الخلفاء فأعلن النظام السوفيتى فى باكو فى ٢٨ أبريل سنة ١٩٢٠ م ولم تحدث مقاومة مسلحة لذلك، وأصبحت آزربيجان جمهورية من الجمهوريات الثلاث المكونة لما وراء القوقاز الفدرالية. وانتهى هذا الاتحاد الفدرالى فى ٥ ديسمبر سنة ١٩٣٦ م، ودخلت آزربيجان فى اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية باعتبارها جمهورية من جمهوريات الاتحاد الست عشرة.
وتبلغ مساحة جمهورية آزربيجان الحالية: ٨٧.٧٠٠ كيلو متر مربع، وعدد سكانها ٣.٢ مليوناً من الأنفس يعيش ٢٨ % منهم فى المدن. وأغلبية السكان الوطنيين من الترك المحليين بنسبة ثلاثة أخماس، أما الأرمن فنسبتهم ١٢ %، والروس ١٠ % من مجموع السكان. وقصبة الجمهورية باكو ويبلغ عدد سكانها ٨٠٩.٠٠٠ نسمة، وكنجه؛ وكانت فيما سبق تعرف بأليساوتبول وكيروفآباد، وتعدادها ٩٩.٠٠٠ نسمة. ومن البلدان الكبرى فى آزربيجان: شمَاخى وقوبة، وساليان، ونوخى، وومِنْكِجورَ ... إلخ.
المصادر:
(١). Bolshaye Sovietskaye Entsik: سنة ١٩٥١.
(٢) Encyclopaedia Chamber's. سنة ١٩٥١.
(٣) C.Dunsterville . The Ad-: L ventures of Dunsterforce لندن سنة ١٩٢٠.
خورشيد [مينورسكى V. Minorsky]
آسية
هو الاسم الذى أطلقه المفسرون على زوجة فرعون، وقد ورد ذكرها فى القرآن مرتين (سورة القصص، آية ٩؛ سورة التحريم، آية ١١). ولها نفس الشأن الذى لابنة فرعون فى التوراة، ولذلك فمن الواضح أن يكون هناك
стр. 37
بعض الالتباس، ففى سورة التحريم (الآية ١١) قالت امرأة فرعون: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. ويتصل بهذه الآية ما يروى من أن آسية قاست كثيراً من العذاب على يد فرعون فى سبيل دينها، وكانت إسرائيلية، وأمر بها آخر الأمر أن تطرح على صخرة، فدعت ربها فقبض روحها إليه ولم يسقط على الصخرة إلا بدنها. ويروى أيضاً أن فرعون أمر بها أن تقتل على الأوتاد وأخذ يعذبها حتى ماتت، إلا أن موسى دعا ربه أن يخفف عنها من العذاب، فلم يجد بعد ذلك للعذاب ألماً. ويفسر هوروفتز اسم آسية بأنه تحريف "آسنات" اسم زوجة يوسف فى سفر التكوين (الإصحاح ٤٩، فقرة ٤٥).
المصادر:
(١) تفاسير القرآن لسورة القصص، آية ١٠، سورة التحريم، آية ١١؛ وخاصة الطبرى: التفسير، طبعة القاهرة سنة، ١٣٢١، جـ ٢٠ ص ١٩ - ٢١؛ جـ ٢٨، ص ٩٨.
اَسية
(٢) الطبرى: التاريخ، طبعة ده غوى، جـ ١، ص ٤٤٤، ٤٤٨ - ٤٥٠
(٣) ابن الأثير: طبعة تورنبرغ، جـ ١، ص ١١٩، ١٢١، ١٣٠
(٣) الثعلبى: قصص الأنبياء، القاهرة عام ١٢٩٢ هـ، ص ١٤٦ - ١٤٦، ١٥٠.
(٥) الكسائى: طبعة Eisenberg ص ١٩٩ وما بعدها.
(٦) GrUnbaum: Neue Beitrbge zur Semitischen Sagenkunde طبعة سنة ١٨٨٩, ص ١٥٥, ١٥٩.
(٧) blisehe Legenden der: Weil Muselmanner ص ٣٨.
(٨) Koranische Un-: J. Horoitz tersuchungen سنة ١٩٢٦، ص ٨٦.
(٩) Die Biblichen Er -: H. Speyer zahlungen in Quran ص ٢٨١.
[فنسنك A. J. Wensinck]
стр. 38
تعليق على مادة "آسية" يختلف نظر المستشرقين ونظر علماء المسلمين للتوراة، فالمستشرقون يرون أن التوراة هى الكتاب الذى دون حوادث بنى إسرائيل وقت وقوعها، فهو المترجم الصادق عن أخبارهم فما خالفه من الكتب الأخرى فى ذكر هذه الحوادث يكون الغلط واقعاً منه لا من التوراة.
ويرى علماء المسلمين أن التوراة قد انتابتها وانتابت بنى إسرائيل من الحوادث ما أدى إلى ضياعها وتحريفها، فقد ارتد بنو إسرائيل ورجعوا إلى عبادة الأوثان، وكانوا يؤمنون تارة ويرتدون أخرى ويسقطون فى الوثنية، وكان يسلط عليهم من الملوك من يبيدهم كبختنصر.
أما التوراة فكانت منها نسخة واحدة كتبها موسى ووضعها فى التابوت وأمر بنى إسرائيل بحفظها وإخراجها من محلها كل سبع سنين، وبنو إسرائيل إذا سقطوا فى الوثنية لا يحفلون بالتوراة ولا يعنون بحفظها حتى أن يوشيا بن آمون لما تولى الحكم على بنى إسرائيل وهجر عبادة الأوثان بحث عن التوراة فلم يظفر بها حتى مضى على حكمه ثمان عشرة سنة فجاءه كاهن يقال له حلقبا وقال له: إننى قد وجدت سفر أرميا فى بيت الرب، وكل ذلك يقطع سندها إلى موسى ويجعلها من أخبار الآحاد لا من المتواتر ويجعلها عرضة للضياع والتحريف والتغيير. لذلك إذا تعارض خبرها مع القرآن جعلوا القرآن حاكماً عليها لأنه كلام الله المنزل على نبيه
محمد ليرد الناس إلى أمرهم الأول ويجمعهم على عبادة الله ويحكم بينهم فيما كانوا فيه يختلفون. فإذا رأى المستشرقون أن التوراة تذكر أن من التقط موسى ابنة فرعون والقرآن ينسبه إلى آل فرعون ويرى أن زوجة فرعون تشفعت فيه وقالت قرة عين لى ولك لا تقتلوه قالوا التباس من القرآن. أما علماء المسلمين فيرون أن القول ما
стр. 39
قال القرآن، وأنه حرر الوقائع بعد تغييرها وتبديلها لما قدموه هن الأدلة. وهم يستندون فى الحوادث التى سردناها إلى التوراة، راجع سفر الملوك الثانى وسفر أخبار الأيام الثانى.
محمد عرفة
آكادير إغر
[آكادير]: بلدة مراكشية مشرفة على المحيط الأطلسى، عند ملتقى جبال أطلس العليا بسهل السوس. وتقوم البلدة على الطرف الشمالى لجون كبير عند سفح تل ارتفاعه ما بين ٨٠٠ و ٩٠٠ قدم تعلوه قلعة. ويبلغ عدد سكانها ٣٠١١١ نسمة، منهم ١٥١٨ يهودياً و ٦٠٦٢ من الأوربيين (تعداد سنة ١٩٥٢).
وليس من الواضح هل كانت تقوم هناك محلة قبل وصول البرتغاليين، ومع ذلك فإننا نجد رسالة تاريخها ٦ يولية سنة ١٥١٠ تتحدث عن "آكادير الأربعاء" فى هذا المكان (Soaces in- edites de I'Histoire du du Maroc, Portugal جـ ١١، ٢٤٣ وكانت هذه الرسالة قد أرسلها أهل ماسة الي الملك عمانوئيل الأول ملك البرتغال. ويوحى هذا بأن مكاناً اسمه "آكادير" كان يوجد هناك وبالقرب منه سوق متنقلة تعقد كل أربعاء، ومهما يكن من شئ فإن ذلك المكان لم تكن له أهمية كبيرة. ويذكر محمد بن الحسن الوزّان الزياتى المعروف بليو الإفريقى هذه المحلة باسم كارتكوسم ("رأس كسمية" نسبة إلى قبيلة بربرية كانت تعيش بالقرب من البلدة).
وفى النصف الثانى من عام ١٥٠٥ أقام نبيل برتغالى يدعى جآو لوبيز ده سكويره Jao Lopes de Sequeirs قلعة من الخشب هناك، ولعل غرضه من ذلك كان حماية أسطول للصيد، أو لعله فعل ذلك أيضاً بموافقة ملكه لعرقلة الأسبانيين فى جزائر الكنار من تحقيق أطماعهم فى الساحل الجنوبى لمراكش وكانت القلعة تقوم بالقرب من نبع
стр. 40
عند سفح تل يسيطر على الطريق العام. ومازال هذا الموقع يحمل اسم فوْنتى، وإن كان يبدو أن اسمه الرسمى كان من أول الأمر هو سانتا كروز دل كابو ده أكور بسبب قربه من رأس "غر". وقد اشترى ملك البرتغال هذه القَلعة فى ٢٥ يناير سنة ١٥١٣.
وأدى استقرار البرتغاليين فى سانتاكروز إلى رد فعل عنيف بين قبائل البربر فى السوس. وكان أتباع الطريقة الجزولية، وهى الطريقة التى كانت قد مكنت لنفسها فى السوس قبل ذلك بخمسين عاماً، قادرين على استغلال هذا العداء لإعلان الجهاد، وكان بعضهم يحبذون قيام دولة السعديين (بنى سعد) وهى أسرة من الشرفاء قدمت من دَرْعَة، ونودى بشيخ هذه الأسرة محمد قائداً للجهاد حوالى سنة ١٥١٠، وقد لقب محمد هذا من بعد بالقائم بأمر الله.
ومن هذا التاريخ تعرضت القلعة البرتغالية لحصار عسكرى اقتصادى متقطع وإن كان مرهقاً، كما تعرضت لهجمات تزايدت فى الشدة بتزايد سلطان السعديين. وفى سبتمبر سنة ١٥٤٠ استولى سلطان السوس السعدى محمد الشيخ بن القائم بأمر الله. على التل الذى يتحكم فى سانتا كروز وحشد عليه مدفعية قوية. وبدأ الحصار فى ١٦ فبراير سنة ١٥٤١ وانتهى فى ١٢ مارس بتسليم المحافظ د. جوتَير ده مونروى D. Guttere de Monroy ومن بقى على قيد الحياة من رجال الحامية. ويمكن أن نجد وصفاً مستفيضاً شائقاً حياً لهذه الأحداث فى "تاريخ سانتا كروز" وهو بقلم واحد من هؤلاء المحاصَرين دوّن فيه خبر مغامراته بعد أن قضى فى الأسر خمس سنوات بتارودانت وغيرها من البلدان.
وظلت سانتا كروز آكادير مهجورة عدة سنوات حتى أقام السلطان السعدى عبد الله الغالب بالله (١٥٥٧ - ١٥٧٤) قلعة على قمة تل آكادير ليحمى المرسى من أساطيل النصاري. وأصبحت آكادير منذ ذلك الوقت من الأماكن التى يزورها التجار الأوربيون بانتظام وخاصة لحمل أوساق من السكر إلى السفن (انظر - Sources ine ,dites de ١'Histoire du Maroc. lire serie
стр. 41
France (جـ ٣، ص ٣٦١) واحتفظت آكادير بشأنها بوصفها ثغراً تجارياً حتى إنشاء البلدة الاسلامية مغادور، "الصُوَيْرَة"، سنة ١٧٧٣. ومن يومها أصبح ثعْر آكادير قليل الاستعمال.
وقد اكتسبت محلة آكادير شهرة موقوتة سنة ١٩١١ حين ألقت سفينة المدفعية الألمانية "بانتر" مراسيها فى مسالكها لتأييد المطالب الألمانية هناك وقتما كان طابور الجنرال موانييه قد احتل فاس وشيكا (أول يولية سنة ١٩١١). ولما أبرم اتفاق الحماية احتل الجنود الفرنسيون آكادير سنة ١٩١٣. وكان عدد سكانها آنئذ أقل من ألف نسمة.
وأخذت البلدة منذ ذلك الوقت تتطور تطوراً عظيماً، فقد أصبحت أهم بلدة فى الأقاليم الإدارية لمراكش التى تشمل ما يقرب من ٧٠٠.٠٠٠ نسمة: ومعظم السبب فى هذا التطور يرجع إلى نهضة الزراعة ومصايد الأسماك فيها وإلى استغلال ثروتها المعدنية. وقد حدث توسع حديثاً فى ثغر آكادير الذى أنشئ سنة ١٩١٤.
المصادر:
(١) I'Afrique: Leo Africanus Description de طبعة، Schefer، جـ ١، ص ١٧٦ (Guarguessem) .
(٢) Chronique de Santa Cruz du Cap de Gue (Agadir) طبعة وترجمة P.de Ceni val، باريس سنة ١٩٣٤.
(٣) L'AFrique: Marmol، ترجمة perrot d' Ahlancourt. باريس ١٦٦٧، جـ ٢ ص ٣٤ - ٣٩.
(٤) Historia de Santa Cruz: J. Figanier ١٥٠٥ - ١٥٤١ de Cabo de Gue (Agadir) لشبونة سنة ١٩٤٥ (انظر. Hesp , سنة ١٩٤٦، ص ٩٣ وما بعدها) وهذه المصادر تتناول بصفة خاصة العهد البرتغالى.
(٥) description du: H. de Castries Une Maroc sous le regne de Moulay Ahmed (١٥٩٦) El-Mansour, باريس سنة ١٩٠٩، ص ١١٠.
(٦) Reconnaissance au: Ch. de Foucauld Maroc, الطبعة الجديدة، باريس سنة ١٩٣٤، ص ١٨٤ - ١٨٥.
стр. 42
(٧) Le Maroc Moderne: J. Erekman , باريس سنة ١٨٨٥، ص ٥٠ - ٥١ (وبه خريطة).
(٨) Historia de Marruecos: Castellanos , طنجة سنة ١٨٩٨، ص ٢٠٣ - ٢١٧.
(٩) The Land of the: Budge Meakin Moors، لندن سنة ١٩٠١، ص ٣٧٨ - ٣٨٢.
(١٠) Histoire diplomatique: H. Hauser (١٨٧١ - ١٩١٤) de ١'Europe, باريس سنة ١٩٢٩, مجلد ٢، ال جزء السادس، فصل ٣.
(١١) La crise d'Agadir P. Renonvin
(١٢) La portd' Agadir: P Gruffaz، فى , Bull Ec et Soc du Maroc سنة ١٩٥١، ص ٢٩٧ - ٣٠١.
(١٣) Agadir: G. Guide فى Les Cahiers d'Outremer، سنة ١٩٢٥.
خورشيد [له تورنو R. Le Tourneau]
آل
الآل الأسرة أو بمعنى أوسع الأقارب وتوجد شواهد من العهد الإسلامى على أن قريشاً كانوا فى الجاهلية يسمون أنفسهم آل أو أهل الله (انظر مركوليوث: Mohammed ص ١٩) لأنهم كانوا يحرسون الكعبة وما فيها من آثار مقدسة، واتسع مدلول هذا اللفظ فى الإسلام فى عبارة آل النبى وبخاصة فى الصلاة المنسوبة إلى محمد (اللهم صل على محمد وعلى آله) وعلى مثال هذا التحديد لفكرة "آل البيت" فإن الشيعة يقصرون عبارة آل النبى على نسل عليّ وفاطمة، ويفضل إطلاق "العترة" على هذا الفرع الأقرب إلى النبى. والذين ينأون عن أهواء الشيعة يجعلون كلمة آل النبى تشمل فى مدلولها الواسع بنى هاشم. ويجعل غيرهم زوجات النبى وأقاربه بوجه عام من آل النبى.
وأصرح إنكار لمزاعم الشيعة قد تضمنه ذلك التفسير الذى يقول إن عبارة آل النبى تشمل جميع الصالحين
стр. 43
دون اعتبار للقرابة، أو جميع المسلمين أى الأمة الإسلامية بتمامها.
وقد كتب ابن خالويه المتوفى عام ٣١٤ هـ (٩٢٦ - ٩٢٧ م) كتاباً سماد "كتاب الآل" (رواه البحرانى فى منار الهدي، طبعة بومباي، ١٣٢٠ هـ, ص ٢٠٠) قسم فيه آل النبى إلى ٢٥ طبقة (Die Grammatisc Schulen: Flugel der Araber ص ٢٣١) والراجح أن المتكلم الشبعى إلريان بن الصلت القمى أراد أن يدفع قول السنيين إن الآل تشمل الأمة جميعها فجمع فى رسالة جميع أقوال الإمام الرضا فى الاختلاف بين الآل والأمة (الطوسي، فهرس كتب الشيعة, رقم ٢٩٤) وانظر ما ذكره كولدسيهر فى هذا الموضوع فى. d . Zeitschr Deutsch. morgenl, Gesel جـ ١٠٠، ١١٤, ١١٧
[كولد سيهر Goldziher]
+ والآل: العشيرة، وهى جماعة يربطها النسب، بين الأهل أو العائلة وبين القبيلة (الحىّ والقبيلة) وبذلك تكون الآل مرادفة للعشيرة. وقد وردت أكهى -آل- الأمدى بهذا المعنى فى القرآن (سورة آل عمران). وآل النبى هم سلالة هاشم والمطلب. ولما قصر الشيعة ذلك على أقرب أقربائه وسلالته توسع السنية فى مدلول العبارة حتى جعلوها تشمل جميع أتباعه (Lexicon: lane , مادة آل). وأصبح المصطلح من بعد يدل على أسرة الحاكم، مثال ذلك "آل عثمان" أى الدولة العثمانية، و"آل بوسعيد" أى حكام عُمان وزنجبار؛ و"آل فيصل آل سعود" وهو اللقب الرسمى للدولة العربية السعودية.
خورشيد [هيئة التحرير]
الآمدى
" الآمِدِى" على بن أبى على بن محمد التَغلِبى سَيف الدين: متكلم عربى ولد فى آمِد سنة ٥٥١ هـ (١١٥٦ - ١١٥٧ م)، كان فى أول أمره حنبلياً، ودخل بعد ذلك فى صفوف الشافعية وهو ببغداد، وانخرط فى دراسة للفلسفة أتمها فى الشام، ثم غدا مدرساً
стр. 44
بمدرسة القرافة الصغرى الملاصقة لضريح الشافعى فى القاهرة، ثم أصبح سنة ٥٩٢ هـ (١١٩٥ - ١١٩٦ م) أستاذاً بالجامع الظاهرى ونبه صيته بفضل ملكاته الذهنية ومعرفته بالعلوم العقلية، ولكنه اتهم لذلك بالزندقة فاضطر إلى الفرار إلى حماة ووضع نفسه فى خدمة الملك المنصور الأيوبى سنة هـ (١٢١٨ - ١٢١٩ م)، فلما توفى المنصور دعاه الملك المعظم إلى دمشق وبوأه كرسى الأستاذية فى المدرسة العزيزية سنة ٦١٧ هـ (١٢٢٠ - ١٢٢١ م)، وصرفه الملك الأشرف عن هذا الكرسى سنة ٦٢٩ هـ (١٢٢٩ م) لأنه درّس الفلسفة. وتوفى بدمشق فى صفر سنة ٦٣١ هـ (نوفمبر سنة ١٢٣٣ م).
وتدخل كتبه العديدة فى باب الكلام: ("أبكار الأفكار" وهو مخطوط فى الرد على الفلاسفة، والمعتزلة، والصابئة والمانوية)؛ ("إحكام الحكَّام فى أصول الأحكام"، أهداه إلى المعظّم، القاهرة ١٣٤٧ هـ, وقد لخص فى "منتهى السؤل"، القاهرة طبعة غير مؤرخة)؛ ("الجدل" وهو مخطوط)؛ (وفى الفلسفة: "دقائق الحقائق فى المنطق" وهو مخطوط؛ ) "كشف التمويهات"، وهو مخطوط؛ ) وقد أهداه إلى المنصور وقصد به ابن سينا).
المصادر:
(١) السبكي: طبقات الشافعية، جـ ٥، ص ١٢٩ - ١٣٠.
(٢) ابن خلّكان، القاهرة ١٩٤٨ جـ ٢، ص ٤٥٥، رقم ٤٠٥.
(٣) ابن أبى أصيبعة، جـ ٢، ص ١٧٤.
(٤) ابن القفطي: ص ٢٤٠ - ٢٤١
(٥) النُعيّمي: الدارس، دمشق سنة ١٩٤٨ - ١٩٥١، جـ ١، ص ٣٦٢, ٣٨٩، ٣٩٣؛ جـ ٢، ص ٤، ١٢٩.
(٦) Gesch. der Arab.: Brockelmann Litt جـ ١، ص ٣٩٣/ ٤٩٤، قسم ١، ص ٦٧٨.
(٧) مجلة المشرق، سنة ١٩٥٤، ص ١٩٦ - ١٨١ ..
خورشيد [سوردل D. Sourdel]
стр. 45
"الآمدى" محمد بن محمد أبو حامد ركن الدين السمرقندي: فقيه حنفى وصوفى توفى ببخارى فى التاسع من جمادى الآخرة عام ٦١٥ هـ (سبتمبر ١٢١٨ م). وقد برّز بصفة خاصة فى الجدل، ووضع فيه بابا يعرف عند الفرس باسم "جُست" أى البحث. وأهم تصانيفه فى الجدل: "كتاب الإرشاد" (انظر Les mss. arabes: H. Derenbourg de l'Escorial, رقم ٦٥٠، ٢) ورسالته المسماة "الطريقة العميدية فى الخلاف والجدل" المحفوظة بدار الكتب المصرية فى القاهرة (انظر فهرس الكتب العربية بالدار، جـ ٤، ص ٧٩).
أما أهم مصنفاته بالنسبة لنا فهى مؤلفه الصوفى "كتاب مرآة (حياة) المعانى فى إدراك العالم الإنساني" ويتناول افتقار العالم الأصغر إلى العالم الأكبر، وهو اقتباس من ترجمة فارسية للكتاب الهندى "أمرته كند" لباهوجرا (؟ ) الناسك البرهمى (انظر Mem- de i'academie des in-: de Guignes scriptions جـ ٢٦، ص ٧٩١؛ : Gildmeister Scriptor. or. de rebus indicis ص ١١٥؛ . Pertsch W. فى Festgruss an Roth, سنة ١٨٩٣ م، ص ٢٠٨ - ٢١٢) وقد أصدر ابن عربى نسخة جديدة من هذا الكتاب بعد أن صححها على الأصل مستعيناً بأحد النساك (انظر مخطوطات هذا الكتاب فى L.: Brockelmann . A. G، ص ٤٤٦، رقم ١٠٠).
ونقول أخيراً إن بين أيدينا أيضاً رسالة فلسفية فى الطلسمات للمترجم له عنوانها "حوض الحياة" وهى محفوظة بباريس "انظر Cata-: de Slane -logue des mss. ar. de la bibliotheque na tionaLe رقم ٧٧٣، ٢).
المصادر:
(١) ابن خلكان، بولاق ١٢٩٩ هـ، جـ ١، ص ٦٠٤، رقم ٥٧٥.
(٢) ابن قطلوبغا: تاج التراجم فى طبقات الحنفية، طبعة فلوكل رقم ١٧١.
(٣) Gesch d. arab. Litter.: Brockelmann
[بروكلمان Brockelmann]
стр. 46
الآمر بأحكام الله
* " الآمِر" بأحكام الله أبو على المنصور: الخليفة الفاطمى العاشر، ولد فى ١٣ محرم سنة ٤٩٠ (٣١ ديسمبر سنة ١٠٩٦) ونادى به خليفة وهو بعد طفل فى الخامسة الوزير الأفضل عقب وفاة والده المستعلى فى الرابع عشر من صفر سنة ٤٩٥ (٨ ديسمبر السنة ١١٠١). وظلت مقاليد الحكم فى العشرين سنة التالية فى يد الأفضل. وفى سنة ٥١٥ هـ (١١٢١ م) اغتيل الأفضل على يد الرسل النزارية، واتهم الخليفة بالتآمر على حياته. وأقيم المأمون بن البطائحى. وزيراً، ولكنه سجن هو الآخر فى ٤ رمضان سنة ٥١٩ هـ (١١٢٥ م) وأعدم بعد ذلك بثلاث سنوات. ولم يستوزر بدله أى وزير، ولكن كبير عمال الخراج أبو نجاح بن كنّاء النصرانى أخذ يمارس نفوذاً كبيراً حتى اعتقل وأعدم سنة ٥٢٣ هـ (١١٢٩ - ١١٣٠ م).
وفى وزارة الأفضل بذلت بعض الجهود فى محاربة الصليبيين، وأنفذت عدة حماوت بقيمادة سعد الدولة الطواشى (٤٩٥ هـ = ١١٠١ م)؛ وشرف المعالى بن الأفضل (٤٩٦ هـ = ١١٠٢ م)؛ وتاج الأعجم وابن قادوس (٤٩٧ هـ = ١١٠٣ م)؛ وجمال الملك (٤٩٨ = ١١٠٤ م)؛ وسناء الملك الحسين، وهو ابن آخر من أبناء الأفضل (٤٩٩ هـ = ١١٠٥ م)؛ ثم بقيادة الأعزّ (٥٠٥ هـ = ١١١٢ م)؛ ومسعود (٥٠٦ هـ = ١١١٣ م) (وكانت القاعدة الرئيسية فى فلسطين هى عسقلان). ومع ذلك فقد وقع الجزء الأكبر من فلسطين وساحل الشام فى يد الصليبيين: طرسوس سنة ٤٩٥ هـ (١١٠٢ م)، وعكا سنة ٤٩٧ هـ (١١٠٣ م)، وطرابلس سنة ٥٠٢ هـ (١١٠٩ م)، وصيداء سنة ٥٠٤ هـ (١١١١ م)، وصور سنة ٥١٨ هـ (١١٢٤ م). وقد غزا بلدوين ملك بيت المقدس مصر نفسها سنة ٥١١ هـ (١١١٧) واحتل الفرما وبلغ تنِّيس، على أنه لم يجد بدا منَ الارتداد لمرضه وتوفى فى الطريق.
ومن الحوادث البارزة فى ذلك العهد غزوة اللواتة سنة ٥١٧ هـ (١١٢٣ م)
стр. 47
فقد بلغ هؤلاء الإسكندرية، ولكن المأمون ردهم على أعقابهم.
وأدى انقسام النزارية فى عهد الآمر إلى تهديد مصر، وهو ذلك الانقسام الذى أفقد الفاطميين تأييد الفريق الأكبر من الإسماعيلية المشتتين. واضطر المأمون إلى اتخاذ إجراءات أمن مستعيناً بالشرطة ليمنع تسلل عمالهم، وقامت مظاهرة كبيرة فى القاهرة فى شوال سنة ٥١٦ هـ (١١٢٢ م) لإعلان بطلان مطالب النزارية وأحقية فرع المستعلى فى ولاية الخلافة. وصدرت وثيقة فى هذه المناسبة بقيت بعنوان "الهداية الآمريّة" (طبعة A.A.A. Fayzee، أوكسفورد سنة ١٩٣٨).
وفى سنة ٥٢٤ هـ (١١٣٠ م) ولد للآمر وريث اسمه الطيّب، على أن مصيره يغشاه الغموض. وفى اليوم الثانى من ذى القعدة سنة ٥٢٤ (٨ أكتوبر ١١٣٠) اغتال النزارية الخليفة وأعقب ذلك عهد انقلاب فى الحكم.
المصادر:
(١) ابن مُيَسيَّر: أخبار مصر، طبعة - Mas se ص ٤٢ - ٤٣، ٥٦ - ٧٤ (وبعض الفقرات المفقودة فى المخطوط الناقص قد بقيت فى الفصل الذى كتبه النويرى عن الفاطميين).
(٢) ابن الأثير، الفهرس.
(٣) ابن خلكان، الرقمان ٧٥٣، ٢٨٠ (ترجمة ده سلان، جـ ٣، ص ٤٥٥).
(٤) أبو الفداء، طبعة Reiske - Adler الفهرس.
(٥) ابن خلدون: العبر، جـ ٤، ص ٦٨ - ٧١.
(٦) ابن تغرى بردى، جـ ٢، ص ٣٢٦ - ٣٩١. وفى مواضع مختلفة.
(٧) ابن دقماق: الانتصار، الفهرس.
(٨) المقريزي: الخطط، جـ ١، ص ٤٦٨ - ٤٩٣؛ جـ ٢ ص ١٨١، ٢٨٩ وما بعدها.
(٩) السيوطي: حسن المحاضرة، جـ ٢، ص ١٦، وما بعدها.
(١٠) Yaman. its early medi-: H.C. Kay aevai history by Najm ai-Din 'Omdrah
стр. 48
Al-Hakami, الفهرس.
(١١) Gesch. d. Konigreiches: Rochricht. فى مواضع مختلفة.
(١٢) jerusalem Histoire A. Grousset dess Croisades جـ ١، فى مواضع مختلفة، وخاصة ص ٢١٨ - ٢٨٤، ٥٩٧. - ٦١٨.
(١٣) Gesch. der Fatim-: E. Wustenfeld iden-Chalifen ص ٢٨٠ وما بعدها.
(١٤) A hist . of Fatim -: E Wustenfeld Egypt، الفهرس.
(١٥) History or the Cru-: B. L Ewis sades فيلادلفيا سنة ١٩٥٦، جـ ١ ص ١١٨ - ١١٩.
(١٦) The Epistle of the Fa -: S.M. Stern - timid Caliph Al-Amir (Al-Hidaya Al (Amirivya فى J.R.A.S. سنة ١٩٥٠، ص ٢٠ - ٣١.
(١٧) الكاتب نفسه the succession Caliph Al-Amir to the Fatimid, أوربانر سنة (١٩٥١، ص ١٩٣ وما بعدها.
(١٨) انظر مصادر مادتى "الأفضل" و"المأمون بن البطائحى".
خورشيد [شتيرن S.M. Stern]
آمنة
أم محمد، وكان أبوها وهب بن عبد مناف من زهرة، عشيرة من قبيلة قريش، وأمها بَرّة بنت عبد العُزَّى، من عشيرة بنى عبد الدار.
ويقال إنها كانت فى حجر عمها وُهَيب بن عبد مناف. وفى اليوم الذى زوجها فيه من عبد الله بن عبد المطلب زوج كذلك ابنته هالة من عبد المطلب (ابن سعد، جـ ١، ق ١، ص ٥٨)، وإذا صح هذا فقد يكون مثالا لعادة من عادات الزواج التى أهملت.
والظاهر أن آمنة أقامت مع أسرتها، وكان يختلف إليها هناك عبد الله، الذى توفى قبل ميلاد محمد فى القول السائر.
وكان محمد يعيش فى كنف آمنة طيلة حياتها، وعلى هذا فمن المفروض أنه عاش مع أسرة أمه (إلا حين أرسل للرضاع فى قبيلة بدوية).
ويقال إن أمه آمنة توفيت بالأبواء بين مكة والمدينة فى عودتها من زيارة أقارب لمحمد هناك، وكان محمد عندها
стр. 49
فى السادسة من عمره.
وهذه الزيارة -وإن بدت غامضة- غير أننا لا نملك أسبابا قوية لدحض تفصيلاتها، وهذا لا يعنى التسليم بالقصص المتصل بحملها، كزعمها حين قالت إنها رأت نورا خرج منها أضاء قصور بُصرى بالشام.
المصادر:
(١) ابن هشام، ص ٧٠، ١٠٠ - ١٠٢، ١٠٧.
(٢) ابن سعد، جـ ١، ق ١، ص ٦٠، ٧٣.
(٣) الطبري، جـ ١، ص ٩٨٠، ١٠٧٨ - ١٠٨١.
(٤) Annali: Caetani جـ ١، ص ١١٩، ١٥٠، ١٥٦.
الأبيارى [مونكومرى وات W.: Montgomery]
تعليق على مادة "آمنة"
إنا لا نأبى على كاتب سيرة أن يستنبط ما شاء، بعد أن يعرض الوقائع كلها بين يديه جملة لايستثنى، حتى يكون أقرب إلى الصواب فى حكمه. أما أن يغيب شيئا ويكشف عن شيء فتلك ليست حلية الحريص على الحقيقة ولا يفعلها إلا مغرض.
وسيرة آمنة من الجلاء بمكان، اختلف فى بعضها المؤرخون، وذلك هو كنه التاريخ قبل أن تضبطه الكتابة، وحين كان رواية. ولكن استخلاص الصحيح من بين هذه الخلافات ليس بالعسير.
فزواج عبد الله من آمنة، كما رواه ابن سعد عن الواقدى بتلك الرواية التى جعلها كاتب المادة عمدته، رواه غير ابن سعد ممن هو أسبق منه وجودا، وهو ابن هشام عن ابن إسحاق.
يقول ابن هشام: "فخرج به عبد المطلب -يعنى عبد الله لبنه- حتى: أتى به وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن حرة بن كعب بن لؤىّ بن غالب بن فهر، وهو يومئذ سيد بنى زهرة نسبا وشرفا، فزوجه ابنته آمنة بنت وهب، وهى يومئذ أفضل امرأة فى قريش نسبا وموضعا" (السيرة، ج ١، ص ١٦٤ - ١٦٥ طبعة الحلبى).
ولم يشر ابن هشام إلى الرواية الأخرى التى انفرد بها ابن سعد. وعن هاتين الروايتين: رواية ابن هشام ورواية ابن سعد، كان نقل المؤرخين من
стр. 50
بعدهما، غير أنا نلاحظ أن هؤلاء المؤرخين اللاحقين، مثل الطبرى، يبدءون بما رواه ابن هشام ويثنون بما رواه ابن سعد، على الرغم من تغليط ابن سعد للرواية الأولي، كما نجد منهم من يشكك فيها مثل الزرقانى فى كتابه "شرح المواهب ١: ١٠٣" حيث يقول بعد أن ساق الرواية الأولي، أى رواية ابن هشام: "وقيل كانت فى حجر عمها وهيب، وهو المزوج لها. قاله ابن إسحاق فى رواية".
ويأبى كاتب المادة إلا أن يجعل من هذه الأيام الثلاثة التى أقامها عبد الله مع أسرة زوجته حين بنى بها إقامة دائمة، وما يعنينا أكانت هذه أم كانت غيرها، ولكن الذى يعنينا هو التأريخ الحق. يقول ابن سعد: "لما تزوج عبد الله بن عبد المطلب آمنة بنت وهب أقام عندها ثلاثا. وكانت تلك السنة عندهم إذا دخل الرجل على امرأته فى أهلها" (الطبقات، ج ١، ص ٩٥ طبعة بيروت).
ثم يأبى كاتب المادة إلا أن يغفل رعاية جد محمد له، وما كان عبد المطلب بعيدا عن حفيده، يقول ابن هشام: "وكان رسول الله ﷺ مع أمه آمنة بنت وهب وجده عبد المطلب ابن هاشم فى كلاءة الله وحفظه".
وأغرب من هذين تشكك كاتب المادة فى زيارة آمنة لأخوال أبى محمد بالمدينة، إد كانت أم عبد المطلب هى سلمى بنت عمرو النجارية. ومن قبل أن تنزل بهم آمنة بابنها محمد نزل بهم عبد الله أبو محمد، وأقام عندهم مريضا مدة، ومات بين أيديهم، ودفن مى دار التابع، من بنى عدى بن النجار. فهل يعد غريبا بعد هذا أن تصحب الأم الوفية لزوجها ابنها لتزيره قبر أبيه؟
يقول ابن سعد (الطبقات ج ١، ص ١١٦ - ١١٧): "كان رسول الله ﷺ مع أمه آمنة بنت وهب، فلما بلغ ست سنين خرجت به إلى أخواله بنى عدى بن النجار -يعنى أخوال جده- بالمدينة تزورهم به: فأقامت عندهم شهرا. فكان رسول الله ﷺ يذكر أمورا كانت فى مقامه ذلك: لما نظر إلى أطم بنى عدى بن النجار عرفه وقال: كنت ألاعب أنيسة، جارية من الأنصار، على هذا
стр. 51
الاطم، وكنت مع غلمان من أخوالى نطير طائرا كان يقع عليه".
ثم يقول ابن سعد: "ونظر إلى الدار فقال: هاهنا نزلت بى أمي، وفى هذه الدار قبر أبى عبد الله بن عبد المطلب".
ثم يقول ابن سعد: "ثم رجعت به أمه إلى مكة، فلما كانوا بالأبواء توفيت آمنة بنت وهب، فقبرها هناك".
ويقول ابن سعد رادّا على من يزعم أن قبر آمنة بمكة: "هذا غلط. ليس قبرها بمكة، وقبرها بالأبواء".
اللهم إن هذا جرأة على الحق يأتيها كاتب المادة، فهذا إجماع من المؤرخين، وهذا سبب قوى واضح دافع إلى تلك الزيارة، ثم هذه شهادة الصادق ال أمين بما ورد على لسانه تؤيد ما كان.
ولكن كاتب المادة أراد أن يتخذ من شكه هنا تكأة للدخول فى شك أعظم حين يجرح ماجاء على لسان آمنة من حملها وولادتها، لاسيما حديث ذلك النور.
يقول ابن إسحاق (السيرة ج ١، ص ١٧٥): "إن نفرا من أصحاب رسول الله ﷺ قالوا له: يا رسول الله، أخبرنا عن نفسك. قال: نعم، أنا دعوة أبى إبراهيم، وبشرى اْخى عيسي، ورأت أمى حين حملت بى أنه خرج منها نور أضاء لها قصور الشام".
ويرويه ابن سعد مسندا إلى أبى أمامة الباهلى (الطبقات ١: ١٠٢، طبعة بيروت) قال: "قال رسول الله ﷺ : رأت أمى كأنه خرج منها نور أضاءت منه قصور بصرى".
ويقول السهيلى فى كتابه "الروض الأنف": "وتأويل هذا النور ما فتح الله عليه -يعنى رسول الله ﷺ من تلك البلاد".
وكما لا نكبر ما وقع لمريم كذلك لا نكبر ما وقع لآمنة ما دمنا نؤمن بالنبوة والنبوات، وما كان ما وقع لآمنة وجاء على لسانها غير إرهاص بمولد ذلك النبى العظيم الذى امتد نور هديه إلى ما وراء بصرى شرقا وغربا وشمالا وجنوبا. والأمر على التشبيه، وتزكِّيه رواية ابن سعد.
إبراهيم الأبيارى
آمين
(ع) بمعنى: اللهم استجب (انظر
стр. 52
Arabische Amen-Formeln: Goldziher في Rivista degli studi rientali, جـ ١
آيا صوفيا
أكبر مسجد فى الفسطنطينية (إستانبول)، وكان فى وقت من الأوقات طليعة كنائس العواصم فى الشرق المسيحي. وقد عرفت بعامة حتى سنة ١٤٥٣ باسم "آمكالى إكليزيا" وكانت تسمى حوالى سنة ٤٠٠ م: صوفا. من غير الأداة)، كما كانت تسمى منذ القرن الخامس الميلادى "اكياصوفيا" وجاءت احدث الأبحاث بأن آيا صوفيا الأصلية لم يشيدها قسطنطين الأكبر وإنما شيدها ابنه قسطنطيوس، بناء على رغبة أبيه، بعد انتصار الأخير على صهره لكينيوس. وقد بنيت آنذاك على هيئة بازيليكا ودشنت فى الخامس من فبراير سنة ٣٦٠ م (Die varjustinia-: A.M.Schneider nische Sophienkirche في Bysantinische Zeitschrift سنة ١٩٣٦، ص ٣٦). وقد تعرضت هذه "الكنيسة العظيمة" لتغيرات كثيرة شتى، فقد نكبت بحرائق وزلازل خربتها (أتت النيران على أول بازيليكا مسقوفة بالخشب فى العشرين من يونية سنة ٤٠٤ فى حادث طرد الأسقف يوحنا كريسوستوم)؛ وأعيد افتتاحها فى الثامن من أكتوبر سنة ٤١٥، وظلت سليمة من الدمار نيفا وقرنا من الزمان حتى إذا كانت ليلة اليوم الثالث عشر من يناير سنة ٥٣٢ أتت عليها النيران مرة أخرى (وكذلك كان مصير الجزء الأكبر من المدينة بما فيها المحفوظات الإمبراطورية).
وأصدر الأمبراطور يوستنيانوس قراره بإعادة بناء الكنيسة بحيث لا يضارعها فى الفخامة بناء اقيم من قبل قط. وكان من قبل قد أمر بان تحمل إلى قاعدة إمبراطوريته كل المواد النفيسة من الآثار القديمة القائمة فى ولاياته (حيث كانت التحف الفنية الوثنية قد أهملت عمدا حتى أتى عليها التلف)، واستخدمت هذه المواد على نطاق واسع، بعد الحريق، لإعادة بناء آيا صوفيا؛ وعهد بهذا العمل إلى مهندسين من أعظم المهندسين على مدار العصور، هما: اثناسيوس الترالسِّى
стр. 53
وايزيدورس الملطى؛ واذ أمر الامبراطور بأن البناء الجديد يجب أن يكون آمنا من الحريق والزلازل، فقد استقر رأيهما على أن تكون خطة البناء قائمة على القباب والأقبية الصغيرة. وافتتح هذا البناء الباذخ فى السابع والعشرين من ديسمبر سنة ٥٣٧ فى حفل بالغ الفخامة حتى أن يوستنيانوس الفخور قد صاح قائلا: "يا سليمان، لقد تفوقت عليك! ". على أنه حدث فى عهد هذا الإمبراطور نفسه أن انهار الجزء الشرقى من القبة بفعل زلزال (فى السابع من مايو سنة ٥٥٨)، ودمرت
مقرأة الكنيسة والهيكل والمذبح. لقد كانت القبة قد خططت بحيث تكون شديدة التفلطح، أما بعدُ فقد رفعت أكثر من عشرين قدما على حين قويت دعائم العمد الكبيرة حتى أصبحت الكنيسة مهياة لافتتاحها من جديد فى الرابع والعشرين من ديسمبر سنة ٥٦٢. وموقع الكنيسة مما تحسد عليه، ففى جنوبها يقوم الأغسطيوم المشيد للاحتفالات القومية، وبه تمثال ليوستنيانوس على هيئة فارس؛ والى الشمال (فى الصميم من رحاب أسوار السراى اليوم) بيع البلاط، وأديرة جليلة وقصور رجال البلاط؛ وإلى الشرق، أى تجاه البحر، يقوم القصر الإمبراطورى.
ويتمثل غربها للزائر فى فناء رئيسى تكتنفه دهاليز مكشوفة. ومن هنا تؤدى عدة أبواب (ربما أربعة أبواب أو خمسة) الى بهو خارجى مقفل لا يزال يتبع الفناء، ومنه تؤدى خمسة أبواب إلى بهو داخلى، ثم بابان فى كل من الطرفين الشمالى والجنوبى، وتتشعب ممرات أخرى وتؤدى تسع فتحات مستطيلة من المداخل الى قلب الكنيسة، والفتحة الوسطى منها قد زخرفت فى تأنق وإبداع وجرى استخدامها بابًا للملك.
والأرض التى تشغلها الكنيسة مربعة الشكل تقريبا يبلغ طولها من الداخل حوالى ٧٥ مترا مع استثناء المحراب الأكبر فى الجناح الشرقى، . وعرضها حوالى ٧٠ مترا. وقد صورت أرضية الكنيسة على هيئة الصليب تعلوها قبة معلقة نصف كرية تقريبًا ترتفع ٥٦ مترًا. ولما كانت الجدران
стр. 54
الخارجية لا تستطيع وحدها حمل القبة، لذلك لم يكن بد من تقويتها بأربعة عمد، ودعمت هذه العمد أيضًا بعقود صغيرة وما يشاكلها من عمد لا غنى عنها فى قيام البناء. وعلى الجانبين الشرقى والغربى من القبة غرفتان واسعتان تشبه هيئة كل منهما نصف الدائرة ويتوج كلا منهما ثلاث من اشباه القباب. وكان من أهم الأمور فى تشكيل داخل الكنيسة خطة الطابقين اللذين تتكون منهما جميع الغرف الجانبية المجاورة للصحن الأكبر، إذ كان الطابق الأعلى يخصص للنساء جريا على السنة المرعية فى الكنائس البوزنطية.
ويبلغ عدد الأعمدة التى تحمل ثقل البناء ١٠٧: ٤٠ عمودا سفليا و ٦٧ عمودًا علويًا، وأغلبها قطعة واحدة من المرمر الملون، وبعضها من الحجر السماقى الأحمر.
وكان الزائر لهذه الكنيسة فى العصور الوسطى يروعه أشد الروعة ذلك الزخرف الباذخ، فمن مرمر وافر بالغ الوفرة منتشر فى جميع الأرجاء، إلى صور للمسيح والعذراء والأنبياء والرسل وغيرهم من القديسين تغمر الحوائط ببحر من الألوان، ناهيك بصورة إسرافيل العظيم تتمثل فى المثلثات الكرية للقبة الكبرى، كما أن الفسيفساء الذهبية التى تغطى القبة والحوائط تكسبها بهاءً لم تر العيون مثله من قبل قط. والراجح ان زخارف الفسيفساء لم تكن قد اكتملت حتى السنوات الأخيرة من عهد يوستنيانوس، وكذلك فى عهد يوستنيوس الثانى.
وكانت الجدران الأولى والقبو فى الكنيسة الأصلية مشيدة كلها بالآجر؛ وكان الهيكل أو الحرم (بيما) يقوم إلى الشرق من قلب الكنيسة ويفصله عنه حاجز ذو أبواب كثيرة الارتفاع مزينة بصور ونقوش مخرمة لعمد. وكان هذا الهيكل يشمل المذبح والمقصورة ويؤدى إلى المحراب الأكبر. وكان عدد القساوسة فى ايام يوستنيانوس ٤٢٥ قسيسًا (ومن المسلم به أنهم كانو يخدمون أيضا ئلاث كنائس أخرى)، وعدد البوابين مائة بواب. وقدّر عدد موظفى هذه الكنيسة قبيل انهيار الإمبراطورية البوزنطية بثمانمائة موظف.
стр. 55
وحدثت أولى الإصلاحات الكبرى فى آيا صوفيا على عهد الإمبراطور بازيل الثاني. فقد تداعى جزء من القبة أثناء الزلزال الذى وقع فى ٢٦ أكتوبر سنة ٩٨٦، فامر الإمبراطور بإصلاحه. (والراجح أن الركائز المحلّقة الفجة فى الواجهة الغربية ترجع إلى هذا العهد" انظر Die Grabungen in: A.M.Schneider Westhof der Sophienkirche برلين سنة ١٩٤١، ص ٣٢ وما بعدها)؛ وفى سنة ١٢٠٤ حل بالكنيسة دمار شديد أثناء نهب اللاتين للقسطنطينية، فقد أعملوا فيها السلب فى قسوة وجور حتى لقد استخدموا الملابس والأوانى المقدسة فى تنظيف جياد الغزاة وإطعامها. ومع ذلك فقد أصبحت آيا صوفيا أهم كنيسة للدولة الجديدة وأهم مكان يتوج فيه ملوكها. وكانت أوسع تغييرات اتخذت بعد فى أيام البوزنطيين هى التى حدثت فى القرن الرابع عشر. ففى النصف الأول من هذا القرن دعمت الجدران من جميع الجهات، ودعم الجناح الشرقى خاصة بركائز عالية عريضة من الخارج.
وليس بين أيدينا أية رواية إسلامية فى وصف آيا صوفيا من الداخل أيام البوزنطيين. وأول مسلم ذكر الكاتدرائية بالتفصيل هو أحمد بن رسته (ص ١٢٤ وما بعدها؛ ترجمة. G Wiet، القاهرة سنة ١٩٥٥، ص ١٣٩ وما بعدها)، وقد عاش ابن رسته حوالى سنة ٢٩٠ هـ (٩٠٢ - ٩٠٣ م)، ولكنه يستقى وصفه من هارون بن يحيى الذى كان أسيرا فى القسطنطينية ردحا من الزمن فى القرن التاسع الميلادي. والحق إن هارون لم يصف البناء الذى أسماه الكنيسة العظمى (مكالى إكليزيا)، بل وصف مركب الإمبراطور البوزنطى فى ذهابه إلى الكنيسة يوم عيد وصفا تفصيليا حيا، وقد اقتيد أسرى الحرب المسلمون إلى الكنيسة (وربما كان المقصود بذلك حرمها) وهناك حيوا الإمبراطور هاتفين: "أطال الله بقاء الملك سنين كثيرة" (الكتاب المذكور ص ١٢٥). ومن التفصيلات التى ذكرها أمر له أهمية خاصة: وهو قوله أنه كان وراء "المجلس" (والمظنون أنه يقصد بذلك المقاعد) أربعة وعشرون باباً صغارًا كل
стр. 56
باب شبر فى شبر تنفتح فى البوابة الغربية (ولم تذكر هذه التفصيلات فى أى مصدر آخر). وكان أحد هذه الأبواب الصغار ينفتح وينغلق من تلقاء نفسه فى نهاية كل أربع وعشرين ساعة. ولما اضمحلت الخلافة أخذ المسلمون بعد ابن رسته يمسكون شيئا فشيئا عن الكلام عن القسطنطينيه القاصية. وإنما حدث بعد ذلك بأربعة قرون عقب استيلاء القبائل التركية على آسية الصغرى أن ذكر شمس الدين الدمشقى (طبعة Frahn & Mehren، سانت بطرسبرغ سنة ١٨٦٥، ص ٢٢٧) آياصوفيا فى سطور قليلة، على أنه يعتمد فيما رواه على كتاب وراق اسمه أحمد كان يسبقه فى الزمن بقليل (انظر المصدر المذكور، ب ٨). وأهم ما رواه هو أن الكنيسة كانت تأوى ملكًا وأن مأواه كان يحيط به "درابزين"، والمفروض أنه يشير بذلك إلى منطقة المذبح والمقرأة جميعًا بما فى دلك الحاجز نفسه دى الأبواب المزين بالأيقونات.
وجاء بعد دلك بعشرات قليلة من السنين محمد ابن بطوطة (طبعة- De fremery & Sanguinetti جـ ٢، ٤٣٤) فكان أول من نسب بناء آيا صوفيا لآصف ابن برخيا المظنون أنه كان ابن خالة الملك سليمان. وأهم ميزة لابن بطوطة وصفه المفصل لفناء الكنيسة؛ وهو يؤكد أنه لم يسمح له بدخول الكنيسة نفسها، وربما كان السبب فى دلك أنه أبى أن يخضع للأمر (الذى دكره) بأن يركع للصليب الذى بمدخلها.
ولما فتح الترك القسطنطنية فى التاسع والعشرين من مايو سنة ١٤٥٣ فر السكان العزل زرافات إلى الكنيسة معتقدين اعتقادًا راسخًا بأن ملكًا سوف يظهر فى السماء ويرد الظافرين على أعقابهم إلى غير رجعة، ويعود بهم إلى وطنهم الآسيوى بمجرد أن يبلغوا فى تقدمهم عمود قسطنطين الأكبر. ومع دلك فقد تقدم الترك وحطموا أبواب بيت الله وجروا السكان المروعين رجالا ونساء إلى قيود الأسر والعبودية. على أن شهود العيان لم يذكروا لنا وقوع أى مجزرة فى دلك المكان المقدس كما
стр. 57
جرى القول بذلك كثيرًا. ودخل الفاتح الكنيسة بعد هذا المشهد الوحشى من مشاهد النهب والسلب، لا على صهوة جواده كما جرى القول، ودعا مؤذنه إلى الصلاة هاتفًا بالشهادة، وخر ساجدًا هو وأتباعه أمام الله الواحد الأحد، وهكذا آل المعبد الذى أقامه قسطنطيوس ويوستنيانوس للإسلام.
وحدثت تغييرات كبيرة جدًا فى داخل الكنيسة تمشيًا مع قواعد الدين المظفر. فقد اختفت الفسيفساء التى كانت تزين الحوائط والأقبية والتى بدت فى عيون مبدعيها من الإغريق أنها صورت لتبقى أبد الدهر، اختفت تحت طلاء من الجير فى لون الرماد (لا شك أن الفسيفساء منذ وصفها أوليا جلبى فى كتابه سياحتنامه، جـ ١، لم يبق ظاهرًا منها للمشاهدين فى أيامه، أى فى القرن السابع عشر، إلا القليل)، وحطموا الحاجز ذا الإيقونات الذى كان يفصل بين القسس وعامة الناس، ونزعوا الزخارف الثمينة التى كانت تزين الجناح الشرقى (الحرم = البيما).
ولما كانت الكنائس البوزنطية القديمة تتجه صوب بيت المقدس، وكان المسلمون يولون وجوههم شطر مكة، فإن الترك منذ الفتح لم يتوجهوا بالدقة نحو الجناح الشرقى للمسجد بل انحرفوا قليلا ناحية الجنوب، وكان الخطيب منذ أيام محمد الثانى يرتقى المنبر متقلدًا سيفا خشبيًا أيام الجمع وعصر كل يوم من رمضان وفى العيدين (عيد الفطر وعيد الأضحى؛ انظر .. Handbuch des Islam.: Juynbool Gesetzes، ص ٨٤، ٨٧)، وكان يقام دائمًا علم على كل جانب من جانبى المنبر، ونحن نعلم، زيادة على ذلك، أن محمدا الثانى قد أقام الركائز الضخمة تدعيما للجدار الجنوبى حيث أقام أيضًا أول مئذنة من تلدُ المآذن السامقة الرفيعة. وبنى سليم الثانى الركيزتين القائمتين فى الشمال والمئذنة الثانية فى الركن الشمالى الشرقي، وابنه مراد الثالث هو الذى بنى المئذنتين الأخريين.
وقد قام السلطان مراد الثالث بإصلاحات شاملة فى المسجد، وكان المقصود بذلك أولا إصلاح العيوب
стр. 58
اليسيرة التى ظهرت بمرور الزمن، على أنه أسهم أيضًا إسهامًا كبيرًا فى زخرفة الغرفة العاطلة من الزينة؛ فقد وضع الوعائين الضخمين من المرمر فى الداخل قرب المدخل الرئيسى، وكان كل منهما يسع ١٢٥٠ لترا، وأهدى المسجد أيضا المصطبتين الكبيرتين اللتين كانت يمناهما مخصصة لتلاوة القرآن معظم النهار، أما الثانية فقد خصصت لأئمة الصلاة. ثم عمد إلى الصليب الذى كان يتوج القبة فوضع مكانه هلالا قطره خمسون ذراعًا وأنفق فى تذهيبه مالا طائلا، حتى أصبح الرعايا المسلمون للباب العالى يستطيعون أن يروا رمز دينهم على مسافة بعيدة من فوق قمة الأوليمب ببثينيا.
وفى النصف الثانى من القرن السادس عشر شرع فى تحويل فناء الكنيسة القائم إلى الجنوب من المسجد مباشرة إلى أضرحة لسلاطين الترك، وأقدمها ضريح السلطان سليم الثاني، وهناك أيضًا دفن ابنه مراد الثالث وحفيده محمد الثالث وإخوة محمد الثالث التسعة عشر الذين قتلهم هذا السلطان بعد اعتلائه العرش. وبعد ذلك بعقود قليلة من السنين توفى السلطان المخلوع مصطفى الأول فجأة فلم يجد الترك فى الحال قبرًا مناسبًا لدفنه، فعمدوا إلى مكان التعميد القديم على الجانب الجنوبى من الدهليز الذى كانوا يستعملونه مخزنا للزيت منذ الفتح فهيأوه لهذا الغرض. وكذلك دفن فى هذه المقبرة من بعد السلطان إبراهيم ابن أخى السلطان مصطفى الأول. ومن يومها حفظت مخازن الزيت الكبرى فى الردهة والفناء القائمين فى الجانب الشمالى من مكان التعميد.
وأمر السلطان مراد الرابع (١٦٢٣ - ١٦٤٠)، الذى شهد عهده إلى حد ما انتعاشًا عامًا، بتزيين الحوائط العاطلة تزيينًا مشهودًا على يد الخطاط العظيم "بجاقجى زاده مصطفى شلبى، فكتب هذا الخطاط عليها شواهد من القرآن بحروف كبيرة من الذهب، وبلغ طول بعض هذه الحروف، مثل حرف الألف، مبلغًا كبيرًا ارتفع إلى عشر أذرع. على أن هذه الآيات الجميلة التصوير التى تتشابك فى كثير من
стр. 59
الأحيان قد حدت من كبرها أسماء الخلفاء الأربعة الراشدين التى نقشت فى وضوح وجزالة (نقشها الخطاط تكنجى زاده إبراهيم أفندي، انظر حديقة الجوامع، جـ ١، ص ٤). وهناك منبر رائع يرجع تاريخه إلى تلك الأيام، ومن المعروف أيضا أن أحمد الثالث هو الذى أقام لجلوس السلطان "المقصورة" فى الجانب الشمالى من المحراب الرئيسي، وأضاف محمود الأول (١٧٣٠ - ١٧٥٤) شرفة السلطان الكبيرة المكشوفة بالطابق الأول فى الرواقء كما أقام نافورة فائقة الحسن ومدرسة (وكلتاهما فى الفناء على الجانب الجنوبى)، وقاعة كبيرة للطعام (عمارت) إلى الشمال، وأهم من ذلك كله المكتبة الثمينة التى أقامها فى المسجد نفسه، وإن كان ثمة شاهد لا شك فيه على أن هذه المكتبة شيدت فوق أساس قديم كان قائمًا فى المسجد من قبل. وكل هذه المنشآت تعد جزء، لا يتجزأ من بيوت الله فى المشرق.
ونحن نلمس منذ أيام مراد الرابع فاتح بغداد، إهمالا محسوسًا فى صيانة المسجد اقترن بالاضمحلال العام الذى حل بالإمبراطورية العثمانية. وقد عهد السلطان عبد المجيد سنة ١٨٤٧ إلى إخوان فوسّاتى المهندسين المعماريين الايطاليين بتجديد البناء تحاشيا لانهيار بعض اْجزائه المهددة بالسقوط وإكسابا للبناء كله رونقًا أكثر جلالا. واستغرق العمل سنتين، وأبقى الطلاء الجيرى على الأماكن التى تصور الإنسان فحسب، أما فيما عدا ذلك فقد كشف عن الحوائط فتجلت واستردت بهاءها القديم. ويرجع إلى تلك الأيام الطلاء المخطط بالأحمر والأصفر على الحائط الخارجي. والطريقة التى عبر بها هذا السلطان عن إكباره لمآثر أجداده جديرة بالتسجيل، ذلك أنه أصلح جميع المآذن فيما عدا مئذنة محمد الثانى الذى وجه إلى الإمبراطورية البوزنطية الضربة الحاسمة القاضية. على أن المهندسين المعماريين الإيطاليين قد سمح لهم آخر الأمر بتعليتها حتى تصبح فى ارتفاع أخواتها. أما اللوحات المستديرة الثمانى التى نقشها الخطاط مصطفى عزت أفندى فقد أقيمت فى آيا صوفيا على عهد السلطان عبد المجيد.
ومن حسن التوفيق حقًا أن المسجد
стр. 60
لم يصب بأذى من جراء الزلازل منذ القرن العاشر، ويجب أن نسلم أن ذلك يرجع بصفة عامة إلى الركائز التى أقامها أواخر الأباطرة البوزنطيين والترك من بعدهم مدعمين الجوانب الأربعة من جدران ذلدُ البناء الضخم (المقام فى أرض معرضة للزلازل) مما جعله يخدم الناس مدة أطول من اْى بناء آخر شيد فى أوروبا. على أن العواصف التى تهب من البلقان أو من البحر كانت تعرض المسجد لخطر يتزايد شأنه.
وفى صيف عام ١٩٠٦ أمر وزير المعارف بإجراء إصلاحات شاملة فى بناء المكتبة التى كان يتناوب الإشراف عليها خمسة "خوجات" لكل منهم يوم من أيام الأسبوع.
وكان منظر المسجد بهيجًا فى شهر رمضان إذ يجتمع الأمراء ورجال الدولة فى صلاة العصر. أما صلاة التراويح التى تقام بعد المغرب بساعة ونصف الساعة فكان الاحتفال بها دون ذلك. وكانت القبة تضاء بمصابيح لا تحصى منتظمة فى دائرة. ويظهر المسجد فى أبهى حلة ليلة السابع والعشرين من رمضان، وهى ليلة القدر (بالتركية: قدر كيجه سي) التى أنزل فيها القرآن. وكثيرًا ما كان السلاطين الأولون يشتركون فى هذا الاحتفال، ولكن السلطان عبد الحميد كان لا يشرف بحضوره المسجد (إذا شرفه على الإطلاق) إلا فى ليلة النصف من شهر رمضان، فيركب قاربًا ليتبرك بآثار النبى بقلعة أسلافه القدامى فى زيارة قصيرة (يوم زيارت خرقهْ سعادت).
وحدث بعد الفتح مباشرة أن عمد الترك إلى القصص الكثيرة التى نمت حول أصل الكنيسة وفضلها فى الأيام الأخيرة من حكم البوزنطيين وألبسوها ثوبًا إسلاميًا. فما إن دخل محمد الفاتح القسطنطينية دخول المظفرين حتى أمر أحمد بن أحمد الجيلانى أن يكتب باللغة الفارسية تاريخًا لآياصوفيا (مكتبة آباصوفيا، رقم ٣٠٢٥) على نسق تاريخ رومي. وقد ترجم تاريخ أحمد هذا إلى التركية نعمت الله المتوفى سنة ٩٦٩ هـ (١٥٦١ - ١٥٦٢ م).
ويقول كاتب جلبى (طبعة فلو كل،
стр. 61
جـ ٢، ص ١١٦) إن على بن محمد القوشجى وهو من علماء الفلك والهيئة، وضع كتابًا آخر بالفارسية فى الموضوع نفسه. على أننا لا نستطيع فيما يظهر أن نتحقق بعد من هذا الكتاب. وهناك نسخة أخرى تاريخها سنة ٨٨٨ هـ (١٤٨٣ - ١٤٨٤ م) كتبها مصنف آخر، وهى موجودة الآن فى متحصْ الدولة ببرلين، Staatsbibliothek Berlin، ذيلا لتاريخ عثمانى ("تواريخ قسطنطينية " [Kat. Dresden: Fleischer رقم ١١٣؛ Turkische Hss. W: Pertsch Berlin، رقم ١٢٣١ الذى كتب بعد ذلك بثلاث سنين) وهى أكثر طرافة وإن كانت فيما عدا ذلك تجرى فى هذا المجرى من حيث الفكر والمصادر. وقد جاء فى كتاب "تواريخ قسطنطينية"
قصة تقول إن آصفية زوجة قسطنطين بن علانية الأكبر، وكانت ذات ثروة طائلة، قد توفيت فى ريق شبابها وأمرت فى وصيتها الأخيرة بإقامة كنيسة تفوق فى الارتفاع جميع أبنية الدنيا. ويقال إن مهندسًا معماريًا حضر لهذا الغرض من فرنكستان. وروى أنه بدأ بأن أمعن الحفر حتى بلغ عمق ٤٠ ذراعًا ليصل إلى الماء. فلما أتم البناء كله فيما عدا القبة فر فيما يقال. وظل البناء على حاله لا يمس عشر سنين حتى عاد وأقام القبة. ويروى أيضا أن المعدن الخاص الذى لم يكن يعرفه إلا الى "ديوات" (وهو فى الواقع "مرمر معدنى") قد جلب من عدة بلاد. ويقال إن "المعدن" الذى صنعت منه الأعمدة الأربعة المرقشة (صوماقي؛ والحق إنها كانت قد صنعت بطبيعة الحال من أصلد أنواع المرمر) قد جلب من جبل قاف، أما الأبواب الكبيرة فقد زعم أنها صنعت من ألواح الخشب فى سفينة نوح، وكان سليمان قد استخدم هذه الألواح من قبل فى إقامة مبانيه بأورشليم وكيزيكوس (أيدينجق)، ويقال إن نفقات بناء الكنيسة بلغت ٣٦٠٠٠٠ قضيب من الذهب، قيمة كل قضيب ٣٦٠٠٠٠ فلوري. ويقال إنه حدث فى أيام حفيد قسطنطين الأكبر: الإمبراطور هرقل (وكان من معاصرى النبى محمد ومن المؤمنين به فى السر) أن سقطت القبة فلم يلبث هذا الإمبراطور التقى أن أعاد إقامتها. وترجع "تواريخ قسطنطينية وآيا
стр. 62
صوفيا" لعلىّ العربى إلياس إلى أيام السلطان سليمان الأكبر، وعلىّ هذا كان وقتذاك فى خدمة الصدر الأعظم علىّ البدين المتوفى فى ٢٨ يونية سنة ١٥٦٥، كما كان مدرسًا (Kat.: Flugel Der Kais. Hofbibl. Vienna جـ ٣، ص ٩٧). وأقدم نسخ هذا الكتاب ترد إلى سنة ٩٧٠ هـ (١٥٦٢ - ١٥٦٣ م). وقد زاد علىّ العربى بعد ذلك بهممنتين قليلا من التفضيلات القليلة الشأن على كتابه وأظهره بعنوان مختلف هو "تواريخ بنايه آيا صوفيا" (المكتبة الأهلية بباريس " ملحق المخطوطات التركية رقم ١٥٤٦، "تواريخ قسطنطينية وآيا صوفيا وبعض حقائق " فى، Persch Catalogue of the Turkish manuscripts of the kgl. Bibl. Berlin رقم ٢٣٢؛ ولدى Fourmont مخطوط آخر: Car.cod.man Bibl. Reg ص ٣١٩، رقم ١٤٧، ١) وفى رواية هذا الكتاب أن آياصوفيا قد بنيت فى عهد الإمبراطور "أوستونيانو" بناها المهندس المعمارى "إكنادوس" (هكذا جاء أيضا فى محمد عاشق). وصفوة القول أن صاحب هذا التاريخ جدير بمزيد من الحمد، فهو يزودنا أيضًا بتفصيلات أكثر بكثير مما فعله مؤرخ القرن الخامس عشر، ذلك أنه يورد روايات مختلفة. ومن ثم وجب أن يعد خير مصدر تركى عن تاريخ أعظم مساجدهم، وإن كان فى نظرنا لا يعتمد عليه قط.
وتختلف مادة القصص التى ظلت تحاك حول آيا صوفيا من عصر إلى عصر. والظاهر أنها بلغت أسمى مراتبها الروحية فى القرن السابع عشر، ذلك أن الترك بصفة عامة كانوا فى هذا العهد يظهرون بمظهر يدل على أنهم كانوا من أكثر الناس احتقارًا لأمور الدنيا. وفى ذلك العهد كان يشار إلى المكان الذى كان أبطال العرب فى القرن الأول الهجرى يصلون فيه بمناسبة حصارهم للقسطنطينية، وإلى المكان الكائن فى وسط صحن الكنيسة حيث كان الخضر فيما يقال يشرف منه على بنائها. وكان يشار فى الدهليز الجنوبى إلى صخرة مجوفة على اعتبار أنها مهد المسيح. وهناك قصة كان المرء لا يزال يستمع إليها من أفواه الفقهاء الشبان فى سنين متأخرة عن ذلك
стр. 63
كثيرا، وتذكر هذه القصة حسينا التبريزى والطريقة التى حصل بها فيما يظن على منصب الأستاذية فى المسجد، ومؤداها أن السلطان الصوفى محمدا الثانى بسط له راحة يده (آيا) ليقبلها بدلا من ظهرها، وهنالك بادر حسين بالتماس تعيينه مدير، لآياصوفيا. واشتهرت "العمد الرطبة" (ياش ديرك) و"النافذة الباردة" (صؤوق بنجره) قرب القبلة شهرة عظيمة بوصفها مزارات وكانت تحدث عندها فى رحاب الجدران المقدسة خوارق عجيبة أيام. عبد الحميد الثاني. وكانت هذه النافذة هى المكان الذى فسر فيه القراَن لأول مرة الشيخ آق شمس الدين الذى كان لكلماته وقع مثير فى نفوس الناس فى أيامهم ومن بينهم محمد الفاتح نفسه. وكان الاعتقاد سائدا إلى عهد قريب بأن البركات التى تحملها النسمات الرطيبة التى تتخلل هذه النافذة الباردة كان لها أثر مبارك يساعد على الغوص فى علوم الدين.
وفي سنة ١٩٣٤ أمر الرئيس كمال أتاتورك بأن يبطل استخدام آيا صوفيا بيتًا لعبادة المسلمين وجعلها متحفًا تشرف عليه مصلحة. ومن ثم أزيل الطلاء الجيرى الذى كان يغطى صور الأشخاص فى الفسيفساء، فتجلت سنة ١٩٣٦ الصور التالية فيما تجلى من أشياء: صورة جميلة للعذراء جالسة على العرش ومعها طفلها يحف بها؛ الإمبراطور قسطنطين (ومعه نموذج للبلدة التى أنشأها) والأمبراطور يوستنيانوس (ومعه نموذج لكنيسة آياصوفيا)، وتقوم هذه الصورة فوق باب الدهليز الجنوبي؛ وصورة أخرى فوق الباب الرئيسى المؤدى من الدهليز إلى الكنيسة (باب الإمبراطور القديم) تمثل المسيح جالسًا على العرش وقد ركع عند قدميه متعبدًا إمبراطور (ليو السادس؟ أو بازيل الأول وهو أمر أقرب احتمالا؛ انظر M.A. Schneider فى Oriens Christianus، سنة ١٩٣٥، ص ٧٥ - ٧٩) ونذكر أخيرًا صورة للعذراء فى حنية المحراب.
المصادر:
(١) أوثق المصادر البوزنطية فى عهد يوستنيانوس هى كتب - Agathias, Proco
стр. 64
pius,Paulus,Silentiarius
(٢) ومن المصادر الأكثر حداثة من ذلك نذكر اولا وقبل كل شئ: Pierre Gilles 'De Topographia Constantinopoleos الكتاب ٤، ليون سنة ١٥٦١، وقد طبع بعد ذلك مرارًا.
(٣) الكاتب نفسه: - De Bosphoro Thra cio libri tres، ليون سنة ١٥٦١، وقد طبع بعد ذلك مرارًا.
(٤): Charles du Fresne, sieur du Cange Historia Byzantina، باريس سنة ١٦٨٠.
(٥) Constantinopolis: . von Hammer und Bospotus، جـ ١، بست سنة ١٨٢٢.
(٦) Aya Sophia of Constan-: C. Fossati tinople as recentiy restored، لندن سنة ١٨٥٢.
(٧) Altchristliche Bau-: W. Salzen berg denkmaler von Konstantionpel برلين سنة ١٨٥٤.
(٨) L'art de batir chez: Auguste Choisy les Byzantins، باريس ١٨٨٣.
(٩) Quellen der byzantinis-: P. Richter Chen Kunstgeschichte وهو عدد خاص من Quellenschriften fur Kunstgeschichte & Kunsttechnik Mittelalters، فينا سنة ١٨٩٧، بقلم Eitelberger von Edelberg & Igi
(١٠): W. R. Lethaby and Har Swainson The Church of Sancta Sophia, Constanyin ople, a study in building، لندن ونيويورك سنة ١٨٩٤.
(١١) Die Sophien-: Heinr. Holtzinger Kirche und verwandte Bauten der byzanti- nischen Architektur في Die Baukunst ويحررها R. Bormann & R. Graul، رقم ١٠، برلين وشتوتكارت سنة ١٨٩٨.
(١٢) Die Ha-: Alfons Maria Schnieider gia Sophia zu Konstantinopel برلين من غير تاريخ (١٩٣٨).
(١٣) رواية تركية تمدنا بالنقوش وبوصف للمبانى الإضافية التى أقيمت فى العهود التركية: حافظ حسين: حديقة الجوامع، إستانبول سنة ١٢٨١ هـ ١٨٦٤، جـ ١، ص ٣ - ٨.
(١٤) وثمة مصادر أخرى وردت فى
стр. 65
إسلام أنسيكلوييديا سي، جـ ٢، ص ٤٧ - ٥٥ (عارف مفيد مانسل).
(١٥) أما عن وصف هارون بن يحيى فانظر: م. عز الدين: Un prisonnier arabe a Byzance ... في Revue des etudes islamiques، سنة ١٩٤١ - ١٩٤٦، ص ٤١ وما بعدها حيث ذكرت الدراسات التى تمت قبل دلك.
(١٨) أما عن القصص الإسلامية فانظر Notice sur les versions persanes: F. Taue de la legende de l' edification d'Aya Sofya في melanges Fuad Koprulu استانبول سنة ١٩٥٣، ص ٤٨٧ وما بعدها.
(١٩) الكاتب نفسه: - Les versions per sanes de la legende sur la construction d'Aya Sofya في Byzantinoslavica المجلد ١٥، جـ ١، سنة ١٩٥٤، ص ١ - ٢٠.
وتقوم غير بعيد من آياصوفيا العظمى آياصوفيا الصغرى (كوجوك آياصوفيا) بالقرب من ميدان جندى، بناها يوستنيانوس وأهديت من قبل إلى القديسين سركيوس وباخوس. وهى تقوم على قاعدة مثمنة الشكل تمتد منها أربعة محاريب تعلوها قبة. وقد حول رئيس حريم (قيزلر آغاسى) السلطان محمد الفاتح هذه الكنيسة إلى مسجد، ومن يومها أعدت أكمل إعداد للعبادة الإسلامية وتدريس العلوم الإسلامية. وتعلو الصفّة خمس قباب مفلطحة بناهر الترك.
[سوسهايم وتيشنر K. Sussheim-Fr. Taeschner]
الآية
والجمع آيات: العلامة، الدالة، المعجزة، الطائفة من القرآن. والعلامة أو الدّالة هو المعنى الأصلي. وبهذا المعنى نجدها فى الشعر الجاهلى (الجمع: آى، وآيات، وجمع الجمع آياء؛ انظر- Nol deke's Belegworterbuch، هذه المادة) حيث ترد مرادفة للعبرية "أوث " والآرامية "آثا"؛ وترد الكلمة السريانية " آثا " وا لجمع "أوثوث " با لحروف اللخيشية (١) (٤، ١١) للدلالة على
стр. 66
المنارات التى كانت تستخدم للإشارة. والمعنى الأصلى المذكور ورد فى القرآن حيث جعل التابوت آية ملك طالوت (سورة البقرة، الآية ٢٤٨)، وحيث جعل الشمس والقمر آيتين للنهار والليل (سورة الإسراء، الآية ١٢)؛ وعجائب الطبيعة هى أيضا آيات على وجود الله وقدرته (سورة الروم، الآية ٢٠ وما بعدها؛ سورة يوسف، الآية ١٠٥ إلخ ... )، ثم إن هذه العجائب هى الأخرى دلائل يجب أن يتعظ بها الناس (سورة البقرة، الآيتان ١٦٤، ٢٦٦؛ سورة الشعراء، الآية ٦٧ ... إلخ). وعلى الرسل الذين يرسلهم الله أن يجيئوا للناس بهذه البينات على قدرة الله وحكمته وقضائه التى تتجلى فى الطبيعة أو فى الأخبار وأن ينذرهم بالعقاب على تكذيبهم لآيات الله البينة (سورة البقرة، الآية ٦١؛ سورة يونس، الآية ٧٣؛ سورة النمل، الآية ٨١؛ سورة الأعراف، الآية ١٨٢). والانتقال من المعجب إلى المعجز خطوة يسيرة (سورة الزخرف، الآية ٤٧؛ سورة آل عمران، الآية ٤٩؛ سورة الرعد، الآية ٣٨؛ سورة الشعراء، الآية ١٥٤)، وبخطوة أخرى يمكن أن تسمى تلك الأخبار التى تتحدث عن هذه الدلائل على قدرة الله آيات (سورة البقرة، الآية ٢٥٢؛ سورة يوسف، الآية ٧؛ سورة الحجر، الآية ٧٥؛ سورة سبأ، الآية ١٩؛ سورة المائدة، الآية ٧٥) وبخطوة أخيرة تصبح كل طائفة من القرآن تتضمن خبرًا من هذه الأخبار آية (سورة الأنعام، الآية ١٢٤، سورة القصص، الآية ٨٧؛ سورة آل عمران. الآ ية ١٠٨ .... الخ).
والآية وجمعها آى وآيات، فيما أثر من ضبط القرآن، هى دائما الفقرة. وثمة خلاف كبير حول رؤوس الآى، وعددها وفضائل بعض الآيات مثل آية الكرسي (سورة البقرة، الآية ٢٥٥)، وآية النور (سورة النور، الآية ٣٥) والآيات الأخيرة من سورة البقرة ... إلخ، وآيات تفيض على تاليها بطرق معينة بركات خاصة. وهذه المعانى المختلفة للآية، فيما عدا المعنى الأخير، تتفق اتفاقًا وثيقًا مع الاستعمال اليهود والنصرانى حيث ينصرف الاستعمال الدينى الخاص بالكلمة إلى
стр. 67
الآيات التى تثبت وجود الله والتى تقترن بعمل الأنبياء وتؤكده.
المصادر:
(١) القرطبى: الجامع فى أحكام القرآن، ج ١، ص ٥٧ وما بعدها.
(٢) ابن منظور: لسان العرب، جـ ١٨، ص ٦٦ وما بعدها.
(٣) السيوطى: الإتقان، الفصول ١، ١٩، ٢٨، ٥٤، ٥٧، ٥٨.
(٤) Kleinere Schriften: Fleischer جـ ١ ص ٦١٩، رقم ٢.
(٥) Foreign Vocabulary of the: Jeffery Kur'an ص ٧٢، ٧٣.
(٦) Die Verszahlung des: A. Spirtaler Qorans سنة ١٩٣٥.
(٧) Das Wort Oth als Of-: C. A. Keller fenbarungszeichen Gottes سنة ١٩٤٦.
(٨) Introduction to the Quran: R. Bell ص ١٥٣ - ١٥٤.
الأبيارى [جفرى A. Jeffery]
الإباضية
ويسمون عادة أباضية بفتح الهمزة فى شمالى إفريقية، وهم أتباع عبد الله بن إباض وسنضيف هنا بعض الزيادات على ما كتب فى مادة "الأباضية" (ص ٤٣) وخاصة فيما يتعلق بأباضية شمالى إفريقية: حدثت أول فتنة للإباضية فى الأعوام الأخيرة من حكم مروان الثانى بزعامة عبد الله بن يحيى طالب الحق وأبى حمزة (١٢٩ هـ- ٧٤٧ م). واستجلب عبد الله ولاء أهل حضرموت ثم غزا صنعاء وأنفذ عبد الله إلى مكة فهزم واليها الأموى فى "قد يد" وأخضع "المدينة" لسلطانه؛ ولكن مروان أرسل فى العام التالى (١٣٠ هـ- ٧٤٧ م) عبد الملك بن عطية لملاقاته فاضطر أبو حمزة إلى الفرار عند وادى القرى والتجأ إلى مكة حيث تبعه عبدالملك وأسره تم قتله هناك بعد مقاومة عنيفة. وبعد ذلك بقليل لقى الخليفة الإباضى عبد الله بن يحيى مثل
стр. 68
ما لقى أبو حمزة. ويذكر الشهرستانى (طبعة كيورتن Cureton ص ١٠٠) أن عبد الله بن إباض اشترك فى هذه الفتنة أيضا. ولكن يظهر أن هذه الرواية غير صحيحة، لأن ابن إباض، فى روايات أخرى موثوق بها أكثر من هذه، توفى فى حكم عبد الملك أى قبل ذلك بنصف قرن تقريبًا. وقد أخضع القائد العباسى خازم بن خزيمة فتنة أخرى شبت فى عمان تحت زعامة الخُلندى عام ١٣٤ هـ (٧٥١ - ٧٥٢ م).
وقد انتشرت الإباضية فى الوقت نفسه فى شمالى إفريقية (وللاطلاع على تقلبات هذه الحركة هناك انظر مادة "الأباضية").
وفى بلاد العرب، وجدت هذه الحركة فى عمان القاصية تربة خصبة، حتى أصبحت بتوالى الزمن المذهب السائد هناك ثم انتقلت بعد ذلك إلى بر الزنج (زنجبار).
والإباضية تكوّن إلى جانب مذهبى السنة والشيعة جماعة قائمة بذاتها فى الإسلام، لها عقائدها وشرائعها التى تتفق بوجه عام مع السنة ولا تختلف معها إلا فى مسائل معينة. وهم أيضًا يعترفون بالقرآن والحديث مصدرًا للعلوم الدينية، ولكنهم يقولون "بالرأي" بدلا من الإجماع والقياس. ومن هذه المسائل يتضح أصلهم الخارجى كما يتضح من رأيهم فى الإمامة الذى يختلفون فيه عن الأزارقة بعض الاختلاف. ولا نستطيع هنا أن ندخل فى تفصيلات فكرتهم عن "الولاية" و"البراءة" و"الوقوف"، وخاصة أنهم مختلفون فيها. ويذكر الشهرستانى والبغدادي ... إلخ. أن الإباضية الأولين قد انقسموا على أنفسهم ثلاث فرق أو أربع وهى الحفصية والحارثية
واليزيدية وأصحاب طاعة لا يراد بها الله. وتاريخ هذه الجماعة المتأخر - وخصوصا فى شمالى إفريقية- يحدثنا عن ظهور اختلافات أخرى فى الرأى. ونجد فى الفهرست ص ١٨٢ وما بعدها عدة مصنفات دينية لزعمائهم، وقد ذكر الكثير منها فى مصادر مادة "الأباضية". وأهم مصادر هذه الطائفة
стр. 69
هو الذى أذاعه سخاو (وهو: "كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة" فى: Mitteil Des Semin.fur orient. Sprachen, القسم ٢، جـ ١ ص ١ وما بعدها؛ جـ ٢ ص ٤٧ وما بعدها).
المصادر:
(١) المبرد: الكامل (طبعة Wright) ص ٦١٥.
(٢) الشهرستاني: الملل والنحل (طبعة Cureton) ص ١٠٠ وما بعدها.
(٣) البغدادي: الفرق بين الفرق، ص ٨٢ وما بعدها، ص ٢٦٣.
(٤) ابن حزم: الفصل، جـ ٤، ص ١٨٩.
(٥) Die religiospolitische: Wellhausen Oppositionsparteien etc. ص ٥٢ وما بعدها.
(٦) Muhammeddanisc hes: Dr. Sachay Erbrecht nach der Lehre der ibaditischen Araber, Sitzungsberichte Berl. Akad ١٨٩٤، وقد اعتمد فيه على مختصر البسيوى المطبوع فى زنجبار سنة ٠١٨٨٦ أما بقية المصادر فمذكورة فى سياق المادة. وانظر أيضًا Becker فى كتابه Der Islam، جـ ٢، ص ٤ تعليق ١.
[ده موتيلنسكى A. De Motylinski]
الأباضية
يطلق هذا الاسم فى شمالى إفريقية على فرع من الخوارج الذين خرجوا على عليّ عندما قبل التحكيم مع معاوية. وقد دخل مذهب الخوارج إلى المغرب فى النصف الأول من القرن الهجرى الثانى فى صورة الإباضية والصفرية، وانتشر بسرعة بين البربر حتى أصبح المذهب القومى لهم، اتخذوه ذريعة لنضالهم مع أهل السنة من العرب " ولعب أباضية طرابلس وإفريقية تحت زعامة إماميهما الكبيرين "أبى الخطاب وأبى حاتم" الدور المهم فى فتنة البربر فى القرن الثانى الهجرى التى كادت تجرد الخلافة من إفريقية.
ولقد حكمت أسرة أباضية هى الأسرة الرستمية فى تاهرت (تاكدمت) أكثر من ١٣٠ عامًا، ولم يزل حكمها إلا حين أسس الفاطميون دولتهم فى المغرب. وبعد أن خرب أبو عبد الله الشيعى تاهرت سنة ٢٩٦ هـ
стр. 70
(٩٠٩ - ٩٠٨ م) تفرق شمل الأباضية فى صحراء تونس والجزائر وفى جربة. وهم لايزالون فى هذه الأيام يعيشون جماعات متماسكة فى ورجلة ومزاب وجبل نفوسة وفى جزيرة جربة. ولهم مصنفات دينية وتاريخية هامة. وجماعاتهم الدائمة الاتصال بعضها ببعض تحرص حرصًا شديدًا على حماسها المتأجج. ولهم كذلك صلات ليست بالقليلة مع الإباضيين فى عمان وزنجبار. ولقد انقسم الأباضية الإفريقيون ثلاث فرق سياسية ودينية على السواء وهي: النكارية والخلفية والنفاثية. والنكارية الذين كان لهم شأن فى تاريخ الفق الإفريقية لاتزال تمثلهم حتى الآن جماعات صغيرة فى جربة وزواغة (طرابلس).
ومن الطبيعى أن يعارض الأباضية بشدة فى اتهام أهل السنة لهم بالمروق. وهم يزعمون أنهم هم وحدهم الذين حافظوا على تعاليم الإسلام الحقة. ويقولون إن فرقتهم وحدها هى الفرقة الناجية من بين الفرق الثلاث والسبعين التى انقسم المسلمون إليها. وقد نشأ الخوارج كما قدمنا عندما اختلفوا مع علىّ فى أمر التحكيم، وهم دون أن يجادلوا فى شرعية حكم الخلفاء الأربعة الراشدين كما يفعل الشيعة، يصرون على أن القدوة الحسنة بعد النبى كانت فى أبى بكر وعمر، أما عثمان فلم يقتف آثارهما. والأباضية يشيرون فى كتبهم بعناية إلى ما أسموه "بدع عثمان".
ويجب على المسلمين إقامة الإمامة عندما يتوافر لديهم القدرة والعلم. وليس من الضرورى أن يكون الإمام قرشيًا بل يكتفى أن يكون فاضلا ورعًا وأن يحكم طبقًا لأوامر القرآن والسنة، فإذا ابتعد عنهما وجب خلعه. والقرآن كلام الله هو الذى خلقه. ولن يُرى الله فى الجنة. والثواب والعقاب فى الحياة الأخرى أبديان. والنار كالجنة لا يعتورها الفناء. والله يغتفر الصغائر، أما الكبائر فلا تمحوها إلا التوبة. ومن واجب كل مسلم أن يعمل المعروف وينهى عن المنكر ما استطاع إلى ذلك سبيلا. وفرض حق على المسلمين الاعتراف بوحدتهم والتعبير عن هذه
стр. 71
الوحدة بالقول والعمل. ولكن الفرد الذى يخرج على شرائع الدين حق عليه الحرمان من صداقة إخوانه فى الدين ويجب أن يعامل معاملة العدو إلى أن يقوم بفروض التوبة. كما أن هناك نوعًا من الحرمان له نتائج دينية ومدنية خطيرة.
وأباضية الجزائر يتشددون كثيرًا فى الأمور الخلقية خصوصًا فى قصور مزاب حيث لا يستطيعون الفرار من رقابة "الطلبة". أما فى مدن التل الجزائرى حيث يجتمعون بقصد التجارة فلا يتفق عملهم مع النظريات دائمًا. ويجب أن نعترف بوجه عام أنهم يتمسكون بعقائدهم تمسكًا شديدًا. وهم لا يختلطون بالمسلمين من أهل السنة إلا لضرورات تجارتهم النافقة. وقلما يصاهرون أهل السنة لأن مثل هذا الزواج مما تبرأ منه الجماعة.
وهذا النقاء سواء أكان عن إخلاص أم تظاهر يجعل منهم كتلة متجانسة متآلفة متمايزة تمام التمايز بسلوكها وأخلاقها وهيولها بين أهل السنة من العرب والبربر فى شمالى إفريقية.
المصادر:
(١) La Zenata du Mzab, de: R. Basset Ouargla et de l'Oued Rir
(٢) Les Sanctuaires du Djebel: R. Basset Nefousa .
(٣) Les livres de la: A. de Motylinski Secte Abadhite .
(٤) L'Aqida des Abad-: A. de Motylinski hites (مجموعة الأبحاث والنصوص التى نشرت فى مؤتمر المستشرقين الرابع عشر، ص ٤٠٩ وما بعدها).
[ده موتيلنسكى A. Dw Motylinski]
أبجد أو "أبوجد "
أول الألفاظ الثمانية التى اعتاد العرب أن يدلوا بها على حروفهم الهجائية لتذكرهم بها، وهذه الألفاظ الثمانية ينطق بها فى العادة كما يلى: أبجد، هَوّز، حُطي، كَلَمَن، سَعفَص، قرشَتَ، ثخَذ، ضظَغ. ويرتب مسلمو المغرب الألفاظ الأربعة الأخيرة كالآتى:
стр. 72
صَعفَض، قَرَسَت، ثَخَذ، ظغَش.
ويطابق ترتيب الحروف فى المجموعة العربية -ونقصد هنا الحروف الساكنة فقط- مثيله فى اللغتين العبرية والآرامية. وهذا التطابق -مضافا إليه البراهين التى تستخرج من فن الكتابات القديمة- يؤيد أن العرب انتهت إليهم أحرفهم الهجائية عن طريق النبطيين. ولقد وضعت الأحرف الستة التى تختص بها العربية وحدها فى آخر هذه المجموعة. وترتيب حروف -هذه الألفاظ الثمانية- التى جعلت
للتذكير فقط والتى لا معنى لها البتة- يماثل ما فى العبرية والآرامية أيضا من حيث استعمال الحروف للدلالة على الأرقام: فالحروف من الهمزة إلى القاف تدل على الأرقام من ١ إلى ١٠٠، وتدل التسعة الأخيرة على الأرقام من ٢٠٠ إلى ١٠٠٠.
وإلى جانب هذا الترتيب القديم الذى يعود بنا إلى أصل الأبجدية العربية نشأ فى عصر متقدم الترتيب الآخر المستعمل الآن. ولقد انبعث هذا الترتيب من وضع الحروف المتشابهة فى الرسم، الواحد بعد الآخر، مثال ذلك أن حرف الباء يأتى بعده التاء والثاء ... إلخ إلا الهاء والواو والياء فإنها توضع فى الآخر. وقد احتفظت الأبجدية المغربية بهذا الترتيب إلى الآن وهو: أ. ب. ت. ث. ج. ح. خ. د. د. ر. ز. ط. ظ. ك. ل. م. ن. ص. ض. ع. غ. ف. ق. س. ش. هـ. و. ي.
والترتيب السائد فى الشرق الإسلامى الذى أخذه علماء أوروبا والذى لا يفهم سره البتة، لحقه التغيير أيضا لأنه من المستحيل أن نعرف القاعدة العامة التى اتخذت أساسا لهذا الترتيب، ولكنه من الملاحظ أن للاعتبارات الصوتية بعض الأثر فيه. وإلى جانب هذين الترتيبين الشائعين وُفق بعض العلماء إلى ترتيب حروف الهجاء على نحو آخر يعتمد على أساس صوتى فسيولوجى بحيث أن الأصوات التى يجهر بها من أقصى الحلق توضع فى الأول والأصوات التى نطق بها من الجزء الأمامى من الفم أى الشفاه توضع فى الآخر.
وهذا هو الترتيب الذى اتبعه الخليل
стр. 73
فى مؤلفه "كتاب العين ": ع. ح. هـ. خ. غ. ق. ك. ج. ش. ص. ض. س. ز. ط. د. ت. ظ. ذ. ث. ر. ل. ن. ف. ب. م. و. أ. ى.
وقد اتبع الأزهرى فى كتابه "التهذيب" وابن سيده فى كتابه "المحكم" هذا الترتيب نفسه. وليس من شك فى أن أصل الأبجدية العربية هو الحروف العبرية آرامية، ولكن العرب كانوا يجهلون اللغات السامية الأخرى جهلا تاما، وكانوا من جهة أخرى يعتزون بعصبيتهم ويفاخرون بأنسابهم، لذلك لجأوا إلى تفسيرات أخرى يؤولون بها منشأ تلك الكلمات الثمان "أبجد .. الخ "، وهى تفسيرات تناقلوها عن طويق الرواية، وكل ما ذهبوا إليه فى هذا الموضوع خرافى على طرافته. وتذكر إحدى الروايات أن ستة من ملوك مَدْيَن رتبوا الحروف الهجائية العربية على أسمائهم، وتذكر رواية أخرى أن الأسماء الستة الأولى هى أسماء مردة وشياطين، وأخيرًا تذكر رواية ثالثة أن هذه الأسماء ما هى إلا أسماء أيام الأسبوع.
وقد أشار سلفستر دى ساسى- Sil vestre de Sacy إلى أن كل هذه الروايات لا تذكر إلا الكلمات الست الأولى، وأن يوم الجمعة مثلا ليس ثخذا بل عُروبة، ولكن لا يصح أن نعتمد علميًا على هذه الروايات الغامضة فنقول إن الأبجدية العربية لم تكن تشتمل فى الأصل إلا على اثنين وعشرين حرفًا (انظر ما كتبه سلفستر دى ساسى فى كتابه النحو العربى Grammaire Arabe الطبعة الثانية، جـ ١، الفصل التاسع) ومع ذلك فإننا نجد بين العرب أنفسهم نحاة ذوى بصيرة نافذة كالمبرد والسيرافى لم يقتنعوا بهذهـ التفسيرات الخرافية للأبجدية وأعلنوا فى صراحة أن هذه الكلمات لابد أن تكون من أصل أجنبى.
وقد استعمل المتصوفة منذ القدم حروف "أبجد ... الخ" كتعاويذ وطلمسَّات سحرية اعتمادا على ما لهذه الحروف من قيم عددية. وطبقا لهذا المذهب يطابق كل حرف من الحروف التى تبدأ بالألف وتنتهى بالغين اسما من أسماء الله وبعض القوى الطبيعية الأخري. وعلى أساس هذه الصلة المشتركة بين الرقم والحرف من جهة
стр. 74
وبين الرموز التى يدلان عليها من جهة اْخرى قام مذهب صوفى عملى بأكمله. فمثلا فى الصيغ الافتتاحية للتعاويذ تضاف قيم الحروف بعضها إلى بعض والحاصل الذى ينتج منها يوجدون علاقة بينه وبين عالم الجن. ونجد هذا الاستعمال نفسه فى القرون الوسطى عند اليهود فى تفسيرهم الصوفى للعهد القديم (Cabala).
المصادر:
(١) تاج العروس، انظر مادة "بجد".
(٢) الفهرست (طبعة فلوكل Flugel) جـ ١، ص ٤ - ٥.
(٣) Dict. of Islam: Hughes، انظر مادة "دعوة".
(٤) Arab. Engl. Lex.: Lane انظر مادة "أبجد".
(٥) Vorl. uber Gesch. d. Math.: Cantor (الطبعة الثالثة، جـ ١، ص ٧٠٩).
[فايل Weil]
+ وأبُجد أو أبَجَد أو أبوجد، هو أحد المصطلحات الثمانية المعينة على التذكر التى انقسمت إليها الأحرف الساكنة الثمانية والعشرين التى تتألف منها حروف الهجاء العربية. وقد رتبت هذه المجموعات بأكملها من الحروف المعينة على التذكر فى المشرق، كما ضبطت، بصفة عامة، على النحو التالي: أبجَد، هَوَّز، حُطِّى، كَلَمَن، سَعفَص، قَرشَت، ثَخَذ، ضَظَغ. أما فى المغرب (شمالى إفريقية وشبه الجزيرة الأيبيرية) فقد رتبت المجموعات ٥، ٦، ٨ ترتيبا مختلفا عن دلدُ فأصبحت القائمة الكاملة كما يلي: أبجد، هوز، حطي، كلمن، صعفض، قرست، ثخذ، ظغش. وتحتفظ المجموعات الست الأولى من السلاسل المشرقية احتفاظا أمينا بترتيب أحرف الهجاء الفينيقية. وتتألف المجموعتان الأخريان المكملتان من
الحروف الساكنة التى تختص بها اللغة العربية، ومن ثم سميت "الروادف".
وهذا الترتيب لحروف الهجاء ليست له من الناحية العملية إلا ناحية واحدة هامة، وهى أن العرب كانوا، مثل الإغريق، يجعلون لكل حرف قيمة عددية تناسب موضعه. ولذلك قسمت الحروف الثمانية والعشرون ثلاث متتاليات عددية كل منها تسعة حدود:
стр. 75
الآحاد (١ - ٩) العشر ات (١٠ - ٩٠) المئات (١٠٠ - ٩٠٠) و"الألف": وطبيعى أن تخللف القيمة العددية لكل حرف من حروف المجموعات رقم ٥ ورقم ٦، ورقم ٨ فى الطريقة المشرقية عنها فى الطريقة المغربية.
وقد كان استعمال الحروف العربية للدلالة على قيم عددية محدودًا دائما وشاذا، ذلك أن الأرقام الحقيقية حلت محلها. ومع ذلك فقد استعملت هذه الحروف فى الأحوال التالية (١) فى الأسطرلابات. (٢) فى التاريخ بالحروف الأبجدية، ويغلب أن يكون ذلك بالنظم، (سواء بالنقش أو بغير ذلك) بصيغة تتمشى مع الطريقة المسماة باسم "الجُمَّل " (٣) فى عمليات الكهانة وكتابة بعض الطلسمات (ضرب من بدوح = ٢، ٤، ٦، ٨) بل إن "الطلبة" فى شمالى إفريقية يستعملون فى يومنا هذا القيمة العددية للحروف لأداء بعض أعمال السحر طبقا للطريقة المسماة " أيَقَش " (١٠٠٠: ١٠٠: ١٠: ١)، ويسمى العارف باسرار هذه الطريقة فى لغة العامة "يفاش". (٤) فى ترقيم الصفحات عملا بالسنة الحديثة فى وضع مقدمات وقوائم بالمحتويات، فتستخدم للك الحروف حيث نستخدم نحن الحروف الرومانية.
والترتيب الأبجدى للحروف العربية لا يدل فى الواقع على شئ ما، سواء من حيث الأداء بالصوت أو الأداء بالرسم. والحق إن هذا الترتيب عريق فى القدم. فقد ظهر ترتيب الحروف الاثنين والعشرين الأولى من قبل فى اللوحة التى كشفت عند "رأس شمرة" وهى تزودنا بقائمة بالرموز المسمارية التى كانت تتألف منها أبجدية قوم أوكريت فى القرن الرابع عشر قبل الميلاد (Ch. Virolleaud: L'Abecedaire de Ras Shamara فى GLECS سنة ١٩٥٠، ص ٥٧)، ومن ثم فإن الأصل الكنعانى لهذا الترتيب محقق. على أنه قد بقى فضلا عن ذلك فى الأبجدية العبرية والآرامية: ولا شك فى أن العرب قد أخذوه هو وهذه الأبجدية، ومع ذلك فإنهم، لجهلهم باللغات السامية الأخرى وامتلاء