← Джавами‘

Джавами‘ · id 16521

موجز دائرة المعارف الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (10 087 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الوحدة بالقول والعمل. ولكن الفرد الذى يخرج على شرائع الدين حق عليه الحرمان من صداقة إخوانه فى الدين ويجب أن يعامل معاملة العدو إلى أن يقوم بفروض التوبة. كما أن هناك نوعًا من الحرمان له نتائج دينية ومدنية خطيرة. وأباضية الجزائر يتشددون كثيرًا فى الأمور الخلقية خصوصًا فى قصور مزاب حيث لا يستطيعون الفرار من رقابة "الطلبة". أما فى مدن التل الجزائرى حيث يجتمعون بقصد التجارة فلا يتفق عملهم مع النظريات دائمًا. ويجب أن نعترف بوجه عام أنهم يتمسكون بعقائدهم تمسكًا شديدًا. وهم لا يختلطون بالمسلمين من أهل السنة إلا لضرورات تجارتهم النافقة. وقلما يصاهرون أهل السنة لأن مثل هذا الزواج مما تبرأ منه الجماعة. وهذا النقاء سواء أكان عن إخلاص أم تظاهر يجعل منهم كتلة متجانسة متآلفة متمايزة تمام التمايز بسلوكها وأخلاقها وهيولها بين أهل السنة من العرب والبربر فى شمالى إفريقية. المصادر: (١) La Zenata du Mzab, de: R. Basset Ouargla et de l'Oued Rir (٢) Les Sanctuaires du Djebel: R. Basset Nefousa . (٣) Les livres de la: A. de Motylinski Secte Abadhite . (٤) L'Aqida des Abad-: A. de Motylinski hites (مجموعة الأبحاث والنصوص التى نشرت فى مؤتمر المستشرقين الرابع عشر، ص ٤٠٩ وما بعدها). [ده موتيلنسكى A. Dw Motylinski] أبجد أو "أبوجد " أول الألفاظ الثمانية التى اعتاد العرب أن يدلوا بها على حروفهم الهجائية لتذكرهم بها، وهذه الألفاظ الثمانية ينطق بها فى العادة كما يلى: أبجد، هَوّز، حُطي، كَلَمَن، سَعفَص، قرشَتَ، ثخَذ، ضظَغ. ويرتب مسلمو المغرب الألفاظ الأربعة الأخيرة كالآتى:

стр. 72

صَعفَض، قَرَسَت، ثَخَذ، ظغَش. ويطابق ترتيب الحروف فى المجموعة العربية -ونقصد هنا الحروف الساكنة فقط- مثيله فى اللغتين العبرية والآرامية. وهذا التطابق -مضافا إليه البراهين التى تستخرج من فن الكتابات القديمة- يؤيد أن العرب انتهت إليهم أحرفهم الهجائية عن طريق النبطيين. ولقد وضعت الأحرف الستة التى تختص بها العربية وحدها فى آخر هذه المجموعة. وترتيب حروف -هذه الألفاظ الثمانية- التى جعلت للتذكير فقط والتى لا معنى لها البتة- يماثل ما فى العبرية والآرامية أيضا من حيث استعمال الحروف للدلالة على الأرقام: فالحروف من الهمزة إلى القاف تدل على الأرقام من ١ إلى ١٠٠، وتدل التسعة الأخيرة على الأرقام من ٢٠٠ إلى ١٠٠٠. وإلى جانب هذا الترتيب القديم الذى يعود بنا إلى أصل الأبجدية العربية نشأ فى عصر متقدم الترتيب الآخر المستعمل الآن. ولقد انبعث هذا الترتيب من وضع الحروف المتشابهة فى الرسم، الواحد بعد الآخر، مثال ذلك أن حرف الباء يأتى بعده التاء والثاء ... إلخ إلا الهاء والواو والياء فإنها توضع فى الآخر. وقد احتفظت الأبجدية المغربية بهذا الترتيب إلى الآن وهو: أ. ب. ت. ث. ج. ح. خ. د. د. ر. ز. ط. ظ. ك. ل. م. ن. ص. ض. ع. غ. ف. ق. س. ش. هـ. و. ي. والترتيب السائد فى الشرق الإسلامى الذى أخذه علماء أوروبا والذى لا يفهم سره البتة، لحقه التغيير أيضا لأنه من المستحيل أن نعرف القاعدة العامة التى اتخذت أساسا لهذا الترتيب، ولكنه من الملاحظ أن للاعتبارات الصوتية بعض الأثر فيه. وإلى جانب هذين الترتيبين الشائعين وُفق بعض العلماء إلى ترتيب حروف الهجاء على نحو آخر يعتمد على أساس صوتى فسيولوجى بحيث أن الأصوات التى يجهر بها من أقصى الحلق توضع فى الأول والأصوات التى نطق بها من الجزء الأمامى من الفم أى الشفاه توضع فى الآخر. وهذا هو الترتيب الذى اتبعه الخليل

стр. 73

فى مؤلفه "كتاب العين ": ع. ح. هـ. خ. غ. ق. ك. ج. ش. ص. ض. س. ز. ط. د. ت. ظ. ذ. ث. ر. ل. ن. ف. ب. م. و. أ. ى. وقد اتبع الأزهرى فى كتابه "التهذيب" وابن سيده فى كتابه "المحكم" هذا الترتيب نفسه. وليس من شك فى أن أصل الأبجدية العربية هو الحروف العبرية آرامية، ولكن العرب كانوا يجهلون اللغات السامية الأخرى جهلا تاما، وكانوا من جهة أخرى يعتزون بعصبيتهم ويفاخرون بأنسابهم، لذلك لجأوا إلى تفسيرات أخرى يؤولون بها منشأ تلك الكلمات الثمان "أبجد .. الخ "، وهى تفسيرات تناقلوها عن طويق الرواية، وكل ما ذهبوا إليه فى هذا الموضوع خرافى على طرافته. وتذكر إحدى الروايات أن ستة من ملوك مَدْيَن رتبوا الحروف الهجائية العربية على أسمائهم، وتذكر رواية أخرى أن الأسماء الستة الأولى هى أسماء مردة وشياطين، وأخيرًا تذكر رواية ثالثة أن هذه الأسماء ما هى إلا أسماء أيام الأسبوع. وقد أشار سلفستر دى ساسى- Sil vestre de Sacy إلى أن كل هذه الروايات لا تذكر إلا الكلمات الست الأولى، وأن يوم الجمعة مثلا ليس ثخذا بل عُروبة، ولكن لا يصح أن نعتمد علميًا على هذه الروايات الغامضة فنقول إن الأبجدية العربية لم تكن تشتمل فى الأصل إلا على اثنين وعشرين حرفًا (انظر ما كتبه سلفستر دى ساسى فى كتابه النحو العربى Grammaire Arabe الطبعة الثانية، جـ ١، الفصل التاسع) ومع ذلك فإننا نجد بين العرب أنفسهم نحاة ذوى بصيرة نافذة كالمبرد والسيرافى لم يقتنعوا بهذهـ التفسيرات الخرافية للأبجدية وأعلنوا فى صراحة أن هذه الكلمات لابد أن تكون من أصل أجنبى. وقد استعمل المتصوفة منذ القدم حروف "أبجد ... الخ" كتعاويذ وطلمسَّات سحرية اعتمادا على ما لهذه الحروف من قيم عددية. وطبقا لهذا المذهب يطابق كل حرف من الحروف التى تبدأ بالألف وتنتهى بالغين اسما من أسماء الله وبعض القوى الطبيعية الأخري. وعلى أساس هذه الصلة المشتركة بين الرقم والحرف من جهة

стр. 74

وبين الرموز التى يدلان عليها من جهة اْخرى قام مذهب صوفى عملى بأكمله. فمثلا فى الصيغ الافتتاحية للتعاويذ تضاف قيم الحروف بعضها إلى بعض والحاصل الذى ينتج منها يوجدون علاقة بينه وبين عالم الجن. ونجد هذا الاستعمال نفسه فى القرون الوسطى عند اليهود فى تفسيرهم الصوفى للعهد القديم (Cabala). المصادر: (١) تاج العروس، انظر مادة "بجد". (٢) الفهرست (طبعة فلوكل Flugel) جـ ١، ص ٤ - ٥. (٣) Dict. of Islam: Hughes، انظر مادة "دعوة". (٤) Arab. Engl. Lex.: Lane انظر مادة "أبجد". (٥) Vorl. uber Gesch. d. Math.: Cantor (الطبعة الثالثة، جـ ١، ص ٧٠٩). [فايل Weil] + وأبُجد أو أبَجَد أو أبوجد، هو أحد المصطلحات الثمانية المعينة على التذكر التى انقسمت إليها الأحرف الساكنة الثمانية والعشرين التى تتألف منها حروف الهجاء العربية. وقد رتبت هذه المجموعات بأكملها من الحروف المعينة على التذكر فى المشرق، كما ضبطت، بصفة عامة، على النحو التالي: أبجَد، هَوَّز، حُطِّى، كَلَمَن، سَعفَص، قَرشَت، ثَخَذ، ضَظَغ. أما فى المغرب (شمالى إفريقية وشبه الجزيرة الأيبيرية) فقد رتبت المجموعات ٥، ٦، ٨ ترتيبا مختلفا عن دلدُ فأصبحت القائمة الكاملة كما يلي: أبجد، هوز، حطي، كلمن، صعفض، قرست، ثخذ، ظغش. وتحتفظ المجموعات الست الأولى من السلاسل المشرقية احتفاظا أمينا بترتيب أحرف الهجاء الفينيقية. وتتألف المجموعتان الأخريان المكملتان من الحروف الساكنة التى تختص بها اللغة العربية، ومن ثم سميت "الروادف". وهذا الترتيب لحروف الهجاء ليست له من الناحية العملية إلا ناحية واحدة هامة، وهى أن العرب كانوا، مثل الإغريق، يجعلون لكل حرف قيمة عددية تناسب موضعه. ولذلك قسمت الحروف الثمانية والعشرون ثلاث متتاليات عددية كل منها تسعة حدود:

стр. 75

الآحاد (١ - ٩) العشر ات (١٠ - ٩٠) المئات (١٠٠ - ٩٠٠) و"الألف": وطبيعى أن تخللف القيمة العددية لكل حرف من حروف المجموعات رقم ٥ ورقم ٦، ورقم ٨ فى الطريقة المشرقية عنها فى الطريقة المغربية. وقد كان استعمال الحروف العربية للدلالة على قيم عددية محدودًا دائما وشاذا، ذلك أن الأرقام الحقيقية حلت محلها. ومع ذلك فقد استعملت هذه الحروف فى الأحوال التالية (١) فى الأسطرلابات. (٢) فى التاريخ بالحروف الأبجدية، ويغلب أن يكون ذلك بالنظم، (سواء بالنقش أو بغير ذلك) بصيغة تتمشى مع الطريقة المسماة باسم "الجُمَّل " (٣) فى عمليات الكهانة وكتابة بعض الطلسمات (ضرب من بدوح = ٢، ٤، ٦، ٨) بل إن "الطلبة" فى شمالى إفريقية يستعملون فى يومنا هذا القيمة العددية للحروف لأداء بعض أعمال السحر طبقا للطريقة المسماة " أيَقَش " (١٠٠٠: ١٠٠: ١٠: ١)، ويسمى العارف باسرار هذه الطريقة فى لغة العامة "يفاش". (٤) فى ترقيم الصفحات عملا بالسنة الحديثة فى وضع مقدمات وقوائم بالمحتويات، فتستخدم للك الحروف حيث نستخدم نحن الحروف الرومانية. والترتيب الأبجدى للحروف العربية لا يدل فى الواقع على شئ ما، سواء من حيث الأداء بالصوت أو الأداء بالرسم. والحق إن هذا الترتيب عريق فى القدم. فقد ظهر ترتيب الحروف الاثنين والعشرين الأولى من قبل فى اللوحة التى كشفت عند "رأس شمرة" وهى تزودنا بقائمة بالرموز المسمارية التى كانت تتألف منها أبجدية قوم أوكريت فى القرن الرابع عشر قبل الميلاد (Ch. Virolleaud: L'Abecedaire de Ras Shamara فى GLECS سنة ١٩٥٠، ص ٥٧)، ومن ثم فإن الأصل الكنعانى لهذا الترتيب محقق. على أنه قد بقى فضلا عن ذلك فى الأبجدية العبرية والآرامية: ولا شك فى أن العرب قد أخذوه هو وهذه الأبجدية، ومع ذلك فإنهم، لجهلهم باللغات السامية الأخرى وامتلاء

стр. 76

جوانحهم بالأهواء الناشئة من شدة وعيهم بأنفسهم وعزتهم القومية، قد التمسوا تفسيرات أخرى لمصطلحات الأبجد المعينة على التذكر التى اسلمتها لهم الروايات وعز عليهم فهمها. وكل ما حملوا على قوله فى هذا الموضوع طريف ولكنه يدخل فى باب الأساطير. ففى رواية أن ستة من ملوك مدين رتبوا الحروف العربية على أسمائهم، وفى رواية أخرى أن المجموعات الست الأولى من هذه الحروف هى أسماء ستة شياطين. وفى رواية ثالثة أنها أسماء أيام الأسبوع. وقد لاحظ سلفستر ده ساسى Sylvestre de Sacy أن المصطلحات الستة الأول هى التى استعملت دون سواها فى هذه الروايات، وأن يوم الجمعة مثلا قد سمى "ثخذ" وليس "عروبة". ولكن لا يجوز لنا أن نخلص من مثل هذه الروايات الغامضة بأن حروف الهجاء العربية لم تكن فى الأصل إلا اثنين وعشرين حرفا (J.A. Sylvestre de Sacy: Grammaire Arabe الطبعة الثانية، جـ ٣، فقرة ٩). والحق أنه كان من بين العرب أنفسهم نحويون أكثر بصرًا من ذلك، مثل المُبَرد والسيرافى، لم يقتنعوا بهذه التفاسير الأسطورية للأبجد، وأعلنوا فى صراحة أن هذه العبارات المعينة على التذكر من أصل أجنبي. على أن ثمة تفصيلا من التفصيلات التى أوردتها تلك الإشارات الأسطورية يستوقف النظر، فقد ذكر أن ملكا من ملوك مدين الستة كان "رئيسهم"، وهذا الملدُ هو كلمن، وربما يرتبط اسمه بالكلمة اللاتينية elementum. وانظر فيما يتصل بالترتيب الآخر لحروف الهجاء الذى يقوم إلى جانب هذا الترتيب الذى شاع استعماله: مادة "حروف الهجاء". ولا بأس من أن نزيد بأن الصفة "بوجادى" لاتزال مستعملة فى شمالى إفريقية بمعنى "المبتدئ" أى الذى لايزال فى المرحلة الأولى (انظر المصطلح التركى "أبجد خوان" والإنكليزى. " Abcedarian "، والألمانى " Abcschuller". المصادر: (١) Lexicon: Lane، مادة أبجد. (٣) دائرة المعارف التركية. مادة أبجد.

стр. 77

(٣) الفهرست ص ٤ - هـ. (٤) Vorl. uber Gesch d.: cantor Math، الطبعة الثانية، جـ ١، ص ٧٠٩. (٥) Die semitischen: Th Noldeke Buchstabennamen في Beitrage Zur semit. Sprachwiss سنة ١٩٠٤، ١٢٤. (٦) Wie ist die Re-: H. Bauer ihenfologe der Buschstaben im Alphabet zustande في ZDMG سنة ١٩١٣، ٥٠١. (٧) De l'origine greqque: G.S. Colin que des "chiffres de Fes" et de nos chif- fres arabes في Joun سنة ١٩٣٣، ١٩٣. (٨) Histoire de l'eciture: J. Fevrier سنة ١٩٤٨، ص ٢٢٢. (٩) The Alphabet: D. Diringer سنة ١٩٤٨، ص ٢٢٢. (١٠) Les pro-: M.G de Slane Legomines جـ ١، ص ٢٤١ - ٢٥٣. (١١) Ritual and: E. Westermarck Belief in Morocco ج ١، ص ١٤٤. (١٢) Magie et religion: E. Doutte dans l'Afique de Nors ص ١٧٢ - ١٩٥. خورشيد [فايل وكولان G.Weil-G] أبخاز ١ - تحقيقا للأغراض العملية جميعا يشمل المصطلح "أبخاز" أو "أفخاز" فى المصادر الإسلامية الأولى بلاد الكُرْج والكَرْج، أى جورجيا والجورجين (الأصح: جُرْزان). والسبب فى ذلك أن أسرة حاكمة خرجت من أبخازيا وحكمت بلاد الكرج فى صدر العهد العباسى، وقد فرق المسعودى (جـ ٢، ص ٦٤، ٦٥) بين الأسرة الأبخازية والحكام الكرج على نهر الكُر الأعلى. ومن الجائز أن القوم الذين أطلق عليهم حقا الأبخاز هم الذين إنما أشارت إليهم

стр. 78

الرواية التى استشهد بها ابن رسته دون سواها (ص ١٣٩) باسم لوغر وتقوأ: أوْغز (انظر- Streifzuge: Mar quart)، ص ١٦٤ - ١٧٦؛ حدود العالم، ص ٤٥٦)؛ ووضع ابن رسته على التخصيص منازل هؤلاء القوم فى نهاية أملاك الخزَر. ٢ - والأبخاز أمة صغيرة فى غربى القوقاز على البحر الأسود تطلق على نفسها اسم "أبس - وآ"، وهى تشغل المنطقة - بين سلسلة جبال القوقاز الرئيسية والبحر، وبين نهر "بسو" (شمال كَاكَري) ومصب نهر إنكور فى الجنوب. ومنذ القرن السابع عشر، وربما قبل ذلك، عبر فريق من هذه القبيلة الحافة الكبرى للجبال واستقر على الروافد الجنوبية لنهر قوبان. وقد دكر الأبخاز فى الأزمان القديمة، ذكرهم آريان باسم "أبسكَوى" وبليناس باسم "أبسكى (انظر- Con tarini، ١٤٧٥ م، Ayocasia: أبيزى فى الروسية القديمة، وأبازه فى التركية) ويروى بروكوييوس (القرن الخامس الميلادى) أنهم كانوا تحت سلطان اللاز. وفى تلك الأيام كان العبيد (الخصيان) يجلبون إلى أبخازيا من القسطنطينية، وأخضع يوستنيانوس أبخازيا فدخل الأبخاز فى المسيحية، وتقول الحوليات الكرجية (انظر Brosset: Histoire Georgie، جـ ٦١ ص ٢٣٧ - ٢٤٣) إن القائد العربى مروان قرو (مروان الأصم) احتل ممرى دَرْيال ودَرْبَند وغزا أبخازيا حيث فر الملكان الكرجيان: "مير" و "ارجيل"، وخرّب تسخوم (سوخوم). وقد تحالف عليه مرض الزحار والفيضانات مقترنة بهجمات الكرج والأبخاز، فأنزلت بجيشه خسائر عظيمة وحملته على الارتداد. على أن تاريخ الحوليات الكرجية بعيد جدا عن

стр. 79

الدقة، والظاهر أن المقصود بمروان قرو هو محمد بن مروان الأموى أو ابنه مروان بن محمد، ويشير هذا إلى الجزء الأول من القرن الثامن الميلادى (انظر البلاذرى، ص ٢٠٥، ٢٠٧ - ٢٠٩). وحوالى سنة ٨٠٠ م نال الأبخاز استقلالهم بمعاونة الخَزَر. وقد تزوج الأمير (إرستئاوى) ليون الثانى سليل الأسرة الحاكمة المحلية الخارجة من أنجاباد، أميرة من الخزر، واتخذ لقب الملك ونقل قصبة ملكه إلى كوتايس. ويقال إن الأبخاز كانوا يؤدون الجزية للعرب فى عهد والى تفليس إسحاق بن إسماعيل (حوالى ٨٣٠ - ٨٥٣ م). وكانت الفترة ما بين سنتى ٨٥٠، ٩٥٠ م أزهر العصور التى مرت بمملكة أبخازيا، إذ حكم ملوكها أبخازيا ومنغوليا (إكريسى) وايمريتيا وكارتليا، كما كانوا يتدخلون فى أمور أرمينية. وظلت الكرجية منذ ذلك العهد لغة الطبقات المتعلمة فى أبخازيا. وفى سنة ٩٧٨ هـ احتل بكراط البكراطى الكرجى ابن الأميرة الأبخازية كوراندخت العرش الأبخازى، وما وافت سنة ١٠١٠ م حتى كان قد وحد الأراضي الكرجية جميعا. وظل العوب يسعون المملكة الكرجية بالمملكة الأبخارية حتى القرن الثالث عشر الميلادي بل بعد ذلك فى بعض الأحيان على الرغم من أن بكراط كان يدين بنجاحه الأول للحقوق الوراثية التى تتمتع بها أمه، وعلى الرغم من أنه حتى فى اللقب الذى أتخذه متأخرًا قد جعل رتبة "ملك أبخازيا" في المحل الأول. وحوالى سنة ٣٢٥ م أقطع بيت شَرْوَاشدزه (وفى الروسية شرا وشدره بكسر الشين الأولى، ويقال إنه انحدر من بيت الشيروان شاهية أبخازيا: وفي منتصف القرن الخامس عشر الميلادي تقريبا (فى عهد الملك بكراط السادس) ثبت سلالة هدْا البيت فى مناصبهم ع أمراء على البلاد. وجاء فى رسالة بعث بها إمبراطور طرابزون (أطرابَز نْدَه) سنة ١٤٥٩ م أن أمراء أبخازيا كانوا يمتلكون جيشا عدته ٣٠,٠٠٠ مقاتل. وبعد استقرار العثمانيين فى الشاطى الشرقى للبحر الأسود، خضع الأبخاز لنفوذ تركية "والإسلام" ولو أن

стр. 80

المسيحية لم تنتزع من بلادهم إلا ببطء. ويقول الأب الدومنيكى يوحنا اللُكى إن الأبخاز كانوا يعدون حتى فى زمنه (١٦٣٧ م) مسيحيين، ولو أن الشعائر المسيحية لم تعد تراعى بينهم، وأصبحت بلادهم منذ انفصالها عن بلاد الكرج فى ولاية جاثليقها فى بيتزوند (ذكر هذا الجاثليق فى عهد متقدم يرجع إلى القرن الثالث عشر الميلادى). ويقال إن أطلال ثمان كنائس كبيرة ومائة كنيسة صغيرة بما فيها البيع لا تزال قائمة فى أبخازيا حتى اليوم. ولم يعتنق بيت شرواشدزه الإسلاء إلا فى النصف الثانى من القرن الثامن عشر الميلادى حين اعترف الأميرليون بالسيادة التركية، ومنح نظير ذلك قلعة سوخوم التى كان الأبخاز قد حاصروها قبل ذلك ما بين سنتى ١٧٢٥ - ١٧٢٨ م تقريبا. وتنقسم أبخازيا ثلاثة أقسام سياسية: (١) أبخازيا الأصلية على الشاطئ الممتد من كاكرى إلى كالدزكه ويحكمها بيت شرواشدزه المذكور. (٢) هضاب تزيبلده، وليس لها أية حكومة مركزية. (٣) إقليم سامُرزْ كان على الشاطئ الممتد من كالدزكه حتى نهر إنكور، ويحكمه فرع من بيت شرواشدزه (وقد اتحد هذا الاقليم من بعد هو ومنغوليا). ولما انضمت بلاد الكرج إلى الروسيا سنة ١٨٠١ م، اضطر الأبخاز أيضا إلى الدخول فى علاقات مع جارتهم القوية، وقام بأول محاولة فى هذا السبيل الأمير كلش بك سنة ١٨٠٣ م، وسرعان ما عدل عنها. ولما اغتيل أمير البلاد سنة ١٨٠٨ م ازداد ابنه صفر بك تقربا من روسيا واستعان بها على أخيه أرسلان بك قاتل أبيه. وفى سنة ١٨١٠ م استولى الروحه على سوخوم. وكان صفر بك قد ارتد إلى المسيحية وتسمى بجورج فأقيم أميرا على البلاد، ومن يومها احتلت سوخوم حامية روسية، واقتضى الأمر الاستعانة بالقوة الروسية المسلحة لتولية الإمارة ابنى صفر بك: ديمتريوس (ستة ١٨٢١ م) وميخائيل (سنة ١٨٢٢ م بعد أن سم اْخاه الأكبر). واقتصر حكمهما على ما

стр. 81

جاور سوخوم التى كانت حاميتها لا تستطيع الاتصال بمركز قيادتها إلا بالبحر، وتدعم مركز روسيا بطبيعة الحال بعد ضم الساحل كله الممتد من انابه إلى بوتى (معاهدة أدرنة سنة ١٨٣٩ م) ومع ذلك يقال إن الجزء الشمالى الغربى من أبخازيا فحسب، أى إقليم بزبيب، هو الذى كان قد بقى حتى فى ١٨٣٥ م ملكا للأمير ميخائيل، وظلت الأجزاء الأخرى فى حكم اعمامه المسلمين، واستعان ميخائيل بعد ذلك بروسيا فنجح فى دعم سلطانه حتى أوشك أن يصبح حاكما مطلقا، ولكنه هو أيضا كان يحيط نفسه ببطانة من الترك على الرغم من نصرانيته. وأخضعت روسيا القوقاز الغربية إخضاعا تاما سنة ١٨٦٤ م فدال ملك بيت شرواشدزه وغيره من الأمراء الوطنيين. وفى نوفمبر سنة ١٨٦٤ م اضطر الأمير ميخائيل إلى النزول عن حقوقه ومغادرة البلاد، وضمت أبخازيا إلى الامبراطورية الروسية على اعتبار أنها ولاية (أو تديل) سوخوم الخاصة وقسمت ثلاث نواح (أو كروكَ): بتزوند، وأوجمجيرى، وتزيبلده. وفى سنة ١٨٦٦ م حاول الحاكم الجديد أن يجمع معلومات عن الأحوال الاقتصادية للأبخاز للاستفادة بها فى سن الضرائب، فأدى ذلك إلى قيام فتنة حملت بعد ذلك فريقا كبيرا من الأبخاز على الهجرة إلى تركية وقد قدر عدد سكان أبخازيا فى الثلاثينيات من القرن التاسع عشر الميلادى بحوالى تسعين ألف نفس، كما قدر عدد الانجار بما فيهم أولئك الذين يعيشون فى الشمال خارج أبخازيا بمائة وثمانية وعشرين ألف نفس. وانخفض عدد سكان أبخازيا بعد سنة ١٨٦٦ م إلى حوالى خمسة وستين ألف نسمة، ولم تعد ناحية تزيبلده التى أقفرت من السكان أو كادت ناحية وضعت تحت إشراف "ناظو محلة" (بوبجتل ناسلنيه). وأصبحت أبخازيا بأسرها بعد ذلك جزءا من حكومة كوتايس باسم ناحية أو كروك) "سوخوم قلعه". وعاد عدد السكان إلى النقصان بفعل الهجرة،

стр. 82

وخاصة بعد أن اشتركت فى تمرد قبائل الجبال الذى أثاره نزول الجنود التركية إلى البر (سنة ١٨٧٧ م). وفى سنة ١٨٨١ م قدر عدد الأبخاز بعشرين ألف نسمة فحسب. وليس فى متناول أيدينا أية إحصائيات عن الأبخاز فى تركية. أبخازيا السوفيتية: أعلن الحكم السوفيتى فترة قصيرة سنة ١٩١٨ م، ثم استتب له الأمر سنة ١٩٢١ م. وأصبحت أبخازيا بوصفها جمهورية مستقلة استقلالا ذاتيا جزءا من الجمهورية الجورجية [الكرجية] السوفيتية الاشتراكية وتأيد دستورها الخاص سنة ١٩٣٧ م. وعدد سكان جمهورية أبخازيا السوفيتية الاشتراكية المستقلة استقلالا ذاتيا.٣٠٣٠٠٠ نسمة ولكن الأبخاز فيهم ليسوا إلا أقلية. وقد بلغ مجموع عدد السكان الأبخاز فى الاتحاد السوفيتى سنة ١٩٣٩ م: ٥٩.٠٠٠ نسمة (وظاهر أنه يدخل فى ذلك سكان الجاليات الشمالية فى بلاد الجركس) وعدد سكان القصبة سوخوم ٤٤٠٠٠ نفس. وقد اكتسبت أراضى هذه الجمهورية أهمية كبيرة فى زراعة محاصيل ما دون خط الاستواء، واستغلت القوى المائية فيها استغلالا كبيرا (بلغ عدد المحطات الكهربائية سنة ١٩٣٥ م خمسا وأربعين محطة). ونهضت الآداب الأبخازية نهضة كبيرة منذ ابتدعت أبجدية أبخازية على يد المتخصص النابه فى لغات القوقاز الجنرال البارون أوسلر P.K.Uslar سنة ١٨٦٤ م، وحين صنف قسيس وضابطان من الأبخاز كتابا فى التاريخ الانجيلى. ففى سنة ١٩١٠ م نشر مؤسس الأدب الجديد ديمترى كوليا المولود سنة ١٨٧٤ م كتابا فى القصائد الشعبية. وتأثر خطاه كتاب نثر (مثل ج. د. كَو ليا، وبابا سكيرى) وشعراء (مثل كوكَونيا [١٩٠٣ - ١٩٢٩ م] و: ل. كفيتسينيا) وغيرهم. وقد جمع الأدب الشعبى الأبخازى ووضعت كتب مدرسية (جعوجعوا وغيره). ولغة الأبخاز المؤلفة من عناصر لغوية مختلفة؛ تنتسب إلى نفس النوع الذى منه لغة الجركس: ولها حرفان صائتان أصليان وخمسة وستون حرفا ساكنا فى لهجة بزيب الشمالية فى مقابل سبعة

стр. 83

وخمسين حرفا ساكنا فى لهجة أثرو الجنوبية. وقد اتخذت اللهجة الأخيرة لغة فصحى، وهى تكتب الآن بالأبجدية الجورجية التى استكملت بما يناسب ذلك. المصادر: (١) Hist.de la Georgie: M.F. Brosset (٢) Qsteuropaische und: J. Marquart ostasiatiche Strifziige، ليبسك سنة ١٩٠٣ م. (٣) والكتاب الروسى العمدة حتى سنة ١٨٢٦ م هو History: N. Dubrovin of the war of Russian rule in caucasia سانت بطرسبرغ سنة ١٨٧١ م، وقد استعرض كاتب لم يذكر اسمه كتاب دوبروفين استعراضا جيدا فى Sbornik Swed. o Kawkazkikh gortsakh المجزء السادس، تفليس سنة ١٨٧٢ م. (٤) Kartina Kakazshago: P. Zubow Kraya سانت بطرسبرغ، سنة ١٨٣٤ - ١٨٣٥ م. (٥) Einfuhrung in das Stu-: A. Dirr dium der Kaukas. Sprachen ١٩٤٠ م. (٦) Der abchasische: G. Deeters Sprachen في N G W Gott سنة ١٩٣١ م، جـ ٢/ ٣، ص ٢٨٩ - ٣٠٣. (٧) باللغة الروسية: N.Y.arr Abkhaskiy Slova والكتب الحديثة التى كتبها سرديوجنكو وتوبيل فى اللهجات الأبخازية الشمالية (١٩٤٧ - ١٩٤٩) خورشيد [بارتولد ومينورسكى W.Barthold.Minorsky] أبد الزمان "بمعنى مطلق وهو مرادف للدهر وقد ناقش المسلمون حين كانوا واقعين تحت تأثير الفلسفة اليونانية أفتهارتوس أى غير القابل للفساد والقديم الذى ليس له بعد، فى مقابل المصطلح اليونانى أكنيتوس أى الذى لم يكن والقديم الذى له قبل (ويستعمل ابن رشد، طبعة Bouyges، الفهرس الأزلية مرادفة لما لا يفسد). وبخصوص المسألة التى نحن بصددها وهى مسألة قدم العالم، فإن الفلاسفة المسلمين قد أضافوا إلى القول الأرسطوطاليسى المأثور بأن الأزل والأبد يتداخلان، قولهم بأن ماله بداية يجب أن تكون له نهاية،

стр. 84

وأن ما ليست له بداية لا يمكن أن تكون له نهاية. وبناء على هذه النظرية يصبح كل من الزمان والحركة والعالم بأسره قديما على المعنيين. ومن بين المتكلمين الذين أجمعوا على أن العالم مخلوق فى زمان انفرد ابو الهذيل وحده، وهو من متقدمى المعتزلة، بالأخذ بالقول المأثور عن أرسطوطاليس الذى سبقت الإشارة إليه (فهو قد اصطنع نظرية: "أن لما يقدر الله تعالى عليه آخرًا ولقدرته نهاية لو خرج إلى الفعل لم يقدر الله تعالى بعد ذلك على شئ أصلا ولا على خلق ذرة فما فوقها، ولا على إحياء بعوضة ميتة ولا على تحريك ورقة ... ". انظر الخياط: الانتصار، طبع نيبرج، ص ٨ وما بعدها، ابن حزم، جـ ٤، ص ١٩٣ - ١٩٣). وينقض المتكلمون قول أرسطو هذا بحجة أنه لو كان العالم ليس له بداية فإن اللحظة الحاضرة يكون قد انقضى عليها زمان غير متناه، وهذا مستحيل (انظر مادة "قدم "). وليس فى المستقبل استحالة من هذا الضرب لأنه لن يكون فى المستقبل لامتناه ينقضى. وفضلا عن ذلك فإن سلسلة الذوات تحتاج إلى أول وليس إلى آخر، وأن الإنسان قد يحس اعتذارا من الذنب مستمرا ولو أن اعتذاره لابد له من بداية (١) (المقدسي: لبدء والتاريخ، طبعة، Huart، جـ ١، ص ١٢٥، جـ ٢، ص ٣٣) ومن ثم انتهى المتكلمون إلى أنه ليس هناك دليل عقلى على قدم العالم أو حدوثه. وورد فى القرآن عن يوم القيامة (سورة الزمر، الآية ٦٧): ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ

стр. 85

سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. وأصبح الرأى الذى عليه أهل السنة أن فناء الذى لن يكون كما نعلم من الوحى) جائز لأنه شئ فى قدرة الله (البغدادى الفرق بين الفروق، ص ٣١٩). فالدنيا ستفنى أما الجنة والنار فلا تفنيان. المصادر: (١) عولجت هذه المسالة بالتفصيل فى الغزالى: تهافت الفلاسفة، الفصل الثاني، طبعة Bouyges، ص ٨٠ وما بعدها. (٢) ابن رشد: تهافت التهافت، طبعة Bouyges، ص ١١٨ وما بعدها، ترجمة، S.van den Bergh، ص ٦٩ وما بعدها مع تعليقات. (٣) S. Pines فى- Bgitrage zur islamis chen Atomenlehre، ١٥، تعليق ١. د. مصطفى حلمى [س. فان دن برغ S.van den Bergh]٠ إبراهيم ﵇ هو أبراهام المذكور فى التوراة: وقد ورد فى القرآن (سورة الأنعام، آية ٧٤) أنه ابن "آزر"، وهذا الاسم مشتق فيما يظهر من اسم خادمه "إليعازر" (١) (انظر Zeitschr.der Deutsch.: S. Fraenkel Morgenl. Gesell. عدد ٥٦، ص ٧٢). وأسماء آباء ابراهام كما وردت فى التوراة هي: تارخ بن ناحور بن ساروغ بن أرغو بن فالغ بن عامر بن شالخ بن قينان بن أرفخشذ بن سام بن نوح، ذكرها الثعلبى، (قصص الأنبياء، ص ٤٤) وابن الأثير (جـ ١، ص ٦٧)،

стр. 86

وتتفق هذه تمامًا مع ما ورد فى الإصحاح الحادى عشر من سفر التكوين الآيات ١٠ - ٣١، وسفر الأيام الأصل، الإصحاح الأول، الآيات ١٣ - ٢٧، ويظهر أن "قينان" وحده أضيف إلى هذا النسب وفقًا لرواية سفر التكوين، الإصحاح الخامس، الآية ١٢. ولد يعد الطوفان بثلاث وستين ومائتين وألف سنة، أو بعد خلق العالم بسبع وثلاثين وثلثمائة وثلائة آلاف سنة (الثعلبى: كتابه المذكور). وبمقارنة التواريخ الواردة فى سفر التكوبن، الإصحاح الخامس الآيات ٣ - ١٠، والإصحاح الحادى عشر، الآيات ١٠ - ٢٥، يتضح أن أبراهام ولد بعد نوح بإحدى وتسعين ومائتى سنة، أو بعد خلق العالم بثمانى عشرة وتسعمائة وألف سنة. وسرعان ما عمل على تحقيق رسالته بإعلانه الجهاد على الملك نمروذ. وقد اضطرت أمه عُوشاء أن تكجأ إلى كهف بالقرب من كوثى، وهناك رأى أبراهام نور الحياة للمرة الأولى، (الثعلبى كتابه السابق؛ الطبرى، جـ ١ ص ٢٥٦؛ الزمخشرى، جـ ١، ص ١٧٢؛ البيضاوى جـ ١، ص ١٣٣؛ ابن الأثير، جـ ١، ص ٩٦؛ ياقوت، مادة "كوثى"؛ البكرى، ص ٤٨٥؛ المقدسى، ص ٨٦؛ بابا باثرا، ص ٩١ أ: ابن ميمون: دلالة الحائرين، الفصل ٢٩). وقد دفعت الأحلام المزعجة الملك نمروذ إلى مراقبة الحوامل وقتل الذكور من مواليدهن. وزار عمّاله أم إبراهيم للكشف عليها قبل أن يأتيها المخاض، وجسوا جانبها الأيمن فاختفى الجنين فى الجانب الأيسر. وجسوا الأيسر فاختفى الجنين فى الجانب الأيمن. فانصرفوا دون أن يظفروا بطائل (الكسائى، ص ١١٥ - ١٢٠). والقصة التى وردت فى "سفر هياشار" (فصل نوح) والتى أمر فيها تارخ بذبح ولده أبراهام، فأحَل محله ابن خادمته، نجد أصولها فى الروايات الإسلامية. ولقد هدته تجربة فى صباه، (كتاب النذور "تلمود نداريم" فصل ٢٢) إلى معرفة الله، وجاء القرآن بمثل ذلئا أيضًا (سورة الأنعام الآيات ٧٥ - ٧٩) ولما ترك الغار ميممًا شطر بيت أبيه جن عليه الليل فرأى كوكبًا: ﴿هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ

стр. 87

الْآفِلِينَ (٧٦) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. ونجد هذه القصص كذلك فى الكتاب العبرى "غصن الأدب" (شبط موسر، أزمير سنة ١٧٢٩، ص ١٩٠ - ١١١) وفى "سفر هيّاشار" (فصل نوح). ومن بين القصص المختلفة (الثعلبى، ص ٤٥ - ٤٧؛ الكسائى, ص ١٢٥ - ١٤٠) التى تصف نضال إبراهيم مع نمروذ والتى أخذت مكانها فى الآداب العبرية المتأخرة Beth Hammidr: Jellinek، جـ ١، ص ٢٥ - ٣٤؛ سفر هياشار، فصل نوح، سقر إلياهو زوطا، قصل ٣٥؛ المعلم إليعاذر: فصل ٣٢) نذكر هنا القصة الآتية المستمدة من القرآن الكريم (سورة الأنبياء، الآيات ٥٩ - ٦٧) ومن سفر التكوين الكبير (فصل ٣٨) وهى: خرج قوم إبراهيم ذات يوم من المدينة لتقديم القرابين لآلهتهم، وتمارض إبراهيم فبقى فى المدينة، ثم حمل فأسًا وذهب إلى معبد الآلهة حيث كانت الموائد محملة بالأطعمة، وقال يخاطب هذه الأوثان: ما لكم لا تأكلون؟ ثم حطم يد وثن وقدم آخر ورأس ثالث، وترك الفأس فى يد كبيرهم ووضع أمامه عدة صحاف من الطعام؛ ولما عاد قومه ورأوا ما حل بآلهتهم اتهموه: ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣) فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (٦٤) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (٦٥) قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (٦٦) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. فألقوه فى النار ولكنه خرج منها سالمًا بعد أن ظل فيها ثلاثة أيام أو سبعة (انظر الثعلبى والكسائى فى المواضع المذكورة) ودُحر نمروذ بينما سار إبراهيم وأتباعه إلى فلسطين وسمى منذ ذلك الحين، خليل الله، (الكسائى والثعلبى، يتبعان فى ذلك "أشعيا" ٤١، ٨؛ وكتاب السبت ١٣٧؛ وكتاب الهدايا، ٥٣) ولما كان فى مصر

стр. 88

أخذت زوجته الجميلة "سارة" إلى قصر فرعون (سفر التكوين، الإصحاح ١٢، الآية ١٠ - ٢٠؛ الثعلبى، ص ٤٤؛ الطبرى، جـ ١، ص ٢٢٥، ابن الأثير، جـ ١، ص ٧٢) فادعت أنه أخوها حتى لا يقتل بسببها، ولم تكن فى ذلك كاذبة لأنها اخته فى الدين. وما أن حاول فرعون مسها حتى شلت يده ولكنها برئت بعد أن أخلى سبيلها. وقد احتفر ابراهيم بئرًا عذبة فى مدينة "سبع " بفلسطين، ولما ضاق ذرعًا بالسكان اضطر إلى الهجرة من تلك المدينة فجفت البئر بعد رحيله (سفر التكوين، الإصحاح ٢١، الآيات ٢٥ - ٣٠؛ والثعلبى وابن الأثير فى المواضع المذكورة) فخف السكان فى أثره يرجون عودته ولكنه أبى ثم منحهم سبع نعاج (سفر التكوين، الإصحاج ١٦، الآية ٣٠) توضع عند البئر فلا يلبث الماء ان يفيض من جديد. وشربت امراة حائض من هذه البئر فغاض ماؤها مرة أخرى. ولما بلغ العشرين بعد المائة اختتن (الثعلبى، ص ٥٩). وتوفى فى الخامسة والسبعين بعد المائة ودفن فى مقبرة الأسرة فى حبرون. وسوف يجلس إبراهيم عن يسار الله يوم الدين ويقود المتقين إلى الجنة (الثعلبى، ص ٦٠؛ سفر التكوين الكبير، فصل ٤٨). المصادر: (١) الثعلبى: قصص الأنبياء، طبعة القاهرة سنة ١٣١٢ هـ، ص ٤٣ - ٤٧، ٥٩ - ٦٠. (٢) الكسائى: قصص الأنبياء، ص ١٢٨ - ١٤٥، ١٥٣. (٣) الطبرى: جـ ١، ص ٢٢٠ - ٢٢٥. (٤) ابن الأثير، جـ ١، ص ٦٧ - ٩٨. (٥) Biblische Legenden der Mu-: Weil Selman ص ٧٨ - ٧٩. (٦) Beitrage: Grunbaum ص ١٢٢ - ١٣٠. (٧) Abraham in der Arab,: Eisenberg Legende طبعة ١٩١٢. (٨) Leben Abrahams: Weiss، برلين سنة ١٩١٣ (فى هذا الكتاب قطعة مقتطفة من كتاب الكسائى، ويظهر أن

стр. 89

المقتطف يرجع إلى عصر متأخر وهو يختلف فى كثير من نواحيه عن الأصل). [ج. أيزنبرغ J. Eisenberg] كان شيرنكر Leben und: Sprenger) Lehre des Mohammad جـ ٢، ص ٢٧٦ وما بعدها) أول من لاحظ أن شخصية إبراهيم كما فى القرآن مرت بأطوار قبل أن تصبح فى نهاية الأمر مؤسسة للكعبة. وجاء سنوك هرجرونى (Het Mekkaansche Feest، ص ٢٠ وما بعدها) بعد ذلك بزمن فتوسع فى بسط هذه الدعوى فقال: إن إبراهيم فى أقدم ما نزل من الوحى (الذاريات آية ٢٤ وما بعدها، الحجر، آية ٥ وما بعدها؛ الصافات، آية ٨١ وما بعدها؛ الأنعام، آية ٧٤ وما بعدها؛ هود، آية ٧٢ وما بعدها؛ مريم، آية ٤٢ وما بعدها، الأنبياء، آية ٥٢ وما بعدها؛ العنكبوت، آية ١٥ وما بعدها) هو رسول من الله أنذر قومه كما تنذر الرسل، ولم تُذكر لإسماعيل صلة به، والى جانب هذا يشار إلى أن الله لم يرسل من قبل إلى العرب نذيرًا (السجدة، آية ٢؛ سبأ، آية ٤٣، يس، آية ٥) ولم يُذكر قط أن إبراهيم هو واضع البيت ولا أنه أول المسلمين. أما السور المدنية فالأمر فيها على غير ذلك، فإبراهيم يُدعى حنيفا مسلمًا، وهو واضع ملة إبراهيم، رفع مع إسماعيل قواعد بيتها المحرم -الكعبة- (البقرة، آية ١١٨ وما بعدها؛ آل عمران، آية ٦٠، ٨٤ ... الخ). وسر هذا الاختلاف أن محمدًا كان قد اعتمد على اليهود فى مكة فما لبثوا أن اتخذوا حياله خطة عداء، فلم يكن له بد من أن يلتمس غيرهم ناصرًا؛ هناك هداه ذكاء مسدد إلى شأن جديد لأبى العرب- إبراهيم، وبذلك استطاع أن يخلص من يهودية عصره ليصل حبله بيهودية إبراهيم تلك اليهودية التى كانت ممهدة للإسلام. ولما أخذت مكة تشغل جل تفكير الرسول أصبح إبراهيم أيضًا المشيد لبيت هذه المدينة المقدس. [فنسنك A.J. Wensinck] تعليق على مادة "إبراهيم" لم يقل واحد من المؤرخين سواء أكانوا مسلمين أم غيرهم إن النبى صلى

стр. 90

الله عليه وسلم استعان فى نشر دعوته باليهود بل قالوا إنهم كانوا من أشد المعارضين له والمؤلبين عليه فى مكة والمدينة معًا. وقد ورد ذلك فى القرآن نفسه فقال تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾. ولم يكن عرب الجاهلية يمنحون كل ما عليه طابع يهودى أى اعتبار، بل الذي ورد أنهم كانوا يكرهون جوارهم ويقاتلونهم ليجلوهم عن مواطنهم التى اختاروها دارًا لهجرتهم. وليس للقرآن الكريم أول من قال إن جد، العرب الإسماعيلية أو العدنانية إبراهيم: ولكن التوراة سبقت إلى ذلك إد قالت إن إبراهيم أسكن سريته هاجر "وابنها إسماعيل بلاد العرب فنشأ منهم العرب الإسماعيلية". ولم يعتز الإسلام قط بالانتساب إلى يهودية إبراهيم، ولكنه نازع اليهود عقيدتهم في يهوديته فقال تعالى: "ما كان إبراهيم يهوديًا ولا نصرانيًا ولكن كان حنيفًا مسلمًا" ٦٨ آل عمران. وقال: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. وما كان الإسلام فى عهد من عهوده بحاجة إلى ممهد من اليهودية، لأن مذهب القرآن أن الإسلام كان الدين الأقدم الذى أوحاه الله للبشرية فحرفه رؤساء الأديان وأخرجوه عن صراطه، فكان الله يرسل المرسلين لتخليصه مما أدخل إليه حتى أرسل به محمد، ﷺ فى آخر الزمان، فقال: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣) وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١٤) فَلِذَلِكَ فَادْعُ (أى إلى الاتفاق على هذا الأصل المشترك يين جميع الأديان توحيدًا لها) وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ

стр. 91

أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ (تحقيقًا لوحدة الأديان)، وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ (أى لا محاجة ولا خصومة)، اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا (على هذا الأصل الحق رفعا للخلاف من بين البشر) وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ. وهذه الآيات فى سورة الشورى المكية. فالقرآن كما ترى يرتفع بالدين إلى أصله الأول على عهد نوح لا إبراهيم، ويصرح بأن إبراهيم تلا نوحًا فى القيام على هذا الأصل فهو تابع لا متبوع. فإذا كان القرآن يصرح باتباع ملة إبراهيم فليس ذلك باعتبار أنه أول من أرسل بالإسلام، ولكن باعتبار أنه أبو فريق كبير من العرب تشويقًا لهم إلى اتباعه. أما الكعبة فلم تكن هيكلا عجيب الصنع كالكرنك أو أنس الوجود، بعيدة الغور فى الفن والزخرف حتى تتنازعها الأمم، ولكنها كانت بناء ساذجًا مربعًا، والعرب تسمى كل بناء مربع بالكعبة، من الطراز الذى يبنيه الناس بأنفسهم وإن لم يكونوا بنائين ليجعلوه مصلى فهل يستبعد على إبراهيم، وكان نبيًا بإجماع الأمم، أن يبتنى له ولابنه بناءً من هذا الطراز يصليان فيه؟ وإذا ثبت أن إبراهيم أوصل ابنه إلى تلك البقعة من بلاد العرب، وقد ثبت بنص التوراة ذلك، فيكون من المتعين أن يتخذ له فيه بنية ساذجة يجعلها متعبدًا له على مثال الصوامع. ولم يتازع أحد إلى اليوم إبراهيم فى أنه بانى ذلك المصلى حتى يصح أن يقال إن محمدًا نسبه إليه تعظيمًا لشأنه. ولم تختص الكعبة وحدها بأنها بيت الله فكل المساجد بيوت لله عند المسلمين، وإنما عظمت الكعبة لأنها أول بيت لله وضع للناس ببكة. ومما يدل على أن النبى ﷺ لم يتخذ بناء الكعبة أساسيًا من أسس دعوته أنه أمر أصحابه أن يولوا وجوههم فى صلاتهم بيت المقدس طوال مقامه بمكة. ومما يثبت أن النبى لم يجعل معتمده فى الدعوة إلى الإسلام أنه دين إيراهيم ما يقوله شيرنكر وشنوك هرجرونى

стр. 92

نفساهما أنه لم يصرح بذلك إلا فى المدينة. فلو كان ما ادعياه صحيحًا لكان أولى بذلك أن يكون وهو بمكة بين قبائل كلها تعتزى إلى إبراهيم. أما وقد انتقل إلى المدينة وجميع أهلها من قبائل اليمن الذين لا ينتسبون إلى إبراهيم فلم يكن من ضروب الخلابة، لو كان محمد يعتمد عليها، أن يتذرع بهذا الموضوع لأنه ليس موضعه. أما الأصل الذى اعتمد عليه الإسلام وجعله أساس دعوته فإنه دين أول المرسلين كما رأيت راميًا بذلك إلى رفع الخلافات من بين البشر ليقوموا على الوحدة معتمدين على العقل والعلم، وليستهدوا فى عقائدهم وشرائعهم على ما أقامه الله من أعلام الحق فى الكون نفسه لا على ما فى سيرة هذا أو ذاك من المرسلين، معلنًا إياهم أن كل إنسان مأخود بسيرته الشخصية، فقال تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. يتبين مما مر أن معتمد الإسلام لم يكن الاعتزاء إلى شخص معين أو قبيلة أو شعب، بل كان معتمده الحقائق الوجودية دون سواها. فقد قرر وحدة البشرية على اختلاف أصولها وبيئاتها وألوانها فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. ثم قرر أن هذه البشرية الموحدة يجب أن يكون دينها واحد، هو الدين الأقدم الذى أوحاه إلى أبى البشرية الثانى وهو نوح كما رأيت. فهذا الدين يقوم على أصل طبيعى لا يختلف فيه البشر وهى الفطرة الإنسانية، وعلى أساسى العقل والعلم وهما ينبوع كل الترقيات الصورية والمعنوية، ولا ملتحد للإنسانية غيرهما فى أى مجال من مجالات نشاطها النفسى والعقلى إلى يوم القيامة. محمد فريد وجدى، تعليق آخر على مادة "إبراهيم" ١ - الذى يعزوه كل من هرجرونى

стр. 93

وفنسنك -ومن على شاكلتها- ان يقولوا إن الاسلام فى مكة غير الاسلام فى المدينة بالنسبة لابراهيم ﵇. فإن إبراهيم فى مكة أو فى القرآن المكى لم تكن له صلة بالعرب فليس أبا لهم، ولم يكن بانى البيت، ولا صلة له بإسماعيل ولا بالعرب. ٢ - إن النبى لما جاء إلى المدينة كان يحمل أكبر الآمال فى أن يؤمن به اليهود ويظاهروه على أمره فلما أخلفوه ما أمّله وكذّبوه أراد أن يتصل بهم عن طريق إبراهيم، وعبر عن ذلك "يهودية إبراهيم" وهم فى ذلك كله على ضلال مبين. (أما عن الأول) فقد أخطأ خطأ ظاهرًا. فإنى ألاحظ أن المستشرق فنسنك يقول: لم تذكر فى السور المكية أية صلة لاسماعيل بإبراهيم، وذلك ترويجًا لفكرته التى يريد أن يصل إليها وهى: أن محمد، ظل بعيد، عن صلة العرب بإبراهيم واسماعيل إلى أن هاجر إلى المدينة، فبدت له فكرة هى أن يصل حبل العرب الذين هو منهم باليهود عن طريق إسماعيل وإبراهيم، مع أنه لا صلة بينهم وبين إبراهيم واسماعيل. وهذه الفكرة تهدم التوراة قبل أن تهدم القرآن، لأنها ذكرت صلة إبراهيم بإسماعيل وأنه جدّ عدة قبائل فى بلاد العرب. وحين عد السور المكية عمد إلى التى يذكر فيها إبراهيم مجردًا عن الصلة بإسماعيل والعرب؛ لذلك تخطى سورة إبراهيم وهى مكية وقد شهدت بعكس ما يقول، وآياتها شاهدة بان إبراهيم واسماعيل بنيا البيت، وأنهما كانا يدعوان الله تعالى بالهداية وأن يجنيه وبنيه عبادة الأصنام. وإبراهيم يذكر أنه أسكن من ذريته بواد غير ذى زرع عند بيت الله المحرم، ويدعو الله أن يرزقهم من الثمرات، ويحمد الله أن وهب له إسماعيل وإسحق. واقرءوا قوله تعالى فى سورة إبراهيم: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٦) رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧) رَبَّنَا

стр. 94

إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٣٨) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٩) رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (٤٠) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (٤١)﴾. ولا يمكن أن يمر بخاطرى أنه لم يعرف هذه الآيات ولم يلتفت إليها، بل أكبر اعتقادى أنه تخطاها عمدًا غاضا النظر عما تقضى به الأمانة فى سبيل تأييد نظريته. (وأما عن الأمر الثانى) فإن النبى ما أمل أن يعتز باليهود، ولكن لما كانوا أهل توحيد ويجانبون الأصنام ويعادون أهلها، والنبى له ذكر عندهم فى كتبهم لم تزل آثاره إلى اليوم ناطقة تنادى عليهم بأنهم يكتمون ما أنزل الله -كان يتوقع أن يؤمنوا فلما جحدوا كانوا عنده بمثابة غيرهم فقط. ومعلوم أن القرآن يرفض أن يكون إبراهيم يهوديًا لأن اليهود هم أبناء إسرائيل، وإسرائيل إنما هو ولد إسحق، وغريب أن يكون المتقدم معزوا وتابعا لولد ولده الذى لم يره ولم يعاصره ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا﴾ سورة آل عمران. بقى أمر ثالث يعزوه هؤلاء المستشرقون: وهو أنهم ينكرون أن يكون إبراهيم أو إسماعيل رسولا إلى العرب مستندين إلى قوله تعالى ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ وأشباهها إذ لو كان إبراهيم قد دعا العرب إلى دينه أو إسماعيل قد دعا العرب إلى دين إبراهيم لما صح ذلك القول. والجواب على هذا: أن المفسرين يقولون إن معنى دلدُ أن الموجودين من هؤلاء القوم لم يباشرهم رسول يبلغهم دين الله ويهديهم إلى الدين الحق -فلا تناقض- لأن تبليغ إسماعيل أو إبراهيم إنما كان لآبائهم: أما أنا فأجيب بأن العرب كان دين كثير منهم عبادة الأوثان وكانت لهم قرابين يقدمونها إليها، وقد سيبوا السوائب وبحروا البحائر ووصلوا الوصيلة، وسنوا لهم قواعد ما أنزل الله بها من سلطان. فجاء محمد لينذر هؤلاء القوم الذين يدعون أنهم على دين، وأن الله قد أمرهم بما هم عليه، مع

стр. 95

أن الله ما أرسل إليهم نذيرا شرع لهم هذه الشرائع الباطلة، لأنهم كانوا إذا ظلموا أنفسهم بشرائعهم الباطلة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها. وقد ناقشهم الله فى ذلك ورد عليهم فى غير موضع من القرآن كقوله ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ ففى سورة الصافات بعد أن ذكر دعاوى الوثنيين بقوله ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (١٤٩) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ (١٥٠) أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٥٢) أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (١٥٤) أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ ففى هذه الآيات من الإنباء عن السخط العظيم والانكار الفظيع لأقاويلهم والتضعيف لعقولهم واتهامهم مع الاستهزاء بهم. وفى قوله ﴿فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ﴾ أى الناطق بصحة دعواكم والأمر فيه للتعجيز وإضافة الكتاب إليهم للتهكم. وفى قوله ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ﴾ إضراب إنتقالى من توبيخهم بما ذكر بتكليفهم مالا يدخل تحت الوجود أصلا، اى بل: ألكم حجة واضحة نزلت من السماء بأن الملائكة بناته تعالى ضرورة أن الحكم بذلك لابد له من سند حسى أو عقلى، وحيث انتفى كلاهما فلا بد من سند نقلى وهو لا يوجد عندهم. فالمعنى فى هذه الآيات معله فى قوله تعالى فى سورة الأحقاف ﴿أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ﴾ تبكيت لهم بتعجيزهم عن الإتيان بسند نقلى بعد تبكيتهم بالتعجيز عن الإتيان بسند عقلى، فهو من جملة القول أى إيتونى بكتاب إلهى كان ﴿مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ الكتاب أى القرآن الناطق بالتوحيد وإبطال الشرك دال على صحة دينكم ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ أى بقية من علم بقيت عندكم من علوم الأولين شاهدة باستحقاقهم العبادة، وهكذا كل آية وردت فى المعنى. وتدل العبارة التى نقلها "فنسنك عن "هرجرونى) بفحواها على أن إبراهيم لم يذكر بأنه حنيف إلا فى السور المدنية. فهو خطأ أيضًا، لأنه ذكر بأنه

стр. 96

كان حنيفًا فى سورة الأنعام مرتين وفى سورة النحل كذلك وهما مكيتان. سورة الأنعام، مكية: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٩٧) وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١٦١). سورة النحل، مكية: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢) ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣)﴾. من ذلك يتبين القارئ المنصف فساد ما يقوله المستشرقون غير المنصفين. [عبد الوهاب النجار] إبراهيم (ابن الأغلب) ابن الأغلب (١٨٤ - ١٩٦ هـ ٨٠٠ - ٨١٢ م): هو مؤسس دولة الأغالبة التى كانت شبه مستقلة، وهو ابن الأغلب بن سالم بن عقال التميمى، من مرو الروذ، حكم أبوه إفريقية بعد رحيل ابن الأشعث عام ١٤٨ هـ، وقُتل ذلك بسنتين فى فتنة الحسن بن حرب (١٥٠ هـ) وفى عام ١٧٩ هـ (٧٩٥ م) وُلَى ابنه إبراهيم على الزاب. وأثارت أخطاء الوالى ابن مقاتل الناس فطردوه آخر الأمر (١٨٣ هـ = ٧٩٩ م) فأتى إبراهيم لنجدته. وبعد أن أعيد النظام إلى نصابه تمكن إبراهيم بمهارته من التقرب إلى الخليفة هارون الرشيد جتى أصبح الخليفة لا يستطيع الاستغناء عنه، فترلىُ له حكم إفريقية عملا بنصيحة "هَرْثَمة"على أن يكون عليها أربعون ألف دينار، بينما أعفيت مصر من مبلغ المائة ألف دينار التى كانت تؤديها سنويًا لإفريقية، وكان ذلك التغيير فى اليوم الثانى عشر من

стр. 97

جمادى الآخرة عام ١٨٤ هـ (٩ يولية ٨٠٠ م) وحذت إفريقية حذو المغرب والأندلس فى الانفصال عن الدولة العباسية، وسرعان ما تبعتهما مصر. وبدأ الأمير الجديد فى تشييد قصبه جديدة هى "العباسية" لتحل محل القيروان. وبعد ذلك بعام استقبل إبراهيم سفراء شارلمان (٨٠١ م) الذين رجعوا من إفريقية محملين بعدد من التحف الأثرية. ومن المفروض أن هذا لم يكن الغرض الوحيد من الرحلة، إذ يغلب على الظن أن شارلمان كان يبحث عن حليف ضد الأمويين فى الأندلس. وقد أخمد إبراهيم عام ١٨٦ هـ (٨٠٢ م) فتنة حمديس الفيسى فى تونس وفى عام ١٨٩ هـ. (٨٠٥ م) شبت فتنة أخرى فى طرابلس، طرد السكان أثناءها الوالى الأغلبى سفيان بن المَضاء، وما كادت هذه الفتنة تسكن بالعفو العام سنة ١٩٤ هـ (٨٠٩ م) حتى شبت نيران فتنة أخطر منها فى إفريقية على رأسها عمران بن مجالد الربيع (عند الذهبى "مَخْلد" بدلا من مجالد. انظر فانيان Fagnan: الكامل لابن الأثير. ص ١٥٨، تعليق رقم ١، ص ١٧٣) وقريش بن التونسى. وحوصر إبراهيم سنة كاملة فى العباسية واشترى الخليفة الثوار بالمال فاعتكف عمران فى الزاب حيث عاش هناك فى هدوء حتى مات إبراهيم. وغدت طرابلس مسرحًا جديدًا لفتنة أخرى (١٩٦ هـ = ٨١١ م) نُهبت أثناءها على يد هوارة الخوارج، فانفذ الوالى ابنه عبد الله على رأس جيش. ونجح عبد الله أول الأمر فى محاربة الخوارج القادمين من تاهرت (تاقدمت) يقودهم إمامهم عبد الوهاب ابن عبد الرحمن بن رستم، وحاصر هؤلاء المدينة ولم يبدأ القتال إلا عند ورود الأخبار بوفاة إبراهيم بمدينة القيروان فى الحادى والعشرين من شوال عام ١٩٦ هـ (٥ يوليه ٨١٢ م). وكان عبد الله حريصًا على أن يخلف أباه إبراهيم فى الحكم، فتهادن مع

стр. 98

عبد الوهاب ونزل له عن ولاية طرابلس ما عدا مدينة طرابلس، كما نزل له عن منطقتى قسطيلية وجربه. المصادر: (١) البلاذرى: فتوح البلدان (طبعة دى غويه De Goeje) ص ٢٣٣ - ٢٣٤. (٢) كتاب العيون: لمؤلف غير معروف (نشره De Goeje و Jong فى (Fragmenta Historicorum Arabicorum ص ٣٠٢ وما بعدها. (٣) ابن الأثير: الكامل (طبعة تورنبرغ) جـ ٦؛ ص ٩٦، ١٠٦ - ١٠٨، ١١٣، ١٣٢، ١٦٣، ١٨٧ وما بعدها. (٤) ابن عذارى: تاريخ إفريقية والأندلس (طبعة دوزى Dazy) جـ ١، ص ٨١ - ٨٤، ٨٦؛ ترجمة Fagnan، جـ ١ ص ١٠٨ - ١١٦. (٥) أبو المحاسن: النجوم، جـ ١، ص ٤٨٨، ٥١١، ٥٢٨. (٦) ابن خلدون: كتاب العبر، جـ ٦، ص ١١٣. (٧) ابن خلدون: تاريخ البربر (ترجمة De Slane، جـ ١، ص ٢٢٥). (٨) ابن خلدون: تاريخ إفريقية وصقلية (ترجمة وطبع Desvergers)، باريس ١٨٤١) ص ٣١، ٣٣ - ٣٦ من الأصل؛ ص ٨١، ٨٣، ٩٤ من الترجمة. (٩) انظر النويرى فى الذيل الذى ألحق بآخر الجزء الأول من الترجمة الفرنسية لكتاب ابن خلدون عن البربر، ص ٣٩٧ - ٤٠٣. (١٠) أبو زكريا يحيى بن أبى بكر: السيرة وأخبار الأئمة (ترجمه بالفرنسية Masqueray فى الجزائر سنة ١٨٧٠ م، Chronique) ص ١٢١؛ ١٢٦ من الترجمة. (١١) الشَمَاخى: كتاب السيَر (طبع فى القاهرة طبعة غير مؤرخة) ص ١٥٩ - ٢٤١. (١٢) ابن أبى دينار: المؤنس (تونس، سنة ١٢٨٦ هـ) ص ٤٧.

стр. 99

(١٣) Annales du Moghreb: Fagnan et de l'Espagne (ترجمة) ص ١٤٩، ١٥٦ - ١٦٠، ١٦٢، ١٦٧ وما بعدها، ص ١٧٣. ١٧٥ وما بعدها. (١٤) Annales Franco: Eginhard rum, ad ann.٨٠١ (١٥) Invasions des sar-: Reinaud razins en France (طبعة باريس سنة ١٨٣٦ م) ص ١٧٧. (١٦) Les Berberes: Fournel جـ ١، ص ٤٠٧، ٤١١ - ٤١٥، ٤٤٠ - ٤٥٣، ٤٥٨ - ٤٦٠، ٤٦٧ - ٤٧٠. [ريتيه باسيه Rene Basset] إبراهيم باشا أكبر أبناء محمد على؛ كان قائدًا عظيما وواليًا على مصر. وهو يوصف في كثير من الأحيان بأنه ابن محمد علي بالتبني. وقد كانت "أمينة، قريبة متبنية والي (جوربجي) قولة من أعمال مقدونية، امرأة مطلقة بلا شك عندما تزوجها محمد على سنة ١٧٨٧ م، ولا يمكن إنكار أن محمدًا عليًا كان يؤثر في الثامن والعشرين من سبتمبر سنة ١٨١٦ م، ولامراء أيضًا في أنه كانت بين إبراهيم وطوسون منافسة (انظر Mengin جـ ٢، ص ٨١ وما بعدها). علي أن سنة مولده لا شك فيها، وغالب المصادر علي أنها سنة ٧٨٩ ام. وتذكر أحيانًا سنة ١٧٨٦ م أيضا. ولا نجد في المصادر القدبمة مثل الجبرتي وما نكن أية إشارة إلي أنه لم يكن الابن الحقيقي لمحمد علي. ويصفه الجبرتي سنة ١٣٣٨ هـ (١٨١٣ م) فيقول إنه شاب لما يبلغ العشرين (انظر في هذا الشأن: Gouin، ص ١٥١ وما بعدها؛ كلوت بك جـ ١، ص ٨٣؛ Murray، ص ٦ وما بعدها). وقد لعب إبراهيم باشا دورًا هامًا فى تاريخ مصر أيام محمد على، وكان يلقب بيد محمد على الحربية. وفى الحق إن النجاح السياسى الذى أحرزه محمد على لم يكن ليتحقق دون الأعمال الحربية التى قام بها إبراهيم.

стр. 100

ولما توطد مركز محمد على فى مصر نوعًا ما أرسل فى طلب ولديه إبراهيم وطوسون عام ١٨٠٥ م، كما أرسل فى طلب زوجه وأولاده الصغار، وهم إسماعيل وشقيقتاه، عام ١٨٠٩ م. ولقد أرسل محمد على ولده إبراهيم مع قيودان باشا إلى الاآستانة عام ١٨٠٦ م رهينة للجزية التى وعد بها، وبعد أن غادر الأسطول الإنجليزى الإسكندرية عام ١٨٠٧ م رده الباب العالى إلى أبيه، وأصبح إبراهيم دفتر دارا عام ١٨١٠ م. وبعد مذبجة المماليك الكبرى (١٨١١) أرسله أبوه إلى الصعيد لجمع الضرائب، فطرد فلول المماليك من القطر كما أخضع البدو وأعاد النظام والأمن إلى البلاد. على أنه بلا شك قد استعمل فى كثير من الأحيان وسائل العنف فى جمع الضرائب، وقد أعطانا الجبرتى فى ختام وصفه لحوادث عام ١٢٢٨ هـ (١٨١٣ م) صورة مروعة لتلك الوسائل. وظل إبراهيم يدير شئون الوجه القبلى حتى بداية عام ١٨١٦، وفى هذه الأثناء أنعم عليه الباب العالى بلقب باشا اعترافًا بخدمات والده (Mengin، جـ ٢، ص ٤٨). وفى عام ١٨١٦ م أرسله أبوه إلى بلاد العرب لتصفية الحساب مع الوهابيين، وكان أخوه طوسون موفقًا فى قتالهم من ١٨١١ - ١٨١٣ م، ثم محمد على من ١٨١٣ - ١٨١٥ م. ونالوا بغيتهم بعد قتال عنيف دام ثلاث سنوات، فخربت الدرْعيَّة قصبة الوهابين، وحمل عبد الله بن السعود وأقاربه أسرى إلى مصر. وعاد إبراهيم إلى القاهرة فى ديسمبر ١٨١٩ م عودة الظافر المنتصر؛ وبعد ذلك بقليل ولاه السلطان على جدة. وفى أثناء ذلك كان محمد على قد ناط بابنه الثالث إسماعيل فتح بلاد السودان، وكان غرضه من هذه الحملة الكشف عن مناطق الذهب المعروفة قديمًا وجلب الرقيق الذى أصبح من بعد عدة الجيش الجديد. ولقد أنفذ إبراهيم إلى السودان مع إمدادات حربية ليعاون أخاه. والظاهر أنه ذهب إلى هناك وفى جعبته مشاريع تنطوى على مغامرة كبيرة (انظر Vaulabelle ج ٢، ص ٢٣١) ولكن انتابته دوسنطاريا شديدة فاضطرته إلى التعجيل بالأوبة إلى القاهرة فى أوائل عام ١٨٢٢ م. وفى الأعوام التالية

стр. 101

اشترك إبراهيم فى تدريب الجند الجدد (نظام جديد) الذى وكل أمره إلى الكولونيل سييف الفرنسى. وكان إبراهيم تلميذًا نجيبًا لذلك المدرب الأوروبى الذى عرف فيما بعد باسم سليمان باشا، وأصبح ساعده الأيمن فى غزواته اللاحقة. وعند ما كلف محمد على بغزو المورة بمقتضى فرمان سلطانى صدر بتاريخ ١٦ يناير عام ١٨٢٤، أنفذ ابنه إبراهيم باشا إلى هناك فى آخر شهر يولية من العام نفسه على رأس جيش قوى مدرب على الأساليب الأوروبية ومزود بمعدات حربية وافرة. واستولى على نافارين ودخل تريبولتزه فصارت شبه الجزيرة فعلا تحت سلطانه. وأمضى شهور فبراير ومارس وأبريل من عام ١٨٢٦ فى حصار ميسيلونغى والاستيلاء عليها. ورفض الباب العالى ومحمد على وساطة الدول العظمى فحدثت واقعة نافارين البحرية فى أكتوبر عام ١٨٢٧, وفيها دمرت أساطيل الحلفاء (إنكلترة وفرنسا والروسيا) الجزء الأكبر من الأسطول المصرى التركى. وأرغم أمير البحر الإنكليزى كودرنكتون, بظهوره فى مياه الإسكندرية محمدًا عليا على استدعاء ولده وجيوشه المصرية فوصل إلى الإسكندرية فى اليوم العاشر من أكتوبر عام ١٨٢٨. وفى عام ١٨٣١ م ندب محمد على ولده إبراهيم باشا لقيادة الحملة الموجهة إلى الشام فوصل بجنده إلى فلسطين فى أول نوفمبر، واستولى على عكا فى السابع والعشرين من مايو عام ١٨٣٣ بعد حصار دام ستة أشهر وذلك بعد انتصاره على والى طرابلس وحلب فى سهل الزراعة جنوبى حمص. وقد تمكن إبراهيم باشا من التوغل فى الشام وآسية الصغرى بفضل انتصاراته عند حمص على طلائع الجيش التركى التى كان يقودها محمد باشا والى حلب فى (٩ - ٨ يولية)، وفى ممر بيلان عند إسكندرونة على الجيش التركى الرئيسى الذى كان يقوده حسين باشا فى ٢٩ يولية، وفى قونيه على الجيش التركى الذى كان يقوده رشيد باشا فى ٢١ ديسمبر، وتشهد هذه الانتصارات

стр. 102

بتفوق الجيش المصرى، ومواهب إبراهيم فى القيادة، وحنكته السياسية التى نجحت فى توحيد صفوف الشآميين تحت راية واحدة بحجة تحريرهم من النير التركى، واكتساب الأمير بشير اللبنانى صاحب النفوذ الواسع. وتقدم إبراهيم حتى بلغ كوتاهية وهناك فى ٣ مايو عام ١٨٣٣ عقدت معاهدة بين الباب العالى ومحمد على نزل له فيها عن الشام وأذنة، ولم يكن إبرام هذه المعاهدة بمنجاة من ضغط الدول الأوروبية، ومنح السلطان إبراهيم باشا لقب محصل أذنة. وقد وكل إليه أبوه إدارة الولايات الجديدة، ولم يكن ذلك بالأمر الهين لاختلاف طبائع السكان. ومع أن هؤلاء كانوا مجمعين على النفور من الحكم التركى، فإن النظام الصارم الذى أدخله إبراهيم لم يرقهم أيضًا، وكانت النتيجة أن شبت الفتن فى كل مكان، ولكن إبراهيم نجح بعض النجاح فى قمع تلك الفتن مستعينًا فى ذلك بمصادرة السلاح فى جميع أنحاء البلاد، ونتج عن تجنيد السكان أن هاجر العدد الكبير منهم إلى آسية الصغرى وبلاد ما بين النهرين، كما أدى الاستيلاء على الدواب للأغراض الحربية إلى اضمحلال الزراعة والتجارة. ومع أن النظام كان يسود البلاد فإن التذمر كان عظيمًا جدًا. ولما استأنفت تركية الحرب عام ١٨٣٩ نال إبراهيم نصرًا حاسمًا على الجيش التركى الذى كان يقوده حافظ باشا عند نصيبين غربى (بيره جك) وانحاز فوزى باشا بالأسطول التركى إلى محمد على ولكن الموقف تغير لتدخل الدول الأوربية التى أدت مفاوضاتها إلى إبرام معاهدة لندن فى الخامس عشر من يولية عام ١٨٤٠ (ويسمى هذا بالحلف الرباعى) وكان محمد على يأمل فى الحصول على مساعدة الفرنسيين له فرفض إخلاء الشام حتى عكا، كما رفض الاكتفاء بولاية مصر وجعلها وراثية يتولاها أبناؤه من بعده. ولكن فرنسا لم تمد له يدًا، وضربت أساطيل الحلفاء نطاقا حول شواطن الشام ومصر. وكان إبراهيم فى موقف حرج بين جيوش الحلفاء النازلة إلى البر وبين أهالى لبنان المعادين الذين أثيروا عليه. وبعد أن استولى ناببر Napier أمير البحر الإنجليزى على عكا وبعد مفاوضاته مع

стр. 103

محمد على فى الإسكندرية، أرغم محمد على على قبول النزول عن الشام فى ٢٢ نوفمبر عام ١٨٤٠. وغادر إبراهيم باشا دمشق مع جيوشه فى ٢٩ ديسمبر ورجع إلى مصر عن طريق غزة مرسلا شطرًا من الجيش إلى مصر عن طريق العقبة تحت قيادة سليمان باشا. وانصرف إبراهيم باشا فى السنوات التالية إلى شئون مصر الإدارية، فكانت عنايته وخبرته بالزراعة جديرتين بالثناء. وقد تردد على أوروبا عدة مرات، واستشفى بمياه بعض بلدانها، واستقبل هناك بحفاوة وترحاب. وفى أوائل عام ١٨٤٨ م كان إبراهيم باشا فى مالطة عندما ألجأته ظروف والده إلى العودة إلى مصر. وفى يونية من العام نفسه أصبح الحاكم الحقيقى للبلاد، وفى سبتمبر منحه السلطان رسميًا فى الآستانة ولاية مصر وتوفى إبراهيم فى التاسع عشر من نوفمبر عام ١٨٤٨ بالغًا من العمر ستين عاما ودفن فى مدافن الأسرة بالقرب من الإمام الشافعى. وعاش من أبنائه بعد وفاته أحمد (المولود عام ١٨٢٥) وإسماعيل الذي أصبح فيما بعد خديو مصر (ولد عام ١٨٢٧ م) ومصطفى (ولد عام ١٨٣٢ م). وتوجد لإبراهيم باشا صورة فى كتاب Hist, de la: Cadalvene et Barrault guerre de Mehemed- Ali contre la Porte Ottomane، كما توجد أوصاف لشخصيته فى كتاب كلوت بك، جـ ١، ص ٣٣ وما بعدها؛ وكتاب Paton: A History of the Egyptian Revolution ج ٢، ص ٥٥. المصادر: (١) الجبرتى: عجائب الآثار فى تراجم الأخبار، طببة بولاق ١٢٩٠ هـ، وطبعات أخرى، وترجمته بالفرنسية جـ ٨، جـ ٩، طبعة القاهرة ١٨٩٦ (وأخباره تمتد إلى سنة ١٨٢٠ م). (٢) على باشا مبارك: الخطط التوفيقية، جـ ١ ص ٦٥ - ٧٧. (٣) ميخائيل شاروبيم بك: الكافى فى تاريخ مصر القديم والحديث، طبعة بولاق ١٣١٨ هـ، جـ ٤. (٤) Histoire de l'Egypte: Felix Mengin sous le Gouvernement de Mohammed Aly ou recit des evnements politiques et mili- taires qui ont eu lien depuis le depart des Francais jusqu' en ١٨٢٣ وهو فى مجلدين (باريس عام ١٨٢٣). (٥) الكاتب نفسه: Histoire sommaire de l'Egypte sous le Gouvernement de Mo-

стр. 104

hammed Aly، (عن الحوادث التى بين سنتى ١٨٢٣ - ١٨٣٨) باريس ١٨٣٩. (٦) Histoire Moderne: A. de Vaulablle de l'Egypte (من ١٨٠١ - ١٨٣٤) = Histoire scentifique et militaire de l'Expedition Francaise en Egypte جـ ٩، جـ ١٠ باريس ١٨٣٠ - ١٨٣٦. (٧) Histoire: de Cadalvene et E. Barrault de la Guerre de Mehemed-Ali contre la Porte Ottomane(١٨٣١ - ١٨٣٣) باريس ١٨٣٧. (٨) ولنفس الكاتبين: Deux Annees de l'histoire d'Orient (١٨٣٩ - ١٨٤٠) باريس ١٨٤٠. (٩) La Syrie sous le Gou-: F. Perrier vernement de Mehemed- Ali jusqu'en ١٨٤٠ باريس ١٨٤٢. (١٠) Apercu general sur: Clot Bey l'Egypte فى جزئين، باريس ١٨٤٠. (١١) l'Egypte au XIX: Edouard Gouin siecle. histoire Milit. et Polit., anecdo- tique et pittoresque de Mehemed- Ali, Ib- rahim Pacha, Soliman Pacha باريس ١٨٤٧. (١٢) Egypte Moderne: Marcel, باريس ١٨٤٨، ص ١ - ٤٢. (١٣) Histoire de Mehem-: Paul Mouriez et Ali, vice d'Egypte، فى أربعة أجزاء، باريس ١٨٥٥ - ١٨٥٨. (١٤) A short memoir: Ch. Aug. Murray of Mohammed Ali، لندن ١٨٩٨. (١٥) A History of the: A. A. Paton Egyptian Revolution from the Period of the Mamelukes to the Death of Mu- hammed Ali، فى جزئين: لندن ١٨٦٣، جـ ٢، ص ١٠ - ٣٠٨. (١٦) Geschichte Der Turkei: G. Rosen von dem sieg der Reformim Jahre ١٨٢٦ bis zum Pariser traktat vom Jagre ١٨٦٥ فى مجلدين، ليبسك ١٨٦٦ - ١٨٦٧. (١٧) انظر مقال P.Ravaisse فى La Grande Encyclopedie عن إبراهيم باشا، جـ ٢٠، ص ٥٢٠. (١٨) Mehemet Ali: W. Alison Phillips (= فصل ١٧، مجلد ١٠، من كتاب The Camberidge Modern History) كمبردج ١٩٠٧ وذكر فيه مصادر أخرى عن إبراهيم باشا. (١٩) Die orientalische: A. Hasenclever Frage in den Jahren ١٨٣٨ - ١٨٤١. Ur- sprung des Meerengenvertrages vom ١٣.

стр. 105

إبراهيم بك من أبرز أمراء المماليك الأواخر فى مصر. كان رقيقًا جركسيًا، جلب إلى مصر فاشتراه محمد أبو الذهب المملوك المقرب إلى على بك الكبير. وأعتقه سيده، وزوجه أخته (انظر ما قاله الجبرتى فى حوادث ٤ ربيع الثانى عام ١٢١٦). وفى عام ١١٨٢ هـ (١٧٦٧ - ١٧٦٨ م) عُين إبراهيم أحد البكوات الأربعة والعشرين، وأقيم فى عام ١١٨٦ هـ أميرًا للحج وقاد قافلة الحجاج المصريين إلى مكة. ولما عاد منها، كان النضال القائم بين محمد أبى الذهب وعلى بك الكبير قد انتهى بفوز على بك. ولا شك أن نفوذ إبراهيم قد ازداد زيادة كبيرة خلال السنوات القلائل التى قام فيها بالحكم صهره أبو الذهب. وفى عام ١١٨٧ هـ أصبح إبراهيم دفتردارًا وبقى فى القاهرة شيخا للبلد أثناء حملة محمد أبى الذهب على الشام سنة ١١٨٩ هـ، ولما مات أبو الذهب فى عكا، ورث إبراهيم، بصفته أقرب أقربائه، ثروته العظيمة ونفوذه الكبير. واقتسم إبراهيم حكم مصر مع مراد بك، وهو أمير آخر من بيت محمد أبى الذهب انتخبته الجنود قائدًا لها، فصار إبراهيم شيخا للبلد (عمدة القاهرة) يقوم بالشئون الإدارية، على حين كان مراد يقوم على شئون الجيش. ويدل عدد مماليكهما على ما كان للاثنين من مركز غلاب. وقد ذكر "فولنى" Volney الذى كان فى مصر عام ١٧٨٣ م أن إبراهيم بك كان يملك ستمائة مملوك، وكان مراد بك يملك أربعمائة مملوك، على حين أن غيرهما من البكوات كان يملك ما بين خمسين مملوكا ومائتى مملوك، وكان معظم الفضل فى بقائهما مشتركين فى الحكم راجعا فى الحق إلى تسامح إبراهيم وحبه للمسالمة. والراجح أنه كان يعامل مراد بك المتهور فى حذر حتى أنه لم تنشأ بينهما خلافات خطيرة إلا فى سنتى ١١٩٨، و ١١٩٩ هـ. وظل حكمهما المشترك قائما حتى مجئ الحملة الفرنسية إلى مصر عام ١٢١٣ هـ (١٧٩٨ م)، ولو أنه قد تخلل حكمهما فترتان انقطع فيهما، وذلك لوصول إسماعيل بك أقوى أمراء بيت على بك نفوذًا إلى الحكم، الفترة الأولى

стр. 106

عام ١١٩١ هـ، ولم يستطع أن يمكث فى الحكم غير ستة شهور، والفترة الثانية عام ١٢٠١ هـ (١٧٨٦ م) عندما عين شيخا للبلد للمرة الثانية على يد قبودان باشا حسن التركى. ولقد كان الغرض من حملة حسن على مصر تقوية نفوذ الباب العالى، ذلك النفوذ الذى كان قد تضاءل إلى أدنى حد منذ أيام إبراهيم كتخدا وخصوصا إبان حكم على بك، ولكن لم يتحقق الغرض من هذه الحملة، واضطر إبراهيم ومراد، بعد أن رأى فيهما حسن باشا أكبر الآثمين، إلى ترك القاهرة، ومع ذلك فلم يجسرا على مقاومة رسول الباب العالى صراحة، إلا أن حسن باشا اضطر فى آخر الأمر إلى ترك مقاليد حكم مصر فى أيدى المماليك، بل لقد استطاع إسماعيل بك أن يسترد منصب شيخ البلد بعد انسحاب حسن باشا، ذلك الانسحاب الذى عجل به تعقد أمور السياسة بين تركية وروسيا. ولم يستطع إبراهيم ومراد العودة إلى القاهرة إلا بعد أن اجتاح الطاعون إسماعيل وغيره من الأمراء عام ١٢٠٦ هـ. وعفا عنهما الباب العالى فاقتسما من جديد حكم البلاد. وفى أثناء تقدم الفرنسيين عام ١٢١٣ هـ (١٧٩٨ م) انتظر إبراهيم على الشاطئ الشرقى للنيل، بين شبرا وبولاق، نتيجة وقعة الأهرام، وأمر بإحراق السفن المصرية الراسية ببولاق حتى يصعب على الجيش الفرنسى عبور النيل. وبعد وقعتى الخانقاه والصالحية، تمكن إبراهيم من الهرب إلى الشام بحاشيته ومتاعه ومكث فى غزة ثم انسحب منها إلى الشمال الشرقى أثناء حملة نابليون على فلسطين. وعاد إبراهيم إلى مصر مع جيش يوسف باشا الصدر الأعظم، ودخل القاهرة (فبراير عام ١٨٠٠) أثناء واقعة عين شمس صحبة نصوح باشا الذى كان الباب العالى قد أقامه واليًا على مصر؛ ثم ترك إبراهيم المدينة ثانية مع الجيش التركى، عندما استطاع الفرنسيون الثبات فيها، ورفض التقرب بحال إلى الفرنسيين بينما هادنهم مراد بك فحصل بذلك على حكم مصر العليا. وتوفى الأخير بعد ذلك بقليل بالطاعون فى أبريل عام ١٨٠١.

стр. 107

ولما جلت الجيوش الفرنسية عن المدينة نهائيًا فى يونية عام ١٨٠١ عين الصدر الأعظم إبراهيم بك مرة أخرى شيخًا، ولكن سرعان ما ألقى به فى السجن مع سائر أمراء المماليك فى ٢٠ أكتوبر عام ١٨٠١ بأمر الباب العالى الذى رأى الفرصة سانحة للتخلص من نفود المماليك. وأفلح الإنكليز فى إخلاء سبيل المماليك المسجونين، فاستطاع إبراهيم الوصول إلى مصر العليا، ومن هناك أمكنه فى السنوات القليلة التالية أن يتفاوض مرارًا مع والى مصر التركى خسرو باشا. ولما طرد خسرو من مصر وقُتل طاهر باشا رئيس الألبانيين، الذى كان قد حل محل (قائمقام) خسرو باشا، استدعى محمد على إبراهيم بك إلى القاهرة فى أبريل عام ١٨٠٣ ووكل إليه منصب شيخ البلد كى يمنع أحمد باشا الذى عين واليًا على جدة وكان مارا بمصر، من تثبيت قدمه فيها. ولم يكن نفوذ إبراهيم المسن فى الواقع عظيما، ولا شك أنه لاحظ أنه كان آلة فى يد محمد على. وعلى أى حال فقد أخذ شك إبراهيم فيه يزداد منذ دلك العهد. والراجح أنه فطن إلى سياسة محمد على الذى كان يرمى إلى استغلال المماليك عند الحاجة، كما كان يحرص على ألا تزداد قوتهم وأن يبذر بينهم بذور الشقاق. ولقد حاول محمد على أن يضرب إبراهيم، وعثمان البرديسى خليفة مراد، الضربة القاضية فى ١٣ مارس عام ١٨٠٤، إلا أنه فشل من حيث أن الاثنين تخلصا من السجن وهربا. ولم يعد إبراهيم بعد ذلك إلى القاهرة. وفى أثناء مذبحة المماليك فى ١٨ - ١٩ أغسطس عام ١٨٠٥ كان إبراهيم فى طرة مع ولده مرزوق وهنا كبد جند محمد على خسائر فادحة. وفشلت محاولته فى توحيد صفوف المماليك ليواجهوا محمدا عليا مجتمعين، لما كان بينهم من الشقاق ولمهارة محمد على فى أن يكتسب بعض ذوى النفوذ من المماليك إلى جانبه بمداهنتهم ومنحهم مناصب الشرف. ولقد رفض إبراهيم محاولة محمد على الصلح فى عام ١٨٠٩ م محتجا بكثرة ما سفك بينهما من دماء. واستطاع المماليك بفضل مجهود إبراهيم أن يكونوا قوة (١٨١٠ م) لم يجسر محمد على على مواجهتها صراحة، ولكنه

стр. 108

استطاع بالخدعة أن يجتذب أكثرهم إلى القاهرة، فغمرهم بعطاياه وبذلك اطمأنوا إليه. وهكذا وقعوا فى الأحبولة التى نصبها لهم فذبحوا فى القلعة فى أول مارس عام ١٨١١. ولم يصدق إبراهيم وعدد قليل غيره وعود محمد على، فبقى إبراهيم على حدود مصر الجنوبية وبذلك نجا. وأمضى سنواته الاْخيرة مع بقية المماليك فى دنقلة "بلاد العبيد يزرعون الدخن ويتقوتون منه، وملابسهم القمصان التى يلبسها الجلابة فى بلادهم إلى أن وردت الأخبار بموته فى شهر ربيع الأول من السنة [١٢٣١ هـ] " (انظر الجبرتى). وفى عام ١٨١١ م استطاعت امرأته التى كانت تبحث عن رفات ولدها مرزوق لتدفنه أن تحصل من محمد على على الإذن بإحضار رفات زوجها إبراهيم إلى القاهرة فوصل جثمانه فى رمضان عام ١٢٣٣. المصادر: (١) أهم مصادر هذا الموضوع تاريخ الجبرتى المسمى عجائب الآثار فى التراجم والأخبار (بولاق ١٢٩٧ هـ وتوجد عدة طبعات له؛ وترجم إلى الفرنسية بعنوان Merveilles bio- graphiques et historiaues فى تسعة مجلدات، القاهرة ١٨٨٨ - ١٨٩٦) وقد ذكر إبراهيم مرارا فى هذا الكتاب فى الحوادث التى وقعت منذ سنتى ١١٩٠ - ١٢٣١ هـ. وتأتى ترجمة حياته بعد حوادث سنة ١٢٣١ هـ. (٢) Vayage en Syrie et en: C.F. Volney Egypte pendant les annees ١٧٨٣, ١٧٨٤ et ١٧٨٥ (باريس ١٧٨٦ وتوجد منه عدة طبعات) من الفصل السادس إلى الفصل التاسع. (٣) Histoire scientifique et militaire de l' Expedition francaise en Egypte فى عشرة مجلدات (باريس ١٨٣٠ - ١٨٣٦). (٤) A History of Egypt Rev-: A. A. Paton olution from the period of the Mamelukes to the death of Mohammed Ali فى مجلدين (لندن ١٧٦٣ - ١٨٧٠). (٥) مقال P.Ravaisse فى .. La Grande Encyclopedie عن "إبراهيم بك"، المجلد العشرون، ص ٥١٩. [ب. كاله P. Kahle]

стр. 109

إبراهيم الموصلى هو إبراهيم بن ماهان ابن بهمان ويعرف أيضا بالنديم الموصلى، من اشهر موسيقيى العرب، فارسى الأصل، ولد بالكوفة عام ١٢٥ هـ (٧٤٢ م) وتوفى ببغداد عام ١٨٨ هـ (٨٠٤ م). درس الموسيقا على أساتذة من الفرس وأظهر براعة فائقة فى الغناء والعزف على العود. وكان له مقام عظيم فى البلاط العباسى أيام المهدى والهادى وبخاصة فى عهد الرشيد. وقد نسج ابنه إسحاق على منواله وكان على جانب عظيم من العلم والتهذيب كما كان موسيقيا بارعا وملحنا قديرا، لعب دورا هاما فى البلاط العباسى إبان حكم الرشيد والمأمون والمعتصم. وتروى بعض قصص عجيبة عن مهارة إبراهيم فى الغناء (الأغانى، جـ ٥، ص ٤١، س ١ - ١٥)، وتذكر عنه قصتان ذائعتان، إحداهما قصة صعوده فى زنبيل إلى بيت فيه قيان (الأغانى، جـ ٥، ص ٤١ وما بعدها؛ الغزولى: مطالع البدور، جـ ١، ص ٣٤٣ وما بعدها؛ ابن بدرون، طبعة دوزى، ص ٣٧٣ وما بعدها؛ ألف ليلة وليلة، [والفقرتان الأخيرتان تتعلقان بإسحاق] والقصة الأخرى هى زيارة إبليس له وتعليمه لحنا عجيبا (الأغانى، جـ ٥، ص ٣٦ وما بعدها؛ الغزولى، جـ ١، ص ٣٤١ وما بعدها؛ ألف ليلة وليلة "تتعلق بإسحاق"). المصادر: (١) ابن خلكان (ترجمة de Slane) جـ ١، ص ٣٠ وما بعدها. (٣) الأغاني، جـ ٥، ص ٣ - ٤٩، ٥٢ - ١٣١. (٣) الفهرست، ص ١٤٠ - ١٤٣. (٤) Barbier de Meynard: انظر مقاله عن إبراهيم بن المهدى فى المحلة الآسيوية سنة ١٨٦٩، ص ٢٠١ - ٣٤٢. (٥) Culturgesch des Orients: Von Kremer جـ ٢، ص ٧١ وما بعدها. (٦) Abu Nowas: Ahlwardt، ص ١٣ - ١٤. (٧) Gesch. d. arab. Litt: Brockelmann جـ ١, ص ٧٨. [تورى C. C. Torre]

стр. 110

أبرهة هو أبراهام فى اللغة الإثيوبية، الملقب بالأشرم، وهو حاكم إثيوبى لليمن حوالى منتصف القرن السادس الميلادى. كان أبرهة فى الأصل - كما روى بروكوبيوس Procoppius. عبدا لرجل رومانى من أدوليس Adulis، قام على رأس ثورة ضد ملك إثيوبيا [الحبشة] "إله أصبحة" (١)، وأسر حاكم اليمن وقتئذ إسمفايوس Esimiphaeus (أو سُميفع كما ورد فى نقوش "حصن الغراب")، وهزم الجيش الذى أنفذ لمحاربته مرارا، وبعد موت الملك خضع لخلفه وأدى له الجزية فاعترف به واليًا من قبله. وتعد سنة ٥٣١ م مبدأ حكمه، وكان إسمفايس لا يزال وقتذاك حاكما، وتتفق القصص العربية فى صورها المختلفة مع ما ذكره بروكوبيوس عن أبرهة من أنه حارب قائدًا اسمه "أرياط" أنفذه إليه ملك إثيوبيا، ثم تصالح مع هذا الملك آخر الأمر، ومن ثم فإن من الخطأ البين أن يكون الملك الإثيوبى- كما ذكر فى أعمال القديس أريثاس Arethas- قد نصب ذلك النصرانى الورع أمبراميوس Am- bramios نائبا له على بلاد اليمن فى وقت مبكر يرجع إلى عام ٥٢٥ م (عقب فتحها مباشرة)، ولقد أمدتنا الصدفة أخيرا بتفصيلات وافية عن أبرهة بفضل "نقوش السد" [سد مأرب] Damm- Inschrift التى كشفها كليزر. E Glaser ونشرها. ويُطلق أبرهة على نفسه فى تلك النقوش: "الأمير التابع لملك الحبشة، ملك سبأ وريدان وحضر موت ويمنات (٢) وعرب النجاد وعرب السهول". وكان أهم حادث فى حكمه -كما تذكر تلك النقوش- هو مجئ بعض الوفود إلى سد مأرب عام ٦٥٧ م
следующие страницы →