كما قال كاتب المقال من الصوفية وطبقات أخرى.
وأما عد الدعوات أو الأذكار على الأصابع أو نحوها، فهو عمل طبيعى، إذ يريد الداعى أو الذاكر أن يقرأ عددًا معينًا مما هو بصدده وإلا فماذا يفعل؟ فلقد أطال كاتب المقال فى ذلك أكثر مما ينبغى.
ومما يجدر التعقيب عليه من كلام كاتب المقال، محاولته التشكيك فى معنى (العقد)، وأنه يدل على العد فذكر أثرا (سماه حديثا) عن فاطمة بنت حسين بن على بن أبى طالب، رواه ابن سعد ٨: ٣٤٨. وهو فى ابن سعد بإسناد ضعيف جدًا! "عن فاطمة بنت حسين: أنها كانت تسبح بخيوط معقود فيها". وفى إسناد هذا الأثر: جابر الجعفى، وهو ضعيف بمرة "عن امرأة حدثته عن فاطمة" وهى امرأة مجهولة، لا يكون معها الإسناد صحيحًا.
فهذا أولا أثر فقط، ليس حديثا. وعمل فاطمة بنت حسين -حتى لو كان ذلك عنها بإسناد صحيح- لا حجة فيه على أحد.
ثم هو يريد التشكيك فى معنى حديث صحيح يعرفه حق المعرفة، لأن "فنسنك" كاتب المقال مطلع على كتب السنة اطلاعًا واسعا.
والحديث الصحيح- فى صحيح مسلم ١: ١٦٢ (من طبعة بولاق): "عن ابن عمر: أن رسول اللَّه ﷺ كان إذا قعد فى التشهد، وضع يده اليسرى على ركبته اليسرى، ووضع اليمنى على ركبته اليمنى، وعقد ثلاثا وخمسين، وأشار بالسبابة".
فمعنى العقد واضح. وهو ما يفعله المصلون فى جلوسهم للتشهد فى الصلاة: يضم أصابعه الثلاثة إلى كفه ويضع طرف الإبهام على طرف الإصبع الوسطى ويشير بالسبابة. فتكون الدائرة الناتجة من طرف الإبهام مع طرف الوسطى كمثل دائرة الخمسة، وتكون الأصابع الثلاثة المضمومة إلى الكف إشارة إلى الثلاثة، فيكون ذلك رسم ٥٣.
ومن ثم لا يجوز أن يؤول هذا المعنى، ويحرف الحديث عن وجهه -إلى معنى ربط عقد على خيط أو نحوه؟ وكيف يفعل هذا فى الصلاة.
وأما الشجرة التى ختم بها مقاله لتطور "معنى السبحة" -فهو شئ لا أستطيع أن أجد له مسوغا من التحقيق العلمى.
المترجم
стр. 5462
السبعية (*)
اسم يطلق على طوائف متنوعة من الشيعة، يقصرون عدد الأئمة الظاهرين على سبعة. ولما كان الشيعة المدافعون عن حقوق أصحاب الحق الشرعى فى الإمامة يعتقدون أن الإمامة بحسب التدبير الإلهى تنتقل من الإمام إلى ابنه، فإنهم اضطربوا لما حدث حوالى سنة ١٤٥ هـ (٧٦٢ م) من موت إسماعيل، الذى لعله الابن الأكبر للإمام السادس جعفر الصادق، قبل أن يموت الإمام جعفر نفسه. وعلى حين أن غالبية الشيعة استعاضوا عن إسماعيل بابن آخر من أبناء جعفر الصادق، هو موسى الكاظم الذى هو الإمام السابع بين أئمة الشيعة الإثنى عشرية. وأن آخرين تمسكوا بابنين من أبناء جعفر كانا أقل شأنا من موسى هما عبد اللَّه وعلىّ، فإن الشيعة المتطرفين فى التمسك بصاحب الحق الشرعى، ظلوا على موالاتهم لإسماعيل؛ وهم ينكرون أنه مات قبل أبيه. ويظهر أن الأدلة التى جاءوا بها لإثبات ذلك قد انطلت حتى على خصومهم، إلى درجة أن هؤلاء وجدوا أنفسهم مضطرين فى رفضهم لإمامة إسماعيل إلى الطعن فى شخصه؛ فزعموا أن أباه جعفرا بعد أن عهد له بخلافته خلعه منها لسوء سيرته. ولكن هذا الطعن على إسماعيل، وخصوصا التشنيع عليه بشرب الخمر، يمكن تعليله بأنه فى الحقيقة طعن على الشيعة السبعية الذين كانوا مقصرين فى متابعة أوامر الشرع، وذلك من طريق الطعن على الإمام الذى سموا باسمه.
ولم يكن الشيعة السبعية فى أول أمرهم فرقة واحدة. فكانت هناك فرقة تسمى المُبارَكَّية، وقفت هى أيضا عند إمامة إسماعيل بحيث كان يعتبر عندهم أنه آخر الأئمة وأنه المهدى. ولكن معظم الشيعة السبعية يسوقون الإمامة إلى ابنه محمد، وهو الذى عُرف بالإمام التام ولقب بـ "قائم الزمان" وهو لقب يقلل من قيمته فى مذاهب بعض الفرق الصغرى أنهم يرون أنه قد جاء بعده أئمة مستورون لا يعرفهم إلا الخاصة. وبرغم ما لمحمد التام من مكانة، فإن اسم إسماعيل بقى لاصقا بالطوائف الكبرى للشيعة السبعية. وإذن فالشيعة
стр. 5463
السبعية من حيث رأيهم فى الدرجات المتفاوتة لرجالهم ينتمون إلى "الواقفية" الكثيرين. وهذا يمكن تعليله بالظروف السياسية بعض التعليل؛ ففى سنة ١٤٥ هـ (٧٦٢ - ٧٦٣ م) كان المنصور الخليفة العباسى قد قضى على فتنة محمد بن عبد اللَّه بن الحسن بن علىّ المسمى "النفس الزكية"، وكانت فتنته فى المدينة؛ وفى السنة التالية لذلك؛ قتل أيضا أخوه إبراهيم أمام أبواب البصرة، وبذلك وضع حد للمشكلة العلوية مؤقتا، وكان ذلك بنجاح بلغ إلى حد أنه حتى عند هذه الجماعات الذين كانوا يعمدون إلى العمل الإيجابى؛ ويختارون أئمتهم من بين العلويين أهل الكفاية والمقدرة الفعلية على الخروج بالسيف، نجد أن طائفة من الجارودية وقفوا عند إمامة النفس الزكية واعتبروه مهديهم المستتر. وقد ازداد ميل الشيعة من المتمسكين بصاحب الحق الشرعى إلى التعلق بالأمل فى "الرجعة"، لأنهم كانوا بحكم عقيدتهم، مقيدين بأشخاص بعينهم؛ ولابد أنهم كانوا قد ملوا التشبث بإمامة قد صارت فى الحقيقة لا رجاء فيها، وأنهم سئموا حمل فكرتها مع تطور التاريخ الحقيقى على خلافها. وقد وقفت عند كل أخ من إخوة إسماعيل فرقة من مثل هذه الفرق الواقفية، وصار للموسوية بعض الشأن، وهم يسمون "الممطورة" وكثيرا ما يسمون الواقفية بإطلاق. وإذا أردنا التدقيق قلنا إن مثل هذه الطوائف تدخل تحت اسم الشيعة، ولكن كلمة السبعية تطلق فى العادة على نفس ما تطلق عليه كلمة الإسماعيلية. ولم يكن "الوقوف" عندهم -وإن كان هذا لم يتبين إلا بعد أكثر من قرن- معناه التنازل عن الأغراض السياسية، بل هو قد صار وسيلة ملائمة كل الملاءمة للمحافظة على تلك الفكرة الفعالة، أعنى فكرة إمام يأتى من سلالة مقدسة، وللتخلص إلى جانب ذلك أيضا من الأشخاص العارضين الذين قد يكونون أكبر الأبناء من سلالة علىّ والحسين، ولكنهم يكونون بعيدين عن الكفاءة والمقدرة. وهكذا صار لحركة الشيعة السبعية شأن كبير فى التاريخ الظاهر، وكان يمثله رجال أمثال حمدان قرمط، كانوا يظهرون دعاة للإمام السابع المستتر محمد بن إسماعيل، أو يظهرون
стр. 5464
بعد اختفائهم خلفاء لهذا الإمام، كما هى الحال بالنسبة لسعيد بن عبد اللَّه بن ميمون الفاطمى، أو يظهر أحدهم مدعيًا أنه الإمام السابع نفسه قد رجع (انظر أيضًا عند الطبرى جـ ٣، ص ٢٢١٧ - ٢٢٢٠ الأسرار الكثيرة التى تحيط بيحيى بن زكرويه). والقرامطة والفاطميون والحشاشون والإسماعيلية فى الهند وفارس وآسية الوسطى هم الطوائف التى تصورت بها حركة الشيعة السبعية وخرجت إلى التاريخ الظاهر، ولكن الدروز أيضا، وكذلك المتاولة والنصيرية من وجه ما، يرجعون من حيث عروقهم إلى الشيعة السبعية القدماء.
على أن مذهب الشيعة السبعية ظاهرة دينية قائمة بذاتها أيضا، بمقدار ما هى ظاهرة سياسية. وإن الأمر الذى يستلفت النظر، وهو أن تحديد عدد الأئمة بسبعة يأتى فى الوقت نفسه عند أبناء جعفر على اختلافهم، يمكن أن نفسره على نحو أسهل، إذا فرضنا أن الظروف السياسية التى ذكرناها قد أيدتها وجهة نظر فى الكون تقوم على تقسيم كل الحوادث الكونية والتاريخية بحسب العدد المقدس سبعة. وإن ما حدث من الخطابية الذين ألَّهوا جعفرا الصادق والد إسماعيل مثال يدل على أن تأليه الأئمة لم يكن فى الأيام الأولى لنشأة الشيعة السبعية بالشئ العجيب.
ولا نستطيع، بطبيعة الحال، أن نتكلم عن الآراء الدينية للشيعة السبعية، ونحن لا نعرف إلا أطرافا من مذاهب متفرقة لهم، وحتى هذه الأطراف قد شوّهها، فى كثير من الأحيان، خصومهم فى كلامهم عنها. ويمكن أن نعتبر أن من تراث الشيعة السبعية الذين اختصوا به فى الدين مذهبا غنوصيا لهم فى بيان نشأة الكون، وهو مذهب لا يخلو من اضطراب فى إطلاق الأسماء وفى الكلام عن الأشياء؛ ومراتب الصدور عندهم هى:
١ - اللَّه، ٢ - العقل الكلى، ٣ - النفس الكلية، ٤ - الهيولى الأولى، ٥ - المكان أو الملاء (Pleroma)، ٦ - الزمان أو الخلاء (Kenoma) ٧ - العالم الأرضى والإنسان. وهذه النظرة القائمة على العدد سبعة ترجع من جديد عند الكلام على العالم السفلى، وذلك فى القول بالأنبياء أو الناطقين السبعة الذين أرسلوا لهداية
стр. 5465
البشر: وآدم هو الناطق الأول ويأتى بعد ذلك: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد [﵈ أجمعين] (*)، وبين كل ناطقين يوجد سبعة صامتون، والأولون من هؤلاء يعتبرون مساعدين للناطق؛ ويلقب الواحد منهم بألقاب: مثل الفاتق أو الأساس؛ ولهم شأن خصوصا لأن تعاليم الناطق وشرائعه لا يصبح لها معناها الصحيح، أو هى لا يمكن أن تفسر تفسيرًا تاما، إلا من طريق تأويلهم لها تأويلا باطنيا. والفاتقون هم: شيث -وليتذكر القارئ هنا الغنوصية الشيثية- وسام وإسماعيل (ابن هاجر) وهارون وبطرس وعلىّ، والسابع هو منشئ فرق الشيعة السبعية المختلفة فى كل دور، مثل عبد اللَّه بن ميمون. وإلى جانب الصامت توجد سبعة مراتب، أو اثنتا عشرة مرتبة لرجال يكونون دونه، وأهمهم الحجة والداعى. ولكن المذهب تتغير صورته بسبب نظرية فى التجسد، حتى نجد ابن طاهر البغدادى (ص ٢٢٨)، يحكى عن رجل كان قد دخل فى دعوة الباطنية ثم تاب عنها، أن أحد دعاة الباطنية، لما اطمأن إليه، صرح له بالطعن فى صدق الأنبياء المعروفين [والعياذ باللَّه]، ثم قال له (حسبما يزعم): "ينبغى أن تعلم أن محمد بن إسماعيل بن جعفر هو الذى نادى موسى بن عمران من الشجرة: . . . " (١). ونجد عند كثير من طوائف الشيعة السبعية، كما عند إسماعيلية الهند مثلا، تفسير نشأة العالم والتفسير القائم على تقديس العدد سبعة يتراجع إلى الوراء، وهنا نجد أن عليًا، هو الإمام الأول. وهنا نجد الطريق المؤدى من الشيعة السبعية إلى جماعة "على إلهى". وهم يحصون الأئمة مبتدئين بعلى إلى أن يصلوا إلى الإمام السابع والأربعين، وهو أغاخان محمد شاه. وإلى جانب الإمام مباشرة يظهر هنا الحجة، وهو فى كثير من الأحيان، يفوق الإمام فى الشأن التاريخى. فحجة علىّ هو، فى زعمهم، النبى محمد ﵊.
стр. 5466
ولما كانت معرفة الإمام المختفى، وهو لا يعرفه إلا الخاصة، لابد منها فى نجاة الروح، فإن بث آراء الشيعة السبعية تصبح له أهمية كبرى، ولذلك يسمون "التعليمية". وإدخالهم للناس فى نحلتهم الباطنية يتم على سبع مراحل. ويذكر عبد القاهر بن طاهر منها:
١ - "التفرّس"، وهو أسلوب فى الدعوة أو هو يكاد يكون فنًا، يقوم على حذق منقطع النظير فى معرفة نفسية من يدعونه إلى مذهبهم لمعرفة حقيقة ما فى نفسه ومسايرته فى أسلوب حياته وطريقة تفكيره، ٢ - وبعد ذلك "تأنيس" المدعو، وذلك بتزيين مذهبه فى عينه واظهار أنه أعظم مما كان يظن حتى الآن ٣ - ويأتى بعد ذلك "التشكيك"، وذلك بسؤال المدعو عن معنى مذهبه وتشكيكه فى أصول دينه، وبعد مثل هذا الإرشاد الروحى القائم على الحكمة الإنسانية يكون الأوان قد آن لمرحلة جديدة؛ فإذا سأل المدعو عن الحقيقة قيل له: إن العلم الحق لا يوجد إلا عند الإمام وأصحابه، ٤ - وهذا هو "الربط"، ٥ - "والتعليق" لنفس المدعو حتى يطلب تأويل ذلك عند الإمام وذويه، ٦ - وفى مرحلة "التدليس" يبدأون بتأويل القرآن تأويلا يخرجه عن ظاهره ويفسد معالم كل ما جاء من النبوات والشرائع، ٧ - وعند ذلك يمكن أن يبدأ "التأسيس"، وهو مرحلة طويلة قائمة بذاتها فى نهايتها تكون، ٨ - "المواثيق بالإيمان والعهود" وفيها يقسم المدعو بالولاء التام للجماعة، وتنتهى الدعوة، ٩ - "بالخلع والسلخ"، أى الخروج التام عن كل دين وشريعة كانت له من قبل.
وقد عمد الشيعة السبعية إلى تأييد مذهبهم كله؛ من حيث صورته الخارجية، بآيات من القرآن. وقد سهل عليهم ذلك بسبب ما فى القرآن من كثرة الإرشارات الغامضة (١)، فمثلا يشنف المدعو أذنه إذا أوّل له الدعاة الآية القرآنية: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ (سورة الحجر، آية ٩٩) قائلين إن من عرف معنى العبادة سقط عنه فرضها، وإن اليقين فى الآية معناه معرفة التأويل. واستند الشيعة إلى الآيات التى
стр. 5467
فيها كلمة "باطن" لكى يلتمسوا أقوالا تؤيدهم (dicta Probantia) فى سلوك مذهب فى التأويل فيه تكلَف فأسد وليس أصيلا فى نوعه، وقد دخل فيه تأويل واسع للحروف، وهو لم يقتصر على تأويل الحروف التى جاءت فى أول السور ولا على أسماء الأئمة أو الأصول الاعتقادية، ومما أدى إلى تشويش المعرفة بالعلاقة بين الفرق الإسلامية أن الفرقة الواحدة كانت تسمى بحسب مميزات كثيرة لها، وأن الشيعة السبعية سموا باسم الباطنية إلى جانب فرق أخرى مختلفة عنهم كالخرَّمية والمزدكية والباطنية بل وهم سموا فى كثير من الأحيان الباطنية فحسب؛ ولذلك وسمهم خصومهم بأنهم معطلة للشريعة.
ولا تكاد معرفتنا اليوم بالمنشأ الحقيقى للآراء النظرية عند الشيعة السبعية تزيد عما كان يعرفه المؤلفون الإسلاميون الذين يجب على كل حال أن نتلقى حكمهم على الشيعة السبعية بحيطة خاصة، لأنهم فى نظرتهم إليهم كانوا متأثرين بكراهيتهم للزنادقة. وقد اعتاد مؤلفو أهل السنة الذين يقارنون بين المذاهب أن يؤكدوا أن لآراء الشيعة السبعية أصلا يهوديًا ونصرانيًا، وأكثر من ذلك أصلا صابئيًا، بل أصلا مجوسيا. ولكنهم يحسون أيضا بأن لمذاهب الشيعة السبعية صلة بالفلسفة اليونانية المتأخرة وبمؤلفات هرمس. أما من حيث التفاصيل فلازالت الحاجة قائمة إلى مزيد من البحث لمعرفة الطريق والكيفية التى اصطبغت بها الآراء الأفلاطونية المحدثة والأسرار المجوسية وأمثال تلك الأساطير الموجودة فى كتاب "كهف الكنوز" النصرانى وصارت غنوصية إسلامية. وكذلك لابد من مزيد من البحث فيما كان لإخوان الصفا من دور الوساطة فى ذلك.
وحكم سائر المسلمين، وحكم الشيعة أيضا، على جميع فرق الشيعة السبعية حكم فيه أكبر التشنيع عليهم. فهم يعتبرونهم غلاة ويعتبرونهم فى معظم الأحيان منسلخين عن الإسلام، حتى أن بعض المؤلفين لا يذكرونهم على الإطلاق. والسبب الأكبر فى ذلك أنهم كانوا لا يحفلون كثيرًا بأن اللَّه هو الإله الحق، ولا بأن محمدًا ﵊ خاتم الأنبياء. على أنه إذا كان
стр. 5468
الشيعة السبعية قد وصفوا بأنهم دهرية أو كانوا قد قد ألحقوا بالماديين الذين يخالفونهم مخالفة جوهرية، فإن ذلك يرجع إلى المرونة الكبيرة فى إطلاق أسماء الفرق عند المسلمين، ومن الأسباب التى ساعدت، بطبيعة الحال، على سوء الاعتقاد فيهم ذلك السخط المرير الذى أحس به المؤرخون من جراء الأفكار الثورية عند الشيعة السبعية، ومن جراء دعايتهم السياسية الخفية للإمام السابع، وخصوصًا من جراء إطراحهم لقوانين الشريعة، وهذا يعتبر فى العادة مذهبًا إباحيًا مطلقا. وكذلك كان لتشنيع الذى يحدث عادة على الجماعات السرية وهذه التهم التى رمتهم بأنهم أهل تعطيل وفساد دينى وخلقى وسياسى قد دخلت فى المراجع الأوربية المتعلقة بالموضوع. وإن المزيد من البحث الذى لا يرفض من أول الأمر إمكان ظهور مذاهب توفق بين مختلف النحل ويسلم بأن كل مذهب دينى قام إنما كان مذهبًا يتألف من شتى المذاهب وله فروع كثيرة، هذا البحث هو وحده الذى يمكننا من أن نستبين إلى أى حد كان المذهب الدينى، أو المذهب التيوسوفى إذا آثر الإنسان أن يقول، الموجود عند الشيعة السبعية يعد رد فعل طبيعى لا ندرك كنهه إزاء المذهب الدينى وأن نكشف إلى أى حد الإباحية كالذى قال به ناصر خسرو مثلا فى الأبيات ٣٧٣ وما بعدها من منظومته "روشنائى نامه" فيما يتعلق بالرذائل السبعة وبالفضائل السبعة الكبرى. وفى هذا البحث لن يكون هناك كبير شأن لمسألة ما إذا كان هذا الشاعر قد ألف "كتاب النور" بعد بلوغه مرتبة كبيرة جدًا بين الشيعة السبعية من حيث إنه حجة عند الإسماعيلية، أو إذا كان قد كتب كتابه قبل أن ينضم إلى هذه الفرقة، وهو يدل على نزعة عقلية هى التى دعته أخيرًا إلى الانضمام إليهم. ولا شك فى أن بعض فرق الشيعة السبعية كالحشاشين والقرامطة كانوا شديدى التعصب على غيرهم من المسلمين، ولكن عندنا فى مقابل هذا تلك السياسة الحكيمة القائمة على التسامح التى نجدها عند كثير من الفاطميين فى مصر. ويحكى أحيانا أن بعض الفرق كانت شيعية المبادئ، ولكن لا شك أن ذلك لم يكن أمرًا يشملهم جميعا. وعلى
стр. 5469
حين أن ذلك لم يكن أمرًا يشملهم جميعا. وعلى حين أن الكتاب المسلمين فى القرنين الرابع والخامس للهجرة يتحدثون عن انتشار الشيعة السبعية وعن نشاطهم فى الدعاية فى جميع بلاد العالم الإسلامى، كانت الفرق القديمة قد جمدت على ما هى عليه منذ زمان طويل. ولكن أفكارهم لا يزال لها تأثيرها إلى اليوم، وهى تنتقل من فارس بعيدًا نحو الشمال، ومن الهند إلى شرق إفريقية بنوع خاص. على أنه بالرغم من شعور السبعية المحدثين بالعلاقة التى تربطهم بالسبعية القدماء فإن الصبغة قد تغيرت تغييرًا جوهريًا؛ فالعنصر السياسى قد اختفى والعنصر الدينى قد اصبح أكثر لينًا.
المصادر:
(١) الفرق بين الفرق لعبد القاهر بن طاهر البغدادى، طبعة القاهرة ١٣٢٨ هـ، ص ٢٦٥ وما بعدها.
(٢) الفصل فى الملل والأهواء والنحل لابن حزم، طبعة القاهرة ١٣٢١ هـ، جـ ٢، ص ١١٦.
(٣) الملل والنحل للشهرستانى، طبعة كيورتن، ص ١٦، ص ١٢٦ وما بعدها، وراجع أيضًا ترجمة هاربروكر Haarbiticker جـ ٢، ص ٤١٥.
(٤) شوفر بن طاهر الإسفراينى (مخطوط برلين رقم ٢٨٠١) فى الكلام عن الإمامية فى الفصل الثامن، والإسماعيلية والمباركية، والكلام عن الباطنية فى الفصل الثالث عشر.
(٥) المواقف للإيجى، طبعة سورنسن Soerensen ص ٣٤٨ ما بعدها.
(٦) Fragments relatifs a' la doctrine des Ismaelis: Guyard فى N.E، مجلد ٢٢ (١٨٧٤) ص ١٧٧ وما بعدها.
(٧) Ismaeliticc Memoirs of the Asiatic Society of Bengal: Ivanow ضمن مجلد ٨ (١٩٢٢) ص ١ - ٧٦.
(٨) فضائح الباطنية للغزالى، نشره أكولدسيهر ضمن كتابه Streitschrift Gazali gegen die Batinijja Sekte des ليدن ١٩١٦.
(٩) Vorlesungen uber den Islam: Goldziher, ص ٢٤٧ وما بعدها.
(١٠) Geschichte der Philosophie im Islam: De Boer، ص ٧٦ وما بعدها
(١١) Expose de la religion des Druses: De Sacy، جـ ١، ص ٦٣ وما بعدها.
أبو ريده [شتروتمان R.Strthmann]
стр. 5470
تعليق على مادة السبعية
أن تاريخ الشيعة السبعية، شأنه شأن تاريخ الشيعة فى الجملة، غامض حقيقة، كما يقول كاتب المقال. ولكن هذا الغموض لم يأت من جهل المؤرخين من الشيعة أو من غيرهم بمنشأ الشيعة وبفرقهم وآرائهم، بل هو قد جاء من أن الشيعة فى الغالب كانوا يسعون للحصول على حق سياسى اعتبروه حقا شرعيا إزاء دولة قائمة بالفعل، فكان لابد أن يتسم سعيهم ودعوتهم وكل نشاطهم إما بالفتنة بعد إعدادها سرا، كالذى حدث من الذين خرجوا من آل البيت على الدولة الأموية وعلى الدولة العباسية إلى حوالى القرن الثالث الهجرى، فحاربوا واستشهدوا فى بطولة نادرة (١)، وإما بالدعوة السرية التى تنحرف عن المبادئ الشيعية من الناحيتين النظرية والعملية، وإن كانت قد تنتهى بالفتنة السياسية كما حدث من الباطنية وأمثالهم.
والمعروف الذى لا شك فيه أن الشيعة كانوا يريدون من أول الأمر، بعد وفاة النبى ﵊ مباشرة، أن تكون الخلافة فى أهل بيت النبى ﵊. ولهم فى ذلك أسانيد من النصوص يخالفهم خصومهم فى صحتها أو فى فهمها، ومن اعتبارات أخرى لا يعدها خصومهم اعتبارات جوهرية ولا حاسمة. ومن الطبيعى أنه إزاء الفكرة النظرية والأصول العملية التى تحققت بالفعل فى الجماعة الإسلامية كان لابد أن تبدو آراء الشيعة وأساليبهم أشياء شاذة. وليست محبة آل البيت ولا تأكيد حقهم فى الخلافة من جانب من يسلم لهم بهذا الحق بالأمر المستنكر لا عقلا ولا شرعا، خصوصًا بعد مقتل على رضى اللَّه عنه. ولكن كان يمكن الإعراب عن ذلك والعمل من أجله بالوسائل الملائمة والمتفقة مع المعقول. غير أن آل البيت تعرضوا للمحنة من أول الأمر. ولا شك أنه من أول الأمر، أى منذ أيام على
стр. 5471
رضى اللَّه عنه، قد اندس بين الشيعة قوم هم المسمون غلاة الشيعة"، تدل أفكارهم وأفعالهم على أنهم بعيدون عن الإسلام من حيث هو عقيدة وشريعة، وعلى أن منهم من أراد الكيد للإسلام ودولته، لأسباب يسهل فهمها، وهى ترجع إما إلى أنهم لم يؤمنوا بالإسلام إيمانا حقيقيا فأرادوا إفساده، أو إلى أنهم كانوا يريدون إسقاط الدولة العربية من طريق هدم أساسها وهو الإسلام، أو أن يكونوا مسلمين لجأوا إلى هذه الآراء العجيبة لكى يلتف حولهم أنصار يتخذونهم وسيلة لمآربهم المتنوعة.
ولا يستطيع المؤرخ المحايد أن يعتمد كل الاعتماد على ما يقوله علماء الشيعة عن الشيعة، كما لايستطيع من جهة أخرى أن يثق ثقة عمياء بما يقوله عنهم خصومهم من علماء أهل السنة، لأنهم خصوم. ولكن الأمر واضح إلى حد كاف أمام المؤرخ الناقد. ولا يمكن أن يكون كل ما يحكيه مؤرخو أهل السنة من مذاهب فرق الشيعة افتراء، لأنه لا يوجد ما يدعوهم إلى ذلك؛ وهؤلاء المؤرخون فى العادة أمناء فى حكايتهم لآراء مخالفيهم من الإسلاميين وغير الإسلاميين وإن كانوا قساة فى النقد لما يخالف مذهبهم. والثابت مما كتبه مؤرخو الفرق أن منشأ غلو الشيعة ليس إسلاميا؛ فهو يرجع إلى عبد اللَّه بن سبأ، الذى كان يهوديا فأسلم، وأحدث فى الإسلام أيام الفتنة التى أحاطت بمقتل عثمان رضى اللَّه عنه فكرة الوصاية" للنبى [ ﷺ ]، وأن الوصى هو على رضى اللَّه عنه، ثم غلا فى علىّ حتى ألهه، فكان نصيبه أن عليا أمر بإحراقه. ثم استقرت بين غلاة الشيعة فكرة "الوصاية" وعدم موت الأئمة، حتى لو قتلوا، وحلول روح اللَّه فيهم بل وتأليههم. ومن زعماء فرق الشيعة من ادعى النبوة، بل منهم من ألّه نفسه. هذا إذا صرفنا النظر عن فكرة الرجعة، رجعة الأئمة أو غيرهم، وفكرة التناسخ والتجسيد إلى غير ذلك وكل هذا اقترن من أول الأمر عند زعماء من أهل الفساد، بطرح أحكام الشريعة والميل إلى الإباحة.
وأول ما يستحق أن يلاحظ المؤرخ المنصف أن الذين خرجوا من آل البيت فى ثورة على الدولة طوال القرون
стр. 5472
الثلاثة الأولى إنما كانوا ثوارًا سياسيين مقتنعين بحقهم فى الخلافة، ولم تعرف عنهم آراء ولا نظريات ولا أعمال كالمعروف عند غلاة الشيعة، وإلا لوصلت إلينا، أو لنسبها غلاة الشيعة إليهم. ومما يدل على مقدار حرصهم على احترام الصحابة ما يحكى من أن زيد بن علىّ بن الحسين، مع اقتناعه بأفضلية علىّ رضى اللَّه عنه وبحقه فى الخلافة من أول الأمر، أنكر على بعض أنصاره طعنهم فى أبى بكر وعمر رضى اللَّه عنهما فتفرقوا عنه (مقالات الإسلاميين ص ٦٥) وأن جعفرًا الصادق تبرأ ممن غلا فيه من أتباعه (١) أما الآراء المخالفة للإسلام فلم تظهر إلا على يد زعماء من زعماء فرق الشيعة، وهم ليسوا من أهل البيت.
وربما كان الزيدية الأولون -والزيدية بوجه عام، وهم أتباع زيد بن على بن الحسين- أقل فرق الشيعة الكبرى (الزيدية والرافضة والغلاة) خروجًا على مبادئ الإسلام. وكل خلاف الزيدية، يدور حول أشخاص الأئمة، ومنهم من دخل فى مسائل علم الكلام، فلم تخرج خلافاتهم عن خلافات الفرق خصوصًا المعتزلة. أما الرافضة القائلون بأن النبى ﵊ نص على خلافة على رضى اللَّه عنه، وأن الخلافة لا تكون إلا نصا على الأفضل، فكل خلافاتهم فيما بينهم تدور حول أشخاص الأئمة، ومنهم من أنكر موت الأئمة أو قال بالرجعة، أو بحلول روح الأئمة فى بعض زعمائهم، أو تأثر فى مسألة الإمامة بفكرة يهودية (المقالات ص ٢٤ - ٢٥)، وهم أيضًا دخلوا فى مسائل الكلام، ومنهم مشبهة مجسمة (مثل هشام بن الحكم) فى أول الأمر، ثم تأثروا بالمعتزلة، وقليل منهم من اعتبر الأئمة أفضل من الأنبياء، أو أن المعجزات تظهر على أيديهم.
وأما غلاة الشيعة فعندهم أغرب الآراء وأبعدها عن الإسلام، وكل آراء الأولين منهم عظائم، ولو جمعناها للاحظنا ما يأتى (٢): القول بالرجعة
стр. 5473
والتناسخ - استحلال المحرمات والميل إلى اطّراح أحكام الشريعة وإلى الإباحة - القول بنبوة الأئمة وألوهيتهم، وبنبوة رؤسائهم وألوهيتهم - التشبيه (تشبيه اللَّه بالإنسان) ودعوى حلول روح اللَّه فى آدم وتناسخها إلى أن دخلت فى الأئمة واحدا بعد واحد، ثم حلت فى بعض رؤسائهم - تأويل القرآن على غير وجهه - التأثر بأفكار نصرانية (عند أصحاب أبى منصور العجلى) - مبادئ تفسير أسطورى لنشأة العالم (عند المغيرة بن سعيد) - كل رؤسائهم ليسوا من أهل البيت، وبعضهم موالٍ (المغيرة بن سعيد، وأبو الخطاب).
ومن الواضح أن كل هذا لا يمت إلى الإسلام بصلة، ومؤرخو أهل السنة على حق إذ رأوا أن مثل هذه الآراء يكن يقصد منها فى الحقيقة من أول الأمر سوى محاربة الإسلام والدولة الإسلامية. ولاشك أنها على كل حال لا تؤدى إلى نصرة آل البيت، بل هى موضع استنكارهم.
وفى أثناء المراحل الأخيرة للدعوة العباسية ظهرت الإباحة على يد أحد دعاة العباسيين وسيلة لكسب الأنصار، وربما كانت تحركا للإباحية القديمة المعروفة منذ أيام مزدك والتى قضى عليها ملوك الفرس. وهذا الداعية العباسى هو عمار بن يزيد المسمى خداشًا. وهو قد انحرف عن الدعوة العباسية بإظهار الإباحة، فأنكر محمد ابن على بن عبد اللَّه بن عباس هذا الانحراف، ثم جاءت ثورة الراوندية أيام أبى جعفر المنصور وكانوا من أتباع أبى مسلم. ويحكى عنهم القول بالحلول والتناسخ والإباحة، وقد ألهوا أبا جعفر المنصور وأحدثوا فتنة كادت تفسد الجند، لولا أنه قضى عليها بشدة؛ ثم ظهرت حركة الخرمية فى أذربيجان أيام الرشيد مصطبغة بصبغة حربية؛ وأخيرًا ظهر بابك الخرمى فى أذربيجان منذ سنة ٢٠١، وشملت حركته بلادًا كثيرة فى فارس، واعتدت بجيوش جرارة منظمة كان لابد فى هزيمتها من حشد جيوش كبرى من جيوش الدولة ومن حروب استمرت عشرين عامًا. ولما كانت هذه الحركات ذات الطابع الحربى السياسى قد انتهت
стр. 5474
بالفشل، فإننا نستطيع أن نفهم بسهولة ما ذهب اليه مؤرخو أهل السنة من أن أمثال هذه المذاهب والحركات المتصلة بها كان يقصد بها محاربة الإسلام ودولته ومؤرخو أهل السنة يردون ذلك إلى المجوس، ويرون أن الدعوة الباطنية هى التى كانت الوسيلة إلى ذلك. فيحكى البغدادى المتوفى سنة ٤٢٩ (١) أن المجوس فى أيام المأمون تشاوروا فى الكيفية التى يستطيعون بها استرجاع ملكهم، فلما وجدوا أنهم عاجزون عن قهر المسلمين دبروا حيلة هى تأويل أركان الشريعة على وجوه تؤدى إلى إبطالها، وانتدبوا لذلك حمدان قرمط وعبد اللَّه بن ميمون القداح. ويذكر البغدادى مذهبهم فى التوحيد، وهو مذهب ثنوى فى صورة إسلامية، ومذهبهم فى النبوات وبعض آرائهم فى تأويل أركان الشريعة وكثيرا من آرائهم الفلسفية (٢) وابن حزم يذكر آراء الغلاة من مختلفى الفرق بمن فيهم غلاة الشيعة، ويذكر آراءهم المخالفة للإسلام، ثم يقول (٣): أن أكثر ذلك يرجع إلى أن الفرس كانوا من سعة الملك وعلو اليد على جميع الأمم ومن إعتزازهم بأنفسهم حتى كانوا يسمون أنفسهم حرار، ويعتبرون سائر الناس عبيدًا لهم، وكانوا يعتبرون العرب أقل الأمم شأنا، فلما أزال العرب دولة الفرس رام هؤلاء الكيد للإسلام بالمحاربة فى أوقات شتى. ويذكر ابن حزم بعض زعماء هذه النزعة ومنهم خداش الذى تقدم ذكره، ويقول إن قومًا من الفرس أظهروا الإسلام واستمالوا الشيعة بإظهار محبة أهل البيت واستشناع ظلم علىّ رضى اللَّه عنه ثم سلكوا بهم مسالك شتى حتى أخرجوهم عن الإسلام من طريق القول بالمهدى المستأثر بمعرفة حقيقة الدين، ومن طريق القول بالحلول وتأويل أركان الشريعة، ومن هذا له ظهر الإسماعلية والقرامطة.
стр. 5475
وعلى هذا يجب أن ننظر إلى زعماء غلاة الشيعة نظرة لا تقوم على أنهم مجرد رؤساء فرق إسلامية، لأن الإسلام لا يوجد عندهم لا من حيث هو عقيدة ولا من حيث هو شريعة. وإذا كان مؤرخو أهل السنة قد أطلقوا عليهم جميعا اسم "الغلاة" فلا شك أن فى ذلك كثيرًا من التسامح.
وقد سلك الباطنية فى دعوتهم تلك الطريقة التى ذكرها المؤلف وألم بجوهرها، وهى توجد أكثر تفصيلا عند البغدادى فى الفرق بين الفرق، وعند الغزالى فى الرد على الباطنية (ص ٥ - ٧ من طبعة ليدن سنة ١٩١٦) وعند الإيجى فى المواقف (ص ٦٢٧ - ٦٢٨ من طبعة استانبول ١٢٨٦ هـ) وعند صاحب كشاف اصطلاحات الفنون (تحت مادة سبعية) وعند الديلمى فى "قواعد عقائد آل محمد" (الباطنية)، طبعة القاهرة، ١٩٥٠، ص ٢٣ - ٣٣، ٣٨ - ٤٣، وعند كثيرين غيرهم.
ولكن مجرد الحيلة فى كسب الأنصار على هذا النحو لا تكفى، ومجرد تاكيد حق آل البيت فى الإمامة، بل دعوى ألوهيتهم، لا يكفى أيضًا، بل لابد فى محاولة كسب الأنصار على نطاق واسع من وضع فكرة عن الكون والخلق تستهوى الناس من أهل الغفلة ومن قليلى الحظ من المعرفة. لذلك نجد رئيسا ممخرقا من رؤساء فرق الشيعة الغلاة هو المغيرة بن سعيد الذى قتل سنة ١١٩ هـ يقدم لأتباعه صورة أسطورية عن اللَّه وعن خلق العالم فيقول: إن اللَّه على صورة إنسان على رأسه تاج، وهو لما أراد أن يخلق الخلق تكلم باسمه الأعظم فوقع الاسم على تاجه، ثم كتب بأصبعه على كفه أعمال العباد من المعاصى والطاعات، فلما رأى المعاصى أرفض جبينه عرقًا، فاجتمع من عرقه بحران أحدهما ملح مظلم والثانى نير عذب. ثم نظر فى البحر فرأى ظله، فأراد أن يأخذه فطار، فأخذه وقلع عينه وخلق منها الشمس، وخلق الكفار من البحر المالح المظلم، والمؤمنين من البحر العذب النير، وخلق ظلال الناس، فكان أولها محمدًا ﵊. وهذا عند المغيرة هو معنى آية: (*) ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾.
стр. 5476
ثم أرسل اللَّه محمدًا ﵊ إلى الناس كافة، وعرض على السموات والأرض والجبال أن يمنعن على بن أبى طالب، فأبين، ثم على الناس كلهم، فقام عمر بن الخطاب إلى أبى بكر فأمره أن يتحمل ذلك وأن يغدر بعلىّ، ففعل، وهذا هو عند المغيرة معنى آية (*): ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾. وزعم المغيرة أن عمر قال لأبى بكر أنا أعينك على علىّ لتجعل لى الخلافة بعدك. وهذا عند المغيرة هو معنى آية (* *): ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ. . .﴾.
بعد ذلك نجد صورة ثانية عند زعيم شيعى مثل أحمد الكيالى الذى كان يدعو لواحد من أهل البيت بعد جعفر الصادق. وكان هذا الزعيم قد قبس شيئا من المعرفة خلطه بنزعته الشيعية، وادعى أن كل من قدر الآفاق على الأنفس وأمكنه أن يبين مناهج العالمين: أعنى عالم الآفاق، وهو العالم العلوى، وعالم الأنفس، وهو العالم السفلى، كان هو الإمام؛ وأن من قرر الكل فى ذاته وأمكنه أن يبين كلّ كلّى فى شخصه المعين الجزئى كان هو القائم. وقد ألف كتبًا بالعربية والفارسية، والعوالم عنده ثلاثة: العالم الأعلى، وفيه خمسة أماكن؟ أولها خال لا يسكنه موجود ولا يدبره روحانى، وهو مكان الأماكن المحيط بالعالم، وهو فى رأيه العرش الوارد فى الشرع. ودون ذلك مكان النفس العليا، ثم مكان النفس الناطقة، ثم مكان النفس الحيوانية، ثم مكان النفس الإنسانية. أما كيف حدث هذا العالم فإن الكيالى يزعم أن النفس الإنسانية أرادت الصعود إلى عالم النفس العليا؛ فبعد أن اخترقت مكان النفس الحيوانية والناطقة كلّت وانحسرت وتحيرت وتعفنت واستحالت أجزاؤها، فهبطت إلى العالم السفلى، ومضت عليها أكوار وأدوار، إلى أن ساحت عليها النفس العليا وأفاضت عليها من أنوارها جزءًا، فحدثت التراكيب فى هذا العالم، وحدثت السموات والأرض والمركبات من المعادن
стр. 5477
والنبات والحيوان والإنسان، ووقعت فى بلايا هذا التركيب تارة سرورًا وسلامة وعافية؛ وتارة غمًا وبلية ومحنة، إلى أن يظهر "القائم" ويردها إلى حال الكمال. وعند ذلك تنحل التراكيب وتبطل المتضادات، ويظهر الروحانى على الجسمانى، وذلك هو القائم الذى هو أحمد الكيالى نفسه بحسب ما يزعم.
وزعم الكيالى فى تأييد حقه أن اسمه أحمد، وأن الألف من اسمه تقابل النفس العليا، والحاء تقابل النفس الناطقة، والميم تقابل النفس الحيوانية، والدال تقابل النفس الإنسانية. وهو يبين التقابل بين العوامل العلوية والعالم السفلى: فالسماء تقابل مكان الأماكن، ودونها النار، ثم الهواء، ثم الأرض، ثم الماء، وهى أربعة تقابل العوالم الأربعة. والإنسان عنده فى مقابلة النار، والطائر فى مقابلة الهواء والحيوان فى مقابلة الأرض والحوت فى مقابلة الماء. ثم يبين التقابل بين عالم الإنسان وبين آفاق العالمين الأولين: الروحانى والجسمانى، ويمضى فى هذا الخلط، وينتهى بأن يزعم أن الأنبياء هم قادة أهل التقليد، وهم عميان؛ أما "القائم" فهو قائد أهل البصيرة أولى الألباب، وهؤلاء يحصلون على البصيرة بمعرفة التقابل بين العوالم. ثم يؤوّل الشريعة فيعتبر أن الميزان يدل على العالمين، وأن الصراط يدل عليه هو نفسه، والجنة على الوصول إلى علمه والنار على الوصول إلى ما يضادّ ذلك (١).
بعد هذا نجد الصورة الثانية للكون عند الباطنية؛ وهؤلاء، منذ وقت مبكر، قد خلطوا كلامهم ببعض كلام الفلاسفة وألفوا فى ذلك كتبًا. ولنصرف النظر عن أنهم، كما يحكى الشهرستانى، يمتنعون عن إطلاق الصفات على اللَّه نفيًا وإثباتا، زعمًا منهم أن ذلك يقتضى التشبيه والمشاركة بين اللَّه وبين سائر الموجودات -وهم ينسبون إلى محمد ابن على الباقر أنه كان يقول: إن اللَّه إنما سمى عالمًا وقادرًا بعد أن وهب العلم والقدرة، وبمعنى أنه فعل ذلك لا بمعنى
стр. 5478
أن له العلم والقدرة صفتين قائمتين به -وهم يزعمون أن اللَّه بأمره القديم أبدع العقل الأول التام وبتوسطه أبدع النفس، وهى غير تامة، فاشتاقت النفس إلى كمال العقل، وكان لابد أن تتحرك، وكان لابد فى الحركة من آلة. ولذلك حدثت الأفلاك السماوية وتحركت حركة دورية بتدبير النفس، فحدثت الطبائع البسيطة، ثم تحركت حركة استقامة بتدبير النفس أيضا، فظهرت المركبات من المعادن والنبات والحيوان والإنسان واتصلت النفوس الجزئية بالأبدان. ونوع الإنسان يمتاز باستعداد خاص لفيض الأنوار العلوية. وكما أن فى العالم العلوى عقلا ونفسا كلية فلابد أن يكون فى العالم السفلى عقل مشخص هو كلى، وحكمه هو حكم الشخص الكامل، وهذا هو "الناطق" أو النبى فى زعمهم، كما لابد أن يكون فى العالم السفلى أيضًا نفس مشخصة كلية؛ وهذا هو "الأساس" أو "الوصى". وكما أن الأفلاك تتحرك بتحريك النفس والعقل، فكذلك تتحرك النفوس والأشخاص بالشرائع، بتحريك النبى [ ﷺ ] والوصى فى كل زمان، دائرًا على سبعة سبعة، حتى يأتى الدور الأخير، ويدخل زمان القيامة، وترتفع التكاليف وتضمحل السنن والشرائع: والغرض من الحركات الفلكية والسنن الشرعية هو بلوغ النفس إلى حال كمالها، وهو بلوغها درجة العقل واتحادها به، وهذه هى القيامة الكبرى؛ وعندها، تنحلّ تراكيب الأفلاك والعناصر والمركبات وتنشق السماء، وتتناثر الكواكب، ويحاسب الخلق، ويتميز الخير عن الشر، والمطيع عن العاصى، وتتصل جزئيات الحق بالنفس الكلية وجزئيات الباطل بالشيطان. والباطنية يرون أن الشرائع عوالم روحانية وأن العوالم شرائع جسمانية، ويزعمون أن العلوم المستفادة من الكلمات التعليمية غذاء للنفوس، كما الأغذية المستفادة من الطبائع المادية غذاء للأبدان. . . وهكذا من الآراء التى أرادوا بها أن يكوّنوا وجهة نظر يلتف حولها الأنصار، ويظهر أن ذلك لم ينل ما كان ينتظر من ورائه من
стр. 5479
اجتذاب الناس، ولذلك نجد أن أصحاب الدعوة الباطنية الجديدة، منذ ظهور الحسن الصباح فى النصف الثانى من القرن الخامس الهجرى. يمنعون الناس من الخوض فى العلوم ومن قراءة الكتب القديمة. وأراد الحسن الصباح أن يقيم دعوته على أساس نكت كلها اعتراضات على المخالفين؛ وكل همه إثبات أن النظر العقلى لا يؤدى إلى العلم اليقين بدليل الخلاف الموجود بين أهل الرأى والنظر، وأنه لابد من معلم معصوم، نظرا لكثرة المعلمين واختلافهم (١).
ولو نظرنا فى هذه الآراء التى تقدم ذكرها، وكان المقصود منها أن تكون وجهة نظر فى الكون، للاحظنا تطورًا من التطور الأسطورى إلى تصور مختلط بالمعرفة الفلسفية، وكلها تنتهى بالغرض الحقيقى المقصود منها، وهو تأكيد حق علىّ رضى اللَّه عنه فى الخلافة (وهذا عند المغيرة بن سعيد) أو تأكيد إمامة رئيس الفرقة (وهذا عند أحمد الكيالى) أو بيان شأن النبى [ ﷺ ] ووصية فى هذا العالم (وهذا هو مذهب الباطنية). فليس هناك غموض فى أمر الشيعة فى الحقيقة، وإنما جاء الغموض من أن الدعوة كانت فى الغالب سرية. ولما كان اجتذاب الأنصار والأتباع المثقفين غير متيسر بوجهة نظر كالتى تقدم ذكرها -لأنها أولا ليست أصيلة وإنما هى خلط زائف من آراء لقوم سابقين، ولأنها ثانيًا لا تكفى لمقاومة الفكرة الإسلامية عن الكون والحياة- فقد كان لابد للدعاة الفاسدين من أن يعمدوا إلى أساليب تناسب الطبائع المنحطة، ومن هنا دخلت الآراء والأساليب الإباحية فى دعوة الشيعة، فوصمتها وصمة شائنة استمرت مع التاريخ، ولاشك فى أن الإباحة ليست عربية، ولا هى شيعية إذا فهمنا من كلمة "الشيعة" مجرد مشايعة آل البيت، بل هى ترجع إلى مذاهب قديمة فارسية قضى عليها ملوك الفرس قبل الإسلام ثم ظهرت بعده لأغراض سياسية تؤيدها القوة الحربية. فلما فشلت الحركات السياسية اندس الإباحية بين
стр. 5480
الشيعة تارة وبين الصوفية تارة أخرى. والمذاهب تأبى أن تموت، فتتشكل مع الزمان وتغير الظروف بأشكال جديدة. وكما حدث أن أصحاب المذاهب الدينية القديمة دخلوا فى النصرانية وأرادوا إفسادها من الداخل، فإنهم أيضًا دخلوا فى الإسلام للغاية نفسها، وإلا فما شأن آل البيت بتأليه الأئمة وبالقول بالحلول ونحو ذلك؛ وما شأن الصوفية، وهم أهل زهد وعلم، بتلك الإباحة التى توجد عند الأدعياء الذين اندسوا بينهم!
وإذا كان الأستاذ كاتب المقال يبدى شيئا من العطف على الشيعة السبعية ويحاول أن يفهم وجهة نظرهم، ويشير إلى أن المزيد من البحث النزيه كفيل بأن يؤدى إلى إدراك حقيقة أمرهم، فإن حقيقة أمرهم لا يمكن أن تنجلى عن أكثر مما تقدم. أما ما يقوله من أن الإباحية ربما كانت محاولة لمواجهة جملة أحكام الشريعة بمذهب فى الأخلاق كالذى يوجد فى أبيات من ديوان ناصر خسرو الشاعر، فكيف يمكن أن يعقل إنسان أن تكون الإباحية مذهبًا خلقيًا، وهى مضادّة للطبيعة البشرية ولكل شئ كريم ونبيل فى الروح الإنسانية؟ وإذا كان كاتب المقال يعتبر أن ذكر ناصر خسرو لسبعة فضائل -منها التواضع والكرم والحلم والقناعة والحكمة؛ وسبع رذائل- منها البخل والغضب والشهوة والكبر والحسد- فأين هذه الفضائل التى لا تحصى والتى نجدها فى القرآن والحديث، ونجد تفصيلها وتحليلها عند كبار علماء الإسلام من الصوفية وغيرهم من الأخلاقيين؟ وأين هذه الرذائل من تحليل علماء الإسلام للأخلاق الذميمة وبيانهم لعلاجها على أساس علمى نفسى منقطع النظير؟ .
الحق أن آراء غلاة الشيعة ومذاهبهم من أول الأمر إلى آخره لها روح وغاية واحدة، وهى غير إسلامية، ولا يقصد منها نصرة آل البيت بل خدمة أغراض خاصة من طريقها، ولذلك اندثرت هذه الآراء مع الزمان، كما اندثرت فرق الغلاة أيضًا، ولم يبق منها إلا وصمة
стр. 5481
تاريخية. وبعد زوال الفرق الأولى، ظهر اشتغال علماء الشيعة الحقيقيين بالعلم والفلسفة كالذى نجده عند علماء الإسماعيلية وعلماء الزيدية، وإن لم يكن عندهم من العبقرية أكثر مما عند غيرهم. ومن أسف أن علماء أهل السنة، حتى المتأخرين منهم، كأنما تجاهلوا هذه الجهود؛ ويجوز أنهم لم يتعرضوا لها، لأنهم لم يجدوا فيها شيئا تتميز به. وهم على كل حال قد حشروا كل غلاة الشيعة ومفسديهم تحت اسم واحد هو اسم السبعية (١)، واعتبروا هذا الاسم شاملا لكل أهل الفساد من الباطنية والقرامطة والإسماعيلية والإباحية والمزدكية والخرَّمية أو الخرمدينية (٢) والملاحدة أو الزنادقة وغيرهم. وأهل البيت الحقيقيون هم ومن يميل إليهم برآء من آراء غالية الشيعة وقد كانت هذه الآراء فى الحقيقة محنة تعرض لها أهل البيت، كما رأى ذلك علماء أهل السنة ونحن نعتقد أنا قد وقفنا موقف الأنصاف بين الشيعة الحقيقيين وبين خصومهم والدخلاء عليهم. والإسلام واضح فى عقيدته وشريعته، ولذلك فإن من يخرج على أصوله فهو كمن يضع نفسه فى ضوء باهر ينكشف فيه أمره تمام الانكشاف. وكل محاولة لتقرير مذهب أو لوضع وجهة نظر لا تتفق مع العقل أو مع الشعور الخلقى الكامل فهى محاولة فاشلة لأن الإسلام دين عقلى وخلق معا.
وأشير على القارئ بأن يرجع إلى آراء مختلف فرق الشيعة عند الأشعرى فى كتاب "مقالات الإسلاميين"، طبعة استانبول، جـ ١ ص ٥ - ٨٥؛ وفى كتاب الملل والنحل للشهرستانى، طبعة كيورتن، ص ١٠٨ - ١٥٢؛ وفى "الفصل" لابن حزم، طبعة القاهرة، ١٣٢٠ - ١٣٢٠ هـ، جـ ٣، ص ١١٤ - ١١٦؛ جـ ٤، ص ١٧٩ - ١٨٨، ٢٢٧؛ وفى كتاب "الفرق بين الفرق" ص ٢١٤ - ٢١٧، ٢٢٣ - ٢٢٦، ٢٢٩ - ٢٢٩.
[محمد عبد الهادى أبو ريدة]
стр. 5482
السبكى
نسبة إلى سُبْك من أعمال المنوفية مركز منوف ممفيس (على باشا مبارك الخطط الجديدة بولاق سنة ١٣٠٥، جـ ١٢، ص ٧)
أ- أسرة السبكى من علماء الشافعية (تشير الأرقام الموضوعة أمام بعض الأفراد فى شجرة نسب الأسرة إلى الأوصاف التالية؛ وانظر عن الجميع كتاب Die academien de raraber und ihre Lehrer: F.Wustenfeld ص ١١٩).
(١) صدر الدين أبو زكريا يحيى، قاضى المحلة، ثم اشتغل بالتدريس فى القاهرة، وتوفى عام ٧٢٥ هـ (Academien رقم ١٨٣).
(٢) تقى الدين أبو الفتح محمد، ولد عام ٧٠٤، واشتغل بالتدريس فى القاهرة ودمشق، وتوفى عام ٧٤٤. وقد ألف كتابا فى التاريخ. وذكر آلوارت (Ahlwardt رقم ٨٤٧١، ٢٤) مكاتباته (Academien رقم ٩٧؛ الخطط الجديدة، جـ ١٢، ص ٨).
(٣) بهاء الدين أبو البقاء محمد، ولد عام ٧٠٨، واشتغل بالتدريس. وكان قاضيًا وحاكما بدمشق والقاهرة، ووكيلا للسلطان وخطيب المسجد الأموى بدمشق. وتوفى عام ٧٧٧. وله ثلاثة مصنفات لم يتمها (Academien رقم ٥٢؛ الخطط الجديدة، جـ ١٢، ص ٨).
(٤) ولى الدين أبو ضَر عبد اللَّه. ولد عام ٧٣٥، واشتغل بالتدريس، وكان قاضيا وخطيبا، وقيما على الشئون المالية بدمشق، وتوفى عام ٧٨٥ (Academien رقم ٩٨).
(٥) بدر الدين أبو عبد اللَّه محمد. ولد عام ٧٤١ واشتغل بالتدريس. وولى الإفتاء والقضاء بالقاهرة ودمشق. . . الخ. وكان خطيبا بالمسجد الأموى. ولم يكن ولى الدين محبوبا عند الجمهور بسبب سيطرة ولده جلال الدين على شئونه. وتوفى عام ٨٠٢ أو ٨٠٣ (Academien رقم ٥٣؛ الخطط الجديدة، جـ ١٢، ص ٨).
(٦) شيخ الإسلام تقى الدين أبو الحسن على، ولد عام ٦٨٣، وتلقى
стр. 5483
العلم فى القاهرة خاصة، واشتغل بالتدريس، وولى الإفتاء والقضاء بالقاهرة ودمشق. وكان حاكما بدمشق وخطيبا بالمسجد الأموى، وتوفى عام ٧٥٦. وله اكثر من ١٥٠ مصنفا نذكر من بينها ما يأتى بقصد تصويب ثبت مصنفاته الذى أورده بروكلمان فى كتابه Gesh. d Arab. Litt، جـ ٢، ص ٨٧ وما بعدها. ٥) طبع فى حيدر آباد ١٣١٥ هـ، بولاق ١٣١٨ وطبع فى القاهرة من غير تاريخ مع مقدمة للشيخ محمد بخيت؛ ١٢) انظر أيضا Ahlwardt، رقم ٩٣٩٩؛ ١٦) قصيدة وردت أيضًا فى Ahlwardt، رقم ٨٤٨٢، ورقم ٤١؛ ١٨) إجابات على بعض الفتاوى، Ahlwardt، رقم ٥٠٢٦, ١؛ ١٩) الدر النظيم فى تفسير القرآن العظيم، وهو غير كامل؛ ٢٠) تفسير آية ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ. . .﴾ (سورة المؤمنون الآية ٥١) الابتهاج فى شرح المنهاج (بروكلمان، جـ ١، ص ٢٩٥، فصل ١٢ [ليس صحيحا كل الصحة] وهو غير كامل، انظر ما يلى رقم ٧، ٢)، وقد طبع فى القاهرة ١٩٢٧ م؛ ٢٢) شرح على المهذّب للشيرازى، وهو غير كامل، انظر بروكلمان، جـ ١، ص ٣٨٧، ٩، ١؛ ٢٣) الرقم الإبريزى فى شرح مختصر التبريزى، انظر بروكلمان جـ ١، ص ٣٩٣، ٢٤؛ ٢٤) رفع الشقاق فى مسألة الطلاق؛ ٢٥) التحقيق فى مسألة التعليق؛ ٢٦) بيان حكم الربط فى اعتراض الشرط على شرط؛ ٢٧) منية الباحث عن حكم دين الوارث؛ ٢٨) الرياض الأنيقه فى قسمة الحريقة؛ ٢٩) السهم الصائب فى قضاء دين الغائب؛ ٣٠) الغيث المغرق فى ميراث ابن المعتق؛ ٣١) فصل المقال فى هدايا العمال؛ ٣٢) القول الصحيح فى تعيين الذبيح؛ ٣٣) كشف الدسائس فى هدم الكنائس؛ ٣٤) الطريقة النافعة فى المساقاة والمخابرة والمزارعة؛ ٣٥) نور الربيع فى الكلام على ما رواه الربيع؛ ٣٦) الاعتبار ببقاء الجنة والنار؛ ٣٧) القول المحمود فى تبرئة داود، وقد طبع فى ملتان ١٣٤٠ هـ مع مسند عمر بن عبد العزيز؛ ٣٨) غيرة الإمام الحلبى فى أبى بكر وعمر وعثمان وعلى؛ ٣٩) الاتساق فى بقاء وجه الاشتقاق؛ ٤٠) أحكام "كل" وعليه
стр. 5484
ما يدل؛ ٤١) الإقناع فى إفادة لو للامتناع؛ ٤٢) الأسئلة فى العربية؛ ٤٣) الجد الإغريض فى الفرق بين الكناية والتعريض؛ ٤٤) الاقتناص فى الفرق بين الحصر والاختصاص؛ ٤٥) إحياء النفوس فى صنعة إلقاء الدروس؛ وتوجد فى مجموعة فتاواه كثير هن كتيباته (Academien رقم ٤٩، الخطط الجديدة، جـ ١٢، ص ٧؛ حاجى خليفة طبعة فلوجل، الفهرس رقم ٨٧٦٥؛ Brockelmann، جـ ٢، ص ٨٦، س ٩، وفيه بيان أطول من ذلك عن مؤلفاته. وتوجد سيرة كاملة له فى كتاب الطبقات لولده [رقم ٩ فى هذه المادة] ٤٦) الدرة المضيئة فى الرد على ابن تيمية، طبع فى دمشق ١٣٤٧ (على هامش مؤلفه رقم ٣٦ مع رسالتين صغيرتين)؛ ٤٧) العلم المنشور فى إثبات المشهور، طبع مع إرشاد أهل الملة للشيخ محمد بخيت، القاهرة ١٣٢٩؛ ٤٨) تكملة المجموع على المجموع، شرح المهذب للنووى (المتوفى سنة ٦٧٧ هـ) القاهرة ١٣٤٩ هـ وما بعدها.
ونشر له ا. س عطية فى Kahle Festschift، ليدن ١٩٣٥ م، ص ٥٥ وما بعدها فتوى من فتاواه وترجمها، أما فتاواه فقد طبعت فى القاهرة سنة ١٣٥٦ هـ.
(٧) بهاء الدين أبو حامد أحمد، ولد سنة ٧١٩، واشتغل بالتدريس، وولى الإفتاء والقضاء فى القاهرة ودمشق، وتوفى بمكة عام ٧٣٣. وقد ألف بهاء الدين الكتب الآتية. ١) شرح غير كامل على الحاوى للقزوينى (انظر Brockelmann، جـ ١، ص ٣٩٤، ٢٩، ١)؛ ٢) ذيل لشرح "المنهاج" غير الكامل على الشرح الذى قام به أبوه للمنهاج (انظر رقم ٦, ٢١)؛ ٣) جمع التناقض أو المناقضات (حاجى خليفة، طبعة فلوجل، جـ ٦، ص ١٥٧)؛ ٤) عروس الأفراح فى شرح تلخيص المفتاح (انظر Nachtrag: Brockelmann جـ ١، ص ٢٩٥، فصل ١٨، وقد طبع فى القاهرة طبعة غير مؤرخه ضمن مجموعة شروح التخليص)؛ ٥) شرح غير كامل على مختصر الكافية لابن الحاجب على البيضاوى (انظر brockelmann، جـ ١، ص ٣٠٥، س ٦)؛ ٦) قصيدة فى معنى كلمة عين (Ahlwardt, رقم ٧٠٦٥، ١، كما فى ٦٩٧٣، ٣ وفى ٧٣٣٤؛
стр. 5485
٧) أحجية منظومة عن النيل (مع إجابة صلاح الدين الصفدى [Brockelmann، جـ ٢، ص ٣١، س ٣] ويرجع فى شأنها.
آل السبكى
ضياء الدين أبو الحسن على بن تمّام بن يوسف بن موسى ابن تمّام بن حمّاد بن يحيى بن عثمان بن على بن سُوار ابن سليم الأنصارى الخزرجى
يحيى (١). . . زين الدين أبو محمد عبد الكافى (توفى ٧٣٥)
عبد اللطيف. . . سديد الدين أبو محمد عبد البرّ
على (٦)
أحمد (٧). . . الحسين (٨). . .عبد الوهاب (٩). . . محمد (١٠)
محمد (٢). . . محمد (٣)
عبد اللَّه (٤). . . محمد (٥)
стр. 5486
إلى Ahlwardt، ٨٤٧١، ٢٨)؛ ٨) قصيدة أخرى له (Ahlwardt، ٨٤٧١، ٣٧)٩) رسائل موجهة إليه (Ahlwardt، ٧٨٦٩، ٨٤٧١، ٢٤ Academien، رقم ٥٠، الخطط الجديدة، جـ ١٢، ص ٨؛ حاجى خليفة، طبعة فلوكل، الفهرس رقم ١٨٩٩).
(٨) جمال الدين أبو الطيب الحسين: ولد عام ٧٢٢, وقام بالتدريس فى القاهرة ودمشق، واشتغل فى دمشق أيضًا نائبا للقاضى، وتوفى عام ٧٥٥ قبل وفاة أبيه. وألف جمال الدين كتابا عن الناس باسم الحسين بن على (حاجى خليفة، طبعة فلوجل، جـ ٥، ص ١٥٩). ورسائله مذكورة فى Ahlwardt رقم ٨٤٧١، ٢٤ (Academien، رقم ٧٣؛ Ahlwardt. الخطط الجديدة، جـ ١٢، ص ٨).
(٩) تاج الدين أبو نصر عبد الوهاب: ولد عام ٧٢٧ (أو ٧٢٨ أو ٧٢٩) وقام بالتدريس، واشتغل أستاذا وقاضيا، وحاكما فى دمشق والقاهرة، ثم غدا خطيبا للمسجد الأموى. وقد حبس سنة ٧٧١ ثمانين يوما تقريبا، ولكنه تمكّن من أن يرد لنفسه اعتبارها، وتوفى بالطاعون سنة ٧٧١. ونضيف إلى الثبت الذى ذكره بروكلمان بكتبه الباقية (جـ ٢، ص ٨٩ وما بعدها): ١) Ahlwardt؛ رقم ٤٤٠١، وهو توقيع بخطة يرجع إلى سنة ٧٦٢؛ شرح الزركشى، فى Ahlwardt أيضا رقم ٤٤٠٢؛ وقد طبع على شرح المحلى وشرح الشرح للبنّانى فى بولاق أيضًا سنة ١٢٩٧ هـ، ١٨٩١ م، كما طبع مع الشرح نفسه و"تقريرات" عبد الرحمن الشربينى، القاهرة ١٣٠٩، ١٣١٨ هـ. وطبع فى القاهرة أيضًا سنة ١٣١٠. ضمن مجلد "مجموع من مهمات الفنون" مع شرح المحلى وتقريرات الشربينى، كما طبع سنة ١٣٠٤، ١٣٠٦؛ وطبع أيضًا مع الكتاب رقم ٢، ٢) طبع فى القاهرة سنة ١٣٢٢ هـ ضمن مجلد "مجموع شرح جمع الجوامع"، ٧) نشر بمعرفة D.W.Myhrman فى Luzac's Semitic Text Series لندن ١٩٠٨, جـ ١٨؛ واختصره وترجمه من العربية O. Rischer، الآستانة ١٩٢٥ م وطبع أيضًا طبعة غير
стр. 5487
مؤرخة فى القاهرة على هامش مجموعة فى مجلد تعرف باسم "تفريج المهج"، ١٨) انظر ليدن، رقم ٨٩٧, وقد طبع بالقاهرة عام ١٣٢٤ هـ ومن ذلك أيضا De vita et scriptis Maverdii conunentstin: M, Enger سنة ١٥٨١؛ ٨ ب؛ انظر أيضا Ahlwardt رقم ١٠٠٣٦ (٨ ج) انظر كوتا رقم ١٧٦٢؛ ١٠؛ وانظر أيضا Ahlwardt رقم ٨٤٦٥، ورقم ١٠٨، ١٦) كتاب الأشباه والنظائر فقرات منه فى Ahlwardt رقم ٤٦١١، ١٧) شرح على المنهاج للبيضاوى (انظر Brockelmann جـ ١، ص ٤١٨، جـ ٢)؛ ١٨ جلب حلب، ١٩) رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب (انظر ما سبق، رقم ٧، ٥)، ٢٠) منظومة فى الألفاظ الأعجمية فى القرآن، Ahlwardt , رقم ٧٢٥، انظر ٧٢٤؛ ٢١) وتوجد أشعار له فى Ahlwardt رقم ٥٩٦، ١، ٢٢) الدرر اللوامع، ٢٣) خطابات موجهة له Ahlwardt رقم ٧٨٦٨ (Academien رقم ٥١، الخطط الجديدة، جـ ١٢ كذا) ص ٨، Wustenfeld: Der Imam el Schafii جـ ١، ص ١٠ وما بعدها، حاجى خليفة، طبعة فلوجل، الفهرس رقم ٨٧٠٤؛ Brockelmann جـ ٢، ص ٨٩ وما بعدها حيث توجد مصادر أخرى).
(١٠) محمد: وقد وجه إليه أبوه قصيدة كلها لوم وتعنيف (انظر ما سبق رقم ٦، ٤).
ب- شهاب الدين (أو شرف الدين) أحمد بن خليل بن إبراهيم المصرى الشافعى؛ وقد توفى عام ١٠٣٢ بالغا من العمر ثلاثا وتسعين سنة. مؤلفاته: ١) حاشية على كتاب الشفاء للقاضى عياض (Brockelmann جـ ١، ص ٣٦٩، ٥)؛ ٢) فتح المُقيت فى شرح التثبيت عند التبييت Brockelmann جـ ٢، ص ١٥١، ١٣٠؛ ٣) فتح الغفور فى منظومة القبور (المصدر السابق)؛ ٤) فتح المبين فى شرح منظومة ابن عماد الدين (انظر Brockelmann جـ ٢، ص ٩٤، ٤، وربما يكون قد نسب إليه خطأ (انظر pertsch رقم ١٠٨٠)، ٥) هداية الإخوان فى مسائل الإسلام والاستئذان؛ ٦) مناسك الحج الكبيرة؛ ٧) الصغيرة، ٨) وقد
стр. 5488
جمع علاوة على ذلك فتاوى الرملى (انظر Brockelmann جـ ٢، ص ٣٢١، ١٣؛ الخطط الجديدة، جـ ١٢، ص ٨ وما بعدها؛ وتوجد سيرته أيضًا فى Ahlwardt رقم ٨٤٧١، ص ١٥).
ج- ويرجع فيما يتصل بأحمد بك السبكى بن أحمد سليمان عجيلة، وهو من المصريين المحدثين، إلى كتاب الخطط الجديدة، جـ ١٢، ص ٩.
الشنتناوى [شاخت Joseph Schacht]
د - الشيخ محمود (بن محمد بن أحمد) خطَّاب السبكى، مصلح دينى وصاحب طريقة السبكية، ولد عام ١٢٧٤ هـ (١٨٥٨ م) بسبك العويضات من أعمال مديرية المنوفية، وتوفى عام ١٣٥٢ هـ (١٩٣٣) فى القاهرة، وقد تأثر بالصوفية فى باكورة حياته (كان من أتباع الخلوتية وغيرها من الطرق). وإنما التحق بالأزهر فى سن متأخرة بعض الشئ مدفوعا بغيرته الدينية، وإن كان قد أعد إعدادا مدنيا؛ وجادل محمود أساتذته فى تفسير القرآن الكريم والسنَّة وهو بعد فى دور الطلب، وألفّ رسائل فى محاربة البدع، ثم شخص إلى الريف يبشّر بالإصلاح. ونال شهادة العالمية فاستطاع إلى حين وفاته أن يذيع على الناس المحاضرات التى كان قد بدأ فى إلقائها فى الأزهر على طلابه فحسب، وأراد الشيخ محمود أن ينفذ ما دار فى فكره فأنشأ عام ١٣٣١ هـ (١٩١٣ م) جمعية يقالَ لها "الجمعية الشرعية لتعاون العاملين بالسُّنة المحمدية" (القانون الأساسى: القاهرة ١٣٣١. التزامات الوعَّاظ المطلوب تعيينهم: فى سيرة حياته، انظر ما يلى) وقد قطع أعضاؤها على أنفسهم العهد بأن يتجنبوا البدع جميعا، وأن يؤدوا اشتراكا شهريًا معلوما، وألّا يتاجر الواحد منهم إلّا مع أخيه ما وسعه، وأن يتبادلوا النصيحة فى الأمور الشخصية، وتقيم الجمعية المساجد (ويقال إنه كان فى مصر كلها أكثر من مائة مسجد سنة ١٩٣٥) وتعول الوعاظ وتوزع الصدقات؛ ومصدر دخلها الرئيسى صناعة المنسوجات المصرية علاوة على تبرعات الأعضاء؛ وسكن الشيخ محمود سنة ١٣٤٤ هـ (١٩٢٦ م) منزل فى حارة الجوخدار بباب زويلة، وهو وقف (وقد
стр. 5489
طبعت هذه الوقفية بالقاهرة عام ١٣٤٤ هـ) أضحى الآن مركز السبكية؛ وفى المنزل مسجد وغرف لجلوس أقارب الشيخ وأتباعه ثم حانوت لبيع الأقمشة ومكتبة ومكتب، وحانوت حلاق وغير ذلك؛ وتوفى الشيخ فخلفه ابنه أمين فى رئاسة الجمعية وإدارة هذا الوقف.
وكان الشيخ محمود مالكى المذهب (ولكنه لم يكن فى الجوهر يؤثر هذا المذهب على غيره، وشاهد ذلك أن ابنه أمين كان شافعيا) تأثر بكتاب المدخل لابن الحاج المتوفى سنة ٧٣٧ هـ (١٣٣٦ - ١٣٣٧ م)؛ وقد حارب الشيخ البدع فى كل ناحية من نواحى الحياة وخاصة فى العبادة؛ ومن ثم دعا الناس إلى التمهل فى الصلاة، ولم يكن له محراب، واكتفى من المنبر بمقعد بسيط له درجتان؛ واعتبر تجويد الأذان وتلاوة سورة الكهف دون غيرها وطائفة كثيرة من شعائر الدراويش مخالفة للسنة وقد حرّم التدخين وحف اللحى وارتداء الطربوش وحده؛ ومن هنا انصاع أتباعه لأوامره فأحبوا ارتداء كل ما هو أبيض، وهم يعتّمون فوق القلنسون البيضاء (أو الطربوش الأحمر) بعمامة منها عذبات ويمدون يدهم عند اللقاء لا عند الافتراق، وقد جرى الشيخ على أن يجلس على أدم بعد صلاة العصر فى بهو من أبهاء المسجد ويجيب على أسئلة أتباعه، ولا يزال خليفته يتبع هذه السنة إلى اليوم.
وعقيدته كما وردت فى سيرته تطابق السنة تمام المطابقة، فهو يؤمن فى الفروع بالقرآن الكريم وسنَّة الرسول [ ﷺ ] وإجماع الأئمة أهل الاجتهاد، وكل ما خالف ذلك لا يلتفت إليه؛ وكثيرًا ما اختلف الشيخ مع جمهرة المتكلمين ومصادرهم المعترف بها. ولم يكن خلافه معهم يدور حول المبدأ بقدر ما كان يدور حول التطبيق الذى يراه هو، وقيل أنه وهّابى، وهاجم بشدة كل من خالفه فى الرأى، وزعم لنفسه حق الاجتهاد؛ ثم غلب آخر الأمر الرأى القائل بأنه مسلم غيور لا يسع المرء إلا أن يتركه يسير على سننه، ولو أنه كان يشتط فى كثير من الأمور. ويقدر عدد أتباعه -وله عليهم سلطان
стр. 5490
محدود فى روايتهم هم أنفسهم- "بعدة آلاف" فى القاهرة عامة وفى الريف خاصة، وهم يطلقون على أنفسهم لقب "السنيَّة" وحسب، وأهم أهداف حركتهم الجمع بين الإصلاح الدينى وبرنامج اجتماعى واقتصادى.
وعمدة مصنفات الشيخ شرح واف لسنن أبى داود عنوانه "المنهل العذب المورود"، وقد بدأ ظهور المصنف قبيل وفاته واستمر ابنه أمين فى إصداره (القاهرة، عام ١٣٥١ هـ وما بعدها)؛ وقد وضع أمين فى فاتحة المجلد الأول منه سيرة لأبية أثنى عليه فيها وأورد ثبتا يشتمل على مصنفاته (مجموعها ٦) ونذكر من كتبه فى الإصلاح: "إصابة السهام فؤاد من حاد عن سنّة خير الأنام" (القاهرة، ١٣٣٠ هـ)؛ و"تعجيل القضاء المبرم لمحق من سعى ضد سنّة الرسول الأعظم" (القاهرة ١٣٥٠ هـ)؛ وقد حمل عليه مصطفى أبو السيف الحمّامى فى كتابه "استكشاف السر المقصود من كتب الشيخ السبكى محمود" (وللجزء الثانى من هذا الكتاب عنوان مستقل بذاته هو: رفع الحجاب عن بلايا ابن خطّاب)؛ (القاهرة، ١٣٣٦ هـ)، وقد نافح عن الشيخ السبكى كل من أحمد العدوى فى رسالتين هما "طريق الوصول إلى إبطال البدع بعلم الأصول" و"فصل الخطاب بين الشيخ مصطفى الحمّامى والشيخ محمود خطاب" (القاهرة، من غير تاريخ) وعبد اللَّه بن عبد اللَّه بن على العفيفى فى مؤلفه "الحسام السامى لمحق تقّول مصطفى الحمّامى، (القاهرة، ١٣٣٦ هـ).
المصادر:
وردت فى صلب المقال:
صبحى [شاخت Joseph Schacht]
سبيل
السبيل الطريق، وقد وردت هذه الكلمة فى القرآن الكريم ومعناها:
(١) لغة، مثل: ﴿. . .مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا. . .﴾ (سورة آل عمران، آية ٩٧).
(٢) مجازا، مثل قولك: "سبيل اللَّه".
(٣) مجازا، بمعنى الطريق الحق أى
стр. 5491
سبيل الرسول ﷺ -مثل: ﴿. . . يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ (سورة الفرقان، الآية ٢٧).
(٤) مجازا: بمعنى الوسيلة تتخذ لبلوغ شئ أو الحصول عليه، أو طريق الخروج من شدة أو ضيق، مثل: ﴿. . . أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ (سورة النساء، الآية ١٥).
(٥) فى عبارة "ابن السبيل" أى المسافر أو عابر الطريق، وقد ذكر لأنه أهل للرحمة والبر.
وتستعمل سبيل الآن للدلالة على عين الماء تقام ليشرب منها الناس عامة. ذلك أن أهل البلاد الحارة والأقاليم الممحلة كانوا بطبيعة الحال يعرفون أن الآبار والصهاريج والعيون لها فضل عظيم فى تزويد المسافرين العطشى بالماء. وقد اعترف الإسلام بذلك كما اعترفت به معظم الأديان الأخرى. ومن المحتمل أن يكون استعمال كلمة سبيل بهذا المعنى قد أوحت به عبارة "سبيل اللَّه" التى جرى المسلمون على إطلاقها على أى فعل يقصد به وجه اللَّه.
المصادر:
انظر المعاجم، تحت هذه الكلمة.
خورشيد [هيج T.W.Haig]
السترة
هى الغطاء أو الدريئة أو الستر، وخاصة فى الصلاة حيث تدل على الشئ يضعه المصلى أمامه، أو يقيمه فى اتجاه القبلة، فيجعله معتكفا فى منطقة متوهمة لا يزعجه فيها أحد من الناس ولا يقلق باله عمل من أعمال الشيطان. وشاهد ذلك قول فلهاوزن: "الظاهر أن استتار المرء استتارا متوهما فى مكان مكشوف يؤدى فيه الصلاة (السترة) كان من بين أغراضه طرد الشياطين" Reste: Wellhausen,١٥٨). وقد جاء فى حديث أنه اذا أراد أحد أن يجتاز هذه المنطقة المتوهمة فهو شيطان (البخارى، كتاب الصلاة، جـ ٤، ٢؛ أحمد بن حنبل، المسند، باب ١٠٠؛ أحمد ابن حنبل، المسند جـ ٤، ٢؛ الطيالسى، المسند، حيدر آباد ١٢٣١ هـ، رقم ١٣٤٢).
стр. 5492
ولم ترد كلمة سترة فى القرآن الكريم، وهى ترد كثيرًا بعبارة ستر (تستر أو استتر) بثوب فى الأحاديث الخاصة بالغسل الذى يعمد المرء فيه إلى إخفاء عورته بعباة أو ستر أو يتدارى بهما (انظر مثلا البخارى: كتاب الصيد: باب ١٤، كتاب الغسل، باب ٢١؛ مسلم: كتاب الحيض، حديث ٧٠؛ ٧٩، أبو داود: كتاب الطهارة باب ١٢٣؛ كتاب المناسك باب ٣٧) والسترة أيضا هو الستار الذى كان النبى [ ﷺ ] يحجب به نساءه عن أنظار الناس (البخارى: كتاب المغازى، باب ٥٦، كتاب النكاح! باب ٦٧). وكذلك أخبرنا بان المرء يُصلى إلى شئ يستره من الناس حتى لا يقلقوه (انظر مثلا البخارى: كتاب الحج، باب ٥٣؛ مسلم، كتاب الصلاة حديث ٢٥٩؛ أبو داود، كتاب المناسك، باب ٥٢).
ويقال إن النبى [ ﷺ ] كان لا يتقيد بشئ فى اختيار السترة. فكان يصلى إلى الراحلة والبعير والشجر والرحل (البخارى، كتاب الصلاة، باب ٩٨) والسرير (البخارى: كتاب الصلاة، باب ١٩) والحربة (باب ٩٢) والعنزة (باب ٩٣) والأصطوانة (١) (باب ٩٥) وبين السوارى فى المسجد. وقد حفظت لنا الأحاديث أثرا لرأيين فى السترة، الأول يفصل أحكامها تفصيلا والآخر يعارض ذلك.
وقد حاول الرأى الأول أن يقرر على وجه الدقة المسافة التى يجب أن تكون بين السترة والمصلى (ممر الشاة، انظر البخارى: كتاب الصلاة، باب ٩١؛ مسلم: كتاب الصلاة، حديث ٢٦٣، ٢٦٤ وما بعده) وجاء فيه أن النبى [ ﷺ ] يقول إنه لا يباح لأحد أن يمر بين المصلى وسترته (البخارى: كتاب الصلاة، باب ١٠٠، ١٠١؛ مسلم: كتاب الصلاة، حديث ٢٥٨، ٢٦٢ وما بعده) وأن المارّة، وخاصة الكلاب والحمر والنساء، تقطع الصلاة. قال رسول اللَّه [ ﷺ ] "إذا صلى الرجل وليس بين يديه كآخرة الرحل أو كواسطة الرحل قطع صلاته الكلب الأسود والمرأة والحمار" (الترمذى: كتاب المواقيت، الباب ١٣٦؛ احمد بن حنبل، جـ ٢، ص ١٩٦).
стр. 5493
ويقول الرأى الآخر إن الصلاة لا يقطعها قط المارة (وهذا هو أيضًا رأى الشافعى بحسب ما جاء فى تعليق الترمذى فى كتاب المواقيت، باب ١٣٥) (البخارى: كتاب الصلاة، باب ١٠٥). ونحن نلمس هذا المذهب أيضًا فى رواية لابن عباس، قال: كنت رديف الفضل على أتان، فجئنا والنبى [ ﷺ ] يصلى بأصحابه بمنى، قال فنزلنا منها فوصلنا الصف، فمرت بين أيديهم فلم تقطع صلاتهم" (الترمذى: كتاب المواقيت، الباب ١٣٥؛ انظر أحمد بن حنبل جـ ٢، ص ١٩٦).
ويقول الشافعى إن السترة سنة. وقد ذكر النووى آراء الفقهاء المختلفة فيها، وذلك فى شرحه لصحيح مسلم؛ القاهرة، ١٢٨٢ هـ، ج ٢، ص ٧٦ وما بعدها، انظر أيضًا ملاحظات الترمذى على باب ١٣٣ - ١٣٦ من كتاب مواقيت الصلاة.
أما أبو إسحق الشيرازى فيقول: (طبعة جوينبل، ص ٢٩): "وإن مرّ بين يديه مارّ وبينهما سترة بقدر عَظْم الذراع لم يكرَه وكذلك إن لم يكن عصَا وخطَّ بين يديه على ثلاثة أذرع خطّا لم يكره، وإن لم يكن شئ من ذلك كُرِه وأجزأته صلاته".
ونقول فى ختام هذه المادة أن سترة الإمام فى الصلاة تعد سترة للمؤتمين به (البخارى: كتاب الصلاة، الباب ٩٠).
المصادر:
(١) وردت مادة الأحاديث الصحاح فى Handbook of the Early Muh. Tradition: A. J. Wensinck, ليدن ١٩٢٧، مادة سترة.
(٢) ابن حجر الهيتمى: التحفة، القاهرة ١٢٨٢ هـ، جـ ١، ص ١٨٠ وما بعدها.
خورشيد [فنسنك A. J. Wensinck]
ست الملك
أو سيدة الملك: أخت الحاكم بأمر اللَّه سادس الخلفاء الفاطميين، ويذكرها المؤرخون أيضًا باسم ست الملوك وست النصر. وكانت ست الملك سيدة عظيمة البراعة وحاكمة على جانب كبير من
стр. 5494
الاقتدار كما يستدل من المدة القصيرة التى قضتها فى الحكم نائبة عن الخليفة. ولقد افترت عليها ألسنة السوء ورمتها فى شرفها بل اتهمتها بقتل أخيها الخليفة. وتذكر الرواية الشائعة أن الحاكم كان من عادته أثناء جولاته فى إرجاء الدولة أن يتلقى من رعاياه التماسات مكتوبة ينظر فيها فى أوقات فراغه. وقد بادر المصريون إلى انتهاز هذه الفرصة وأرسلوا إليه فى الخفاء أشعارا بذيئة ووشايات مشينة. وفى مرّة من هذه المرات تلقى وهو فى مصر ورقة تضمنت تهما مخزية فى حق أخته ست الملك غير المتزوجة وتقولات عن عبثها ومجونها. وما إن قرأ الخليفة ذلك حتى استشاط غضبا وحاصر المدينة، بل ذهب به الأمر إلى حد تهديد أخته بالقتل إذا لم يثبت طهارتها virgo intacta بالبرهان القاطع.
ويقال إن ست الملك، وقد رأت هذا الشطط من أخيها، تآمرت مع يوسف سيف الدولة بن دَوّاس من زعماء بربر كتامة، وزارته فى ليلة من الليالى بمفردها مستخفية، وبينت له الخطر الذى يتهددهما، وسلوك أخيها المنطوى على الحمق، وخروجه عن جادة الدين وطغيانه، وأن لا أمل لهما فى النجاة إلا إذا تخلصا منه وأجلسا ولده على العرش. ويقال إنها بذلت له الوعد بإقامته قائدا للجيش مع الإشراف التام على الخليفة الحدث إذا نجحت خطتهما، ووافق يوسف على ذلك. واستؤجر رجلان للقيام بهذا العمل. وفى ليلة ٢٧ من شوال عام ٤١١ (١٣ فبراير سنة ١٠٢١) انقض هذان الرجلان على الحاكم عندما كان منطلقا على حماره الأشهب. . . قاصدا العزلة فى جبل المقطم. . . ثم قتلاه ونقلت جثته المشوهة بعد ذلك سرا إلى ست الملك حيث دفنت فى رحاب قصرها. وما إن ذاع النبأ حتى تنكرت لابن دوّاس وللرجلين ورمتهما بقتل الحاكم فقتلوا لتوهم (de Expose de la Religion des Druzes: Sacy جـ ١، ص ٤١٣، التعليق).
ومهما يكن من شئ فإن هذه هى الرواية الشائعة عن الجريمة، غير أن القصة الحقيقية هى فيما يظهر ما رواه المقريزى (الخطط، جـ ١ ص ٣٥٤)،
стр. 5495
ومحصلها أنه حدث فى شهر المحرم عام ٤١٥ أن قبض على شخص أقرّ بأنه وحده هو الجانى، وقدم برهانا على قوله قطعة من جلد رأس الحاكم وقطعة من "الفوطة" التى كانت عليه، وأعلن أنه قتله "غيرة للَّه وللإسلام". وعندما سُئل كيف قتله أخرج سكينا ضرب بها فؤاده فقتل نفسه وقال: "هكذا قتلته". وخلف الحاكم ولده الظاهر، وكان فتى فى السادسة عشرة من عمره، ومن ثم أصبحت عمته ست الملك وصية على العرش. وأعادت ست الملك خلال السنوات الأربع التى قضتها وصية الاستقرار والنظام إلى الدولة، وملأت بيت المال، ونظمت الجيش، وكان حكمها قاسيا ولكنها كانت تراعى المصلحة العامة فاكتسبت احترام رعاياها. وقد عاقبت عمال الدولة المستهترين من غير محاباة أو تحيز، كما كانت سريعة فى إخماد أى فتنة تنشب فى مصر أو فى الأقاليم، واستطاعت بالخدعة القبض على عبد الرحمن والى دمشق المنتقض عليها، وكان الحاكم قد اختاره ليكون وليا للعهد، وسجنته فى القاهرة.
وعندما مرضت وأدركت أن لا أمل لها فى الشفاء أمرت بقته. وتوفيت هى بعد ذلك بثلاثة أيام عام ٤١٥ للهجرة.
المصادر:
(١) أبو المحاسن بن تغرى بردى: النجوم الزاهرة (مطبوعات جامعة كاليفورنيا) جـ ٢، ص ٧٠ - ٨١، ١٢٩ وما بعدها.
(٢) أبو الفرج Chronicum Syriacum طبعة Brunsand Risch ص ٢٢٣ وما بعدها.
(٣) ابن خلدون: التاريخ، جـ ٤، ص ٦١.
(٤) تاريخ ابن الأثير، جـ ٩، ص ١٠٨ وما بعدها.
(٥) ابن خلكان، وفيات الأعيان، ترجمة دى سلان، جـ ٣، ص ٤٥٢.
(٦) الكندى: كتاب الولاة والقضاة، طبعه Guest ص ٨٠٦.
стр. 5496
(٧) Wustenfeld: Geschichte der Fatimiden Chalifen ص ٢١٤ وما بعدها.
(٨) Religiondes Druzes: de Sacy، جـ ١، ص ٤٠٦ وما بعدها.
(٩) المؤلف ذاته Chrestomathie arabe جـ ١، ص ١١١، ١٩٦ ص ٢٠٤.
(١٠) Histoire des arabes: Huart، جـ ١، ص ٣٤٧.
(١١) A. History of Egypt: S. Lane-Poole ص ١٢٠، ١٣٤. وما بعدها.
(١٢) Memoires Geogr: Quatremere, ص ٣٢٤ وما بعدها.
الشنتناوى [ووكر J.Walker]
سجاح
أم صادر بنت أوس بن حِقّ بن أسامة، أو بنت الحارث بن سويد عُقْفان: متنبئة وعرّافة، وهى واحدة من طائفة من المتنبئين وشيوخ القبائل الذين ظهروا فى بلاد العرب قبيل الردّة، أو إبانها؛ ونستدل من نسبها، الذى اتضح من تاريخها أنه صحيح أن سجاح كانت من بنى تميم، وكانت أمها من بنى تغلب، وهى قبيلة كان فيها كثير من النصارى، وكانت هى نفسها نصرانية، أو قل إنها تعلمت على الأقل الكثير عن النصرانية من أقاربها. ونحن لا نكاد نعرف شيئا عن وحيها ومبادئها، وكانت تلقى رسائلها من منبر بالشعر المنثور، وكان يسير فى ركابها مؤذن وحاجب، وقد أطلقت على اللَّه اسم "رب السحاب"، أو ربما كان هذا الاسم من ضمن الأسماء التى أطلقتها على اللَّه .
وتقدمت سجاح الصفوف فى العام الحادى عشر للهجرة بعد أن توفى النبى ﷺ وتقول رواية من الروايات التى تتحدث عن فعالها إنها برزت فى بنى تغلب، وأنها وفدت من بلاد الجزيرة على رأس شرذمة من أتباعها من ربيعة وتغلب وبنى النمر وبنى شيبان. ووجدت سجاح أن بنى تميم قد انقسموا على أنفسهم بالنظر إلى وفاة الرسول [ ﷺ ]، وما رأوه من احتدام الفتنة بين المرتدين والمسلمين وأولئك الذين كانوا مترددين
стр. 5497
بين الإنتقاض على المدينة والولاء لها. وأفلحت بفضل ما بشرت به من وحيها فى اجتذاب عشيرتى حنظلة (بنى مالك وبنى اليربوع) إلى صفها وجمعتهما تحت رايتها، وصحت نيتها على السير بهما لغزو المدينة، على أن سلطانها على بنى تميم كان فيما يظهر أكبر بكثير مما تلقيه فى روعنا هذه الرواية التى كانت تستهدف إلى الإقلال من نصيب عشيرتى بنى تميم فى الردَّة، ذلك أن سجاح لم تكن بالغريبة على بنى تميم، لأنها كانت فى الواقع من تلك القبيلة كما يستدل على ذلك من خاتمة حياتها، فقد كانت قد كسبت قبل موت الرسول [ ﷺ ] بزمن وجيز على ما يرجح تأييد قبيلتها جميعا، تلك القبيلة التى كان دخولها فى الإسلام فى الغالب أمرا أملته عليها الضرورة، ومن ثم كان من السهل أن يتزعزع إيمانها.
وبدأت جيوش سجاح بالهجوم على بنى رباب استجابة لرؤيا رأتها، بيد أنها منيت بهزيمة منكرة، فلجأت إلى النباح (فى اليمامة) حيث منيت بهزيمة أخرى على يد بنى عمرو، فلم تجد بدًا من أن تعد بالرحيل عن بلاد تميم، وتبعها بنو اليربوع، فقررت أن تنضم إلى المتنبئ مسيلمة، وكان لا يزال مسيطرًا على معظم قبيلة يمامة، حتى تشاركه مصيره أو يبتسم لها الحظ من جديد وقد تلاقيا فى الأمواه، أو فى هجّر، وكان جيش المسلمين يهدد مسيلمة كما كانت القبائل المجاورة تهدد بتقويض سلطانه، ومن ثمّ كان وصول زميلة طامحة يائسة مغلوبة على أمرها على رأس أتباع مسلمين كثيرين بمثابة زيارة محفوفة بالمصاعب، بل خطرة فى الواقع. وليس لدينا وصف موثوق به عن هذا الاجتماع: ففى رواية أن هذين الشخصين العجيبين تفاهما، واعترف كل منهما برسالة الآخر، واتفقا على أن يوحدّا دينيهما ومصالحهما الدنيوية، وتزوجا فعلا، بل أن المتنبئة بقيت مع مسيلمة حتى ساعة وفاته المفجعة. ويحفظ لنا الطبرى تفصيلات عن هذا الزواج تتسم بالفحش، بل هى على الأرجح من نسج الخيال. ولا شك فى أن هذا القران كان أقرب إلى الحلف السياسى منه إلى الشهوانية. وقد
стр. 5498
احتفل بالزواج بحسب قول هذه القصص فى الحديقة المسوّرة نفسها التى لقى فيها مسيلمة حتفه.
وتقول رواية أخرى إن مسيلمة هجر سجاح بعد أن تزوجها فعادت إلى قومها. وثمة رواية ثالثة لا تذكر شيئًا من أمر هذا الزواج، وتقول إن مسيلمة حاول إقناع منافسته وخليفته المنتظرة بمهاجمة المسلمين مؤملًا بذلك أن يتخلص منها، بيد أنها رفضت. فعرض عليها نصف محاصيل اليمامة فى تلك السنة إذا ارتضت الرحيل عن منازله، ولكنها أبت إلّا إذا وعدها بنصف محصول السنة التالية أيضًا فوعدها، فرحلت تحمل الجزء الأول من الغنيمة تاركة ممثليها مع مسيلمة لإنتظار البقية، وعادت إلى قومها، على أنها لم تحصل قط على الجزء الثانى من الثمن، ذلك أن خالدًا كان قد غلب مسيلمة على أمره وذبحه قبل حلول موعد المحصول التالى. ومهما يكن من أمر النتيجة التى انتهت إليها علاقة سجاح بمسيلمة فإن مستقبلها إما أن يكون قد اندمج فى مستقبله أو انقطع بعد حين قصير بسبب صدّه لها، ولم نسمع شيئا أكثر من ذلك عن رسالتها. وقد أجمعت الروايات كلها على أنها عادت إلى قبيلتها التى ولدت بينها وعاشت مغمورة بين أهلها. وفى رواية لابن الكلبى أنها دخلت فى الإسلام عندما انتهى رأى أسرتها إلى الاستقرار فى البصرة التى كانت قد غدت المركز الأكبر لبنى تميم فى عهد بنى أمية، وعاشت مسلمة وماتت مسلمة، ودفنت بعد الصلاة عليها وإقامة ما يقام فى مثل هذه الأحوال من شعائر.
المصادر:
(١) الطبرى (طبعة ده غوى de Goeje)، جـ ١ , ١٩١١ - ١٩٢٠.
(٢) البلاذرى، (طبعة ده غوى de Goeje)، ص ٩٩ - ١٠٠.
(٣) كتاب الأغانى، جـ ١٨، ص ١٦٥.
(٤) ابن خلدون: العبر، بولاق ١٢٨٤ هـ، جـ ٢، الملحق، ص ٧٣.
(٥) Skizzen und Vorarb: Wellhausen جـ ٦، ص ١٣ - ١٥.
стр. 5499
(٦) Annali dell'Islam: Gaetani العام الحادى عشر للهجرة الفصل ١٦٠ - ١٦٤ و ١٧٠ - ١٧٣ والعام الثانى عشر للهجرة. الفصل ٩٢ - ٩٣.
(٧) فانى: دابستان، ترجمة shea and Troyer (لندن)، جـ ٣.
صبحى فكَّا [V.Vacca]
السجاوندى
أبو الفضل (وفى روايات أخرى أبو عبد اللَّه أو أبو جعفر) محمد بن طيفور الغزنوى: من القراء، توفى حوالى عام ٥٦٠ هـ (١١٦٤/ ١١٦٥ م)؛ واشتهر بصفة خاصة بمصنفاته التى وضعها فى تجويد القرآن الكريم، ولو أنه عنى أيضًا بتفسير القرآن الكريم والنحو؛ وقد شرع فى وقت مبكر جدًا فى وضع قاعدة للابتداء مصحوبة بعلامات مميزة شتى للوقف فى تلاوة القرآن الكريم ثم استرسل فى بيان هذه القاعدة فى مصنفه الذى كتبه عن هذا الموضوع وعنوانه "كتاب الوقف والابتداء" وقسم أوجه الوقف المحتملة إلى خمسة أنواع، واستحدث علاوة على هذا حرفًا من حروف الهجاء رمزا لكل نوع: ١) وقف لازم (م)؛ ٢) وقف مطلق (ط)؛ ٣) وقف جائز ج)؛ ٤) وقف مجوّز لوجهٍ (ز)؛ ٥) وقف مرخصٌ ضرورة (ص أو ض)؛ وسرعان ما شاعت طريقته موسعة بعض التوسع، ومن ثمَّ نجد فى النسخ الشرقية المتأخرة من القرآن (ما عدا النسخ المغربية) علامات الوقف وقد وضعت إما وفقًا لطريقته أو بطريقة تستند إليها.
المصادر:
(١) حاجى خليفة: كشف الظنون، طبعة Flugel، جـ ٣، ص ٣٢٦؛ جـ ٤، ص ٢٨٤، جـ ٥، ص ١٧٠؛ جـ ٧، ص ٨٥٨.
(٢) السيوطى: طبقات المفسرين، طبعة A.Meursinge (ليدن)، رقم ٩٨.
(٣) السيوطى: الإتقان فى علوم القرآن (القاهرة ١٢٨٧)، جـ ١، ص ١٠٥ وما بعدها.
стр. 5500
(٤) traite des pauses dans la lecture de l'Alcoran: S. de Sacy Noticed,un (N.E، ج ٩، ص ١١١ - ١١٦).
(٥) Geschichte des Qorans: Th.Noldeke-Schwally.
(٦) G. A. L.: Brockelmann، جـ ١، ص ٣٨٧ وما بعدها.
صبحى [باريه R. Paret]
السجاوندى
سراج الدين أبو طاهر محمد بن محمد بن عبد الرشيد، فقيه من الحنفية، لمع نجمه حوالى عام ١٢٠٠ م؛ ومصنفه "كتاب الفرائض" المعروف باسم "الفرائض السراجية" أو "السراجية" فحسب، وهو يبحث فى قانون المواريث، كتاب مشهور كثير الاستعمال، ويعد العمدة فى هذا الموضوع؛ وكان صاحب الترجمة نفسه أول من علق عليه، ثم كثرت منذ ذلك الحين طبعاته وشروحه على يد علماء آخرين حتى يومنا هذا، وكانت بعض هذه الطبعات أيضا باللغتين التركية والفارسية.
المصادر:
(١) حاجى خليفة. كشف الظنون، طبعة Flugel، جـ ١ ص ٢٤٨؛ جـ ٢ ص ٢٠٧ وما بعدها و ٥٦٢؛ جـ ٣، ص ٣٢٥ و ٣٧٦ و ٣٨٤ و ٤٨٢؛ جـ ٤, ص ٣٩٩ - ٤٠٦.
(٢) Ibn Kutlubuga's Tabakat der Hanefitten: G. Flugel Abhandlungen der)، D.M.G جـ ٢، رقم ٣) رقم ١٦٦.
(٣) Les manuscrits arabes de la Zoouyah d'El Hamel: R. Basset، رقم ٣١ (Giornale della Societd Asiatica Halina جـ ١٠، ص ٥٨ - ٦٤).
(٤) Die Classen der hanefitischen sechts. gelehrten: G. Flugel Abhandlungen der phil-hist Classe der Kgl. Sachs Gesellschaft der Wissenschafren)، جـ ٣، ١٨٨١). ص ٣١٨
(٥) G.A.L.: Brockelmann، جـ ١، ص ٣٧٨.
صبحى [باريه R. Paret]