ثم بدأ علاقاته مع سمباد وتحالف وإياه. وانحاز بعد ذلك إلى جانب كاكيك أردزرونى، واستولى على عدة حصون، وقتل سمباد بعد أن استسلم له، وانتزع الرى، وقزوين، وزَنَجان وأبْهَر من محمد بن على سلوق واليها من قبل نصر بن أحمد السامانى. وهزم جنود الخليفة التى أنفذت لقتاله عام ٣٠٥ هـ (٩١٧ - ٩١٨ م) ولكنه اضطر إلى التخلى عن الرى. وأوقع الهزيمة بمؤنس عام ٣٠٧ هـ (٩١٩ م) وكان قد التجأ إلى زنجان، غير أن مؤنسا هزمه عند أردبيل، وأخذه أسيرًا، وعامله باحترام، وحمله إلى بغداد. وأطلق سراحه عام ٣١٠ هـ (٩٢٢ م) وولى على الرى وأذربيجان، واختاره الخليفة لقتال القرامطة، على أنه هزم وأسر فى أول وقعة على الرغم من شجاعته، وقتل هو وجميع الأسرى.
٤ - فى ذى الحجة عام ٣١٥ (فبراير ٩٢٨) ولى أبو المسافر فتح ولد محمد الأفشين مكان عمه، وظل واليًا حتى وفاته. وقد دس له السم فى أردبيل عبد من عبيده فى شهر شعبان عام ٣١٧ (سبتمبر سنة ٩٢٩).
٥ - ولده أبو الفرج، وكان قائدًا للخلفاء وصديقا لابن رائق أول أمير للأمراء.
المصادر:
(١) جمال الدين أبو الحسن على بن الغازى: أخبار الدول المنقطعة، وقد قام Freytag بنشر النص العربى Locmani Fabulae, بنون سنة ١٨٢٣، ص ٣٤ وما بعدها.
(٣) الطبرى، طبعة ده غوى، جـ ٣، ص ١٢٢٢، ١٥٩٤ وما بعدها ١٦١٩ وما بعدها ١٨٨٨ وما بعدها، ٢٠٢٥ وما بعدها، ٢١٨٦، ٢١٩٥، ٢٢٠٣.
(٤) عريب، طبعة ده غوى، ص ٧٠ وما بعدها، ١٣٠ وما بعدها، ١٤٥.
(٥) ابن الأثير: الكامل طبعة تورنبرغ، جـ ٧، ص ٥٥, ١٠٠، ١٩٠، ٢٠٠، ٢٧٩، ٢٩٥، ٣٢٨، ٣٥١؛ جـ ٨، ص ٧٣ - ٧٦، ١٠٥ وما بعدها ١٢٤ - ١٢٨، ١٨٨٨ وما بعدها، ٢٠٢٥ وما بعدها، ٢١٨٦، ٢١٩٥.
(٦) Namenbuch Iranisches: F. Justi ماربورغ سنة ١٨٩٥، ص ٨٥، ٣٥٣.
стр. 5357
(٧) Geschichte der Chalifen: Weil جـ ٢، ص ٤٩١.
(٨) Memoire sur la famille des Sadjides: Defremery المجلة الأسيوية، المجموعة الرابعة، جـ ٩، ص ٤٠٩ وما بعدها؛ جـ ١٠، ص ٣٩٦ وما بعدها، سنة ١٨٤٧.
الشنتناوى [إيوار Cl. Huart]
الساسانية
أسرة حكمت بلاد فارس، وفيما يلى أسماء ملوكها باللغة الفارسية الحديثة:
أردشير الأول: ٢٢٦ - ٢٤١ م.
شابور الأول: ٢٤١ - ٢٧٢ م.
هرمزد الأول: ٢٧٢ - ٢٧٣ م.
بهرام الأول: ٢٧٣ - ٢٧٦ م.
بهرام الثانى: ٢٧٦ - ٢٩٣ م.
بهرام الثالث: ٢٩٣ م.
نرساى: ٢٩٣ - ٣٠٣ م.
هرمزد الثانى: ٣٠٣ - ٣١٠ م.
آذر نرساى: ٣١٠ م.
صابور (شابور) الثانى: ٣١٠ - ٣٧٩ م.
أردشير الثانى ٣٧٩ - ٣٨٣ م.
صابور (شابور) الثالث ٣٨٣ - ٣٨٨ م. (أو ٢٨٧؟ Re-: Pauly. Wissowa alenz المجموعة الثانية، جـ ١، عمود ٢٣٥٥).
بهرام الرابع: ٣٨٨ - ٣٩٩ م.
يزدجرد الأول: ٣٩٩ - ٤٢٠ م.
بهرام الخامس: ٤٢٠ - ٤٣٨ م.
يزدجرد الثانى: ٤٣٨ - ٤٥٧ م.
هرمزد الثالث: ٤٥٧ - ٤٥٩ م.
فيروز: ٤٥٩ - ٤٨٤ م.
بلاش: ٤٨٤ - ٤٨٨ م.
قباذ الأول: ٤٨٨ - ٥٣١ م.
خسرو الأول: ٥٣١ - ٥٩٠ م.
هرمزد الرابع: ٥٩٠ - ٥٩٧ م.
قباذ الثانى: ٦٢٨ م.
أردشير الثالث: ٦٢٦ - ٦٣٠ م.
بعض ملوك زال عهدهم سريعًا، (انظر Justi فى Gr. d. iran، جـ ٢، ص ٥٤٥).
стр. 5358
يزدجرد الثالث: ٣٦٢ - ٦٥١ م
وليست هذه التواريخ محققة تمامًا، ويصدق هذا بصفة خاصة على العهود التى بين هرمزد الأول وشابور الثانى (انظر Gesch d. Perser und Araber: Noldeke ص ٤٠٠ وما بعدها) ويقال إن هذه الأسرة الحاكمة تنحدر من صلب رجل يدعى ساسان لا يعرف عنه من المعلومات التاريخية حقًا إلا القليل، ومن ثم فإن نسب هذه الأسرة يرد إلى تاريخ أقدم من ذلك عن طريق دارا حتى أسرة إيران الملكية التى روت خبرها الأساطير. وفى مستهل القرن الثالث الميلادى كان يحكم فى فارس ملوك دويلات فى ظل الأشكانيين، ويسمى مؤرخو العرب والفرس الحقبة التى حكمت هذه الأسر خلالها عهد ملوك الطوائف، وتشمل هذه العبارة الأشكانيين (والسلوقيين) كما تشمل ملوك تلك الدويلات. مثال ذلك أن ابن قتيبة (كتاب المعارف، ص ٣٢١) يدخل أردشير الأول نفسه فى زمرة ملوك الطوائف بوصفه أمير إصطخر.
ويروى الطبرى أن بابك أبا أردشير الذى كان أول الأمر ملك خير (شرقى شيراز) والذى قيل إن أباه ساسان كان يتولى منصبًا كهنوتيا فى إصطخر، شرع فى مد رقعة مملكته على حساب غيره من ملوك الطوائف. وحكم ابنه شابور (سابور) أمدًا وجيزًا، ثم جاء أردشير فاستأنف ما كان أبوه قد بدأه حتى هزم أرتبانوس الخامس (أردوان) الأشكانى فى قتال نشب بينهما، وقتله (٢٢٤). ولعل الملك الساسانى غزا القصبة طيسفون عام ٢٢٦. ويتردد ذكر عام ٢٢٦ على أنه العام الذى بدأ فيه حكم هذه الأسرة، على أن أصطخر ظلت المدينة المكرمة طوال عهد هذه الأسرة بوصفها موطن أجدادهم. وورث الساسانيون تركة الملوك البارثيين، وكانت هذه التركة تشمل النضال مع رومة ثم مع البوزنطيين. ومصادرنا التى نعتمد عليها كل الاعتماد فى معرفة تاريخ هؤلاء القوم مستمدة من المؤرخين اليونان والرومان، ومن ثم كانت معرفتنا بعلاقات الساسانيين بإمبراطوريات الغرب معرفة أتم وأوفى. وقد قام أردشير الأول بهجوم على ملك رومة، واستمرت هذه الحرب، فيما خلا بعض
стр. 5359
فترات ساد فيها السلام، حتى انتهى حكم هذه الأسرة أو كاد. وحاول الساسانيون الأولون مد رقعة دولتهم، ولم تجد رومة فى هذا العهد المبكر بدا من الدفاع عن ممتلكاتها الشرقية. وكانت أرمينية موضع نزاع له شأنه بين الطرفين، ذلك أنه كان يحكمها فرع من الأشكانية اتخذوا المسيحية دينًا لهم منذ عهد مبكر جدًا، ونهجوا فى سياستهم منهج الرومان، وعقدت معاهدة لتقسيم أرمينية حوالى عام ٣٨٧، ثم أصبحت المسيحية الدين الرسمى فى الدولة الرومانية الشرقية، فدخل بذلك عامل جديد فى العلاقات السياسية بينها وبين الفرس، إذ ساعدت اضطهادات بعض الملوك (مثل شابور الثانى وبهرام الخامس ويزدجرد الثانى) للكنيسة على توسيع شقة الخلاف بين الدولتين. وتناولت الكتب الحديثة فى تاريخ الرومان والبوزنطيين من كيبون Gibbon حتى سيك Seeck وبورى Bury أخبار هذه الحروب كثيرًا، ولا يتسع المقام هنا لذكر تفصيلاتها (انظر أيضا التراجم التى ظهرت حتى الآن فى Pauly Wis Realenzyklopadie der Klass. Al-tertwnswissenschaft: sowa عن الملوك من أردشير الأول إلى أردشير الثالث ومن شابور الأول إلى شابور الثالث، ويزدجرد الأول ويزدجرد الثانى)؛ وأشهر هذه الحروب هى التى كانت بين أردشير الأول ويفيروس إسكندر، وبين شابور الثانى وجوليان، وقد كلل فيها هجوم الرومان أول الأمر بالنجاح؛ ثم الحرب التى شنها قباذ الأول على أناستاسياس الأول، والحرب التى شنها خسرو الأول على يوستنيانوس، وقد انتهت هذه الحرب الأخيرة عام ٥٦٢ بمعاهدة أقامت دعائم الصلح خمسين عامًا.
ونال المسيحيون فى دولة الفرس الحرية الدينية آنئذ، ولكن سرعان ما استأنفت حكومة فارس اضطهادها للأرمن المسيحيين، وأخذ الإمبراطور يوستن الثانى بعد ذلك يضيق ذرعًا بالحدود المضروبة بين الدولتين، وطلب بعض المطالب من خسرو فنشبت بينهما الحرب مرة أخرى، وكانت هذه الحرب بداية آخر مرحلة من مراحل هذه الحروب؛ ولم يكتب الفوز لخسرو الأول
стр. 5360
فى القتال الذى نشب، كما أن النصر حالف الجيوش الرومانية أيضًا فى عهد هرمزد الرابع، وانتهز القائد الفارسى بهرام جويين الفرصة، فانتقض على هرمزد، وكان الملك قد أهانه، ذلك أن بهرام كان يطمع هو نفسه فى العرش وقتل هرمزد اثنان من أقاربه خاول هذه الفتن، على أن ابنه خسرو (١) أفلح فى الهرب إلى الأراضى البوزنطية حيث استنجد بالإمبراطور موريس، وتخلص خسرو من المغتصب بمعاونة البوزنطيين، إلا أنه لم يكن ثمة أمل فى أن يقوم صلح دائم مع بوزنطة فى عهد خسرو الثانى، ذلك أن هذا الملك أخذ على عاتقه الانتقام لمصرع الإمبراطور موريس، وكان فوكاس قد أنزله عن العرش وقتله عام ٦٠٢. وفى هذه الحرب التى كانت آخر حرب كبرى نشبت بين الفرس والبوزنطيين، فاز الفرس أول الأمر فوزًا عظيما، وغزت جيوش خسرو أورشليم بل فتحت مصر؛ وظهر رد الفعل فى عهد هرقل، ذلك أن قباذ الثانى، وكان قد قتل أباه خسرو وجرده من عرشه، اضطر إلى أن يلتمس الصلح من الإمبراطور، ومات بموت خسرو الثانى آخر ملك له شأن فى بيت الساسانيين؛ وبدأ قباذ الثانى سلسلة من الملوك لم يحكموا إلا قليلًا (ومنهم مغتصب للعرش هو شهروراز وملكتان هما بوران وأزرميدُخْت) وقد رفعهم النبلاء إلى العرش واحدًا بعد واحد، على أنهم كانوا يتوارون سريعًا، حتى اعتلى العرش عام ٦٣٢ حفيد من أحفاد خسرو الثانى هو يزدجرد الثالث، وبدا أول الأمر أن البلاد سوف يعود إليها ما فقدته من أسباب الاستقرار، بيد أن يزدجرد الثالث كان آخر الملوك الساسانيين الذين حكموا فارس.
ولم تكن الحروب مع رومة وبوزنطة هى وحدها التى هددت الدولة الفارسية، بل إن الشعوب الأقل منهما تمدينًا كالخيونيين والكيلانيين (ولم يجد شابور الثانى بدا من قتالهم) والهياطلة (وقد هزمهم بهرام الخامس) كانوا يهددون باستمرار كيان هذه
стр. 5361
الدولة. وقد لقى الملك فيروز حتفه فى قتاله غير الموفق مع الهياطلة. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، ذلك أن فارس بعد هذه الموقعة ظلت تدفع الجزية زمنًا للهياطلة؛ وحوالى منتصف القرن السادس الميلادى زال خطر الهياطلة وحل محلهم الترك. على أن هؤلاء القوم الرحل من أهل الشمال لم يكونوا هم الذين قضوا على الدولة الساسانية بل العرب، فقد استقر العرب، حتى قبل قيام البيت الساسانى، على ضفاف دجلة والفرات، وكانت كل من بوزنطة وفارس تستعين بالعرب فى الحروب التى نشبت بينهما؛ والظاهر أن شابور الأول كان أول ملك تقاتل مع العرب، وقد سجلت الأخبار أنه شن حربًا على الحضْر؛ ولا شك فى أنه كان يحكم هذه المنطقة ملك آرامى. على أن هذه الرواية امتزجت برواية أخرى تقول إن شابور الأول أنفذ حملة على قضاعة، وكانت الرواية الأولى قد هولت فيها الأساطير بالفعل. ولا أدل على اضطراب هذه الأقوال من أن ابن قتيبة (كتاب المعارف، ص ٣٢٢؛ انظر Eutychius طبعة Cheikho، جـ ١، ص ١٠٦) يقول إن الحرب مع الحضر كانت فى عهد أردشير مناقضًا بذلك الرواية الفارسية العربية المتواترة، ومع ذلك فإن من الحقائق التاريخية أن أردشير حاصر الحضر (دون جدوى؛ انظر Dio Cassius ص ٨٠، س ٣)؛ ثم يأتى الفردوسى آخر الأمر فيروى رواية مختلفة عن الحادث كله فيجعله أيام شابور الثانى (Macan, ص ١٤٣٢ إلخ)، أما أن هرمزد الثانى قد أوقع الهزيمة بالعرب فأمر مشكوك فيه كل الشك (Noldeke، المصدر نفسه، ص ٥١، التعليق ٢) وتروى المصادر الشرقية أن شابور الثانى كان عدو العرب اللدود، على أن قصة توغله حتى بلغ اليمامة وظاهر المدينة وتلقيبه بذى الأكتاف لسوء معاملته لأسراه تعد بدعة من بدع الأساطير؛ وكان ملوك الحيرة العرب، ونعنى بهم اللخميين، من أقيال الساسانيين، وكانت عداوتهم للغساسنة الذين كانوا فى خدمة الرومان عاملا له شأنه كما حدث فى حروب خسرو الأول مع بوزنطة؛ وكان لهؤلاء اللخميين أيضًا شأن فى أمور البيت الساسانى المالك قبل ذلك التاريخ. والراجح أن بهرام الخامس الذى أمسك
стр. 5362
عن مبايعته بعض النبلاء فى أول الأمر، قد تغلب على منافس له مستعينًا فى ذلك بالنعمان ملك الحيرة وغيره، بل إن خسرو الأول تدخل فى المنازعات التى نشبت فى داخل جزيرة العرب، ذلك أنه آزر حوالى عام ٥٧٠ سيف بن ذى يزن المطالب بعرش اليمن فأمده بجيش فارسى لقتال الأحباش؛ وفى رواية عربية أن ملك الحيرة هذا شد من أزر خسرو الثانى وهو يولى الأدبار أمام بهرام جوبين. على أن خسرو ما إن ثبت على عرشه حتى أمر بالقبض على الملك اللخمى وقتله؛ ولا تذكر هذه الرواية سببًا صحيحًا لهذه الفعلة الجافية ويقال إن النعمان صاحب الحيرة رفض أن ينزل لخسرو عن جواده ساعة هربه، وفى رواية أخرى أن السبب فى سقوطه يرجع إلى دسائس حاكها عدو له؛ وأخذ ملك فارس ينصّب الولاة على الحيرة، وسرعان ما تبين من الهزيمة الهينة التى أوقعها بنو بكر يوم ذى قار بجيش من جيوش خسرو كان قوامه الفرس والعرب، ما انطوى عليه القضاء على البيت الحاكم فى الحيرة من قلة التبصر والفطنة. ذلك أن هذا البيت كان يقف سدًا منيعًا فى وجه عرب الصحراء؛ ويصح لنا فى هذا المقام أن نتساءل: ألم يكن اللخميون، لو أبقى عليهم الساسانيون، أهلا لصد تيار الفتح العربى الجائح الذى أطاح بعد ذلك بدولة بنى ساسان؟ وقد شرع الخليفة أبو بكر ينفذ الجيوش إلى العراق منذ تاريخ مبكر يرجع إلى سنة ٦٣٣ م، وبدأت سلسلة من الهجمات على مملكة الفرس (وقعة السلاسل ووقعتا وَلَجة وأُلَيْس وإخضاع الحيرة إلخ) وانتهت بوقعة القادسية (لعلها استمرت حتى سنة ٦٣٦) وقضت قضاء مبرمًا على الجيوش الفارسية الشاهانية القضاء المبرم. على أن إخضاع فارس إخضاعًا تامًا إنما يرجع إلى هزيمة الفرس فى نهاوند (٦٤٢ م)؛ فقد هرب يزدجرد الثالث، ولكنه لم يستطع أن يحصل على معونة جيرانه على الرغم من كل الجهود التى بذلها؛ وقد عمل أحد النبلاء على اغتياله بالقرب من مرو عام ٦٥١ م.
وكانت دولة الساسانيين دولة إقطاعية؛ ذلك أن الأسر القوية التى كان
стр. 5363
لها نفوذ عظيم أيام الأشكانيين كأسرة سُرين وكَرين إلخ، كونت طائفة من النبلاء واسعة السلطان؛ وكان سلطان كبار الكهنة عظيما أيضًا، فقد انتعشت المزدكية بقيام البيت الساسانى، وأصبحت دين الدولة الرسمى بمعنى الكلمة على الرغم من أن اليهود والنساطرة مثلا كانوا يتركون عادة وشأنهم فى بلاد فارس، وكان الارتداد عن المزدكية يعاقب بالموت؛ وقد تجلى السلطان السياسى لكبار الكهنة عندما اعتلى بهرام الخامس العرش. . ذلك أنهم أيدوه فى مطالبته بالعرش إلى حد بعيد؛ ونحن نجد عرضًا للقانون المدنى أيام الساسانيين فى مؤلفات بارثلوماى (Uber ein Sasanidisches Rechtsbuch: Chr. Bartholomae فى S.B.A. Hei- dekberg Phil. Hist. Klasse sasanidischen Recht، ١٩١٠؛ zwn جـ ١ - ٤، فى نفس الموضع, ١٩١٨ - ١٩٢٢).
وترد الرواية الفارسية العربية عن تاريخ الساسانيين إلى مصادر فهلوية ليس لها وجود الآن، ولا شك فى أن أهمها كان مؤلفًا بعنوان إكزاتاينامك (وفى الفارسية الحديثة خداينامه).
وقد التزم هذا المؤلف المذهب الشرعى فى ولاية العرش، فاشتمل على عهد الملوك الأسطوريين كما تناول
تاريخ البيت الحاكم؛ وقد حفظ لنا مادة تاريخية كأفعال أردشير الأولى مثلا. على أن الجانب القصصى كان له شأن كبير فيه. وكثيرًا ما امتزجت الأخبار المدونة عن الملوك بالقصص الخيالية القائمة على البواعث العائلية. ولم يقتصر الأمر على الاكزاتاينامك، بل كان ثمة مصنفات تاريخية أصغر منه نذكر منها الـ "كارى أرتخشتر بابا كان" ولا يزال هذا المصنف موجودًا (ترجمة Noldeke كوتنكن ١٨٧٨؛ وقد نشر النص بضع مرات، مثال ذلك أنه نشر فى بمباى ١٨٩٦ و ١٨٩٩ و ١٩٠٠)؛ ونحن نستطيع أن ننشئ قصة تاريخية متوسطة الطول عن بهرام جويين بالاعتماد على ما جاء عنها من إشارات فى الأدب الفارسى والعربى الحديث (Noldeke المصدر نفسه، ص ٤٧٤ إلخ؛ ١ Romanen om Bahram Tschopin ١٩٠٧: A. Christensen) وقد ترجمت هذه المصنفات الفهلوية إلى العربية فى عهد متقدم، مثال ذلك أن ابن المقفع ترجم
стр. 5364
الإكزاتاببامك. وقد كان ثمة ترجمات فارسية حديثة هى الأصل فى الروايات التى وردت فى الفردوسى والثعالبى ولو أن هذه الروايات لا تطابقها مطابقة تامة. (Noldeke: المصدر نفسه، ص ١٤ وما بعدها؛ المؤلف نفسه: Das Iranische Nationalepos ص ٥ وما بعدها؛ الثعالبى؛ طبعة زوتنبرغ، ص ٢٣، وما بعدها، وص ٤٢؛ ولم أستطيع الرجوع إلى K woprosu ob arabskich perewodach zur Frage betreffs der arabischen: V.Rosen = Chudainame Ubersetzungen .des Ch [المذكور فى زوتنبرغ، المصدر نفسه، ص ٤٣، التعليق ٣]؛ أما عن علاقة الروايات التى وردت فى الثعالبى بالروايات التى ذكرها الفردوسى فانظر الثعالبى، طبعة زوتنبرغ، ص ٢٥ وما بعدها). وقد فقدت أيضًا الترجمة العربية القديمة لابن المقفع، ولكننا نجد لها صدى فى الفصول التى كتبها المؤرخون العرب من أمثال الطبرى والمسعودى والدينورى عن العهد الساسانى. ولا نعلم على وجه التحقيق إلى أى مدى استعان هؤلاء المؤرخون بمصنف ابن المقفع الحقيقى؛ ورواية تاريخ هذه الأسرة فى ابن قتيبة (كتاب المعارف) وفى يوتوخيوس Eutychius أوثق ارتباطًا من رواية المؤلفين الآخرين، وتتسم بسمة خاصة. والحق أن رواية هذين المؤرخين تتفق فى كثير من الأحيان كلمة بكلمة؛ ويرى نولدكه Noldeke أن الراجح أنهما استعانا بترجمة ابن المقفع الأصلية (Gesch. d Perser ص ١٢)؛ أما المؤرخون الآخرون فلا شك فى أنهم استعانوا بترجمات متأخرة للمصنف الأصلى (انظر الثعالبى، طبعة زوتنبرغ، ص ٤٣؛ وقد أفرد بعض مؤرخى الفرس المتأخرين فصلا عن الساسانيين مثل رشيد الدين (جامع التواريخ) وناسخه القزوينى (تاريخ كزيده)؛ وليست لهذه المصنفات على العموم قيمة مستقلة بذاتها. على أنه لا يستبعد فيما يظهر أن نجد فيها من التفاصيل ما لا نجده فى غيرها كما هى الحال فى فارس نامه لابن بلخى (Gibb Memorial Series المجموعة الجديدة، جـ ١، انظر ص ٢٣ وما بعدها).
ومعظم ما نجده فى الأدب من الحكايات والنوادر عن هؤلاء الملوك وبلاطهم مستمد من هذه الرواية شبه
стр. 5365
التاريخية؛ وهى متواترة، نراها مثلا فى الفصل الذى ضمنه المسعودى كتابة المروج. وتشمل "المرزبان نامه" وهى من الأدب القصصى الخالص، بضع حكايات عن خسرو (كسرى) الأول أنوشروان وعن وزيره بزرجمهر؛ ونذكر أيضًا من الشعراء نظامى، وقد استمد مادة شعره الروائى فى عدة مناسبات من العهد الساسانى، ولو أنه ينأى أحيانًا عن الرواية المأثورة كما فعل عندما روى فى "هفت بيكر" قصة بهرام كور (بهرام الخامس) ورميته البارعة رواية تختلف فى جوهرها عما ذكره الفردوسى والثعالبى اللذان تحدثا عنها حديثا أقل تهذيبا، ومن ثمّ نرجح أنهما نقلا حديثهما هذا عن ترجمة أقدم؛ ولا شك فى أن هذه الرواية قد تغيرت كثيرًا على مر الأيام، ولابد أيضًا أنه قد شابتها شيات عربية غريبة على كتاب الملوك القديم، علاوة على مادتها الإيرانية الأصلية.
وليس فى مقدورنا الآن أن نفرق
بين هذه المواد المختلطة تفريقًا يدنينا من الحق والواقع. أما أن الفردوسى أو الثعالبى قد أغفل حكاية أو أخرى فلا يمكن أن نعد ذلك قياسا يعول عليه. أضف إلى ذلك أن هذين المؤرخين أصبحا لا يستعينان بالأصول الفهلوية بل بالترجمات المتأخرة؛ ومن الحكايات التى لاشك فى قدمها وأصالتها حكاية رأس الأسرة وحكاية مقتل يزدجرد الأول على يد جواد به مس؛ ومعظم حكايات بهرام كور عن الصيد أو النساء، وحكاية مصرع فيروز فى حرب الهياطلة، ومعظم حكايات أنوشروان، وسلسلة الحكايات التى تتضمن سقوط هرمزد الرابع وتمرد بهرام جوبين وسقوطه، ثم تاريخ خسرو (كسرى) الثانى برويز حتى مقتله بتحريض من ابنه قباذ (شيرويه)؛ ثم إن الحوادث التاريخية الأصل التى وقعت فى العهد الساسانى قد تكون هى أيضا منشأ روايات مشابهة ترد إلى العهد الأسطورى كما يرى نولدكه مثلا فى شأن الأخبار المدونة عن الحوادث التى أعقبت موت فيروز (انظر lran Nationalwpos، الفصل ٩)؛ ونجد أيضًا أن بعض المؤرخين نسبوا حوادث هامة إلى الملوك
стр. 5366
الساسانيين، فى حين أن غيرهم أسندها إلى ملوك الأساطير، مثال ذلك أن قصة تحريم بهرام كور الخمر التى وردت فى الفردوسى (Macan، ص ١٤٩٧ وما بعدها) قد ذكرها الثعالبى (ص ١٤٩؛ وانظر ص ٢٩) على أنها حدثت فى عهد كيقباذ؛ أما القصص التى تعتمد على الموضوع الشائع المتواتر ألا وهو خروج الملك متخقيًا إلى بلاد العدو (شابور الثانى وبهرام كور) فترجع إلى الرواية القديمة، ولعل بعض الموضوعات الأخرى كانت أقرب عهدًا من الأولى، وقد نشأ هذا أحيانًا من تدخل العرب، مثل قصة حصار الحضر والقصة التى تربط بين سيف بن ذى يزن وخسرو (كسرى) الأول. ومن الجائز أيضًا أن ذلك الجزء من القصص المتعلق ببهرام كور وخسرو الثانى والذى كان لملوك الحيرة فيه شأن (اعتلاء بهرام كور العرش وهرب خسرو الثانى من وجه بهرام جوبين) لم يخلُ تمامًا من الشيات العربية التى نجدها أيضا فى أقوال الملوك المأثورة. ولا شك فى أن هذا يصدق على ما نقله الثعالبى من قول الملك نَرْسَىْ (ص ٥١٠: "وكان لا يرقب إلى بيوت النيران فإذا قيل له فى ذلك، قال: قد شغلنى خدمة اللَّه عن خدمة النار").
والملوك الذين أسهبت الأخبار فى الحديث عنهم هم على الجملة، أعظم الملوك شأنًا من الوجهة التاريخية: أردشير الأول وشابور الأول وشابور الثانى. على أن بهرام الخامس ليس فى الواقع من الملوك العظام. وكان كتاب الملوك القديم إذا لم يجد شيئًا يسجله عن ملك من الملوك اقتصر على ذكر الخطب التى يروى أن هذا الملك ألقاها عند اعتلائه العرش إلخ. .؛ وكانت خطب الملوك وأقوالهم المأثورة تعد نماذج للأسلوب الرفيع (Gesch d.Perser: Noldeke، ص ١٨؛ الثعالبى، طبعة زوتنبرغ، ص ١٥) ونحن نجد فى الثعالبى أن أردشير الأول نفسه كانت عنده موهبة الخطابة؛ ويبدو أن البلاغة العربية قد فعلت فعلها هنا؛ فإن خطبة العرش التى خطبها هرمزد الرابع والتى ذكرها الدينورى (كتاب الأخبار الطوال، ص ٧٧ وما بعدها) توحى بأنها استمدت من أصل عربى لا فارسى (انظر أيضا Gesch d. Perser: Noldeke، ٣٢٦ وما بعدها).
стр. 5367
المصادر:
(١) الطبرى، طبعة دى غوى de Goeje، جـ ٢ ص ٨١٣ وما بعدها.
(٢) الدينورى: كتاب الأخبار الطوال، طبعة Guirgass-Kratsch kowsky، ص ٤٤ وما بعدها.
(٣) الثعالبى: Histoire des rois des Perses، طبعة وترجمة زوتنبرغ Zo- tenberg، باريس ١٩٠٠، ص ٤٧٣ وما بعدها.
(٤) المسعودى: مروج الذهب، طبعة باريس، جـ ٢، ص ١٥١ وما بعدها.
(٥) حمزة الإصفهانى: تاريخ، طبعة Gottwaldt، ص ١٤ وما بعدها، و ٢٧ وما بعدها و ٤٤ وما بعدها.
(٦) ابن قتيبة: كتاب المعارف، طبعة Wustenfeld، ص ٣٢١ وما بعدها.
(٧) Annales: Eutychius، طبعة شيخو Cheikho، جـ ١، ص ١٠ وما بعدها (مع تاريخ الدولة الرومانية والبوزنطية).
(٨) اليعقوبى: تاريخ طبعة Houtsma؛ الفهرست.
المصنفات الحديثة (فيما خلا المصنفات التى كتبت عن تاريخ الدولة الرومانية والبوزنطية):
(٩) History of Persia: J. Malcolm، (١٨٢٩)، جـ ١ ص ٦٩ وما بعدها.
(١٠) Opyt istorii dinastii Sasanidow po Swedenijam soob armjanskimi pisateljami scaeenym: K.Patkanean ١٨٦٣، (مقدمة لتاريخ الأسرة الساسانية من مدونات نقلها المؤرخون الأرمن).
(١١) The Seventh Great Oriental Monarchy ١٨٧٦: G. Rawlinson.
(١٢) Eranische Altertumskunde ١٨٧٨: F.Spiegel, جـ ٣، ص ٢٣١ وما بعدها.
(١٣) Geschichte der Perser und Araber zur Zeit der Sasaniden: Th. Nolseke، ليدن ١٨٧٩.
(١٤) Geschichte des alten Persiens: F.Justi، برلين ١٨٧٩، ص ١٧٧ وما بعدها.
стр. 5368
(١٥) المؤلف نفسه: فى Grundriss der iran Philologie (١٨٩٦ - ١٩٠٤)، جـ ٢، ص ٥١٢ وما بعدها.
(١٦) Aufsdtze zur per-si schen Geschichte: Th. Noldeke، ليبسك ١٨٨٧، ص ٨٦ وما بعدها.
(١٧) Coup d'oeil sur `histoire de la Perse: J. Darmesteter، باريس ١٨٨٥, ص ٢٧ وما بعدها.
(١٨) A History of Persia: P. M. Sykes، ليدن ١٩١٥، جـ ١، ص ٤٢٢ وما بعدها.
(١٩) Geschichte Irans: A.V. Gutschmidt، توينكن ١٨٨٨. ص ١٥٦ وما بعدها.
(٢٠) Die Dynastie der Lahmiden in al-Hira: G. Rothstein، برلين ١٨٩٩، فى مواضع مختلفة.
(٢١) Armjanskie Arsakidy w. "Istori Armeni" Moiseja: G.Chorenskago Chalateanc - موسكو ١٩٠٣ (الأشكانيون الأرمن فى " Armenian History" لمؤلفه Moses Chorene)، وخاصة ص ٣٦٦ وما بعدها.
(٢٢) Sasanudskiye et'udi: K. nistrancev سانت بطرسبرغ ١٩٠٩.
(٢٣) Erklarung der Munzen mit Pehlevi-Legenden: A.D. Mordtmann فى Z.D.M.G.، ١٨٥٤ جـ ٨، ص ١ وما بعدها (أعيد طبعها فى ١٩١٨).
(٢٤) Early Sassanian Inscriptions, Seals and Coins: E. Thomos لندن ١٨٦٨.
(٢٥) المؤلف نفسه: Numismatic and other Antiquarian Illustrations of the Sa sanuans in persia، لندن ١٨٧٣.
(٢٦) Sasanian Coins: F.D. Paruck، بمباى ١٩٢٥.
(٢٧) Sasanian Inscriptions explained by the Pahlavi of the Parsis: E.W. West فى J.R.A.S، المجموعة الجديدة، جـ ٤، ص ٣٥٧ - ٤٠٧.
(٢٨) Le Christianisme dans I'Empire Perse sous la dynastie Sassanide: J. Labourt باريس ١٩٠٤.
(٢٩) L'Empire des Sassanides L'etat, la cour (١٩٠٧, Det Kgl: A. Christensen .
стр. 5369
Danske Vidensk Selskabs Skrifter, ٧ R, Hist og Filos. Afd i).
(٣٠) Paikuli Monument and Inscription of the Early History of the Sasanian Empire: E. Herzfeld برلين ١٩٢٤.
صبحى [بوخنر V. F. Buchner]
سالم بن محمد
ابن محمد بن عز الدين أبو النجا السنهورى المصرى: فقيه مالكى ومحدث ولد فى سنهور، ووفد إلى القاهرة وهو فى الحادية والعشرين من عمره، ووصل إلى منصب مفتى المالكية، وتوفى فى الثالث من جمادى الآخرة عام ١٠١٥ (٧ أكتوبر سنة ١٦٠٦). ولم يبق من مؤلفاته الكثيرة سوى حاشية على مختصر الخليل (انظر E. Catalogue general des Mss. des: Fagnan bibl. pub. de France قسم ٨، الجزائر، رقم ١١٦٢ - ٤) وقد قل استعمال هذه الحاشية حتى فى عهد المحبى.
المصادر:
(١) المحبى خلاصة الأثر، جـ ٢، ص ٢٠٤.
(٢) حاجى خليفة: كشف الظنون، طبعة فلوكل جـ ٧، ص ٨٧٦.
(٣) أحمد بابا: نيل الابتهاج. فاس عام ١٣١٧، ص ١٥٧، على هامش ابن فرهون: الديباج المذهب، القاهرة ١٣٢٩, ص ١٢٦.
(٤) ابن شنب: Etude sur les per sonnages mentionnes dans l'Idjza du Cheikh Abd al-Qadir Al-Fasy Actes du IV Congr. intern des Or. Alger,) سنة ١٩٠٥، باريس سنة ١٩٠٨، القسم الثالث وما بعده) ص ٤٨٧, فقرة ٣٠٤.
الشنتناوى [بروكلمان Brockelmann]
السالمية
فرقة من المتكلمين السنيين ذوى النزعات الصوفية، وقد تكونت فى البصرة فى القرنين الثالث والرابع للهجرة بين المالكية من أهل السنة.
وقد أسسها سهل التسترى المتوفى سنة ٢٨٣ هـ (٨٩٦ م)، وهى تسمى باسم أكبر تلاميذه، وهو أبو عبد اللَّه محمد بن سالم (المتوفى سنة ٢٩٧ هـ =
стр. 5370
٩٠٩ م)، وباسم ابنه أبى الحسن أحمد ابن سالم (المتوفى سنة ٣٥٠ هـ = ٩٦٠ م)، وهما اللذان خلفا مؤسس الفرقة فى رياستها. وأبو الحسن أحمد ابن سالم الذى كان صديقًا لابن مجاهد المفسر، معروفٌ لنا جيدًا مما قاله فى بيان فضله وشأنه تلميذُه وخليفته أبو طالب المكى (المتوفى سنة ٣٨٠ هـ = ٩٩٠ م) فى كتابه "قوت القلوب" ومن نقد خصمه أبى نصر السراج (١) المتوفى سنة ٣٧٧ هـ (٩٨٧ م) له فى كتابه "اللُّمع" (نشره نيكلسون).
أما الأصول الكبرى للسالمية فقد وصلت إلينا على يد خصومهم من الحنابلة، وخصوصًا أبا يعلى بن الفراء (المتوفى سنة ٤٥٨ هـ = ١٠٦٦ م) وهو يذكر من هذه الأصول ستة عشر أصلًا ذُكر منها عشرة أصول فى كتاب الغنية المنسوب إلى الجيلانى (٢).
(أ) اللَّه لم يزل خالقًا، وفعله القديم (تفعيله) يجعله موجودًا فى كل مكان، وخصوصًا على لسان كل قارئ للقرآن (٣).
(ب) للَّه مشيئة غير حادثة وإراداتٌ حادثة بها تقع معاصى المخلوقات من غير أن يريد منهم المعصية (٤)؛ ومن قولهم إن إبليس أطاع اللَّه آخر الأمر (٥)؛
стр. 5371
واللَّه يُرى فى يوم القيامة. . .، وهو يتجلى يوم القيامة لسائر الخلق (١).
(جـ) العمل بالشرع يتم بمجهود إرادى (وهذا هو الاكتساب فى مقابل الروح السلبية عند الكرّامية) (٢)؛ والصبر عن اللذات أفضل من التمتع بها، والأنبياء أفضل من الأولياء، والحكمة هى الإيمان (٣).
(د) الاتحاد، كما يقول به الصوفية، هو شعور المؤمن بذاته، "بالأناء" الإلهى، بقدر ما فاض عليه من ذلك فى الأزل (سر الربوبية) (٤).
وقد قام نقاد الحنابلة، من عهد ابن الفراء إلى عهد ابن الجوزى وابن تيمية بتفنيد ما فى هذه الآراء من سمات الاعتزال ومن نزعات إلى القول بالوحدة تفنيد عن بصيرة، وهذا ما نقده من أول الأمر كل من الحلاج والأشعرى وابن خفيف، على تفاوت فيما بينهم.
ولكن لما كان السالمية، ومعهم الكرامية هم وحدهم من علماء أهل
стр. 5372
السنة الذين يقولون ببقاء الروح بشخصها (فيما بين الموت والبعث) (١) فإن غالبية الصوفية السنيين آثرت الانضمام لهم منذ أيام أبى بكر الواسطى. والغزالى، فى الشطر الثانى من حياته، كتب كتابه "الإحياء" على نمط كتاب لأحد السالمية، هو كتاب "قوت القلوب" لأبى طالب المكى. ثم إن طائفة من صوفية الأندلس الذين ظهروا فى القرن السادس الهجرى، وكان على مذهبهم مسحة من مذهب الإسماعيلية، من ابن برجان (المتوفى سنة ٥٣٦ هـ = ١١٤١ م) وابن قسى إلى ابن عربى قد أخذوا كثيرًا من عباراتهم فى الاتحاد من السالمية، كما يقول ابن تيمية. وقد بقيت آراء أخرى من آراء السالمية ضمن تراث الطريقة الشاذلية.
المصادر:
(١) قوت القلوب لأبى طالب محمد المكى. القاهرة ١٣١٠ هـ، جزءان؛ ويظهر أن هذا الكتاب قد طهر من الشوائب قديما.
(٢) المعتمد فى أصول الدين لابن الفراء، مخطوط دمشق، المكتبة الظاهرية، توحيد، رقم ٤٥.
(٣) الغنية لطالبى طريق الحق لعبد القادر الجيلانى، القاهرة ١٢٨٨ هـ، جـ ١، ص ٨٣ - ٨٤.
(٤) أحسن التقاسيم للمقدسى، المكتبة الجغرافية العربية، مجلد ٣، ص ١٢٦.
(٥) تبصرة العوام لابن الداعى، طبع على الحجر طهران، ١٣١٣ هـ، ص ٣٩١.
(٦) Goldziher فى مجلة ZDMG، مجلد ٦١ (١٩٠٧)، ص ٧٣ - ٨٠.
(٧) Amedroz فى مجلة J.R.A.S. (١٩١٢) ص ٥٧٢ - ٥٧٥.
(٨) Essai sur les origines - de la mystique musulmane: Massignon (١٩٢٢) ص ٢٦٤ - ٢٧٠.
(٩) المؤلف نفسه: Passion d' al Halladj الفهرس، تحت هذه المادة.
أبو ريدة [ماسينيون L. Massignon]
стр. 5373
سام
" سام" Sham: وقد جرى القول أولا بأنه أكبر أولاد نوح. وذكر الثعلبى صراحة فى كتابه "قصص الأنبياء" أن سام ابن نوح البكر؛ وثمة رواية مفردة أوردها الطبرى (طبعة ده غوى de Coeje، جـ ١ ص ١٩٦) رتب فيها أولاد نوح على الوجه الآتى: يافث وحام وسام، ويتفق ذلك ورواية عبرية فى التلمود البابلى، (سنهدرين، الورقة ٦٩ ب، ومع ذلك انظر رواية الطبرى فى أهل التوراة، المصدر المذكور، ص ٢٢٣) وكان سام ابن نوح لحبيب، ذلك أنه لم يشارك يافث بركة أبيه فحسب (سفر التكوين، الإصحاح التاسع، الآية ٢٧) بل إن نوحا لما حضرته الوفاة نصب ساما خليفة له وعهد إليه بمهام خاصة. وهذا الإيثار الذى خص به ساما انتقل إلى سلالته، فكانوا على حظ من الجمال كما أن النبوة كانت طبيعة فيهم. وقد انحدرت زوج سام، صَليب (أو صُليب)، شأنها فى ذلك شأن أزواج أبناء نوح الأخريات، من صلب قابيل بن آدم، وولدت له أربعة أبناء، أسماؤهم هى الأسماء التى وردت فى سفر التكوين، الاصحاح العاشر، الآية ٢٢؛ أما آرام الابن الخامس لسام فليس من المحقق أن أمه هى أم إخوته الأربعة الأولين؛ وقد جرى القول بأن العرب من نسل سام، وكثيرًا ما يضاف إليهم الفرس والرومان، بل واليهود أحيانًا. وقسم نوح الأرض بين أبنائه فاختص سام بالوسط، أى المنطقة التى بين أنهر النيل والفرات ودجلة وجيحون؛ وعاش سام نفسه فى مكة.
المصادر:
(١) الطبرى: طبعة ده غوى، الفهرست.
(٢) الدمشقى: Cosmographie، طبعة Mehren الفهرست.
(٣) الثعلبى: قصص الأنبياء، القاهرة ١٣٢٤، ص ٣٨.
(٤) الكسائى: قصص الأنبياء، طبعة Eisenberg، جـ ١، ص ٨ - ١٠٢.
صبحى [جويل B. Joel]
стр. 5374
السامانية
أسرة فارسية انحدرت من صلب رجل يدعى سامانخُداه (١). وسلسلة نسب هذه الأسرة حتى إسماعيل أول أمرائها المستقلين، هى كما يلى:
سامانخدات
أسد
نوح. . . أحمد. . . يحيى. . . إلياس
نصر. . . يعقوب. . . يحيى. . . أسد. . . إسحق. . . حُمَيد. . . محمد
وكان سامانخداه الذى وصل نسبه ببهرام جوبين المشهور، أى بأسرة نبيلة فى الرى (ابن الأثير، طبعة تورنبرغ، جـ ٧، ص ١٠٢) أمير قرية سامان من أعمال بلخ كما يدل على ذلك اسمه (انظر حمزة الإصفهانى، طبعة GottWaldt، ص ٢٣٧؛ Barbier de Meynard Dict. geogr. de la perse ص ٢٩٧) واضطر سامانخداه إلى الفرار من بلخ، والتجأ إلى أسد بن عبد اللَّه القسرى والى خراسان وأعانه أسد على أعدائه، فدخل سامانخداه فى الدين الإسلامى، وسمى ابنه باسم مجيره أسد (النرشخى فى Descr. de Boukhara: Schefer، ص ٥٧ وما بعدها). ومن الواضح أن الروايات الأخرى التى
стр. 5375
رواها تاريخ كزيده (Schefer: كتابه المذكور، ص ٩٩ وما بعدها) فى سامانخداه هى روايات أسطورية. أما القصة التى تقول إن أطماعه استثيرت عقب إنشاد بيت من الشعر، فإنما هى قد نسبت إليه من بعد فى مناسبة أخرى (سلسلة كب التذكارية، جـ ١١، ص ٢٦، ١٢٣ وما بعدها) ويروى كتاب تاريخ كزيده أيضا أن سامانخداه استولى على أشذاس. وقد أعقب سامانخداه أربعة أبناء، كان لهم فيما يظهر شأن فى تاريخ الخلافة الشرقية، ولا نستثنى من ذلك خلافة الرشيد نفسه. ويقال إن المأمون، قبل أن يلى الخلافة، أمر أبناء أسد أن يشدوا من أزر القائد هرثمة فى قتال الثائر رافع ابن الليث. واستطاع السامانيون أن يوفقوا بين هرثمة ورافع (النرشخى، ص ٧٤) ومهما يكن من شئ فإن المأمون عندما خلف أباه على كرسى الخلافة أمر غسان بن عباد الذى ولاه على خراسان أن يستخدم أبناء أسد فى مناصب الدولة (النرشخى، ص ٧٥؛ انظر ابن الأثير، جـ ٢٧، ص ١٩٢؛ حمزة، الأصفهانى، ص ٢٣٧). ففى عام ٢٠٤ هـ (٨١٩ م) ولى غسان نوح بن أسد على سمرقند، وأحمد على فرغانة، ويحيى على الشاش وأشر وسَنَة، وإلياس على هراة. وعندما ولى طاهر ابن الحسين على خرسان بعد ذلك، أقر هذا التعيين، وهكذا كان السامانيون بمثابة ولاة مساعدين للطاهرية. وثمة مصدر أقدم من ذلك هو حمزة الأصفهانى؛ وإنما يذكر حمزة فى إيجاز أن نوحا لبث عدة سنوات فى بلاط المأمون، ثم أقامه المأمون واليا على ما وراء النهر من قبل الطاهرية (٢٣٧ هـ). وكان إلياس أول من توفى من هؤلاء الإخوة، فقد جاءته المنية فى عهد عبد اللَّه ابن طاهر وسمح عبد اللَّه لمحمد بن إلياس بأن يخلف أباه على هراة (انظر ابن الأثير، جـ ٧ ص ١٩٣).
على أن هذا الفرع من الاسرة أقل شأنا من فرع أحمد الذى انحدرت منه
стр. 5376
الأسرة السامانية. ذلك أن نوحا توفى من غير أن يعقب ولدا يخلفه على العرش، وكان فيما يظهر خادما أمينا للطاهرية، فأقام طاهر بن عبد اللَّه مكانه على ولاية ما وراء النهر الأخوين يحيى وأحمد. وكان نوح هذا قد استجاب لتحريض الخليفة المعتصم فعاون عبد اللَّه ابن طاهر على أن يكيد كيدا مشينا للحسن بن الأفشين ولد قائد الترك المشهور الذى كان قد فقد حظوته عند الخليفة (الطبرى، جـ ٣، ص ١٣٠٧ وما بعدها). وكان أحمد موضع المدح والثناء فى المصادر المتأخرة لإنكاره لذاته وما اتصف به من خلال أخرى حميدة (ابن الأثير، جـ ٧ ص ١٩٢) وقد نحت هذه المصادر فى ذلك منحى المؤرخين من أهل المشرق عندما يتحدثون عن مؤسس بيت من البيوت الحاكمة. وخلف أحمد على ولاية ما وراء النهر نصر أكبر أولاده السبعة؛ وعدنا لا نسمع شيئا عن يحيى، ولعله توفى قبل أحمد. ولم يذكر حمزة الأصفهانى شيئا عن أحمد سوى أنه خلف نوحا. ويمكن أن نقول إن نصرا أصبح أميرا مستقلا بأمر بنفسه منذ عام ٢٦١ هـ (٨٧٤ - ٨٧٥ م)؛ فقد أقطعه الخليفة نفسه ما وراء النهر فى هذا العام (الطبرى، جـ ٣، ص ١٨٨٩, وانظر ابن الأثير، جـ ٧) على أن نجم الطاهرية كان آخذا فى الأفول، وأخذ الخطر يتهددهم من جانب الصفّارية. وكما أننا نتبين من رواية ابن الأثير أنه أصبح فى الواقع بعد تلك المنحة التى تلقاها من الخليفة عام ٢٦١ هـ حاكما مستقلا استقلالا ذاتيًا ولا يتبع إلا الحكومة العباسية، فكذلك نجد حمزة فيما يظهر (ص ٢٣٧) يعد إسماعيل أول أمير بمعنى الكلمة (فكانت ولاية من تقدم إسماعيل. . . من قبل الطاهرية). وفى سنة ٢٦١ هـ نفسها أقام نصر أخاه إسماعيل واليًا على بخارى، وكانت الفوضى متفشية فى هذا الإقليم. وقد أنفذ نصر جيشًا لقتال يعقوب بن الليث الصفارى، فقتل الجيش قائده واتجه
стр. 5377
إلى بخارى حيث أخذ الجند بعد أن انسحب من وجههم أحمد بن عمر نائب نصر - يقيمون الولاة ويعزلونهم كما يشاؤون (انظر ابن الأثير). ويتحدث النرشخى (ص ٧٦) عن غزوة للخوارزمية (ربيع الثانى عام ٢٦٠ = ٨٧٤ م) أنزلوا بها الدمار والخراب ببخارى. على أن حسين بن طاهر الطائى قائد الخوارزمية سرعان ما اضطر إلى الفرار، ومع ذلك ظل الاضطراب والفتن على ما كانت عليه من قبل. وعند ذلك التمس الفقيه أبو عبد اللَّه بن أبى حفص من نصر أن يرسل واليًا يعيد النظام إلى نصابه. فما وافى يوم الجمعة الموافق غرة رمضان عام ٢٦٠ (٢٦ يونية ٨٧٤) حتى كان الخليفة قد بعث بإسماعيل كما يقول نرشخى، وذكر نصر فى الخطبة بدل يعقوب بن الليث. وسرعان ما خضد السامانية شوكة حسين بن محمد الخارجى متوسلين بالغدر والخيانة، وكان إسماعيل قد التقى بحسين فى بخارى. وطهر إسماعيل بخارى من اللصوص، وهزم حسين بن طاهر الخوارزمى وأجبر أشراف بخارى المشاغبين على الطاعة. ولم يكتف إسماعيل بذلك بل أخذ يوطد مركزه بالتحالف مع رافع بن هرثمة صاحب خراسان، ونزل له رافع عن حكم خراسان (ابن الأثير جـ ٧، ص ١٩٣) ولابد أن ذلك حدث قبيل نشوب الحرب بين إسماعيل ونصر (٢٧٢ هـ = ٨٨٥ - ٨٨٦ م) لأن الخليفة المعتمد لم يعين محمد بن طاهر واليا على خراسان مكان عمر وابن الليث إلا عام ٢٧١ هـ، وعند ذاك أناب محمد عنه رافع بن هرثمة فى حكم هذه البلاد (ابن الأثير، جـ ٧، ص ٢٩٠) وكان سلطان السامانية قد توطد آنئذ، فلم تؤثر أحداث خراسان فى سلطانهم على الإطلاق. وكانت معاهدة إسماعيل مع رافع بن هرثمة تحالفا على نصر. ولم يثبت رافع فى
стр. 5378
الحرب الأولى التى نشبت عام ٢٧٢ هـ أنه حليف يعتد به وروى نرشخى أن السبب فى هذه الحرب أن إسماعيل تباطأ فى أداء الجزية. أما ابن الأثير فيعزوها إلى الدسائس والمؤامرات بوجه عام. والظاهر أن حمويه بن على أحد قواد إسماعيل قد حثه على التقريب بين نصر وإسماعيل بدلا من أن يشنها حربا شعواء (ابن الأثير، جـ ٧، ص ١٩٤) وسرعان ما عقد الصلح بين الأخوين. وتجددت الحرب عام ٢٧٥ هـ (٧٨٨ م) وانتهت فى صالح إسماعيل، إذ قبض على نصر، ولكنه اصطنع اللين والحكمة فأرجعه إلى سمرقند معززا مكرما. وظل نصر يحكم سمرقند إلى أن وافته المنية عام ٢٧٩ هـ = ٨٩٢ م (الطبرى جـ ٣، ص ٢١٣٣) فى حين ظل إسماعيل نائبا عن أخيه فى بخارى إلى أن خلفه على العرش. ويعتبر إسماعيل أول أمير بمعنى الكلمة من هذا البيت.
وفيما يلى ثبت بأمراء هذه الأسرة:
إسماعيل بن أحمد ٢٧٩ - ٢٩٥ هـ = ٨٩٢ - ٩٠٧ م
أحمد بن إسماعيل ٢٩٥ - ٣٠١ هـ = ٩٠٧ - ٩١٣ م
نصر بن أحمد ٣٠١ - ٣٣١ هـ = ٩١٣ - ٩٤٣ م
نوح الأول بن نصر ٣٣١ - ٣٤٣ هـ = ٩٤٣ - ٩٥٤ م
عبد الملك الأول بن نوح ٣٤٣ - ٣٥٠ هـ = ٩٥٤ - ٩٦١ م
منصور الأول بن نوح ٣٥٠ - ٣٦٥ هـ = ٩٦١ - ٩٧٦ م
نوح الثانى بن منصور ٣٦٥ - ٣٨٧ هـ = ٩٧٦ - ٩٩٧ م
منصور الثانى بن نوح ٣٨٧ - ٣٨٩ هـ = ٩٩٧ - ٩٩٩ م
عبد الملك الثانى بن نوح ٣٨٩ هـ = ٩٩٩ م
وعندما توفى إسماعيل كان قد زاد كثيرا من رقعة دولته علاوة على ما وراء النهر وخراسان اللتين آلتا إليه بعد القضاء على عمر الصفارى. وكان إسماعيل على ما نعلم من أقدر حكام أسرته، جم النشاط يمضى إلى غايته بلا وازع من خلق أو ضمير. على أن ولاءه للعباسيين كان أمرا مذكورا (النرشخى، ص ٩٠) والحق أن السامانيين كانوا دائما يجاهرون، ولو فى الظاهر، بهذا الولاء إذا كان ما ذكره العتبى، من أن أمراء هذه الأسرة هم دون سواهم الذين لقبوا بلقب "ولى أمير المؤمنين" (Description: Schefer ص ١٦٠). وذكر ابن الأثير روايات عن
стр. 5379
إسماعيل تدل على ورعه وحبه للخير (ابن الأثير، جـ ٧، ص ١٩٤ وما بعدها؛ جـ ٨، ص ٤ وما بعدها) وقد بدأ فى عهد أحمد ثانى أمراء هذه الأسرة، أمر كان له أثر كبير فى سقوط هذه الأسرة، ألا وهو حب أشرافها للشغب وانطواء نفوسهم على الطموح. ولا أدل على ذلك من أن أحمد نفسه قد اضطر عند اعتلائه العرش إلى أن يسجن عمه إسحاق؛ وكذلك فر شريف آخر يدعى بارس الكبير إلى بغداد وكان يكنز أموالا وافرة. ويظهر أن الأمير الجديد كان من ناحية أخرى ماضى العزم قوى الشكيمة. ويذكر ابن الأثير أنه كان سليم الحكم بصيرا بالرجال وهى صفات لا غنى عنها لملك من الملوك. ويؤكد النرشخى عدالته، ولا نجد نقدا له إلا فى مصنف من المصنفات المتأخرة (Description: Schefer ص ٩٨). وفى عام ٢٩٨ هـ (٩١٠ - ٩١١ م) فتح الحسين بن على قائد أحمد؛ بلاد سيستان (سجستان)، وكان من بين قواد هذه الحملة سيمجور الدواتى جد الأسرة القوية التى حكمت خراسان فى ظل السامانيين. وكانت سيستان فى ذلك الوقت فى يد المعدل بن على بن الليث الصفارى؛ وقد حلت الهزيمة بعلى وحمل هو وغلام سابق لعمرو بن الليث الذى أسر فى فارس. غير أن فتح هذه البلاد لم يدم، إذ شبت فيها فتنة عام ٣٠٠ هـ (٩١٢ - ٩١٣ م) بتحريض محمد بن هرمز الخارجى الذى كان يعمل لصالح عمرو بن يعقوب بن محمود عمر بن الليث الصفارى الذى كان يطالب بالعرش. وأعاد الحسين بن على فتح سيستان للسامانيين، على أن اضطرابات أخرى شبت فيها بعد وفاة أحمد. وفى عام ٣٠١ هـ (٩١٢ - ٩١٤ م) طرد علوى من العلويين والى طبرستان. وبعد وصول هذه الأخبار بفترة قصيرة قتل أحمد بيد واحد من غلمانه (ابن الأثير، جـ ٨، ص ٤٦، ٥٢، ٥٨).
ويمكن أن نرى فى هذا كله أصابع هؤلاء الأشراف الذين كانوا قد برموا بقوة شكيمة الأمير لسبب من الأسباب. ومما لا يخلو من مغزى أيضا الكلمات التى نسبت إلى نصر ولد أحمد (ابن الأثير، جـ، ص ٥٨)، وقد ذكرت بعض
стр. 5380
المصنفات المتأخرة أن أحمد قد أظهر عطفا كبيرا على أهل العلم مما سبب غيرة الغلمان، على أن الراجح أن هذا القول ليس له نصيب من الحقيقة (Description: Schefer ص ٩٢، ١٠١).
ويجد القارئ تواريخ الحكام الذين جاءوا بعد ذلك مفصلة فى المواد الخاصة بهم فى هذه الدائرة (عبد الملك، منصور، نصر، نوح) وإليك كلمة عامة عن هذه الأسرة التى اتخذت بخارى قصبة لها منذ عهد إسماعيل، وقد شملت دولة السامانيين فى أوج عزها، وكانت نواتها ولاية وراء النهر غير المستقلة: سيستان وكرمان وجرجان، والرى وطبرستان علاوة على ما وراء النهر وخراسان. وعهد نصر بن أحمد الذى كان يرعى الرودكى هو العهد الذى بلغت فيه هذه الأسرة غاية مجدها (٣٠٤ - ٣٣١ هـ) ولا يرجع هذا إلى شخصية نصر المهيبة (وكان من هذه الناحية دون إسماعيل بكثير) بقدر ما يرجع إلى أن الاضمحلال كان قد أخذ يدب فى أوصال هذه الدولة بعد مماته. واستفحلت الأسباب نفسها التى قوضت دعائم الأسرة الايرانية القديمة ونعنى بها إخلاد الأعيان إلى الشغب (ونقصد بهم الأرستقراطية العسكرية) وظهور خطر القبائل التركية، فى حين خلا العرش من الرجال الأقوياء أمثال إسماعيل وأحمد. وأدت هذه الأسباب آخر الأمر إلى وقوع الواقعة. ذلك أنه ما إن توفى أحمد حتى تنازع العرش عمه إسحاق وابنه نصر. وكان على نوح الأول أن يحافظ على عرشه من قريبه إبراهيم بن أحمد. ويرجع ظهور ألب تكين إلى عهد آخر من ذكرنا من أمراء السامانيين، وقد استولى ألب تكين هذا على غزنة عندما صرفه منصور الأول عن ولاية خراسان، وأقام مكانه أبا الحسين سيمجور، فأصبح ألب تكين رأس الأسرة الغزنوية. وقد شن السامانيون الحرب على البويهيين، ولكنهم لم يصيبوا فيها نجاحا يذكر، وانتهت فى عهد منصور الأول. على أنه لم يكن لها أثر كبير فى ازدياد نفوذ هذه الأسرة فى داخل البلاد أو فى خارجها. ولم تتحسن الأمور فى عهد نوح الثانى، فقد حاول عبثا أن يخضع خلف بن أحمد والى سيستان (سجستان) الثائر. وكان من
стр. 5381
أمر أبى الحسين سيمجور الذى أعفى من ولاية خراسان وأنفذ لقتال خلف أن انضم إلى هذا الأمير، وكان ذلك بداية سلسلة من الاضطرابات لم ينته أجلها بوفاة أبى الحسين، فقد كان والده أبو على سيمجور من الخونة، ذلك أنه حرض آخر الأمر بغراخان الأمير التركى، على الدولة السامانية. وتقدم الترك مرة أخرى، وكان إسماعيل قد هزمهم بل نقل الحرب إلى أرضهم (الطبرى، جـ ٣، ص ١٢٣٨، ٢٢٤٩). وحلت الهزيمة بجيوش نوح، إذ خانها أحد قواده، واضطر نوح إلى الفرار. ولم يتمكن الأمير السامانى من العودة مرة أخرى إلى قصبته إلا بعد مدة قصيرة، وإنما تيسر له ذلك بعد وفاة القائد التركى المبكرة. وتحالف القائد فائق مع أبى على سيمجور بقصد إقصاء نوح عن العرش. ويقال إن هذا القائد تعمد أن يهزمه الترك. ولجأ الأمير الذى كان لا يثق بالأشراف إلى الغزنويين يطلب عونهم فوافقوا على مد يد العون إليه. واضطر خصما نوح إلى الاحتماء بفخر الدولة البويهى. وولى نوح على خراسان سبكتكين الغزنوى. وحصل سبكتكين هو وابنه محمود بالإضافة إلى ذلك على لقبى ناصر الدين وسيف الدولة (٣٤٨ هـ = ٩٩٧ م).
وظلت الحرب مشتعلة مع الثوار إلى أن توفى أبو على، وفر فائق إلى نصر ابن على إلك خان الوالى التركى. على أن الحرب مع الترك لم تقم بهذه المناسبة، فقد اتفق على أن يتولى فائق حكم سمرقند. وكان عهد منصور الثانى القصير الأمد كعهد سلفه. ذلك أن إلك خان قام بالاتفاق مع نفر من أهل الطبقة الأرستقراطية العسكرية بفتح بخارى، وطرد منصورا، غير أن منصورا تمكن بفضل مساعدة فائق من العودة سريعا. وشب نزاع بين أبى القاسم سيمجور وبكتوزون حول ولاية خراسان. وتدخل محمود الغزنوى أيضا فى هذا النزاع، بيد أن فتح خراسان النهائى على يد الغزنويين لم يكن قد بدأ، وعزل فائق وبكتوزون منصورا وسملا عينيه، ونصبا أخاه عبد الملك على العرش. وعند ذلك تدخل محمود، وطرد عبد الملك من خراسان
стр. 5382
وفتحها. ويمكن الرجوع فيما يختص بهذه الأحداث واحتلال ما وراء النهر فى السنة نفسها، أى ٣٨٩ هـ (٩٩٩ م) على يد إلك خان عندما أخذ عبد الملك أسيرا، إلى مادة عبد الملك بن صالح. وإلى هنا انتهى أجل هذه الأسرة. أما عن مصير أحد أفرادها وهو إسماعيل بن نوح المنتصر فقد قتله الترك. وهناك مظهر آخر من مظاهر حكم السامانيين أهم من تاريخهم السياسى الذى يشبه كل الشبه تاريخ الأسر الشرقية الأخرى، ولا يمكن فى هذا المقام إلا أن نشير بإيجاز إلى هذا المظهر. فالعلم لم يزدهر فى ظل هذه الأسرة فحسب (وينصرف الذهن، فى هذا المقام إلى البلعمى مثلا الذى ترجم تاريخ الطبرى) بل إن الأدب الفارسى الحديث قد أخذ فى النهوض منذ ذلك العهد. وحسبنا أن نذكر اسما مثل رودكى، وبدأ الفردوسى أيضًا يكتب آثاره فى العهد السامانى. ومن الطريف أن نذكر أن منصورا الثانى أحد أمراء هذه الأسرة قد خلف بعض الأشعار (انظر عونى: اللباب، طبعة براون، جـ ١، ص ٢٧).
المصادر:
(١) حمزة الإصفهانى، طبعه Gottwaldt ص ٢٣٦ وما بعدها (إلى عهد عبد الملك الأول).
(٢) الطبرى، انظر الفهرس، أسماء الأعلام حتى عام ٣٠١ هـ.
(٣) ابن الأثير، طبعة تورنبرغ، فهرس الأعلام.
(٤) الكرديزى: زين الأخبار، مقتطفات فى Turkestan: Barthold ولم أتمكن من الاطلاع عليه.
(٥) Descroption topogrphique et his torique de Boukhara par Moh. Nerchakhy طبعة C. Schefer باريس ١٨٩٢ (ويحوى تاريخ بخارى لنرشخى فى ترجمة فارسية موجزة مع تكملة، وتاريخ السامانيين نقلا عن القزوين تاريخ كزيده، وترجمة فارسية للفصول الخاصة بالسامانيين نقلا عن العتبى: تاريخ يمينى الذى ظهر فى مجموعة متأخرة) Histoire des Samanides par Mirkhond: Defrermery باريس سنة ١٨٤٥.
الشنتناوى [بوخنر V.F. Buchner]
стр. 5383
سامراء
خطتها وتطورها التاريخى:
تقع سامراء، وهى الآن قرية فحسب، على الضفة الشرقية لدجلة فى منتصف الطريق بين تكريت وبغداد.
ولعل أصل هذا الاسم فارسى؛ وإلى القارئ ما قيل فى اشتقاقه: سام- راه، ساعى- أمُرّا وسا- مُرا؛ ومعنى الكلمتين الأخيرتين موضع عليه الخراج، وقد كتبت سامراء "سر من رأى" على السكة التى كان يضربها الخلفاء.
وقد أنشئت سامراء عام ٢٢١ هـ (٨٣٦ م) فى عهد المعتصم، شيدها أشناس، أحد قواد الترك، على مسيرة فرسخين جنوبى قرية كرخ فيروز؛ وكان الخليفة يعيش على الدوام مهددًا فى بغداد بتمرد جنوده المرتزقة من الترك والبربر فسعى إلى الإقامة فى قصبة أكثر أمنًا وسلامًا.
وأقام سبعة من الخلفاء العباسيين فى سامراء فيما بين عامى ٢٢١ هـ (٨٣٦ م) و ٢٧٦ هـ (٨٨٩ م)؛ ونستطيع بفضل الشواهد التى ذكرها مؤرخو الخلافة والجغرافيان العربيان اليعقوبى وياقوت أن نستعيد فى شئ كثير من الدقة تطور هذه القصبة القصيرة العمر خلال السنوات الخمسين التى عاشتها. وقد شيدت سامراء على الضفة الشرقية لدجلة فى ركن ينثنى فيه النهر إلى الجنوب الشرقى، ومن ثم فإنها تقع بين قريتى كرخ فيروز (أو كرخ باجدا) فى شمالها ومطيرة فى جنوبها الشرقى؛ وكان ثمة قناتان تعزلان سامراء وضاحيتها الشرقية فيما يشبه الجزيرة، ذلك أن إحدى هاتين القناتين، وهى قاطول كسروى، كانت تأخذ من دجلة فوق كرخ فيروز قرب دُور، وتجرى إلى الجنوب الشرقى حيث تمتزج بقناة أخرى تأخذ من دجلة أسفل مطيرة وتجرى إلى شرق الشمال الشرقى؛ وكان على الضفة الغربية لدجلة مقابل سامراء بضع قلاع عزلتها قناة تجرى موازية لدجلة هى قناة الإسحاقى التى تصب فى دجلة تحت مطيرة وفوق بلكوارى بقليل.
стр. 5384
أما مدينة سامراء نفسها فكانت على الضفة الشرقية، وكان أهم شوارعها شارع السريجة الذى كان يمر بدار الشرطة وبالسجن، ويؤدى إلى الحى الذى سمى باسم الوزير الحسن بن سهل، ثم شارع أبى أحمد بن رشيد الذى يؤدى إلى قرية الإيتاخية القائمة على قناة كسروى، وقد سميت الإيتاخية أول الأمر نسبة إلى زعيم تركى، ثم أطلق عليها فيما بعد اسم المحمدية؛ وثمة خمسة شوارع أخرى سجل ذكرها التاريخ هى: الهير، وبرغمش تركى (وهو حى تركى) وصالح (وهو يؤدى إلى الثكنات الحربية أو العسكر) والهير الجديد، والخليج؛ ويذكر المؤرخون عدة تفصيلات عن العمائر ذات الشأن التى كانت فى جوار سامراء، وبدأوا ببعض العمائر التى كانت قائمة قبل أن تنقل قصبة الخلفاء إلى سامراء: الأديار المسيحية الثمانية التى كان أهمها دير الطواويس ودير مار مارى، ودير أبى السفرة. على أن القصور كانت أهم العمائر. فقد بنى المعتصم، وكان قد أقام أول الأمر فى سامراء نفسها، القصر المسمى بالجوسق. وشيد الخليفة الواثق القصر الذى سمى بالهارونى نسبة إليه. أما الخليفة المتوكل، وكان قد أقام أول الأمر فى الهارونى، فقد شَيّد أو وَسّع أربعة وعشرين قصرًا أخرى أشهرها بلكوارى، والعروس، والمختار، والوحيد؛ وكان يخطط قبل موته بتسعة أشهر مدينة جديدة إلى الشمال فيما بين كرخ فيروز ودور وكانت هذه المدينة تسمى الجعفرية نسبة إلى اسمه؛ ويقول المؤرخون الذين ذكروا الكثير من التفصيلات عن الترف فى قصور المتوكل إنه جاء من فارس بشجرة السرو التى كان يوقرها المزدكية فى كشمر ليصنع منها أخشاب قصوره؛ ويقول غير هؤلاء من المؤرخين الذين لاحظوا أنه لم يبق شئ من عمائر المتوكل الفخمة إن هذا الخراب العاجل إنما هو عقاب من اللَّه على ما أمر به المتوكل من تدمير قبر الحسين فى كربلاء عام ٢٣٦ هـ؛ ومات المتوكل، فنقل المنتصر بلاطه إلى سامرّاء نفسها مرة أخرى، ونزل فى قصر الجوسق؛ وكان المعتمد آخر خليفة
стр. 5385
أقام فى سامراء، وقد شيد قصر المعشوق على الضفة الشرقية للنهر (٢٥٥ هـ).
وتهدم معظم هذه العمائر منذ القرن العاشر الميلادى، ولم يبق منها إلا مسجد سامراء الجامع الذى كان قريبًا من الثكنات العسكرية حيث جرى القول بإطلاق الاسم عسكر سامرا على هذا الجزء من المدينة وقد جعل أهل الورع من الشيعة منذ عهد مبكر جدا قبرى إمامين من أئمتهما بجوار المسجد الجامع، وهما قبر إمامهم الحادى عشر أبى محمد حسن المعروف بالعسكرى لأنه توفى بسامراء عام ٢٦٠ هـ، والسرداب الذى غاب فيه خليفته الشاب أبو القاسم محمد المهدى عام ٢٦٤ هـ (٨٧٨ م)؛ ونحن نعلم أن الشيعة ما زالوا منذ ألف سنة خلت يزورون سرداب سامراء، مؤمنين بأن المهدى لا يلبث أن يظهر فى آخر الوقت؛ وقد أورد السمعانى ثبتًا بأسماء الأشخاص الذين يحملون النسبة سامرى أو سرمرى. وثمة نسبة أخرى تشير إلى سامرّاء هى كرخى، وقد أطلقت على أولئك الذين ولدوا فى كرخ فيروز.
المصادر:
(١) Die alte Landschaft Babylonien: M. Streck، ليدن ١٩٠١، جـ ٣، ص ١٨٢ - ٢١٩.
(٢) The Lands of the Eastern Caliphate: G. le Strange، كمبردج ١٩٠٥، ص ٥٣ - ٥٦.
(٣) السمعانى: أنساب، طبعة Gibb Mem Margoliouth Series، الورقة ٢٨٦ (ب).
عمارتها:
وسامرّاء اليوم منطقة من الأطلال مترامية الأطراف تقع على الضفة اليسرى لدجلة على مسيرة نحو ستين ميلا شمالى بغداد؛ وتقوم هذه الأطلال على أنقاض كانت من أغنى وأزهر مدائن العصر العباسى، أنفق فى تشييدها أموال طائلة.
وقد بدئ بتشييدها عام ٨٣٨ م فى عهد الخليفة المعتصم بن هارون الرشيد، وبلغت أوج عزها فى عهد جعفر المتوكل (٨٤٧ - ٨٦١ م) وقضت بموته.
стр. 5386
وهذه الحياة الزاهرة التى عاشتها سامراء لها شأن خاص بالنسبة لمن يريد أن يدرس أصول الفن الإسلامى. على أن الناس لسوء الحظ أخذوا منذ بضعة قرون يستخدمون أطلالها محجرًا يستمدون منه مواد البناء فعجلوا بفعل الزمن فيها، ولم يبق آخر الأمر حجر على حجر. بيد أن الحفائر الحديثة كشفت من المعلومات عن معالم البناء والزخرفة ما يكفى لإعطاء فكرة واضحة كل الوضوح عن جمال الحضارة الإِسلامية التى كانت تفئ على العالم من بهائها آنئذ، والتى تمثلت فى تلك المدينة العباسية التى ترجع إلى القرن التاسع الميلادى.
وأهم الآثار التى لا تزال باقية:
فى جنوب المدينة القديمة على ضفاف دجلة يقوم المسجد الجامع الذى شيده المتوكل هو وقصر الخليفة البديع
(بلكوارى) القريب منه فى الشمال، ويقابله على الضفة اليمنى لدجلة قلعة منيعة (قصر العاشق) ما زالت أطلالها الرائعة تشاهد إلى اليوم، وقد شيدت بعد بلكوارى بقليل. وثمة أثر باق من ضريح (قبة السُكبكِية) يقع على مسيرة نصف ميل تقريبًا جنوبى هذه القلعة.
وما زالت تقوم بقرب أطلال مدينة الخلفاء مدينة سامرّاء ذات القبة الذهبية التى تشرف على الصحراء، وفيها بعض مشاهد الشيعة المقدسة.
وقد شيد مسجد المتوكل الجامع بين عامى ٨٤٦ و ٨٥٢ م، وهو بناء مربع عظيم له جدران عالية من الآجرّ تحميها أبراج مستديرة، وفى داخله إلى الجنوب الحرم، وفيه خمسة وعشرون صحنا تتجه إلى القبلة، ثم ثلاث غرف صغيرة فى الجوانب الأخرى. وكانت العمد الرخامية تحمل كل هذه الصحون التى يزيد ارتفاعها على ثلاثين قدمًا؛ وكذلك كان المحراب يقوم على جوانبه زوجان من العمد الرخامية، ولعل قبلة الصلاة كانت مغطاة بالخشب المنقوش الثمين؛ وكانت الأحرام الأربعة تفتح على باحة كبيرة فى وسطها نافورة جميلة؛ وكانت المنارة (ملوية) تقوم فى الخارج لصق الجدار الشمالى للمسجد،
стр. 5387
وهى أشبه ببرج بابلى ضخم على قاعدة مساحتها ١٠٠ قدم مربعة وقد التف حولها من الخارج درج حلزونى؛ وكان هذا البرج يشاهد على مسيرة يوم أو أكثر.
وتقوم خرائب بلكوارى، وهو قصر الخليفة، على مربع من الأرض مترامى الأطراف طول كل من أضلاعه أكثر من ألف يردة؛ وما زالت تقوم فى الواجهة الغربية ثلاثة أقواس بنيت من الآجر (الجَمَل) وهى الآثار الوحيدة التى بقيت إلى اليوم، وكان المتوكل قد بنى هذا القصر للأمير المهتدى باللَّه.
وهذه الأقواس الثلاثة التى تواجه النهر هى والمجلس والإيوان تنفتح على الوادى فى رحابة وسعة، وتهبط الشرفات والنافورات منها على درجات كأنها الشلالات؛ وتقع خلفها ثلاثة صحون داخلية تتلوها غرف على هيئة الصليب: غرف العرش، وغرف صغيرة كثيرة، ومخادع خاصة ذات حمامات توافرت لها أسباب الترّف. وكان فى الشرق حديقة مربعة كبيرة فيها مساقط للمياه تكتنفها جدران ذات عمد مربعة تفتح عليها جواسق صغيرة زينت أبدع زينة. وكان فى الشمال جدول يصلون إليه بدرج، وفيه كهوف وأرصفة نحتت فيه؛ ثم كان خلف هذا كله مجموعة بيوت تضم "الحريم"، وبيوت لرجال البلاط، ومسجد صغير، وثكنات كبيرة إلخ لحرس الخليفة وفرسانه.
وقد رتبت شتى العناصر المتباينة التى كان يتألف منها هذا القصر العظيم ترتيبًا متناسقًا فبدت جميلة التركيب روعى فى تخطيطها أن تكون واسعة النطاق على هيئة " L" بحيث ينتهى محورها الطويل العمودى على النهر بالغرف الثلاث المعقودة التى فى الواجهة، وقد زينت زينة بديعة بآيات النحت والفسيفساء. على أن الخطة العامة لهذا القصر كانت من طراز مشهور مأثور فى العمارة الإيرانية. وكان حول قصر الخليفة بيوت فخمة بديعة الزينة، ذلك أن جميع منازل المدينة تقريبًا بنيت على هذا النمط، يستوى فى ذلك منازل أغنى أغنيائها وأفقر فقرائها وكانت المنازل يقتصر
стр. 5388
فيها على دور أرضى يتألف من مجموعة من باحات داخلية ذات نافورات يفتح عليها الإيوان والغرف التى يقضى فيها المرء نهاره؛ وظل هذا الطراز منتشرا فى بعض بلاد الشرق إلى يومنا هذا؛ وتزيين البيت من الداخل سمة لها شأنها، فقد كانت الأفاريز العالية المنقوشة والإفريز المزخرف، وهو موجود فى معظم البيوت، تزين على الدوام الغرف العامة وأحيانًا غرف المنزل كله؛ وكانت الباحات تزخرف أيضًا فى بعض الأحيان، بيد أن الجدران الخارجية لم تكن تزين أبدًا. وكانت النقوش الزخرفية فى قصر سامراء ومنازلها تستوى فى براعة الصنع، وهى تدلنا على عظم تقدم الفن فى هذا العهد، وتمتد الأفاريز المحكمة بحيث تدور بالغرف من جميع جهاتها على ارتفاع ثلاث أقدام، وتعلوها المضاجع المزخرفة (وتسمى بالفارسية "تكجه")؛ أما إطارات الأبواب والنوافذ فمزخرفة أيضا، وقد زينت السقوف بالطنف والأفاريز؛ وجل هذه الزخارف بالجص، وقد تفنن صانعوها فى رسمها وصنعها وزينوها أحيانًا بالصور.
وتتفاوت الرسوم تفاوتًا كبيرًا، فبعضها بسيط له عروق كبيرة وصناعته خشنة إلى حد ما، والبعض أدق صقلا حفر فى السطح من غير بروز، والبعض يظهر النقش البارز فيجعل موضوع الرسم الرئيسى عقدًا مستديرة.
وقد نقش بعض هذه الزخارف فى الكتلة نفسها وهى فى موضعها، وصب غيرها فى قالب على فرش من الحصير (وخاصة إذا تكررت موضوعات النقش باستمرار) ثم ثبتت فى الجدار؛ وتتفاوت أشكال الرسوم تفاوتًا كبيرًا، فبعضها غاية فى البساطة والغلظة مستقيم الخطوط ليس فيه زخارف عربية.
وهذا هو الغالب فى سامراء، وهو الطراز الأولى بمعنى الكلمة؛ وبعضها على النقيض من ذلك استوحى فيه الصانع فى كثير من الأحيان حيوان البلاد ونباتها، فخرج من يده أحكم زخرفا وأبرع زينة. وتتوسط الزهور التى سايرت التقاليد الأشكال الهندسية، وتتكرر هذه الأشكال وتتكرر، وتربط
стр. 5389
بينها الأشرطة متخذة هيئة حبات السبح ينفرط عقدها أو تتشابك فتتخذ شكل الزهريات أو القيثارة أو قرن الخصب، وبعضها أكثر جيشانا بالحركة يتكشف عن زخارف عربية حول عناقيد العنب وفروع الكروم.
وقد ذهب ناس إلى تقسيم الرسوم الزخرفية فى سامراء، تقسيما دقيقًا إلى ثلاث فئات:
الطراز الأول: وهو الذى تغلب فيه السمات القبطية. والطراز الثانى: وهو الذى تغلب فيه السمات الإيرانية. والطراز الثالث: وهو الذى تغلب فيه سمات بلاد الجزيرة. ويبدو لنا أن تقسيما منهجيا كهذا التقسيم الذى يعتمد على النماذج الأصلية التى نقلت عنها الرسوم قد يؤدى بالمرء إلى الخطأ؛ وثمة فكرة يخرج بها من يدرس أطلال سامراء التى يعد كشفها أمرًا له قيمته فى تاريخ الفنون الشرقية، وهذه الفكرة هى أن عوامل فنية عدة قد التقت فى هذه البقعة من آسية من غير أن تتصادم أو تحاول إحداها أن تطغى على الأخرى، ذلك أن سامراء كانت مركزًا جذب إليه فنانين كثيرين من جميع أنحاء المعمورة، استهوتهم ثروة بلاط الخلفاء العباسيين والرعاية التى كانوا ينعمون بها فى ظلهم. وقد قدر لسامراء، أن تكون البوتقة التى انصهر فيها الفن اليونانى، والفن السريانى القبطى، والفن الهندى الفارسى جميعا، وبزغ من هذا كله فن جديد متميز هو الفن الإسلامى.
المصادر:
(١) Die Ausgrabungen von Samarra: E. Herzfeld، جـ ١ برلين.
(٢) المؤلف نفسه: Der Wandschmuck der Bauten von Samarra und seine Ornamentik برلين (١٩٢٣)،
(٣) المؤلف نفسه: Mshatta, Hira und Badiya فى Jahrbuch der perwsischen Kunstsammlungen (١٩٢١).
(٤) المؤلف نفسه: Die kleinfunde von Samarra und ihre Ergebnisse fur das is lamische kunstgewerbe des ٩. Jah rhunderts (١٩١٤)؛
стр. 5390
(٥) المؤلف نفسه: Die Ergebniss der Ausgrabungen von Samarra im Kaiser Frierdich-Museum برلين ١٩٢٢.
(٦) Un palais musulman du IXe siecle (Mem. pres. par div. sav. al'Ac. des Inscr. el Belles Lettrres Paris ١٩١١): H. Viollet
(٧) L'architecture des Abbassides au IXe siecle: de Beylie فى Revue ar cheologique، ١٩٠٧.
(٨) Die AbbasidenResidenz Samarra: P. Schwarz فى Neue geogr. Unt ersuchungen ١٩٠٩.
صبحى [فيوليه H. Viollet]
السامرى
هو اسم الرجل الذى جاء ذكره فى القرآن الكريم (سورة طه، الآيات ٨٧ و ٩٥ و ٩٦) أنه أضل بنى إسرائيل فأخرجوا عجلا ذهبيًا. وقد ورد ذكر هذه المعصية فى القرآن الكريم مرتين، فالرواية الأولى (سورة الأعراف الآيات ١٤٨ - ١٥٥) تروى معصية بنى إسرائيل وهارون كما وردت فى سفر الخروج (١) الإصحاح ٣٢، ولكن مع هذا التفصيل وهو أن العجل الذى صنع من المعدن كان له خوار؛ أما الرواية الثانية (سورة طه، الآيات ٨٧ - ٩٩)، التى نزلت بعد سورة الأعراف والتى تعتبرها الروايات الإسلامية مدنية أيضًا (Geschichte des Qorans: Noldeke Schwally ص ١٢٤ و ١٢٥)، فإنها تجعل السامرى هو الرجل الذى أضل بنى إسرائيل، فقد أمرهم أن يقذفوا بحليهم فى النار، فانصاعوا لأمره، فأخرج لهم عجلا له خوار، عبده الناس بالرغم من أن هارون نهاهم عن عبادته. وسأل موسى السامرى ما خطبه فبرر فعلته بقوله: ". . . بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا به فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أثَرِ الرَّسُولِ. . ." (وهى فى الرواية الإسلامية: أثر حافر فرس جبريل ﵇؛ ومن ثم أعلنه
стр. 5391
موسى بعقابه قال: ". . . فإنّ لَكَ فى الحَياة أنْ تَقُولَ لا مسَاسَ. . .".
ويعتقد أبراهام كيكر Abraham Geiger أنه ربما قد حدث خلط (١) بين السامرى وصمائيل (Sammael)، أمير الجن، وقد استشهد كيكر بـ "يرقى ربى إلعازار"، جـ ٤٥، وفيه رواية أن صمائيل كان يخور مستخفيًا فى صورة عجل ليضل بنى إسرائيل، والواقع أن هذه الرواية التى رويت عن صمائيل قد نقلت عن الرواية الإسلامية، وأن اسم العلم السامرى المجهول فيما خلا وروده فى القرآن الكريم، قد استبدل بالاسم صمائيل الذى يشابه النطق بلفظ السامرى؛ وينسب فراينكل (S. Z.D.M.G.: Fraenkel جـ ٤٦، ص ٧٢) قصة السامرى التى وردت فى القرآن الكريم إلى مدْرَش يهودى ضائع كان يستهدف تبرئةَ هارون من المعصية الكبرى وهى صنع العجل الذهبى، وإلقائها على عاتق السامرى.
وكان كولدسيهر أول من كشف عن حقيقة شخصية السامرى، فقال إنه يمثل المذهب السامرى، وذلك بالرجوع إلى قصة انشقاق السامرة؛ ولدينا بالفعل شواهد على هذا الانشقاق فى سيراخ، جـ ٥، ص ٢٥، وفى إنجيل لوقا، الإصحاح التاسع، الآية ٥٢، وفى إنجيل يوحنا، الإصحاح الرابع الآية ٩؛ ويجمع كولدسيهر الإشارات اليهودية والمسيحية والإسلامية التى تبيّن أن السامرة كانوا يعدون الاتصال بمن ليس منهم دنسًا؛ وكان مصدره اليهودى المزعوم (٢)، يعرف أن هذا من أصول الطقوس السامرية فردّه إلى الأزمنة المتقدمة ووصفه بأنه عقاب للسامرى على حضه بنى إسرئيل على صنع العجل وعبادته.
ويمكن دعم حجج كولدسيهر المقنعة بما ذكره مفسرو القرآن الأولون، فإن الطبرى نفسه أخذ برواية متقدمة ووصف السامرى بأنه إسرائيلى عظيم من قبيلة السامرة؛ وقد نهى موسى
стр. 5392
عليه السلام بنى إسرائيل عن أن يكون لهم به علاقة اجتماعية أو تجارية جزاء معصيته، وظلت الحال على هذا المنوال؛ وكذلك يقول الزمخشرى إن السامرى كان من قبيلة يهودية تسمى السامرة يختلف دينها بعض الخلاف عن الدين اليهودى، وقد حرّم على السامرى أن تكون له صلة اجتماعية أو تجارية بالناس، ويقال إن قومه ما زالوا يراعون هذا التحريم، ويختم الثعلبى قصته المستفيضة عن العجل الذهبى ختامًا مشابهًا لذلك.
ومن ثم فإن السامرى يمثل المذهب السامرى الذى يجعل السامرة يعتزلون غيرهم. ويرى محمد ﷺ فى الاعتزال الذى من هذا القبيل (كما يرى فى السنن اليهودية الخاصة بالأكل "سورة النساء، الآية ١٦٠") عقابًا إلهيًا.
المصادر:
(١) الطبرى: التفسير.
(٢) الزمخشرى: الكشاف، جـ ٢٠، ص ٧٧ - ٩٧.
(٣) الثعلبى: قصص الأنبياء، القاهرة ١٢٨٢ هـ، ص ٨٢.
(٤) Was hat Mohammed aus demJudenthume aufgenommen? : Geiger فرانكفورت ١٩٠٢، ص ١٦٢ - ١٦٥.
(٥) S. Fraenkel: فى Der Z.D.M.G. Samir، ١٩٠٢، جـ ٥٦، ص ٧٣.
(٦) La misasa Revue Africaine: l.Goldziher. فى، رقم ٢٦٨، الجزائر ١٩٠٨، ص ٢٣ و ٢٨.
[هلر Heller Bernhard]
سبأ
اسم القوم الذين كانوا ينزلون جنوب غربى بلاد العرب فى الألف الخمسة الأولى قبل الميلاد واسم مملكتهم، وقد ورد ذكرهم كثيرًا فى العهد القديم، وفى المؤلفات اليونانية، والرومانية، والعربية، وخاصة فى نقوش جنوب بلاد العرب. ونستمد معلومات أخرى عن تاريخ سبأ فى القرون الأولى للميلاد حتى عهد الرسول ﷺ من المصادر العربية القديمة، ومعظمها نقوش، ومن إشارات قائمة بذاتها وردت فى المصادر
стр. 5393
اليونانية، ونستدل من النقوش المسمارية حتى القرن الثامن الميلادى على أن "سبأو" كانت فى اللغة الأشورية اسم قطر، مثلها مثل "شبـ (أ) ت" (وكذلك شبت (ى) وشبا) فى النصوص الهيروغلوفية ولو أن تاريخها متأخر بعض الشيء. وكانت "شبا" فى التوراة علمًا على قوم وقطر، كما كانت "سبأ" تدل فى نقوش جنوب بلاد العرب أيضًا على الأرض أو المملكة والقوم (وهذا يتفق وتكوين سبأ).
وأقدم ما نعرف من إشارات مكتوبة عن سبأ هى الإشارات السامية بطبيعة الحال، وخاصة تلك التى وردت فى النقوش المسمارية. ويرجع تاريخ أقدم الإشارات الوثيقة إلى القرن الثامن فحسب، فى حين أن الوثائق التاريخية المستمدة من بلاد الجزيرة والتى يرجع تاريخها إلى عهد أقدم من ذلك بكثير تشير فيما يظهر إلى سبأ، فمثلا سَبو التى وردت فى نقش سومرى لـ"أردنانّر" ملك لكش، الذى عاصر آخر ملوك أور، وقد عاش فى النصف الثانى من الألف سنة الثالثة قبل الميلاد، هى فيما يظن علم على "أرض السبأيين" ويتكلم هومل Hommel (فى مصنف هلبرخت Explorations in Bible Lands: Hilprecht، فيلادلفيا ١٩٠٣، ص ٧٣٩) عن سابُم التى ترجع إلى أيام ملوك أور (بعد سنة ٢٥٠٠ قبل الميلاد) بوصفها "سبأ" التى ورد ذكرها فى العهد القديم ("فى بلاد العرب الوسطى"، وانظر فى هذا أيضًا Die altisraelitische Uberlieferung ميونخ ١٨٩٧، ص ٣٧)، وفى الأخبار المنقوشة عن حملة تكلات بلصّر الثالث (٧٤٥ - ٧٢٧) على شمال بلاد العرب نجد ذكر السبأيين بين القبائل التى قدمت ولاءها لهذا الملك، وهذه هى أقدم إشارة وثيقة إلى هؤلاء القوم؛ ويذكر سرغون الثانى (٧٢٢ - ٧٠٥) فى حولياته (عن عام ٧١٥) عرب الصحراء المقيمين فى بلاد قاصية، والملكة سمسى صاحبة إريبى التى سبق ذكرها فى قصة تكلات بلصّر، (وقد أشرنا إليها لتونا)، وإتئيامر من بنى سبأ، وهم الذين أقبلوا مع غيرهم حاملين هدايا نفيسة جزية لذلك الملك (الذهب واللبان والأحجار
стр. 5394
الكريمة وغيرها)؛ ويقارن لينورمانت Lenormant الاسم إتئيامر بالاسم إثعيامر، وهذا الاسم هو الذى ذكرت النقوش أنه أطلق على عدة ملوك عاشوا فى أقدم عصور بنى سبأ؛ أما القول الذى ذهب إليه شرادر keilin schriften und das Alte Testament: Sschrader؛ وقد اختصر فيما يلى إلى K.A.T، ص ٥٥) وكيبرت (Lehrb. d. alten Geogr: Kiepert، ص ١٨٧) من أن الإشارة فى هذا المقام لا تنصب على بنى سبأ الذين كانوا ينزلون جنوب بلاد العرب، فقد فنده مولر D. H. Muller Burgen und Schlosser Sudarabiens، جـ ٢، ١٨٨١ م، ص ٩٨٩؛ المؤلف نفسه فى Sabaische Denkmaler، ١٨٨٣، ص ١٠٨ معارضًا رأى دلتش Wo Lag das Paradies: Delitzsch ليبسك ١٨٨١، ص ٣٠٣، وقد حاول أن يعين موضع بنى سبئو الذين ورد ذكرهم فى نقوش سرغون فى شمال بلاد العرب؛ وانظر ونكلر Winckler فى M.V.A.G.، ١٨٩٨، ص ١٨؛ بل انظر أيضًا. مولر Studien z. Vorerasiatischen Geschichte: W.M. Muller، الموضع نفسه، ص ٣٦)؛ وقد رأى كليزر (Skizze der Geschichte u. Geograpghie Arabiens: Glaser، جـ ٢، برلين ١٨٩٠، ص ٢٦٣) وجريمه (Mohammed: Grimme، ميونخ ١٩٠٤، ص ١٨) أن بنى سبأ كانوا من أهل جنوب بلاد العرب حتى فى عهد تكلات بلصر وسرغون استنادا إلى أن الجزية كان قوامها المحصولات المألوفة لهذه البلاد؛ ورأى غيرهما فى عهد أحدث من ذلك أن يردوا موطن بنى إتئيامر إلى شمال بلاد العرب (انظر هارتمان M. Hartmann: Die Arabische Frage فى Der Islamische Orient، (جـ ٢، برلين ١٩٠٩، ص ١٣١ و ٤٥٨).
وكان من رأى شبرنكر Sprenger أن بلاد العرب كانت على وجه التحقيق الموطن الأصلى للساميين (Leben und Lehre des Mohammad، جـ ١، برلين ١٨٦٩، ص ٢٤١ وما بعدها و Die alte Geographie Arabiens، برن ١٨٧٥، ص ٢٩٣ وما بعدها؛ وقد تبعه شرار Z.D.M.G.: Schrader، جـ ٢٧، ص ٤٢١ وغيره من الثقاة المشهورين) وهو الرأى
стр. 5395
الذى ما زال سائدًا بوجه عام (انظر ماير Gesch. d Altertums: E. Meyer، جـ ١، القسم ٢، ص ٣٨٦ وما بعدها)، ونستطيع أن نخلص من رأيه هذا إلى أن بنى سبأ وبنى معين جاءوا من حضر موت، وأن مملكة سبأ كان منشؤها شبْوّة، على أن هذا الرأى لا يمكن أن نأخذ به (Geogr، ص ١٦٢ و ٢٣٠ و ٢٤٦ و ٢٤٨ و ٣٠١)؛ وجاء ونكلر Winckler (مثلا فى K.A.T، ١٩٠٣، ص ٧ و ١١ و ١٣٦ وما بعدها و ١٥٦؛ Die Volker Vorderasiens فى Der Alte Orient، جـ ١، ص ١ و ١٠) وويبر Arabien vor dem Islam) Weber، ص ٣ وما بعدها؛ Westasien فى Helmolt: Weltgeschichte, جـ ٣ ص ٣ و ٥ و ٢٢٠ و ٢٢٥) فى عهد أحدث من هذا فصرحا تصريحا جازمًا بأن بلاد العرب هى الموطن الأصلى للساميين؛ وكان هومل (Grundr. der Geogr. u Geschichte des Alten Orients: Hommel، جـ ١، ميونخ ١٩٠٤، ص ١٠ وما بعدها و ٢٤ و ٨٠ و ١٣٢) أكثر منهما حرصًا، إذ رأى أن شرق بلاد العرب (بما فى ذلك بلاد الكلدان) هو على الأقل آخر موضع بدأ جميع الساميين الغربيين منه هجرتهم؛ وقد وقف هارتمان (Hartmann, الموضع نفسه، ص ٩٣ وما بعدها) موقفًا صريحًا عارض به هذه النظرية القائلة بموطنهم الأصلى؛ وثمة آراء تعارض القول بأن بلاد العرب يجب أن تعتبر مهد الشعوب السامية جميعًا؛ ولو أننا سلمنا بهذا الفرض وما انبنى عليه من قول بهجرة العرب لما خرجنا من ذلك بما يجلو العلاقة بين بلاد العرب وبابل جلاء تاما (انظر ما كتب فى هذا الموضوع منذ عهد قريب فى Westasien، ص ٢٢٦، بل انظر أيضًا ما سلم به هذا الكاتب، ص ٢٤٢) والحق أننا إذا عكسنا هذه النظرية اقتربنا من الصواب، ومحصل ذلك أن سكان منطقة الفرات الخصيبة الذين كان عددهم أكثر مما تطيق هذه المنطقة اضطروا إلى الاتجاه صوب بلاد العرب مستهدفين أو لا وقبل كل شئ المراعى التى تتاخم تلك البلاد من الغرب، وكان الساميون بطبيعة الحال يتخذون هذه المراعى طريقا لعودتهم إلى بلادهم بين الحين والحين؛ وبالرغم من حجج نولدكه (Noldeke: