتصب في البحر ناحية الجنوب. أما الحد الشرقى لإقليم حضرموت فيمكن القول بأنه يقوم على خط طول ٤٧ شرقًا. والرسم العبرى لاسم حضرموت، وهو حَظَرْمَوْت، مصاغ في بعضه على الرسم العربى الفصيح، ولكنه متأثر دون شك باشتقاق شعبى يذهب إلى أن ثمة علاقة بين اسم حضرموت وفكرة "حضور الموت" (التي يرجح أيضًا أنها قد أثرت إلى حد ما في التركيب العربى الفصيح لهذا الاسم) وهجاؤه في النقوش الحضرمية الأصلية ح ض ر مت على نقيض هجائه في السبئية حضر موت، ومنشأ هذا التشابه كله هو الجذر ض ر م (انظر كلمة ضِرَام العربية أي الحرارة المحرقة) التي زيدت بلاحقة مؤنثة - واو وتاء - وبسابقة مساوية لها (كما يقول C.D.Matthews) بالإضافة إلى أداة التعريف في لهجات جنوب شرقى جزيرة العرب المستعملة حاليًا، والتى تتراوح بين حرف الألف والهاء والحاء. ١ - العصر الجاهلى: إن شواهد التاريخ القديم لهذه المنطقة غاية في الندرة. وهناك سبب واحد محتمل هو عدم تعرض بعض المراكز الحضارية الرئيسية لهجرات سكانية مثل تلك الهجرات التي حدثت في أقصى الغرب، ومن ثم تُركَتْ مراكز مثل مأرب وصرواح وتُمنَاء وغيرها أطلالًا مهجورة، فزودتنا بمادة أثرية وافرة وكتابات منقوشة مفيدة. كما أن المركزين الرئيسين بوادى حضرموت وهما شبام وتريم، وإن كان قد مضى على تأسيسهما ما يزيد على ألف عام ويرجح أنهما لا يزالان بكامل هيئتهما، إلا أن مثل هذا الشاهد الأثرى الذي كان

стр. 3998

قائمًا هناك، يحتمل أن الاحتلال المتوالى قد دمره، أو أنه دفن تحت المدن القائمة في الوقت الحالى، بحيث لا يمكن استعادة الهيكل القديم له. ولربما انطبق هذا القول نفسه على أماكن أخرى في وادى حضرموت. والمكان الوحيد الذي اكتشف في المنطقة كلها على أساس علمي هو "مدهاب" الذي كان محلة قديمة في الجانب المقابل لوادى عَمْد الذي يخرج من حُريضة الحديثة واكتشفه كاتون وثمبسون فيما بين عامى ١٩٣٧ - ١٩٣٨./ وقد أجريت بعض التنقيبات على سطح الأرض في شبوة قصبة حضرموت القديمة. ومن المواقع الهامة الأخرى التي سجلت السور الرائع في ميفعت (على مسيرة ١٥ كم شمالى المركز الإدارى الحالى في ميفعت بسلطنة الواحدى)؛ كما يمكن اقتفاء أثر الخطبة الأرضية لمحلة كبيرة عند الحوزة القديمة لبلدة كانة (غربى بير على الحديثة) المجاورة لقلعة مويت الجبلية (حصن الغراب الحديثة)، وهي سور منيع يقوم عند لبْنَة، وتعترض واديًا على مسيرة ٣٠ كم تقريبًا شمالى بير على الحديثة، كما تعترض بلدة ذات أسوار في بَربَرة بوادى جِرْدان جنوبى شبوة. بيد أن هذه الأماكن كلها وإن كانت قد زودتنا بنقوش تاريخية قيمة إلا أنها لم تكتشف على الوجه الصحيح بعد. وتعد بعض المواقع المتناثرة التي تم اكتشافها، وأمدتنا بقليل من النقوش غير المتكاملة الأجزاء، كل مصادرنا الأولية عن حضرموت القديمة. ويجب ألا يفوتنا ذكر مكان المعبد الذي وصفه و. ف آلبرايت - W.F.Albright وهو يقوم عند منطقة خور رورى بساحل ظفار على مسيرة تقرب من ٥٠ كم شرقى سلالة التي يبدو أنها كانت محلة حضرمية قديمة. أما مصادرنا الثانوية فتتمثل في البيانات التي تدور حول المنطقة التي أسماها كتاب الإغريق واللاتين ختراموتيتاى Chatramotitai (استخرج هذه البيانات وأوجزها على نحو مفيد C.Conti-Rosini في مؤلفه الموسوم - Chrestomathia arabia meridionalis epi graphica, رومة سنة ١٩٣١)؛ كما ورد ذكر حضرموت في نصوص من أقصى الغرب، سبئية الأصل.

стр. 3999

وتعد الأخبار التاريخية لحضرموت القديمة مشكلة أصعب من مشكلة أخبار تلك المناطق القائمة أبعد من ذلك غربًا. وقد زودتنا كل من المصادر الأولية والثانوية بجملة أسماء لملوك حضرموت، ولكن ترتيب هذه الأسماء وفقًا للأزمان التاريخية لم يتم على نحو مرض بعد. وغاية ما يمكن أن يقال في الوقت الحالى هو أن أقدم النصوص الحضرمية ظهرت بعد ذلك بقليل في النصوص السبئية الوافرة، وعلى ما يبدو أن مملكة حضرموت المستقلة قد انتهت في أواخر القرن الثالث الميلادى تقريبًا. وفى فترة لاحقة للقب ملوك سبأ وذى ريدان بألقاب يزعمون فيها أن حضرموت جزء من ممتلكاتهم. وكان أول حاكم فعل ذلك هو شمريهرعش الذي تذكره المصادر الإسلامية باسم شَمْريَرْعَش (الطبرى، جـ ١، ص ٩١٠). على أنه يظهر أن سكان المنطقة كانوا يضمون في تاريخ أقدم من ذلك جيوبًا سبئية، ونستنبط هذا الحكم من بعض النقوش المتناثرة المكتوبة باللهجة السبئية القديمة، ومن أن أحد ملوك سبأ (زعم Pirenne بأنه عاش حوالى سنة ٢٥٠ ق. م.) قد فرض سلطانه على قبائل نجود حضرموت (Corpus inscriptionum semiticarum, جـ ٤، ص ١٢٦). واشتركت حضرموت أيام استقلالها في صور مختلفة من الحروب والأحلاف مع الدول الأخرى بجنوب جزيرة العرب، ويوجد الشاهد الجوهرى عليها في نصوص باللهجة السبئية. والحدثان الرئيسيان اللذان ورد ذكرهما في نصوص أهل حضرموت هما تحصين لبنة لصد عادية قبيلة حمير (وتشير البحوث الجغرافية على أن هذا يدل دون شك على بطن من حمير كان يحتل الشريط الساحلى غربى المُكلَّا. وهو الجزء الذي يستوطنونه الآن)، بالإضافة إلى تحصين قلعة مويت (حصن الغراب) في فترة الاضطراب التي أعقبت موت ذى نواس في مطلع القرن السادس الميلادى. ويعد موقع قصبة حضرموت (كما يقول إراتوسثنيس) عند شبوه موقعًا ممتازًا لقيامها بالجزء الشمالى الغربى من الأراضى الحضرمية بوادِ صغير

стр. 4000

يصب مياهه في رملة سبأتين. ومن الواضح أن أهمية هذه القصبة ترجع إلى عوامل تجارية، ذلك أنها كانت مركزًا لتجارة البخور. وكان اللبان الذي تنتجه بلدة مَهْرَة شرقى حضرموت يسلم للقوافل التي تولت نقله عبر الساحل الغربى إلى جزيرة العرب، وإلى أسواق البحر المتوسط، وبلاد ما بين النهرين. ولربما أسهمت صناعات الملح في المناطق المجاورة في القيمة التجارية لقصبة حضرموت على حد قول فيلبى (Sheba's daughters، ص ٩١)، وهذه الصناعات هي اليوم المصدر الاقتصادى الرئيسى أو الوحيد للمنطقة. ومما يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالعامل التجارى أهمية القصبة شبوة التي كانت مركزًا دينيًا. ويدل وصف بليناس للوسائل التي كانت متبعة في تبادل البخور فيها على أن هذا التبادل كانت تحكمه قيود دينية صارمة، وعلى أن شبوه ظلت حرمًا مقدسًا ومركزًا يقصده الحجاج حتى آخر عهدها بالحضارة العربية الجاهلية في جنوب جزيرة العرب، ويشهد على ذلك رسم موجود هناك يرجع إلى القرن الخامس الميلادى، وله ارتباط بمذهب توحيد الرحمان. وفى فترة الشِرْك المتقدمة، يبدو هيكل الآلهة الحضرمية المتعددة قريب الشبه بتلك الهياكل التي كانت قائمة في المناطق الأخرى بجنوب جزيرة العرب، وكان يحكمها الثالوث الفلكى: القمر والشمس وكوكب الزهرة، إلا أن القمر المعبود في حضرموت كان له اسم يميزه هو سن الذي اقتبس من الديانة البابلية، ويشار إليه عادة باسم (سن الإلم) ويظن بعض الباحثين أن عبارة سن الألم هي اسم المعبد الرئيسى لهذا المعبود. وتتفق المصادر الإسلامية على أن حضرموت كانت الموطن الأصلى لقبيلة كِنْدة ولكن يجب أن نضع في تقديرنا أنَ هذه القبيلة كانت من البدو الرحل، وأن سكان جنوب جزيرة العرب من البدو الرحل كانوا حتى بداية العصر المسيحى متميزين كل التميز من الناحية الثقافية عن المستوطنين الذين كانت ثقافتهم هي الثقافة التي تُعَدُّ الكتابات

стр. 4001

المنقوشة شاهدًا عليها، بالنسبة للفترات المتقدمة، ولا علاقة لها بثقافة البدو بوجه من الوجوه. وفى القرون القليلة السابقة على الإسلام وحسب بدأ يظهر الاندماج والاختلاط المتبادل بين ثقافة البدو الرحل وثقافة المستوطنين. ومن ثم نجد الكاتب الإسلامى المتقدم محمد ابن حبيب لا يزال يتحدث عن كِنْدة وحضرموت كما لو كانتا سلالتين مستقلتين (تمثل حضرموت الثقافة القديمة المستقرة) على الرغم من أن كلتا الثقافتين تستوطنان المنطقة الجغرافية الحضرمية. ولغة النقوش الحضرمية الجاهلية شديدة الشبه بلغة النقوش السبئية والمعينية والقتبانية التي تستوى جميعًا في أنها لهجات لغة واحدة (للنقوش المكتوبة بجنوب جزيرة العرب)، وفى أنها هي واللغتين المعينية والقتبانية مجموعة واحدة تستخدم حرفًا صغيرًا في السابقة الفعلية السببية، وفى اللواحق الضميرية مقابل حرف الهاء السبئى الذي يؤدى هذه الوظائف. ولكن ثمة استثناءات مميزة منها استخدامهما حرف الجر الهاء مرادفًا لكل من حرفى الجر إلى وعن (وفى السبئية والقتبانية حرف اللام، وفى المعينية حرف الكاف)؛ كما أن حرفا التاء والسين قد اندمجا حقًا في صوت واحد هجاؤه هجاءٌ وسط بين الحرفين، وثمة اختلاف بين الصور المذكرة والمؤنثة اللاحقة الضميرية لا نجده في اللهجتين الأخريين على الرغم من أنهما مترادفان في اللهجة الساهورية الحديثة انظر Beeston في Descriptive grammer of Epigraphic South Arabia ٣٧: ٦). المصادر: (١) H.von Wissman and M.Hoefner: Beitraege Zur historischen georaphie des vorislamischen suedarabien, فيسبادن سنة ١٩٥٣. (٢) Paleographie des in-: J .. Pirenne scriptions sudarabes, بروكسل سنة ١٩٥٦. (٣). Sebeba's: H.st. J. B. Philb insciptions by daughters Appendix on A.F.L. .Beeston، لندن سنة ١٩٣٩. (٤) W.L.Brown and A.F.L. Beeston: Sculptures and inscriptions from Shabwa

стр. 4002

في مجلة الجمعية الملكية الآسيوية، سنة ١٩٥٤، ص ٤٣ - ٦٢. (٥) The so Called: A.F.L. Beeston Harlots of Hadramaut في مجلة Oriens عدد ٥ (سنة ١٩٥٢)، ص ١٦ - ٢٢. (٦) Tombs and: G.Caton. Thompson Moon temple of Hreidha , أكسفورد سنة ١٩٤٤. (٧) The Himyaritic: W.F.Albright Temple at Khor Rory في مجلة Orientalia السلسلة الجديدة، عدد ٢٢ سنة (١٩٥٣)، ص ٢٨٤ - ٢٨٧. (٨) Al-Barara: H.von Wissmann في Ghirdam, مجلة Le Museon السلسلة الجديدة، عدد ٧٥ (سنة ١٩٦٢) , ص ١٧٧ - ٢٠٩. (٩) Husn al-Gurab: B.Doe في مجلة Le Museon السلسلة الجديدة، العدد ٥٤ (سنة ١٩٦١) , ص ١٩١ - ١٩٨. حسن شكرى [أ. ف. بيستون A.F.Beeston]. حضرة كلمة يستعملها الصوفية على الاتساع في معناها مرادفة لكلمة (حضور) أي المثول في حضرة الله. والمقابل لهذا الاصطلاح هو كلمة "غيبة" أي الغيبة عن كل ما ليس الله. ويرجع بصفة خاصة إلى نيكلسون (Nicholson: كشف المحجوب، ص ٢٤٨ وما بعدها) لمعرفة هل حال الحضرة أفضل في العلاقة بالله أم حال "الغيبة"، وما هو الأكمل من هذين الحالين. وابن عربى وهو بسبيل وضع مذهبه القائم على وحدة الوجود، يستعمل كلمة "حضرة" في معنى أكثر اتساعًا، وذلك حين يتحدث عن الحضرات الخمس الإلهية. ويريد بذلك درجات أو مراتب الوجود أو الموجودات في سلسلة الوجود حسب المذهب الأفلاطونى الجديد. ونجد عرضًا قصيرًا لهذه الحضرات في التعريفات للجرجانى (ص ٦، طبعة القاهرة ١٣٢١ هـ) الذي ترجمه هورتن Horten في Theologie des Islam، (ص ٢٩٤ وما بعدها) وهو يورد في هذا الموضع كما يورد في صفحة ١٥١ استعمالات أخرى لهذا المصطلح أقل شيوعًا (انظر أيضًا Massignon: كتاب

стр. 4003

الطواسين، ص ١٨٣ وما جاء فيه من إشارة إلى فصوص الحكم لابن عربى Dict. of Islam: Hughes، ص ١٦٩) ومن ثم عرف المسلمون المذهب الأفلاطونى في الفيض الديناميكى [أى فيض كل موجود عن الموجود الأكمل منه الذي يسبقه مباشرة في سلسلة الوجود] بمذهب الحضرات (ابن خلدون المقدمة، طبعة كاترمير، جـ ٣، ص ٦٩؛ طبعه ده سلان، ٣، ص ١٠٠). ويطلق الدراويش على الحفلات الدينية التي يحيونها بانتظام كل يوم من أيام الجمعة اسم الحضرات. أما فيما يختص باستعمال كلمة حضرة على أنها تعبير يدل على التشريف والإجلال (في التوجه لله والأولياء والأنبياء وأى شخص مثقف) فيرجع إلى معاجم اللغة. أما استعمال حضرة (حضرة، وبالتركية حضرت) لقبًا يدل على الاحترام فانظر حسن الباشا: الألقاب الإسلامية، طبعة القاهرة، سنة ١٩٥٧، ص ٢٦٠ - ٢٦٤. محمد يوسف موسى [ماكدونالد D.B.Macdonald] حضور (حضور بنى شعيب) جبل في جنوب بلاد العرب من جبال السراة من سلسلة جبال ألهْان إلى الغرب من صنعاء بين وادى سهام ووادى سُرْدود قرب سلسلة جبال حرَّاز، وكان يفصله عنها في زمن الهمدانى بلد الأخروج (الآن حَيمْة) وكان يسكنها الصيلحيون وهم بطن من الهمدانيين؛ وحضور نسبة إلى حضور بن علي بن مالك جد من جدود النبي شعيب بن مَهْدمَ [﵇] الذي ورد ذكره في القرآن (انظر سورة الأعراف، الآية ٨٥ وما بعدها؛ وسورة هود، الآية ٨٧ وما بعدها) بعثه الله إلى قومه على جبل حضور يهديهم ويحذرهم فقتلوه. ويبلغ ارتفاع الجبل نحو ٩٤٠٠ قدم، وفى رواية عربية أن حضور شعيب كان أعلى الجبال الثلاثة (والجبلان الآخران هما جبل شهارة بفتح الشين أو ضمها وكنَن في خولان) فلم تبلغه الأمواج في أثناء الطوفان؛ وأعلى: رؤوس حضور هو جبل قاهر ويسمى أيضًا جبل بيت

стр. 4004

خولان وعليه قبر النبي شعيب [﵇] المشهور (وفيه مسجد) ويزوره الناس دائمًا (وخاصة صغار النساء ممن يسعين إليه للتداوى من العقم): وتقام فيه أعياد عظيمة في اليوم الأخير من رمضان ويوم عرفات، ويرى الواقف في شرفة المسجد منظرًا رائعًا لليمن جميعًا، وعلى بعد ٧٠٠ ياردة إلى الغرب من الشمال الغربى من جبل قاهر جبل عزان وإلى جنوبه جبال ضبَحَ ومنصورة وضَبْيان (وفيه القرية التي تحمل نفس الاسم وأطلال قديمة) ويقوم جَبْل زاعْلَة إلى جنوبى القاهر. وإلى شرق حضور قاعة سَهْمان هي وقرى متنة (Moettene في نيبور) وقد سمَّاها الترك خان سنان (وتعلو عن البحر ٨٠٠ قدم وفيها "سمسره" أى ملجأ يقال إن سنان باشا بناه، وهو مفتوح الأبواب لكل رحالة ينزل فيه من غير أن يدفع في ذلك أجرًا) وسهمان (وتسمى أيضًا مِرَيح) وبيت مَهْدَم وبيت رُدَم وداعر ومَسيْب بكسر السين أو فتحها وبيت قاهن وهي الآن من أعمال البلاد المسماة ببلاد ألبستان. ونذكر من الأماكن الأخرى في حضور ما يأتى: القرية وركب بسكون الكاف أو فتحها (شمالى القرية) وجَعْلَل (شمال غربى حضور) وقرية سادة (أو هجرة) ظهار أوضهار في الجنوب، وتتخلل هذه الجبال عدة أودية (منها وادى داؤد ووادى جازل، وكثيرًا ما ورد ذكر وادى جازل في نقوش جنوب بلاد العرب) وتصب هذه الأودية في وديان هذه السلسلة من الجبال كروم طيبة وأشجار فاكهة شتى، ويزرع من الحبوب وخاصة في الأجزاء العميقة من حضور الأذرة والشعيرة والبّر (وهو نوع من أنواع القمح أو الحنطة). وتمطر السماء جليدًا كل شتاء تقريبًا على حضور شعيب، ويظل الجليد أيامًا، ويبلغ ارتفاعه بضعة أقدام حتى يتعذر على الأهالى مغادرة بيوتهم. وكان مخلاف حضور يشمل زمن الهمدانى فيما يشمل نواحى المعلل [كذلك في موللر؛ الجزيرة، وقد جاءت في عدة فقرات من هذا الكتاب، وهو يقول إنها عين "ولّعم" الواردة في نقوش بلاد العرب الجنوبية وذلك بدلا

стр. 4005

من جعلل الواردة في جلازر وتشمل واضع وحقل سهمان والمعلل نفسها (الجملل) ومأذن (وتشمل "جَّنَتى اليمن" وضهر وضلع وريعان أو ررعان) وشمّ (قسمها الأسفل) ضخ وصابح والأغيوم وبَرَيْشَّ ومسْيَب والصجيد وكان شهد حضور الجامد مشهورًا في بلاد العرب حتى أن أمرؤ القيس ذكره في قصيدة من قصائده؛ وقد ذكر الهمدانى أن أهل حضور كانوا يتكلمون عربية قبيحة فيها لكنة (هي اللغة الحميرية). ويختلف حضور بنى أزد المسمى حضور الشيخ عن حضور شعيب، وحضور الشيخ هو أكبر جبال مجموعة المصانع (المصانعة) من سلسلة جبال السراة، ويبلغ ارتفاعه نحو ٩٥٠٠ قدم. وقد زار المستكشف إدوارد جلازر في العصر الحديث حضور شعيب وحضور بنى أزد وجابهما مستكشفًا. المصادر: (١) ياقوت: المعجم، جـ ٢، ص ٢٨٩؛ جـ ٣، ص ٧٣، ٢٠٢؛ جـ ٤، ص ٤٣٧. (٢) همدانى: الجزيرة؛ ص ٦٨ س ١٦ و ٢٠ و ٢٢، ص ٧٢ س ١، و ٧ - ٨، ص ٨٢ س ١ و ٤ - ٥، ص ١٠٦ س ٩ - ٢٣, ص ١٠٧ س ١٠ - ١١ و ١٥ - ١٦، ص ١٠٩ س ٨ ص ١٢٥ س ١٢ و ٢٤ و ٢٥، ص ١٢٦ س ٤ و ١٤ ص ١٣٥ س ١٠، ص ١٩٣ س ٦، ص ١٩٨ س ٢١ - ٢٤. (٣) Beschreibung Von: K.Niebuhr Arabien كوبنهاغن، ١٧٧٢ , ص ٢٣٣. (٤) Erdkunde: K. Ritter؛ جـ ١٢، ص ٧٢١. (٥) nach San's: E. Glaser Von Hodeida في Petermann's Mitteilungen، جـ ٢٣، ١٨٨٦، ص ٤٢ - ٤٥، واللوحة رقم ١. خورشيد [شليفر J. Schleifer]. حطين أو حطين, وفى التلمود كفر حطيَّة قرية فوق بحيرة طبرية وإلى الغرب منها، في سهل خصيب يقوم في حده الجنوبى قرن جبلى وعر من حجر الجير. وفى كل من الطرف الغربى والشرقى للقرن قنة أكثر منه ارتفاعًا تعرف بقرون حطين. وثمت رواية عرفت في القرن الثانى عشر، وإن كان

стр. 4006

أصلها غير ثابت، تقول إن قبر النبي شعيب [﵇] في هذه القرية. وتقع القبة التي أعيد بناؤها حديثًا والتى يزورها الدروز كل عام فوق مرتفع في واد صخرى عند القنة الغربية، وقد نشبت في الهضبة الحزون التي إلى الجنوب الشرقى من القرن الصخرى وقعة شتتت شمل الصليبيين، ذلك أن صلاح الدين انتصر في هذا الموضع انتصارًا كبيرًا على النصارى في الخامس من يوليه سنة ١١٨٧. وتفصيل الأمر أن جيوش الفرنجة برح بهم الحر والظمأ ثم قتل بعضهم وفر البعض الآخر وارتدت بقيتهم إلى القنة الشرقية حيث كان صلاح الدين قد طوح بعدد كبير منهم على سفحها الجنوبى الوعر. وأراد هذا السلطان المظفر أن يخلد ذكر ذلك الانتصار فبنى على القنة قبة عرفت بقبة النصر. المصادر: (١) ياقوت: المعجم، طبعة فستنفلد جـ ٢، ص ٢٩١ وما بعدها. (٢) الدمشقي: Cosmographie طبعة ليدن، ص ٢١, ٢٢. (٣) Halil al Zahiri: R.Hartmann ص ٤٨. (٤) Palestine under: Guy Le Strange The Moslems، ص ٤٥٠ وما بعدها. (٥) ابن الأثير: التاريخ، طبعة تورنبرغ، جـ ١١، ص ٣٥٢ - ٣٥٥. (٦) Kreuz-: Wilken Geschichte der zuege جـ ٣، ص ٢، ٢٧٥ وما بعدها. (٧) Palestine: Robinson جـ ٢، ص ٣٨٧، جـ ٣، ص ٣٤١، ٣٤٢ (٨) Galille: Guerin, جـ ١، ص ١٩٣. (٩) Zeitschr. d. Deutsch pal-: Frei Vereins جـ ٩، ص ١٤٢ وما بعدها. خورشيد [بول Fr. Buhl]. الحطيئة لقب أطلق في الأصل تحقيرًا للشاعر العربى جرول بن أوس، وهو من المخضرمين وكان في نسبه ضعة فبعثه ذلك على أن يصل حبله بقبيلة عبس حينًا وبقبيلة ذُهل حينا آخر. وقد بكرت الروايات الأدبية التأريخ الذي بدأ فيه يقرض الشعر إلى حد لا يقبله العقل. وأغلب الظن أنه كان معاصرًا لعروة ابن الورد أحدث منه سنًا. ودخل

стр. 4007

الحطيئة في الإسلام، ولكن عقيدته الدينية لم تكن متمكنه من نفسه، فقد شارك في حروب الردة أيام أبى بكر. وكانت سيرته مشينة في نظر الذين وصفوه. وأهم خصيصتين في حياته الأدبية هما شدة بخله وتهالكه على بيع شعره بأبخس الأثمان. وتنقل الحطيئة بين قبائل العرب يتغنى بشعره متكسبًا يكيل المديح لأى سرى من سراة مكة، وينذر بالهجاء الذين لا يجزلون له العطاء منهم. وسجن في عهد عمر لهجائه الزبرقان بن بدر، ولسنا نعرف على التحقيق تاريخ وفاته. فالروايات العربية تذهب إلى أنه أدرك عهد معاوية ابن أبي سفيان بل إن أبا الفدا (تأريخ، جـ ١، ص ٣٧٥) يجعل وفاته عام ٦٩ هـ (٦٦٨ م) وهو أمر يصعب تصديقه. وأرجح الأقوال أنه توفى قرابة عام ٣٠ هـ (٦٥٠ م، بروكلمان جـ ١، ص ٤١). ويقدر الأدب موهبته الشعرية وخاصة في فنى المديح والهجاء. ويعده الشعراء المتأخرون من فحول السلف (Zeitschr. Seutsch. Mrgenl. Ges. جـ ٤٦ ص ٤١؛ الكميت: طبعة هورفيتنز - Hor ovitz رقم ٤، جـ ٢، بهاء الدين زهير طبعة بالمر Palmer ص ٢١٧, ٣) ونشط اللغويون في القرنين الثانى والثالث الهجريين إلى جمع أشعاره، وكان قد أفسدها الحشو منذ أمد طويل وخاصة على يد حَمَّاد الرواية. ولديوان الحطيئة نسختان، بقيت منهما بنصها الكامل النسخة التي تسامح فيها أبو عمرو الشيبانى وابن العربى فضمناها أشعارًا يشك في نسبتها إليه. أما النسخة الثانية، نسخة أبي حاكم السجستانى، فلم تبق منها إلا قطع متفرقة. وكان أبو حاكم أدق من الشيبانى وابن العربى فحرص فيها على رفض الأشعار المشكوك في نسبتها إليه. أما المخطوطات الباقية من هذا الديوان والطبعات المعتمدة عليها فمنقولة جميعًا من النسخة الأولى. وقد نشر كاتب هذه المادة ديوان الحطيئة وقدم له وعلق عليه بشروح (في الجزء ٤٦، ٤٧ من - Zeitlschsr. d Deutsch. Morgenl Ge .sellsch وأعيد طبعه في ليبسك ١٨٩٣) ونشره بعدئذ أحمد الشنقيطى وضمنه شرح السكرى وحواشى كولدتسيهر (القاهرة: مطبعة التقدم) ويضاف إلى المخطوطات المذكورة في الطبعة الأولى

стр. 4008

(بشرح السكرى) مخطوط في إستانبول بمكتبة الفاتح تحت رقم ٣٨٢١ ومنها نسخة في كمبردج (انظر E.G.Browne الثبت رقم ٣٨٤, وجزء منه في فهرس عاطف أفندى تحت رقم ٢٧٧٧ في قول ريشر Rescher) وقد ورد ذكر ناس يلقبون بالحطيئة في العهود المتأخرة، فقد ذكر السبكى (طبقات الشافعية جـ ٤، ص ٢٣٤) رجلا اسمه أبو العباس بن الحطيئة وآخر اسمه أحمد بن الحطيئة (المصدر السابق ص ٢٧٩) وكلاهما عاش في القرن السادس الهجرى. يونس [كولدتسيهر I. Goldziher]. حفاش جبل شاهق في جنوب بلاد العرب من جبال المصانع من خط السراة، على وادى سردد قرب حراز؛ وكثيرًا ما ذكره الهمدانى في كتابه (صفة جزيرة العرب) هو والجبل الكبير المجاور له ملحان (نسبة إلى ملحان بن عوف بن مالك الحميرى) واسمه الحقيقى جبل ريشان. ويقول الهمدانى أنه كان فيه ما لا يقل عن تسع وتسعين عينًا، وإنه كان في رأس جبل ملحان؛ مسجد شاهر، وشاهر قرن في رأس جبل ملحان ويقول الهمدانى أيضًا أن العامة كانوا يعتقدون بوجود كنز على مقربة من ملحان، وكان كثير من العرب يهمون به فيحول بينهم وبينه تنين مثل الجبل العظيم فلا يجدون إليه سبيلا؛ وكانت حفاش في عهد نيبور ناحية قائمة برأسها يتبعها أيضًا جبل ملحان؛ ويذكر نيبور من الأماكن التي لها بعض الأهمية في حفاش سفكين وهي مدينة صغيرة مسورة - وكانت مقر الدولة، وقريتى بيت النشيلى وبيت الشمَّة. المصادر: (١) الهمدانى: صفة جزيرة العرب؛ ص ٦٨، س ٢٥ - ٢٦، ص ٣٢، س ٩, ص ٧٩، س ١١ - ١٩، ص ١١٣، س ٢ - ٣، ص ١٢٥ س ٨، ص ١٢٦ س ١، ٥، ١٤ و ١٧، ص ١٩٠، س ٢٢ و ٢٣. (٢) Beschreibung von: K.Neibuhr Arabien، ص ٢٤٩. (٢) Pertermanns Mitteilungen؛ جـ ٣٢ (١٨٨٦) اللوح الأول. خورشيد [شليفر J.Schleifer]

стр. 4009

حفص بن سليمان " حفص بن سليمان" بن المغيرة، أبو عمر ابن أبي داود الأسدى الكوفي الفاخرى البزَّار: راوى قراءة عاصم. ولد حوالى سنة ٩٠ هـ (٧٠٩ م) وأصبح يتاجر في البزّ ومن ثم لقبه. وإنما ترجع شهرته إلى المعرفة التي اكتسبها من قراءة شيخ الكوفة، ذلك أنه كان زوج ابنته. فلما توفى عاصم وشيدت بغداد أقام فيها حيث تتلمذ عليه الكثيرون، ثم شخص إلى مكة ينشر قراءة حميه فيها. وكان شُعْبةَ بن عيّاش المتوفى سنة ١٩٤ هـ (٨٠٩ م) معنيًا أيضًا بنشر قراءة عاصم، ولكن حفصًا أوثق منه رواية، وكان نهجه الذي انتقل بفضل جهوده هو الذي اتخذ في تقرير نص القرآن الذي نشر في القاهرة سنة ١٣٤٢ هـ (١٩٢٣ م) برعاية الملك فؤاد، وهو الذى يحوز الاعتراف ويعد النسخة الحديثة المعتمدة. وقد نَوَّهَ بهذا بلاشير (. R Introduction au Coran: Blachere, باريس ١٩٤٧, ص ١٣٤ - ١٣٥)، وهو يقول أيضًا أن الجماعة الإسلامية سوف لا تعترف في المستقبل إلا بقراءة عاصم برواية حفص ويلاحظ ابن الجزرى أن ابن عياش يختلف عن حفص في ٥٢٠ موضعًا، بيد أن حفصًا يسلم بقراءة عاصم كلها، إلا كلمة وردت في الآية ٥٣ من سورة الروم فهو يقرأ الكلمة ضُعْف، في حين يقرأها شيخه ضَعْف (وهذا هو النطق الذي أخذ به مصحف القاهرة). وتوفى حفص سنة ١٨٠ هـ (٧٩٦ م). المصادر: (١) الفهرست، ص ٢٩، ٣٢. (٢) ابن الجزرى، القرَّاء، جـ ١، ص ٢٥٤. (٣) الدانى: التيسير، ص ٦ وفى مواضع أخرى. (٤) عبد الغنى النابلسى: صرف العنان إلى قراءة حفص بن سليمان، نشره، خليفة في مجلة المشرق، سنة ١٩٦١، ص ٣٤٢ - ٣٦٤ - ٥٤٠ - ٥٦٩ (أرجوزة في ٥٢٠ بيتًا مع شروح).

стр. 4010

(٥) ابن حجر: تهذيب التهذيب، هذه المادة. (٦) الذهبي: ميزان الاعتدال، هذه المادة. (٧) ياقوت: معجم الأدباء، جـ ١٠، ص ٢١٥ - ٢١٦. (٨) Gesshichte des Qoran: Noeldeke جـ ٣، الجداول. خورشيد [هيئة التحرير] حفص، بنو أسرة من البربر في شمالى إفريقية حكمت "إفريقية" نيفًا وثلاثة قرون (٦٢٦، ٩٨١ هـ = ١٢٢٨ - ١٥٧٤ م) , وقد نسبت هذه الأسرة إلى الشيخ أبي حفص عمر رأس الهنتاتة ومن أوائل مريدى ابن تومرت، وأحد ضباط عبد المؤمن المخلصين وقد بلغ من تعظيم الناس لقدرهم أنهم، كما يقول ابن خلدون قد تناوبوا الحكم على الأندلس والمغرب وإفريقية هم وأولاد عبد المؤمن ومن ثم أقام الخليفة الناصر في سنة ٦٠٣ هـ (١٢٠٧ م) أبا محمد بن أبى حفص حاكمًا على إفريقية، فانتصر انتصارات عظيمة على ابن غانية واحتفظ بسلطانه إلى أن توفى سنة ٦١٨ هـ - ١٢٢١/ ١٢٢٢ م) , فاستخلف رؤساء الموحدين في تونس ابنه أبا زيد، ولكنه استخلف مرة أخرى كما أقام الخليفة العادل ولدين آخرين من أولاده هما أبو محمد عبد الله وأبو زكريا، فأقام الأول على إفريقية والثانى على قابس، وبقى الحفصيون تحت سلطان الموحدين إلى ذلك الحين، ولكن أبا زكريا خرج على طاعتهم وأقام أسرة مستقلة بأمر نفسها، وقد عينه المأمون حاكمًا على إفريقية بدلا من أخيه الذي رفض أن يعترف بهذا الخليفة، وأقام في تونس سنة ١٢٢٨ م، ولكنه سرعان ما تذرع بقسوة الخليفة وبدعه الخارجة على الدين فحذف اسمه من الخطبة ولقب نفسه بالأمير، ثم جعل الخطبة باسمه آخر الأمر وذلك عام ٦٣٤ هـ (١٢٣٦ - ١٢٣٧ م) وأنفذ عدة حملات ناجحة استولى بها على قسنطينة وبجاية والجزائر كما قسا في معاقبة الهوارة الذين انتقضوا عليه

стр. 4011

واستولى على تلمسان سنة ٦٣٩ هـ (١٢٤٢ م) وأجبر يغمراسن على دفع الجزية له، ودان المرينيون وأهل مكناسة أيضًا بالولاء لأمير تونس فامتد ملكه من طرابلس إلى سبتة وطنجة، ومن البحر المتوسط إلى الزاب وسجلماسة، وهدد النصارى مدن بلنسية ومرسية وإشبيلية وشريش وجزيرة طريف فاستنجد أهل هذه المدن به ودانوا لحكمه ثم مات في مدينة بونة سنة ٦٤٧ هـ (١٢٤٩ م) وكان بحق أقوى حاكم في إفريقية المسلمة. ولم يكن عصر ابنه وخليفته أبي عبد الله المستنصر بالله (٦٤٧ - ٦٧٥ = ١٢٤٩ - ١٢٧٧ م) أقل من عصر أبيه ازدهارًا، فما كاد يخرج ظافرًا من تلك الفتنة التي أثارها عليه بن عمه اللحيانى بواسطة عرب رياح والدواودة وغيرهم حتى اتجه إلى التميكن للحفصين في المغرب الأوسط فنجح في ذلك كما نجح أيضًا في القضاء على الحملة التي وجهها على تونس القديس لويس وشارل صاحب أنجو، وذاعت شهرته في الآفاق واجتمع في بلاطه رسل المرينيين وسفراء ملك كانم وأمراء المسيحيين الذين لجأوا إليه وساهموا مع زعماء المسلمين في الحملات التي وجهوها على بلاد المغرب. ولم يقنع المستنصر بلقب الأمير الذي قنع به أبو زكريا فلقب نفسه (بالخليفة وأمير المؤمنين) ونجح في الحصول على وثيقة من شريف أشراف مكة تجعله وريثًا للخلفاء العباسيين بعد أن قضى التتار على ملك هؤلاء واستولوا على بغداد. ولقد حقق قيام إمبراطورية الحفصيين لإفريقية تقدمًا عظيما فجعل تونس لا مقر الحكم فحسب بل المركز السياسى والثقافى للقطر بأسره أيضًا (انظر مادة تونس) وشيد الحاكمان الأولان لهذه الأسرة أبنية عدة (قصورًا ومساجد وزوايا ومكتبات وقناطر معلقة) واجتذبا إلى البلاد الشعراء والعلماء من جميع بقاع العالم الإسلامى لا سيما الأندلس، وكانت العلاقات الودية بينهما وبين المسيحيين حافزًا على رواج التجارة بين أوربا وإفريقية، فعقدت معاهدات مع فردريك

стр. 4012

الثانى ملك صقلية (١٢٣١) ومع مارسيليا وبيزة (١٢٣٤) والبندقية، وجددت هذه المعاهدات جميعًا في عهد المستنصر. وأعقبت هذه الفترة المزدهرة فترة ساد فيها الاضطراب والاختلال. ذلك أن الواثق خلف المستنصر في الحكم، على أنه عزل على يد عمه أبي إسحق عام ٦٧٨ هـ (١٢٧٩ م). بيد أن بن عمارة اغتصب ملك أبي إسحق وطرده من قصبة بلاده ثم قتله بالقرب من بجاية سنة ٦٨٢ هـ (١٢٩٣ م) , وسرعان ما انقسمت إمبراطورية الحفصيين إلى مملكتين: مملكة تونس وقد حكمها أبو حفص، ومملكة بجاية وحكمها أبو زكريا (٦٨٣ = ١٢٨٤ م)، وشبت حرب ضروس اشتبكت فيها القبائل العربية في إفريقية والمغرب الأوسط وقبائل عبد الواد التلمسانيين ودامت هذه الحرب ثلاثة وعشرين عامًا ثم استتب السلام وعقد صلح بين أبي عصيدة محمد بن الواثق ملك تونس وأبى البقاء سلطان بجاية قضى بأن تؤول الإمبراطورية بأسرها إلى أحدهما بعد وفاة الآخر. وهكذا استطاع أبو البقاء أن يعيد للإمبراطورية الحفصية وحدتها ولكن إلى حين، ذلك أن الأمير الحفصى أبا زكريا اللحياني استولى على تونس عام ١٣١١ وقتل أبا البقاء بينما قام مغتصب آخر يدعى أبا يحيا فأقام نفسه حاكمًا على بجاية. على أن أبا يحيا نجح عام ٧١٨ هـ (١٣١٨) في حكم تونس ووحد إفريقية والمغرب الأوسط تحت سلطانه. ومع ذلك فقد ظل مركزه مزعزعًا محفوفًا بالمكاره. ذلك أنه اضطر إلى قتال الكعوب وغيرها من قبائل سليمانى التي تحالفت مع بنى عبد الواد وقتال أبي ضربه سلطان تونس السابق وطُرد أبو يحيا من عاصمة ملكه في أربع مناسبات، وتغلب أخيرًا على أعدائه بمعاونة المرينيين الذين عقد معهم حلفًا وثيقًا. وتزوجت أميرة من بنى حفص بأبى الحسن بن سعد سلطان فاس ونجح أبو يحيا في أواخر حكمه في إعادة الأمن إلى إفريقية وفى إخضاع مدن الجريد التي انتهزت فرصة الفوضى التي كانت سائدة فجعلت من أنفسها إمارات مستقلة. وقد خرجت طرابلس من

стр. 4013

قبضته إلا أنه نجح على الأقل في استعادة جربة التي كان المسيحيون قد استولوا عليها في نهاية القرن السابق. وعادت الفوضى إلى إفريقية مرة أخرى عند وفاة أبي يحيا عام ٧٤٧ هـ (١٣٤٦ م) فاغتصب أبو حفص السلطان من الوريث الشرعى أبي العباس بعد أن ذبح أمراء بنى حفص. ولقد أثار هذا العمل المرينيين ودفعهم إلى التدخل، فتقدم السلطان الحسن إلى إفريقية واحتل قسنطينة وبجاية ودخل تونس التي هجرها أبو حفص عام ٧٤٨ هـ (١٤٣٧ م) ولكنه هزم في السنة التالية بالقرب من القيروان على يد بعض العرب الثائرين واستدعى إلى وطنه بسبب الثورة التي قام بها ابنه أبو عنان، وبذلك لم يستطع هذا السلطان المرينى أن يحتفظ بفتوحاته. ولقد استطاع من بقى من أمراء بنى حفص أن يؤسسوا ملكهم من جديد في بجاية وبونة وقسنطينة، بل نجح أحدهم وهو الفضل في دخول تونس ثانية، ولكنه وقع فريسة لمؤامرة دبرها له وزيره ابن تافراجين، واستطاع المرينيون أن يغزوا مملكة الحفصيين من جديد، إذ نجح أبو عنان في الاستيلاء على بجاية في سنة ١٣٥٣ وعلى قسنطينة وبونة وتونس في سنة ١٤٥٧ م (٧٥٨ هـ)، ولكنه عندما حاول أن يكبح جماح العرب الذين لم يروا في هذه الحروب إلا وسيلة للتخريب والسلب تخلى عنه جيشه مما اضطره إلى ترك إفريقية. وانتهز أبو إسحق الثانى أحد أمراء بنى حفص هذه الفرصة فدخل تونس ثانية. ومع ذلك فقد ظلت مملكة الحفصيين في حالة يرثى لها، وانتشرت الفوضى في كل ربوعها وحكمها ثلاثة أمراء في وقت واحد هم: أبو إسحق الثانى في تونس وأبو عبد الله في بجاية، وأبو العباس في قسنطينة ثم انتهى الأمر بأن أصبح أبو العباس هو الحاكم الوحيد عام ٨٧٠ هـ - (١٣٦٨ - ١٣٦٩ م). وقد حاول في مدة حكمه أن يعيد الأمن والنظام إلى البلاد فكبح جماح العرب وأرغم مشايخ الجريد وقفصة وقابس على الخضوع له. واستمرت سلطة الحفصيين التي

стр. 4014

استعادوها قائمة طوال عهد ابنه فارس عزيز (٧٩٦ - ٨٣٧ هـ = ١٣٩٣ - ١٤٣٤ م) الذي حافظ على توازن القوى في المغرب، واستطاع بذلك أن يتدخل في شئون تلمسان فظاهر أولا أبا عبد الله المطالب بالعرش على السلطان عبد الملك ثم انقلب إلى تعضيد عبد الملك نفسه، واستولى على السلطان بعد وفاة هذا الملك ووضع على عرشها أميرًا من بنى زيان اعترف بسيادة تونس (١٤٣١ م). وقد أحيا أبو العباس سنن أجداده في العناية بالأدب والفنون. ويذكر القيروانى بيانًا طويلًا بشتى المبانى التي أقيمت برعايته كالمساجد والزوايا والمدارس والمكتبات والمستشفيات. وقد كان خلفاؤه أبو عمر عثمان (٨٣٤ - ٨٩٣ هـ = ١٤٣٤ - ١٤٨٨ م) وأبو زكريا يحيا (٨٩٣ - ٨٩٩ هـ = ١٤٨٨ - ١٤٩٤ م) وأبو عبد الله محمد (٨٩٩ - ٩٣٢ هـ = ١٤٩٤ - ١٥٢٦ م) حماة للأدب والفن، ولكن كانت تعوزهم القوة مما أدى إلى انحلال سلطان الحفصيين من جديد فما حلت نهاية القرن الخامس عشر حتى كانت قسنطينة وبجاية وبونة قد استعادت استقلالها، وجعلت طرابلس وقابس ومدن الجريد من نفسها جمهوريات. ولم تخلص قبائل العرب في الداخل لسلاطين تونس. وكانت سياسة الحكام الحفصيين نحو المسيحيين في هذه الفترة كسياسة أسلافهم، إذ جددت في القرن الرابع عشر المعاهدات التجارية التي عقدت في القرن الثالث عشر مع جنوه وبيزه، وأبرمت معاهدات جديدة مع أراغون وميورقة ومنتبلييه والبندقية وفلورنسة. وقد كان في تونس وبونة وبجاية وصفاقس وجربة فنادق يخزن فيها التجار المسيحيون بضائعهم. على أنه كان من الصعب الإبقاء على هذه الصداقة نظرًا لما قام به المسيحيون من الأعمال العدائية باحتلالهم جربة وهجومهم على المهدية .. وغير ذلك، واشتداد القرصنة على الساحل الإفريقى منذ أواخر القرن الرابع عشر، وقد كانت موانى مملكة الحفصيين ملجأ هؤلاء القرصان مما جعلها معرضة لغزوات الأسبانيين الذين فكروا في تثبيت أقدامهم في النقط الهامة على

стр. 4015

الساحل الإفريقى انتقامًا من هؤلاء القرصان. على أن الأتراك سبقوهم إلى هذه الفكرة. ففي سنة ١٥٣٤ استولى خير الدين على تونس عندما استنجد به الأمير الحفصى الذي نجا من المذبحة التي أنزلها بإخوته مولاى حسن خليفة أبي عبد الله محمد، وفى سنة ١٥٣٥ استولى شارل الخامس على تونس واستطاع مولاى حسن بمعاونته أن يسترد مملكته على أن يدفع الجزية لأسبانيا. وفضلا عن هذا فقد كان عاجزًا عن الاحتفاظ بمركزه في عاصمته لو لم تعاونه الحامية الأسبانية بالقلعة. وقد خرجت بلاد تونس من قبضته إذا استثنينا شقة ضيقة من الأرض بين تونس وبنزرت. ثم عزله عن العرش آخر الأمر أخوه أحمد سلطان (١٥٤٢ م) بعد أن سمل عينية. وقبض هذا الحاكم على زمام السلطة حتى سنة ١٥٦٩ عندما استولى على تونس اولوج على ليمنع الأسبانيين من استعمال المدينة قاعدة أعمالهم الحربية الموجهة على الأتراك. وقد استطاع الحفصيون أن يستعيدوا عرشهم لآخر مرة في سنة ١٥٧٣ بفضل الحملة الظافرة التي قام بها دون جوان النمسوى، ولكن سنان باشا استولى في السنة التالية على تونس والقلعة (٩٨١ هـ = ١٥٧٤ م) وأخذ مولاى محمد آخر أمراء الحفصيين أسيرًا إلى الآستانة فمكن الأتراك لأنفسهم في بلاد تونس تمكينًا. المصادر: (١) ابن خلدون: البربر، ترجمة de Slare: الجزءان الثانى والثالث. (٢) الزركشى: تأريخ الدولتين الموحدية والحفصية، تونس ١٢٨٩ هـ, الترجمة الفرنسية بقلم Chro-: Fagnan nique des Almohades et des Hafcides, قسنطينة عام ١٨٩٥. (٣) القيروانى (ابن أبي دينار): المؤنس في أخبار إفريقية وتونس، تونس ١٢٨٣، الترجمة الفرنسية بقلم Pellissier et Remusat: -l'Algerie sci Eploration scientifque de geographiques ences historiques et جـ ٧، باريس ١٨٤٥.

стр. 4016

(٤) التيجانى: الرحلة .. ترجمة فرنسية بقلم A. Russeau في Journal Asiatique ١٨٣٣ - ١٨٤٣. (٥) ابن قنغوض: Farésiade, ou com- mencement de la dynastie des Beni Haffs, نشره وترجمه Cherbouneau في Journal Asiatique ١٨٥١ أغسطس - سبتمبر ١٨٥٢. (٦) Annales tunisiennes: Rousseau (الجزائر ١٨٦٤) الفترة الأولى. (٧) Relations et: De Mas Latrie commerce de l'Afrique septentrionale (باريس ١٨٨٦) في مواضع مختلفة. (٨) Histoire de l'Afrique: Faure-Biguet septentrionale sous la domination musul- mane (باريس - بدون تاريخ)، الفصل العاشر - الثالث عشر. (٩) Histoire de L'Afrique: Mercier Septentrionale، جـ ٢، الفاصل الحادي عشر إلى الفصل الرابع والعشرين؛ جـ ٣، الفصول الأول والثالث والسابع؛ وانظر كذلك المصادر الواردة في مواد الجزائر وبجاية وقسنطينة ومدينة تونس وبلاد تونس. محمد عبد العزيز مرزوق [إيفر G. Yver] + حفص، بنو، ويقال بنو الحفصيون: دولة ببلاد البربر الشرقية (٦٢٧ - ٩٨٢ هـ = ١٢٢٩ - ١٥٧٤ م) جدها الأعلى صاحب مشهور للمهدى بن تومرت هو الشيخ أبو حفص عمر بن يحيا الهنتاتى من أوائل بناة مجد الموحدين. وقد حكم إفريقية ابنه الشيخ أبو محمد عبد الواحد بن أبي حفص من سنة ٦٠٣ إلى سنة ٦١٨ هـ (١٢٠٧ - ١٢٢١ م). وكان حفيده أبو محمد عبد الله بن عبد الواحد حاكمًا عليها سنة ٦٢٣ هـ (١٢٢٦ م) وتخلص منه أحد إخوته "أبو زكريا يحيا" سنة ٦٢٥ هـ (١٢٢٨ م). وتذرع هذا الحاكم الجديد بحجة الدفاع عن التراث الخالص للموحدين وتطهيره من البدع فأسقط اسم الخليفة من بنى عبد المؤمن من الخطبة (بداية سنة ٦٢٧ هـ = نوفمبر - ديسمبر ١٢٢٩ م) واستقل بنفسه وتلقب بالأمير وتوطد سلطانه تمامًا

стр. 4017

سنة ٦٣٤ هـ (١٢٤٦ - ١٢٣٧ م) وجعل الخطبة باسمه. ووحد الموحدون المغرب إلى حين، وفى القرن السابع الهجرى (الثالث عشر الميلادى)، انقسم المغرب مرة ثانية، ولم تكن هي الأخيرة، إلى ثلاث دول: إمبراطورية بنى مرين في فاس، ومملكة عبد الواد في تلمسان، ومملكة بنى حفص في تونس. ١ - الأمير أبو زكريا يحيا (٦٢٥ - ٦٤٧ هـ = ١٢٢٨ - ١٢٤٩ م)، وقد نال الاستقلال فراح يجمع شتات ما صار يطلق عليه في ذاك الوقت إقليم الحفصيين؛ أي إفريقية كلها، باستيلائه على قسنطينة وبجاية سنة ٦٢٨ هـ (١٢٣٠ م) وتخليصه طرابلس والريف جنوبى قسنطينة من أيدى المنتقض العنيد بن غانية سنة ٦٣١ هـ (١٢٣٤ م) وفى السنة التالية ضم الجزائر ثم أخضع وادى شلف، وشجع أبو زكريا توسع بنى سُليَمَ (كُعوب مرداس) حين ردوا بنى رياح (الدواودة) عنوة إلى إقليم قسنطينة والزاب. وفى سنة ٦٣٦ هـ (١٣٢٨ م) أخضع الهوارة الذين يستوطنون الحدود الجزائرية التونسية. وأحبط مؤامرة خطيرة سنة ٦٣٩ هـ (١٢٤٢ م) وشن هجومًا على تلمسان التي كان قد استولى عليها أوائل سنة ٦٤٠ هـ (يوليو ١٢٤٢ م)، وأعادها إلى عبد الواد مقابل خضوعه لحكم بنى حفص. وفى أثناء عودته تنازل لرؤوس قبائل بنى تجين عن حكمه لأراضيهم، وبذلك أقام في المغرب الأوسط عددًا من الدويلات الموالية له مما يكفل له الأمن. وامتد سلطان أبي زكريا منذ سنة ٦٣٥ هـ (١٢٣٨ م) حتى بلغ مراكش والأندلس ومن ثم توالت عليه أمارات الخضوع. وتوفى أبو زكريا وقد امتد سلطانه إلى شمالى مراكش بأكمله، ودان بنو نصر وبنو مرين له بالولاء. وقد استمسك بتقاليد الموحدين في مباشرته الشئون المدنية والحربية. وأضاف إلى تونس حاضرة ملكه كثيرًا من المنافع: المصلى، والسوق، والقصبة، والمدرسة (أقدم المدارس العامة في بلاد البربر). ولم يتدخل المذهب الرسمى للموحدين في مذهب المالكية، أو مذهب

стр. 4018

المتصوفة الذي اقترن باسم الدهمانى (المولود سنة ٦٢١ هـ = ١٢٢٤ م) وعبد العزيز المهدوى، وسيدى أبي سعيد (المتوفى سنة ٦٢٨ هـ = ١٢٣١ م) والشاذلى (المتوفي ٦٥٦ هـ - ١٢٥٨ م)؛ أو عائشة المنوبية (المتوفاه سنة ٦٦٥ هـ = ١٢٦٧ م وقد أعقب السلام والأمن نمو اقتصادى سريع وزاد التبادل التجارى مع بروفانس، ولنجدوك والجمهوريات الإيطالية، وعقدت المعاهدات معها. ومن سنة ٦٣٦ هـ (١٢٣٩ م) زادت العلاقات مع صقلية توطيدًا حينما بدأ الحاكم الحفصى في أداء جزية سنوية لها مقابل السماح له بحق التجارة البحرية، وحرية استيراد القمح الصقلى. وفى هذا الوقت نفسه تقريبًا، توطدت علاقات الصداقة بين مملكتى تونس وأراغون. واستقرت جماعات التجار المسيحيين (الأسبان، والبروفنساليين، والإيطاليين) في موانئ مملكة بنى حفص، وبخاصة ميناء تونس، وكان لهم فنادقهم الخاصة بهم وقناصلهم. وفى مطلع القرن السابع الهجرى (الثالث عشر الميلادى) هاجر كثير من مسلمى أسبانيا بما فيهم عدد من الصنّاع والأدباء وغير هؤلاء إلى إفريقية الحفصية، وقبل أن يمر وقت طويل، كانت قد تكونت جالية أندلسية قوية إلى جانب طائفة الموحدين بالعاصمة تونس (انظر مادة الأندلس الملحق). ٢ - الخليفة المستنصر (٦٤٧ - ٦٧٥ هـ = ١٢٤٩ - ١٢٧٧ م). هو أبو عبد الله محمد، خلف أباه بصفته الوريث المنتظر دون أي صعوبة، وأرخى العنان لحبه للمباهاة، واتخذ لقب الخلافة منذ سنة ٦٥٠ هـ (١٢٥٣ م) وتلقب بالمستنصر بالله. وحققت سياسته المعتمدة على الثقة بالنفس انتصارات دبلوماسية هامة في مراكش والأندلس، بل في الحجاز ومصر. ولم يتعرض حكمه إلا لخطر قلة من المؤمرات والانتقاضات التي كان يبدؤها العرب أو يساندونها في كثير من الأحوال. وفى سنة ٦٥٨ هـ (١٢٦٠ م) أعدم حاجبه الأديب الأندلسى ابن الأبَّار. ومجمل القول أن العلاقات مع الممالك المسيحية كانت مستقرة مثلما كانت في حكم أبي زكريا

стр. 4019

على الرغم من انتكاسها بعض الشيء حين اتجهت الحملة الصليبية للقديس لويس (توفى بقرطاجة في الخامس والعشرين من أغسطس سنة ١٢٧٠ م) إلى إفريقية. وغادرها الصليبيون في أقل من شهر واحد تنفيذًا لشروط معاهدة أبرمها المستنصر معهم. وبدأت بموت المستنصر فترة طويلة حافلة بالاضطراب والانفصال (من ٦٧٥ - ٧١٨ هـ = ١٢٢٧ - ١٣١٨ م). ٣ - حكم الواثق بن المستنصر (٦٧٥ - ٦٧٨ هـ = ١٢٧٧ - ١٢٧٩ م) كان طيبًا في بدايته، ولم تعكر صفوه إلا مكيدة دبرها صفيه الأندلسى ابن الحبَيَّر، ونشوب فتنة في بجاية آخر ٦٧٧ هـ (إبريل ١٢٨٩ م) تعضيدًا لأبي إسحاق أحد أشقاء المستنصر. وفى أوائل سنة ٦٥١ هـ (١٢٥٣ م) قاد أبو إسحاق هذا فتنة الدواودة العرب، ولجأ إلى بلاط بنى نصر بغرناطة، واستقبله بحفاوة بالغة عبد الواد التلمسانى وهنالك توفى المستنصر. وأجبر الواثق آخر الأمر على النزول عن العرش لعمه أبى إسحاق الذي دخل تونس سيدًا لها في ربيع الثانى سنة ٦٧٨ هـ (أغسطس ١٢٧٩ م) وقد ساعد على ذلك إلى حد كبير ما زوده به من معونة حربية بطرس الثانى ملك أراغون، الذي كان حريصًا على أن يضمن ولاء دولة الحفصيين في صراعه مع شارل ملك أنجو. ٤ - أبو إسحاق (٦٧٨ - ٦٨٢ هـ = ١٢٧٩ - ١٢٨٣ م). وقد قتل الواثق، وابن الحَبّير، وعددًا من الشخصيات المرموقة، وعهد بحكم ولاية بجاية إلى أخيه أبي فارس، وآذنت شمس صقلية بالمغيب في ٣٠ مارس ١٩٨٢ مؤذنة بسيطرة دولة أنجو على صقلية، فأعلن ابن الوزير والى قسنطينة استقلاله، كان بطرس الثالث ملك أراغون قد وعده بالمساعدة، ولكن أبا فارس دحره قبل أن تتمكن قوات بطرس من النزول إلى اليابسة، وأبحر بطرس متجهًا إلى ترابانى Trapani. وأبقى أبو إسحاق على العلاقات المألوفة مع إيطاليا، وزوج إحدى بناته من وريث تلمسان المنتظر. ولكن ابن أبي عُمارة، المغامر، استولى على

стр. 4020

جنوبى تونس كله بمساعدة العرب، ونادى بنفسه خليفة سنة ٦٨١ هـ (١٢٨٢ م)، ونجح نجاحًا جعل أبا إسحاق يهرب إلى بجاية ليلحق بابنه أبي فارس. وقد أجبره ابنه على النزول له عن العرش في آخر سنة ٦٨١ هـ (ربيع سنة ١٢٨٣ م) ونادى المغتصب ابن أبي عمارة (سنة ٦٨١ - ٦٧٣ هـ = ١٢٨٣ - ١٢٨٤ م) بنفسه خليفة، وخلع أبا فارس وقتله في (٣ ربيع أول = أول يونيو ١٢٨٣ م) وقتل الخليفة السابق أبا إسحاق. ولكن انتصاره لم يدم طويلًا. فقد أثارت انحرافاته وسخافاته الواضحة في معاملته للعرب بوجه خاص، حفيظتهم، فعاونوا أبا حفص عمر شقيق المستنصر، وأبا إسحاق على خلعه. ٥ - أبو حفص (٦٨٣ - ٦٩٤ هـ = ١٢٨٤ - ١٢٩٥ م) نجح في استعادة سالان بنى حفص. ودفعه ورعه وحبه للسلم إلى بناء كثير من العمائر الدينية. وأصبح حلف آراغون - صقلية عدوًا له، وقامت هاتان الدولتان بالاستيلاء على جربة سنة ٦٨٣ هـ (١٢٨٤ م) وطالبتا تونس بأداء الجزية المنصوص عليها في معاهدة سنة ٦٨٤ هـ (١٢٨٥ م)، وكانت تؤديها من قبل إلى أمراء أبجو الصقليين، وعقدت الدولتان حلفًا مع المرينيين معاديًا لأبي حفص (٦٨٥ - ٦٨٦ هـ = ١٢٨٦ - ١٢٨٧ م). وشنتا غارات لنهب سواحل إفريقية، وجاءتا بدعى ليطالب بعرش أبي حفص وهو ابن ابى دَبّوس سنة (١٢٨٧ - ١٢٨٨ م)، وهو أمير موحدى كان قد لجأ إلى أراغون. وحدثت بعض الاتصالات إلا أن حاكم أراغون - صقلية لم ينجح قط في تجديد العلاقات السلمية مع أبي حفص؛ وبعد سنة ٦٨٤ هـ (١٢٨٥ م) فرض أبو زكريا، من أبناء ابى إسحاق، وابن شقيق أبى حفص، سيطرته بمساعدة العرب على الجزء الغربى بأكمله من الأراضى الحفصية بما في ذلك بجاية وقسنطينة. وفى السنة التالية سار إلى تونس وردّ جنوبًا، فاستولى على قابس، وتقدم نحو بجاية، التي كانت تهددها غارات واحد من آل عبد الواد بتحريض من أبى حفص، وكان لا يزال يفرض سيطرته على سلطان تلمسان. وفى الوقت

стр. 4021

نفسه، نشأت دويلات مستقلة في أرض الجريد، وفى توزر، وفى قابس، وفى هذه الأثناء أظهر عرب جنوبى طرابلس العداء لأبي حفص. ومن ناحية أخرى، اكتسب بنو حفص لأول مرة في تاريخهم ولاء عرب المناطق الوسطى والشرقية، ومنحوهم إقطاعات من الأراضى ومن الموارد. وفى السنوات الأخيرة من عهده ضم أمير بجاية إقليم الزاب إلى حكمه، ومنذ سنة ٦٩٣ هـ - (١٢٩٤ م) تخلى أبو زكريا عن سيطرته على جنوبى قسنطينة كله. وفى السنة نفسها اعترف أمير قابس أيضًا بسيادة أبي زكريا. ويبدأ من هنا اضمحلال نفوذ بنى حفص، كما تذكرنا معارضة بجاية لتونس بمعارضة بنى حماد لبنى زيرى. ٦ - أبو عصيدة (٦٩٤ - ٧٠٨ هـ = ١٢٩٥ - ١٣٠٩ م). ولد بعد وفاة أبيه الواثق، وعين الشيخ الموحدى العظيم ابن اللحيانى كبير وزرائه. وحاول أن ينتقص من مملكة بجاية التي كانت تسودها البلبلة سنة ٦٩٥ هـ (١٢٩٦ م)، وسرعان ما ظهر الخطر من الغرب أيضًا، لأن إقليم الجزائر كان قد خضع لبنى مرين، وحين سيطر هؤلاء على متيجة فرضوا الحصار على بجاية سنة ٦٩٩ هـ (١٣٠١ م) وتوفى أبو زكريا سنة ٧٠٠ هـ (١٣٠١ م). وبذل ابنه وخلفه أبو البقاء كل ما في وسعه للتوصل إلى صلح مع أبي عصيدة، فأبرما آخر الأمر معاهدة سنة ٧٠٧ هـ (١٣٠٧ - ١٣٠٨ م) كان هدفها إعادة توحيد الفرعين الحفصيين، وقضت هذه المعاهدة بأن تؤول الإمبراطورية الحفصية بأسرها إلى أحدهما بعد وفاة الآخر. وفى السنوات الثلاث الأخيرة من حكمه بخاصة اضطربت ممالك أبي عصيدة اضطرابًا خطيرًا، بفعل قبائل كُعوب العربية. ونحن نعلم أنه أبرم معاهدات بعينها مع العالم المسيحى، ولكن الجزية التي فرضوها على تونس واحتلالهم جربة دفعاه إلى التمسك بمعارضته لفردريك الصقلى. ٧ - أبو يحيا أبو بكر الشهيد (٧٠٩ هـ - ١٣٠٩ م). ابن عم آخر لأبي عصيدة، نصبه مشايخ الموحدين بتونس

стр. 4022

الذين عارضوا التدابير التي ستؤول بمقتضاها إمبراطورية بنى حفص كلها إلى أبي البقاء. ولكن أبا البقاء تخلص منه بعد سبعة عشر يومًا من ولايته فحسب، وفرض على دولتى بنى حفص الاتحاد من جديد. ٨ - أبو البقاء (٧٠٩ - ٧١١ هـ = ١٣٠٩ - ١٣١١ م) وقد عجز من كل الوجوه عن منع ردة جديدة لإقليم قسنطينة التابع لحكم أخيه أبي يحيا أبي بكر، وكان أبو يحيا قد فرض سيادته على بجاية أيضًا سنة ٧١٢ هـ - (١٣١٢ م). وفى الوقت نفسه، كان الموحدى العجوز الشيخ ابن اللحيانى قد استولى على عرش تونس، بعد أن أجبر أبا البقاء على النزول عنه. ٩ - ابن اللحيانى (٧١١ - ٧١٧ هـ = ١٣١١ - ١٣١٧ م). وقد بدأ عهده بعلاقات طيبة مع مملكتى بنى حفص. وقاوم غارات بنى عبد الواد التلمسانيين) (٧١٣ - ٧١٥ هـ = ١٣١٣ - ١٣١٥ م) ثم هاجم حاكم بجاية أبو يحيا أبو بكر، تونس (٧١٥ - ٧١٦ هـ = ١٣١٥ - ١٣١٦ م)، واضطر ابن اللحيانى إلى تسليمها. ١٠ - أبو ضَربْة (٧١٧ - ٧١٨ م = ١٣١٧ - ١٣١٨ م). هو ابن اللحيانى، أقامه التونسيون أميرًا عليهم، ولكنه لم يقاوم هجمات أبي يحيا أبي بكر سوى تسعة أشهر وحسب، وعادت الوحدة الحفصية مرة أخرى. ١١ - أبو يحيا أبو بكر (٧١٨ - ٧٤٧ هـ = ١٣١٨ - ١٤٤٦ م) وقد واجه مهمة صعبة هي إخماد الانتقاضات الخطيرة فيما بين السنوات ٧١٨ هـ (١٣١٨ م) و ٧٣٢ هـ (١٣٣٢ م) التي أثارها أبو ضربه، أو أحد أصهار ابن اللحيانى وهو ابن أبي عمران، ونفذها العرب، وبنو عبد الواد. وتعرضت مملكة الحفصيين لهجوم متصل ناجح في كثير من الأحوال على يد سلطان تلمسان خلال السنوات (٧١٩ - ٧٣٠ هـ = ١٣١٩ - ١٣٣٠ م) ولكن أبا يحيا أبا بكر حرر نفسه من هذا التهديد آخر الأمر بدخوله في حلف مع أمير فاس المرينى الذي تزوج وريثه المنتظر إحدى بنات أبي يحيا. وقد أدت

стр. 4023

المصاعب التي اكتنفت الأربع عشرة سنة الأولى من حكمه إلى حدوث بلبلة في عدد من المقاطعات المحلية الجنوبية، وإلى إضطرابات قبلية. من ثم حاول أبو يحيا منذ سنة ٧٢٠ هـ (١٣٢٠ م) الحفاظ على وحدة أراضيه، فعهد بقدر استطاعته بإدارة الأقاليم إلى ابنه، تنفيذًا لنصائح رؤساء بلاطه. وامتاز النصف الثانى من خلافة أبى يحيا أبى بكر (٧٣٣ - ٧٤٧ هـ = ١٣٣٣ - ١٣٤٦ م) بأن الشيخ ابن تفراكين الموحدى قد شغل أقوى منصب (وهو الحاجب مما قلل الاضطراب بقمعه العنيد لشغب البدو وغضبه من سخطهم وبتحرير جربة من نير الصقليين، وبتقليل تبعية بجاية لتونس بتشجيع خاص من الشيخ ابن تفراكين وبخضوع أبى يحيا أبى بكر بالتدريج لزوج ابنته وجاره الوثيق أبى الحسن المرينى، مما دفع أبا بكر المرينى إلى ضم تلمسان ومملكة عبد الواد إلى حكمه. ١٢ - أبو العباس أحمد. وقد كفل له والده الأمير الراحل مساعدة المرينى أبى الحسن ليخلفه على العرش، ولكنه سرعان ما لقى حتفه على يد واحد من إخوته، هو أبو حفص، وكان هذا الاغتيال هو السبب الذي تذرع به أبو الحسن لفتح إفريقية دون عناء. ولم يلق احتلال المرينيين (٧٤٨ - ٧٥٠ هـ = ١٣٤٨ - ١٣٥٠ م) إلا تأييدًا ضئيلًا، وأشعل إلغاء الإتاوات التي كان يجمعها البدو من السكان المستوطنين فتنه عربية أسفرت عن هزيمة نكراء لأبي الحسن سنة ٧٤٩ هـ (١٣٤٨ م) عجز بعدها عن استعادة ما كان له من سمعة طيبة. وفقد أبو العباس الجزء الأعظم من بلاد البربر ولقى المزيد من عداوة إفريقية، واضطر إلى الهرب بحرًا إلى الغرب في شوال سنة ٧٥٠ هـ (أواخر ديسمبر ١٣٤٩ م). ١٣ - الفضل بن أبى يحيا أبي بكر حاكم بونة وقد بويع في تونس، ولكن سرعان ما دحره ابن تفرا كين سنة ٧٥١ هـ (١٣٥٠ م) وأقام مقامه واحدًا من إخواته، هو أبو إسحاق ابن أبى يحيى أبى بكر. ١٤ - أبو إسحاق (٧٥٠ - ٧٧٠ هـ = ١٣٥٠ - ١٣٦٩ م). وكان هذا الأمير

стр. 4024

الجديد من صغر السن بحيث أصبح ابن تفرا كين الداهية أربع عشرة سنة صاحب السلطان الحقيقى وراء صاحب العرش. وتزايدت الاضطرابات وحركات الاستقلال الذاتى من كل الجوانب، فاستولى بنو مَكِّى على الجنوب الشرقى، وبنو حفص على قسنطينة وهنالك قُدر على أبى إسحاق أن يتحمل كثيرًا من الهجمات التي كان بعضها شديدًا خلال السنوات من ٧٥٢ - ٧٥٧ هـ - (١٣٥١ - ١٣٥٦ م). أما المرينى حاكم فاس، أبو عنان فارس، فكان متحمسًا للسير على منوال أبيه في مغامرات البطولة التي كان يخوضها، فاستولى على تلمسان، والجزائر وعلى مَدِيَّة. وقد سهلت العداوة المشتركة القائمة بين فروع بنى حفص الثلاثة الحاكمة في بجاية وقسنطينة وتونس، مهمة هذا الغازى الذي كان يتمتع إلى ذلك بمساندة بنى مزنى أمراء إقليم الزاب، وبنى مكى أمراء قابس. أما الفتح المرينى الثانى لإفريقية ٧٥٣ - ٧٥٩ هـ = ١٣٥٢ - ١٣٤٨ م) فقد بدأ بداية رائعة بالاستيلاء على بجاية سنة ٧٥٣ هـ (١٣٥٢ م) ثم ركن إلى الهدوء فترة من الزمن؛ وفى سنة ٧٥٧ - ٧٥٨ هـ = ١٣٥٦ - ١٣٥٧ م) حقق أهدافه بالاستيلاء على قسنطينة وبونة وتونس، وبإخضاع بلاد الجريد وقابس. على أن انهيار أبى الحسن حدث في وقت أسرع مما كان متوقعًا نتيجة لفعل قليل البصر، وهو رفض السماح للدواودة بجمع ضرائب بعينها من الأهالى المستوطنين. واندحرت قواته، واضطر أبو عنان فارس إلى الانسحاب إلى فاس سنة ٧٥٨ هـ (١٣٥٧ م). وعاد أبو إسحاق وابن تفراكين إلى تونس خلال بضعة أشهر وحسب، وكانا قد طُردا منها. ومات المرينى سنة ٧٥٩ هـ (١٣٥٨ م) دون أن يفلح في التمكين لسلطانه ببلاد البربر الشرقية. وبينما كان عبد الواد يعمل على استعادة ما فقده في تلمسان، عادت الأمور في المشرق إلى الحال التي كانت سائدة فيها حين بدأ أبو إسحاق حكمه لكل من: بجاية وقسنطينة وتونس التي

стр. 4025

كان يحكمها ثلاثة حكام مستقلين مختلفين من بنى حفص؛ وبقى الجنوب كله والجنوب الشرقى، وجزء من الساحل محتفظة بالاستقلال عن بنى حفص التونسيين. ولما توفى ابن تفراكين سنه ٧٦٦ هـ (١٣٦٤ م) استطاع أبو إسحاق أن يحكم بشخصه، ولكن لم يكن لحكمه أثر يذكر. على أننا نجد أبا العباس أمير قسنطنية من بنى حفص قد استخلص بجاية من ابن عمه أبى عبد الله، ونجح في توحيد إقليم قسنطنية كله سنة ٧٦٧ هـ (١٣٦٦ م). ١٥ - أبو البقاء خالد (٧٧٠ - ٧٧٢ هـ = ١٣٦٩ - ١٣٧٠ م). وقد ساء الموقف بسرعة خلال حكم هذا الأمير الذي كان صغير السن عندما خلف أباه، مما أدى إلى توحيد إفريقية للمرة الثالثة على يد أمير من بنى حفص خرج من قسنطنية وبجاية، وهو أبو العباس. ١٦ - أبو العباس (٧٧٢ - ٧٩٦ هـ = ١٣٧٠ - ١٣٩٤ م). وقد أعاد هذا الأمير بفضل كفاياته العقلية والوجدانية وحزمه الرفيق، هيبة الأسرة الحاكمة التي كان واحد من أعظم أفرادها شأنًا. ومن صلبه انحدر جميع أمراء بنى حفص من بعده. وما إن كبح جماح البدو الرحل سنة ٧٧٣ هـ (١٣٧١ م) وخفف سيطرتهم على الأهالى المقيمين حتى استرد شيئًا فشيئًا ما فقده أسلافه من الأراضى في الجنوب، والجنوب الغربى وتم له ذلك في السنوات من ٧٧٣ - ٧٨١ هـ (١٣٧١ - ١٣٨١ م) بل استرد إقليم الزاب نفسه. وانشغل أبو العباس منذ سنة ٧٨٣ هـ - (١٣٩١ م) بتعزيز ما حققه، وكبح أي محاولة لإحياء حركات الاستقلال في الداخل وتم إخمادها في الجنوب. وانخرط بنو عبد الواد في المعارك الداخلية، واشتعلت المنافسة الشديدة بين بنى عبد الواد وبنى مرين، ومن ثم لم يجد أبو العباس ما يخشاه من ناحية الغرب. وساءت العلاقات بين بلاد البربر والممالك المسيحية نتيجة أعمال القرصنة التي قام بها بنو حفص، واشتد جبروت هذه الأعمال حين أوقف زحف حملة فرنسا وجنوه المشتركة على المهدية سنة ٧٩٢ هـ (١٣٩٠ م). وعقد صلح بعد ذلك مع الجمهوريات الإيطالية.

стр. 4026

١٧ - أبو فارس (٧٩٦ - ٨٣٧ هـ = ١٣٩٤ - ١٤٣٤ م). وقد نهض بمهمة أبيه وأكملها بذكاء. فاقتلع الدول المحلية فى قسنطينة وبجاية سنة ٧٩٨ هـ - ١٣٩٦ م) وفى طرابلس وقفصة، وتورز، وبسكرة في الفترة من (٨٠٠ - ٨٠٤ هـ) (١٣٩٧ - ١٤٠٢ م) وأقام مقام أمرائها عمالًا من عبيده المحررين المختارين. وقاد حملة جريئة على أوراس سنة ٨٠٠ هـ (١٣٩٨ م) وعلى حدود بلاد طرابلس الصحراوية سنة ٨٠٩ هـ (١٤٠٦ - ١٤٠٧ م). وقضى على أزمة خطيرة أثارت الخواطر في قسنطينة، والجنوب الشرقى في الفترة من ٨١٠ - ٨١١ هـ (١٤٠٧ - ١٤٠٨ م) واحتواها باستيلائه على الجزائر سنة ٨١٣ هـ (١٤١٠ - ١٤١١ م) وتلا ذلك فترة هدوء طويلة قطعها بشن عدة هجمات في الغرب حيث سيطر أبو فارس علي بنى عبد الواد التلمسانيين في الفترة من ٨٢٧ - ٨٣٤ هـ (١٤٢٤ - ١٤٣١ م). وكذلك تدخل في أمور مراكش والأندلس. وكانت علاقاته مع الدول المسيحية علاقات ودية في بعض الأحيان، وطيدة في جميع الأوقات، واستمر النشاط الدبلوماسى المكثف مع هذه الممالك طوال فترة حكمه. وكان للحالة الموفقة التي ترك والد أبى فارس المملكة عليها، ولقوته الحربية، بعض الأهمية في نجاحه الخارق، كما استفاد بالإضافة إلى ذلك من الشعبية التي أكتسبها نتيجة اهتمامه بالعدل، وسياسته الدينية السُنِّيّة التي تجلت في أمور كثيرة: فقد أسبغ النعم على أهل الورع، وعلى العلماء ولأشراف، واحتفل بالمولد النبوى الشريف، وعمل على مساندة المذهب السنى في جربة، وشيد العمائر المدنية والدينية وألغى الضرائب التي لا تقرها الشريعة، وعد التوسع في تسيير السفن الخاصة التي تحارب العدو نوعًا من الجهاد. وساد التمسك بحرفية المذهب المالكى بفعل سلطان الفقيه المشهور ابن عرفة (٧١٦ - ٨٠٣ هـ = ١٣١٦ - ١٤٠١ م) ويرجع إليه معظم السبب في إبعاد ابن خلدون إلى القاهرة حيث توفى سنة ٨٠٨ هـ (١٤٠٦ م). ويستدل من ذكر قصر باردو لأول مرة سنة ٨٢٣ هـ (١٤٢٠ م) على مبلغ

стр. 4027

تغلغل الأثر الأندلسى في بربر بنى حفص. وكان أبو فارس يحكم دولة زاهرة، كما كان كريمًا مع رعيته؛ فاكتسب بذلك شهرة عظيمة في العالم الإسلامى ببعد نظره وسماحته الواعية. وهذا الأمير الذي تجاوز السبعين وهزم ألفونسو الخامس ملك أراغون عند جربة قبل ذلك بعامين قد ختم حياته في أورسنيس، وهو سائر على رأس حملة لإخضاع تلمسان سنة ٨٣٧ هـ (١٤٣٤ م). ١٨ - المنتصر (٨٣٧ هـ = ١٤٣٤ - ١٤٣٥ م). حفيد أبى فارس، وقد كتب على هذا الأمير أن يدخل في منازعات مع أقاربه المنتقضين عليه وحلفائهم العرب، وشيد نافورة، كما شيد المدرسة المنتصرية التي خلَّدت اسمه. ١٩ - عثمان (٨٣٩ - ٨٩٣ هـ = ١٤٣٥ - ١٤٨٨ م). شقيق المنتصر المتقدم ذكره، وقد واصل ما فعله جده العظيم أبى فارس. وكان عثمان ورعًا عادلًا، وبدأ في إقامة منشئات مائية كثيرة، وبنى عددًا كبيرًا من الزوايا. وشمل برعايتة صاحب الكرامات التونسى سيدى ابن عروس المتوفى سنة ٨٦٨ هـ (١٤٦٣ م) وقدر عليه أن يدخل مع أقاربه في نزاع طوال سبعة عشر عامًا من سنة (٨٣٩ إلى ٨٥٦ هـ (١٤٣٥ - ١٤٥٢ م) وبخاصة مع عمه أبى الحسن على. وكان ابن أبي فارس هذا قد طرد من حكم بجاية سنة ٨٤٣ هـ (١٤٣٩ م)، وظل بعدها مدة طويلة مناهضًا لجنود السلطان في إقليم قسنطينة، كما قام عثمان بأعمال حربية في الجنوب في الفترة من ٨٤٥ إلى ٨٥٥ هـ (١٤٤١ - ١٤٥١ م) وواقع الأمر، أنه ما إن انتهت المرحلة الأولى من مغامرة أبي الحسن حوالى سنة ٨٤٣ هـ (١٥٣٩ م) حتى كان السلام قد ساد الجزء الأعظم من البلاد. وكانت الولايات تحكم بالطريقة نفسها التي انتهجت في أيام أبي فارس - أى بعمال من العبيد المحررين المختارين الذين كان يطلق على الواحد منهم لقب قائد. وقد واجه واحد منهم يسمى نبيل، عثمانًا إذ ادعى أنه يستأثر بسلطة عظيمة في البلاط، فسجن نبيل هذا سنة ٨٥٧ هـ (١٤٥٣ م). وتلبَّد الجو في الجزء الثانى من حكمه ولاح شبح

стр. 4028

المجاعة والطاعون، وعودة الاضطرابات القبيلة التي بلغت مبلغ الإزعاج بوجه خاص سنة ٨٦٧ هـ (١٤٦٣ م) وأخمدت هذه الاضطرابات بقسوة، بيد أنها لم تكبح تمامًا. وقام عثمان في مناسبات عدة بحملات تأديبية في الجنوب، والجنوب الغربى في الفترة ما بين سنة ٨٦٢ هـ (١٤٥٨ م) وسنة ٨٧٠ هـ (١٤٦٥ م) في هذه الأثناء استولى واحد من بنى عبد الواد على تلمسان، وأخضع مرة سنة ٨٦٦ هـ (١٤٦٢ م) إلا أن الأمر استلزم إخضاعه مرة أخرى سنة ٨٧١ هـ (١٤٦٦ م). أما سنوات حكم عثمان الأخيرة (٨٧٥ - ٨٩٣ هـ = ١٤٧٠ - ١٤٨٨ م) فغامضة تمامًا غموض تلك السنوات الأخيرة من حكم بنى حفص. وقد مال عثمان ميلًا شديدًا إلى إقامة أقاربه ولاة على الأقاليم. ويبدو أنه شدد قبضته على تلمسان. وفى سنة ٨٧٧ هـ (١٤٧٢ م) اعترف والى فاس الجديد، ومؤسس أسرة بنى وطَّاس، بسيادته. ٢٠ - أبو زكريا يحيا (٨٩٣ - ٨٩٤ هـ = ١٤٨٨ - ١٤٨٩ م). نجح في أن يخلف جده عثمانًا وعامل أقاربه الذين تحدو حكمه بلا شفقة، واغتاله آخر الأمر ابن عمه الشقيق عبد المؤمن ابن إبراهيم. ٢١ - عبد المؤمن بن إبراهيم (٨٩٤ - ٨٩٥ هـ = ١٤٨٩ - ١٤٩٠ م). خلعه من العرش أحد أبناء سلفه وعدوه في أيام معدودة من ولايته. ٢٢ - أبو يحيا زكريا بن يحيا (٨٩٥ - ٨٠٠ هـ = ١٤٩٠ - ١٤٩٤ م). ربما كانت دولة بنى حفص خليقة بأن تستعيد قوتها في أيام حكمه، لولا أنه مات بالطاعون، وهو بعد شاب. ٢٣ - أبو عبد الله محمد (٨٩٩ - ٩٣٢ هـ = ١٤٩٤ - ١٥٢٦). ابن عم شقيق لسلفه، وقد استسلم للملذَّات، وعجل باضمحلال أسرة بنى حفص. وقد كبح أبو يحيا جماح القبائل العربية المنتقضة بصعوبة، واستخلص منه الأندلسيون بجاية وطرابلس سنة ١٥١٠ م. ٢٤ - الحسن (٩٣٢ - ٩٥٠ هـ = ١٥٢٦ - ١٥٤٣ م). ابن الأمير السابق،

стр. 4029

طرده من تونس في صفر سنة ٩٤٢ هـ (أغسطس ١٥٣٤ م)، باشا الجزائر خير الدين بربروسه، فلما احتل شارل الخامس حلق الوادى أعاده إلى قصبة ملكه في المحرم سنة ٩٤٢ هـ (يوليو ١٥٣٥ م). وحارب أتراك القيروان سنة ١٥٣٥ - ١٥٣٦ م، ثم حارب سيدى عرفة - ١٥٤٠ م) شيخ دولة المرابطين الخاصة التي أسستها في القيروان قبيلة الشابيَّة، وخلعه ابنه الأكبر أحمد. ٢٥ - أحمد (٩٥٠ - ٩٧٦ هـ = ١٥٤٣ - ١٥٦٩ م). وقد واصل هو الآخر الصراع مع قبيلة الشابيَّة التي تحالف شيخها الجديد محمد بن أبي الطيب مع الأسبان، ومع محمد الوريث الشرعى للأمير الحفصى الراحل. وفى الوقت نفسه كان القرصان طور غور المتحالف مع الأتراك ومع أحمد يحاول التمكين لنفسه في إقليم الساحل. وفى سنة ٩٥٩ هـ (١٥٥٢ م) هزم أحمد قبيلة الشابيَّة، وجلا الأسبان عن المهدية سنة ١٥٥٤ م، وعاد من إستانبول حاملًا لقب باشا طرابلس، واستولى على قفصة في ديسمبر ١٥٥٦ على القيرون في (ديسمبر ١٥٥٧). وفى سنة ٩٦٧ هـ (١٥٦٩ م) استولى باشا الجزائر على تونس، وسار أحمد حتى انضم إلى أخيه محمد في حلق الوادى. وأخيرًا، أي سنة ٩٨٢ هـ (١٥٧٤ م) فقد دون جوان النمسوى تونس التي كان قد استولى عليها في السنة السابقة، وصارت المدينة بمثابة حاضرة لإحدى الولايات العثمانية. المصادر: (١) La Berberie: R. Brunschvig Hafsides des origines a orientale sous les la fin du xve Siecle , جـ ١ - ٢، باريس سنة ١٩٤٠ - ١٩٤٧. (٢) المؤلف الأساسى - Ch.Mochi Kairouan: court Etudes Kairouanaises, et les Chabbia (١٥٩٢, ١٤٥٠) تونس سنة ١٩٣٩. (٣) Histoire de: Ch. A. Julien l'Afrique du Nord، باريس سنة ١٩٥٢، جـ ٢، الفصلان الرابع والسادس. (٤) Initiation a la Tunisie، باريس سنة ١٩٥٠.

стр. 4030

(٥) la l''Algérie Initiation a باريس سنة ١٩٥٧. (٦) La Berbérie musul-: G. Marcais mane et l'Orient au Moyen Age, باريس سنة ١٩٤٦. (٧) وانظر l'Architecture musulmane d'occident , باريس سنة ١٩٥٤. حسن شكرى [هـ ر. أدريس - H.R. Idris] حفص الفرد أبو عمرو أو أبو يحيى: يقول صاحب الفهرست (ص ١٨) إنه فقيه عربى من أهل مصر خرج إلى بغداد حيث درس على الفقيه المعتزلى أبي هذيل، وفى رواية أخرى (المرتضى: اتحاف السادة جـ ٢، ص ٤٧) أنه درس من قبل على القاضي أبي يوسف ثم لحق بالمعتزلة؛ وكانت له مناظرات كثيرة مع الإمام الشافعي الذي لم يكن يذكره أو يذكر (كلامه) بخير؛ بل لقبه بالمنفرد بدلا من الفرد (انظر Bauer: Die Dogmatik al Ghazali؛ ص ١٩) ويقال إنه رجع إلى مذهب أهل السنة وتبعه الأشعرى، وإنه قال بخلق الأفعال؛ وقد نسبه صاحب الفهرست والشهرستانى أيضًا) هو والنجار إلى المجبرة؛ وذكر له ستة مصنفات هاجم في واحد منها المعتزلة وفى آخر النصارى (انظر أيضًا Die phi-: Horten los Systeme der spek Theologen ص ٤٩٩، والمصادر المذكورة في هذا المؤلف). خورشيد [باور H. Bauer] حفصة بنت الخليفة عمر وزوج النبي [ ﷺ ]، وكان خنيس بن حذافة القرشي قد بنى بها قبله، ثم مات في المدينة بعيد غزوة بدر دون أن يعقب منها؛ وتزوجها النبي بعد يوم أحد رغبة منه في اكتساب معونة عمر (١)، ولا شك في أنها كانت وقتئذ في العشرين من عمرها؛ وهجرها مرة لأسبابًا مجهولة ثم عاد إليها بوحى كريم لما تحلت به من فضائل الإسلام،
следующие страницы →