المستندات من شأن فنقول إن من أول ما يجب أن تتجه إليه همة الباحثين فى المسائل السبئية هى أن يرتبوها ترتيبًا منهجيًا ويطبعوها طبعة علمية، بيد أن المنية عالجت مولر قبل أن ينشر هذه المستندات فعهد بهذا العمل بعد وفاته عام ١٩١٠ إلي رودوكاناكيس Rhodokanakis فى جراتز (ويطلق رودوكاناكيس على رسالته Der GrundSatz offentlichkeit in den sudarabischen Urkuden فى AK. Wien S.B. المجلد ١٧٧، جـ ٢، ١٩١٥، تفسير نقش كليزر رقم ٨٩٠ = هالفى ٤٩ وكليزر ٩٠٤ = هالفى ٥١ وكليزر و ١٥٤٨/ ٩ [السبئى] وكليزر ١٦٠٦ [القتبانى] وأوسياندر ٤؛ وقد تضمنت الرسالة بحثًا منهجيًا لمسائل الدين والضرائب والملكية والتشريع التى أثارتها النقوش، وهى أول جزء من الدراسة التمهيدية المسماة Corpus Glaserianum التى تضطلع أكاديمية فينا بنشرها؛ وهو يقول إن الدراسة التمهيدية الثانية هى الجزء الأول من مصنفه Studien zur Lexikohraphie Und Grammatik des Altsudabischen S.B.Ak. Wien، المجلد ١٧٨، جـ ٤، ١٩١٥؛ تفسير العبارات التى وردت فى نقش حبش وكليزر ١٠٧٦ وكليزر ٤٨٠ وخاصة ذلك المقال النحوى فيما يسمى بالهاء المدغمة فى لغة جنوب بلاد العرب. ويفترض رودوكاناكيس فى تفسير النطق بها وجود نبرة مشددة فى اللغة المعينية السبئية، ويشمل الملحق تعليقات على نقوش شتى؛ ثم تأتى بعد ذلك رسالته Die Bodenwirtschaft im alten SUdarabien Anz. Ak. Wien ١٩١٦، رقم ٢٦، وهى عرض لنتائج الأبحاث التى تضمنهما الجزء الثانى من مصنفه Studien zur Lexikographie Etc والجزء الثانى نفسه: S.B. Ak. Wien، المجلد ١٨٥، جـ ٣، ١٩١٧؛ وهو بحث فى النقوش المعينية السبئيه الخاصة بالعمائر والتخوم والرى، والنقوش الخاصة بالزراعة مع تعليقات توضيحية عن إهداء المبانى وإقامتها، وعن المسائل القانونية بموارد المياه، وامتلاك الأرض، وفرض الضرائب، والإدارة)؛ وقد اشتملت أبحاث رودوكاناكيس الثلاثة التالية
стр. 5427
على نقوش قتبانية لم تكن قد نشرت من قبل: Katabfinische Texte zur Bodenwirtschafi S.B.Ak. Wien), المجلد ٢١٤، جـ ٢، ١٩١٩: خمسة نقوش من كليزر: مراسيم ملوك بنى قتبان فى إدارة أملاك الدولة مع بحث دقيق عن الحالة الاقتصادية فى قتبان وأعمال الإدارة فيها) Katabanische Tevte zur Bodenwirtschaft، السلسلة ٢، (S.B.Ak.Wien المجلد ١٢٨، جـ ٢، ١٩٢٢ ثلاثة نقوش مع أبحاث بعيدة الأثر وخاصة فيما يتعلق بالنقش الثالث، كليزر ١٦٩٣ [فيما يتصل بتاريخ النص وموضعه وطبيعة لغته] مع مشاهدات عن بنى همدان وأسر جنوب بلاد العرب بوجه عام)، وأخيرًا Die Inschrift an der Mauer von KohlanTimna S.B. A. Wien (.١٩٢٤، بحث فى نقش كليزر ١٤٠٤ [بقايا اتفاق خاص بعمارة من العمائر] و ١٣٩٧ وما بعده [قانون بفرض العقوبات وبفرض الضرائب] ثم نصوص أخرى تفسر لقب "مكرّب" الذى اتخذه بنى قتبان)؛ انظر فيما يتصل بنقش كليزر ١٦٠٥ وما بعده W.Z.K.M جـ ٣١ ص ٢٢ وما بعدها، وقد ذكر فى Katab Texte جـ ١، ص ٦، أن ويبر O.Weber يعد طبعة مختصرة عن "الأبحاث والنقوش" التى خلفها كليزر، أما الكتاب الذى يجمع جميع نقوش جنوب بلاد العرب والذى أشير فيه أيضا إلى المصنفات الأقدم عهدًا والأقل شأنا فهو الجزء الرابع من المجموعة التى تصدر فى باريس بعنوان Corpus Inscriptionum Inscriptiones Semi ticarum Himyariticas) et Sabacas continens, المجلد الأول فى أربع كراسات: ١٨٨٩ و ١٨٩٢ و ١٩٠٠ و ١٩٠٨؛ وقد ظهر من المجلد الثانى الجزءان الأولان فى سنتى ١٩١١ و ١٩١٤؛ ومات درنبورغ فاضطلع ماير لمبرت Mayer Lambert بنشر هذه المجموعة، ويشتمل المجلد الثالث منها على النقوش المعينية والقتبانية). وقد بحث هومل (Grundriss، ص ١٣٣ وما بعدها) لغة النقوش ويمكن تقسيمها إلى لهجتين رئيسيتين هما لهجة بنى معين ولهجة بنى سبأ، وهو يضمن نقوش بنى معين نقوش قتبان وحضرموت علاوة
стр. 5428
على النقوش المعينية الملكية نفسها (وكذلك الحال Explorations، ص ٧٢٨ وما بعدها) أما فيما يتصل بنحو اللغة المعينية السبئية (وهو يعدها أقدم نموذج للـ "القسم العربى من اللغة السامية الغربية، ولدينا منها نصوص متصلة السياق Grundriss، ص ٧٨ وما بعدها) فارجع إلى بيانه الجوهرى فى مصنفه Chrestomathie، ص ٩ وما بعدها (انظر فيما يتصل باللغة أيضا المبحث الأقدم من ذلك الذى كتبه D.H.Muller: Encycl. Brit مادة Yemen، ص ٧٤٠، وهو موجز؛ Arabien: Weber، ص ١٥ وما بعدها وهو شائع؛ وانظر فيما يختص بالخط Osiander فى ZDMG جـ ٢٠، ص ٢٠٥ وما بعدها D.H. Muller: Sab.Denkm، ص ١٠٥ وما بعدها Hommel: Chrestom، ص ٣ وما بعدها؛ Explorations ص ٧٣٠؛ Grundriss ص ١٤٥ وما بعدها، Westasien، ص ٢٣٥، وغير ذلك من البحوث؛ وانظر فيما يتصل بالدين Osiander فى ZDMG جـ ٧، ص ٤٦٣ وما بعدها؛ Enc.Brit: D.H.Muller ص ٧٤١ Burgen، جـ ٢، ص ١٠٣٢، Hommel: A.A جـ ١، ص ١٥٦ وما بعدها، Explor ص ٧٣٣ وما بعدها؛ Grundriss ص ٨٥ وما بعدها ١٤٣. ثم انظر Arabien: Weber ص ١٨ وما بعدها (دراجة)؛ Grimme: Mohammed ص ٢٩ وما بعدها؛ وانظر فيما يتعلق بشارات الآلهة على الآثار Grohmann فى المصادر).
ونجد أيضًا معلومات لها شأنها فى النقوش المعينية واللحيانية، والنبطية والثمودية (وهى نقوش عربية أولية) فى شمال غربى بلاد العرب، وقد كشفها دوتى Dought فى السنوات من ١٨٧٦ - ١٨٧٨. وأعد يوتنكك Euting نصوص النسخ (١٨٨٣/ ٨٤) -وأعدها فى بعض الحالات مرة ثانية نقلا عن دوتى وهوبر- المتعلقة بالنقوش المعينية الخاصة بالعُلى (نشرها D.H.Muller فى Epigraphische Denknaler aus Arabien عام ١٨٨٩، ثم عاد مورتمان فنشر النقوش المعينية Beitrage: Mordtmann، ١٨٩٧)
стр. 5429
ومن المسائل الهامة التى أثارتها المصادر الخاصة بتاريخ سبأ القديمة مسألة عرفت بالمسألة المعينية، أى العلاقة من حيث الترتيب الزمنى بين نقوش ملوك بنى معين وملوك بنى سبأ، وتقترن بها مسألة علاقة كل من هاتين المملكتين إحداهما بالأخرى وكان مولر Burgen: D.H. Muller, جـ ٢ ص ٩٥٥ وما بعدها و ٩٨١ وما بعدها و ٩٨٥ وما بعدها) أول من حاول إعداد ثبت بملوك بنى سبأ (انظر Hartmann المصدر المذكور، ص ١٣٣ وما بعدها و ١٣٧ وما بعدها) استنادًا إلى المعلومات التى كانت متوفرة قبيل رحلات كليزر وقسم تاريخ سبأ إلى ثلاثة عصور (تضمنت مادة Yemen فى Encycl. Brit بحثًا عن هذا الموضوع أيضا)؛ وتعرف هذا العصور بالأسماء الآتية:
(١) عصر المُكرِّب (أما الرسم مُكرْب الذى اختاره ثم عدل عنه بعدئذ إلى م - ك - ر - جـ والنطق به غير محقق وهو اسم الملوك الكهنة فيجب ألا يستعمل)، ويقرأ سواه الاسم بالقراءات التالية: مُكرَّب ومَكرُب ومَكرِب والجمع، مكارب انظر: Z.D.M.G. Anzeige: Mordtmann، جـ ٤٤، ص ١٨٩، Abessinier: Glaser ص ٦٥؛ Hommel: A.A. وص ١٣٤؛ Hartmann، المصدر المذكور، ص ١٣٢ و ٥٩٩ إلى آخره).
(٢) عصر ملوك سبأ.
(٣) عصر ملوك سبأ وريدان ويقول مولر إن بداية مملكة سبأ يمكن أن نرجعها إلى القرن الثامن قبل الميلاد- ويرد إلى هذا العصر أيضا ذكر إتئيامر السبئى فى نقش سرغون وأن نهاية دولتهم كانت فى القرن الأول الميلادى.
ونحن نستطيع أن نضع تاريخا لمملكة سبأ والأسر التى حكمتها فى دقة لا بأس بها، إلا أن البت فى عمر مملكة بنى معين أكثر صعوبة، ذلك أنه ليس ثمة دليل يهدينا إلى تحديد تاريخ نقوش ملوك بنى معين تحديدا دقيقًا. وقد انتهى مورتمان (Mordtmann: Z.D.M.G جـ ٤٧، ص ٤٠٧ وما بعدها) ووبير (Studien: Weber، ص ٤٤ وما بعدها)، وهارتمان Hartmann (المصدر المذكور، انظر أيضًا A.A.: Hommel ص ٢٦، Chrestomatie ص ٩٠، Grundriss،
стр. 5430
ص ١٣٦)، فى محاولاتهم ترتيب ملوك بنى معين، إلى نتائج تختلف فى جوهرها عن تلك التى انتهى إليها مولر (Burgen: D.H. Muller، جـ ٢، ص ١٠٢١ وما بعدها) قبلهم وقد ظن مولر أن مملكتى سبأ ومعين كانتا تقومان جنبًا إلى جنب، وأنهما كانتا متخاصمتين، وقد عارض كليزر (عام ١٨٨٩) هذا الرأى على طول الخط فى الجزء الأول من مصنفه Skizze فقال إن مملكة معين كانت تسبق مملكة سبأ فى الزمن، وإن بنى سبأ هم الذين دمروا المملكة وتولوا السيادة على جنوب بلاد العرب. . وقد وضع كليزر فى اعتباره عدد أسماء ملوك بنى معين (حوالى ٢٩ ملكًا) الذين عرفوا من الكشوف حتى عهده، وقدر مدة حكمهم بسبعمائة وخمسين عاما، ومن ثم لم يجد بدا من أن يرد بداية حكم بنى معين إلى ما قبل سنة ١٥٠٠ قبل الميلاد، بل إنه فى الواقع رد بداية حكمهم إلى تاريخ أقدم من ذلك، أى إلى سنة ٢٠٠٠ قبل الميلاد (جـ ١، ص ٥٥) ثم نجده يعود أيضًا إلى نظريته عن بنى معين فى فقرات شتى من المجلد الثانى من مصنفه skizze وفى مصنفاته التالية، وقد زعم أنه أثبت أن نقوش بنى معين قديمة جدًا ترجع إلى الألف سنة الثانية قبل الميلاد، بل لعلها ترجع إلى الألف سنة الثالثة (جـ ٢، ص ١١٠، وانظر ص ٣٣٠)؛ ولم يخالجه الشك فى أنه ليس ثمة مناص من أن نرد تاريخ مملكة بنى معين إلى بداية عصر الرعاة (الهكسوس)، أى إلى القرن الثانى والعشرين قبل الميلاد، وقد نافع عن نظرية كليزر كل من هومل Hommel (أولا فى Beilage zur Gunchener Allgem Zeitung ١٨٩٩ رقم ٢٩١ ثم فى مصنفاته المتأخرة، مثال ذلك ما كتبه فى A.A، ص ٢، وما بعدها و ١٠ و ٤٠ و ٢٣٥، وفى Altisrael Uberlieferung ص ٧٧ وفى Chrestomathie، ص ١٢، وفى ص ٨٦ مصادر أخرى. وفى Explorations وفى Grundriss , ص ١٣٤ و ١٥٠ وفى Gesch des .alien GorgenL، ص ١٠٦ و ١٢٣ و ١٤٨، ونخص من مؤيديه بالذكر ونكلر G.V.A.D.: Winckler، ١٨٩٨، ص ١٩، ٤٣ وما بعدها، ١٩٠٦، ص ٨٩ وما بعدها، وذلك فى مصنفه Geschichte Is-
стр. 5431
وفى مصنفه Altorientalische Forschungen وفى K.A.T، ص ١٤٠ وما بعدها وص ١٠٥ وفى Westasien: Helmot، جـ ٣، ص ٢٤٧ وما بعدها، وويبر Weber فى رسائله، وقد سبق ذكرها، وفى Der Alte Orient وفى طبعته لمصنف ونكلر Westasien, ص ٢٣٥ وما بعدها؛ وجريمه Grimme المصدر المذكور، ص ١٦ وما بعدها؛ وبنزنكر Geschichte Israels: Benzinger, ص ١٦ وكذلك يضع درينورغ Nouveau memoire surL'epitaphe mineenne: H.Derenbour باريس ١٨٩٥ ص ٧، بنى معين قبل بنى سبأ).
وقد استعرض ويبر (Studien: Weber، جـ ١)، النقاط الجوهرية فى المناقشة الحامية التى أثارتها آراء كليزر الجريئة، وجمع فى الوقت نفسه كل ما قد يؤيد كليزر، وما إن ظهر الجزء الأول من مصنف كليزر (Skizze: Glaser) حتى اعترض هالفى على هذه النظرية المعينية، ثم كرر مولر عندئذ رأيه (Beliage zur Munch, Allgem, Zeitung ١٨٩٠: D.HMuller، ٢٤ و ٣١ نوفمبر، . Z.DM.G، جـ ٨، ص ٦ و ١٦١) وقد جاهر العلماء الآتى ذكرهم بمعارضة كليزر وهم: مورتمان (Anzeige ص ١٨٢ وما بعدها Z.D.M.G، جـ ٩٧، ص ٤٠٠؛ Beitrage، ص ١٠٥ وما بعدها و ١١٥)، وشبرنكر (Sprenger: Bemerkungen؛ ص ٥٠٢ وما بعدها) وماير (Deschichte d. Altertums: E.Meyer جـ ٢، ص ٣٨٢) ولا كرانج (Lagrange فى Rev. bibl.، ١٩٠٢، جـ ١١، ص ٢٥٦ وما بعدها) ولدأبارسكى (Ephemeris f. semit Epigraphik: Lidzbarski , جـ ٢، ص ١٠١ وما بعدها) وهارتمان (Hartmann: Z.A، جـ ١٠، ص ٢٥ وما بعدها، وفى مصنفه الرئيسى، ص ٤، ١٣١ وما بعدها) وإيوار (Huart: Geschichte der Araber، جـ ١، ص ٤٦ وما بعدها إلى آخره)، ثم أشار ماير إلى أن كل ما سبق من الفروض عن تاريخ الأبجدية السامية ينهار إذا أخذنا برأى كليزر الذى يرد النقوش المعينية إلى الألف سنة الثانية قبل الميلاد، ويصعب علينا أن نرجع أصل الأبجدية الفينيقية إلى ما قبل سنة ١٠٠٠ ق. م. على أنه من المؤكد أن نشأة الخط المعينى الذى
стр. 5432
يتميز بأشكاله المنتظمة التى تكاد تبلغ مبلغ الرسوم الهندسية الفنية، لم تكن أقدم من ذلك، وهذا يؤدى فيما يظهر إلى زعزعة نظرية كليزر على الفور. ولا محيص لنا من القول بأن رد تاريخ هذه الأبجدية إلى ٢٠٠٠ قبل الميلاد (Grundriss: Hommel ص ١٠٩ و ١٤٦, Westasien: Weber، ص ١٦٣ Hommel: Explorations, ص ٧٣٠)، أو حتى "ردها على أكثر تقدير إلى عهد أقدم من ذلك بمراحل، أى إلى الألف سنة الثالثة" قبل الميلاد (Arabien: Weber " ص ١٥ فرض بعيد الاحتمال جدًا، بالرغم من كل ما ثبت فى العهد الحديث عن أقدم صور الأبجدية العبرية، كما أن التكهنات الخاصة بالكتابة القديمة فى جنوب بلاد العرب، وهى التكهنات التى عززتها النقوش التى تعرف باسم نقوش سيناء الكينية Kenite Sinai، لم تسفر عن شئ. ويعارض إيوار Huart أيضًا آراء هومل وويبر وونكلر وغيرهم، فيقول عن التأريخ الذى فرض لهذه الأبجدية إن سنة ١٥٠٠ هى على وجه التحقيق سنة أعلى من أن تصلح تاريخا لعهد الحكم المعينى.
وتزودنا الرواية اليونانية الرومانية أيضًا بحجج فى المسألة المعينية وخاصة شهادة إراتوستينيس فى استرابون (جـ ١٦، ص ٧٦٨) التى أسلفنا ذكرها والتى استشهد بها هالفى Halevy ومولر D.H.Muller وغيرهما فى معارضة كليزر، وقال مورتمان Mordtmann فى شأنها أنه لا يعرف السبب الذى حدا بمفسرى هذه الفقرة إلى الخروج بها عن مدلولها وقد أفصح ويبر (المصدر المذكور، ص ٩) عن تزعزع أركان قضيته بقوله إنه لا يجد بدا من أن يفترض أن إراتوستينيس قد "أخطأ" (ولم يعلل ويبرر هذا الفرض)، بمعنى أنه فى روايته قد اختلطت عليه الأمور، صحيحهما وكاذبها وماضيها وحاضرها، وقد سبق لكليزر (المصدر المذكور ص ١٥) أن حاول أن يزيل التناقض الحادث بين آرائه وأدلة إراتوستينيس الواضحة، فأكد إن إراتوستينيس قد استقى معلومات مخطئة، على أنه لم يسق أى دليل على ما يقول. والحق أن كليزر وويير لم
стр. 5433
يأتيا بأى دليل أو سند أو احتمال يؤيد ما ساورهما من شك فى تفسير هذه الفقرة، بل هما لا يستطيعان أن يأتيا بشبه دليل، ومن ثم فنحن نجزم استنادًا إلى هذه الرواية بأن الشعوب الأربعة الكبرى التى كانت تنزل جنوب بلاد العرب، ويدخل فيهم بطبيعة الحال بنو معين الذين يذكرهم مصدرنا أول ما يذكر، ثم سبأ والقومان الآخران، كان يحكمهم ملوك مطلقو السلطان (. . .)، ولا يمكن التخلص بأية حيلة مما قرره إراتوستينيس من قول لا يمكن تفنيده، وهو أن النظام السياسى لمعين وسبأ كان فى الوقت الذى كتب فيه المصدر الذى استقى منه هو النظام الملكى، ويكشف هذا القول أيضًا عما ينطوى عليه توكيد كليزر من قيمة (ويبر، المصدر المذكور، ص ٧ وما بعده) "إن الكتاب القدماء لا يذكرون أية مملكة فى أى موضع من مؤلفاتهم وإنما هم يذكرون دائما أرض بنى معين"؛ أو ما تنطوى عليه رواية ونكلر (المصدر المذكور، ص ٤٥) من حقيقة. ومفاد هذه الرواية أنه لم يكن ثمة معينيون فى شمال بلاد العرب فيما بين سنتى ٥٠٠ و ٣٠٠ ق. م ذلك أنه لم يقم أحد منهم هناك فى أى وقت من الأوقات، وكذلك لا أساس من الصحة لشكوك جريمه (المصدر المذكور ص ١٧) حول بنى معين الذين ذكرهم اليونان وهل كانوا هم القوم الذين نحن بصددهم والذين ورد ذكرهم فى النقوش.
وثمة أمر قاطع الدلالة فى نقض رأى كليزر (انظر هارتمان المصدر المذكور ص ١٣١ وما بعدها ١٣٦)، ذلك أننا نستطيع أن نستخلص على وجه اليقين من ذكر النقوش لملوك وممالك أنه كان ثمه ملوك لسبأ وملوك لمعين يحكمون جنبًا إلى جنب، (المصدر المذكور، ص ١٨) ثم إن الحجة التى ساقها كليزر وهى أن النقوش السبئية لم تذكر قط مملكة معين كما أن النقوش المعينية لم تذكر أبدا مملكة سبأ، قد حمل ويبر (كتابه المذكور ص ١٨) على الاعتراف بأن "بنى معين قد خرجوا بالفعل عن هذا الصمت العجيب فى مناسبتين أو ثلاث مناسبات" وأن بنى سبأ نحوا هذا النحو سواء بسواء. ولكن ذلك معناه استحالة قيام هذه النظرية بأى شكل من أشكالها.
رقم الإيداع بدار الكتب ٩٥٢٩/ ١٩٩٦
ISBN ٩٧٧ - ٠١ - ٤٩٥٢ - ٧
стр. 5434
موجز دائرة المعارف الإسلامية
«سبأ - سليمان باشا»
[الجزء الثامن عشر]
стр. 5435
أما رأى كليزر القائل بأن بنى معين كانوا قد بدأوا فعلا فى الاضمحلال بعيد الحكم الهكسوسى (المصدر المذكور ص ٤٥١) حوالى نهاية القرن الأول قبل الميلاد (ص ٢٢ و ٦٩ و ٩٣ و ٩٥ و ٢٣٢) أو أنهم غدوا فى الواقع قوما ذهبت ريحهم (Arabien: Weber ص ٣١) فرأى مردود بفضل رواية أرتميدورس (استرابون، جـ ١٦، ص ٧٧٦) والشواهد التى اقتطفها كتاب آخرون من أغاثرخيدس (الفصل ٨٧ و ٩٧ فى الوسط) عن نشاط بنى معين التجارى وثروتهم, ورواية بليناس عن استقلالهم بأمر أنفسهم عن سبأ ومنافستهم لها فى تجارة اللبان، بل بفضل تلك الحقيقة التى لها دلالتها والتى تعارض قول كليزر معارضة أقوى وأشد، وهى أن بطلميوس يقول عن بنى معين دون سائر شعوب جنوب بلاد العرب إنهم "شعب عظيم جدًا"، وكذلك فإن تابوت الجيزة المعينى الذى يدل على أن بنى معين كانوا ما يزالون يزودون بالطيب المعابد المصرية أيام بطلميوس، والنقش المعينى واليونانى على دلوس Delos الذى يرجع إلى القرن الثانى قبل الميلاد والذى يسجل إقامة مذبح لآلهة بنى معين، يناهضان مذهب كليزر كما يقول بريتوريوس بحق (W.Z.D.M جـ ٦٣، ص ٢٢٠)، كما أنهما باتفاقهما والأسانيد اليونانية والرومانية يدلان على أن بنى معين بلغتهم وثقافتهم قد ظلوا على قيد الحياة حتى القرن الثانى قبل الميلاد، وربما كان العمر قد تأخر بهم إلى ما بعد ذلك.
ثم إن خط النقوش القديمة ونحو لغته لا يؤيدان النظرية المعينية. وكان مولر D.H. Muller أول من أشار إلى أن ما كتب من نقوش بنى سبأ فى سطور متتابعة يبدأ الواحد منها من اليمين إلى اليسار والآخر من اليسار إلى اليمين وهكذا دواليك هو أقدمها من حيث تأريخ بنى سبأ، وهو يدل فى الوقت نفسه على أقدم أشكال الحروف. وقد عارض مورتمان (Beitrage: Mordtmann, ص ١٠٧)، رأى هومل (A.A: Hommel ص ٢٢ وما بعدها؛ Chrestomathie ص ٢، ٦) القائل بأن نقوش بنى معين أقدم من حيث النحو والكتابة القديمة من نقوش بنى سبأ، وذهب إلى أن نقوش
стр. 5436
بنى معين الباقية أحدث زمنا من أقدم النصوص السبئية، وهى أيضًا متقدمة فى الزمن على نصوص بنى سبأ التى يرد تأريخها إلى العصر المتأخر (الموضع نفسه، ص ١١، التعليق ٢) كما ذهب إلى أن النتائج التى خلص إليها هومل من الخط القديم للنقوش المعينية مجافية للحقيقة إلى حد بعيد.
وقد أصر مورتمان أيضا (المصدر المذكور، ص ١٠٦, Z.D.M.G جـ ٤٧، ص ٤٠٠) على أن القول القائل بأن نقشًا واحدًا من نقوش بنى معين الباقية (أو التى كانت معروفة حتى ذلك الحين) هو الذى كتبت سطوره من اليمين إلى اليسار ثم من اليسار إلى اليمين، لا تؤيد الزعم بأن هذه النقوش قديمة جدًا إذا هى قيست بنقوش بنى سبأ. على أنه يجب ألا يغرب عن بالنا بطبيعة الحال أن ثمة نصوصا كتبت سطورها من اليمين إلى اليسار ثم من اليسار إلى اليمين، وهذه النصوص أقدم من النصوص العادية التى كتبت من اليمين إلى اليسار، وقد تظهر فى أبجدية بنى معين احيانا أشكال أقل من غيرها تهذيبًا إلا أنه من المسلم به (مثال ذلك ويبر فى مصنفه، ص ١١) أن أشكال الحروف المعينية تتفق على الأجمال تمامًا والحروف السبئية التى ترجع إلى أقدم العصور. وثمة سمات مهجورة تتسم بها اللغة المعينية إذا هى قورنت بلغة بنى سبأ (انظر موضوع الاختلافات فى اللغة بين الشعبين مولر Burgen: D.H.Muller، ص ١٠٠٩، وكان مورتمان Mordtmann دقيقا بصفة خاصة فى ملاحظته اللغوية، المصدر المذكور، ص ١٠٧ وما بعدها، Z.D.M. G. جـ ٥٢، ص ٤٠٠؛ هومل Hommel: Grundriss، ص ١٢٣، التعليق ٣).
ومع ذلك فقد أكد هومل (فى A.A. ص ٢٣) أن نقوش بنى معين قد تكون متأخرة عن نقوش بنى سبأ أو معاصرة لها، إذ أن الأشكال القديمة عندهم شأنهم فى ذلك شأن غيرهم يجوز أن تكون قد بقيت حتى أكثر العصور تأخرا (انظر أيضا مورتمان Mordtmann ص ١١٥، عن القول الأكثر من هذا تحفظا، وهو يذهب إلى أن اللغة المعينية احتفظت بمفردات أقدم من ذلك؛ وانظر ص ١١ عن الأشكال
стр. 5437
المهجورة فى خط هذه اللغة)، ولا تدعونا الحال إلى الاهتمام بالأشكال المختلطة التى ترد إلى أصل متقدم على هذا أو متأخر عنه، وهى الأشكال التى ترد فى النص الواحد.
وليس ثمة سند وجيه واحد من الأسانيد التى دعم بها كليزر نظريته (وقد فصلت هذه الأسانيد فى ويبر، المصدر المذكور، ص ١٧) ويعول كليزر ومؤيدوه تعويلا كبيرا على ما لوحظ من أن النصوص المعينية قلما تذكر بنى سبأ كما أن النصوص السبئية يندر أن تذكر بنى معين. على أننا نجد ما يفسر ذلك من ناحيتين: الناحية الأولى وهى العلاقات التى كانت قائمة بين هذين الشعبين المتنافسين (Burgen: D.H.Muller، ص ١٠٣١؛ Hartmann، المصدر المذكور، ص ١٣٥)، والناحية الثانية وهى أن "مادة هذه النقوش التى لا تعد من الحوليات بأى حال من الأحوال، لا تترك إلا مجالا قليلا لذكر هذه الأمور، (مورتمان Mordtmann، المصدر المذكور، ص ١١٥، التعليق ١) إذ أن النصوص التى بقيت لنا من هذا العصر تتحدث بوجه خاص عن العمائر وعن الشئون الدينية، ذلك أنها كانت نقوشًا عارضة أو نقوشًا خاصة بموضوعها فحسب، ولم تتعرض للشئون الخارجية إلا فيما ندر (ليدزبارسكى Lidzbarski، المصدر المذكور، ص ١٠٢)، بيد أن هذه الإشارات القليلة كافية جدًا لحسم المسألة الجوهرية التى نحن بصددها. ومما يستحق الذكر أن كريمه (Grimme، المصدر المذكور، ص ١٧) ما زال يرى رد تاريخ أقدم ملوك بنى معين إلى ما قبل سنة ١٥٠٠ قبل الميلاد بكثير، إلا أن غيره من مؤيدى هذا المذهب فى حسابهم لأقدم تاريخ قامت فيه مملكة بنى معين، قد اتجهوا الاتجاه الآخر، وعينوا هذا التاريخ بسنة تقل بكثير عن السنة التى عينها كليزر؛ وقد استمسك ونكلر فى الطبعة الأولى من كتاب هلمولت (Westasien: Helmolt ص ٢٢٤) بقوله أنه من المستبعد أن يكون عهد بنى معين قد بدأ بعد سنة ١٥٠٠ قبل الميلاد (انظر ص ٢٤٥)، إلا أن ويبر كتب فى الطبعة الثانية من هذا الكتاب وفى الفقرة نفسها عبارة ذات مغزى (ص ٢٣٥) وهى "من العسير أن نجعل التاريخ بعد سنة ١٢٠٠ قبل الميلاد"
стр. 5438
(انظر ص ٢٣٧) وظل هومل يعين تأريخ انهيار مملكة بنى معين حوالى سنة ٦٥٠ قبل الميلاد (الموضع نفسه، ص ٣٩٦) ويقول إن نقوش جنوب بلاد العرب (ص ٢٩٤) "تبدأ من سنة ٨٠٠ ق. م على الأقل، على أنه من الأرجح أنها تبدأ قبل ذلك بقرون عدة، بيد أنه عاد فيما بعد فقال إن فرض كليزر من شأنه أن يرد تاريخ مملكة بنى معين إلى ما بين سنتى ١٢٠٠ و ٧٠٠ قبل الميلاد على الأقل (وفى Explorations، ص ٧٢٩، يعين هذه الفترة أيضًا بقوله إنها ما بين سنتى ٤٠٠ و ٧٠٠ ق. م) كما أنه يجعلنا على أكثر تقدير نسلم بأن "أقدم نقوش سبأ كانت معاصرة لأحدث نقوش معين، ويقول لدزبارسكى Lidzbarski عن دفاع ويبر البارع إنه من غير المحتمل أن يكسب هذا الدفاع أنصارا آخرين للنظرية المعينية، بل إن ويبر نفسه لم يجد بدا من الاعتراف Glasers Forschungsreisen ص ٣٠ بأنه "لم يظهر بعد دليل واضح يؤيد رأى كليزر" ونحن نعارض هذه النظرية ونتفق تمامًا مع المصادر اليونانية والرومانية ومصادر جنوب بلاد العرب القديمة. نعم نحن نؤيد كل هذه المصادر كل التأييد ولا نجد بدا من انتهاج نهج مولر D.H.Muller , فنقرر أن مملكة بنى معين كانت قائمة فى عصر واحد مع مملكة بنى سبأ، وأن بدايتها لا ترجع فى القدم إلا إلى القرن الثامن قبل الميلاد على أكثر تقدير (انظر مثلا مورتمان Mordtmann فى W.Z.K.M، جـ ٨، ص ٣٧١، هارتمان Hartmann المصدر المذكور، ص ١٣٢ إلى إلخ) ولم ينته أجلها حوالى عام ٢٣٠ قبل الميلاد (كما يقول هارتمان، المصدر المذكور، وكذلك هورتمان فى Z.D.M.G.، Anzeige جـ ٤٤، ص ١٨٤، Beitrage ص ١٠٦. "بعد إراتوستينيس مباشرة). بل ظلت قائمة إلى القرن الثانى قبل الميلاد على الأقل، وكانت منافسة سبأ لمعين (وقتبان)، ثم لبنى حمير بعيدة الأثر فى تاريخها؛ يصور لنا نقش صرواح العظيم (كليزر رقم ١٠٠٠) عهد الانتقال من أقدم عصور سبأ، وهو ما يسمى بعصر المكرّب وعصر الملوك الكهنة، والعصر التالى له الذى كان الملوك فيه يقيمون فى مأرب، معاصرين لملوك قتبان وحضرموت، ويطلق عليهم اسم
стр. 5439
"ملوك سبأ" (للتعبير عن تحرر الملكية من الكهنوت) والذى يمكن تعيين بدايته بحوالى عام ٥٠٠ قبل الميلاد. وقد سبق أن ألمعنا إلى العصر التالى (الحميرى)، وهو عصر ملوك سبأ وذى ريدان (نسبة إلى تل ريدان أو حصنه الوراثى، ونجد الاسم فى السنسكريتية أيضا دريو دهنه [فى الكتاب الثانى من المهابهارتا] والعصر الأخير (من عام ٣٠٠ الميلادى إلى نهاية استقلال حضرموت وهو عصر "ملوك سبأ وذى ريدان وحضرموت ويمنات")
وكانت سبأ قد أخذت تغيب عن ذاكرة العالم العربى فى العهد الذى ظهر فيه الإسلام. وسرعان ما أضحت فى نظر الإسلام صدى من أصداء الماضى، بل جوهر العصر الجاهلى نفسه الذى أصبح موضع عناية العلماء وغيرهم، وكان السبب فى انهيار المملكة القديمة إلى غير رجعة، تلك المملكة التى كان الفرس والأحباش قد بدأوا فى تقويض دعائمها؛ وقد وجه الدين الإسلامى الجديد جلّ عنايته إلى محو كل ذكرى للعصر الوثنى، سواء النُصب الحجرية أو الآثار الأدبية ثم إن المحو لم يخل كذلك من الرغبة فى جر ذيول النسيان على اللغة القديمة؛ وهذا كله هو السبب، كما يقول شبرنكر بحق، (المصدر المذكور، ص ٢٤٤) فى أن البحث فى المصادر العربية عن أية معلومات وثيقة عن سبأ من قبيل الجهد الضائع؛ وقد قدر كليزر (Skizze: Glaser، جـ ٢، ص ١٥٩)، وهو أعظم من وفق إلى كشف النقوش، القيمة النسبية لشتى مصادرنا عن سبأ تقديرا دقيقًا لا تفاوت فيه إذ قال إنه لا يتاح لنا رسم صورة صحيحة للماضى بالرجوع إلى روايات العرب التى لا نجد فيها من المعلومات ذات القيمة إلا القليل، فضلا عن أنها مضللة فى أغلب الأحيان، أو بالرجوع إلى القصائد التى نظمت قبيل الإسلام وبعده مباشرة، وإنما يتاح لنا ذلك بالرجوع إلى "النقوش القديمة والروايات القليلة التى خلفها لنا الكُتاب اليونان والرومان فحسب؛ ويمكننا أن نقسم الإشارات القليلة التى وردت فى كتب المؤلفين العرب إلى قسمين كبيرين، يتألف أحدهما من بيانات جغرافية وتاريخية قيمة عن بقايا العمائر السبئية وتفصيلات عن تاريخ
стр. 5440
سبأ القديم تتضمن معلومات عن الآثار القديمة، ويتألف الثانى من أساطير أخرى أقل شأنا من هذه بكثير، وهى التى بقيت ماثلة فى الروايات بعد زوال الثقافة السبئية وتسربت إلى الإشارات شبه التاريخية الخاصة بشئون دولة حمير، وهى الدولة التى كانت أقرب إلى سبأ فى الزمن؛ والهمدانى هو مصدرنا العمدة فى مادة القسم الأول، ذلك أنه من دون المؤلفين العرب جميعًا، يسوق لنا أكثر البيانات تنوعا عن سبأ وأعظمها قيمة فى كتابه "صفة جزيرة العرب" الذى يعد أهم مصادرنا المكتوبة عن جغرافية بلاد العرب بوجه عام؛ وقد أملى عليه وفاؤه لوطنه (وهو اليمنى من أهل صنعاء) الاهتمام بالعمائر القديمة وغيرها من آثار جنوب بلاد العرب التى كانت لا تزال موجودة فى زمنه، فجمع كل ما كان له علاقة بها فى مصنفه "الإكليل" ولو أن معلوماته فى ذلك قد شابتها الأساطير؛ والإكليل تاريخ لليمن ووصف لآثاره؛ وكان مولر D.H.Muller أول من نشر ذلك الجزء من الكتاب الثامن من الإكليل الذى ما زال باقيا والذى يصف فيه الهمدانى الحصون (النص العربى وترجمته الألمانية مع مذكرات تفسيرية Die Burgen and Schlosser Sudarabiens nach dem Iklil des Hamdani S.B.AK Wien, ١٨٧٩ وجـ ٩٤، ص ٣٣٥ ما بعدها وجـ ٩٧، ١٨٨١ م، ص ٩٩٥ وما بعدها)؛ وزاد مولر عليه تعليقات إضافية استقاها من الكتاب العاشر الخاص بأنساب همدان، كما زاد عليه فقرات تفسيرية من "صفة جزيرة العرب". ويروى الجزء الأول أول ما يروى وصف الهمدانى لغُمْدان وصنعاء؛ ويستشهد الهمدانى بأشعار قيلت فى غمدان، ثم يروى قصة بناء سام لهذه القلعة، ويقص روايات جنوب بلاد العرب عن صنعاء، ثم يتابع كلامه فيذكر معلومات أخرى عن جو البلاد وحفظ الطعام فيها، وتفصيلات عن خطة صنعاء وآثار قلعة غمدان ويستشهد بأشعار قيلت فيها؛ ويتجلى فى هذه الأشعار أثر الأساطير التى ظلت عالقة بالقلعة بوصفها من عجائب العمارة، ثم يتحدث الهمدانى عن "شبام يَسخُم، والآثار القديمة، والقصور المنيفة فى شبام، ثم يتحدث عن شبام بيت أقْيان (انظر الوصف فى صفة
стр. 5441
جزيرة العرب وفى ياقوت، المعجم، جـ ٤، ص ٤٣٧، وجـ ٣، ص ٢٤٨ وما بعدها)، ويأتى بعد هذا وصف ناحية ضَهْر، وبيت حَنْبَس انظر البكرى، طبعة فستنفلد Wustenfeld ص ١٩٨، وانظر الجزيرة) وحَدَقان، ورِضاع، وصرواح، وهى قلعة من أشهرَ قلاع اليمن (وقد استشهد ببعض الأشعار التى قيلت فيها) وغَيمَان (وقد ذكر رواية بنى حمير عن أسعدتبع التى رواها كريمر Kremer كاملة المصدر المذكور ص ٨٦ وما بعدها) ودامغ، وظفار وغيرها من الحصون؛ وأتبعها بثبت قصير عن حصون سرو (نجاد بنى حمير) وحضرموت؛ ولوصف الهمدانى مأرب وسبأ شأنه لما اشتمل عليه من معلومات، وقد استند إليه مولر (جـ ٢) فحاول أن يلقى ضوءًا أكثر على عدة أمور تتصل بسبأ القديمة، وسعى بوجه خاص إلى أن يبين أن النقوش هى التى يجب أن نعول عليها فى تحديد أثبات ملوك سبأ أكثر مما نعول على البيانات التى جاءت فى روايات العرب. ويتحدث الهمدانى فى وصفه عن حالة آثار السد والفيضان الذى أتلفه، وحصون مأرب (مع الاستشهاد بأشعار قالها الشعراء)، أما بيانات الهمدانى عن منشئ هذا السد، وهى بيانات لا سند لها من التاريخ (زعم أنه لقمان ابن عاد، وهو شخص أسطورى) فقد صححتها شهادة النقوش التى ذكرت أن منشئها هو ايثعمر بيّن؛ ومما هو جدير بالذكر أن وصف أرنو Arnaud لآثار السد ورواية هالفى Halevy تتفقان مع رواية الهمدانى فى التفصيلات الجوهرية، ويقول الهمدانى عن حصن رَوْثان اليمنى (بين الجوف ومأرب) أنه كان فى وقت الأوقات لأسرة نَشق (وقد ذكر عنها بعض المعلومات أيضا فى الكتاب العاشر؛ وقد اعتمد عليه فى ذلك أيضا نشوان فى كتابه "شمس العلوم" Muller. المصدر المذكور، جـ ٢، ص ١٠٠١، التعليق ٣) وذكر فى منطقة بنى معين حصى بَراقش ومعين (مع شواهد من الشعراء).
ويشتمل كتاب صفة جزيرة العرب أيضا على تفصيلات جغرافية عن إقليم سبأ، بيد أنها لا تمكننا من تكوين فكرة شاملة مقنعة، شأنها فى ذلك شأن
стр. 5442
الملاحظات المبعثرة فى مصنفات الجغرافيين العرب المتأخرين، ذلك أنها كلها أو جلّها تشتمل على أسماء قائمة بذاتها، ومن ثم فإنه يصعب علينا أن نخرج منها بفكرة عامة؛ وقد لاقى مولر D. H. Muller عند نشره للنص (جزءان، ليدن، ١٨٨٩ - ١٩٩١) صعابًا جمَّة من جراء ذلك؛ واستطاع كليزر الذى نهج نهج سلفه شيرنكر من حيث تعويله على الهمدانى تعويلا كبيرا، أن يتحقق بعد من قراءات هذه النسخة، على الطبيعة فى المناطق التى طوف فيها معتمدا على مشاهداته هو وشهادة أهل البلاد.
أما الأصداء القليلة من تاريخ العصر السبئى التى بقيت فى روايات العرب منثورة كانت أو منظومة فتخرج عن نطاق بحثنا، ذلك أنها بدت فى صورة الأساطير وإن تفاوتت فى ذلك؛ وقد جمع كريمر (A.v.Kremer، المصدر المذكور، وانظر مصنفه Altarabische Gedichte uber die Volkssage von yemen ليبسك ١٨٦٧) المعلومات الجوهرية عن الموضوع؛ ونجد فى الروايات أيضا ما يماثل القصص اليونانية (انظر مثلا كريمر. ص ١٥٠، عن "ذى فائش") وقد نسب إلى الملكة بلقيس بناء السد فى مأرب أو على الأقل تحسينه؛ وسرت الأساطير إلى الفيضان أيضا. وتقسيم المؤرخين العرب تاريخ اليمن قبل الإسلام إلى ثلاثة عصور (يمتد الأول إلى تبع أبى كرب، والثانى إلى ذى نواس، والثالث إلى ظهور الإسلام) يمثل بعدُ التقسيم الواقعى إلى العصر السبئى، والعصر الحميرى، والعصر الحبشى الفارسى (Burgen: Muller, جـ ١، ص ٣٣٨) بل إن الأثبات الخاصة بملوك بنى حمير التى نقلها هؤلاء المؤرخون ليس لها شأن علمى، وهى على أحسن الفروض تنقل بعض الأسماء القديمة التى اصطنعها النسابة، ولكن لا يمكننا أن نصفها بالدقة من الوجهة التأريخية؛ زد على ذلك أن الأثبات الخاصة بهؤلاء الملوك إنما تشير إلى العصر المتأخر من تاريخ بنى حمير (الموضع نفسه، جـ ٢، ص ٩٨١ و ٩٩٧).
ويهمنا أكثر وأكثر ما ورد فى مصنفات المسلمين من معلومات عامة
стр. 5443
عن الحياة الاجتماعية والاقتصادية فى سبأ القديمة وفى سبأ الأحدث عهدا من دلك، فهى تتمشى مع النقوش والمصادر اليونانية والرومانية. وتتفق نتائج الاستكشافات التى تمت فى البلاد نفسها والمصادر المختلفة القديمة المكتوبة فى الدلالة على أن بنى سبأ بزوا شعوب العرب جميعًا فى علو الشأن قبل الإسلام، وخاصة الشعوب الأربعة فى جنوب بلاد العرب التى عرفها اليونان أنفسهم. وتتالف الآثار التى بقيت من تلك الحضارة التى كانت فى يوم من الأيام من أرقى الحضارات، والتى يرجع إليها معظم الفضل فى ما كان لسبأ من شأن فى التاريخ. من النقوش التى وجدت منذ قام أرنو Arnaud برحلته الاستكشافية، ومن التماثيل وآثار الأروقة ذات العمد، والقصور، والمعابد، وأسوار المدينة، والأبراج، والمرافق العامة وخاصة منشآت المياه ونحو ذلك، وهى تؤيد الصورة الرائعة التى رسمها أغاثر خيدس ومن جاءوا بعده من الكُتَّاب عن ثقافة بنى سبأ، بل إنها تدلنا فى الوقت نفسه على أن أساطير الروايات الإسلامية نفسها عما كان لمملكة بنى حمير من مجد لها سند من التاريخ. ومن الأدلة البارزة على ذلك فى كتب العرب وصف غمدَان فى الهمدانى، وقد سبق لنا ذكره، والإشارات الواردة فى الشعر إلى هذا الحصن الذى بلغ الإعجاب به حدًا عظيما (انظر Burgen: Muller, جـ ١، ص ٣٤٥ وما بعدها) وكذلك الإشارات إلى الحصون الأخرى فى سبأ مثل سَلْحين وبَيْنون، وقد أيدت شهادة النقوش وأوصاف العرب لحصون سبأ ملاحظات أغاثرخيدس عن العمائر الرائعة التى كانت للملوك والأشخاص فى سبأ. وتخلد هذه النقوش إلى حد كبير ذكرى بناء البيوت (والقصور) والحصون؛ وكان سد مأرب الأشهر من المرافق العامة التى أقيمت للنهوض بالزراعة مثل الحواجز والسدود؛ وقد قام أهل جنوب بلاد العرب القدماء بأعمال جليلة فيما يتصل بالرى إذ كانت زراعتهم تتوقف على الرى الصناعى، وكثيرا ما ورد ذكر هذه الأعمال فى نقوش جنوب بلاد العرب (انظر الإشارات التى جمعها هارتمان،
стр. 5444
المصدر المذكور، ص ٣٩٨ وما بعدها والمناقشات والبحوث التى أوردها رودوكاناكيس Studien: Rhodhokanokis، جـ ٢، ص ٧٨ وما بعدها مثلا الخ)، وما زالت الصهاريج التى بقيت من العصر الحميرى قائمة فى جنوب بلاد العرب إلى يومنا هذا.
وقد ألقت استكشافات هالفى ومشاهداته، وخاصة استكشافات كليزر ومشاهداته، ضوءًا جديدًا على هذه الحضارة منذ أن قام أرنو برحلته. والفضل فى بزوغ شمس هذه الحضارة راجع إلى صناعة بنى سبأ وتجارتهم وخاصة زراعة اللبان؛ وكانت الأرض تهيئ كل الأسباب التى تكفل زراعتها. وفى رواية الهمدانى (الجزيرة، ص ٥١، سطر ٨) أن اليمن كانت تسمى الخضراء نظرًا لوفرة أشجارها وفاكهتها ومحاصيلها (انظر ابن الفقيه: كتاب البلدان؛ المكتبة الجغرافية العربية، جـ ٥، ص ٢٤)، بل إننا نجد فى التكوين الطبيعى للبلاد تعليلا مقنعا كل الإقناع لما وصف به أغاثرخيدس سبأ من وفرة نباتها. واعتدال الطقس وطيب المناخ داخل اليمن وحضرموت ينبت خضرة يانعة على منحدرات التلال وفى الوديان، وتشهد روايات الرحالة المحدثين أيضا بخصب تربة اليمن وكذلك بالنقص الذى طرأ على غاباتها، ويستند المسعودى على المصادر الأقدم منه فيصف سبأ بأنها أكثر بقاع اليمن رخاء وخصبًا وهى غنية بحدائقها ومزارعها ومروجها ومناخها بديع (انظر كريمر المصدر المذكور ص ١٠ التعليق ١) ويتفق هذا الوصف تمام الاتفاق وما قاله أغاثرخيدس فى الإشادة بثروة سبأ.
وقد نوه الهمدانى بذلك الطقس الواحد الذى يسود إقليم صنعاء (Burgen: Muller، جـ ١، ص ٣٤٣) وقال كليزر وغيره من الرحالة إن جو النواحى الكثيرة الارتفاع فى اليمن معتدل يناسب الزرع.
ونجد فى نصوص التوراة التى مر بنا ذكرها والتى تقول إن بنى سبأ كانوا يصدرون اللبان والذهب والأحجار الكريمة إلى مصر وسورية مصداقًا لقول أغاثرخيدس إن بنى سبأ كانوا يزودون البطالمة والسوريين بالذهب، ويزودون الفينيقيين بالسلع
стр. 5445
بشتى أنواعها، وكان جنوب بلاد العرب منذ أقدم العصور مصدر اللبان. وقد قدر لبنى سبأ خاصة، بوصفهم سكان أخصب بقاع الجزء الجنوبى من اليمن واصحاب أرض اللبان، أن يتاجروا فى الطيب بوجه خاص؛ ونجد فى سفر الملوك الأول (الإصحاح ١٠، الآية وما بعدها) الفكرة التى قال بها إسترابون (جـ ١٦، القسم ٤، الفصل ١٩ و ٢٢) من أن تجارة الطيب كانت مصدر ثروة بنى سبأ، وكانت أدنة مركز التجارة العظيم بين الهند ومصر (. . .)، ص ٢٦ Ptolmy، جـ ٦، ص ٧، سطر ٩، Mela، جـ ٣، ص ٨ سطر ٦؛ Pliny، جـ ٦، ص ١٥٩، Philostorgius، Hist.eccl جـ ٣، ص ٥) وما زالت عدن المركز الطبيعى للدائرة التى تتكون من إفريقية وبلاد العرب وأرض الجزيرة والهند، (ويتحدث شميدت خطأ عن تدمير الرومان لأدنة فى القرن الأول الميلادى، انظر Was sudwestl Arabian: W.Schmidt، فرانكفورت. a,M ,١٩١٣، ص ١٠١، وقد نهج فى ذلك نهج مومسن Mommsen: Romische Geschichte, جـ ٥ ص ٦١١)؛ وتؤيد الإشارات الواردة فى النقوش عن الأوانى المقدسة المصنوعة من الذهب والفضة والكشف عن الذهب فى القرون الوسطى (الهمدانى، الجزيرة، ص ٧٩، وانظر Burgen: Muller جـ ٢، ص ١٠٠٨ , Sudarabische Studien ص ١٣٥ وما بعدها، Sprenger، المصدر المذكور ص ٥٦ وما بعدها) واستخراج التبر بغسل الرمال وهو ما ذكره هالفى وكليزر، ثم الكشوف الأثرية لسكة بنى سبأ المصنوعة من الذهب والفضة ولحجارتهم الكريمة (انظر فيما يتعلق بالحجارة الكريمة: الهمدانى، المصدر المذكور، Burgen: Muller جـ ١، ص ٣٦٦ و ٣٧٤، Sudarabische Alter tumer، فينا ١٨٩٩٩، كليزر Glaser المصدر المذكور، ص ٣٦٧، لندبرك Arabica: Landberg جـ ٥، ص ١٢٨؛ وانظر فيما يختص بالسكة La tresor de sana: Schlumberger، باريس ١٨٨٠؛ Sudarabisch Altertuner: DH.Mullet فينا ١٨٩٩، ص ٦٥ - ٧٨ اللوحة ١٤؛ E.S.G,Robinson فى Numismatic chro. nicle , ١٩٢٣، ص ٣٦٥ - ٣٨٦،
стр. 5446
٣٦٨؛ Brit. Mus. Cat COins Of Arabia ١٩٢٢: G.F. Hill، فى مواضع متفرقة؛ المؤلف نفسه: Ancient Coins Of South Arabia فى Proceed of Brit Acad، لندن ١٩١٥) كل ذلك يؤيد الروايات التى نقلها ديودورس عن استرابون (ناهجًا نهج اغاثر خيدس) بخصوص الأبواب، والأسوار، والسقوف، والجدران ذات العمد التى كانت فى منازل بنى سبأ وكانت مرصعة بالذهب والفضة والأحجار الكريمة، وبخصوص أوانى الشرب وغيرها من أوانى البيت الأخرى الغالية المصنوعة من الذهب والفضة، كما تؤيد الإشارات التى وردت فى المصنفات اليونانية والرومانية والعربية (وقد تقدم بنا ذكرها) عن وجود الذهب فى حالته الطبيعية (والفضة فى رواية الهمذانى) [انظر شبرنكر، المصدر المذكور، ص ٥٨ و ٢٨٣ وما بعدها] وغيره من المصادر، وفى رواية المصادر الحديثة أيضًا [الموضع نفسه ص ١٥٨].
وكذلك انصرفت البحوث إلى الحياة الاقتصادية فى جنوب بلاد العرب القديمة أيضًا وكان رودوكاناكيس أول من تناول بالدراسة المنتظمة الشئون الاقتصادية وما يتصل بها من المسائل الشرعية مستمدًا معلوماته من النقوش Die Bodenwirtschaft فى Studien جـ ٢، وفى مقالاته المتأخرة [وقد سلف ذكرها] ونتبين من هذه البحوث أنه كان فى جنوب بلاد العرب القديمة نظام محكم لتدبير أمور الزراعة وإدارتها أملته المصالح القومية، ونخص بالذكر ذلك الأسلوب الدقيق فى توزيع المياه وفى فلاحة الأرض ونستطيع من هذا أن ندرك ما كان يقوم عليه العمل أيضا من نظام بالغ الإحكام، وأن نستبين أحوال الملكية والآراء الشرعية، والنظام الاقتصادى فى الدولة وفى المعابد؛ ومن الأمور ذات الشأن من الناحية التاريخية أن نظام إدارة الأرض ودستور البلاد (فى جوهرهما على الأقل) كانا على نسق واحد فى جميع دول جنوب بلاد العرب القديمة.
وقد أوحت بحوث رودوكاناكيس فى الأحوال الإقتصادية إلى كرومان A.Grohmann القيام بدراساته التى نشر نتائجها فى مصنفه الذى أسلفنا ذكره (وقد نشر نموذجًا منها فى كتابه Die
стр. 5447
altorientalische Agrawirtschaft فى Berichte des Forschung sinstitutes fur Osten und Orient، جـ ٢، فينا, ١٩١٨، ص ٣٤ وما بعدها) وهو يتحدث فيه عن الأرض (تكوينها الجيولوجى ومناخها وموارد المياه فيها) وعن السكان وحاصلات البلاد (وخاصة النباتات العطرية) وعن الثروة المعدنية والصيد وتربية الماشية والزراعة، ومما له قيمة بصفة خاصة الإشارات الكثيرة المنقولة من النقوش ومن المصادر المكتوبة ومن كتب الرحالة (ويدخل فى ذلك مصنفات بقلم كليزر ما زالت مخطوطة) وقد اتخذ كرومان Grohmann مجالا للبحث أوسع بكثير مما اتخذه شميدت Schmidt الذى عنى أشد العناية فى كتابه (وقد مر بنا ذكره) بالجغرافية الاقتصادية؛ وهو يتناول التجارة والصناعة الحديثتين عن دراية خاصة.
المصادر:
(١) انظر فيما يتصل بالمؤلفات إلى المصادر التى أسلفنا ذكرها فى صلب المادة وخاصة النقوش (والمجموعة الرئيسية منها هى Corpus. Inscript. Semit، جـ ٤، المطبوعة فى باريس)، وفيما يتصل بالمصنفات التاريخية والجغرافية واللغوية الهامة انظر شبرنكر Geographie: Sprenger.
(٢) Burgen und schlosser: D.H.Muller
(٣) Aufaatze und Abhandlungen (١: Hommel (ثلاثة أجزاء ١٨٩٢ - ١٩٠١) Chres tomathie(٢؛ ٣)-Explorations in Arabia' ٤) Grundeiss
(٤) Skizze: Glaser, جـ ١، وقد نشر الجزء الأول منفردا عام ١٨٨٩).
(٥) SahaIsdze Denkmaler: J.H. Mordtmann D.H.Muller، فينا ١٨٨٣.
(٦) Beitrage zur minaischen Epigraphik Semitisx Studien: J.H. Mordtmann طبعة بزولد C.Bezold جـ ١٢، فيمار Weimear ١٨٩٧).
(٧) Die arabische Frage: M. Hartmann
(٨) Otto Weber: رسائل (عن بلاد العرب والرحلات الاستكشافية فى Der Sudarabischen (Alte Orient Studien zur Mitt. V.AG,٣ - ١ Altertums kunde
стр. 5448
(٩) Abhandlungen: Rhodokankis، وكذلك مصنفا Kremer ومصنف Landberg: Arabica ليدن ١٨٩٧ و ١٨٩٨.
(١٠) ومن المصنفات العربية الهمذانى: الإكليل وصفة جزيرة العرب (طبعة D.H.Muller).
(١١) وقد أورد هومل Hommel فى مصنفه Chrestomathie (ص ٦٣ - ٨٨) مصادر كاملة أو تكاد لآثار جنوب بلاد العرب (بما فى ذلك سقطرى) من سنة ١٨٩٢، وأتم ويبر weber هذه المصادر (حتى سنة ١٩٠٧) (Studien, جـ ٣، ١٩٠٨، حيث وعد فى ص ٧٠ أن يكمل عمل هومل؛ وقد أوردنا ذكر بعضها فيما يلى) ويجب أن نقتصر هنا على الاستشهاد بالكتب والمقالات التى تعد من حيث تتابعها معالم فى طريق تقدم البحوث التى تتصل بأرض سبأ وبنى سبأ، وبالمصنفات الأحدث عهدًا (منذ سنة ١٩٠٨)؛ ويجمل بنا أن نحيل القارئ إلى هاتين المجموعتين وإلى الأبحاث التى نشرت فى ZDMG (من سنة ١٩٠٨ وما بعدها) إذا شاء الرجوع إلى المئات من المقالات الخاصة وجلها لغوى الصبغة، أو إذا شاء الرجوع إلى ما طبع من النقوش. ونذكر فى هذا المقام من روايات الرحالة:
(١٢) Auszug aus einem Briefe. . . Seetzen's an Herrn v.Hammer مع لوحة واحدة فى Fundgruben des Orients جـ ٢، فينا ١٨١١، ص ٢٧٥ وما بعدها.
(١٣) J. R. Wellsted ١) . Occount (لوحة واحدة)، J.A.S.B جـ ٣، ١٨٣٤، ص ٥٥٤ وما بعدها، ٢) Narrative of a -journey . . . to the ruins of Nakab al Hajar(لوحة واحدة) فى J.R. Geogr soc.، ١٨٣٧، جـ ٧، ص ٢٠ وما بعدها.
(١٤) المؤلف نفسه: Travels in Ara bia لندن ١٨٣٨.
(١٥) Reisen in Arabien: Wellsted، الطبعة الألمانية، الخ، بقلم E.Rodiger هال ١٨٤٢.
(١٦) Transactions of the A.S.B. ١٨٣٤: Carter
(١٧) C.J.Cruttenden: ١) Narrative of a journey from Mokha to san'a (لوحة واحدة)، J.R. Geogr. Soc ١٨٣٨، جـ ٨، ص ٢٦٧ وما بعدها ٢) Journal of an
стр. 5449
Excursion to san'a فى Proceed. of Bomb Geogr.Soc. ١٨٣٨
(١٨) Relation d'un voyage danst l'Yemen: P.Botta، باريس ١٨٤١.
(١٩) Relation d'un voyage a Mareb: Th. S. Arnaud فى J.A، ١٨٤٥، المجموعة ٤، جـ ٥، ص ٢١١ وما بعدها (نشرها مول Mohl؛ انظر فيما يلى تحت Fresnel.
(٢٠) Mission dons L'Yemen: Riv.d'Egypte، جـ ١, ١٨٩٤؛ جـ ٢، ١٨٩٥.
(٢١) Notice sur le voyage de M. de Wrede dans la vallee de Dodn: F. Fresnel فى J.A.١٨٤٥ المجموعة ٤، جـ ٦، ص ٣٨٦ وما بعدها.
(٢٢) Lettre de M . . . de Wrede . . . sur son voyage en Arabie فى Bull de la Soc . de Geogr, ١٨٤٥، المجموعة ٣، ص ٤١ وما بعدها (من رسائله: A.V.Wrede's Reise in Hadramaut بقلم H. V.Maltzam برونشثيك ١٨٧٠، وفيه لوحة).
(٢٣) Erdkunde: K. Ritter , جـ ٨، برلين ١٨٤٧ (بحث شامل أساسه كل ما كان معروفًا وقتئذ من الروايات عن بلاد العرب).
(٢٤) Eben Safir (انظر ما تقدم).
(٢٥) Rapport sur une mission archeologique dons le Yemen (١: J.Halevy فى J.A, ١٨٧٢ المجموعة ٦، جـ ١٩, (Itineraire ص ٨ وما بعدها، Classement des Inscriptions، ص ٦٠ وما بعدها؛ Inscriptions Sabeennes، ص ١٢٩ وما بعدها، Traduction ص ٤٨٩ وما بعدها ٢) Nedjran Voyage du فى Bull. de la Soc. de Geogr، ١٨٧٣ المجموعة ٦، جـ ٦، ١٨٧٧؛ جـ ١٣.
(٢٦) W.Munzinger و S. B. Miles: Accounto of an Excursion into the Interior of Southern Arabia فى J.R.Geogr. جـ ٤١.
(٢٧) Reise nach Sudarabien: H. V. Maltzan برونشفيك ١٨٧٣.
(٢٨) Notes of a Journery in Yemen: Ch. Millingen, فى J. R. Geogr. Soc ١٨٧٤، جـ ٤٤.
стр. 5450
(٢٩) El Yemen, Tre anni nell' Arabia Felice: R. Manzoni رومة ١٨٨٤.
(٣٠) Schapiras Reise in Yemen: H. Kieperi فى Globus، ١٨٨٠، جـ ٣٨، ص ١٨٣ وما بعدها.
(٣١) Reieberichte aus Syrien und Arabien: S.langer فينا ١٨٨٣.
(٣٢) E.Glaser: Meine Reise durch Arhab und Haschid (١ فى petermanns Geogr. Mitt ١٨٨٤، جـ ٣، ص ١٧٠ وما بعدها و ٢٠٤ وما بعدها، ٢) Von a'Hodeida nach San الموضع نفسه، ١٨٨٦، جـ ٣٢، ص ١ وما بعدها و ٣٢ وما بعدها، ٣) Uber meine Reisen in Arabien فى M.G.G.W ١٨٨٧، ص ١٨ وما بعدها و ٧٧ وما بعدها، ٤) E GlasersReise nach Marib بقلم F.Hommel , z Munch Allg. Ztg. Beil ١٨٨٨، رقم ٢٩٣ و ٢٩٤، ٥) uber die vierte Bericht Ges. z Forderung Reise Mitteil. der. wissensch . . . in Bohmen deutscher أول نوفمبر عام ١٨٩٤، ٦) Bericht uber einen Vortag Glasers uber seine vierte .z Munch Allg. Ztg Reise, Beil، ١٨٩٤، رقم ٩٧؛ ٧) E. Glasers Reise nach Marib طبعة D. H. Muller و N. Rhodokanakis، فينا ١٩١٣ (Sammlung E. Glaser).
(٣٣) Voyage au Yemen: A. Deflers، باريس ١٨٨٧.
(٣٤) Ajourney through Yemen: F. T. Haig فى Proc R Geogr. Soc، ١٨٨٧، جـ ٩.
(٣٥) Harris انظر ما تقدم.
(٣٦) L.Hirsch: ١)Reisen in Sud Arabien, Mahra-Land and Hadramut
ليدن ١٨٩٦ (انظر تعليق كليزر Glaser عليه فى PeternL Mitt، جـ ٩٣, ١٨٩٧؛ Litteraturber ص ٣٧ وما بعدها)؛ ٢) Glo- Neue Wanderungen in Yemen bus، ١٢٤(١٨٩٨) جـ ٢، ص ٢٠٤ وما بعدها و ٢٢١ وما بعدها.
(٣٧) Die sudarab. Ex-Pedition der Akad., der Wiessench. in Wien: C.Landberg، ميونخ ١٨٩٩.
(٣٨) Die Sudarab. .Expedittion der Akad in Wien(١: D. H. Muller فينا ١٨٩٩) Zur Geschichte der sudarab Expedition فينا ١٩٠٧.
стр. 5451
(٣٩) Une excursion au Yemen: p. Charnay فى Bull. Soc. Geogr. Anvers ١٨٩٩، جـ ٢٣، ص ٧٩ وما بعدها.
(٤٠) Ropport sur El-Yemen: A.Bardey، فى Bull. de Geogr. hist، ١٨٩٩
(٤١) Southern Arabia: Th. Bent, لندن ١٩٠٠.
(٤٢) Reiseskizzen aus dem yemen: H. Burchardt فى Z.G.E.B.، ١٩٠٢، ص ٥٩٣ ما بعدها.
(٤٣) Vorlaufiger uber Bericht die Reise nach Aden und Gischin Anz. Akad. Wien (١: W.Hein، ١٩٠٢ جـ ٣، ص ١٠٧ وما بعدها؛ ٢) M.G.G.Sudarabische ltinerarien wien, جـ ٤، ١٩١٤، ص ٣٢ وما بعدها.
(٤٤) Mission d'etudes au Yemen: A. Beneyton فى La Geographie، جـ ٢٧، ١٩١٣ - وكثيرًا ما يستشهد كرومان Grohmann فى وسائل كليزر التى لم تنشر بعد بمفكراته "ثم بوصف بيرى G.W. Bury أيضا لرحلته إلى بيجان عام ١٨٩٩, (المصدر المذكور، ص ٩؛ ص ٥٦، التعليق ١: Expedition to Behan, فى مخطوط؛ وكذلك ص ٤، التعليق إلى آخره , Arabia Infelix: Bury، لندن ١٩١٥؛ وكذلك فى مواضع متفرقة: The Land of Uz لندن ١٩١١ و Notes)، وكذلك يبحث كليزر الذى لم ينشر: Ostjemen und Nordadramut ص ١٣٩ إلى إلخ - وتتعلق المصادر التالية على سبيل التحديد بالحالة الراهنة فى المنطقة التى كانت تشمل فى وقت من الأوقات المملكة السبئية الحميرية القديمة، وهى اليمن الحديثة على وجه التقريب (من حوال خط العرض الشمالى ١٩ عند جبل التثليث إلى الساحل الجنوبى، وفى الشرق حتى حوراء:
(٤٥) Arabia: Zwemer, شيكاغو ١٩٠١.
(٤٦) Land und Leute. im Leutigen Jemen Peterm. Mitt: Raif Fuad bey، ١٥١٢، جـ ١٠٨، القسم ٢
(٤٧) Jemen. Grundkzuge der Bodenplastik und ihr Einfluss auf Klima und Lebewelt: E. Behn، رسالة علمية قدمت لجامعة مربورغ، . ١٩١٠، وذلك عدا أبحاث الأرصاد الجوية والفلكية، وأبحاث التاريخ الطبيعى وبعض الرسائل التى كتبها كليزر وبنت
стр. 5452
وغيرهما وقد سبق ذكر كتب شميث A.Schmidt وكرومان A.Grohmann، ونجد المعلومات عن النشاط التجارى فى الساحل الجنوبى فى يومنا هذا فى تقرير الغرفة التجارية بعدن Report of the Aden Chamber of Commerce (عدن من عام ١٨٩٨ فما بعده) ونضيف إلى المصنفات التى ذكرناها فى مستهل المصادر ما يلى:
(٤٨) Etudes Sabeennesj.A.: J.Halevy، ١٨٧٣. والمجموعة ٧، جـ ١ و ٢.
(٤٩) Arabien und die Araber seit ١٠٠ Jahren: A. Zehme، هال ١٨٧٥.
(٥٠) S.B.Akad Wien' Sudarabische Studien ١٨٧٧ (١: D.H. Muller، جـ ١٣٦، ص ١٠٣ وما بعدها؛ ٢) Epigraphisch Denkmaler aus Abessinien فى Denkschr. Ak. Wien، جـ ٩٣ (١٨٩٤).
(٥١) Zwei Inschriften uber den Dammbruch von Marib M.V.A.G ١٨٩٧١: E. Glaser؛ ٢) Altjemenische Altjemenische Nachrichten, ميونخ ١٩٠٦، ٣) Die Abessinier im Arabien ميونخ، ١٨٩٥، ٤) Punt und die ١٨٩٩، M.V.A.G، sudarabischen Reich. ص ٥١ وما بعدها.
(٥٢) Mohammed: H.Grimme, ميونخ، ١٩٠٤.
(٥٣) The Penetration ofArabia: Hogarth، لندن ١٩٠٥.
(٥٤) Saba: J.Tkac، (R.E، تحت هذه الكلمة، الأعمدة ١٢٩٨ - ١٥١١، حيث عولج هذا الموضوع مع الإشارة بصفة خاصة إلى المصنفات اليونانية والرومانية).
أما الطبعات الأحدث من النقوش (بيرد Brid Fresnel [التكملة الرواية التى وردت فى R.E العمود ١٤٠٠، يجب الرجوع إلى العمود ١٤٠٢؛ أما صور النقوش ونسخها مع الملاحظات اللغوية التى نقلت على هيئة خطابات إلى مول Mohl فهى مأخوذة من فرسل] وبريدو Prideaux وريهاتسك Rehatsck ولنكر Langer [نشرها مولر D.H.Muller، Z.D.M.G, ١٨٨٣ جـ ٣٧، ص ٣١٩ وما بعدها] ومورتمان Mordtmann ودرنبورغ Derenbourp إلى آخره فقد وردت بتفصيل أكبر فى Corpus، طبعة باريس وفى المصنفات الأحدث عهدًا؛ ومن هذه المصنفات نذكر الأعم الأوفى:
(٥٥) Him-(١: J.H Mordtmann
стр. 5453
jarische inschriften und Altertumer in den Konige. Museen zu Berlin، برلين ١٨٩٣؛ ٢) Musee imperial Ottoman, Antiqutes Himyarites، الآستانة ١٨٩٨.
(٥٦) Sudarabische Altertumer im Kunsthistorischen Hofmuseum: D.H.Muller، فينا ١٨٩٩؛
(٥٧) Les monuments sabeens et himyarites du usee . . de Marseille (١: H. Derenbourg فى Rev.Archeol، ١٨٩٩، المجموعة ٣، جـ ٣٥؛ ٢) Repert.d'Epigraphie sem، جـ ١ (١٩٠١ وما بعدها)، جـ ٢ (١٩٠٧)، ولم ينشر من Inssudarabischen Expedition der chriften der Akademie in Wien المجموعة فى سنة ١٨٩٩) إلا القليل حتى الآن (فى طبعات رودو كاناكيس). وللأبحاث التى أجريت عن اللهجات الحديثة فى جنوب بلاد العرب شأن أيضا فيما يتصل بالدراسات السبئية، وقد بدئت هذه الأبحاث منذ وقت مبكر جدًا يرجع إلى مولتزن H.V. Maltzan فى G .Z.D.M, ١٨٧٣، جـ ٢٧، وقد تبعه غيره، وكذلك فإن دراسات الكونت لندبير ذات قيمة Etudes sur les dialectes de L'Arabie meridionale: Count C. Landberg, جـ ١، Hadramout جـ ٢ Dathina (ليدن ١٩٠١ - ١٩١٣)، وثمة مادة غزيرة يتضمنها Schriften der Sudarabischen Expedition" ثم الصادر عن أكاديمية فينا، جـ ١ - ١٠ (١٩٠٠ - ١٩١٠, Hadrami, Mehri. somali, Zfar. sokotri طبعة I.Reinisch، N.Rhodokanakis, A. jahn, D.H. Muller ثم مصنف Studien: M.Bittner عن Mehri، Sokotri و Shhawri فى S.B.AK.Wien، جـ ١٦٢ ص ١٩٠٩ وما بعدها.
صبحى [تكتش J. Tkatsch]
[لقد حل مصنف هل G.F.Hill محل جميع المصنفات السابقة الشاملة عن سكة جنوبى بلاد العرب القديمة: انظر Catalogue of Greek Coins of Arabia, Mesopotamia and Persia in the British Museum: G.F.Hill، لندن ١٩٢٣، ص ٤٤ - ٨٤ من التصدير، ص ٤٥ - ٨٠ واللوحات ٧ - ١١ و ٥٠، ٥٥ وتجد المصادر كاملة فى ص ٤٥؛ وقد أصبح من المحقق أن معظم السكة التى وصفت وصفا مبهمًا بأنها "حميرية" هى فى الواقع سبئية وأن مجموعات صغيرة من السكة يمكن أيضا نسبتها إلى بنى معين وإلى القتبانية.
[رئيس التحرير].
стр. 5454
السبتى
أحمد بن جعفر الخزرجى أبو العباس السبتى: ولى من أولياء اللَّه اشتهر بفضائله وكراماته، ولد فى سبتة سنة ٥٤٠ هـ (٢٤ يونية ١١٤٥ - ١٢ يونية سنة ١١٤٦) وتوفى فى يوم الاثنين ٦ من جمادى الآخرة ٦٠١ هـ (٣١ يناير سنة ١٢٠٥) بمراكش حيث دفن بالقرب من باب تازروت. وتلقى السبتى العلم بصفة خاصة على أبى عبد اللَّه بن الفخار تلميذ القاضى عياض المشهور فى سبتة. وكان السبتى فصيحا لا يجد صعوبة فى إقناع سائليه؛ وكان أيضا شديد الورع جرى على تلاوة القرآن الكريم بالليل والنهار. وقد امتدح الإحسان، وهو نفسه لم يحتفظ بشئ من العطايا الكثيرة التى تلقاها سوى ما يكفيه ويكفى أسرته يوما واحدًا فحسب. وكان يقابل الإساءة بالمعروف، كما كان رحيما بالأرامل واليتامى. وكان السبتى فى بداية أمره يعيش فى فندق حيث كان يقوم بالتدريس، وينفق ما يحصله من أجور التعليم فى سد حاجات الطلاب الأغراب. وقد درج على أن يطوف بشوارع المدينة يؤنب بل يضرب أولئك الذين لا يؤدون الصلاة.
وقد ظلت ذكرى هذا الولى حية ماثلة فى أذهان الناس، ولكنها أحيطت بالكثير من الأساطير. مثال ذلك ما يقال من أنه تنبأ باستيلاء النصارى على سبتة لتأديب مواطنيه على سوء معاملتهم له. وتذهب القصص إلى أنه بعد رحيله من بلده أساء أولياء مراكش لقاءه أشنع إساءة لأنهم خشوا أن تطغى طريقته الدينية يوما على طرقهم. وأصبح السبتى بالفعل أكبر أولياء هذه المدينة. على أن نفوذه امتد إلى أبعد من ذلك بكثير، إذ كان اعتقاد جمهرة الناس فى مراكش أن هذا الولى هو سيد الرياح يبتهل إليه الملاحون لتهدئة العاصفة، ولإثارة الريح إذا ركدت. ويقدم الناس فى كثير من جهات الجزائر ومراكش أول مكيال من الحنطة الجديدة للفقراء تمجيدًا له.
المصادر:
(١) أحمد بابا: نيل الابتهاج، فاس، سنة ١٣١٧، ص ٣١.
(٢) المقرى: نفح الطيب، ليدن سنة ١٨٥٨ - ١٨٦١؛ جـ ٢، ص ٦٨؛ القاهرة سنة ١٣٠٢، جـ ٤، ص ٣٥٥ - ٣٦١.
стр. 5455
(٣) الذخيرة السنية، الجزائر سنة ١٩٢١، ص ٤٢ لكاتب مجهول.
(٤) أحمد بن خالد الناصرى السلاوى: الاستقصاء، القاهرة سنة ١٣١٢ جـ ١، ص ٢٠٩.
(٥) ابن الموقت المسفوى: تعطير الأنفاس فى التعريف بالشيخ أبى العباس، فاس سنة ١٣٣٦.
(٦) المؤلف نفسه: السعادة الأبدية فى التعريف بمشاهير الحضرة المراكشية ١٣٤١، ١١٥.
الشنتناوى [محمد بن شنب]
سبحان اللَّه
صيغة دينية يتردد ذكرها فى القرآن الكريم، وهى منادى يقصد به التعجب مأخوذ من أصل ليس له وجود فى اللغة العربية (١) (والفعل سبّح قد فسره النحاة بحق فقالوا أنه مشتق من الاسم)، ولكنه يردّ بوصفه كلمة مستعارة إلى اللغة الآرامية. وقد استحدث أيضًا فى اللغتين العبرية والحبشية، فيقال شبّح" بمعنى حمد أو أثنى. ولعل محمدًا [ ﷺ ] قد وجد هذا التعبير عند بعض "أهل الكتاب"، ذلك أنه من المستبعد أن يكون قد استحدث هذه الصيغة من فعل غير عربى ومن الشواهد على كثرة استعمال هذه الكلمة أننا نجد اللفظ "سبحان" فى بيت للأعشى من غير مضاف إليه. وقد أردفه بـ "من" للدلالة على التعجب (ابن يعيش، طبعة يان Jahn، ص ٤٣، س ٥، ص ١٤٨, س ١ وما بعده). وهذه الصيغة المقررة وردت فى القرآن الكريم على لسان موسى [﵇] (سورة الأعراف، الآية ١٤٣، وعيسى [﵇] (سورة المائدة، الآية ١١٦)، (سورة يونس، الآية ١٠)، (سورة البقرة، الآية ٣٢؛ وانظر أيضًا سورة النحل الآية ١، ٥٧). وقد استعملت فى مناسبات أخرى للتعبير عن الأثر الذى تتركه فى النفس عظمة اللَّه وآياته، ومن ثم: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا. . .﴾ سورة الإسراء، الآية ١)، و ﴿. . . سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا. . .﴾ (سورة
стр. 5456
الزخرف، الآية ١٣) و ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ. . .﴾ (سورة يس، الآية ٣٦) و ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ. . .﴾ (سورة يس، الآية ٨٣) ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ (سورة الروم، الآية ١٧). وإذا سمع المؤمنون القرآن يتلى خروا سجدا وقالوا "سبحان ربنا" (سورة الإسراء، الآية ١٠٧). وقد وردت هذه الصيغة أيضًا فى شهادة الضالين: ﴿قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ (سورة القلم، الآية ٢٩، وما بعدها). وهى تستعمل بصفة خاصة لبيان علو اللَّه وكماله المطلق عندما ينزه عن إتيان فعل يمس ذاته (انظر سورة الإسراء، آية ٤٣ حيث يلحق لفظ "سبحانه" بلفظ "تعالى"). ويستعمل مع هذا الفعل الذى يتعالى عنه اللَّه حرف الجر "عن" (سورة الأنبياء الآية ٢٢، سورة الزمر، الآية ٦٧، سورة الطور، الآية ٤٣، سورة الحشر، الآية ٢٣) وهكذا نرى أن القرآن الكريم قد جاءت به هذه الصيغة عندما كان يرمى الذين يعبدون غير اللَّه بالشرك (سورة التوبة، الآية ٣١؛ سورة النساء، الآية ١٧٠؛ سورة النحل، الآية ١؛ سورة الإسراء، الآية ٤٢ وما بعدها)، وعندما تنزه اللَّه بأن يكون له ولد (سورة البقرة، الآية ١١٦؛ سورة النساء، الآية ١٧١؛ سورة المائدة، الآية ١١٦؛ سورة الزمر، الآية ٤؛ سورة الزخرف، الآية ٨١) وبنون وبنات (سورة الأنعام، الآية ١٠٠؛ سورة النحل، الآية ٥٧؛ سورة الصافات، الآية ١٥٣، ١٨٠). وقال الأتقياء فى مناسبة من هذا القبيل ﴿. . . رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ. . .﴾، (سورة آل عمران الآية ١٩١) وكذلك موسى عندما أدرك أن اللَّه لا يرى (سورة الأعراف، الآية (١٤٣ ومحمد [ ﷺ ] عندما أشاح عن قومه إذا طلبوا منه أن يأتى لهم بآيات بينات فقال لهم ﴿هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ (سورة الإسراء الآية ٩٣).
وعلى هذا النحو يمكن أن يخفف هذا التعبير فلا يتعدى مدلوله ﴿مَعَاذَ اللَّهِ﴾ (سورة النور، الآية ١٦).
وأصبح الفعل "سبَّح" المشتق من ذلك الأصل يستعمل فى عهد متقدم
стр. 5457
بمعنى "صلى" وخاصة فى الصلوات غير المفروضة "سُبْحَة" (انظر حسان ابن ثابت فى Delectus، جـ ٧٧، ص ١٤ (لم ترد Hirschfeld)؛ وانظر Lane: Lexicon.
خورشيد [بول Fr. Buhl]
تعليق
هذا مقال عجيب قد لا نجد له مقصدًا إلا شيئًا واحدًا يدندن حوله بعض المستشرقين، يريدون بتكراره إثباته فى النفوس، بنحو من الإيحاء. ذلك قوله: "ولعل محمدًا قد وجد هذا التعبير عند بعض أهل الكتاب، ذلك أنه من المستبعد أن يكون قد استحدث هذه الصيغة من فعل غير عربى"! !
هذا هو المقصد الأول من المقال: أن يوهم الناس بأن (القرآن الكريم) من كلا (رسول اللَّه ﷺ لماذا؟ وعن أى دليل يقيمه؟ لا شئ.
ثم مقصد آخر تبعى: أنه ﷺ يأخذ عن أهل الكتاب! ويكفى عنده إثبات ذلك قوله "لعله"؟ !
وأعجب من ذلك استدلال الكاتب على أن كلمة "سبحان اللَّه" ليس لها أصل فى العربية بأن النحاة قد فسروا الفعل "سبح" "بحق فقالوا إنه مشتق من الاسم"! والذين يعرفون العربية أقل من معرفة كاتب المقال بها، يدركون أن النحاة يفسرون كل فعل فى العربية بأنه مشتق من "المصدر" أى "من الاسم"، لأن كل مصدر هو اسم لا فعل.
ثم يريد أن يوهم بالاحتمالات الطريفة أن هذه المادة مأخوذة من الآرامية! لماذا؟ لأن العبرية والحبشية فيهما هذا المعنى: حمد أو أثنى"؟
وستجد فى آخر مقال الكاتب أنه يستدل على أن كلمة "سبحة" تستعمل فى معنى الصلاة غير المفروضة ببيت من الشعر لحسان بن ثابت. ولو قرأ الكاتب مادة (سبح) فى أى معجم من المعاجم، وخاصة النهاية ولسان العرب -لوجدها مستعملة بهذا المعنى فى كثير من الأحاديث، فلا يحتاج إلى إبعاد النجعة إلى شعر حسان.
والكلمة عربية أصيلة. فسرها علماء اللغة العارفون بها، وأئمتها المقتدى بهم
стр. 5458
فيها. فانظر -مثلا- قول ابن فارس المتوفى سنة ٣٩٥ هـ فى مقاييس اللغة ٣: ١٢٥ "سبح: السين والباء والحاء أصلاون: أحدهما جنس من العبادة، والآخر جنس من السعى. فالأول: ال سبحة ، وهى الصلاة، ويختص بذلك ما كان نفلا غير فرض. ومن الباب: التسبيح، وهو تنزيه اللَّه جل ثناؤه من كل سوء. والتنزيه: التبعيد والعرب تقول: سبحان من كذا، أى ما أبعده. قال الأعشى:
أقول لما جاءنى فخره ... سبحان من علقمة الفاخر
وقال قوم: تأويله عجبًا إذا يفخر. وهذا قريب من ذاك لأنه تبعيد له من الفخر".
المترجم
سبحة
(سُبْحَة): ويقال أيضًا سبْحة: هى المسبحة المعروفة ولكن الوهابية ينكرونها ويعدونها بدعة. وثمة شواهد على أنها استعملت أول ما استعملت فى أوساط الصوفية وبين طبقات أخرى فى المجتمع (Rosaire: Goldziher, ص ٢٩٦). وقد ارتفعت أصوات باستنكارها فى تاريخ متأخر يرجع إلى القرن الخامس عشر الميلادى، ومن ثم كتب السيوطى رسالة فى بيان فضائلها (Vorlesungen uber den Uslam: Goldziher الطبعة الأولى، ص ١٦٥). وقد جرى الحجاج (انظر Die Renaissance des Islams: Mez ص ٤٤١) والدراويش وغيرهم على حمل السبحة فى أيامنا هذه.
وتتألف السبحة من مجموعات من الحبات مصنوعة من الخشب، أو العظم، أو الصدف أو غير ذلك. ويفصل هذه المجموعات حبتان مستعرضتان أكبر حجما من الحبات الأخرى (إمام) علاوة على حبة أكبر من الجميع تتخذ يدا (Snouch Hurgronje فى Int. Arch f.Ethnographie، جـ ١، ص ١٥٤، لوحة ١٤، رقم ١٢). ويتفاوت عدد الحبات فى كل مجموعة (مثلا: ٣٣ + ٣٣ + ٣٤ أو ٣٣ + ٣٣ + ٣١؛ ويحسب الإمام واليد ضمن الحبات فى الحالة الثانية. ويبلغ عدد حباتها جميعا مائة حبة تمشيا مع عدد أسماء اللَّه الحسنى البالغة ١٩ اسما. وتستخدم السبحة فى عدّ هذه
стр. 5459
الأسماء، ولكنها تستخدم أيضا فى عد الدعوات، أى فى الذكر وفى الصيغة التى تختم بها الصلاة وقد ذكر لين (Manners and Customs, Register: Lane) سبحة من ألف حبة تستعمل فى الجنائز لتكرار صيغة لا إله إلا اللَّه ثلاثا، وكل مرة بألف.
وقد ذكرت المسابح (جمع مسبحة) فى عهد متقدم يرجع إلى سنة ٨٠٠ م (Die Rensaissance des Islams: Mez, ص ٣١٨) ويذهب كولدسيهر (Vorlesungen ص ١٦٥) إلى أن السبحة انتقلت من الهند إلى غرب آسية. ثم إن كولدسيهر نفسه أشار إلى أحاديث ذكرت استعمال الحجارة الصغيرة ونوى البلح وغيرها لعد الأذكار، مثل التكبير والتهليل، والتسبيح.
ونذكر من هذه الأحاديث: "عن سعد ابن أبى وقاص أنه دخل مع رسول اللَّه ﷺ على امرأة وبين يديها نوى، أو حصى، تسبح به، فقال "أخبرُك بما هو أيسر عليك من هذا، أو أفضل" فقال "سبحان اللَّه عدد ما خلق فى السماء، وسبحان اللَّه عدد ما خلق فى الأرض، وسبحان اللَّه عدد ما خلق بين ذلك، وسبحان اللَّه عدد ما هو خالق واللَّه أكبر مثل ذلك، والحمد للَّه مثل ذلك، ولا إله إلا اللَّه مثل ذلك، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه مثل ذلك" (أبو داود، الوتر، باب ٢٤؛ الترمذى، الدعوات، باب ١١٣).
وثمة حديث آخر تبسط فى بيان مرمى هذا الحديث: "حدثنى كنانة مولى صفية، قال سمعت صفية تقول: دخل علىّ رسول اللَّه ﷺ وبين يدى أربعة آلاف نواة أسبح بها، فقلت لقد سبحت بهذه. فقال ألا أعلمك بأكثر مما سبحت، فقلت علمنى فقال قولى سبحان اللَّه عدد خلقه" (الترمذى: الدعوات، باب ١٠٣).
ويشير الحديث الذى جاء فيه أن رسول اللَّه ﷺ "يعْقد التسبيح" (النسائى، السهو، باب ٩٧) إلى شعيرة مختلفة عن ذلك وقد ترجم الفعل عقد هنا بما يفيد معنى "عدّ أو أحصى" اعتمادا على أن المعاجم تذكر هذا المعنى ضمن معان أخرى. ولعلهم استندوا فى ذلك إلى الحديث الذى ذكرناه لتونا، وإلى الحديث الآتى: "حدثنا مسدد، حدثنا عبد اللَّه بن داود، عن هانئ بن عثمان، عن حُمَيْضة بنت ياسر، عن يسيرة، أخبرتها أن النبى ﷺ أمرهن أن
стр. 5460
يراعين بالتكبير والتقديس والتهليل، وأن يعقدن بالأنامل فإنهن مسؤولات مستنطقات" أبو داود: الوتر، باب ٢٤؛ الترمذى: الدعوات، باب ١٢٠). ويرى كولدسيهر أن عد الدعوات على الأصابع قد ذكر فى هذه الأحاديث للمقابلة بينه وبين عد التسبيح بالحجارة وغيرها. على أن ثمة حديثا يشكك فى أن يكون العقد فى مثل المناسبات التى ذكرناها يدل فى جميع الأحوال على العد ولا يدل على المعنى الأصلى وهو الربط. وإنى ليحضرنى فى ذلك حديث رواه ابن سعد (جـ ٨، ص ٣٤٨) ومفاده أن فاطمة بنت الحسين جرت على التسبيح مستعينة "بخيوط معقود فيها".
ولم ترد كلمة سبحة فى الأحاديث الصحاح بمعنى مسبحة، بل هى استعملت فى كثير من الأحوال بمعنى صلاة التطوع مثال ذلك: سبحة الضحى (مسلم: المسافرون، حديث ٨١) ويفسر النووى هذه الكلمة بأنها النافلة (شرح صحيح مسلم، القاهرة ١٢٨٣ هـ، جـ ٢، ص ٢٠٤). ويتساءل ابن الأثير فى النهاية، تحت مادة سبح، كيف تتفق فكرة النافلة وفكرة السبحة. ويجيب على ذلك بأن السبحة صلاة تطوع زائدة على الفريضة.
وإذا كان رأى ابن الأثير صحيحا فإن تطور كلمة السبحة من حيث المعنى يكون قد سار فى اتجاهين:
الدعوات
|
الدعوات غير المفروضة فى الصلاة ... الدعوات التى تعد
|
صلاة التطوع ... الأداة التى تستعمل فى عد الدعوات
المصادر:
Le dans I'Islam: Goldziher فى Reuue de L'histoire des Religions، جـ ٢١ ص ٢٩٥ وما بعدها.
خورشيد [فنسنك A. J. Wensinck]
تعليق
هذه الأداة المستحدثة التى يعد عليها عند الذكر والدعاء -مثلا- لا أصل لها فى الإسلام، بل دخلت على المسلمين،
стр. 5461
كما قال كاتب المقال من الصوفية وطبقات أخرى.
وأما عد الدعوات أو الأذكار على الأصابع أو نحوها، فهو عمل طبيعى، إذ يريد الداعى أو الذاكر أن يقرأ عددًا معينًا مما هو بصدده وإلا فماذا يفعل؟ فلقد أطال كاتب المقال فى ذلك أكثر مما ينبغى.
ومما يجدر التعقيب عليه من كلام كاتب المقال، محاولته التشكيك فى معنى (العقد)، وأنه يدل على العد فذكر أثرا (سماه حديثا) عن فاطمة بنت حسين بن على بن أبى طالب، رواه ابن سعد ٨: ٣٤٨. وهو فى ابن سعد بإسناد ضعيف جدًا! "عن فاطمة بنت حسين: أنها كانت تسبح بخيوط معقود فيها". وفى إسناد هذا الأثر: جابر الجعفى، وهو ضعيف بمرة "عن امرأة حدثته عن فاطمة" وهى امرأة مجهولة، لا يكون معها الإسناد صحيحًا.
فهذا أولا أثر فقط، ليس حديثا. وعمل فاطمة بنت حسين -حتى لو كان ذلك عنها بإسناد صحيح- لا حجة فيه على أحد.
ثم هو يريد التشكيك فى معنى حديث صحيح يعرفه حق المعرفة، لأن "فنسنك" كاتب المقال مطلع على كتب السنة اطلاعًا واسعا.
والحديث الصحيح- فى صحيح مسلم ١: ١٦٢ (من طبعة بولاق): "عن ابن عمر: أن رسول اللَّه ﷺ كان إذا قعد فى التشهد، وضع يده اليسرى على ركبته اليسرى، ووضع اليمنى على ركبته اليمنى، وعقد ثلاثا وخمسين، وأشار بالسبابة".
فمعنى العقد واضح. وهو ما يفعله المصلون فى جلوسهم للتشهد فى الصلاة: يضم أصابعه الثلاثة إلى كفه ويضع طرف الإبهام على طرف الإصبع الوسطى ويشير بالسبابة. فتكون الدائرة الناتجة من طرف الإبهام مع طرف الوسطى كمثل دائرة الخمسة، وتكون الأصابع الثلاثة المضمومة إلى الكف إشارة إلى الثلاثة، فيكون ذلك رسم ٥٣.
ومن ثم لا يجوز أن يؤول هذا المعنى، ويحرف الحديث عن وجهه -إلى معنى ربط عقد على خيط أو نحوه؟ وكيف يفعل هذا فى الصلاة.
وأما الشجرة التى ختم بها مقاله لتطور "معنى السبحة" -فهو شئ لا أستطيع أن أجد له مسوغا من التحقيق العلمى.
المترجم
стр. 5462
السبعية (*)
اسم يطلق على طوائف متنوعة من الشيعة، يقصرون عدد الأئمة الظاهرين على سبعة. ولما كان الشيعة المدافعون عن حقوق أصحاب الحق الشرعى فى الإمامة يعتقدون أن الإمامة بحسب التدبير الإلهى تنتقل من الإمام إلى ابنه، فإنهم اضطربوا لما حدث حوالى سنة ١٤٥ هـ (٧٦٢ م) من موت إسماعيل، الذى لعله الابن الأكبر للإمام السادس جعفر الصادق، قبل أن يموت الإمام جعفر نفسه. وعلى حين أن غالبية الشيعة استعاضوا عن إسماعيل بابن آخر من أبناء جعفر الصادق، هو موسى الكاظم الذى هو الإمام السابع بين أئمة الشيعة الإثنى عشرية. وأن آخرين تمسكوا بابنين من أبناء جعفر كانا أقل شأنا من موسى هما عبد اللَّه وعلىّ، فإن الشيعة المتطرفين فى التمسك بصاحب الحق الشرعى، ظلوا على موالاتهم لإسماعيل؛ وهم ينكرون أنه مات قبل أبيه. ويظهر أن الأدلة التى جاءوا بها لإثبات ذلك قد انطلت حتى على خصومهم، إلى درجة أن هؤلاء وجدوا أنفسهم مضطرين فى رفضهم لإمامة إسماعيل إلى الطعن فى شخصه؛ فزعموا أن أباه جعفرا بعد أن عهد له بخلافته خلعه منها لسوء سيرته. ولكن هذا الطعن على إسماعيل، وخصوصا التشنيع عليه بشرب الخمر، يمكن تعليله بأنه فى الحقيقة طعن على الشيعة السبعية الذين كانوا مقصرين فى متابعة أوامر الشرع، وذلك من طريق الطعن على الإمام الذى سموا باسمه.
ولم يكن الشيعة السبعية فى أول أمرهم فرقة واحدة. فكانت هناك فرقة تسمى المُبارَكَّية، وقفت هى أيضا عند إمامة إسماعيل بحيث كان يعتبر عندهم أنه آخر الأئمة وأنه المهدى. ولكن معظم الشيعة السبعية يسوقون الإمامة إلى ابنه محمد، وهو الذى عُرف بالإمام التام ولقب بـ "قائم الزمان" وهو لقب يقلل من قيمته فى مذاهب بعض الفرق الصغرى أنهم يرون أنه قد جاء بعده أئمة مستورون لا يعرفهم إلا الخاصة. وبرغم ما لمحمد التام من مكانة، فإن اسم إسماعيل بقى لاصقا بالطوائف الكبرى للشيعة السبعية. وإذن فالشيعة
стр. 5463
السبعية من حيث رأيهم فى الدرجات المتفاوتة لرجالهم ينتمون إلى "الواقفية" الكثيرين. وهذا يمكن تعليله بالظروف السياسية بعض التعليل؛ ففى سنة ١٤٥ هـ (٧٦٢ - ٧٦٣ م) كان المنصور الخليفة العباسى قد قضى على فتنة محمد بن عبد اللَّه بن الحسن بن علىّ المسمى "النفس الزكية"، وكانت فتنته فى المدينة؛ وفى السنة التالية لذلك؛ قتل أيضا أخوه إبراهيم أمام أبواب البصرة، وبذلك وضع حد للمشكلة العلوية مؤقتا، وكان ذلك بنجاح بلغ إلى حد أنه حتى عند هذه الجماعات الذين كانوا يعمدون إلى العمل الإيجابى؛ ويختارون أئمتهم من بين العلويين أهل الكفاية والمقدرة الفعلية على الخروج بالسيف، نجد أن طائفة من الجارودية وقفوا عند إمامة النفس الزكية واعتبروه مهديهم المستتر. وقد ازداد ميل الشيعة من المتمسكين بصاحب الحق الشرعى إلى التعلق بالأمل فى "الرجعة"، لأنهم كانوا بحكم عقيدتهم، مقيدين بأشخاص بعينهم؛ ولابد أنهم كانوا قد ملوا التشبث بإمامة قد صارت فى الحقيقة لا رجاء فيها، وأنهم سئموا حمل فكرتها مع تطور التاريخ الحقيقى على خلافها. وقد وقفت عند كل أخ من إخوة إسماعيل فرقة من مثل هذه الفرق الواقفية، وصار للموسوية بعض الشأن، وهم يسمون "الممطورة" وكثيرا ما يسمون الواقفية بإطلاق. وإذا أردنا التدقيق قلنا إن مثل هذه الطوائف تدخل تحت اسم الشيعة، ولكن كلمة السبعية تطلق فى العادة على نفس ما تطلق عليه كلمة الإسماعيلية. ولم يكن "الوقوف" عندهم -وإن كان هذا لم يتبين إلا بعد أكثر من قرن- معناه التنازل عن الأغراض السياسية، بل هو قد صار وسيلة ملائمة كل الملاءمة للمحافظة على تلك الفكرة الفعالة، أعنى فكرة إمام يأتى من سلالة مقدسة، وللتخلص إلى جانب ذلك أيضا من الأشخاص العارضين الذين قد يكونون أكبر الأبناء من سلالة علىّ والحسين، ولكنهم يكونون بعيدين عن الكفاءة والمقدرة. وهكذا صار لحركة الشيعة السبعية شأن كبير فى التاريخ الظاهر، وكان يمثله رجال أمثال حمدان قرمط، كانوا يظهرون دعاة للإمام السابع المستتر محمد بن إسماعيل، أو يظهرون
стр. 5464
بعد اختفائهم خلفاء لهذا الإمام، كما هى الحال بالنسبة لسعيد بن عبد اللَّه بن ميمون الفاطمى، أو يظهر أحدهم مدعيًا أنه الإمام السابع نفسه قد رجع (انظر أيضًا عند الطبرى جـ ٣، ص ٢٢١٧ - ٢٢٢٠ الأسرار الكثيرة التى تحيط بيحيى بن زكرويه). والقرامطة والفاطميون والحشاشون والإسماعيلية فى الهند وفارس وآسية الوسطى هم الطوائف التى تصورت بها حركة الشيعة السبعية وخرجت إلى التاريخ الظاهر، ولكن الدروز أيضا، وكذلك المتاولة والنصيرية من وجه ما، يرجعون من حيث عروقهم إلى الشيعة السبعية القدماء.
على أن مذهب الشيعة السبعية ظاهرة دينية قائمة بذاتها أيضا، بمقدار ما هى ظاهرة سياسية. وإن الأمر الذى يستلفت النظر، وهو أن تحديد عدد الأئمة بسبعة يأتى فى الوقت نفسه عند أبناء جعفر على اختلافهم، يمكن أن نفسره على نحو أسهل، إذا فرضنا أن الظروف السياسية التى ذكرناها قد أيدتها وجهة نظر فى الكون تقوم على تقسيم كل الحوادث الكونية والتاريخية بحسب العدد المقدس سبعة. وإن ما حدث من الخطابية الذين ألَّهوا جعفرا الصادق والد إسماعيل مثال يدل على أن تأليه الأئمة لم يكن فى الأيام الأولى لنشأة الشيعة السبعية بالشئ العجيب.
ولا نستطيع، بطبيعة الحال، أن نتكلم عن الآراء الدينية للشيعة السبعية، ونحن لا نعرف إلا أطرافا من مذاهب متفرقة لهم، وحتى هذه الأطراف قد شوّهها، فى كثير من الأحيان، خصومهم فى كلامهم عنها. ويمكن أن نعتبر أن من تراث الشيعة السبعية الذين اختصوا به فى الدين مذهبا غنوصيا لهم فى بيان نشأة الكون، وهو مذهب لا يخلو من اضطراب فى إطلاق الأسماء وفى الكلام عن الأشياء؛ ومراتب الصدور عندهم هى:
١ - اللَّه، ٢ - العقل الكلى، ٣ - النفس الكلية، ٤ - الهيولى الأولى، ٥ - المكان أو الملاء (Pleroma)، ٦ - الزمان أو الخلاء (Kenoma) ٧ - العالم الأرضى والإنسان. وهذه النظرة القائمة على العدد سبعة ترجع من جديد عند الكلام على العالم السفلى، وذلك فى القول بالأنبياء أو الناطقين السبعة الذين أرسلوا لهداية
стр. 5465
البشر: وآدم هو الناطق الأول ويأتى بعد ذلك: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد [﵈ أجمعين] (*)، وبين كل ناطقين يوجد سبعة صامتون، والأولون من هؤلاء يعتبرون مساعدين للناطق؛ ويلقب الواحد منهم بألقاب: مثل الفاتق أو الأساس؛ ولهم شأن خصوصا لأن تعاليم الناطق وشرائعه لا يصبح لها معناها الصحيح، أو هى لا يمكن أن تفسر تفسيرًا تاما، إلا من طريق تأويلهم لها تأويلا باطنيا. والفاتقون هم: شيث -وليتذكر القارئ هنا الغنوصية الشيثية- وسام وإسماعيل (ابن هاجر) وهارون وبطرس وعلىّ، والسابع هو منشئ فرق الشيعة السبعية المختلفة فى كل دور، مثل عبد اللَّه بن ميمون. وإلى جانب الصامت توجد سبعة مراتب، أو اثنتا عشرة مرتبة لرجال يكونون دونه، وأهمهم الحجة والداعى. ولكن المذهب تتغير صورته بسبب نظرية فى التجسد، حتى نجد ابن طاهر البغدادى (ص ٢٢٨)، يحكى عن رجل كان قد دخل فى دعوة الباطنية ثم تاب عنها، أن أحد دعاة الباطنية، لما اطمأن إليه، صرح له بالطعن فى صدق الأنبياء المعروفين [والعياذ باللَّه]، ثم قال له (حسبما يزعم): "ينبغى أن تعلم أن محمد بن إسماعيل بن جعفر هو الذى نادى موسى بن عمران من الشجرة: . . . " (١). ونجد عند كثير من طوائف الشيعة السبعية، كما عند إسماعيلية الهند مثلا، تفسير نشأة العالم والتفسير القائم على تقديس العدد سبعة يتراجع إلى الوراء، وهنا نجد أن عليًا، هو الإمام الأول. وهنا نجد الطريق المؤدى من الشيعة السبعية إلى جماعة "على إلهى". وهم يحصون الأئمة مبتدئين بعلى إلى أن يصلوا إلى الإمام السابع والأربعين، وهو أغاخان محمد شاه. وإلى جانب الإمام مباشرة يظهر هنا الحجة، وهو فى كثير من الأحيان، يفوق الإمام فى الشأن التاريخى. فحجة علىّ هو، فى زعمهم، النبى محمد ﵊.