← Джавами‘

Джавами‘ · id 16521

موجز دائرة المعارف الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (10 087 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

يريم وسقطرى وغيرهما يبلغ ... ر ٥٦ نسمة، وعدد سكان جزائر البحرين يبلغ ٨٩.٠٠٠؛ أما تقدير عدد السكان فى الأجزاء المستقلة من بلاد العرب مثل نجد وحضرموت وغيرهما، الذى يذهب إلى أن عدد سكانها يبلغ ٢.٥٠٠.٠٠٠ نسمة حسب تقدير زويمر ٣.٥٠٠.٠٠٠ حسب تقدير هارتمان، وعدد سكان الحجاز واليمن وكانا تحت حكم الترك، ١.٠٥٠.٠٠٠ فكلها تقديرات اجتهادية. على أن العرب ليسوا محصورين فى حدود بلاد العرب وحدها، فمنذ بداية القرن الثالث الميلادى أخذ العرب يهاجرون جماعات متفرقة إلى الشمال، وكان من نتائج هذا أن استقروا تدريجًا فى فلسطين والشام وبلاد الجزيرة ثم استغلوا فيما بعد النزاع الذى نشب بين الروم والفرس، فهاجرت طوائف كثيرة من البدو واستقرت فى المناطق الخصبة الواقعة على حدود بلادهم الأصلية القاحلة؛ وحركة الهجرهّ هذه بلغت غايتها بانتشار الجنس العربى انتشارًا واسعًا وساعد ذلك فتوحات القرن السابع الميلادى التى انتهت باستيلاء العرب على بعض الولايات البوزنطية الغنية وإخضاع بلاد الفرس بأكملها. وانتشرت لغة العرب تدريجًا فى معظم بلاد الشام ومصر وشمالى إفريقية، وهذا دليل على تغلغل الدم العربى فى سكان هذه البلاد. واستمر تيار الهجرة، وإن يكن فى غير تواصل، فهاجر كثير من العرب إلى إفريقية عن طريق البحر الأحمر واتجه تيار آخر من تيارات الهجرة نحو الشرق عن طريق المحيط الهندى، ولم يأت منتصف القرن الثامن الميلادى إلا وقد وصل تجار العرب إلى الصين، وكان منهم عدد كبير فى كانتون. وهناك محلات تجارية للعرب متفرقة فى جزائر الملايو، وقد استقرت جماعات صغيرة من العرب فى عهود تاريخية مختلفة على شواطن الهند البريطانية، وذهب أفراد منهم إلى معظم جهات العالم الإسلامى، وبخاصة ما كان الوصول إليه منها ميسورًا عن طريق البحر. على أنه لم يحاول قط تقدير جملة هؤلاء العرب الذين يعيشون خارج حدود شبه الجزيرة العربية باعتبارهم طوائف منفصلة عن

стр. 737

السكان المسلمين مع أنهم جزء من هؤلاء السكان. ولدينا إحصاءات دقيقة لبعض الأقطار الأسيوية الخاضعة للحكم الأوروبى، ففى الهند -حيث يعنى ببيان التنوع فى الاعتقادات الدينية- بلغ عدد المسلمين حسب تعداد عام ١٩١١ م: ٦٦.٦٤٧.٢٩٩ نسمة من مجموع السكان البالغ ٣١٥ مليونًا (١) والمسلمون فى الهند يزدادون بنسبة أكبر من نسبة ازدياد الهندوس، ففى العشر السنوات التى انتهت بعام ١٩٠١ م كانت نسبة الزيادة فى الهنود جميعا ٢.٤ % فى حين أنها كانت ٨.٩ % فى المسلمين منهم، وفى العشر السنوات التى تلتها زاد عدد المسلمين بنسبة ٦.٧ % بينما كانت الزيادة فى الهندوس ٥ % فقط، وربما كانت الدعوة إلى الإسلام بعض السبب فى هذه الزيادة، ولكن يبدو أن العامل الأقوى للزيادة المطردة فى عدد المسلمين هو أن عاداتهم الاجتماعية أشد ملاءمة لكثرة المواليد من عادات الهندوس. فقيود الزواج عندهم أقل، وكثيرا ما تتزوج أراملهم، والانتقال من دين إلى دين نادر، ولكن الذين يتحولون من الإسلام إلى النصرانية فى شمال الهند -وبخاصة فى البنجاب- يعدون بالآلاف (- The Mohammedan World of to day ص ١٧٠، ٩٢٤). وقد تحول عدد من المسلمين الذين يجرى فى عروقهم دم الهندوس إلى الهندوسية متأثرين بدعوة مبشرى آريا سَماج أما فى جزيرة سيلان فبالرغم من الصلات التجارية القوية التى تربط العرب بهذه الجزيرة فإن الإسلام لم ينتشر فيها انتشارًا واسعًا. وفى عام ١٩١٢ م بلغ عدد المسلمين ٢٨٤.٠٠٠ من جملة عدد سكانها البالغ أربعة ملايين، وتعوزنا الإحصاءات الوافية عن شبه جزيرة الملايو والجزر الواقعة هناك، ويقدر زويمر أن عدد سكان ولايات الملايو المتحدة والجماعات التى تقطن المضايق من المسلمين يبلغ ٦٧٣.١٥٩ بينما يقدر هارتمان ضعف هذا العدد تقريبًا. وقد دخل الإسلام إلى ملَقَا من ناحية الهند وانتشر على طول الطريق

стр. 738

التجارى الذاهب إلى جاوة وغيرها من جزر الأرخبيل. وفى عام ١٩٠٥ م كان عدد المسلمين فى جزر الهند الهولاندية ٣٥.٠٤٣.٢٥ منهم ٢٩.٦٠٥.٦٥٣ فى جاوة (١) ويقال إن هذا العدد آخذ فى الازدياد بسرعة نظرًا لدخول كثير من الوثنيين من سكان البلاد فى الإسلام. ومن جهة أخرى نجد البعوث التبشيرية المسيحية قد نجحت فى السنوات الأخيرة فى تنصير عدد من مسلمى جاوة، ويقال إن أكثر من ثلثمائة مسلم يتنصرون كل عام وفى سنة ١٩٠٦ م كان عدد المسلمين الذين اعتنقوا المسيحية ١٨٠٠٠ (The Mohammedan World of to - day ص ٢٣٧). أما فى سومطرة فإن هيئات التبشير تزعم أنها نصرت ٦٥٠٠ وعمّدت ١١٥٠ من المسلمين، وذلك منذ سنة ١٨٦٠ م (نفس المصدر، ص ٢٢٢، ٢٢٨). ولم ينجح الإسلام فى توطيد نفوذه فى سيام، غير أنه انتشر بعض الشئ فى الشمال لاتصال سكانه بأهالى ولايات الملايو، وفى المدن الساحلية أيضا لاتصال سكانها بأهالى أرخبيل الملايو، وليست جملة المسلمين فى سيام بأكثر من ٣٠٠.٠٠٠ وفى بعض الجهات الأسيوية الأخرى الخاضعة للحكم الأوروبى نجد أن عدد المسلمين فى الممتلكات الفرنسية بالهند الصينية ١.١٤٦.٠٠٠ من عدد السكان البالغ ١٧.٨٠٠.٠٠٠ نسمة، وفى المستعمرات الروسية الأسيوية- بما فيها بلاد القوقاز- يبلغ عدد المسلمين ١١.٩٦٦.٧٠٠ نسمة من جملة عدد السكان البالغ ٢٥.٠٠٠.٠٠٠ تقريبا. وفى جزائر الفيلييين الخاضعة للحكم الأمريكى يبلغ عدد المسلمين ٢٧٧.٥٤٧ من جملة السكان البالغة ثمانية ملايين ونصف المليون. ولكننا إذا انتقلنا إلى الممالك التى تفتقر إلى طرائق الإحصاء الدقيق على المنهج الأوروبى فإنه يخامرنا كثير من الشك فى إحصاءاتها، فقد زعمت بعض هيئات التبشير المسيحية أن عدد المسلمين فى بلاد الفرس لا يتجاوز خمسمائة ألف من عدد السكان البالغ خمسة ملايين؛ أما بلاد الأفغان فيظن

стр. 739

أن عدد المسلمين فيها نحو أربعة ملايين. وكانت أول محاولة جدية لإحصاء المسلمين فى بلاد الصين، للك المحاولة التى قام بها برومهول Broomhall ودولونى D'Ollone وقد قدر أولهما عدد المسلمين بـ ٨.٤٢١.٠٠٠ (Islam ,China ص ٢١٥) بينما يذهب الثانى إلى أن عددهم أربعة ملايين فقط (Rechercher sur les Musulmans Chinois ص ٤٣٠)، وهذان التقديران يباينان مباينة تامة المبالغة فى التقديرات التى عملت فى القرن التاسع عشر والتى ذهبت إلى أن عدد المسلمين فى الصين كان عشرين أو ثلاثين مليونا، بل ذهبت إلى القول أيضا بأن عددهم كان سبعين مليونا، على أن بعض هيئات التبشير المسيحية تعتبر أن أحدث التقديرات أقل كثيرًا من الواقع. ولكن مهما تكن نسبة المسلمين فى الصين إلى عدد سكان البلاد، فمن الراجح أن عددهم كان أكبر بكثير قبل حدوث المذابح التى اضطهد فيها المسلمون فى ثوراتهم الكبيرة اضطهادًا كبيرًا وقد أحصى دولونى هذه الثورات (المصدر السابق ص ٤٣٦) ويقال إن ملايين من المسلمين هلكوا فيها. أما فى بلاد التبت فيقال إن عدد المسلمين فيها ٢٨.٥٠٠ معظمهم جاءوا من الصين وكشمير، وقليل منهم من تحول عن دينه إلى الإسلام أو تحول أسلافهم عن دينهم إلى الإسلام. ولم يكثر المسلمون فى بلاد اليابان، فقد اعتنق الإسلام فى السنوات الأخيرة نحو مائتى يابانى فى بلاد اليابان نفسها، أما جزيرة فرموزه ففيها ٢٥.٥٠٠ مسلم. أما فيما يختص بأقدم الأقطار الإسلامية التى يشملها الحكم العثمانى فى آسية فى الوقت الحاضر (١) - إذا استثنينا منها الجهات المستقلة فى بلاد العرب- فقد عملت تقديرات مختلفة لعدد المسلمين فيها. ويقول هارتمان إن عددهم ١١.١٩٠.٠٠٠، أما زويمر فيذهب إلى أن عددهم ١٢.٢٧٨.٨٠٠، ولكنا مضطرون إلى اعتبار أن هذه التقديرات تقريبية بحتة لعدم وجود

стр. 740

الإحصاءات الدقيقة (A' de la Jonquriere: Histoire nde LEmpire Ottoman باريس سنة ١٩١٤، ص ٤٥٧ وما بعدها). وإفريقية هى القارة التى تلى آسية مباشرة فى كثرة السكان المسلمين. ولكننا نفتقر كل الافتقار إلى البيانات التى تخول لنا صدق الحكم فى هذا الموضوع، فإن التقديرات التى عملت عن عدد المسلمين فى إفريقية، بما فى ذلك أحدثها عهدًا، تقدر عددهم تقديرًا يتراوح بين ٤٢ مليونًا و ٧٦ مليونًا وأدق هذه التقديرات كلها هو تقدير الأستاذ وسترمان Westermann .D الذى أخذ به زويمر، وهو يذهب إلى أن عدد المسلمين فى إفريقية يبلغ ٤٢.٠٣٩.٣٤٩ موزعين على الوجه الآتى: ٥٠٠.٠٠٠ فى بلاد الحبشة (١) و١٠.٢٦٩.٤٤٥ فى مصر (٢) و ٢٨٠.٠٠٠ فى ليبريا، أما بقية أقطار هذه القارة فهى مستعمرات أوروبية ونجد فى معظمها إحصاءً دقيقًا. وعدد المسلمين هى المستعمرات البلجيكية ٦٠.٠٠٠، وفى المستعمرات الفرنسية ١٥.٠٨٥.٠٠٠ وفى المستعمرات الألمانية ١.٤٨٠.٠٠٠ وفى المستعمرات البريطانية ١٢.٥٣٩.٩٠٤، وفى المستعمرات الإيطالية ١.٣٦٥.٠٠٠، وفى المستعمرات البرتغالية ٣٣٠.٠٠٠، وفى المستعمرات الأسبانية ١٣٠.٠٠٠. وإحصاء المسلمين فى البلاد الإفريقية اجتهادى بالضرورة، إلا أننا مع هذا نستطيع ألاعتماد بعض الشئ على تعداد المسلمين فى الممالك التى كل سكانها منهم مثل: مراكش وعدد المسلمين فيها ٣.١٠٠.٠٠٠ (٣) من جملة عدد السكان البالغ ٣.٢٢٠.٠٠٠ (٤) وكذلك فى الجهات التى أسلم فيها قسم من السكان بجملته مثل قبيلة الهوسا وقبيلة الفلبه، وما زال الإسلام آخذًا فى الانتشار بين القبائل الوثنية، وفى كل عام يزداد عدد المسلمين بمن يدخل فى دينهم من هؤلاء الوثنيين.

стр. 741

أما فى أوروبا فالأمر على عكس ذلك، لأن نفوذ الإسلام فيها آخذ فى الاضمحلال. وليس فى الإمكان تقدير عدد سكان الأندلس فى أزهى عصورها الإسلامية، على أن عدد المسلمين واليهود معاً بلغ عام ١٤٩٢ م ما يربو على مليونين، وعندها طرد فيليب الثالث البقية الباقية من المسلممين عام ١٦٠٩ - ١٦١٥ م كان عدد من ترك البلاد حوالى ٥٠٠.٠٠٠ انظر: The Mnriscos of Spain: H. C Lea ص ٣٥٩، لندن ١٠٩١ م). وفى الوقت الحاضر نجد أن المسلمين فى أوروبا ينحصر وجودهم غالباً فى الروسيا وفى البلدان التى كانت جزءاً من أملاك الدولة العثمانية فى أوائل القرن التاسع عشر. ويبلغ عدد المسلمين فى روسيا أوربا حوالى ٣.٥٠٠.٠٠٠ (١) ولكن لم يكن هناك تعداد دينى فى الإمبراطورية الروسية منذ ١٨٩٧ م ومعظم هؤلاء المسلمين من الجنس المغولى. ولكن الإسلام انتشر إلى حد كبير بين القبائل الفنية Finnish . مثل الجرمس Chere miss والفوتياك Votiaks والَجَواش Chu vash وقد زاد عدد الداخلين فى الإسلام منذ صدور مرسوم عام ١٩٠٥ م الذى كفل حرية المعتقد. والاحصاءات الدينية الخاصة بشبه جزيرة البلقان تعوزها الدقة إلى حدّ كبير، بل إن التقديرات الرسمية لا تخلو مما يثير الشك الكثير من ناحية تلفيقها كى تلائم بعض المصالح الدينية والعنصرية. ويقال أن عدد المسلمين فى تركية أوروبا بلغ عام ١٩٠٠ م حوالى ٣.٢٠٠.٠٠٠ فى حين كتب هارتمان عام ١٩٠٩ م أن عددهم ٣.٢٩٥.٠٠٠، وعددهم فى بلغاريا ٦٠٣.٨٧٦ من مجموع السكان البالغ حوالى أربعة ملايين ونصف مليون، أما فى رومانيا فيبلغ عدد المسلمين حوالى ٤٣.٧٠٠ يعيش معظمهم فى دبروجه. وفى الصرب عام ١٩١٠ م كان عددهم ١٤.٤٣٥، وفى الجبل الأسود ١٤.٠٠٠، ويقال إن مجموع مسلمى ألبانيا بلغ ٢٣.٤٠٠٠ منهم.

стр. 742

١٢.٠٠٠ من الغجر و ٤٠.٠٠٠ من الصرب و ٢٦.٠٠٠ من الألبان. ولا يزال فى بلاد اليونان ٢٤.٠٠٠ مسلم بينما نقص عددهم فى جزيرة إقريطش إلى ٢٧.٨٥٢ وكانوا عام ١٩٠٩ م حوالي ٢٣.٤٩٦ مع أنهم كانوا عام ١٨٨١ م يزيدون عن ٧٣.٠٠٠. وفى البوسنة والهرسك كان بين سكان الصرب الوطنيين ٦١٢.١٣٧ مسلماً، أما فى أجزاء الإمبراطورية النمساوية الأخرى ففيها غير هؤلاء ١.٤٥٠ مسلماً. أما فى البلاد الأوربية الأخرى - وخاصة فرنسا وبريطانيا العظمى- فكان بها بعض الجماعات الإسلامية الصغيرة مبعثرة هنا وهناك، ومعظم أفرادها من أصل إفريقى أو أسيوى وإقامتهم فى تلك البلاد موقوتة. وقد زادت الهجرة والنشاط التجارى ٨.٠٠٠ مسلم إلى عدد السكان فى أمريكا الشمالية و ١٦٦.٠٠٠ فى أمريكا الوسطى والجنوبية، بما فى ذلك جزائر الهند الغربية حيث نجد ١٠.٤٩٩ مسلماً فى ترنداد و ٣.٠٠٠ فى جاميكا. أما فى أستراليا فهناك ١٩٥.٠٠٠ مسلم يعيش معظمهم فى بيرث، perth. المصادر: (١) Verbreitung des: Hubert Jansen Landern der Isldms in den verschiedenen Erde، برلين سنة ١٨٩٧ م وهو أول من حاول أن يعطينا إلمامة إحصائية شاملة عن المسلمين، إلا أن أرقامه مبالغ فيها غالباً، وقد أثبتت الأبحاث الحديثة أن التقدير القريب من الصواب ينقص كثيراً عن الأرقام التى أعطاها. (٢) Der Islam Ges-: Martin mann chichte Glaube - Rechi، ليبسك سنة ١٩٠٩ م، وهو يعطينا إحصاءات تفصيلية ولكنه لا يذكر المصادر التى استقى منها. (٣) ويعطينا S.M Zwemer فى الفصل الثالث من كتابه Mohmmed or Christ لندن، سنة ١٩١٦ م تعداداً لعدد المسلمين فى العالم مع ذكر المصادر التى أخذ عنها. (٤) وهناك أبحاث منفصلة عن إحصائيات بعض البلاد الإسلامية:

стр. 743

مثل: (أ) Islam in Ghina: M. Broomhall لندن سنة، ١٩١٠ م (ب) S.Bobrovnik Moslems in Russia: off فى The Moslem World المجلد الأول، لندن سنة ١٩١١ م. (جـ) Westermann . D: Der Islam in West -und Zentr al - Sudan (Die Welt des Is - (Iams، جـ ١، ص ٨٥ وما بعدها، برلين ١٩١٣ (د) Statistik: G. Kampffimeyer -Mohammedaner auf der Bal der kanhalhinsel and in nsterreich، جـ ١، ص ٣٢ - ٣٣. (٥) أما عن إفريقية وآسية فانظر Mohammedan World of to - day The نيويورك سنة، ١٩٦٠ م. (٦) وتعطينا كل من الحكومتين البريطانية والهولندية تفصيلات عن انتشار الإسلام فى ممتلكاتهما فى النشرات الرسمية التى تذيعانها كل عشر سنوات Kaloniaal Verslag, Census of india (٧) والاحصائيات الدينية ترد فى The Statesman's Year Book، التى تطبع سنويا فى لندن. (٨) وفى مجلة العالم الإسلامى التى تصدر بالفرنسية مقالات مدعمة بالإحصائيات الخاصة بعدد المسلمين فى أقطار مختلفة (انظر الفهرس العام الخاص بمجلداتها من ١ - ١٦، باريس ١٩١٢ م). [أرنولد T.W. Arnold] كلمة إسلام (١) أصلها - معناها - تطوراتها أ - النظريات المختلفة فى صلة المعنى الشرعى لكلمة "إسلام" بالمعنى اللغوى الأصلى: ١ - مقدمة فى تسمية الدين المحمدى بـ "الإسلام" -المعانى الشرعية أو الدينية ووثاقة الصلة بينها وبين المعانى اللغوية. ٢ - جملة آراء الإِسلاميين فى المعنى اللغوى الذى يرجع إليه المعنى الشرعى للفظ "إسلام" على ما ذكره الرازى. ٣ - آراء المحدثين فى ذلك مع تعليق على هذه الآراء: جولدتسيهر، أرنولد، بابنجر، سيد أمير على، إدوارد سل، كارا دى فو. * * *

стр. 744

١ - الدين الذى جاء به محمد بن عبد الله النبى العربى المولود بمكة سنة ٥٧١ م المتوفى بالمدينة سنة ٦٣٢ م معروف باسم "الإسلام" منذ عهده الأول. وقد يسمى السلم بكسر السين والسَلْم بفتحها علىَ ما ذكره "لسان العرب". وهذه الأسماء الثلاثة هى ألفاظ عربية المادة والصيغة، فلها عند العرب معان هى حقائق لغوية. ولما استعملت النصوص المقدسة الإسلامية هذه الألفاظ فى الدلاله على الدين الإسلامى، كان ذلك بالضرورة تصرفاً فى المعنى اللغوى الأصلى. وقد جرى عرف العلماء على تسمية الألفاظ المستعملة فى معان وضعها لها الشرع بالأسماء الشرعية كالصلاة والزكاة، والحج، وكالإيمان، والكفر وربما خص ما يتعلق بالعقائد مثل الإيمان، والكفر والإسلام، بالأسماء الدينية. ويذكرون فى كتب أصول الفقه خلافاً فى الأسماء الشرعية نفياً وإثباتاً فى الوقوع على معنى أن ما استعمله الشارع من أسماء أهل اللغة كالصوم، والإيمان، هل خرج به عن وضعهم إلى وضع مستحدث، أم لم يخرج به عن وضعهم، وإنما استعمله استعمالا مجازياً جارياً على أساليبهم؟ قال بالأول القاضى أبو بكر الباقلانى المتوفى سنة ٤٠٤ هـ (١٠١٣ م)، وقال بالثانى المعتزلة والخوارج والفقهاء. ويستفاد من هذا البحث الذى فصّله سيف الدين أبو الحسن على الآمدى المتوفى سنة ٥٨٣ هـ (١١٨٦ م) فى كتاب "الأحكام فى أصول الأحكام" (جـ ١، ص ٤٨ - ٦١) أن علماء الإسلام يعتبرون المعانى الشرعية متفرعة من المعانى اللغوية وثيقة الصلة بها. ٢ - وقد عني المفسرون، والمتكلمون واللغويون، وغيرهم من الباحثين برد المعنى الشرعى للفظ "إسلام" إلى أصله اللغوى. وجمع الفخر الرازى المتوفى سنة ٦٠٦ هـ (١٢٠٩ م) فى تفسيره جعلة المذاهب فى ذلك فقال: "وأما الإسلام ففى معناه فى أصل اللغة ثلاثة أوجه:

стр. 745

الأول - أنه عبارة عن الدخول فى الإسلام أى فى الانقياد والمتابعة، قال تعالى ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ﴾ (سورة ٤، النساء مدنية الآية ٩٤) أى لمن صار منقاداً لكم ومتابعاً لكم. والثانى - من أسلم أى دخل فى السلم كقولهم: أسنى، وأقحط. وأصل السلم السلامة. الثالث - قال ابن الأنبارى المتوفى سنة ٣٢٨ هـ (٩٣٨ هـ): المسلم معناه المخلص لله عبادته، من قولهم: سلم الشيء لفلان خلص له، فالإِسلام معناه "إخلاص الدين والعقيدة لله تعالى" جـ ٢، ص ٤٢٣، المطبعة الخيرية. عام ١٣٠٨ هـ). ٣ - أما المحدثون فجمهرة المستشرقين منهم ترى أن اسم "إسلام" يرجع إلى معنى من الطاعة والخضوع غير إرادى، أى التسخير لإرادة قاهرة. يقول جولدتسيهر: "إسلام بمعنى خضوع، أى خضوع المؤمن لله. وهذه الكلمة - التى هى أوفى من كل كل كلمة غيرها فى تعيين المنزلة التى جعلها محمد [ ﷺ ] للمؤمن فى علاقته بمعبوده - عليها طابع ظاهر من الشعور بالتبعية لقدرة لا تحيط بها حدود، ويجب على الإنسان أن يستسلم لها متبرئاً من كل حول له وقوة". ("عقيدة الإسلام وشريعته"، ص ٢). ويشير إلى مثل ذلك القول "أرنولد" فى الفصل الذى كتبه عن "الإسلام" فى دائرة المعارف الإسلامية. ولا يختلف ما ذكره "بابنجر" فى الفصل الذى كتبه عن الإسلام فى كتاب "أديان العالم" عن كلام "جولدتسيهر" فى شئ. وقد تنبه "سيد أمير على" الهندى إلى أن أمثال هؤلاء المستشرقين اعتبروا معنى الانقياد الذى فسر به لفظ "إسلام" انقياداً مطلقاً لإرادة لا حدود لسلطانها ولا كسب لأحد معها، فجاء يبين فى كتابه "روح الإسلام" أن ليس فى استعمال كلمة إسلام لغة أو شرعًا ما يدل على معنى الانقياد المطلق والخضوع المتضمن لمعنى الجبر كما يفرضه عادة أكثر الباحثين من علماء الغرب. على أن "سيد أمير على" يقرر

стр. 746

أن المعنى الشرعى "للإسلام" هو الكد فى تحرى الرشد والتماس الفلاح بتزكية النفس، كما يؤخذ من الآيات ١٤ س ٧٢ - الجن مكية، ٧ - ١٠ س ٩١ - الشمس مكية. وذلك يستلزم معنى الطاعة الإرادية ظاهرا وباطناً. "والرشد" هو الهدى والفلاح، وهو الذى يهدى إليه القرآن الكريم من تصديق خبر الله وامتثال أمره كما فى كتاب "مفتاح دار السعادة" لابن قيم الجوزية المتوفى سنة ٧٥١ هـ (جـ ١، ص ٤٠، ٤٢). وبهذا البيان يتضح ما فى كلام (إدواردسل) من التعسف فى تأويل رأى أمير على. (مقال (دوارد سل عن الإسلام فى دائرة المعارف الدينية والخلقية جـ ٧). يرى إدوارد سل أن اعتبار المؤلفين الأوربيين أن لفظ "إسلام" يعبر عن الإذعان التام لإرادة الله فى كل شئون العقائد والأحكام توسع فى فهم معنى اللفظ، إذ هو إنما يدل على معنى أخص من الإذعان المطلق، فهو إنما يدل على الإذعان العملى، ويستشهد بقول "سيد أمير على" إن الإسلام هو تحرى الرشد. ثم يحاول إدوارد سل أن يجعل جملة ما ورد فى القرآن الكريم من لفظ "إسلام" ومشتقاته مؤدياً معنى الانقياد الظاهر والطاعة بالجوارح. ويزعم أن المفسرين يبدو أنهم مجمعون على استعمال اللفظ فى معنى آلي، ويقول إن هذا يتفق مع عدم ورود كلمة "إسلام" فى السور الأولى، إذ هى لم ترد إلا ثمانى مرات منها ست فى السور المدنية واثنتان فى السور المكية الأخيرة. ويرجع ذلك إلى أن أركان الدين العملية لم تصر جزءا منه على وجه قاطع حتى كوَّن محمد [ ﷺ ] دينه فى المدينة. ويخلص من ذلك إلى أن لفظ "إسلام" عندما ينظر إليه من وجهة النظر المحمدية يفقد كثيرا من جماله الروحى الذى تجمع حول فكرة الخضوع التام لإرادة الله ويصبح مؤيداً للمبدأ اليهودى القائل بأن المهم ليس هو روح الشريعة، بل المهم هو مراعاة الأداء الصوري لواجبات ظاهرة خاصة. ودعوى "إدوارد سل" أن كلام سيد أمير على يفيد قصر الإسلام خضوع الجوارح دون خضوع القلب لا يمكن

стр. 747

يؤخذ من عبارات سيد أمير على وليس فى كتابيه ما يؤيدها. ومحاولة إدوارد سل أن يجعل جملة ما ورد فى القرآن الكريم من لفظ "إسلام" وما اشتق منه مؤديا معنى الانقياد الظاهر والطاعة بالجوارح فقط، محاولة لا تقوم على أساس، لأن ما ذكر فى القرآن الكريم من لفظ "إسلام" وما اشتق منه مقابلا للإيمان ومخالفا له بحيث يدل الإسلام على العمل الظاهر، والإيمان على التصديق، لا يعدو ثلاث آيات على ما ورد فى كتاب "حجج القرآن" لأبي الفضل أحمد بن المظفر الرازى الحنفى (أتم كتابه سنة ٦٣٠ هـ = ١٢٣٢ م) أو لا يعدو أربعًا كما هو الواقع، إذ ترك صاحب الكتاب ى ٥ س ٦٦ التحريم مدنية. إما إجماع المفسرين على استعمال لفظ "إسلام" فى معنى آلي فغير صحيح كما يتضح لكل مطلع على التفاسير المختلفة للقرآن، وسيأتى ما يؤيد ذلك فيما يلى. وعدم ورود لفظ "إسلام" فى السور الأولى لا يُنتج ما يريد أن يستنتجه المؤلف، فقد وردت فى القرآن صيغة اسم الفاعل من أسلم فى ٣٩ آية المكيات منها ٢٤ والمدنيات ١٥، وبعض هذه المكيات فى سور غير متأخرة كما فى ى ٣٥ س ٦٨ - القلم مكية وهى السورة الثانية فى ترتيب نزول القرآن على ما نقله صاحب الفهرست عن نعمان بن بشير، وكما فى ى ١٤ س ٧٢ - الجن مكية التى ورد فيها الفعل أيضًا. ولكاراً دى فو رأى فى معنى كلمة "إسلام" وأصلها يبينه على الوجه الآتى: كان من يتبع إبراهيم يسمى حنيفاً، ومعناه المائل، لأنهم مالوا عن عبادة الأصنام التى كانت قد فشت فى العالم، أو يسمى المسلم أى الذى يجدد ويصون الشئ سالما، ذلك بأنهم جددوا أو صانوا التوحيد الخالص؛ وتفسير مسلم بأنه المستسلم لله أو المسلم نفسه لله أبعد غوراً فى التصوف من أن يكون المعنى الأصلى (كارا دى فو: مفكرو الإسلام، جـ ٣، ص ٥٥). وهذا الرأى غير وجيه من الناحية اللغوية، فإنه ليس فى مادة "إسلام"

стр. 748

ولا صورتها ما يؤيده على مقتضى أصول اللغة وقواعد الاشتقاق، وما علمنا بأن من مدلولات هذه المادة التجديد أو الصون ولا رأينا أن صيغة أفعل تفيد أحد هذين المعنيين. ب - النظرية الراجحة: ١ - المعنى اللغوى الذى يمكن أن يعتبر الأصل الأصيل لمعانى مادة "سلم" جميعها وباقى المعانى اللغوية. ٢ - المعنى الشرعى للفظ "إسلام" وما اشتق منه - نظريات المسلمين فى هذا المعنى الشرعى: أ - رأى من يذهب إلى أن للإسلام معنى شرعياً واحداً هو الإيمان. ب - رأى القائلين بأن للإسلام معنيين شرعيين. جـ - مذهب من يرى أن لفظ "إسلام" له ثلاثة معان شرعية. ٣ - أثر الفرق الإسلامية فى هذا الخلاف بل كونه من عملها. ٤ - الإشكال الذى يزعمون أنه دعا العلماء الإِسلاميين لأن يجعلوا للفظ "إسلام" معانى شرعية مختلفة - حل هذا الإشكال: القرآن يستعمل صيغاً مختلفة من مادة "سلم" فى معانيها اللغوية الحقيقية، ويستعمل بعض هذه الصيغ أيضًا فى معنى شرعى واحد غير متعدد مرتبط بالأصل الأول لمادة "سلم" ٥ - الدليل على أن معنى الإسلام الشرعى هو خلوص العقيدة. ٦ - ما حدث من التطور فى المعنى الشرعى للفظ "إسلام" -آثار المعنى الشرعى الأول فيما جد من التطور. ١ - من تأمل فيما ذكره اللغويون من معانى مادة "سلم" على اختلاف ألفاظها وصيغها متحرياً البحث عما يصلح أن يكون أصلا تتفرع عن سائر المعانى، وجد فى كتب اللغة المعتبرة مثل كتاب "الاشتقاق" لابن دريد و"الصحاح" للجوهرى و"المفردات فى غريب القرآن" للراغب الأصفهانى و"لسان العرب" لابن منظور و"المصباح المنير" للفيومى: السلام بكسر السين والسلم بكسر اللام الحجارة الصلبة، سميت بذلك

стр. 749

لسلامتها من الرخاوة، والواحدة سلمة، واستلم فلان الحجر الأسود هو افتَعل من السلِمة، وأن السلَم بفتحتين شجر عظيم له شوك ورقه القرظ يُدبغ به، واحده سلَمة بفتحتين أيضاً، كأنما سمى بذلك لاعتقادهم أنه سليم من الآفات، ويقال منه سلَمت الجلد بفتح اللام أسلِمه بكسرها إذا دبغته بالسّلَم. ولعل هذه المعانى هى التى ينبغى أن تكون الأصل الأول لمادة "سلم" وعنها تفرعت جميع الاستعمالات الأخرى. ذلك بأن هذه المعانى هى أمور مادية محسوسة قريبة إلى حياة البداوة، فهى أجدر أن تكون أصلًا لوضع المعانى المجردة. وقد ولّد العرب من هذه المعانى معانى أخر وضعية حقيقية قائمة على معنى الخلوص الذى هو ملحوظ فى المعانى الأولى. وهذه المعانى الحقيقية المولدة هى: ١ - معنى الخلوص من الشوائب الظاهرة أو الباطنة. وفى معاجم اللغة أن السلْم بفتح فسكون، والسلَم بفتحتين، والسِلْم بكسر فسكون، والسلام والسلامة، تكون بمعنى الخلوص والتعرى من الآفات الظاهرة أو الباطنة. ٢ - معنى الصلح والأمان. ويقول اللغويون: إن السلْم والسلْم بكسر السين وفتحها لَغتان فى الصلح، يذكران ويؤنثان كالسلام. ٣ - معنى الطاعة والإذعان. فالسلَم بفتحتين على ما فى كتب اللغة، والسلم بفتح فسكون، والسلْم بكسر فسكون: الاستسلام والإذعان والطاعة. ويردّ اللغويون السلام الذى هو من أسماء الله والسلام بمعنى التحية والدعاء، إلى معنى الخلوص والسلامة من المكاره، والآفات. ورد السّلَم بمعنى السلف إلى هذا المعنى غير عسير. وفعل أسلم يستعمل فى اللغة على وجهين: أحدهما: أن يستعمل لازما. والثانى: أن يستعمل متعدياً. واللازم يكون بمعنى الدخول فى السلم بمعنى الصلح أو الطاعة. وقد ذكر علماء الصرف أن صيغة أفعل اللازم

стр. 750

تأتى بمعنى الدخول فى شئ كأصبح بمعنى دخل فى الصباح، وأقحط: دخل فى القحط، وأعرق دخل فى العراق. وأما المتعدى فصيغة أفعل فيه للتعدية وهى تصيير الفاعل قبل دخول الهمزة مفعولا، فأسلم الشيء لفلان منقول بالهمزة عن سلم الشيء لفلان خلص له من غير منازع كسلمه له تسليما المنقول بالتضعيف، وحقيقة معناه أخلصه له وجعله له سالماً. ولفظ "إسلام" مصدر أسلم لازماً كان أو متعدياً، فهو صالح للدلالة على كل ما يدل عليه الفعل من المعانى السالفة. هذه هى جملة المعانى اللغوية لمادة "سلم" وما تفرع عنها، وقد ورد فى القرآن الكريم استعمال كثير من صيغ هذه المادة فى معانيها اللغوية: فورد معنى الخلوص والبراءة من الشوائب الظاهرة والباطنة فى الآية ٧١ من السورة ٢ - البقرة مدنية، وفى الآية ٨٩ س ٢٦ - الشعراء مكية، وورد فى غير هاتين الآيتين أيضاً. وجاء معنى الصلح فى مثل الآية ٣٥ سورة ٤٧ - محمد مدنية، والآية ٦١ س ٨ - الأنفال مدنية. واستعمل القرآن الكريم بعض صيغ هذه المادة فى معنى الانقياد والخضوع كما فى الآية ٢٦ س ٣٧ - الصافات مكية. ٢ - على أن القرآن الكريم استعمل لفظ "إسلام" وفعله والوصف منه فى معنى شرعى خاص. وقد اختلفوا فى هذا المعنى الشرعى على مذاهب ثلاثة: ١ - قال قائلون إن الإسلام هو الإيمان. والإيمان باتفاق أهل العلم من اللغويين وغيرهم التصديق كما فى لسان العرب، وذهب هذا المذهب الفخر الرازى فى تفسيره عند آية ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ الإسلام" مستدلا عليه. ب - قال آخرون إن لفظ "إسلام" يطلق فى لسان الشرع على معنيين: أحدهما الإيمان، والثانى معنى أعم من الإيمان وهو الانقياد بالقلب أو بالظاهر. وقد نقل هذا المذهب النووى فى شرحه على صحيح مسلم، عن الخطابى.

стр. 751

ومن القائلين بأن لفظ "إسلام" يطلق فى لسان الشرع على معنيين من يفسر هذين المعنيين بما فسرهما به الراغب الأصفهانى. فأحد المعنيين دون الإيمان، وهو الاعتراف باللسان. والثانى: فوق الإيمان، وهو أن يكون مع الاعتراف باللسان اعتقاد القلب، ووفاء بالفعل، واستسلام لله فى جميع ما قضى وقدّر (المفردات فى غريب القرآن الكريم). جـ - وقال قائلون إن الإسلام يطلق شرعا على ثلاثة معان. وعلى ذلك جرى الغزالي فى الإحياء، وهذه المعانى الثلاثة هى: أولا: إطلاق الإسلام بمعنى الاستسلام ظاهراً باللسان والجوارح مع إطلاق الإيمان على التصديق بالقلب فقط، وبذلك يكون الإيمان والإِسلام مختلفين. ثانياً: أن يكون الإسلام عبارة عن التسليم بالقلب والقول والعمل جميعًا، ويكون الإيمان عبارة عن التصديق بالقلب، فالإيمان أخص من الإسلام. ثالثاً: أن يجعل الإسلام عبارة عن التسليم بالقلب والظاهر جميعًا، وكذا الإيمان، وعلى هذا فالإسلام والإيمان مترادفان. ٣ - وأثر الفرق الإسلامية ظاهر قوى فى هذا الخلاف المرتبط بمسألة احتدم فيها النزاع بين الفرق، وهى مسألة الكفر بارتكاب الكبيرة. فالأشعرية لا يكفّرون أحدا من أهل القبلة بذنب يرتكبه ما لم يرتكبه مستحلا له غير معتقد تحريمه، خلافا للخوارج القائلين بأن مرتكب الكبائر يكفر ويزول عنه الإيمان، وخلافا للقدرية والمعتزلة القائلين بأنه يخرج من الإيمان ولا يدخل فى الكفر فيكون بين الكفر والإيمان (الإبانه للأشعرى ص ١٠ وشرح الفقه الأكبر لأبى منصور الماتريدى المتوفى سنة ٣٣٣ هـ ص ٢ - ٤ طبع الهند) بل إن الفرق جعلت مسألة المعنى الشرعى للإسلام والإيمان من أسس نزاعها صراحة، فالأشعرى يقول فى الإبانة: "ونقول إن الإسلام أوسع من الإيمان، وليس كل إسلام إيمانا" ص

стр. 752

١٠. ويقول الطبرسى الشيعي فى تفسيره "مجمع البيان": "والإسلام والإيمان بمعنى واحد عندنا وعند المعتزلة" جـ ١، ص ١٧٥ طبعة فارس سنة ١٣٠٤ هـ. فالخلاف على هذه المسألة إنما هو فى الحقيقة من تمحلات الفرق والتماسها دقائق البحث اندفاعاً وراء جموح النظر، فهو مصطنع اصطناعاً. ٤ - ولكنهم يريدون أن يلتمسوا سبباً لهذا الخلاف فى القرآن الكريم نفسه، وعندهم أن منشأه أن علماء الإسلام وجدوا فى آيات القرآن الكريم ما ذكر فيه الإسلام مقابلا للإيمان على وجه يشعر بالتغاير بينهما (ى ١٤ س ٤٩ - الحجرات مدنية، ى ٥ س ٦٦ - التحريم مدنية، ى ٣٥ س ٣٣ - الأحزاب مدنية، ى ٦٩ س ٤٣ - الزخرف مكية) كما وجدوا فى آيات ما يدل على أن الإسلام والإيمان واحد (ى ٨٤ س ١٠ - يونس مكية، ى ٣٥ و ٣٦ س ٥١ - الذاريات مكية، ى ١٧ س ٤٩ - الحجرات مدنية). وقد أرادوا التحلل من هذا الإشكال بأن جعلوا للإسلام فى لسان الشرع معانى مختلفة. على أن الأمر لا يدعو إلى ذلك، فإن القرآن الكريم استعمل من مادة "سلم" صيغاً كثيرة فى معانيها اللغوية كما استعملها العرب، ولكنه استحدث للفظ "إسلام" وما اشتق منه معنى واحداً شرعياً استعمله فى آيات غير قليلة، وهذا المعنى هو التوحيد وإخلاص النفس لله وحده لا يكون فيها لغيره شريك يعبد ويسمى إلهاً، وهو معنى مولد من المعنى اللغوى الذى هو الخلوص والسلامة، قال ابن دريد فى كتاب الاشتقاق (جـ ١، ص ٢٢): "واشتقاق المسلم من قولهم أسلمت لله أى سلم له ضميرى". أما سائر استعمالات القرآن الكريم لهذه المادة فاستعمالات لغوية جارية على الأوضاع والاستعمالات العربية الحقيقية، وقد ذكر ما يفيد ذلك الزمخشرى فى الكشاف عند تفسير آية ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾. ٥ - والدليل على أن معنى الإسلام الشرعى هو التوحيد وإخلاص الضمير لله من وجوه: أحدها: أن القرآن الكريم يقرر أن الدين واحد على لسان جميع الأنبياء

стр. 753

وهو الإيمان بما يجب الإيمان به، وإنما تختلف الشرائع أى الأحكام العملية (ى ١٣ س ٤٢ - الشورى مكية. يراجع تفسير الطبرى والكَشاف والرازى والبيضاوى، ى ٩٠ س ٦ - الأنعام مكية. يراجع الكشاف، ى ٤٨ س ٥ - المائدة مدنية. يراجع الطبرى ويراجع كتاب "مفتاح السعادة" الطبعة الأولى بمصر جـ ٢ ص ١٢٦، ١٢٧، وكتاب "حجة الله البالغة" جـ ١ ص ٦٨ - ٦٩). ودين الله الواحد الذى لا يدخله النسخ ولا يختلف باختلاف الأنبياء هو فى عرف القرآن الكريم المسمى إسلاماً (ى ١٩ و ٢٠ س ٣ - آل عمران مدنية. يراجع الكَشاف، وى ٨٤ و ٨٥ س ٣ - آل عمران مدنية. يراجع الكشاف أيضا، ى ٣ س ٥ - المائدة مدنية) وهذه الآية الأخيرة نزلت يوم عرفة فى حجة الوداع، قالوا: ولم يعش النبى بعدها إلا ٨١ ليلة. وهى تدل على أن الدين الذى هو الإسلام هو التنصيص على قواعد العقائد والتوقيف على أصول الشرائع التى كملت فى القرآن الكريم. أما الأحكام العملية فهى تختلف باختلاف الأنبياء والأمم، وقد تتغير بتغير المظان، ولم يجمعها القرآن الكريم إلا إجمالا بتبيينه الأصول التى تستمد منها تلك الأحكام ولم تكن كملت عند نزول الآية (ويراجع تفسير البيضاوى لهذه الآية، والموافقات للشاطبى جـ ٣، ص ٦٢، جـ ٤، ص ١١٦، ١١٧). وقد ثبت بما ذكرناه أن الدين فى عرف القرآن الكريم هو الإيمان بالأصول الدينية التى هى حقائق خالدة لا يدخلها النسخ ولا يختلف فيها الأنبياء، وأن الإسلام هو هذا الدين إذ لا دين غيره عند الله. ثانيها: أن صيغة "إسلام" وردت فى القرآن الكريم مضافة وغير مضافة فى ثمانى آيات، ست منها مدنية وآيتان مكيتان، أما المكيتان فهما ى ١٢٥ س ٦ - الأنعام مكية وى س ٣٩ - الزمر. والآيتان صريحتان فى أن الإسلام فيهما هو الإيمان الخالص الذى موضعه الصدر أى القلب. أما الآيات المدنية فهى ى ٧ س ٦١ - الصف. وتفسير "الإسلام" فى هذه الآية بالإيمان تدل عليه الآيات اللاحقة دلالة ظاهرة وى ٧٤ س ٩ - التوبة. والإسلام فى هذه الآية مذكور فى

стр. 754

مقابلة الكفر. وقد قوبل الإسلام وما يشتق منه فى القرآن الكريم بالكفر كما فى هذه الآية وى ٨٠، س ٣ - آل عمران مدنية وى ٢، س ١٥ - الحجر مكية، وبالشرك فى آيات عديدة منها ى ٦٧، س ٣ - آل عمران ى ١٤، س ٦ - الأنعام مكية، ثم ى ١٧، س ٤٩ - الحجرات مدنية، وهى من الآيات التى ذكرها كتاب "حجج القرآن" فى حجج القائلين بأن الإيمان والإسلام واحد، وى ١٩، س ٣، ى ٨٥، س ٣، ى ٣ س ٥. وقد بين الزمخشرى وغيره من المفكرين فى تفسير هذه الآيات أن الإسلام فيها هو التوحيد وإسلام الوجه لله. وذلك يقتضى أن لفظ "إسلام" لم يرد فى القرآن الكريم إلا مستعملا فى معناه الشرعى مرادفا للإيمان. ثالثها: أن القرآن الكريم سمى أتباع دين محمد [ ﷺ ] "الذين آمنوا" فى آيات، منها ى ٦٢، س ٢ - البقرة مدنية، ى ٦٩، س ٥ - المائدة مدنية، ى ١٧ س ٢ - الحج مدنية، كما سماهم "المسلمين" فى آيات، منها ى ٧٨، س ٢٢ - الحج مدنية، ى ١٠٢ س ٢ مدنية. وفى ذلك إشعار بأن معنى الإيمان والإِسلام متفق غير مختلف. ٦ - وإذا كات الإسلام فى عرف القرآن الكريم هو القواعد الأصولية التى يجب الإيمان بها والتى جمعها القرآن الكريم كاملة بحيث يعرف الإسلام بأنه هو ما أوحاه الله إلى نبيه محمد [ ﷺ ] فى القرآن الكريم وأمره بتبيينه للناس كما تشير إليه ى ٤٤، س ١٦ - النحل مكية، فقد تطور استعمال لفظ "الإسلام" إلى ما يشمل الأصول الاعتقادية والفروع العملية، وتطور استعمال لفظ الدين كذلك. فأصبح تعريف الدين عن المسلمين هو: "وضع إلهى سائق لذوى العقول باختيارهم إياه إلى الصلاح فى الحال والفلاح فى المآل" وهذا يشمل العقائد والأعمال. (كشاف اصطلاحات الفنون). ومع هذا التطور فقد بقيت بين المسلمين آثار العرف الشرعى إلى اليوم. فهم يقسمون الدين إلى فروع وأصول، باعتباره منقسما إلى معرفة هى الأصل وطاعة هى الفرع. ويقولون إن العقائد يقينية، فلا بد أن تكون ثابتة بطريق دينى يقينى قطعى وهو القرآن الكريم وحده، إذ هو المقطوع به وحده فى الجملة والتفصيل.

стр. 755

أما الأحكام العملية فيكفى فيها الظن (شرح المواقف، جـ ١، ص ٣٨، الموافقات جـ ٤، ص ٣). ويقولون إن النسخ لا يكون فى مسائل علم الكلام، وإنما يكون فى مسائل الفقه. ثم إن الخلاف بين المسلمين فى شئون الأحكام العملية ليس له خطر الخلاف فى الأمور الاعتقادية. فالآراء المتباينة فى الأولى تسمى مذاهب، وأتباع كل مذهب يعتقدون أن مذهبهم صواب يحتمل الخطأ ومذهب غيرهم خطأ يحتمل الصواب. بل يرى بعضهم أن الحق يتعدد فى المسائل الاجتهادية باعتبار أن الله لم يكلف الناس إلا بأن يبذلوا جهدهم فى تحرى الصواب فما وصلوا إليه بجهدهم فهو بالنسبة لهم الحق لا يجوز العدول عنه. ولست تجد شيئًا من ذلك فى أمور العقائد التى يؤدى الاختلاف فيها إلى تفرق الفرق يكفر بعضها بعضاً، والحق فى مسائل العقائد واحد لا يتعدد وكل ما سواه باطل. أحسن الفروض بالنسبة لصاحبه أن يعذر فينجو من عقاب الأخذ بالباطل. ("فصول البدائع، فى أصول الشرائع" للفنارى، جـ ٢، ص ٤١٧، ٤٢٤). هذا، والأعمال البدنية نفسها لا يكون لها اعتبار فى دين المسلمين بحسب صورها الظاهرة، وإنما هى معتبرة بالنيات والهيئات النفسانية التى هى مصدرها. يراجع كتاب "حجة الله البالغة" (جـ ١، ص ٤) وفى القرآن الكريم: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ (ى ٣٧ س ٢٢ - الحج مدنية). ويروى عن النبى حديث هو أحد الأحاديث التى عليها مدار الإسلام، وقال الشافعى وأحمد: إنه يدخل فيه ثلث العلم، وهو من أصح الأحاديث النبوية وأشهرها حتى زعم بعضهم أنه متواتر (شرح القسطلانى على البخاري، جـ ١، ص ٥٥) اعترافا بمكانته بين السنن تجده فى فاتحه كتب الحديث المعتبرة كصحيح البخاري وصحيح مسلم. هذا الحديث هو: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى". مصطفى عبد الرازق

стр. 756

أسماء بنت الخليفة أبَى بكر واسم أمها قَتْلة أو قُتَيْلة بنت عبد العُزَّى. وهى الأخت الكبرى لعائشة، ولدت قبل الهجرة بسبع وعشرين سنة، ولقبت بذات النطاقين لأنها لم تجد ما تشدّ به زاد النبى [ ﷺ ] وأبيها عند الهجرة فشقت نطاقها وشدّت به الزاد. وهى من السابقات إلى الإسلام، تزوجت فى صدر الإسلام الزبير بن العوام وهو أيضا من أوائل من اعتنقوا هذا الدين، وعندما وجد الزبير نفسه فى ضيق شديد اضطرت أسماء إلى أداء أعمال شاقة حقيرة، على أن زوجها قسا فى معاملتها. ولم تصحبه فى هجرته إلى الحبشة. ولما هاجر النبى [ ﷺ ] وأبو بكر واختفيا فى الغار ثلاثة أيام كانت أسماء تزودهما بالطعام والشراب كل مساء. وقد عاشت بعد الهجرة مع أكبر أبنائها عبد الله بن الزبير فى قُباء بالقرب من المدينة وأصبحت أماً لأول مؤمن ولد بعد الهجرة. وكان لها خمسة أبناء وثلاث بنات. وقد طلقها الزبير من بعد فعاشت مع ابنها عبد الله وشاركته ما قاساه من تقلبات الدهر. وعلمت بمقتله (٧٣ هـ = ٦٩٢ م) وهى فى المائة من عمرها، ومع أنها عميت إلا أنها احتفظت بحضور ذهنها. ولم يسمحوا لها بدفن جثة ابنها المشوهة وماتت بعد هذا الحادث بأيام قلائل. المصادر: (١) des Leben Und Di. Leh-: Sprenger re Des Mohammed، الفهرست. [ركندورف Reckedorf] أسماء: ابنة الخليفة أبى بكر من زوجته قُتَيْلَة بنت عبد العُزى بن عامر ابن لؤى، وكانت الأخت غير الشقيقة لعائشة ومن أوائل الذين دخلوا فى الإسلام بمكة. ولما خرج النبى [ ﷺ ] مهاجرا من مكة مع أبى بكر شقّت أسماء نطاقها فجعلت واحدة لسُفْرَته والأخرى عصاما لقرْبته، وهذا هو السبب المأثور لتلقيبها بذاتَ النطاقين. وتزوجت أسماء بعد الهجرة الزبير ابن العوام. واشتهر ابنهما عبد الله بأنه أول من ولد فى الجماعة الإسلامية بالمدينة. ولدينا عدة حكايات تتحدث عن

стр. 757

تقواها وانكارها لذاتها، ولا يروى عنها أكثر من ذلك إلا القليل عن مسلكها الشجاع قبل وفاة ابنها عبد الله بن الزبير وبعد وفاته. وينسب إليها فيما يتصل بذلك حديث عن النبى [ ﷺ ] يذم فيه "الكذابيْن" اللذين يخرجان من ثقيف وهما المغيرة بن شعبة والحجاج ابن يوسف. وتوفيت فى مكة بعد ذلك سنة ٧٣ هـ (٦٩٣ هـ). المصادر: (١) Ghronographia Is-: L. Caetani lamirn سنة ٧٣ للهجرة، فصل ٢٦. (٢) ابن سعد جـ ٨، ص ١٨٢ - ١٨٦. (٣) ابن حنبل: المسند القاهرة سنة ١٣١٣ هـ، جـ ٦، ص ٣٤٤ - ٣٥٥. [خورشيد [جب H. A. R. Gibb] إسماعيل [﵇] " إسماعيل" بن إبراهيم: ذكر عدة مرات فى القرآن، فقد جاء فى الآية ١٣٠ من سورة البقرة والآية ٧٨ من سورة آل عمران والآية ١٦١ من سورة النساء أن الوحى قد نزل عليه. وجاء فى الآية ٥٥ من سورة مريم أنه " .... كان رسولًا نبياً وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة .... ". وتصوير إسماعيل على هذا النحو يتفق تمام الاتفاق مع ما ذكره محمد [ ﷺ ] عن ملة إبراهيم. وقد جاء فى الآية ١٢٧ من سورة البقرة أن إسماعيل وإبراهيم وإسحاق من آباء يعقوب، وجاء فى الآية ١١٩ من سورة البقرة أن الله عهد إلى إسماعيل وإبراهيم تطهير البيت الحرام. ولا تذكر الروايات شيئًا البتة عن رسالة إسماعيل أو عن نزول الوحى عليه، ولم توضح صلته بنشر ملة إبراهيم. وجاء فى الروايات أن إبراهيم أولد هاجرَ إسماعيلَ وكان أول بنيه، وأنه كان سببًا فى النزاع بين هاجر وسارة. وقد أرادت سارة أن تشوه هاجر فثقبت أذنيها، وأصبح ذلك عادة متبعة عند النساء. وقيل أيضاً إن إسماعيل وإسحاق كانا يتناضلان فى بعض الأحيان. ثم اشتدت غيرة سارة فحملت إبراهيم على أن يذهب بهاجر وإسماعيل إلى بلاد العرب، وكانوا فى سفرهم تقودهم "السكينة" أو يقودهم جبريل

стр. 758

كما جاء فى روايات أخرى (انظر فيما يختص بالسكينة , The Novel of the. Earth .verh. Kon. Akad, V. Wetenschappen Afd. Letterkunde, Nieuwe Reeks جـ ١٧، رقم ١، ص ٦٠ وما بعدها. وقد أعان إسماعيل أباه إبراهيم فى بناء البيت الحرام بعد أن حفرا أساسه. فلما أتما بناء البيت الحرام ترك إبراهيمُ هاجرَ وابنها إسماعيلَ فى تلك الأرض القاحلة يقاسيان آلام العطش. وأخذت هاجر تسعى بين الصفا والمروة باحثة عن الماء وسعت مرات متعددة بينهما، وكان ذلك أصلا للسعى. ثم جاء جبريل وقال لها: من أنت؟ [قالت: سرية إبراهيم، تركنى وابنى ها هنا] قال: وإلى من وكلكما؟ [قالت: وكلنا إلى الله تعالى] (١). وكان الطفل إسماعيل قد فرغ صبره وأخذ يدحض الأرض بقدميه أو بإصبعه، فنبعت عين ماء هى زمزم فجعلت هاجر تفحص الأرض بيدها عن الماء وكلما اجتمع منه شئ أخذته فى سقائها، ولو لم تفعل ذلك لكانت زمزم عينا سائحة. ويقال كذلك إن جبريل هو الذى ضرب الأرض، بقدمه ففارت عين زمزم. وكانت قبيلة جُرْهُم تقطن حينذاك بالقرب من البيت الحرام. وبعد أن ماتت هاجر تزوج إسماعيل امرأة من جرهم، وجاء إبراهيم فى غيبة إسماعيل فلم تحسن امرأة إسماعيل لقاءه. ولما جاء إسماعيل أبلغته امرأته كلمات قالها لها إبراهيم ففهم منها إسماعيل أن أباه أراد منه أن يطلقها، فطلقها ثم تزوج امرأة أخرى من جرهم. ثم جاء إبراهيم مرة أخرى وأقر هذا الزواج الجديد. وتذهب الروايات الإسلامية إلى أن إبراهيم وهاجر دفنا فى الحجْر ببيت الله الحرام، وهذا تشريف اختَص به أكثر الأنبياء لأن النبى [ ﷺ ] ينتسب إلى أرض الأنبياء. وتعرف الروايات الإسلامية تلك القصة التى وردت فى سفر التكوين، الإصحاح ٢٢، غير أن كثيرًا من علماء

стр. 759

الدين يؤكدون أن الذبيح (١) كان إسماعيل وليس إسحاق، وهم يدعمون هذا الرأى بأقوال عبد الله بن عمر وابن عباس والشعبى ومجاهد وغيرهم. ويروى أيضًا أن عمر بن عبد العزيز سأل يهوديًا أسلم عن هذا الخلاف، فأجابه: إن الذبيح هو إسماعيل وإن اليهود تعلم ذلك ولكنهم يحسدونكم ويدعون أن الذبيح كان إسحاق. هذا ويعتبر إسماعيل أبا العرب الذين كانوا فى شمال الجزيرة. ويذهب علماء الأنساب عند العرب إلى أن العرب ينقسمون ثلاثة أقسام: العرب البائدة، والعرب العاربة، والعرب المستعربة. ويقولون إن إسماعيل هو جد العرب المستعربة وهم يرجعون بنسبهم إلى عدنان. وهناك اختلافات فى إيراد سلسلة النسب التى تربط عدنان بإسماعيل، على أنها تتفق أحيانًا مع ما ورد فى سفر التكوين، الإصحاح الخامس والعشرين. المصادر: (١) تفاسير الآيات القرآنية الواردة فى صلب المادة. (٢) تاريخ الطبرى، جـ ١، ص ٢٧٥ وما بعدها وانظر الفهرس أيضًا. (٢) المسعودى: مروج الذهب، طبعة باريس، جـ ١ ص ٨٥ - ٨٧. (٤) مطهر بن طاهر: البدء والتاريخ، جـ ٣، طبعة باريس سنة ١٩٠٣ م، ص ٦٠ - ٦٥. (٥) الثعلبى: قصص الأنبياء، طبعة القاهرة سنة ١٢٩٠ هـ، ص ٦٩ وما بعدها ٨٨ - ٩٠.

стр. 760

(٦) أبو الفداء، طبعة فليشر، ص ١٩٢. (٧) ابن قتيبة: المعارف، طبعة فستنفلد، ص ١٨، ٣٠. (٨) Die Chroniken der Stadt Mekka، طبعة فستنفلد، فى مواضع مختلفة. (٩) سيرة عنتر، طبعة القاهرة سنة ١٣٠٦ هـ، جـ ١، ص ٣٥ - ٣٨. (١٠) Biblische Legenden der: Weil musulmanner، طبعة فرانكفورت سنة ١٨٤٥ م، ص ٨٢ - ٩٣. (١١) Neue Beirage zur: Grunbaum semitischen Sagenkunde، ليدن سنة ١٨٩٣ م، ص ١٢٠ - ١١١. [فنسنك A.J.Wensinck] الإسماعيلية فرقة من الشيعة سميت بهذا الاسم لأنها وقفت بسلسلة الأئمة عند إسماعيل، الابن الأكبر لجعفر الصادق الإمام السادس، وقد جعلوا الإمامة بعد جعفر لابنه إسماعيل، وكان جعفر قد استخلف إسماعيل، ولكنه عاد فاستخلف ابنه الثانى موسى لأنه لقى إسماعيل ثملا. ولكن الإسماعيلية لم يسلموا بنزع الإمامة من إسماعيل لأنهم كانوا يرون أن الإمام معصوم، وأن شرب الخمر لا يفسد عصمته، وأنه لا يجوز لله أن يأمر بشئ ثم ينسخه على نقيض ما قرر جعفر. وتوفى إسماعيل فى المدينة عام ١٤٣ هـ (٧٦٠ - ٧٦١ م) أى قبل وفاة أبيه بخمسة أعوام ودفن فى مقبرة بقيع الغَرْقَد. وأراد جعفر أن يؤكد وفاة ابنه بأقوال شهود عديدين، ولكن أتباع إسماعيل لم يسلموا بموته وزعموا أنه كان حياً بعد وفاة أبيه بخمس سنوات وأنه رئى فى سوق البصرة حيث وضع يده على مُقعد فأبرأه. وقد ترك أبناء إسماعيل المدينة لما لحقهم من الاضطهادات السياسية التى حاقت بالعلويين، فذهب محمد وهو الابن الأكبر إلى اقليم دَماوَنْد بالقرب من الرَى واختفى هناك، واختبأ أبناؤه فى خراسان، وبعد ذلك ذهبوا إلى قَنْدَهار ثم إلى الهند وما زالوا هناك إلى اليوم، وذهب أخوه على إلى الشام وبلاد المغرب. وكان أبناء إسماعيل يبعثون وهم فى البلاد التى اختبأوا فيها،

стр. 761

بالدعاة إلى العالم الإسلامى ليدعوا الناس إلى مذهب الباطنية الذى ينهض على تأويل القرآن، ومن أشهر دعاتهم ميمون الملقب بالقَداح الذى أصبح ولده عبد الله رأس فرقة القرامطة. واستعان عبد الله برجل من أغنياء الفرس يعرف بمحمد بن الحسين ويلقب بزيدان. وكان محمد هذا يزعم أنه وجد فى الحكم النجومى انتقال دولة الإسلام إلى دولة الفرس، فحاول نشر دعوة عبد الله الدينية والاجتماعية فى وقت معا بين الفرس (الفهرست، ص ١٦٨؛ : O . Loth morgen[andische Forchungen, ص ٣٠٧؛ storia dei Musulmani di Si- M. Amamari cilia، ص ١١٤). وفى أواخر القرن الثالث للهجرة أقام عبيد الله بن محمد المهدي -الذى بايعه بربر قبيلة كتامة بالإمامة- الدولة الفاطمية أو العبيدية فى بلاد المغرب، التى لم تلبث أن انتقلت إلى مصر. الإسماعيلية فى فارس: ولد الحسن بن الصَبّاح فى الرَّى وتعلم فيها تعاليم الباطنية ثم رحل إلى مصر فى عهد الخليفة المستنصر عام ٤٧١ هـ (١٠٧٨ - ١٠٧٩ م) للتفقه فى هذا المذهب. وبعد أن أقام فى مصر نحو عام ونصف العام أخرج منها فعاد إلى فارس ليبث الدعوة فيها. وتسلل إلى قلعة ألموت خفية فى ٦ رجب عام ٤٨٣ هـ (٤ سبتمبر عام ١٠٩٠ م) وكان له فيها أتباع عديدون. واتخذ من تلك القلعة معقلا له، وقام هو وأتباعه بعدة غارات على الأماكن المجاورة، واستولى مباغتة على الحصون الموجودة فيها وبنى حصوناً جديدة. ويقال إنه أنشأ هناك حدائق غناء كان الفدائيون يتمتعون فيها بالملاذ التى يتوقعون التنعم بها فى الفردوس. ولكن الأرجح أن جنتهم تلك كانت محض خيال يصوره لهم الحشيش الذى كانوا يدخنونه. ولما رأى السلطان السلجوقى ملكشاه أن وجود الإسماعيلية فى هذا المعقل كبير الخطر، عهد إلى الأمير أرسلان طاش بمحاربة الحسن بن الصَبّاح (٤٨٥ هـ = ١٠٩٢ م) فحاصر قلعة ألموت ولكنه هزم هزيمة منكرة إذ خرج عليه الإسماعيلية ليلًا من القلعة

стр. 762

وفاجأوه بالقتال. وفى هذا العام نفسه حاصر قزل صاريغ، أحد قواد السلطان، قلعة ديره وهى مركز آخر من مراكز الدعوة الإسماعيلية، ولكنه لم يظفر منها بطائل. على أن وفاة السلطان ملكشاه وضعت حداً لتلك المحاولات: وقبل وفاة ملكشاه بأربعين يوماً قتل فدائى يدعى ظاهر أرانى الوزير نظام الملك. وكان ذلك أول هذه الاغتيالات الخفية التى روعت العالم الإسلامى. وفى عام ٤٩٥ هـ (١١٠٢ م) استولى اثنان من أتباع الحسن بن الصباح وهما الرئيس المظفر وكيابُزرُ كميد على قلعتى كردْ كوه ولمسر (ويذكرها حمد الله الَمستوفى فى نزهة القلوب، ص ٦١ باسم لنبسر). وأوفد السلطان محمد، نظام الدين أحمد لمحاربة الإسماعيلية فظل سبع سنوات يخرب ديارهم حول قلعة ألموت، ثم أرسل بعده الأتابك أنوشتكين شير كير وكاد يستولى على قلعة لمسر وقلعة ألموت فى أواخر عام ٥١١ هـ (أبريل عام ١١١٨ م) ولكن موت السلطان صرفه عن القتال. وسالم سنجر الإسماعيلية خوفاً ورهبة بعد أن رأى خنجراً ألقاه أحد الفدائيين على الأرض أمام عرشه. ولما توفي الحسن بن الصباح فى ٢٦ ربيع الأول عام ٥١٨ هـ (١٢ يونيه سنة ١١٢٤ م)، خلفه كيابزر كميد فى الحكم دون أن يعكر صفوه شئ إلى أن توفي فى ٢٦ جمادى الأولى عام ٥٣٢ هـ (١١ مايو ١١٣٨ م). ثم خلفه ولده محمد فى الحكم على نفس المنوال إلى أن توفي عام ٥٥٧ هـ (١١٦٢ م)، واستحدث ابنه حسن - ويقولون فيه: "على ذكره السلام"- بدعا فى مراسم الإسماعيلية فوضع المنبر قبالة القبلة عام ٥٥٩ هـ (١١٦٤ م) وكانت السُّنة تقضى بوضعه على يسار المحراب. وادعى أنه من سلالة نزار ولد المستنصر وأنه لذلك يستحق الإمامة. ويقول أتباعه إنه إمام بالنص، وفى نهاية العام الرابع من حكمه قتله صهره وهو من أسرة بنى بويه فى حصن لمسر. وقد ثار له ولده محمد الثانى إذ قتل أفراد أسرة القاتل، وظل فى الحكم دون منازع تسعة وأربعين عاماً. وبينما نجد محمداً الثانى هذا يسير على نهج أبيه فى الحكم نجد ابنه جلال الدين

стр. 763

حسن الثالث على العكس منه يعلن عند اعتلائه العرش عزمه على إعادة توطيد شرائع الدين الإسلامى القويم، فأمر ببناء المساجد من جديد وأن يقوم الناس بصلاة الجماعة يوم الجمعة، ولهذا سمى "نَوْمُسْلمان" أى المسلم الجديد، وتوفى جلال الدين مسموماً كأبيه. وكان علاء الدين محمد الثالث يبلغ من العمر تسع سنوات فقط عند وفاة أبيه. وقد اضطر هذا الابن إلى اعتزال الحياة العامة لحداثة سنه ولفقده جزءا من دمه فى حادث وقع له فى العام الخامس من حكمه، وعاش معتكفا فى قصره إلى أن قتل فى لحظة كان فيها ثملا بتحريض ولده ركن الدين خورشاه وذلك فى آخر ذى القعدة عام ٦٥١ هـ (٢١ يناير سنة ١٢٥٤ م). وأمر إمبراطور المغول القائد هولاكو بهدم معقل هؤلاء المتعصبين الخطرين عام ٦٥٤ هـ (١٢٥٦ م) فحاصر قلعة ميمون (ميمون دز) حيث كان ركن الدين. وقد سلم ركن الدين نفسه فأسر واقتيد إلى بلاط منكو الذى أبى أن يراه، ثم قتل بعد ذلك عند شواطن نهر سيحون أثناء رجوعه. وسلمت قلعة ألموت، وأما قلعة كرْدكوه فقد ظلت تقاوم ثلاث سنواتَ وانمحت آخر آثار الإسماعيلية فى قوهستان [كوهستان] فى عهد خان المغول أبى سعيد الذى أرسل بعثة لهداية الناس فى قاين. وأخرج كذلك شاه رخ بن تيمور، آخر أتباع تلك الطائفة من هذا الإقليم، ولم يكن موضع شبهة هناك إلا فئة قليلة من الجند والدراويش. الإسماعيلية فى الشام: استقر الإسماعيلية فى هذا القطر بُعيد استقرارهم فى جبال الديلم، ووجدوا فى حلب حوالى نهاية القرن الحادى عشر الميلادى فى أيام الأمير السلجوقى رضوان بن تتش الذى اعتنق مذهبهم على يد طبيب عالم بالنجوم. وكان أول ضحاياهم صهر هذا الأمير، وهو الأمير جناح الدولة حسين صاحب حمص، فقد قتل أثناء سيره لمهاجمة الكونت سنت جيلز St. Gilles ليكرهه على فك حصار حصن الأكراد، قتله وهو يصلى ثلاثة من الفرس تزيوا بلباس الصوفية. ولم ينقض وقت طويل حتى توفي ذلك المنجم فجأة (وربما قتل غيلة). وانتقل سلطانه إلى رفيق له من أصل فارسى أيضًا وهو أبو طاهر

стр. 764

ابن الصائغ، وفى عام ٤٩٩ هـ (١١٠٦ م) خادع الإسماعيلية الفرنجة واستولوا على حصن أفامية " Apamaea"، ولكن سرعان ما عاد الصليبيون إليه. وأدى تطرف الإسماعيلية وغلوهم إلى الإيقاع بهم فذبحوا فى حلب عام ٥٠٧ هـ (١١١٣ م) ونجا الداعية إبراهيم فحاول الاستيلاء على شَيْزَر الواقعة على نهر العاصى Orontes عند انصراف النصارى إلى الاحتفال بأحد أعيادهم، وبالرغم من نجاحه فى مفاجأة المدينة فإن سكانها، وكان يقودهم الأمراء من بيت منقذ، استولوا ثانية على "الباشورة" وتسلقوا الأسوار بواسطة الحبال التى أدلاها لهم نساء المدينة اللائى بقين فيها. واستعاد الإسماعيلية شيئًا من سلطانهم فى حلب، ومع هذا فإن إيلغازى حال بينهم وبين الاستيلاء على قلعة الشريف. وفى ٢٣ رمضان عام ٥١٥ هـ (٥ ديسمبر عام ١١٢١ م) قتل فدائيو الإسماعيلية الوزير الفاطمى الأفضل بن بدر الجمالى. وثار أهل ديار بكر على الإسماعيلية وقتلوا الدعاة الذين بعثوا بهم إلى تلك المدينة عام ٥١٨ هـ (١١٢٤ م)، ولكن استيلاء الإسماعيلية على حصن بانياس وطد مركزهم. ولما أراد طغتكين صاحب دمشق إنقاذ صاحبه بهرام من سوء معاملة أهل دمشق له، ولاه على ذلك الحصن. وثار أهله على بهرام فقاتلهم عام ٥٢٢ هـ (١١٢٨ م). ثم خلفه إسماعيل الفارسي، ولما ذبّح أتباعه فى دمشق (١٥ رمضان عام ٥٢٣ هـ = ١ سبتمبر عام ١١٢٩ م) سلم حصن بانياس للصليبيين. وأراد الإسماعيلية أن يعوضوا هذه الخسارة فاشتروا حصن قدموس من صاحبه سيف الملك بن عمران عام ٥٢٧ هـ (١١٣٢ م). وقد وجد بنيامين التطيلى بعد ذلك العهد بعشرات قليلة من السنين أن ذلك الحصن كان مقر زعيم هذه الطائفة، الذى استولى بخديعة على حصن مَصْياث (مصياف). وكان للإسماعيلية فى ذلك الوقت ما لا يقل عن ستة حصون فى الشام، أو عشرة كما يقول وليم الصوري. وأراد الداوية أن يثأروا لقتل ريموند الأول حاكَم طرابلس فأغاروا على الإسماعيلية وأكرهوهم على أداء الجزية.

стр. 765

وكان على رأس الإسماعيلية فى ذلك العهد (منذ عام ١١٦٩) راشد الدين سنان بن سليمان زعيم الحشاشين الذى جاء من جوار البصرة وتعلم فى قلعة ألموت. وأسرف الإسماعيلية فى إتيان المنكرات فثار عليهم أهل مدينة الباب الواقعة بين مدينتى بُزاعَة وحلب وأخرجوهم من منازلهم وطاردوهم إلى مكان سحيق (انظر أيضًا: ابن جبير، طبعة رايت وده غوية، ص ٢٤٩ وما بعدها). وفى ١١ ذى القعدة عام ٥٧١ هـ (٢٢ مايو ١١٧٦ م) نجا صلاح الدين من مكيدة دبَّرها الإسماعيلية لقتله بفضل الزرد الذى كان يحيط بقلنسوته. وأراد أن يثأر منهم بحصاره لمصياث، ولكنه عدل، عن ذلك لتعب جيوشه. وربما كان سبب هذا العدول أيضًا اتقاء وعيد الحشاشين. ويظهر أن صلاح الدين سالَم خصومه لأن المعاهدة التى عقدها مع ريتشارد قلب الأسد شملت بلاد الإسماعيلية أيضًا. وفى ١٣ ربيع الآخر عام ٥٨٨ هـ (٢٩ أبريل عام ١١٩٢ م) اعتدى رجلان من الإسماعيلية على كونراد صاحب صور Tyre وقتلوه عند عودته من مأدبة دعاه إليها أحد الأساقفة، وقتلوا أيضًا فيما بعد رايموند الابن الأكبر لبوهيمند الرابع أمير أنطاكية بينما كان فى كنيسة أنطرسوس. وقبل أن يقتل هولاكو ركن الدين خورشاه سيد قلعة ألموت، استكتبه كتاباً لقواده فى حصون الشام يأمرهم فيه بتسليم تلك الحصون إلى المغول. وكان المغول قد حاصروا بالفعل أربعة من تلك الحصون بمجرد ظهورهم فى الشام فى ٦٥٨ هـ (١٢٦٠ م). ولكن سرعان ما استعادها أصحابها عند انتصار قطز سلطان المماليك. وفتح هذه الحصون فتحاً كاملا السلطان بيبرس فيما بين سنة ٦٦٨ وسنة ٦٧١ هـ (١٢٧٠ - ١٢٧٣ م). ومنذ ذلك التاريخ أقر الإسماعيلية بالخضوع لسلطان مصر ودأبوا على تقديم "حشاشيهم" إلى الولاة الذين يرغبون فى استخدامهم. ويقول ابن بطوطة (طبعة باريس، جـ ١، ص ١٦٦ - ١٦٧) إنهم كانوا فى خدمة الملك الناصر محمد بن قلاوون.

стр. 766

الإسماعيلية في الهند يسمونهم فى الهند الخوجة أو المولى، وزعيمهم أغاخان، ولقبه الرسمى صاحب السمو أغاسير سلطان محمد، وهو رجل مشغوف بالرياضة، محب للأسفار، يحرر مقالات فى مجلة القرن التاسع عشر ومجلة الشرق والغرب وله فى السياسة مقام عظيم. وكان فى سنة ١٩٠٦ م رئيساً للوفد الذى أوفده مسلمو الهند إلى نائب الملك. وأغاخان من نسل الأئمة السابقين. ويرد نسبه مباشرة إلى أبى الحسن الذى حكم كرمان فى عهد الأسرة الزندية ثم اعتزل حكمها، واعتكف فى ضيعته "مَحَلات" التى كان يملكها بالقرب من قُمّ. وكان ابن أبى الحسن -واسمه شاه خليل الله، ويسمى أيضًا سيد كهكى- قد قتل فى يزد عام ١٨٧١ م. وزوج فتح على شاه ابنته من أغاخان محلاتى ابن شاه خليل الله. ولما ثار عام ١٨٣٨ اضطر إلى ترك كرمان ولجأ إلى السند وهناك وجد بعض الإسماعيلية النزاريين، وذهب بعد ذلك إلى بومباى وبونا وبنكلور. وسلطان محمد هو ابن أغاخان محلاتى، ورث عن أبيه حبه للرياضة. انتشار الاسماعيلية فى الوقت الحاضر: مازال فى الشام عدة الآف من الإسماعيلية يسكنون قلعة مصياث وقلعة قدموس وغيرهما، وهم وادعون يخلصون الولاء للدولة العثمانية (١). وكانت غارة النصيرية على حصن مصياث سببا فى كتابه المخطوط الذى نشره وترجمه ستانيسلاس كويار Fragments re-: Stanislas Guyard latifs 'a la doctrine des Ismaelis , فى - No tices et Extraits، جـ ٢٣، ص ١ سنة ١٨٧٤ م). ويقطن الإسماعيلية فى فارس ناحية مَحلات بالقرب من قُمّ، وقد ذكرناها من قبل. ويقطنون فى أواسط آسية: بَذَخشْان وخوقند وقره تكين وكذلك فى ناحية بالقرب من بلخ. ويعرف الإسماعيلية فى أفغانستان باسم مُفتْدى. ويوجد منهم عدد كبير كافرستان (واديى جلال آباد وكمر) وكذلك فى الولايات العديدة الواقعة فى حوض نهر جيحون الأعلى (سارى

стр. 767

قل، وخان، وياسين). وفى الهند ٩٩.٤٧٦ نسمة من الإسماعيلية فى أقاليم أجمير ومروارة وراجبوتانا والبنجاب وكشمير، و ٥٢.٦٥٨ نسمة فى بومباى وبروده وكورك (تعداد الهند سنة ١٩٠١ م، جـ ١، ص ٥٦١ وما بعدها). وليس جميع أفراد الإسماعيلية من أتباع أغاخان، ومن البوهرا (١) الذين يقطنون كجرات قبيلة الداودية، وهم إسماعيلية يتألف منهم الجانب الأكبر من السكان (١٣٠.٠٠٠ نسمة؛ مجلة العالم الإسلامى Rev. du Monde Musulman جـ ١٠ ص ٤٧٢). ويكثر عدد الإسماعيلية فى عمان، وهم متفرقون فى جميع البلاد. ولهم حى خاص بهم فى مَطرْح بالقرب من مَسْقَط. ويوجد الإسماعيلية كذلك فى زنجبار وفى تنجانيقا. ويعدون هناك بعشرات الألوف، وعددهم آخذ فى الازدياد بكثرة من يدخل فى مذهبهم. عقيدة الإسماعيلية: ينكر الاسماعيلية إنكاراً تاما صفات الله ويقولون إنه فوق متناول العقل. وإن العقل عاجز عن إدراك كنهه، وتذهب الإسماعيلية إلى القول بأن الله لم يخلق العالم خلقاً مباشراً وإنما أبدع العقل الكلى بعمل من أعمال الإرادة وهو"الأمر" وأن العقل الكلى محل لجميع الصفات الإلهية، وهو عندهم الإله ممثلا فى مظاهره الخارجية، ولما كانت الصلاة لا يمكن أن تؤدى لكائن لا يدرك فهى تؤدى فى رأيهم لمظهره الخارجى، أى العقل الذى أصبح بذلك الإله الحقيقى عند الإسماعيلية. وبما أنه ليس فى مقدور الإنسان أن يصل إلى معرفة ذات الله، وإنما يعرف العقل وحده، لهذا يسمى الإسماعيلية العقل الحجاب أو المحل أو الصلة أو النفس أو الأول. وهم يقولون إن العقل أبدع النفس الكلية وخاصتها الرئيسية الحياة كما أن العلم خاصة العقل. وإذا كان العقل غير كامل فى علمه فهو يحاول بالضرورة

стр. 768

بلوغ الكمال فتحدث عن ذلك حركة مضادة لحركة الصدور (١). ويذهبون أيضًا إلى أن المادة الأولى صدرت عن النفس وأن المثل توجد فى العقل. ويقول الإسماعيلية أيضًا إن هناك كائنين واجبين هما المكان والزمان وإن اتحاد الوجودات الخمسة فى العقل تحدث عنه حركات الأفلاك والطبائع. وهم يعللون ظهور الإنسان بحاجة النفس الكلية إلى بلوغ العلم الكامل حتى تسمو إلى مرتبة العقل الكلى، وإذا ما بلغت هذه المرتبة تبطل كل حركة، ولبلوغ السعادة يجب على الإنسان تحصيل العلم، ولا يمكن أن يتأتى له ذلك إلا بحلول العقل الكلى فى إنسان هو النبى [ ﷺ ] وفى الأئمة الذين يخلفونه، والعقل الحال يسمى عندهم "ناطقاً" وتسمى النفس الحالَة "أساساً"، والأول هو فى رأيهم النبى [ ﷺ ] الذى يبلغ الكلام المنزل، أما الثانى فهو الذى يفسره معتمداً على التأويل. وأركان الإسماعيلية الثلاثة الأخيرة هى الإمام والحجة الذى يعهد إليه بالتدليل على صدق رسالة الأساس، ثم الداعى. وهم يقولون إن محمداً هو الناطق وعلياً هو الأساس. وهناك عدة مراتب للمجتهدين فى مذهب الإسماعيلية (كانت سبعاً ثم أصبحت تسعًا)، وكان الداعى لهذا المذهب يبدأ بأن يسأل المبتدئ فى معضلات الفقه الإسلامى (وتلك هى الطريقة المألوفة عند طائفة الباطنية) ثم يجعله بالتدريج يتفق وإياه على أن هذه المسائل من السهل الإجابة عنها بالتفسير الرمزى وتأويل القرآن. وكان للناتج من حساب القيم العددية لأحرف الهجاء أهمية كبرى عند الإسماعيلية (انظر Fragments: St.Guyard، جـ ٢؛ ) فإذا ما اقتنع المبتدئ بقوة حجة الداعى طلب إليه أن يقسم ليخفيَن ما يلقن من الأسرار التى سوف يلقنه إياها، ثم يلقنه أن سلامَة النفس تتوقف على طاعة الإمام طاعة عمياء فى أمور الدين والدنيا. ولا تصل أغلبية المجتهدين فى هذا المذهب إلى ما بعد المرتبتين الأولى

стр. 769

والثانية من مراتب التلقين، وقلما يصل الدعاة إلى المرتبة السادسة ويطمح قليل من الأفراد الممتازين فى الوصول إلى المرتبة العليا من مراتب التلقين. والجنة فى معتقد الإسماعيلية رمز إلى حالة النفس التى حصلت العلم الكامل، ويرمز بالجحيم إلى حالة الجهالة، ويقولون إنه لم يحكم على نفس قط بالجحيم الأبدى، ولكن النفس تعود ثانية إلى الأرض بالتناسخ إلى أن تعرف الإمام الموجود فى العصر الذى عادت فيه إلى الأرض وتأخذ عنه المعارف الدينية، وليس وجود الشر بواجب فى معتقدهم، ولكنه سوف يختفى يوماً ما عندما تتشبه الكائنات كلها بالعقل الكلى شيئًا فشيئاً. وعلى الرغم مما اشتهر به الإسماعيلية من أنهم سفاكون للدماء، للك الشهرة التى لوثت سمعتهم، فإنه يجب ألا يدور بخلدنا أن جرائمهم للك كانت من لوازم عقيدتهم، بل إننا نرى فى ذلك نوعاً من الغلو فى السلطة السياسية المطلقة التى جعلها مؤسسو هذا المذهب لأنفسهم، وقد لاحظ روسو (Annales des voyages جـ ١٤، ص ٢٨٦) أن الإسماعيلية الذين عرفهم كانوا أناساً كرماء من ذوى الدماثة لا يخشون الأسفار نشطين فى ديارهم مستمسكين بدينهم الذى يختلف كثيراً عن عقيدة السلف، وهم شجعان إذا دعتهم الملمات مطيعون لزعمائهم. المصادر: (١) الفهرست، جـ ١، ص ١٨٦ وما بعدها. (٣) الشهرستانى، طبعة كيورتن، ص ١٤٥ وما بعدها، ترجمتة Haarbucker جـ ١ ص ٢١٩ - ٢٣٠. (٣) ابن حزم: الفِصَل جـ ٢، ص ١١٦. (٤) The Heterodoxies: L. Friedlander of the Shiites، انظر الفهرس. (٥) Streitschr des Ga-: L.Goldziher Batiniiia - Sekte zali gegen die، ليدن ١٩١٦. (٦) ابن الأثير، طبعة تورنبرغ، جـ ١٠، ص ٢١٣ وما بعدها. (٧) المقريزى: الخطط، بولاق سنة ١٢٧٠ م، جـ ١، ص ٣٩١ وما بعدها.

стр. 770

(٨) ابن خلدون المقدمة طبعة - Qua tremere, جـ ١ ص ٣٦٢ - ٣٦٤ ترجمة ده سلان، جـ ١، ص ٤٠٩ - ٤١. (٩) ابن خلدون: العبر، جـ ٥، ص ٢٦. (١٠) ميرخواند: روضة الصفا، جـ ٤، ص ٦١ - ٧١. (١١) Ghrestomathie Per-: Schefer sane جـ ١، ص ١٧٧ وما بعدها. (١٢) خواندمير: حبيب السير، جـ ٢، الجزء الرابع، ص ٦٩ - ٨١. (١٣) منجم باشى: جـ ٢، ص ٤٦٨ وما بعدها. (١٤) Histoire des: C.d ohsson mongols جـ ٣، ص ١٤١ - ٢٠٣. (١٥) Essai sur ١' hist de: Dozy l 'Islamisme، ص ٢٥٧ وما بعدها. (١٦) Herrschende: A.von Kremer Ideen، ص ١٦٦ وما بعدها. (١٧) Le Messianisme et l': E. Blocht heteodoxie Musulmane ص ٥٤ وما بعدها. (١٨) Nouvelles Re-: Defremery cherches sur les Ismaeliens فى المجلة الأسيوية، المجموعة الخامسة، جـ ٣، ص ٣٧٣ وما بعدها (١٨٥٤) جـ ٥، ص ٥ وما بعدها. (١٩) - Essai sur ١'histoier des Ismae liens ou Batinienc de La Perse. المجلة الأسيوية، المجموعة الخامسة، جـ ٨، ص ٣٥٣ وما بعدها (سنة ١٨٥٦)، جـ ١٥، ص ١٠٣ وما بعدها، ١٨٦٠. (٢٠) Fragments: Stanislas Guyard, وكذلك un Grand maitre de l'order des Assassins فى المجلة الأسيوية، المجموعة السابعة، جـ ٩، وما بعدها. (٢١) Gesch der As-: J.v. Hammer sassinen شتوتكارت ١٨١٨، الترجمة الفرنسية، باريس سنة ١٨٣٣. (٢٢) Revue du Monde Musulman, جـ ١، ص ٤٨ وما بعدها جـ ٢، ص ٣٧١ وما بعدها؛ جـ ١٠، ص ٤٦٥ وما بعدها، جـ ١٢، , ص ٢١٤ وما بعدها، ٤٠٦، وما بعدها، جـ ٢٤، ص ٢٠٢ وما بعدها. (٢٣) Der Islam etc: A.Muller جـ، ١، ص ٨٨٨ - ٥٩٣، ٥٩٥ وما بعدها، ٦٠٩، ٦٢٧، ٦٣٠، ٦٣٧ وما بعدها، جـ ٢، ص ٦١، ٩٨ - ١٠٦، ١٥٥،

стр. 771

وما بعدها، ٢٣٠ وما بعدها، ٢٤٦ وما بعدها. (٢٤) Literary Hsi-: Edw. G Browne tory of Persia جـ ١، ص ٣٩١ وما بعدها، جـ ٢، ص ٢٠٤ وما بعدها، وانظر كذلك الفهرس. [إيوار GL. Huart] + الإسماعيلية: فرقة إسلامية انشعبت من الشيعة، وقد انقسمت عدة فروع يختلف بعضها كل عن الآخر فى أقواله، ويشار إليها فى التواريخ التى كتبت فى أزمان مختلفة بأسماء مختلفة، وأقدمها (من القرن الثالث إلى القرن الخامس الهجرى = من القرن التاسع إلى القرن الحادى عشر الميلادى) القرامطة (وهى تسمية مخطئة)؛ والباطنية (من القرن الرابع الهجرى الموافق العاشر الميلادى، وما بعده فى كتب العرب)؛ والسبعية؛ والتعليمية؛ والملاحدة (وهى تسمية مسيئة، المصنفات الفارسية، القرن السادس الهجرى = القرن الثانى عشر الميلادى وما بعده). . . إلخ. وتسمى الإسماعيلية الآن فى فارس "مريدان آغا خان محلاتى"؛ وفى آسية الوسطى ملائى أو مولائى؛ وفى الهند: الخوجوات (النزارية)، والبوهرا أو البهرة (المستعلية) إلخ ... ١ - تاريخ الحركة: نشأت الإسماعيلية رسمياً فرعاً قائماً بذاته من الشيعة بعد وفاة إسماعيل بن الإمام جعفر الصادق قبل سنة ١٤٨ هـ (٧٦٥ م) بوقت غير طويل؛ وقد أبى الإسماعيلية أن يعترفوا بالمستخلف الجديد وهو موسى الكاظم أخو إسماعيل. وإنما نقلوا ولاءهم إلى ابن إسماعيل وخليفته محمد وخلفاء محمد هذا. ولسنا نعرف شيئًا موثوقاً به عن تاريخ هذه الفرقة مدة تقرب من المائة والخمسين عاماً، أى إلى نهاية القرن الثالث الهجرى (التاسع الميلادى)، بل إن أسماء الأئمة الذين خلفوا محمد بن إسماعيل وترتيبهم أمر مشكوك فيه. والرواية الفاطمية تذكرهم كما يأتى: عبد الله، وأحمد، وحسين؛ والرواية الفارسية النزارية: أحمد، ومحمد، وأحمد؛ والرواية الهندية النزارية: أحمد، ومحمد، وعبد الله؛ والرواية الدرزية:

стр. 772

إسماعيل الثانى، محمد، أحمد، عبد الله، محمد، حسين، وأحمد (أى سبعة بدلا من ثلاثة). قبل أن يسفر الإسماعيلية على مسرح التاريخ، ظهر فى الوقفة الثانية للقرن الثالث الهجرى (التاسع الميلادى) بجنوبى أرض الجزيرة فرقة القرامطة الذين كان يخلط بينهم وبين الإسماعيلية عن قصد أو غير قصد. ولما كان القرامطة قد أثاروا كراهية الأمم الإسلامية لهم بغارات النهب والسلب التى كانوا يشنونها، فإن مثل هذا الخلط قد أضر بقضية الفاطميين. وما تزال أقوال القرامطة الحقة فى الدين وطبيعة علاقاتهم بالأئمة الإسماعيلية غامضة كل الغموض. على أن من الحقائق التى لامراء فيها أن القرامطة كانوا فى مجرى تاريخهم القصير كله يقفون موقف العداء من الإسماعيلية، وكذلك كان الإسماعيلية يعدونهم أعداءهم الألداء. والقول الجاري هو أن تنظيم القرامطة والإسماعيلية الذين يلتبسون بهم، ينسب إلى عبد الله بن ميمون القدّاح، وتكاد الكتب أو الروايات الإسماعيلية لا تحتفظ له بأية ذكرى. وإنما يعدّه كتاب "زاد المعانى"، المتأخر الذى يرجع إلى القرن التاسع الهجرى (الخامس عشر الميلادى) سليلا لسلمان الفارسى وقرينا لإمامين مستترين من المتقدمين. ولم يصل الينا كتاب واحد من كتبه حتى إذا افترضنا وجودها، ولا أشير إلى أنها فى المراجع الإسماعيلية المأثورة، وهذا هو ما قاله لى بعض علماء الإسماعيلية. وقد يكون لسكوت هذه الكتب عنه أسباب مختلفة حقا، ولكنها لا تكاد تدعم القول بأنه هو المنشئ الحقيقى للفرقة كما تقول القصة. ومهما يكن من شئ فإن فرقة الإسماعيلية كانت منظمة تنظيما حسنا بالفعل حوالى نهاية القرن الثالث الهجرى (التاسع الميلادى)، ولها جذور راسخة فى فارس واليمن والشام، كما كانت تنتشر بسرعة فى شمالى إفريقية. والحق إن تاريخ المهدي وغيره من الخلفاء الفاطميين معروفة حق المعرفة. وكانت الدعوة الناشطة القوية تباشر خلال القرن الرابع الهجرى (العاشر الميلادى)، وما وافى منتصف

стр. 773

القرن الخامس حتى كانت الإسماعيلية صلبة العود من المحيط الأطلسى إلى الأركان السحيقة من العالم الإِسلامي ونعنى بها ما وراء النهر وبذَخشْان والهند، وكانت قوية بصفة خاصة فى فارس: فى ولايات بحر الخزر وآذربيجان، والرّىَ، وقومس، وإصفهان، وفارس وخوزستان، وكرمان، وكردستان، وخراسان؛ وكان فى طبس، وطرُشيز، وقوهِستان، وغزنة وبذخشان وما وراء النهر مراكز هامة للدعوة. وقد خرج من فارس أئمة الفلاسفة الإسماعيلية والأصحاب الأصلاء لمذاهبها مثل أبى يعقوب السجستانى المتوفى حوالى سنة ٣٣١ هـ (٩٤٢ م) وأبى حاتم الرازى المتوفى حوالى ذلك الوقت، وحميد الدين الكرمانى المتوفى حوالى عام ٤١٠ هـ (١٠١٩ م)، والمؤيد الشيرازى المتوفى سنة ٤٧٠ هـ (١٠٧٧ م)؛ ويمكن أن نضيف إلى هذه الطائفة ناصر خسرو والحسن بن الصَبَّاح. وكانت الإسماعيلية تضطهد فى كل مكان باعتبارها حركة سياسية خطيرة، ولكن أسباب تدهورها السريع بعد نجاحها الباهر لا تكمن فى هذا. ذلك أن أخطر ما هز كيانها هو الخلافات التى دبت بين طبقة مشايخ المذهب، بل بين أسر الأئمة أنفسهم. وكانت أول فُرقة خطيرة هى ما أحدثته الحاكمية أى الدروز الذين لم يصدقوا بوفاة الحاكم سنة ٤١١ هـ (١٠٢١ م) بل انتظروا رجعته، ولم يكن لهذه الفرقة إلا شأن سياسى محلى. أما الفُرقة الثانية التى أحدثها النزارية فكانت نكبة. ذلك أنه لما توفي المستنصر فى الثامن عشر من ذى الحجة سنة ٤٨٧ (٢٩ ديسمبر سنة ١٠٩٤) سُلب الأخ الأكبر نزار العرش، إذ انتزعه منه أخوه المستعلى يعاونه أمير الأمراء وكان موقف دوائر الإسماعيلية فى مصر أجنح إلى العداء، ولم يستطع نزار أن يجد سنداً يدعم مركزه فاعتقل وقتل هو وابنه فى السجن بأوامر من أخيه وأثار الخبر غضبا جائحا فى الشام وفى جميع أرجاء المشرق، وانفصلت أغلبية كبيرة

стр. 774

عن الجماعة واحتفظوا بولائهم للـ "نص" الأول. وكذلك لم يحرك إسماعيلية مصر، المستعلية، ساكناً عندما انقرض نسل أئمة الفاطمية فى مصر. ذلك أن الآمر اغتيل سنة ٥٢٤ هـ (١١٣٠ م؛ وتجعل المصادر الإسماعيلية وفاته سنة ٥٢٦ هـ = ١١٣٢ م) فاستتر ابنه ووريثه الطفل "الطيب" (يشك المؤرخون كثيراً فى وجوده). ولم يعد الخلفاء الفاطميون الأربعة الأواخر على مصر أئمة ولم يدّعوا هم أنفسهم ذلك، وكانت الخطبة باسم القائم الإمام المنتظر الذى سيظهر فى اليوم الآخر. ولا يزال أتباع السنّة الفاطمية، وهم المستعلية، يعتقدون أن الأئمة، خلفاء الطيب، يعيشون فى استتار تام بمكان ما، ولسوف يظهرون أنفسهم حين يحين الوقت. ونقل مركز حكم المستعلية إلى اليمن حيث يحكم الجماعة "الداعى المطلق"، وقد اختفت الإسماعيلية من مصر ومن شمالى إفريقية بسرعة عجيبة؛ وظلت فى اليمن ضئيلة الشأن حوالى خمسمائة عام، ولكن الأمور اختلفت كل الاختلاف فى الهند، ذلك أنه ما وافت بداية القرن الحادى عشر الهجرى (السابع عشر الميلادى) حتى كانت الجالية الإسماعيلية هناك قد زادت زيادة عظيمة، وازداد خطرها ازدياداً كبيراً عن الجماعة الأصلية واقتضى الأمر نقل مقر الدعاة إلى الهند. وقد اقترن هذا النقل بفُرقة أخرى نشأت من المنافسات التى دبت بين مشايخ الإسماعيلية، ذلك أنه لما توفي الداعى السادس والعشرون: داود بن عجب شاه سنة ٩٩٩ هـ (١٥٩١ م) فى أحمد آباد، تبعت أغلبية الإسماعيلية (الداودية) داود بن قطب شاه وعدَوه داعيهم السابع والعشرين، أما الحزب اليمنى فقد استمسك بسليمان بن الحسن (السليمانية). والداعى السليمانى الحالى (١) الذى يقيم فى اليمن هو الداعى الخامس والأربعون (على محسن، والداعى الداودى يقيم فى بومباى) والداعى الواحد والخمسون هو طاهر بن محمد (انظر عن أسماء الدعاة عند الفرعين

стр. 775

A Chronological hist.: Asaf A.A Fyzee of the Imams and Da,is of the Musta, lian Isnailis فى J.B.B.R.A.S، سنة ١٩٣٤، ص ٤٥ - ٥٦). وكانت ثمة انشعابات كثيرة أصغر من هذه، ولكنها ليست بذات أهمية. ويجب أن نلاحظ أنه لا توجد خلافات عقائدية بين الداودية والسليمانية. النزارية: جاء فى الرواية الإسماعيلية التى تنطوى فيما يظهر على عنصر كبير من الحقيقة، أن الهادي ولد نزار قتل هو وأبوه فى السجن. ولكن ابنه الوليد ووريثه المهتدى قد حمله خدم أمناء إلى ألموت فى فارس حيث نشأه الحسن بن الصباح فى خفاء بالغ، ولما مات المهتدى سنة ٥٥٧ هـ (١١٦٢ م) اعتلى ابنه القاهر بأحكام الله الحسن (تضع النسبة المأثورة للنزارية فى الوقت الحالى بدله أمامين: القاهر والحسن) العرش جهرة، وفى السابع عشر من رمضان سنة ٥٥٩ هـ (٨ أغسطس سنة ١١٦٤) أعلن "قيامة القيامات". وقد استن لاتباعه عبادة روحية تنتقض من قيمة "الظاهر"، وتناسب أولئك الذين نجوا ودخلوا الجنة الروحية. وأغلب الظن أن حالة المؤمنين فى هذه الجنة هى الأصل الحقيقى للأسطورة المشهورة عن الحديقة التى زرعها الحسن الصباح على صخور ألموت الممحلة ليقلد بها الجنة ويغوى بها أتباعه. وتاريخ أربعة آخرين من "خداوندية" ألموت (وهم علاء الدين أو ضياء الدين، وجلال الدين، وعلاء الدين الثانى، وركن الدين خورشاه) معروف إلى حد ما (وخير هوجز لهذا التاريخ أورده E.G Browne فى كتابه Lierary History of Persia، جـ ٢، ص ٤٥٣ - ٤٦٠). وكان عدد النزارية فى الشام كبيراً، وكانوا قد لعبوا دوراً هاماً فى حرب الصليبيين فى جانب صلاح الدين بقيادة زعيمهم الموهوب رشيد الدين سنان (٥٥٧ - ٥٨٨ هـ = ١١٦٢ - ١١٩٢ م؛ انظر Un Grand: stan Guyard Maitre des Assassins فى Jour . As، سنة ١٨٧٧، ص ٣٢٤ - ٤٨٩). وقد أخفى شمس الدين محمد ولد ركن الدين خورشاه بعناية وهو بعد طفل. وكان شمس الدين وخلفاؤه أمام
следующие страницы →