← Джавами‘

Джавами‘ · id 16521

موجز دائرة المعارف الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (10 087 стр.). Показаны 5321–5360 · переход к 5326.

стр. 5321

الوحى. وقد قتل أبوه يوم بعاث -قبل الهجرة بخمس سنين، وكان زيد فى السادسة من عمره، وأمه النوار بنت مالك بن معاوية بن عدى، وكانت هى أيضًا من بنى النجّار. ويقال إن الغلام كان يحفظ بعض السور عندما استقر النبى ﷺ فى المدينة. ومهما يكن من شئ فإن زيدًا غدا كاتبه، وقد دوّن بعض ما نزل على النبى ﷺ من الوحى، وتولى كتابة رسائله إلى اليهود. ويقال إنه تعلم لغتهم فى ١٧ يومًا أو أقل؛ وقد أطرى معاصروه سرعة إدراكه وحكمته وعلمه؛ وكان يلقّب بـ "حبر هذه الأمة". وتولى زيد بعد وفاة النبى ﷺ مناصب تتفاوت فى الشأن، فقد عهد إليه عمر ثم عثمان بولاية المدينة عندما خرجا للحج، وصحب عمر إلى الشام، وتولى قسم الغنائم بعد وقعة اليرموك وكتب أثباتًا بأسماء من سجلوا فى الديوان عندما أنشأه عمر، وكان قاضيًا فى المدينة ومتوليًا شئون المال فى عهد عثمان: فلما مات عثمان ظل زيد بمعزل عن على، ولو أنه كان يظهر له ما هو أهل له من توقير، على أنه يقال (الطبرى، جـ ١، ص ٣٠٧٠ و ٣٠٧٢) إنه رفض أن يبايعه. وأشهر ما عرف به اشتراكه فى كتابة القرآن وكان خبيرًا فى شئون التوريث. ومات زيد عام ٤٥ هـ (٦٦٥ - ٦٦٦ م) وجاء فى روايات أخرى أن وفاته كانت سنة ٤٢ أو ٤٣ أو ٥١ أو ٥٥ أو ٥٦، وقد صلى عليه مروان بن الحكم. المصادر: (١) ابن هشام: السيرة، طبعة Wustenfeld، ص ٥٦٠. (٢) اليعقوبى: طبعة Houtsma، الفهرست. (٣) الطبرى: طبعة ده غوى De Goeje جـ ١، ص ٢٩٣٧ و ٣٠٥٨ و ٣٠٧٠ و ٣٠٧٢؛ جـ ٢، ص ٨٣٦؛ انظر أيضًا الفهارس. (٤) ابن سعد: طبعة Sachau, جـ ٢/ ٢، ص ١١٥ - ١١٧. (٥) النووى: تهذيب الأسماع، طبعة Wustenfeld, ص ٢٥٩ وما بعدها. (٦) ابن الأثير: أسد الغابة، جـ ٢، ص ٢٢١ - ٢٢٣.

стр. 5322

(٧) ابن حجر العسقلانى الإصابة، رقم ٢٨٦٥؛ المؤلف نفسه: تهذيب التهذيب، حيدر آباد ١٣٢٥ هـ، جـ ٣، ص ٣٩٩ وما بعدها. (٨) Geschichte des Qorans: Noldeke-Schwally جـ ٢، ص ٥٤. (٩) Das Leben und die Lehre des Mohammad: Sprenger جـ ٣ ص ٣٩ وما بعدها. (١٠) Annali dell' Islam: L-Caetani, فهرست المجلدين ١ - ٢ و ٣ - ٥. (١١) المؤلف نفسه Chron Islamica, ص ٥٠٥. (١٢) Handbook of Early Mu h Wensinck Tradition, مادة زيد بن ثابت. صبحى [فنسنك A.J. Wensinck] زيد بن حارثة ابن شراحيل الكلبى أبو أسامة، رقيق جاء به إلى مكة حكيم بن حزام بن خويلد ابن أخي خديجة وكان قد اشتراه من الشام وأهداه إليها، ثم أهدته خديجة إلى محمد ﷺ قبل أن يبعثه اللَّه رسولا. وسعى أبوه إلى مكة ليعتق ابنه، ولكن زيدًا رفض أن يترك محمدًا ﷺ ومن ثم أعتقه محمد ﷺ وتبناه، وعرف منذ ذلك الوقت بزيد بن محمد ﷺ ، وكثيرًا ما كان يشترك فى تجارة أبيه بالتبنى. وكان زيد يصغر محمدًا ﷺ بنحو عشر سنوات، وهو من السابقين إلى الإسلام، إن لم يكن أولهم جميعًا؛ وزيد ينحدر من قبيلة كانت تضرب قرب دومة الجندل. وقد آخى زيد فى المدينة حمزة بن عبد المطلب، وفي العام الأول للهجرة شخص إلى مكة ليصحب سودة بنت زمعة وبنات الرسول ﷺ إلى المدينة؛ وكان زيد مقاتلا باسلا، شهد بدرًا وأحد والخندق، كما شهد الحديبية، وكان على رأس عدة سرايا (القَرَدة فى العام الثانى للهجرة، والجَمون والعيس فى العام السادس وغيرها)، وكثيرًا ما كان يترك على رأس حامية المدينة عندما كان محمد ﷺ يخرج فى بعض غزواته (انظر فيما يتصل بزواجه من زينب بنت جحش وطلاقه منها؛ وقد نزلت عقب هذا الطلاق الآية الكريمة التى ألغت التبنى "سورة الأحزاب، الآية

стр. 5323

٤٠")؛ وتزوج زيد، بعد طلاقه من زينب، بأم كلثوم بنت عقبة فولدت له زيدًا ورقية، ثم تزوج من درة بنت أبي لهب، وقد طلق الاثنتين؛ على أنه عاد فتزوج هندًا بنت العوام وعتيقة الرسول ﷺ الجارية أم أيمن فولدت له أسامة. وتوفى زيد فى العام الثامن للهجرة فى الخامسة والخمسين من عمره تقريبًا وهو على رأس غزوة مؤتة وكان حامل لوائها؛ وقد حزن عليه محمد ﷺ ودبر أمر الانتقام له؛ ولزيد مكانة فى الحديث، ويرجع ذلك إلى سببين، أولهما محبة النبى ﷺ له مما دعا الأحاديث الصحاح إلى القول بأنه حبيب رسول اللَّه وأنه آثره على على بن أبى طالب (١)، والثانى أنه قد ذكر فى القرآن. المصادر: (١) ابن سعد، طبعة Sachau، جـ ٣/ ١، ص ٢٦ - ٣١. (٢) ابن إسحاق: طبعة Wustenfeld ص ١٦٠ - ١٦١ و ٨٠١ - ٨٠٢. (٣) ابن الأثير: أسد الغابة، جـ ٢، ص ٢٢٤ - ٢٢٧. (٤) Annali dell' Islam: Caetani، المقدمة الفصول ١٧٥ و ٢٢٣ و ٢٢٦ و ٢٢٧؛ العام الأول للهجرة - الفصل ١٥ رقم ٥٠، والفصلان ٥٠ و ٥٣؛ العام الخامس للهجرة، الفصل ٢٠١، العام الثامن للهجرة، الفصول ٧ - ١٥. (٥) Fatima et les ٣ fllles de Mahomet: Lammens فى مواضع متفرقة. صبحى [فكا V. Vacca] زيد بن على زين العابدين وإليه ينسب الزيدية وهم الذين يقدسونه شهيدًا سياسيًا ودينيًا؛ وحلت النكبة بجده الحسين بن على فى كربلاء، فكان زيد بن على أول علوى سعى إلى حرمان بنى أمية من الخلافة بالفتنة المسلحة، فوضع نفسه تحت إمرة الكوفيين متخذًا صفة الإمام؛ وقد قضى سنة يتجهز فى الكوفة، فيما عدا فترة لا تتجاوز الشهرين كان يبحث فيها عن أتباع فى البصرة؛ وكان

стр. 5324

يختفى خلال إقامته فى الكوفة فى مخابئ دأب على تغييرها، ولكنه ما إن أصبح مستعدًا لبدء القتال حتى كان الوالى يوسف بن عمر الثقفى، وكان وقتئذ غائبًا بالحيرة، قد أثبت أنه اتخذ للأمر أهبته فلم ينضم إلى زيد إلا بضع مئات من الرجال بالرغم من أن آلافًا منهم كانوا قد بايعوه بالإمامة؛ واستمر القتال فى الطرقات بضعة أيام أصيب بعدها زيد فى مقتل، وأخفيت جثته فى مخبأ تحت الماء إلا أن بعضهم أفشى سر هذا المخبأ، فعرض جثمان زيد فى الكوفة ورأسه فى دمشق ومكة والمدينة؛ وقد نقل الطبرى عن أبى مخنف وصفا حيا مسهبا لتفصيلات القتال رواية عن بعض من عمروا بعده، بيد أن تاريخ القتال نفسه الذى وقع فى مستهل عام ١٢٢ هـ (٧٤٠ م) ليس محققًا تمامًا، ذلك أن زيدًا فيما يظهر قد اضطر أن يسارع بفتنته قبل أجلها الذى جعله بينه وبين أهل الكوفة ببضعة أيام نظرًا لبراعة رجال الشرطة السرية؛ والقول بأن تاريخ هذه الفتنة كان سنة ١٢١ أو حتى سنة ١٢٠ فيه على ما نظن إغفال للمدة الطويلة التى كان يقتضيها التجهيز لهذه الفتنة. ويرجع الفضل فى نجاح شرطة الأمويين، ولم يكن عددهم كبيرًا بأى حال، إلى ما عرف عن متآمرى أهل الكوفة من تردد. فقد التأم شملهم فى المسجد الجامع وتركوا الباب يغلق دونهم، ولم يؤازروا زيدًا فى جهوده لإطلاق سراحهم، مع أن هذه الجهود كادت تكلل بالنجاح عدة مرات؛ ولم يكن بين هؤلاء المتآمرين شئ من التجانس، وإنما كانوا نفرًا من الساخطين على الحكومة، بل كان بينهم بعض الخوارج، ثم إنه لم ينصر زيدًا أحد ممن أجمعوا على أن يلى الخلافة رجل من العلويين. أما الرواية التى تقول إن كثيرًا من الذين تخلوا عنه لجأوا إلى أخيه محمد الباقر بوصفه الإمام الحق فلعلها تأثرت بالاضطراب الذى ساد صفوف الشيعة بعدئذ قبل أوانه، زد على ذلك أن زيدًا نفسه لم يكن زعيم الحركة الحقيقى، ذلك أنه لم يأت الكوفة بمحض رغبته، بل كان فى الرصافة مع الخليفة هشام بن عبد الملك وكان قد لجأ إليه فى إبان حاجته وعوزه، وإذا بالوالى يستدعيه إلى الكوفة ليسأله فى قضية تتصل بَديْن

стр. 5325

عليه، وكان زيد نفسه يخامره الشك فى نجاح ما دبر، وما إن انقضت أربعة أشهر حتى أراد أن ينسحب تمامًا من تنفيذ خطته، وبلغ القادسية فى طريقه إلى المدينة مسقط رأسه عندما استماله إلى العودة بعض الشيعة وكانوا قد هرعوا وراءه. وقد بقيت بعض الكتابات والمقتطفات التى نسبت إلى زيد، وهى تتضمن تفاسير لبعض آيات القرآن ومسألتى الإمامة والحج. وتشمل بصفة خاصة مجملا كاملا للفقه؛ ولكنها فى صورتها الحالية تعرض لمسائل فى الدين والشعائر والشريعة والسياسة تناقض بعضها بعضا فى كثير من الأحيان، كما تناقض المبادئ التى قالت بها كتب الزيدية المتأخرة والتى صدق عليها زيد. على أنها تعد شواهد على أنه كان على حظ من العلم. ولا ينبغى لنا أن نحفل كثيرًا بلقب التشريف الذى لقب به زيد، وهو "حليف القرآن" ولا بالرواية الزيدية التى تقول إن أبا حنيفة درس عليه وأيد فتنته بالفتوى والمال، ومع ذلك فإننا نستدل من هذين الشاهدين على الخبرة الفقهية التى دافع بها أبرع دفاع عن قضايا آل الحسين فى مطالبتهم آل الحسن بميراث بيت على. وذاع صيت زيد فى أغانى المغنين، بل إن هذا الصيت يرد إلى تاريخ مبكر يرجع إلى السيد الحميرى الذى ذكر زيدًا كما ذكرته كتب "المقاتل" القديمة وقد حاولت القصص أن تكفّر عن المعاملة المشينة التى عومل بها جثمانه، فساقت حكايات عن كراماته، على أننا نستطيع أن نقول بصفة عامة إن الأوصاف التى ذكرتها هذه الحكايات كانت معتدلة بعض الشئ تمشيا مع مذهب الزيدية. وكان زيد ما زال فى الحلقة الخامسة من عمره عند وفاته، وكان أميل إلى البدانة شأنه فى ذلك شأن العلويين جميعًا؛ وكانت أمه أمة، وقد تزوج هو نفسه ريطة حفيدة محمد ابن الحنفية فولدت له يحيى الذى اشترك فى الفتنة، واستطاع أن يهرب إلى خراسان حيث كان أنصار زيد يعملون. ولكنه لقى نفس المصير الذى لقيه أبوه عام ١٢٥ أو ١٢٦ هـ (٧٤٣ أو ٧٤٤ م)؛ وقد ادّعى رأس الزنج أنه حفيد يحيى هذا. والحق أن سلالة زيد كانت قد انقرضت قبيل ذلك، ولم يكن

стр. 5326

أحفاد زيد فى ذلك الوقت إلا نسل أخوات يحيى غير الأشقاء، وكانت أمهم أمة؛ وتزوج زيد فى الكوفة بامرأة من بنى فرقد وأخرى من أزد رغبة منه فى اكتساب أنصار له، وقد ولدت له الثانية بنتًا، إلا أنها ماتت قبله. المصادر: (١) ابن سعد، طبعة Sachau، ص ٢٣٩ وما بعدها. (٢) اليعقوبى: التاريخ، طبعة Houtsma، جـ ٢، ص ٣٩٠ وما بعدها. (٣) الطبرى: التاريخ، جـ ٢، ص ١٦٦٧ - ١٦٨٨ و ١٦٩٨ - ١٧١٦. (٤) الناطق أبو طالب يحيى بن حسين بن هارون البطحانى: الإفادة فى تاريخ الأئمة السادة، مخطوط ببرلين رقم ٩٦٦٦, الورقة ١٣. (١) وما بعدها، برلين رقم ٩٦٦٦، ص ٣٩ وما بعدها، ليدن رقم ١٩٧٤، الورقة ١٠. (١) وما بعدها. (٥) حامد بن أحمد المحلى: الحدائق الوردية فى مناقب أئمة الزيدية، مخطوط بميونخ، رقم ٨٦، الورقة ٧٥. (ب) وما بعدها. (٦) أحمد بن على بن الحسين بن المهنا: عمدة الطالب فى أنساب على بن أبى طالب، بمباى، ١٣١٨، وخاصة ص ٢٣٠ عن تاريخ وفاته. (٧) أبو الفرج الإصبهانى: مقاتل الطالبيين، طهران ١٣٠٧ هـ، ص ٥٠ - ٦١. (٨) المسعودى: مروج الذهب، طبعة B. de Meynard، ص ٤٦٧ - ٤٧٣. (٩) ابن الأثير: الكامل، طبعة تورنبرغ، ص ١٧١ - ١٧٧ و ١٨١ - ١٨٦. (١٠) Die religios-politischen Oppositions parteien im alten Islam: J. Wellhausen فى Abh. G. W. N.S. Gott Gott جـ ٥، رقم ٢، ١٩٠١، ص ٩٥. ما بعدها. (١١) De opkomst van het Laidietische Imamaat in Yemen: C. van Arendonk ليدن ١٩١٩، ص ٢٥ وما بعدها و ٢٨١ وما بعدها. (١٢) Corpus Juris di Zaid ibn Ali: E. Griffini، ميلان ١٩١٩.

стр. 5327

(١٣) Das Problem R. Strothmann der literarischen Personlichkeit Zaid b. Ali جـ ١٣ (١٩٢٣)، ص ١ - ٥٢. صبحى [شتروتمان R. Strothmann] زيد بن عمرو " زيد بن عمرو": بن نفيل؛ مكى من الحنفاء توفى قبل بعثة محمد ﷺ عندما كان الرسول ﷺ فى نحو الخامسة والثلاثين من عمره. وقد نبذ زيد الوثنية وأمسك عن الدخول فى المسيحية أو اليهودية، وعارض وأد البنات، وأبى أن يأكل لحم الحيوانات التى تضحى قربانًا للأصنام، أو التى تذبح من غير دكر اسم اللَّه. وكان يرى أنه المؤمن الحق الوحيد فى مكة، وأنه على دين إبراهيم. وهو ابن عم عمر بن الخطاب، وقد تزوج من صفية بنت الحضرمي ومن فاطمة بنت بعجة، وكان له ولد يدعى سعيد بن زيد أخذ يروى للناس أخباره. وقد اضطهده أهله بسبب نزعته الدينية، فسافر بحثًا وراء الدين الحق، وأوغل فى أسفاره حتى بلغ الموصل وزار الشام. وفى ميفعة من أعمال البلقاء تنبأ له كاهن من أهل العلم (بحيرا آخر؟ ) بقيام نبى حق فى مكة، فأسرع زيد بالعودة، ولكنه هوجم وقتل وهو يخترق البلاد التى كانت تنزلها قبيلة لخم. وتذكر رواية أخرى أن زيدًا نفسه قد تنبأ برسالة محمد ﷺ ومستقبله. ويذكر ابن إسحاق شعرا منسوبًا لزيد، ولكن هذا الشعر مشكوك فى صحته. ويعد زيد فى الحديث مؤمنا صادقًا وإن كان قد توفى قبل الإسلام. وأجاز النبى ﷺ ، الصلاة عليه وقال إنه من أهل الجنة. المصادر: (١) Annali dell' Islam: Caetani المقدمة، فقرة ١٦٤، ١٨٠، ١٨٢, رقم ٢، ١٨٦، ١٨٧. (٢) ابن سعد طبعة سخاو، جـ ١ قسم ١، ص ١٠٥. (٣) ابن إسحق، طبعة فستنفلد، ص ١٤٣ - ١٤٦، ١٤٩. الشنتناوى [فكا V. Vacca]

стр. 5328

الزيدية هم طائفة تحققت لها الأطماع السياسية بين طوائف الشيعة وهم يفترقون عن الشيعة الإثنى عشرية وعن الشيعة السبعية فى قولهم بإمامة زيد بن علىّ [بن الحسين بن على بن أبى طالب] وبعد أن مات زيد اشترك الزيدية فى فتن كثيرة قام بها العلويون، ولكنهم لم يؤلفوا قط فرقة واحدة. ومؤرخو المقالات يحصون من الزيدية ما يبلغ ثمانى فرق: من فرقة أبى الجارود الذى جمع بين الأعمال الحربية وبين القول بتأليه الأئمة، إلى فرقة مسلمة بن كُهيل الذى اقتصر فى تمسكه بمذهب الزيدية على مجرد الميل إلى الشيعة. وكانت الحال شبيهة بذلك فى المذهب الاعتقادى للزيدية. وهم لم يصبحوا جماعة متحدة إلا بعد أن تولى قيادتهم الروحية رجال من العلويين الذين كانوا يدعون الإمامة. وإذا نحن اعتمدنا على ما لدينا حتى الآن من معلومات وثيقة وجدنا أنه لا يستحق هذا الوصف من العلويين إلا رجلان: أولهما الحسن بن زيد الذى أسس منذ حوالى سنة ٢٥٠ هـ (٨٦٤ م) دولة زيدية جنوب بحر الخزر، وثانيهما القاسم الرَّسى، وهو ابن إبراهيم طباطبا بن إسماعيل الديباج بن إبراهيم ابن الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب (المتوفى سنة ٢٤٦ هـ = ٨٦٠ م) وعلى حين أنه لا توجد من مؤلفات الحسن بن زيد إلا شواهد غير مباشرة فإن مؤلفات القاسم الذى لم يوفق على أية حال فى ميدان السياسة قد بقيت، وإن كنا لم نزد معرفة به إلا فى العصر الحديث بحكم صلته بالرد على النصارى (راجع ما كتبه Di Matteo فى مجلة RSO، المجلد ٩، ١٩٢١ - ١٩٢٣؛ ص ٣٠١ - ٣٦٤) وبالرد على ابن المقفع La lotta tra l islam e il manicheismo: M. Guidi) رومة، ١٩٢٧)، ومذهب الزيدية الذى وضعه القاسم ووسعه وفصله من جاءوا بعده، وهو المذهب الزيدى الوحيد الذى بقى مذهب ينحو فيما يتعلق بالقول فى ذات اللَّه منحى الاعتزال (١)، وهو فيما يتعلق بالمسائل

стр. 5329

الأخلاقية مخالف للمرجئة، ويحمل إلى ذلك طابعًا من التشدد فى الدين يرفض التصوف، ولذلك فالطرق الصوفية ممنوعة فى الدولة الزيدية. أما فيما يتعلق بمسائل العبادات فإن مذهب الزيدية هذا يشترك مع بقية الشيعة فى مميزات معينة انفردوا بها بوصفهم فرقة من الفرق: من ذلك قولهم فى الأذان: "حىّ على خير العمل"؛ والتكبير خمس مرات فى صلاة الجنازة؛ ورفض المسح على الخفين؛ ورفض الصلاة خلف الفاجر؛ وعدم أكل ذبائح غير المسلمين. وهم فيما يتعلق بأحكام الزواج يحرمون الزواج من غيرهم، ولا يجيزون على كل حال زواج المتعة. ولما كان خصوم الزيدية يكادون جميعًا يكونون من المسلمين، فإن الزيدية يقولون من الناحية النظرية بطبيعة الحال، بوجوب محاربة البغاة الذين يخرجون على الإمام؛ على أنه كان هناك فوق ذلك خلاف فى العقيدة بين المعتزلة وأهل السنة، ومن ثم فإن الزيدية كثيرًا ما سموا أنفسهم "المؤمنين" بإطلاق المعنى، فى مقابل مخالفيهم، كما أنهم لم يترددوا فى تسمية حروبهم جهادًا هى وما يترتب عليها من نتائج تتعلق بقوانين الحرب. ونظرًا لتفرقهم من أول الأمر فإنهم اختلفوا أشد الخلاف فى المسائل الشرعية، وهذا الخلاف على كل حال لا يميز الفرقة من حيث هى. وقد دون المتأخرون هذه الآراء المتباينة من غير اتهام لأصحابها وفرحوا باعتبارها من جملة اختلاف الفقهاء. وهنا نجد أفرادًا من الزيدية يوافقون أفرادًا من أهل السنة فى مخالفة أفراد آخرين من الزيدية ومن أهل السنة، بحيث أصبح مذهب الزيدية فى الفقه بمثابة مذهب خامس إلى جانب المذاهب الأربعة. وقد صور لنا أبو الحسن عبد اللَّه بن مفتاح الزيدى ذلك تصويرا واضحًا ملموسا

стр. 5330

بأن جعل اسم كتابه "المنتزع المختار من الغيث المدرار" (الجزء الأول، طبعة القاهرة ١٣٢٨ هـ). ولابد بطبيعة الحال أن تكون الآراء قد اتحدت فى الدولة الزيدية الحالية اتحادًا كبيرًا؛ وقد جاء هذا الاتحاد من أن كتابين أصبحا فيها أساسًا للتعليم الرسمى، وهما: كتاب "الأزهار فى فقه الأئمة الأطهار" (راجع كتاب تاريخ المؤلفات العربية لبروكلمان جـ ٢، ص ١٧٨، ص ١٢٩) تأليف أحمد ابن يحيى المرتضى وكتاب "الروض النضير". وأهم الشروط التى يجب أن تتحقق فى الإمام هى: (أ) أن يكون من أهل البيت، دون تمييز بين أبناء الحسن وأبناء الحسين، ومعنى هذا أنه لا يخلف إمامًا بالوراثة، (ب) وأن يكون قادرًا على الخروج بنفسه للقتال بسيفه وقادرا على الدفاع، بحيث لا يلى الإمامة صبى ولا مهدى غائب، وأن يكون على ما يقتضيه منصب الإمامة من العلم: وقد أخذ الزيدية ذلك مأخذ الجد بدليل تلك الكثرة الهائلة من الكتب التى ألفها أئمة الزيدية فى جميع القرون. ولم يكن من الميسور والحالة هذه أن تنشأ تقاليد مما تتميز به الأسر المالكة. وكان النجاح الشخصى هو العامل الحاسم فى الوصول إلى الإمامة، ولذلك لم تقم سلسلة متصلة من الأئمة، بل يسلم الزيدية على نحو يتفق ومنطق الواقع بأنه يمكن أن يكون "زمان بلا إمام"، وأكثر من هذا أيضًا أنهم يسلمون بإمكان وجود "أئمة كثيرين فى زمان واحد" (١)، ومعنى هذا، من الناحية العلمية، أنه كثيرًا ما يظهر

стр. 5331

إمام معارض لآخر. فإذا استطاع هذا الإمام الجديد أن يقصى سلفه عن الإمامة فإن خلع الإمام المغلوب أو نزوله عن الإمامة يعتبر عند ذلك أمرًا مشروعًا تمامًا وهذا من علامات الاعتراف بالواقع من غير تعنت. ولكن إذا انقلب الوضع استطاع الإمام المغلوب أن يعود إلى الإمامة. وعدم تحقق كل شروط الإمامة يمنع من الاعتراف للإمام بالإمامة الكاملة؛ وعند ذلك لا يكون هناك سوى أئمة فى الحرب أو فى العلم. أما الرؤساء الذين لا تتعدى مقدرتهم المحافظة على حياة الدعوة الزيدية فإن الواحد منهم يسمى "داعيًا" أو "محتسبًا" أو "مقتصدًا" أو نحو ذلك. ثم إن الشك فى: من هو الذى يستحق أن يكون إمامًا حقيقة يتجلى عند الزيدية بالنسبة لمن ادعى الإمامة من العلويين فاختارهم الزيدية بعد أن صار لهم دولة فيما بعد، وذلك بغية المحافظة على الصلة بالشيعة الأولين. ونجد فى أول قائمة وصلت إلينا مشتملة على بيان الأئمة، وهى لمؤسس الدولة الزيدية فى اليمن، أن هؤلاء الأئمة على هذا الترتيب: (١) على، (٢) الحسن، (٣) الحسين، وبعد ذلك، (٤) زيد بن

стр. 5332

على وابنه، (٥) يحى، ثم يلى ذلك الإخوة الثلاثة، (٦) محمد بن عبد اللَّه (٧) إبراهيم ثم (٩) يحيى الذى ظهر فى بلاد الديلم، وذلك بعد أن كان قد اشترك فى الحرب عند الفخّ من أجل الحسين بن على بن الحسن، وأخيرًا (١٠) محمد بن إبراهيم طباطبا الذى خرج مع أبى السرايا (١١) أخوه المسمى القاسم الرّسى. أما القوائم الأحدث من ذلك عهدًا فهى تشمل عشرة أئمة آخرين، وأهمهم بالنسبة لنظرية الإمامية إدريس وهو أخ رابع للأئمة السادس والسابع والتاسع، وإدريس قد استوفى شروط الإمامة، لكنه أسس دولة بقيت فى المغرب على مذهب أهل السنة. وتحققت مطامع الزيدية فى مناسبتين، فقد ظهر عند بحر الخزر بعد أيام الحسن بن زيد، إلى حوالى سنة ٥٢٠ هـ (١١٢٦ م)، ما يقرب من عشرين إمامًا وداعيا، بينهم فترات متفاوتة فى طولها، ولكنهم كانوا متنازعين. ومنذ ذلك الزمان اندمج الزيدية هناك فى فرقة النكتوية. أما مؤسس الدولة الزيدية فى اليمن فهو الهادى إلى الحق يحيى بن الحسين من ولد ولد القاسم الرَّسى. وقد عاشت هذه الدولة إلى ما بعد سائر دول اليمن، وإن كانت، فى كثير من الأحيان "قد اضطرت إلى الارتداد إلى المدينة التى بدأت منها دعوتها وهى صعدة. وذلك منذ أوائل القرن الرابع للهجرة (العاشر الميلادى)، عند موت الناصر أحمد بن الإمام الهادى الذى كان ثانى إمام بعد أبيه الهادى. وفى خلال ذلك القرن لم يتيسر القيام إلا بمحاولات قليلة للتوسع على يد أبناء أحمد هذا وأحفاده، وعلى يد أئمة من بيوت فرعية من أبناء القاسم أيضًا، ولكنهم لم يكونوا من أبناء الهادى، ومنهم العيانى، ومنهم أيضا الإمام المؤلف المكثر المهدى الحسين بن المنصور القاسم الذى أدى موته سنة ٤٠٤ هـ (١٠١٣ م) إلى تفرق أتباعه، وفقدت فرقة منهم الأمل فى ظهور المهدى فى نهاية ألف السنة فانحلت. وفى سنة ٤٤٧ هـ (١٠٥٥ م) قتل الناصر أبو الفتح بن الحسين المسمى الديلمى فى الحرب بينه وبين الصليحيين، وذلك أنه كان فى أول الأمر قد ظهر بالإمامة بين زيدية أرض

стр. 5333

الخزر، وكان من أبناء زيد بن على. وإذن فليس بصحيح أن يعتبر أئمة اليمن من أبناء الرسّى. ولم يخلفه المتوكل أحمد بن سليمان من أبناء الهادى إلا فى سنة ٥٣٣ هـ (١١٣٨ م) فظل إمامًا إلى سنة ٥٦٦ (١١٧٠ م)، وهو علاوة على حروبه التى بلغ فيها نجران قد كتب فى الطعن على زندقة المطرّفيّة. واضطراب القرن السابع الهجرى (الثالث عشر الميلادى) يفسر لنا ما وقع من أن المهدى أحمد بن الحسين، من أبناء أبى البركات بن محمد بن القاسم الرسى، قد قتله قومه سنة ٦٥٦ هـ (١٢٥٨ م) بعد أن دامت إمامته عشر سنين. وكان للمهدى إبراهيم بن تاج الدين أحمد منافس فى شخص يحيى بن محمد، من بيت من الحسنيين لا نعرف عنه شيئًا قط هو بيت السراجى، ومات هو نفسه سنة ٦٧٤ هـ (١٢٧٥ م) فى الحبس عند المظفر يوسف الرسولى فى تعز، على حين أن المتوكل المطهر بن يحيى، وهو قد ظهر من بيت الهادى وتوفى سنة ٦٩٩ (١٢٩٩ م)، سمى المظلل بالغمامة، لأنه وهو مرتد من غزوة محفوفة بالخطر فى خولان أظلته غمامة فأخفته من المؤيد داود الرسولى الذى كان يطلبه. وقد اعترض انتقال الإمامة إلى ابنه المهدى محمد وإلى حفيده المطهر دخول غرباء كثيرين، مثل المؤيد يحيى ابن حمزة، أحد أبناء الإمام الثانى عشر على الرضى، وقد ملأت كتبه "من طباق الورق عدد ما كان فى حياته من أيام". وكان نظيره فى التأليف المهدى أحمد ابن يحيى المرتضى المتوفى سنة ٨٣٦ هـ (١٤٣٢ م) والذى لم يمكث فى الإمامة إلا عدة أيام. وبعد فترة تحارب فيها أئمة كثيرون فيما بينهم، وتحاربوا مع الطاهريين للاستيلاء على ذمار وصنعاء، اضطر حفيده المتوكل يحيى شرف الدين أن يعتكف ردحا من الزمن فى ثلا تحت ضغط قواد مماليك مصر (٩٣٣ هـ - ١٥١٧ م). صحيح أن ابنه المطهر استطاع أن يسترد إلى حين كل ما كان قد ضاع من البلاد حتى تهامة، ولكن الدولة العثمانية كانت قد قامت فيما بين ذلك. وتوفى حفيده وهو سجين فى إستانبول، كما توفى فى سنة ١٠٠٤ هـ (١٥٩٥ م) الناصر الحسن بن على، من فرع آخر من فروع

стр. 5334

بيت الهادى، بعد أن استطاع أن يحتفظ بالإمامة سبع سنين فى الأهنوم. وفى آخر تلك السنة بدأ المنصور القاسم بن محمد، وكان من بيت الهادى أيضًا، عهدًا جديدًا فى تاريخ الزيدية، وذلك أنه نادى بالحرب وأفلح فى قتاله إلى أن توفى (١٠٢٩ هـ = ١٦٢٠ م). وفى عهد ابنه المؤيد محمد المتوفى سنة ١٠٥٤ هـ (١٦٤٤ م) انسحب العثمانيون من اليمن سنة ١٠٤٥ هـ (١٦٣٥ م) ومنذ ذلك الزمان كان الأئمة فى الجملة من بيت القاسم هذا، برغم أنه كان لا يزال بعد قرون أئمة ينتمون إلى بيوت زيدية قديمة أصيلة، وكان ذلك لا يتم بطبيعة الحال إلا بفتن كثيرة كانت تضرب القبائل العربية فى أثنائها بعضها ببعض. فمثلا ينسب موت المؤيد محمد بن إسماعيل بن القاسم (١٠٩٧ هـ = ١٦٠٦ م) إلى عشيرته الأقربين، ذلك أنهم دسوا له السم، ثم استتب النظام إلى حد كبير فى عهد المهدى عباس بن المنصور الحسين المتوفى سنة ١١٨٩ هـ (١٧٧٥ م)، ولا تزال مدينة صنعاء تشهد إلى اليوم بما أقامه فيها من أبنية. وبرغم أن ابنه المنصور على المتوفى سنة ١٢٢٤ هـ (١٨٠٩ م) لم يكن كفؤًا، وفى عهده توغل الوهابيون حتى بلغوا تهامة، فإن حفيده المتوكل أحمد استطاع أن يعيد النظام إلى نصابه فى مدينة صنعاء، وأن ينشئ خزانة للمال ودارًا للكتب. وفى خلال ذلك وقعت تهامة فى أيدى أشراف مكة. أما حفيده المنصور على بن المهدى عبد اللَّه الذى تولى الإمامة منذ سنة ١٢٥١ هـ (١٨٣٥ م) فهو يوصف، حتى عند الزيدية أنفسهم، وصفًا قبيحًا شبيهًا بما رآه كروتيندون (C.J. Cruttendon) من أحوال هذا السكير (راجع J.R.G.S. المجلد ٨، جـ ٨، ١٨٣٨ م، ص ٢٨٤) ثم جاء حفيده محمد بن يحيى، ومع أنه لم يكن مجردًا من الكفاية بأية حال، فإنه اضطر بسبب منازعة إمام منافس له أن يرتكب وزرا خطيرا، ذلك أنه استنجد بالترك من تهامة، فجاءوا ودخلوا صنعاء سنة ١٢٦٤ هـ (١٨٤٧ م)، ولكن الشعب ثار وطردهم منها. ثم جاءت فتن القبائل وغزوات القرامطة فزادت الانحلال العام فى الدولة، وعند ذلك اتحد ثلاثة أئمة معزولين، وكانوا فى الأصل متعادين،

стр. 5335

وتضافروا على الإمام المتوكل محسن ابن أحمد وأسلموا صنعاء للترك مرة أخرى فى ١٦ صفر ١٢٨٩ هـ (٢٥ أبريل سنة ١٨٧٢ م) ولكن بينما كان محمد بن الإمام محسن يسعى إلى تولى الإمامة بموافقة الترك وبمال من أيديهم، كان فى الأهنوم وصعدة الهادى شرف الدين محمد الحسينى، من أبناء يحيى بن حمزة الآنف الذكر ومن رجال القرن الثامن الهجرى (الرابع عشر الميلادى) إمامًا مستقلا من سنة ١٢٩٦ هـ إلى ١٣٠٧ هـ (١٨٧٩ - ١٨٩٠ م)، ثم كافح المنصور محمد بن يحيى حميد الدين بأن شن حروبًا كثيرة بدأها من صعدة والأهنوم، كما قام أيضا بمفاوضات دبلوماسية مع الترك لكى يحصل على سائر بلاد اليمن ويحافظ على مبادئ الزيدية وينظم الحياة طبقًا لرأيهم فى الشريعة، ثم ظهر ابنه المتوكل يحيى بهمة أقوى فى ٢٠ ربيع الأول سنة ١٣٢٢ هـ (٤ يونية ١٩٠٤)، وعند ذلك زحفت القبائل التى أهاب بها إلى الحرب على حصون الترك، فسلمت إليه صنعاء سنة ١٩٠٤ م، ولم ينتهز يحيى فرصة المتاعب التى وقعت فيها تركية بعد حرب طرابلس، ولكنه استطاع أن يدخل صنعاء فى صفر سنة ١٣٣٧ هـ (نوفمبر ١٩١٨ م). وفى سنة ١٣٤١ هـ (١٩٢٣ م) استأنف الحرب مع الأدارسة، أمراء العسير، لكى يسترد تهامة، وقد أفلح فى ذلك، وكانت محمية عدن مجاورة لبلاده، ومن ثم دخل هذا الملك الجديد على اليمن، وهو الإمام الزيدى وأمير المؤمنين، فى ميدان السياسة العالمية الواسع. كانت آخر محاولاته للتوسع موجهة إلى قرامطة نجران، كما كان أول ضحاياه داعى القرامطة أثناء النزاع بينهما على المناخة. وإمامة الإمام الحالى يحيى تذكرنا بهذه الحروب وبأشياء كثيرة، منها أن النغمة الزيدية الصحيحة التى اتسم بها ما أصدره من بلاغات تذكرنا بإمامة الإمام الأول يحيى الهادى، وهو يعد من ذريته فى الجيل السادس والعشرين -وهذا ربما يفيد أيضًا فى تفسير نظرية الإمامة- ولكن لو أحصى الأئمة الذين خرجوا على الإمام، أو الأئمة الذين لم تعترف الجماعة كلها بإمامتهم، لكان هو الإمام المائة فى

стр. 5336

الترتيب بعد يحيى الهادى، وكان ممن تولى الإمامة من أسلاف والده المنصور محمد، وجده يحيى حميد الدين الذى كان وزيرًا، وقد سجنه الترك فى صنعاء سنة ١٢٩٣ هـ (١٨٧٦ م) هو وكثيرون غيره من العلماء والأعيان، وبعد هذا نجد أن أشهر من يعرف من أجداده هو جده السابع محمد، وجده الثامن الحسين، وكلاهما كان معروفا بشروحه للكتب الفقهية، وكان من الأئمة أيضًا جده التاسع، وهو المنصور القاسم الذى تقدم ذكره والذى حارب الترك، وتوفى سنة ١٠٢٩ هـ (١٦٢٠ م). وكان من أجداده الأقدمين فى القرن السابع الهجرى (الثالث عشر الميلادى) جده السادس عشر الحسين الأصغر، ولكنه كان مجرد أمير، ثم صار إمامًا، على أنه كان فى إمارته منازعًا. وفى القرن الرابع الهجرى (العاشر الميلادى) كان جده الثانى والعشرون القاسم، وجده الثالث والعشرون الداعى يوسف، وجده الرابع والعشرون يحيى. أما جده الخامس والعشرون، وهو الناصر أحمد، فكان إمامًا غير مدافع، وكان جده السادس والعشرون هو الهادى يحيى نفسه (١). المصادر: فيما يتعلق بالمصادر الأصلية. راجع (١) مجلة LsI المجلد ١ (١٩١٠) ص ٣٥٤ - ٣٦٨؛ والمجلد ٢ (١٩١١) ص ٤٩ - ٧٨.

стр. 5337

(٢) ومنذ ذلك الحين طبع كتاب الروض النضير للحسين بن أحمد الحيمى الصنعانى، وهو شرح بحواش على مجموع الفقه الكبير (أربعة أجزاء، القاهرة ١٣٤٧ - ١٣٤٩ هـ). (٣) أما عن كنوز مخطوطات الزيدية التى تبلغ مئات كثيرة فى دور الكتب الأوربية، فانظر فهرس المخطوطات الزيدية الموجودة فى فينا وفهرس مكتبة ميلانو الذى قام بوضعه أ. كريفينى (فى مجلة R.S.O، منذ المجلد ٢، ١٩٠٨). (٤) راجع ما جاء فى مادة زيد بن على وغيرها من مراجع، وخصوصًا فان أرندونك C. van Arendonk وكرايفينى E. Griffni. (٥) مقالات الإسلاميين للأشعرى، طبعة ريتر، الفهرس. (٦) الملل والنحل للشهرستانى، طبعة كيورتون ص ١١٥ - ١٢١. (٧) كتاب الفصل فى الملل لابن حزم، القاهرة ١٣٢٥ هـ، جـ ٤ ص ١٧٩ - ١٨٨, وما كتبه فى ذلك أ. فريدلندر I. Friedlander فى مجلة J.A.O.S. مجلد ٢٨ (١٩٠٧) ص ١ - ٨٠، ومجلد ٢٩ (١٩٠٩) ص ١ - ١٨٣. (٨) Das Staatsrecht der Zai dite: R. Strothmann، ستراسبورغ ١٩١٢. (٩) وللمؤلف نفسه أيضًا Kultur der Zaiditen، ستراسبورغ ١٩١٢. (١٠) كتاب ملوك العرب لأمين الريحانى، بيوت ١٩٢٤، ص ٦٩ - ١٩٦. (١١) li scrittori Zayditi eI`esegesi coranica Mu'tazila: M. Guidi رومة. (١٢) The Rise the Imams of Sanaa: A.S. Tritton أكسفورد ١٩٢٥. (١٣) تاريخ اليمن لعبد الواسع يحيى الواسعى اليمانى (كذا)، القاهرة ١٣٤٦ هـ. (١٤) نيل الوطر من تراجم رجال اليمن فى القرن الثالث عشر، القاهرة ١٣٤٨ هـ. أبو ريدة [شتروتمان R. Strothmann]

стр. 5338

زيرى، بنو اسم أسرتين حاكمتين حكمتا المغرب الإسلامى فى القرون الوسطى ١ - الزيرية أو بنو زيرى: أسرة بربرية تولت أمر جزء من بلاد البربر الشرقية من نهاية القرن الرابع (العاشر) إلى أواسط القرن السادس (الثانى عشر). وكان لبنى زيرى صلة بحلف صنهاجة العظيم، وقد استقرت لهم الحياة فى المغرب الأوسط؛ وأنشأ زيرى بن مناد مدينة أشير فى جبال تترى حوالى عام ٩٤٠ م وجعلها قصبة ملكه وحصنًا يدفع غزوات مغراوة الزناتية الذين كانوا أحلاف الأمويين فى قرطبة. وقاوم بنو زيرى زناتة، فعاونوا بذلك الفاطميين على تنفيذ خططهم فى إفريقية أصدق معاونة؛ أما أعظم خدماتهم شأنًا فمبادرتهم إلى نجدة المهدية عندما حاصرها أبو اليزيد الخارجى المثير للفتن؛ وقد كوفئ بنو زيرى على معاونتهم التى جاءت فى حينها، والتى أدوها للفاطميين فى هذه المناسبة وفى بضع مناسبات أخرى، فأقام الخليفة الأموى المعز، عندما غادر إفريقية إلى مصر عام ٣٦٣ هـ (٩٧٣ م)، بلقّين بن زيرى أميرا على إفريقية وجعل له الولاية على كل ما قد يغزوه من أراضى زناتة. واستمر هذا النضال مع هؤلاء الأعداء الوراثيين تحت إمرة بلقّين وقد كتب له النصر فى المغرب بأسره، فاستولى على جميع المدن الهامة فيما خلا سبتة؛ ثم تحت إمرة المنصور بن بلقين (٣٧٣ - ٣٨٥ هـ = ٩٨٤ - ٩٩٥ م) وباديس بن المنصور (٣٨٥ - ٤٠٦ هـ = ٩٩٥ - ١٠١٦ م). وانقسم بنو زيرى مملكتين فى عهد باديس بن المنصور: مملكة فى الغرب كانت من نصيب بنى حماد الذين كانوا يقيمون فى القلعة، ومملكة فى الشرق كانت من نصيب بنى زيرى، وقد اتخذوا القيروان قصبة لهم، وعقد بين الطرفين اتفاق ودى ينظم هذه القسمة عام ٤٠٨ هـ (١٠١٧ م) فى عهد المعز بن باديس؛ وكانت بلاد البربر الشرقية، رغم ما لحق بها من خسارة فى أراضيها، تنعم بازدهار اقتصادى غير منكور فى عهد المعز (٤٠٦ - ٤٥٤ هـ = ١٠١٦ - ١٠٦٢ م) فاستطاع

стр. 5339

هذا الأمير أن يجمّل القيروان وصبرة التى كانت مقر الحكم بعمائر غاية فى الإبداع (سقوف ومقصورة مسجد القيروان الجامع)؛ وقد شجعت. هذه الثروة المعز على أن ينفض عنه سلطان الفاطميين، وأن يطلّق مذهبهم الذى لم يقبله أهل إفريقية إلا كارهين؛ على أن الخليفة فى القاهرة أراد أن يؤدب المعز على هذا الانتقاض فسيِّر على أصحاب الفتنة عام ٤٤٤ هـ (١٠٥٢ م) القبيلتين الأعرابيتين بنى هلال وبنى سليم وكان فى فعلته هذه الطامة الكبرى، ذلك أن هاتين القبيلتين خربتا الأراضى المكشوفة تخريبا، واضطر المعز إلى الرحيل عن القيروان والاحتماء بالمهدية، واستولى الأعراب على السهول، فى حين قامت فى المدن جمهوريات وإمارات صغيرة مستقلة؛ وحاول تميم ابن المعز (٤٥٤ - ٥٠١ هـ = ١٠٦٢ - ١١٠٨ م) أن يسترجع مملكته ويقضى على أطماع بنى حماد إلا أنه لم يوفق فى ذلك توفيقا كبيرًا، وكان على خلفائه أن يستأنفوا هذه المهمة الشاقة؛ أما الشئ الذى تميز به حقًا الأمراء المتأخرون من بنى زيرى، وهم تميم بن المعز، ويحيى بن تميم (٥٠١ - ٥٠٩ هـ = ١١٠٨ - ١١١٦ م) وعلى بن يحيى (٥٠٩ - ٥١٥ هـ = ١١١٦ - ١١٢١ م)، والحسن بن على (٥١٥ - ٥٦٣ هـ = ١١٢١ - ١١٦٧ م) فهو ذلك النشاط البحرى الذى نمَّاه هؤلاء الرجال، وكانوا من أهل البر، فى حين شلت حركتهم فى بلادهم الأصلية، كما تميزوا بسعيهم المتواصل لاسترداد سيطرتهم على البحر من النورمنديين أهل صقلية، على أن هذا النضال، الذى كان يتخذ صورة الغارات يشنها القراصنة، لم يكتب النصر فيه آخر الأمر لبنى زيرى، وحاول أمراؤهم عقد اتفاق مع النورمنديين، بيد أنهم لم يستطيعوا منع العدو من غزو ساحل إفريقية ونهب مدن الساحل. وقد استولى جورج صاحب أنطاكية على المهدية عام ٥٤٣ هـ (١١٤٨ م)، وطرد الحسن من قصبة بلاده، فاحتمى ببونة ثم بالجزائر. وقد أعاد عبد المؤمن الخليفة الموحدى تنصيب الحسن على المهدية، وقضى فيها ثمانى سنوات قبل أن يطرد من البلاد ثانية، حيث مات مغمورًا فى المغرب الأقصى عام ٥٦٣ هـ (١١٦٧ م).

стр. 5340

المصادر: (١) ابن خلدون: Histoire des Berberes، طبعة ده سلان de Slane، جـ ١، ص ١٩٩ - ٢١٠؛ الترجمة، جـ ٢، ص ٩ - ٢٩. (٢) ابن عذارى: البيان المغرب، طبعة Dozy، جـ ١، ص ٢٣٧ وما بعدها؛ ترجمة Fagnan، جـ ١، ص ٣٣٢ وما بعدها. (٣) ابن الأثير: الكامل، طبعة Tonrberg، جـ ٨ ص ٤٥٦ وما بعدها؛ ترجمة Fagnan: Annales du Maghreb et de I 'EsPagne، ص ٣٧٠ وما بعدها. (٤) البكرى: Description de l'Afrique septentrionale، طبعة وترجمة ده سلان de Slane. (٥) Traites de Paix et de commerce concernant les relations des chretiens avec les Arabes de l'Afrique septentrionale: de Mas-Latrie باريس ١٨٦٦, جـ ١. (٦) Les Arabes en Berberie: G. Marcais، المقدمة، الفصلان الأول والثانى. (٧) المؤلف نفسه: Coupoles et Plafonds de la Grands Mosquee de Kairouan تونس ١٩٢٥ (٨) Islamische Schriftbander-Anhang: S. Flury، بال ١٩٢٠. صبحى [مارسيه G. Marcais] ٢ - الزيرية فى الأندلس: وهم فرع ثانوى من الأسرة البربرية بنى زيرى من أهل إفريقية، وقد أقاموا إمارة مستقلة قصبتها غرناطة عندما تفككت أوصال الخلافة الأموية فى قرطبة. ولم تمكّن صنهاجة لنفسها فى الأندلس إلا قبل ذلك ببضع سنوات؛ وإنما يرجع ذلك إلى الفتنة التى قام بها فى إفريقية أعضاء أسرة الأميرين الزيريين بلقين والمنصور، فقد التف هؤلاء المتذمرون حول زاوى أحد أبناء زيرى، فحثهم على الرحيل عن إفريقية. وقد عرضوا خدماتهم على حاجب قرطبة العامرى عبد الملك المظفر فرحب بها أول الأمر، ورحلوا إلى الأندلس ومعهم أتباع كثيرون، وسرعان ما أصبح لهم شأن فى جيش البربر الذى جمعه بنو عامر، وكانوا من أركان هذا الجيش؛ وقام الخليفة سليمان المستعين فى مستهل القرن الخامس (الحادى

стр. 5341

عشر الميلادى) بتوزيع الأراضى على خاصة أمرائه، فوهب لبنى زيرى ناحية ألبيرة، وقد حلت غرناطة شيئًا فشيئًا محل قصبة هذه الناحية القديمة، وكانت غرناطة آنئذ مدينة حديثة النشأة جل سكانها من اليهود؛ وشرع زاوى بن زيرى فى تصريف الأمور بوصفه واليًا مستقلا على غرناطة، ولم يعمد من فوره إلى اتخاذ لقب السلطان. وقد آزر زاوى المطالب بالخلافة على بن حمود وأوقع بأعوان مطالب آخر بالخلافة. هو عبد الرحمن المرتضى، هزيمة منكرة فى منطقة غرناطة عام ٤٠٧ هـ (١٠١٦ - ١٠١٧ م)، وقد قوى سلطان زاوى بطبيعة الحال على إثر ما كتب له من نصر، ومن هنا يصعب علينا أن نفسر القرار الذى بادر باتخاذه ألا وهو انعقاد عزمه على هجر إمارته والعودة إلى إفريقية مسقط رأسه؛ ولا شك فى أنه كان مدفوعًا فى هذا بالحقد الدفين الذى كان لا يزال مستعرًا فى أسبانيا والذى أدى إلى تقسيم أفريقية إلى زناتة مناهضين للفاطميين، وصنهاجة يؤازرونهم؛ وكان الزناتية يستولون يومًا بعد يوم على أرض جديدة فى الأندلس حيث احتلوا المنطقة الجبلية فى وسط الأندلس وفى غربها، بيد أن زاوى استعاد القيروان عام ٤١٦ هـ (١٠٢٥ م) بشرذمة من أتباعه. ورحل زاوى بن زيرى عن الأندلس، فتزعم حبوس بن ماكسن ابن أخيه بنى زيرى فى غرناطة، وقد اتخذ حبوس اللقب الملكى "الحاجب" ولقب التشريف "سيف الدولة" وتولى الحكم عشر سنوات أو تزيد حتى عام ٤٢٩ هـ (١٠٣٨ م)؛ وعقد أحلافا مع الدويلات الصغيرة المجاورة، وعند موته كانت مملكته قد اتسعت رقعتها بضم ناحيتى جيان وقبرة؛ وقد عهد حبوس بتسيير دفة مملكته إلى وزير يهودى يدعى صمويل بن نغزالة، وهو أمر لم يسبقه إليه أحد فى أسبانيا على عهدها الإسلامى. ومات حبوس بن ماكسن فانتقل السلطان إلى ابنه باديس بن حبوس، ويعد حكمه الطويل غاية ما بلغه سلطان بنى زيرى فى الأندلس من عز وسؤدد. وقد استهل حبوس عهده بوقعة دموية

стр. 5342

هزم فيها أمير المرية وحليفه القديم زهير ولقى زهير حتفه فى المعركة التى جرت فى ممر ألفنت (٤٢٩ هـ) وقد شجع هذا النصر باديس بن حبوس، كما شجعته انتصاراته الأخرى التى فاز فيها دون مشقة على جنود أميرى بلنسية وإشبيلية على أن ينفض عن كاهله سلطان الخليفة الحمودى القليل الشأن فى مالقة (وكان هذا السطان فى أحسن حالاته لا يتعدى الاسم دون الفعل) وضم أراضيه إلى ملكه (عام ٤٥٠ هـ = ١٠٥٩ م) وقد تميزت السنوات التالية بالسياسة المناهضة للبربر التى انتهجها ملك إشبيلية العربى المعتضد ابن عباد الذى أفلح فى ضم الدويلات البربرية رندة وشريش وأركش. وقد ترتب على ذلك أن قوى سلطان العرب فى الأندلس كثيرًا؛ ولم يبق للبربر كتلة قوية تناهض هؤلاء إلا بنو زيرى من قبيلة صنهاجة أصحاب غرناطة، ومن ثم لم يكن بد من أن ينزعج باديس لهذا المتقدم الذى أصابته مملكة عبّاد فى شرق الأندلس، ولما بدا فى نفس الوقت من علامات السخط التى أخذت تستبين شيئًا فشيئًا بين رعاياه هو من العرب، فشهر الحرب على أشبيلية فى هذه الظروف المشئومة ضاربًا عرض الحائط بنصح الوزير صمويل. وكان قد استبقاه عند اعتلائه العرش، ودارت الدائرة عليه فى هذه الحرب، على أنه استطاع لحسن حظه أن يوقف تقدم الجيش الذى كان يتقدم صوب مالقة بقيادة الأمير المعتمد. وتوفى الوزير صمويل فخلفه ابنه يوسف، وغدا وزير باديس الأول، ولم يكن الوزير الجديد على شاكلة أبيه، فجلب على نفسه سخط العرب فى مملكة بنى زيرى، ونقمة البربر أنفسهم بسبب إسرافه ومظاهر الترف التى كانت يحيط بها نفسه والنعم التى كان يغدقها على إخوانه فى الدين. وفى بعض الروايات فإن أطماعه قد ازدادت حتى عمد إلى دس السم لبلقين بن باديس ووارثه الشرعى، ثم برأ نفسه أمام سيده، وفكر فى وقت من الأوقات فى إقامة دولة يهودية فى الأندلس مستهدفًا تحقيق أطماعه الخاصة. وكان يوسف متصلا فى السر بابن صمادح أمير المرية، وقد عرض عليه أن يسلمه غرناطة على شرط أن تصبح المريَّة

стр. 5343

قصبة إمارة يهودية يكون هو حاكمها، وكان رد الفعل سريعًا لا دافع له، فقد استجاب الناس لنداء الشاعر العربى أبى اسحق الألبيرى فى قصيدة له ذاع صيتها، ودبرت مؤامرة على يهود غرناطة، وفى ٩ صفر عام ٤٥٩ هـ (٣٠ ديسمبر عام ١٠٦٦) ذبح يوسف بن نغزالة هو و ٣٠٠٠ من يهود غرناطة وسلبت منازلهم. واستمر حكم باديس بن حبوس إلى عام ٤٦٦ هـ (١٠٧٣ م)، وأضحت غرناطه آنئذ مدينة ذات شأن وخطر تتجمع حول القلعة التى كانت على الشاطئ الغربى لنهر دويره. وكان حبوس بن ماكسن قد بناها ووسع باديس رقعتها. وكان يطلق على دار باديس، وفقًا لرواية أهل البلاد، اسم "دارديك الريح" وقد بقى هذا الاسم ماثلا فى العبارة الأسبانية (Casa del Callo) وشيد على بن محمد بن توبة قاضى غرناطة قنطرة على نهر دويره عام ٤٤٧ هـ (١٠٥٥ م)، ما زالت تعرف "بقنطرة القاضى، (Puente del Cadi) وقد خلد المؤمل، من موالى باديس بن حبوس، ذكراه فى غرناطة بإقامة بضع عمائر عامة شيدت أيضًا فى العهد الزيرى. وتوفى باديس بن حبوس وخلّف حفيدين هما تميم، وكان آنئذ واليًا على مالقة، وعبد اللَّه، وقد تولى عبد اللَّه حكم غرناطة، فى حين نصب أخوه نفسه واليًا مستقلا على مالقة. وظل هذا التقسيم قائمًا حتى نهاية أسرة بنى زيرى، على أن تقدم الجيوش المسيحية سرعان ما عجل بالحوادث، ذلك أن استيلاء ألفونسو السادس عام ١٠٨٥ م على طليطلة أعقبه فى العام التالى النصر المشهور الذى أحرزه يوسف بن تاشقين فى الزلاقة واشترك معه فى القتال تميم وعبد اللَّه بكتائبهما؛ وعاد يوسف إلى الأندلس عام ١٠٩٠ م، وكان من أول ما وجه إليه عنايته بعد أن خاب حصار أليدو، الاستيلاء على غرناطة وخلع عبد اللَّه عن العرش، عملا بنصيحة أبى جعفر القليعى قاضى غرناطة. واضطر عبد اللَّه بعد أن تخلى عنه الناس جميعًا إلى الالتجاء إلى السلطان المرابطى، بيد أن السلطان أخذه أسيرًا، وبادر إلى خلع أخيه تميم عن عرشه فى مالقة. ونفى عبد اللَّه إلى

стр. 5344

أغمات وهى على التخوم الشمالية لجبال الأطلس الكبرى؛ وأكره تميم على أن يقيم فى مراكش حيث توفى عام ٤٧٧ هـ (١٠٩٥ م) وقد نصب على غرناطة ومالقة واليان مرابطيان، فكان ذلك شاهدا على سقوط أسرة بنى زيرى فى الأندلس. المصادر: (١) المصدر العمدة هو ابن عذارى: البيان المغرب، جـ ٣، طبعة E-Levi Provencal باريس ١٩٣٠، الفهرست. (٢) قارن أيضًا ابن الخطيب: الإحاطة، القاهرة؛ ومخطوط فى الإسكوريال. (٣) ابن بسام: الذخيرة فى محاسن أهل الجزيرة، جـ ١. (٤) النصوص التى جمعها Dozy: Arabum loci de Abbadidis Script. ليدن ١٨٨١، جـ ١، ص ٢٨٢ وما بعدها. (٥) المقرى: نفح الطيب (Analectes)، الفهرس. (٦) Munck فى J.A.، المجموعة الرابعة، جـ ٦، ص ٢١٠ وما بعدها. (٧) Les juifs d'Espagne: Graetz ترجمة Stenne، باريس ١٨٧٢. (٨) Hist. Mus. Esp.: Dozy، الطبعة الجديدة، ليدن ١٩٣٢، جـ ٣، الفهرست. (٩) Recherches sur l'histoire et la litteratur de l'Espagne au Moyen Age: Dozy، ليدن ١٨٨١، جـ ١، ص ٢٨٢ وما بعدها. (١٠) Les Reyes de taifas: A. Prieto y.vives، مدريد ١٩٢٦، ص ٢٨ وما بعدها. (١١) Historia de la Espana Musulmana: A. Gonzales Palencia، برشلونة ١٩٢٥، ص ٦٠ - ٦٤ و ٧٢ - ٧٣. صبحى [ليفى بروفنسال E Levi-Provencal] زينب بنت جحش بنت رئاب الأسدية: إحدى زوجات النبى ﷺ ، وهى ابنة أميمة بنت عبد المطلب، وكنيتها أم الحكم، واسمها برّة. وكانت زينب من أوائل المهاجرين إلى المدينة، وكانت بكرا (وفى قول روايات أخرى أرملة) عندما زوجها النبى ﷺ من مولاه الذى كان متبناه زيد بن حارثة.

стр. 5345

وفى العام الرابع من الهجرة طلقها زيد وتزوج منها النبى. وقد نزل الوحى بما بدد شكوك النبى ﷺ فى زواجه هذا. (سورة الأحزاب، الآية ٣٦ - ٣٩). وكان مهر زينب أربعمائة درهم. وكانت فخورة بالظروف التى أحاطت بزواجها، كما أنها كانت تردد القول بأن محمدا ﷺ تزوج أزواجه من آبائهم وإخوتهم، أما زواجها به فكان بوحى من اللَّه، ويقال إن آيات الحجاب (سورة الأحزاب، الآية ٥٣) نزلت فى مناسبة عرس زينب، كما يقال إن سورة التحريم نزلت فى زينب وغيرة زوجات النبى الأخريات منها. وكانت زينب صديقة لعائشة، وأحب أزواج النبى ﷺ إليه بعد عائشة وقد صحبته فى غزوة خيبر، واشتهرت بجودها، وثمة حديث بأن أكرم زوجات النبى ﷺ هى وأسبقهن فى اللحاق به فى الجنة، والحديث يشير إلى ذلك، وقد أخذت زينب ١٢ ألف درهم من عمر عام ٢٠ للهجرة، ولكنها لم تترك شيئًا، ذلك أنها تصدقت بكل ما فى يدها على الفقراء. وكانت زينب فى نحو الخامسة والثلاثين عندما تزوجت محمدًا ﷺ ، وتوفيت وهى فى حدود الخمسين من عمرها سنة ٢٠ أو ٢١ للهجرة. وقد هولت الدعاية المسيحية فى حادث شغف الرسول ﷺ بزوجة متبناه (انظر Refutation Alcoroni: Marracci ص ٥٦٢). وقد تناول المحدثون من كتاب السير المسلمين والمفسرون إظهار هذا الحادث فى شرح لائق، مثال ذلك محمد عبده فى "تفسير الفاتحة ومشكلة القرآن" القاهرة سنة ١٣٣٠ هـ، فى الفصل المعنون "توضيح مسألة زيد وزينب"؛ ومولانا محمد على فى كتابه "محمد الرسول" لاهور سنة ١٩٢٤، ص ٢٤٩ - ٢٥٠. المصادر: (١) ابن سعد، طبعة Sachau جـ ٨، ص ٧١ - ٨٢. (٢) Annali dell' Islam: Caetani حوادث السنة الأولى للهجرة، فقرة ١٥، رقم ٢٥؛ حوادث سنة ٥ هـ، فقرة ٢٠ - ٢٧؛ حوادث سنة ٨، فقرة ١٥، رقم ٢؛ حوادث سنة ٢٠، فقرة ١٣٩، رقم ٨؛ حوادث سنة ٢٠، فقرة ٢٦٧، ٢٩٨, ٤٠٠ - ٤٠٦.

стр. 5346

(٣) ابن إسحاق، طبعة فستنفلد، ص ١٠٠٤. (٤) صورة أدبية Vid'Oriente e d'Occidente sioni: Furico Ruta ميلان سنة ١٩٢٤، ص ٣٥ - ٤٥. الشنتناوى [فكا V. Vacca] تعليق على مادة زينب بنت جحش رد الأستاذ الدكتور محمد حسين هيكل على تقولات المستشرقين فى قصة زواج النبى ﷺ بزينب بنت جحش. وقد آثرنا أن ننقل هذا الرد البليغ هنا. "أما قصة زينب بنت جحش، وما أضفى المستشرقون والمبشرون عليها من أستار الخيال حتى جعلوها قصة غرام ووله، فالتاريخ الصحيح يحكم بأنها من مفاخر محمد ﷺ وأنه، وهو المثل الكامل للإيمان، قد طبق فيها حديثه الذى معناه: لا يكمل إيمان المرء حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه. وقد جعل نفسه أول من يضرب المثل لما يضع من تشريع يمحو به تقاليد الجاهلية وعاداتها، ويقر به النظام الجديد الذى أنزله اللَّه هدى ورحمة للعالمين. ويكفى لهدم كل القصة التى قرأت عنها من أساسها أن تعلم أن زينب بنت جحش هذه هى ابنة أميمة بنت عبد المطلب عمة رسول اللَّه ﷺ وأنها ربيت بعينه وعنايته، وأنها كانت لذلك منه بمقام البنت أو الأخت الصغرى وأنه كان يعرفها ويعرف أهى ذات مفاتن أم لا قبل أن تتزوج زيدا، وأنه شهدها فى نموها تحبو من الطفولة إلى الصبا إلى الشباب. وأنه هو الذى خطبها على زيد مولاه، إذا عرفت دلك تداعت أمام نظرك كل تلك الخيالات والأقاصيص من أنه مر ببيت زيد ولم يكن فيه، فرأى زينب فبهره حسنها وقال: سبحان مقلب القلوب، أو أنه لما فتح باب زيد عبث الهواء بالستار الذى على غرفة زينب فألفاها فى قميصها ممددة فانقلب قلبه فجأة ونسى سودة وعائشة وحفصة وزينب بنت مخزوم وأم سلمة، ونسى كذلك دكر خديجة التى كانت عائشة تقول: إنها لم تجد فى نفسها غيرة من أحد من نساء النبى ﷺ ما وجدت من ذكر خديجة، ولو أن شيئا

стр. 5347

من حبها علق بقلبه لخطبها إلى أهلها على نفسه بدل أن يخطبها على زيد. وهذه الصلة بين زينب ومحمد ﷺ وهذا التصوير الذى صورناه به لا يدعان بعدهما لتلك القصة الخيالية التى يروون أى أساس أو أى حق فى البقاء. وماذا يثبت التاريخ أيضًا؟ يثبت أن محمدا ﷺ خطب ابنة عمته زينب على مولاه زيد، فأبى أخوها عبد اللَّه بن جحش أن تكون قرشية هاشمية وهى فوق ذلك ابنة عمة الرسول ﷺ وأن تكون تحت عبد رق اشترته خديجه ثم أعتقه محمد ﷺ ورأى فى ذلك على زينب عارا كبيرا. وكان ذلك عارا حقا عند العرب كبيرا. فلم تكن بنات الأشراف الشريفات ليتزوجن من موال وإن أعتقوا. لكن محمدا ﷺ يريد أن تزول مثل هذه الاعتبارات القائمة فى النفوس على العصبية وحدها، وأن يدرك الناس جميعا أن لا فضل لعربى على أعجمى إلا بالتقوى، ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. وهو لا يرى أن يستكره لذلك امرأة من غير أهله، فلتكن زينب بنت جحش بنت عمته هى التى تحتمل هذا الخروج على تقاليد العرب، وهذا الهدم لعاداتها، مضحية فى ذلك بما يقول الناس عنها مما تخشى سماعه. وليكن زيد مولاه الذى تبنى والذى أصبح بحكم عادات العرب وتقاليدها صاحب حق فى أن يرثه كسائر أبنائه سواء، هو الذى يتزوجها، فيكون مستعدا للتضحية التى أعد الشارع الحكيم للأدعياء الذين اتخذوا أبناء. وليبد محمد إصراره على أن تقبل زينب وأن يقبل أخوها عبد اللَّه بن جحش زيدا زرجا لها، ولينزل فى ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾. لم يبق أمام عبد اللَّه وأخته زينب بعد نزول هذه الآية إلا الإذعان. فقالا: رضينا يا رسول اللَّه. وزوجت زينب من زيد، وساق النبى ﷺ إليها عنه مهرها. فلما سارت زينب إلى زوجها لم يسلس له قيادها ولا لان إباؤها، بل جعلت تؤذى زيدا وتفخر عليه بنسبها وبأنها لم يجر عليها رق. واشتكى زيد إلى

стр. 5348

النبى ﷺ غير مرة من سوء معاملتها إياه، واستأذنه غير مرة فى تطليقها، فكان النبى ﷺ يجيبه: "أمسك عليك زوجك واتق اللَّه". ولكن زيدا لم يطق معاشرة زينب وإباءها عليه طويلا فطلقها. وكان الشارع الحكيم قد أراد أن يبطل ما كانت تدين به العرب من التصاق الأدعياء بالبيوت، واتصالهم بأنسابها، ومن إعطاء الدعى جميع حقوق الابن، ومن إجرائهم عليه أحكامه حتى فى الميراث وحرمة النسب، وألا تجعل للتبنى واللصيق إلا حق المولى والأخ فى الدين. فنزل قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾. ومعنى هذا أنه يجوز للمدعى أن يتزوج ممن كانت زوجا لمن ادعاه. ويجوز للمتبنى أن يتزوج ممن كانت زوجا لمتبناه. ولكن كيف السبيل إلى تنفيذ هذا؟ -ومَن- مِن العرب يستطيعه وينقض به تقاليد الأجيال السالفة جميعا؟ إن محمدا ﷺ نفسه على قوة عزيمته وعميق إدراكه لحكمة اللَّه فى أمره قد وجد على نفسه الغضاضة فى تنفيذ هذا الحكم بأن يتزوج زينب بعد تطليق زيد إياها. ودار بخاطره ما يمكن أن يقول الناس فى خرقه هذه العادة القديمة المتأصلة فى نفوس العرب؛ وذلك ما يريده تعالى فى قوله ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾، لكن محمدا ﷺ كان القدوة فى كل ما أمر اللَّه، وما ألقى عليه أن يبلغ رسالته، فليخش ما يقول الناس فى تزوجه من زوج زيد مولاه، فذلك لا شئ إلى جانب خشية اللَّه بتنفيذ أمره. وليتزوج من زينب ليكون قدوة فيما أبطل الشارع الحكيم من الحقوق المقررة للتبنى والادعاء. وفى ذلك نزل قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾. هذه رواية التاريخ الصحيح فى أمر زينب بنت جحش وزواج محمد ﷺ منها فهى ابنة عمته. وكان يراها ويعرف مبلغ جمالها قبل أن تتزوج زيدا، وهو الذى خطبها لزيد. وكان

стр. 5349

يراها بعد أن تزوجت زيدا إذ لم يكن الحجاب معروفا يومئذ. على أنه كان من شأنها بحكم صلة القرابة من ناحية وأنها زوج دعيه زيد من ناحية أخرى، أن تتصل به لصالحها ولتكرار شكوى زيد منها. وقد نزلت هذه الأحكام جميعا فأيدها ما حصل من زواج زيد لزينب وتطليقه إياها وزواج محمد ﷺ منها بعد ذلك. هذه الأحكام التى ترفع المعتق إلى مكانة الحر الشريفة والتى تبطل حقوق الأدعياء وتقضى عليها بصورة عملية لا محل للبس ولا لتأويل بعدها. أفيبقى بعد ذلك أثر لهذه الأقاصيص التى يكررها المستشرقون والمبشرون ويرددها موير وإرفنج وشبرنجر وفيل ودرمنجم ولامنس وغيرهم ممن تناولوا كتابة حياة محمد ﷺ ! لكنها شهوة التبشير المكشوف تارة، والتبشير باسم العلم أخرى، والخصومة القديمة للإسلام، خصومة تأصلت فى النفوس منذ الحروب الصليبية هى التى تملى على هؤلاء جميعا ما يكتبون، وتجعلهم فى أمر أزواج النبى ﷺ وفى أمر زواجه من زينب بنت جحش يتجنون على التاريخ. زينب بنت خزيمة بنت الحارث الهلالية: إحدى زوجات النبى ﷺ وقد كنيت بأم المساكين منذ الجاهلية؛ طلقها زوجها الأول الطفيل بن الحارث، وقتل زوجها الثانى عبيدة بن الحارث فى غزوة بدر. وتزوجها الرسول ﷺ فى الرابع من رمضان وأمهرها أربعمائة درهم، وتوفيت بعد ذلك بشهرين أو ثمانية أشهر، وهى أولى زوجاته المدنيات اللواتى توفين قبله، ودفنت بقرافة البقيع. المصادر: (١) ابن سعد طبعة سخاو، جـ ٨، ص ٨٢. (٢) Annali dell' Islam: Caetani حوادث عام ٤ للهجرة، فقرة ١٦، ٢٢. (٣) الطبرى، ده غوى، جـ ١، ص ١٧٧٥ - ١٧٧٦. (٤) ابن الأثير: أسد الغابة، جـ ٥ ص ٤٦٦ - ٤٧٦. الشنتناوى [فكا V. Vacca]

стр. 5350

زينب بنت محمد ﷺ - إحدى بنات النبى ﷺ ، ويقال إنها أكبرهن. تزوجت من ابن خالها أبى العاصى بن الربيع قبل بعثة أبيها. وكانت زينب فى الطائف عندما هاجر النبى ﷺ ، فلم تتبعه إلى المدينة. وأسر زوجها فى غزوة بدر، وكان لا يزال على الوثنية. وأرسلت زينب عقدا كان لخديجة تفتدى به زوجها، فأطلق النبى محمد ﷺ سراحه على شريطة أن تشخص زينب إلى المدينة، وقد أساء الجبار بن الأسود معاملتها وهى فى طريقها إلى المدينة، وسقطت سقطة كانت السبب فى إجهاضها (ويذكر بعض المؤلفين أن هذا الحادث وقع عام ٨ للهجرة، ويقولون إنه كان السبب فى وفاتها). وأسر زوجها مرة أخرى فى العام السادس للهجرة فى سرية العيس، وأطلق سراحه بفضل وساطة زوجته، ودخل فى الإسلام فى العام السابع للهجرة، وعقد له على زوجته بعقد جديد. وتوفيت زينب بالمدينة عام ٨ هـ. وقد أعقبت طفلين: على وقد توفى وهو طفل، وأمامة. وتزوجت من على بن أبى طالب بعد وفاة فاطمة. المصادر: (١) ابن سعد، طبعة سخاو، جـ ٨، ص ٢٠ - ٢٤. (٢) Annali dell' Islam: Caetani، المقدمة فقرة ١٦٠، رقم ١، فقرة ٣٤٩، رقم ١؛ عام ٢ للهجرة، فقرة ٨٢؛ عام ٦ للهجرة، فقرة ٩، عام ٧، فقرة ٣، عام ٨ فقرة ٨٠، ٨١، ٢٠١. (٣) الطبرى، طبعة ده غوى، جـ ٣، ص ٢٣٠٣ - ٢٣٠٧ (٣ Fatima et les Filles de Mahomet: H.Lammens فى مواضع مختلفة. الشنتناوى [فكا V. Vacca] الزينبى أبو القاسم على بن طراد ابن محمد: وزير العباسيين، ويعرف هو وآل بيته باسم الزينبى لأنهم انحدروا من زينب بنت سليمان بن على بن عبد اللَّه بن

стр. 5351

العباس ابن عم الخليفتين العباسيين الأولين. وكانت له مكانة كبيرة عند العباسيين. وقد اختير أبوه طراد فى رجب عام ٤٥٣ (يوليه - أغسطس سنة ١٠٦١) نقيب نقباء الأشراف العباسيين، وبعد وفاته فى شوال عام ٤٩١ (سبتمبر سنة ١٠٩٨) ورث على الزينبى هذا المنصب، ثم ضم إليه فى عام ٥١٧ هـ (١١٢٣ - ١١٢٤ م) منصب نقابة العلويين. وفى شهر جمادى الأولى عام ٥١٦ (يولية - أغسطس سنة ١١٢٢) صرف الوزير جلال الدين بن صدقة عن منصبه، فقام الزينبى بتصريف أمور الوزارة بضعة أشهر دون أن يتقلدها رسميا. ولم يعينه الخليفة المسترشد فى هذا المنصب إلا فى شهر ربيع الثانى من عام ٥٢٣ (أبريل ١١٢٩). ومع ذلك فقد صرف الزينبى، وحل مكانه فى الوزارة أبو شروان بن خالد. وقد قتل الخليفة المسترشد فى هذا الوقت، وخلفه ولده الراشد (٥٢٩ هـ = ١١٣٥ م). غير أنه حدث فى العام التالى أن أفتى جماعة من الفقهاء والمشرعين بتحريض من الزينبى بعدم صلاحية الراشد للخلافة. وسأل السلطان السلجوقى مسعود بن محد الزينبى عمن يصلح للخلافة فاقترح عليه محمد بن المستظهر عم الراشد، فنودى به أميرا للمؤمنين باسم المكتفى، وعين الزينبى وزيرًا له. غير أن النزاع دب بين هذا الخليفة الجديد ووزيره بعد فترة من الزمن. فذهب الزينبى إلى بلاط السلطان مسعود وكان على صلات طيبة به؛ وقد استدعاه الخليفة لمباشرة مهام منصبه، ولكنه رفض، فصرفه عن منصبه عام ٥٣٤ هـ (١١٣٩ - ١١٤٠ م). وعاد الوفاق دين الخليفة ووزيره بتوسط السلطان مسعود عام ٥٣٦ هـ (١١٤١ - ١١٤٢ م) وسمح للزينبى بالعودة إلى بغداد. غير أن الخليفة أصبح فى غير حاجة إليه. وتوفى الزينبى فى رمضان عام ٥٣٨ هـ (مارس - أبريل سنة ١١٤٤) وهو فى فقر مدقع. المصادر: (١) ابن الأثير: الكامل، طبعة تورنبرغ، جـ ٥, ص ٤٣١؛ جـ ٦، ص ٣١٠؛ جـ ١٠، ص ١٢، ١٥٧، ١٩١، ٣٠٧، ٣٠٩، ٣٧٧، ٤٢٥، ٤٣٥، ٤٦٠، ٤٨٠؛ جـ ١١، ص ٢٧ وما بعدها، ٥٠، ٥٩، ٦٣.

стр. 5352

(٢) ابن الطقطقى الفخرى، طبعة درنبورغ، ص ٤٠٦، ٤١١ وما بعدها، ٤١٤ - ٤١٨. (٣) ده سلان فى ترجمته لابن خلكان، جـ ٣، ص ١٥٣ وما بعدها. الشنتناوى [تسترشتين K.V. Zettersteen] زين الدين أبو بكر محمد بن محمد الخوافى: صاحب الطريقة المعروفة بالزينية نسبة إليه، وهى ترجع إلى الجنيد. ولد زين الدين عام ٧٥٧ هـ (١٣٥٦ م) فى خواف (بين بوشَنْج وزَوْزَن) من أعمال خراسان، ودفن عام ٨٣٨ هـ (١٤٣٥ م) فى قرية مالين (على مسيرة فرسخين من هراة) ثم نقلت رفاته إلى درويش آباد، ومنها إلى عيد كاهراة حيث شيد عليها مسجد. ونال زين الدين إجازته فى مصر على يد نور الدين عبد الرحمن المصرى (نفحات الإنس رقم ٥٠٥) وعاد إلى آسية الوسطى، ولكنه زار مصر مرة أخرى، وبعث منها سنة ٨٢٢ هـ (١٤١٩ م) بشاهد قبر إلى خواجه محمد بارسا الذى توفى فى المدينة. وقد استمد أصحاب المصادر من إحدى رسائله بعض معلوماتهم عنه. وتتلمذ زين الدين فى مصر على عبد الرحيم بن الأمير المرزفونى، فلزمه فى بيته، كما درس فى بيت المقدس على عبد اللطيف بن عبد الرحمن المقدسى وعلى عبد المعطى المغربى، ثم تلقى العلم على أستاذ رابع هو خواجه سعد الدين من أهل كاشغر، وكان أشهر أهل تلك المدينة (توفى عام ٨٦٠ هـ = ١٤٥٦ م؛ Relation de l'Ambassade au Kharezm ترجمة C. Schefer سنة ١٨٧٩، ص ١٦٤) , ولزين الدين عدة مؤلفات: "رسالة الوصايا القدسية" وقد ألفها فى بيت المقدس و"الأوراد الزينية"؛ وله أيضا رسالة فى الزهد. وكان حفيده، ويعرف أيضا باسم زين الدين، من رجال بلاط بابر، وقد ترجم مذكرات بابر إلى اللغة الفارسية. المصادر: (١) نفحات الأنس، رقم ٥٠٦. (٢) الشقائق النعمانية، ترجمة O. Rescher الآستانة سنة ١٩٢٧، ص ٣٨ - ٤١. (٣) Brockelmann G.A.L. جـ ٢، ص ٢٠٦. الشنتناوى [مركوليوث D.S. Margoliouth]

стр. 5353

س

стр. 5354

ساج، بنو أسرة نسبت إلى مؤسسها أبى الساج. وقد حكمت هذه الأسرة فى أذربيجان تحت السيادة الاسمية للخلفاء العباسيين فى نهاية القرن الثالث الهجرى (التاسع الميلادى) وبداية القرن الرابع الهجرى (العاشر الميلادى). وشملت هذ الأسرة خمسة حكام: ١ - أبو الساج ديوداد بن يوسف ديودست من أهل أشروسَنَة، وهو قائد تركى خدم الخليفه المتوكل واختير للإشراف على الطريق إلى مكة عام ٢٤٢ هـ (٨٥٦ م). وعاد أبو الساج إلى بغداد عام ٢٥٢ هـ (٨٦٨ م) ثم بعث لجبى ما تأخر من الضرائب بالسواد من قبل محمد بن عبد اللَّه بن طاهر. وعين بعد ذلك واليا على حلب وقنسرين فى عهد المعتز عام ٢٥٤ هـ (٨٦٨ م) وعلى الأهواز عام ٢٦١ هـ (٨٧٤ - ٨٧٥ م). وأراد فى أثناء ولايته على الأهواز أن يحارب الذين كانوا قد استولوا عليها بعد أن هزموا زوج ابنته عبد الرحمن. وفقد أبو الساج أملاكه بسبب انضمامه إلى يعقوب بن الليث الصفّارى الذى حلت به الهزيمة على يد الوزير الموفّق عام ٢٦٢ هـ (٨٧٥ - ٨٧٦ م)؛ ثم استدعى بعد ذلك إلى بغداد، ولكنه توفى وهو فى الطريق عند جُنْد يسابور عام ٢٦٦ هـ (٨٧٩ - ٨٨٠ م). وكلمة ديوداد (١) معناها "عطية الشيطان" وكلمة ديودست (٢)

стр. 5355

معناها "من له أيدي الشيطان". وقد يحدث فى المخطوطات أن تبدل الألف ياء، أو تبدل الياء ألفا، ويدل هذا على نطق قديم لهاتين الكلمتين. ٢ - ولده محمد بن الأفشين أبو عبيد وقد انتزع مكة من نائب زعيم الزنج، أبى المغيرة عيسى بن محمد المخزومى عام ٢٦٩ هـ (٨٨٠ م). وهاجم جدَّة بعد ذلك بعامين، واستولى على سفينتين مملوءتين بالمال والذخيرة من المخزومى. وقد ولَّى على الانبار وطريق الفرات والرَحَبة. وحاول عند وفاة أحمد بن طولون عام ٢٧٠ هـ (٨٨٣ - ٨٨٤ م) أن يفتح الشام بالاتفاق مع إسحاق بن كنداجق. وشد من أزرهما فى ذلك العمل جيش الخليفة، وأوقع الهزيمة بالجيوش المصرية عند شيزر، ولكن الدائرة دارت عليه، فقد وقع فى كمين فى وقعة الطواحين. وتنازع محمد مع إسحاق بن كنداجق، فولى وجهه شطر خمارويه، وهزم حليفه السابق عند الفرات وفتح الموصل. وفى عام ٢٧٤ هـ (٨٨٨ م) دب النزاع بينه وبين المصريين، وهزم فى وقعة بالقرب من دمشق فى المحرم من عام ٢٧٥ (مايو - يونية سنة ٨٨٨) وفقد حمص وحلب والرّقَة وانسحب إلى تكريت. وخرج للقتال مرة ثانية، وهزم أمام الموصل إسحاق بن كنداجق الذى كان يتعقبه. وفى عام ٢٧٦ هـ (٨٨٩ - ٨٩٠ م) عينه الموفّق واليًا على أذربيجان، وعندئذ انتزع مراغة من عبد اللَّه بن حسن الهمدانى (٢٨٠ هـ = ٨٩٣ م). وقد بعثه الخليفة محملا بالهدايا (تاج ملكى وغير ذلك) إلى سمباد البكراطى ملك أرمينية. وانتهى انتقاضه القصير الأمد على المعتضد عام ٢٨٤ هـ (٨٩٧ م) بخضوعه دون أن يكلفه شيئا. واستولى على قارص التى كانت فى يد سمباد، كما استولى على قصبته توين، ثم تم الصلح بينهما. وتوفى محمد بالطاعون فى برذعة فى ربيع الأول عام ٢٨٨ (مارس سنة ٩٠١). ٣ - يوسف، وهو أخو محمد الأفشين، وقد أجبر ابن أخيه ديوداد، ولد الأمير الذى تحدثنا عنه تحت رقم (٢) على الانضمام إلى بلاط الخليفة،

стр. 5356

ثم بدأ علاقاته مع سمباد وتحالف وإياه. وانحاز بعد ذلك إلى جانب كاكيك أردزرونى، واستولى على عدة حصون، وقتل سمباد بعد أن استسلم له، وانتزع الرى، وقزوين، وزَنَجان وأبْهَر من محمد بن على سلوق واليها من قبل نصر بن أحمد السامانى. وهزم جنود الخليفة التى أنفذت لقتاله عام ٣٠٥ هـ (٩١٧ - ٩١٨ م) ولكنه اضطر إلى التخلى عن الرى. وأوقع الهزيمة بمؤنس عام ٣٠٧ هـ (٩١٩ م) وكان قد التجأ إلى زنجان، غير أن مؤنسا هزمه عند أردبيل، وأخذه أسيرًا، وعامله باحترام، وحمله إلى بغداد. وأطلق سراحه عام ٣١٠ هـ (٩٢٢ م) وولى على الرى وأذربيجان، واختاره الخليفة لقتال القرامطة، على أنه هزم وأسر فى أول وقعة على الرغم من شجاعته، وقتل هو وجميع الأسرى. ٤ - فى ذى الحجة عام ٣١٥ (فبراير ٩٢٨) ولى أبو المسافر فتح ولد محمد الأفشين مكان عمه، وظل واليًا حتى وفاته. وقد دس له السم فى أردبيل عبد من عبيده فى شهر شعبان عام ٣١٧ (سبتمبر سنة ٩٢٩). ٥ - ولده أبو الفرج، وكان قائدًا للخلفاء وصديقا لابن رائق أول أمير للأمراء. المصادر: (١) جمال الدين أبو الحسن على بن الغازى: أخبار الدول المنقطعة، وقد قام Freytag بنشر النص العربى Locmani Fabulae, بنون سنة ١٨٢٣، ص ٣٤ وما بعدها. (٣) الطبرى، طبعة ده غوى، جـ ٣، ص ١٢٢٢، ١٥٩٤ وما بعدها ١٦١٩ وما بعدها ١٨٨٨ وما بعدها، ٢٠٢٥ وما بعدها، ٢١٨٦، ٢١٩٥، ٢٢٠٣. (٤) عريب، طبعة ده غوى، ص ٧٠ وما بعدها، ١٣٠ وما بعدها، ١٤٥. (٥) ابن الأثير: الكامل طبعة تورنبرغ، جـ ٧، ص ٥٥, ١٠٠، ١٩٠، ٢٠٠، ٢٧٩، ٢٩٥، ٣٢٨، ٣٥١؛ جـ ٨، ص ٧٣ - ٧٦، ١٠٥ وما بعدها ١٢٤ - ١٢٨، ١٨٨٨ وما بعدها، ٢٠٢٥ وما بعدها، ٢١٨٦، ٢١٩٥. (٦) Namenbuch Iranisches: F. Justi ماربورغ سنة ١٨٩٥، ص ٨٥، ٣٥٣.

стр. 5357

(٧) Geschichte der Chalifen: Weil جـ ٢، ص ٤٩١. (٨) Memoire sur la famille des Sadjides: Defremery المجلة الأسيوية، المجموعة الرابعة، جـ ٩، ص ٤٠٩ وما بعدها؛ جـ ١٠، ص ٣٩٦ وما بعدها، سنة ١٨٤٧. الشنتناوى [إيوار Cl. Huart] الساسانية أسرة حكمت بلاد فارس، وفيما يلى أسماء ملوكها باللغة الفارسية الحديثة: أردشير الأول: ٢٢٦ - ٢٤١ م. شابور الأول: ٢٤١ - ٢٧٢ م. هرمزد الأول: ٢٧٢ - ٢٧٣ م. بهرام الأول: ٢٧٣ - ٢٧٦ م. بهرام الثانى: ٢٧٦ - ٢٩٣ م. بهرام الثالث: ٢٩٣ م. نرساى: ٢٩٣ - ٣٠٣ م. هرمزد الثانى: ٣٠٣ - ٣١٠ م. آذر نرساى: ٣١٠ م. صابور (شابور) الثانى: ٣١٠ - ٣٧٩ م. أردشير الثانى ٣٧٩ - ٣٨٣ م. صابور (شابور) الثالث ٣٨٣ - ٣٨٨ م. (أو ٢٨٧؟ Re-: Pauly. Wissowa alenz المجموعة الثانية، جـ ١، عمود ٢٣٥٥). بهرام الرابع: ٣٨٨ - ٣٩٩ م. يزدجرد الأول: ٣٩٩ - ٤٢٠ م. بهرام الخامس: ٤٢٠ - ٤٣٨ م. يزدجرد الثانى: ٤٣٨ - ٤٥٧ م. هرمزد الثالث: ٤٥٧ - ٤٥٩ م. فيروز: ٤٥٩ - ٤٨٤ م. بلاش: ٤٨٤ - ٤٨٨ م. قباذ الأول: ٤٨٨ - ٥٣١ م. خسرو الأول: ٥٣١ - ٥٩٠ م. هرمزد الرابع: ٥٩٠ - ٥٩٧ م. قباذ الثانى: ٦٢٨ م. أردشير الثالث: ٦٢٦ - ٦٣٠ م. بعض ملوك زال عهدهم سريعًا، (انظر Justi فى Gr. d. iran، جـ ٢، ص ٥٤٥).

стр. 5358

يزدجرد الثالث: ٣٦٢ - ٦٥١ م وليست هذه التواريخ محققة تمامًا، ويصدق هذا بصفة خاصة على العهود التى بين هرمزد الأول وشابور الثانى (انظر Gesch d. Perser und Araber: Noldeke ص ٤٠٠ وما بعدها) ويقال إن هذه الأسرة الحاكمة تنحدر من صلب رجل يدعى ساسان لا يعرف عنه من المعلومات التاريخية حقًا إلا القليل، ومن ثم فإن نسب هذه الأسرة يرد إلى تاريخ أقدم من ذلك عن طريق دارا حتى أسرة إيران الملكية التى روت خبرها الأساطير. وفى مستهل القرن الثالث الميلادى كان يحكم فى فارس ملوك دويلات فى ظل الأشكانيين، ويسمى مؤرخو العرب والفرس الحقبة التى حكمت هذه الأسر خلالها عهد ملوك الطوائف، وتشمل هذه العبارة الأشكانيين (والسلوقيين) كما تشمل ملوك تلك الدويلات. مثال ذلك أن ابن قتيبة (كتاب المعارف، ص ٣٢١) يدخل أردشير الأول نفسه فى زمرة ملوك الطوائف بوصفه أمير إصطخر. ويروى الطبرى أن بابك أبا أردشير الذى كان أول الأمر ملك خير (شرقى شيراز) والذى قيل إن أباه ساسان كان يتولى منصبًا كهنوتيا فى إصطخر، شرع فى مد رقعة مملكته على حساب غيره من ملوك الطوائف. وحكم ابنه شابور (سابور) أمدًا وجيزًا، ثم جاء أردشير فاستأنف ما كان أبوه قد بدأه حتى هزم أرتبانوس الخامس (أردوان) الأشكانى فى قتال نشب بينهما، وقتله (٢٢٤). ولعل الملك الساسانى غزا القصبة طيسفون عام ٢٢٦. ويتردد ذكر عام ٢٢٦ على أنه العام الذى بدأ فيه حكم هذه الأسرة، على أن أصطخر ظلت المدينة المكرمة طوال عهد هذه الأسرة بوصفها موطن أجدادهم. وورث الساسانيون تركة الملوك البارثيين، وكانت هذه التركة تشمل النضال مع رومة ثم مع البوزنطيين. ومصادرنا التى نعتمد عليها كل الاعتماد فى معرفة تاريخ هؤلاء القوم مستمدة من المؤرخين اليونان والرومان، ومن ثم كانت معرفتنا بعلاقات الساسانيين بإمبراطوريات الغرب معرفة أتم وأوفى. وقد قام أردشير الأول بهجوم على ملك رومة، واستمرت هذه الحرب، فيما خلا بعض

стр. 5359

فترات ساد فيها السلام، حتى انتهى حكم هذه الأسرة أو كاد. وحاول الساسانيون الأولون مد رقعة دولتهم، ولم تجد رومة فى هذا العهد المبكر بدا من الدفاع عن ممتلكاتها الشرقية. وكانت أرمينية موضع نزاع له شأنه بين الطرفين، ذلك أنه كان يحكمها فرع من الأشكانية اتخذوا المسيحية دينًا لهم منذ عهد مبكر جدًا، ونهجوا فى سياستهم منهج الرومان، وعقدت معاهدة لتقسيم أرمينية حوالى عام ٣٨٧، ثم أصبحت المسيحية الدين الرسمى فى الدولة الرومانية الشرقية، فدخل بذلك عامل جديد فى العلاقات السياسية بينها وبين الفرس، إذ ساعدت اضطهادات بعض الملوك (مثل شابور الثانى وبهرام الخامس ويزدجرد الثانى) للكنيسة على توسيع شقة الخلاف بين الدولتين. وتناولت الكتب الحديثة فى تاريخ الرومان والبوزنطيين من كيبون Gibbon حتى سيك Seeck وبورى Bury أخبار هذه الحروب كثيرًا، ولا يتسع المقام هنا لذكر تفصيلاتها (انظر أيضا التراجم التى ظهرت حتى الآن فى Pauly Wis Realenzyklopadie der Klass. Al-tertwnswissenschaft: sowa عن الملوك من أردشير الأول إلى أردشير الثالث ومن شابور الأول إلى شابور الثالث، ويزدجرد الأول ويزدجرد الثانى)؛ وأشهر هذه الحروب هى التى كانت بين أردشير الأول ويفيروس إسكندر، وبين شابور الثانى وجوليان، وقد كلل فيها هجوم الرومان أول الأمر بالنجاح؛ ثم الحرب التى شنها قباذ الأول على أناستاسياس الأول، والحرب التى شنها خسرو الأول على يوستنيانوس، وقد انتهت هذه الحرب الأخيرة عام ٥٦٢ بمعاهدة أقامت دعائم الصلح خمسين عامًا. ونال المسيحيون فى دولة الفرس الحرية الدينية آنئذ، ولكن سرعان ما استأنفت حكومة فارس اضطهادها للأرمن المسيحيين، وأخذ الإمبراطور يوستن الثانى بعد ذلك يضيق ذرعًا بالحدود المضروبة بين الدولتين، وطلب بعض المطالب من خسرو فنشبت بينهما الحرب مرة أخرى، وكانت هذه الحرب بداية آخر مرحلة من مراحل هذه الحروب؛ ولم يكتب الفوز لخسرو الأول

стр. 5360

فى القتال الذى نشب، كما أن النصر حالف الجيوش الرومانية أيضًا فى عهد هرمزد الرابع، وانتهز القائد الفارسى بهرام جويين الفرصة، فانتقض على هرمزد، وكان الملك قد أهانه، ذلك أن بهرام كان يطمع هو نفسه فى العرش وقتل هرمزد اثنان من أقاربه خاول هذه الفتن، على أن ابنه خسرو (١) أفلح فى الهرب إلى الأراضى البوزنطية حيث استنجد بالإمبراطور موريس، وتخلص خسرو من المغتصب بمعاونة البوزنطيين، إلا أنه لم يكن ثمة أمل فى أن يقوم صلح دائم مع بوزنطة فى عهد خسرو الثانى، ذلك أن هذا الملك أخذ على عاتقه الانتقام لمصرع الإمبراطور موريس، وكان فوكاس قد أنزله عن العرش وقتله عام ٦٠٢. وفى هذه الحرب التى كانت آخر حرب كبرى نشبت بين الفرس والبوزنطيين، فاز الفرس أول الأمر فوزًا عظيما، وغزت جيوش خسرو أورشليم بل فتحت مصر؛ وظهر رد الفعل فى عهد هرقل، ذلك أن قباذ الثانى، وكان قد قتل أباه خسرو وجرده من عرشه، اضطر إلى أن يلتمس الصلح من الإمبراطور، ومات بموت خسرو الثانى آخر ملك له شأن فى بيت الساسانيين؛ وبدأ قباذ الثانى سلسلة من الملوك لم يحكموا إلا قليلًا (ومنهم مغتصب للعرش هو شهروراز وملكتان هما بوران وأزرميدُخْت) وقد رفعهم النبلاء إلى العرش واحدًا بعد واحد، على أنهم كانوا يتوارون سريعًا، حتى اعتلى العرش عام ٦٣٢ حفيد من أحفاد خسرو الثانى هو يزدجرد الثالث، وبدا أول الأمر أن البلاد سوف يعود إليها ما فقدته من أسباب الاستقرار، بيد أن يزدجرد الثالث كان آخر الملوك الساسانيين الذين حكموا فارس. ولم تكن الحروب مع رومة وبوزنطة هى وحدها التى هددت الدولة الفارسية، بل إن الشعوب الأقل منهما تمدينًا كالخيونيين والكيلانيين (ولم يجد شابور الثانى بدا من قتالهم) والهياطلة (وقد هزمهم بهرام الخامس) كانوا يهددون باستمرار كيان هذه
следующие страницы →