وما بعدها، ٢٣٠ وما بعدها، ٢٤٦ وما بعدها.
(٢٤) Literary Hsi-: Edw. G Browne tory of Persia جـ ١، ص ٣٩١ وما بعدها، جـ ٢، ص ٢٠٤ وما بعدها،
وانظر كذلك الفهرس.
[إيوار GL. Huart]
+ الإسماعيلية: فرقة إسلامية انشعبت من الشيعة، وقد انقسمت عدة فروع يختلف بعضها كل عن الآخر فى أقواله، ويشار إليها فى التواريخ التى كتبت فى أزمان مختلفة بأسماء مختلفة، وأقدمها (من القرن الثالث إلى القرن الخامس الهجرى = من القرن التاسع إلى القرن الحادى عشر الميلادى) القرامطة (وهى تسمية مخطئة)؛ والباطنية (من القرن الرابع الهجرى الموافق العاشر الميلادى، وما بعده فى كتب العرب)؛ والسبعية؛ والتعليمية؛ والملاحدة (وهى تسمية مسيئة، المصنفات الفارسية، القرن السادس الهجرى = القرن الثانى عشر الميلادى وما بعده). . . إلخ. وتسمى الإسماعيلية الآن فى فارس "مريدان آغا خان محلاتى"؛ وفى آسية الوسطى ملائى أو مولائى؛ وفى الهند: الخوجوات (النزارية)، والبوهرا أو البهرة (المستعلية) إلخ ...
١ - تاريخ الحركة: نشأت الإسماعيلية رسمياً فرعاً قائماً بذاته من الشيعة بعد وفاة إسماعيل بن الإمام جعفر الصادق قبل سنة ١٤٨ هـ (٧٦٥ م) بوقت غير طويل؛ وقد أبى الإسماعيلية أن يعترفوا بالمستخلف الجديد وهو موسى الكاظم أخو إسماعيل. وإنما نقلوا ولاءهم إلى ابن إسماعيل وخليفته محمد وخلفاء محمد هذا. ولسنا نعرف شيئًا موثوقاً به عن تاريخ هذه الفرقة مدة تقرب من المائة والخمسين عاماً، أى إلى نهاية القرن الثالث الهجرى (التاسع الميلادى)، بل إن أسماء الأئمة الذين خلفوا محمد بن إسماعيل وترتيبهم أمر مشكوك فيه. والرواية الفاطمية تذكرهم كما يأتى: عبد الله، وأحمد، وحسين؛ والرواية الفارسية النزارية: أحمد، ومحمد، وأحمد؛ والرواية الهندية النزارية: أحمد،
ومحمد، وعبد الله؛ والرواية الدرزية:
стр. 772
إسماعيل الثانى، محمد، أحمد، عبد الله، محمد، حسين، وأحمد (أى سبعة بدلا من ثلاثة).
قبل أن يسفر الإسماعيلية على مسرح التاريخ، ظهر فى الوقفة الثانية للقرن الثالث الهجرى (التاسع الميلادى) بجنوبى أرض الجزيرة فرقة القرامطة الذين كان يخلط بينهم وبين الإسماعيلية عن قصد أو غير قصد. ولما كان القرامطة قد أثاروا كراهية الأمم الإسلامية لهم بغارات النهب والسلب التى كانوا يشنونها، فإن مثل هذا الخلط قد أضر بقضية الفاطميين. وما تزال أقوال القرامطة الحقة فى الدين وطبيعة علاقاتهم بالأئمة الإسماعيلية غامضة كل الغموض. على أن من الحقائق التى لامراء فيها أن القرامطة كانوا فى مجرى تاريخهم القصير كله يقفون موقف العداء من الإسماعيلية، وكذلك كان الإسماعيلية يعدونهم أعداءهم الألداء.
والقول الجاري هو أن تنظيم القرامطة والإسماعيلية الذين يلتبسون بهم، ينسب إلى عبد الله بن ميمون القدّاح، وتكاد الكتب أو الروايات الإسماعيلية لا تحتفظ له بأية ذكرى. وإنما يعدّه كتاب "زاد المعانى"، المتأخر الذى يرجع إلى القرن التاسع الهجرى (الخامس عشر الميلادى) سليلا لسلمان الفارسى وقرينا لإمامين مستترين من المتقدمين. ولم يصل الينا كتاب واحد من كتبه حتى إذا افترضنا وجودها، ولا أشير إلى أنها فى المراجع الإسماعيلية المأثورة، وهذا هو ما قاله لى بعض علماء الإسماعيلية. وقد يكون لسكوت هذه الكتب عنه أسباب مختلفة حقا، ولكنها لا تكاد تدعم القول بأنه هو المنشئ الحقيقى للفرقة كما تقول القصة.
ومهما يكن من شئ فإن فرقة الإسماعيلية كانت منظمة تنظيما حسنا بالفعل حوالى نهاية القرن الثالث الهجرى (التاسع الميلادى)، ولها جذور راسخة فى فارس واليمن والشام، كما كانت تنتشر بسرعة فى شمالى إفريقية. والحق إن تاريخ المهدي وغيره من الخلفاء الفاطميين معروفة حق المعرفة. وكانت الدعوة الناشطة القوية تباشر خلال القرن الرابع الهجرى (العاشر الميلادى)، وما وافى منتصف
стр. 773
القرن الخامس حتى كانت الإسماعيلية صلبة العود من المحيط الأطلسى إلى الأركان السحيقة من العالم الإِسلامي ونعنى بها ما وراء النهر وبذَخشْان والهند، وكانت قوية بصفة خاصة فى فارس: فى ولايات بحر الخزر وآذربيجان، والرّىَ، وقومس، وإصفهان، وفارس وخوزستان، وكرمان، وكردستان، وخراسان؛ وكان فى طبس، وطرُشيز، وقوهِستان، وغزنة وبذخشان وما وراء النهر مراكز هامة للدعوة.
وقد خرج من فارس أئمة الفلاسفة الإسماعيلية والأصحاب الأصلاء لمذاهبها مثل أبى يعقوب السجستانى المتوفى حوالى سنة ٣٣١ هـ (٩٤٢ م) وأبى حاتم الرازى المتوفى حوالى ذلك الوقت، وحميد الدين الكرمانى المتوفى حوالى عام ٤١٠ هـ (١٠١٩ م)، والمؤيد الشيرازى المتوفى سنة ٤٧٠ هـ (١٠٧٧ م)؛ ويمكن أن نضيف إلى هذه الطائفة ناصر خسرو والحسن بن الصَبَّاح.
وكانت الإسماعيلية تضطهد فى كل مكان باعتبارها حركة سياسية خطيرة، ولكن أسباب تدهورها السريع بعد نجاحها الباهر لا تكمن فى هذا. ذلك أن أخطر ما هز كيانها هو الخلافات التى دبت بين طبقة مشايخ المذهب، بل بين أسر الأئمة أنفسهم. وكانت أول فُرقة خطيرة هى ما أحدثته الحاكمية أى الدروز الذين لم يصدقوا بوفاة الحاكم سنة ٤١١ هـ (١٠٢١ م) بل انتظروا رجعته، ولم يكن لهذه الفرقة إلا شأن سياسى محلى. أما الفُرقة الثانية التى أحدثها النزارية فكانت نكبة. ذلك أنه لما توفي المستنصر فى الثامن عشر من ذى الحجة سنة ٤٨٧ (٢٩ ديسمبر سنة ١٠٩٤) سُلب الأخ الأكبر نزار العرش، إذ انتزعه منه أخوه المستعلى يعاونه أمير الأمراء وكان موقف دوائر الإسماعيلية فى مصر أجنح إلى العداء، ولم يستطع نزار أن يجد سنداً يدعم مركزه فاعتقل وقتل هو وابنه فى السجن بأوامر من أخيه وأثار الخبر غضبا جائحا فى الشام وفى جميع أرجاء المشرق، وانفصلت أغلبية كبيرة
стр. 774
عن الجماعة واحتفظوا بولائهم للـ "نص" الأول.
وكذلك لم يحرك إسماعيلية مصر، المستعلية، ساكناً عندما انقرض نسل أئمة الفاطمية فى مصر. ذلك أن الآمر اغتيل سنة ٥٢٤ هـ (١١٣٠ م؛ وتجعل المصادر الإسماعيلية وفاته سنة ٥٢٦ هـ = ١١٣٢ م) فاستتر ابنه ووريثه الطفل "الطيب" (يشك المؤرخون كثيراً فى وجوده). ولم يعد الخلفاء الفاطميون الأربعة الأواخر على مصر أئمة ولم يدّعوا هم أنفسهم ذلك، وكانت الخطبة باسم القائم الإمام المنتظر الذى سيظهر فى اليوم الآخر. ولا يزال أتباع السنّة الفاطمية، وهم المستعلية، يعتقدون أن الأئمة، خلفاء الطيب، يعيشون فى استتار تام بمكان ما، ولسوف يظهرون أنفسهم حين يحين الوقت.
ونقل مركز حكم المستعلية إلى اليمن حيث يحكم الجماعة "الداعى المطلق"، وقد اختفت الإسماعيلية من مصر ومن شمالى إفريقية بسرعة عجيبة؛ وظلت فى اليمن ضئيلة الشأن حوالى خمسمائة عام، ولكن الأمور اختلفت كل الاختلاف فى الهند، ذلك أنه ما وافت بداية القرن الحادى عشر الهجرى (السابع عشر الميلادى) حتى كانت الجالية الإسماعيلية هناك قد زادت زيادة عظيمة، وازداد خطرها ازدياداً كبيراً عن الجماعة الأصلية واقتضى الأمر نقل مقر الدعاة إلى الهند. وقد اقترن هذا النقل بفُرقة أخرى نشأت من المنافسات التى دبت بين مشايخ الإسماعيلية، ذلك أنه لما توفي الداعى السادس والعشرون: داود بن عجب شاه سنة ٩٩٩ هـ (١٥٩١ م) فى أحمد آباد، تبعت أغلبية الإسماعيلية (الداودية) داود بن قطب شاه وعدَوه داعيهم السابع والعشرين، أما الحزب اليمنى فقد استمسك بسليمان بن الحسن (السليمانية). والداعى السليمانى الحالى (١) الذى يقيم فى اليمن هو الداعى الخامس والأربعون (على محسن، والداعى الداودى يقيم فى بومباى) والداعى الواحد والخمسون هو طاهر بن محمد (انظر عن أسماء الدعاة عند الفرعين
стр. 775
A Chronological hist.: Asaf A.A Fyzee of the Imams and Da,is of the Musta, lian Isnailis فى J.B.B.R.A.S، سنة ١٩٣٤، ص ٤٥ - ٥٦). وكانت ثمة انشعابات كثيرة أصغر من هذه، ولكنها ليست بذات أهمية. ويجب أن نلاحظ أنه لا توجد خلافات عقائدية بين الداودية والسليمانية.
النزارية: جاء فى الرواية الإسماعيلية التى تنطوى فيما يظهر على عنصر كبير من الحقيقة، أن الهادي ولد نزار قتل هو وأبوه فى السجن. ولكن ابنه الوليد ووريثه المهتدى قد حمله خدم أمناء إلى ألموت فى فارس حيث نشأه الحسن بن الصباح فى خفاء بالغ، ولما مات المهتدى سنة ٥٥٧ هـ (١١٦٢ م) اعتلى ابنه القاهر بأحكام الله الحسن (تضع النسبة المأثورة للنزارية فى الوقت الحالى بدله أمامين: القاهر والحسن) العرش جهرة، وفى السابع عشر من رمضان سنة ٥٥٩ هـ (٨ أغسطس سنة ١١٦٤) أعلن "قيامة القيامات". وقد استن لاتباعه عبادة روحية تنتقض من قيمة "الظاهر"، وتناسب أولئك الذين نجوا ودخلوا الجنة الروحية. وأغلب الظن أن حالة المؤمنين فى هذه الجنة هى الأصل الحقيقى للأسطورة المشهورة عن الحديقة التى زرعها الحسن الصباح على صخور ألموت الممحلة ليقلد بها الجنة ويغوى بها أتباعه.
وتاريخ أربعة آخرين من "خداوندية" ألموت (وهم علاء الدين أو ضياء الدين، وجلال الدين، وعلاء الدين الثانى، وركن الدين خورشاه) معروف إلى حد ما (وخير هوجز لهذا التاريخ أورده E.G Browne فى كتابه Lierary History of Persia، جـ ٢، ص ٤٥٣ - ٤٦٠). وكان عدد النزارية فى الشام كبيراً، وكانوا قد لعبوا دوراً هاماً فى حرب الصليبيين فى جانب صلاح الدين بقيادة زعيمهم الموهوب رشيد الدين سنان (٥٥٧ - ٥٨٨ هـ = ١١٦٢ - ١١٩٢ م؛ انظر Un Grand: stan Guyard Maitre des Assassins فى Jour . As، سنة ١٨٧٧، ص ٣٢٤ - ٤٨٩).
وقد أخفى شمس الدين محمد ولد ركن الدين خورشاه بعناية وهو بعد طفل. وكان شمس الدين وخلفاؤه أمام
стр. 776
أمرين: إما أن يعيشوا فى استتار تام أو يظهروا بمظهر مشايخ الصوفية، وهو الأرجح، ذلك أن عدد هؤلاء المشايخ كان كبيرا فى ذلك الوقت. وكان كثير منهم يشغلون مناصب بارزة: ولاة لبعض الأقاليم يتصاهرون مع الملوك الصفوية .. وغير ذلك ومن المؤسف أنه لم تصل إلينا بعد إلا تفصيلات وتواريخ قليلة.
وتذكر بعض المصادر الأئمة الذين خلفوا شمس الدين مباشرة كما يأتى: مؤمن شاه وابنه قاسم شاه، ولكن النسبة الرسمية تغفلهما؛ ثم يليهما: قاسم شاه الثانى، وإسلام شاه الأول، وإسلام شاه الثانى، والمستنصر بالله الثانى، وعبد السلام، وغريب ميرزا، وبو ذرّ على، ومراد على (فى نهاية القرن العاشر الهجرى فيما يرجح = القرن السادس عشر الميلادى)، وذو الفقار على (أوائل القرن الحادى عشر الهجرى = القرن السابع عشر الميلادى)، ونور الدهر على (حوالى سنة ١٠٥٦ هـ = ١٦٤٦ م)، وخليل الله الأول، وعطاء الله نزار، وسيد على، وحسن بك (= أبو الحسن على) وهو معاصر لنادر، وقاسم على شاه، وسيد حسن على (= باقر على) المتوفى فى أوائل القرن الثالث عشر الهجرى (آخر القرن الثامن عشر الميلادى)؛ وقد خلفه ابنه خليل الله الثانى الذى قلم فى يَزد سنة ١٢٣٢ هـ (١٨١٧ م). وقد تزوج ابن هذا حسن على شاه ابنة فتح على شاه قاجار وأقيم والياً على كرمان، ولكنه اضطر إلى الهرب إلى الهند سنة ١٢٩٨ هـ (١٨٨١ م). وعاش خلف هذا الإمام: على شاه فى بومباى وتوفى سنة ١٣٠٣ هـ (١٨٨٥ م). واشتهر ابنه إمام النزارية: سلطان محمد شاه بين الجمهور بلقب أغاخان.
وقد ترك نزارية الهند، أو الخوجوات الهندوسية واعتنقوا مذهب النزارية حوالى القرن الثامن الهجرى (الرابع عشر الميلادى). وكتبهم الدينية مؤلفة بالسندية والكجراتية، وهى تتبع إلى حدا ما القيم الهندوسية فى الشكل أكثر من اتباعها للفارسية، كما تحتفظ أيضًا ببعض المصطلحات الدينية والفلسفية الهندوسية.
٢ - التوزيع الحالى للإسماعيلية (١):
يوجد النزارية فى سورية بالقرب
стр. 777
من حماة؛ وفى فارس: بولايتى خراسان وكرمان؛ وفى أفغانستان: بشمالى جلال آباد وفى بذخشان؛ وفى التركستان الروسية والصينية: بنواحى جيحون الأعلى وفى يارقند وغير ذلك، وفى شمالى الهند: فى جترال، وكلكت، وهونزه وغيرها؛ وفى غربى الهند: فى السند وكجرات وبومباى وغيرها، وتوجد جالياتهم فى جميع أرجاء الهند، وفى إفريقية الشرقية وغير ذلك من الأنحاء. وقد يبلغ مجموع النزارية حوالى ٢٥٠.٠٠٠ نفس.
ويعيش البوهرا، أو المستعلية الهنود، فى كجرات ووسط الهند وبومباى خاصة. ويبلغ عددهم وفق آخر تعداد للهند: ٢١٢.٠٠٠ نسمة، وثمة جاليات كثيرة منهم فى إفريقية الشرقية؛ ويبلغ عدد السليمانية منهم مئات قليلة أما الباقي فمن الداودية. ولا يزال فى اليمن آلاف قليلة، من الإسماعيلية وأغلبيتهم من السليمانية.
٣ - المذهب:
المعلومات التى اتخذت حتى الآن أساساً لمعرفتنا بمذهب الإسماعيلية -وهى التى استقيت من كتب مختلفة كتبها المؤرخون ومن أرّخوا للبدع من أهل السنة - تبدو ضئيلة الفائدة إذا هى قورنت بالكتب الإسماعيلية الأصلية الأصلية. فقد بدت الوقائع فيها مختلطة مشوهة محرفة عن قصد أو عن غير قصد حتى إن استخلاص الحقيقة من الزيف يقتضى وقتا طويلًا، وخير ما نفعل فيما يبدو هو أن نتركها فى الوقت الحاضر، ونسوق هنا أبرز الوقائع المستقاة من الكتب الأصلية ومن السنّة المذهبية.
ونحن لا نعلم شيئًا عن المرحلة الأولية لعقائد الإسماعيلية، شأننا فى ذلك شأن أقدم مرحلة فى مذهب الشيعة، إذ نحن لا نعرف عن هذه، المرحلة إلا أقل القليل. ويجوز لنا أن نتصور أن جميع فرق الشيعة المتقدمة كانت لا تختلف إحداها عن الأخرى (بما فما ذلك الفرق السنية أيضًا) إلا فى القليل، باستثناء مسألة سلسلة الأئمة، ذلك أن الخصائص العقائدية لهذه الفرق
стр. 778
لم تظهر فى أغلب الظن إلا بعد ذلك. ومن الوقائع المشهورة أن الكتاب العمدة فى فقه الإسماعيلية وهو كتاب "دعائم الإسلام" للقاضى النعمان المتوفى سنة ٣٦٣ هـ (٩٧٣ م) قريب كل القرب من مذهب الاثنى عشرية حتى إن كثيراً من متكلمى هذا المذهب الأثبات يعدونه من الكتب التى تنتمى إليهم.
ولم يبق الآن من كتب الإسماعيلية السابقة لعهد الفاطميين إلا القليل جداً، وأقدم ما نعرف منها يرجع إلى أوائل القرن الرابع الهجرى (العاشر الميلادى). ويبدو المذهب فيها، من حيث الظاهر والباطن، نامياً كل النمو مستقراً استقراراً لا بأس به، ومن المستحيل فى الوقت الحاضر أن نتبين من وضع أساسه ومتى كان ذلك. وقد علمنا مما سبق أن القصة الجارية التى تقول بأن المذهب نشأ نتيجة للحقد الشيطانى الذى كان يضمره عبد الله بن ميمون القداح، هى قصة بعيدة الاحتمال جداً فيما يظهر. وربما اقتربنا من الحقيقة أكثر إذا ذهبنا إلى أن تكوين المذهب كان تدريجيا وأنه نبع من ذاته. والمدة التى كان المذهب الإسماعيلى فيها ينمو ما بين القرنين الثانى والثالث الهجريين (الثامن والتاسع الميلاديين). كانت -إن شئت الدقة- مدة اشتد فيها الاهتمام بالعلم والفلسفة اليونانيين حتى شاع بين الطبقات المثقفة للمسلمين من جميع المذاهب وخاصة بين الشيعة. ولعلنا نذكر أيضًا أن فى هذه المدة بالذات وضع أساس المنهج الإسلامى فى العلوم والطب والمبادئ الفلسفية تحت رعاية الخلفاء العباسيين الذين شجعوا نقل كتب العلم اليونانى. ولم يمض إلا وقت قصير حتى وجدنا أن هذه العناصر التى دخلت مذهب الإسماعيلية قد تقبلها بعامة أشد المسلمين تقى، وكذلك كان تقبلها بين مذاهب الصوفية، وعند أئمة علماء الكلام. أما السبب الذى جعل مذهب الإسماعيلية يشتهر كل هذه الشهرة بالمروق والنزعات المناهضة للإسلام فيجب التماسه فى أمرين مختلفين: الأول أن الإسماعيلية إذ بلغوا فى ظل الفاطميين مستوى ثقافياً رفيعاً قد بذلوا محاولات للمواءمة بين مبادئ
стр. 779
الإسلام وأقصى ما بلغه العلم فى زمانهم، فسبقوا بذلك الأرجاء الأقل ثقافة من العالم الإسلامى سبقاً أوسع خطى من أن يُلحق. والثانى أن الصراع والمنافسة السياسيين قد حرّفا -عن قصد فى كثير من الأحيان- مذهبهم وأظهراه فى صورة سيئة، كما يتبين لنا من الكتب التى أرَّخت للبدع.
المذهب الرسمى للفاطميين:
وهو يقوم على "ظاهر" وهو الشريعة، وباطن. أما الظاهر فهو صورة من الإسلام محافظة كل المحافظة تشبه من وجوه كثير شعائر الإثنى عشرية، ولكنها تتفق فى بعض المسائل مع مذهب أهل السنة. والاستمساك بالصلاة والصوم وكل ما قضت به الشريعة كان فرضا على الجميع: "لا باطن بلا ظاهر". ومما يستأهل الملاحظة أن كل من أرخوا للبدع قد أغفلوا هذه الناحية من المذهب الإسماعيلى كل الإغفال مؤثرين قصصهم هم.
و"الباطن" الذى كان فرضا على كل إسماعيلى يقوم على تأويل آيات من القرآن، وبعض الأحاديث، وعلى أحكام دينية قصد بها إثبات الأصل الإلهى للإمامة واقتصار حق القيام بها على الفاطميين. ومما يصح أن نشير إليه أن المثال الذى كانت الإسماعيلية تصبو إليه دائماً قوامه تلك الصورة من الدين التى توائم مستوى تعليم المؤمن وعقليته.
مذهب الباطن:
إن الطالب الذى تأثر بالقصص المألوفة التى ترمى المذهب الإسماعيلى الباطنى بالخروج الشديد على الدين والنزعات المناهضة للإسلام خليق بأن يخيب أمله خيبة مرة حين يقرأ أشد كتب الإسماعيلية إيغالا فى الباطن مثل "راحة العقل" لحميد الدين الكرمانى، وبعض "المجالس" الباطنية للمؤيد الشيرازى، و"كنز الولد" لإبراهيم الحامدى و"ذخيرة" على بن محمد بن الوليد، و"زهر المعانى" لعماد الدين إدريس وغيرها من الكتب. وهذه الكتب تثبت إثباتا لا يعتوره أى شك أن المبادئ الأساسية فى أرفع مذهب
стр. 780
باطنى كانت هى أركان الإسلام، ونعنى بها الإيمان الذى لا يتزعزع بوحدانية اللهَ وأن محمدا رسول الله، وأن القرآن الكريم منزل .. . إلخ وما من شك أيضًا فى أن مؤلفى هذه الكتب لم يكن لهم غرض سوى تطوير المبادئ الأولية للإسلام وصقلها وجعلها مقبولة جذابة لعقل الإنسان المثقف المتفحص المعقد الذى قطع شوطا طويلا أبعده عن عقلية العرب البسيطة فى القرن السادس الميلادى.
ومذهب الباطن يقوم على ركنين: الأول تأويل القرآن الكريم والشريعة الذى برع فيه القاضى النعمان وجعفر بن منصور اليمن. والثانى، وهو أهم من الأول بكثير، الحقائق أى ذلك المنهج الإسماعيلى فى الفلسفة والعلم الذى يتسق مع الدين ويكشف عما ينطوى عليه باطنه من أسرار.
وهذا المذهب ثمرة مُثلى للعقل الإسلامى فى القرن الرابع أو الخامس الهجرى (العاشر أو الحادى عشر الميلادى) وهو يشبه من عدة وجوه فلسفة الفارابى.
وأبرز عناصر المذهب الإسماعيلى هى الفلسفة الأفلاطونية الجديدة المستقاة على نحو غير مباشر من تاسوعات أفلوطين، أو من شراحه المتقدمين، ولكن من بعض النسخ المتأخرة التى زيفت إلى حد كبير واختلطت بمسائل مختلفة الأجناس. وقد حاولت الإسماعيلية -شأن بعض المذاهب النصرانية واليهودية- أن تجد فى الفلسفة الأفلوطينية حلا يوفق بين فكرة التوحيد واثنينية العالم الظاهر. وكان منهج العلم اليونانى القديم - الذى كان فى مكنة أفلوطين أن يبنى عليه مذهبه- قد تغير تغيراً كبيراً قبيل القرن العاشر، ذلك أن كثيراً من نظرياته كان قد نسى، وظلت كتب يونانية كثيرة مجهولة للمسلمين، كما أن كثيراً من الزيف كان شائعًا. ومن ثم فإن الفلسفة الطبيعية للإسماعيلية، بما فيها من أفكار عن العالم العضوى والعالم غير العضوى، وعلم النفس، وعلم الحياة وما إلى ذلك، كانت تعتمد إلى حد ما على أرسطو، كما يعتمد جزء منها على الفيثاغورية الجديدة وغير
стр. 781
ذلك من الأنظار القديمة. على أننا لا نجد عند الإسماعيلية إشارات إلى هذه الكتب اليونانية الأصلية، وإنما نجد فحسب ذكراً غامضا لـ "الحكماء اليونانيين"، وهذا الذكر نادر جداً. ونجد عندهم كثيراً من الزيادات أخذوها من العلم المنحط المأثور عن العصور المتأخرة، فى صورة معتقدات أولية تنجيمية وكيماوية ورمزية سحرية، وأنظار عن القوى الخفية والسحرية للأعداد والحروف وما إلى ذلك. والحق إن هذا كله مألوف لكل طالب يدرس ثقافة القرون الوسطى الأولى. ولا نجد
فى الإسماعيلية إلا آثاراً باهتة جداً من المانوية، أما المسيحية فيها فنحسها إحساسا أقوى من ذلك. وكتاب الإسماعيلية يتوخون عامة الدقة إلى حد مشهود حين يستشهدون بالأسفار المسيحية، مبدين أنهم رجعوا إلى الأسفار الحقيقية، ولم يلجئوا إلى أوهامهم فحسب كما فعل معظم الكتاب من أهل السنة.
ومن يرد أن يكون فكرة أصيلة عن "الحقائق" فإنه يستطيع أن يفيد فائدة كبيرة إذا قرأ بإمعان دائرة المعارف المشهورة "إخوان الصفاء" التى طبعت مراراً وترجم ودرس جزءا منها المرحوم الأستاذ ديتريصى. ويعد المستعلية هذا الأثر تصنيفا جمعه ثانى الأئمة المستترين "أحمد"؛ والشواهد المأخوذة منه شائعة فى كتب الحقائق.
ومن ثم فإن هذا المذهب -كما نستطيع أن نتبين- ليس فيه من الأصالة أو الأشياء غير المعروفة إلا القليل جدًا. والشئ الوحيد الأصيل فيه هو الطريقة التى جمعت بها كل هذا المواد المختلفة الأجناس وأدمجت فى الإسلام. على أن "الحقائق"- حتى فى هذا الصدد - تشبه شبها كبيرا الأنظار الصوفية التى لا تختلف عنها إلا فى مصطلحاتها وفى أن الصوفية تقبل على سبيل القطع المذهب الأفلوطينى فى الشطح بينما تنكره الإسماعيلية إنكاراً.
ويصح لنا أن نلاحظ أن المستعلية يؤمنون إيماناً راسخاً بأن هذا كله قد كشف عنه أئمتهم، وأنه ما من أحد سوى هؤلاء الأئمة أنفسهم قد أوتى هذا
стр. 782
العلم، بل إن هذا العلم خليق أن يستغلق على أفهام الغير. ونحن نجد حتى البوهرا الآن يقفون عن عمد بمعزل عن العلم الحديث الذى يعدونه زندقة.
هيكل المذهب:
تؤكد "الحقائق" تأكيدا شديدا التوازى بين الكون والإنسان، وهنا تبلغ الحقائق بالتوحيد الإسلامى أقصى مداه، ولا تصف الله (الغيب تعالى) بصفات تعتمد على ما ألفت الحواس، فالواحد أبدع بأمر من مشيئته الأزلية أول (سابق) فيض (مُنْبَعَثَ)؛ وهو فى مذهب أفلوطين "عقل الكل"؛ وثانى الفيوضات وهو الذى صدر عن السابق هو"نفس الكل" وهى الركن الثالث فى الثالوث الأفلوطينى الأصلى.
وهنا يظهر تطور جديد حدث فيما يظهر نتيجة لجهد بذل فى التوفيق بين هذه الفكرة وبين مذهب بطلميوس، فقد أضيفت "عقول" أخرى قليلة هى عقول متحركة لأفلاك مختلفة أى لأفلاك النجوم الثوابت، وكوكبات منطقة البروج، والكواكب الخمسة، والشمس والقمر، والأخير هو العقل الموكل بالأرض "العقل الفعّال" وهو الخالق الحقيقى للـ "صورة" ويسمى "المبدع الثانى" وإليه نقلت كل التبعات التى وضعها المذهب الأفلاطونى على عاتق "نفس الكل". وللصورة التى تحدث بفعلها فى الهيولى (أولا باليونانية) عالم الظاهر لها اصولها الكاملة التى أبدعت على منوالها. ومن الواضح أن هذا القول نقل لنظرية أفلاطون فى المثل التى فهمت فهما خاطئاً، وهو هنا الجسر الذى يصل بين الفلسفة والدين. وإذا كان ثمة أصل كامل للبشر هو الإنسان الكامل، فإنه يجب أن يوجد فى هذا العالم، وبغير ذلك لا يمكن أن يوجد الإنسان. ولكن من يمكن أن يكون هذا الإنسان الكامل إن لم يكن هو المختار خاتم رسل الله وخيرهم: رسوله محمد؟ ولما كان الإنسان هو تاج الخلق والإنسان الكامل هو تاج البشرية فإن الرسول هو إذن "عقل الكل"، وأقنوم "نفس الكل" لا يمكن أن يكون إلا "الوصى" أى منفذ وصية النبى [ ﷺ ] وهو علىّ، والأئمة الموكلون دائما بهذا
стр. 783
العالم هم أقانيم "العقل الأخير". والنفس -من حيث هى صورة الإنسان- تنتمى إلى العالم الروحى الأعلى، ولكنها تخالط "الكون والفساد" وبمشاركتها أقرب جوهر علوى، وهو الإمام، تستطيع النفس أن تصعد وتعود إلى مصدرها الأولى فتبلغ منتهى الخلاص. والطريق إلى هذه المشاركة هى "العبادة العلمية" أى تحصيل العلم الذى كشف عنه الأئمة وطاعة أوامرهم، ومن هنا القول بأن من يمت دون أن يعرف إمام عصره مات كافرًا.
وظل هذا المذهب جامدا فى السنّة التى درج عليها المستعلية، ولكن النزارية عدلوه تعديلا طفيفاً، ولم يشجع الفاطميون الأفكار المتطرفة، وبدا "الإمام" فى مصنفاتهم الأولى صنوا للـ "خليفة" أو يكاد. وقد زعم الفاطميون أنهم نواب مؤسس الدين النبى محمد ﷺ ، أما النزارية فقد تأثروا -فيما يرجح- بالأفكار الصوفية فأبرزوا الحياة الروحية، وانتقصوا من "الظاهر" وجعلوا "نور" الإمامة المبدأ الأسمى. واعتبروا مبدأ الإمامة، أو الهداية الربانية، أزلياً سابقاً
على الخلق، ولا يمكن أن يخلو العالم من إمام وإلا هلك فوراً. فالإمام هو أقنوم أمر الله أو كلمته، أو هو"كُنْ" الواردة فى القرآن الكريم. والإمام الأول فى أوائل "دور" محمد هو علىّ، وذريته هم خلفاؤه. والحسن -الذى يعده المستعلية أول إمام - قد استبعد من قائمة الأئمة لأنه كان ينوب عن أخيه، وظل النبى محمد ﷺ هو"عقل الكل"، ولكن "نفس الكل" قد تأقنمت بالـ "حجة" (كان فى عهد الفاطميين واحد من الإثنى عشر شيخاً أو الأربعة والعشرين شيخاً)، وكان الحجة -بصفة عامة- من أقرباء الإمام الأقربين، وكان فى بعض الأحيان امرأة أو طفلا. وقد أوتى الحجة علمًا لدنيا خارقاً من علم الإمام، وهو يهدى المؤمنين. ولا توجد فى كتب الإسماعيلية الصحيحة أو سنتهم آية آثار لـ "مراتب فى التلقين" تشبه المراتب التى عند الماسونية، لكل مرتبة منها سرها. ومن الواضح أن الكشف
стр. 784
عن المنهج الباطنى كان، فيما يظهر، لا يعتمد إلا على المستوى العلمى والمستوى العقلى. والراجح أن طبقات المشايخ "حدود الدين" كانت تتمشى مع "التلقين" فى أقدم عهود المذاهب فحسب، عندما كان العلم مقصورا على طبقة المشايخ، ثم تغيرت "الحدود" من بعد، أو استبدل بها منهج آخر. وكانت المراتب الرئيسية هى: "المستجيب" أى المُلَقَن، و"المأذون" أى المُجاز للتدريس، و"الداعى" أى الواعظ، و"الحجة" و"الجزيرة". أما الرقم سبعة فهو من الأرقام الخفية فهناك دورات من سبعة أئمة، وكذلك دورات الأنبياء الكبار لكل سبعة آلاف سنة (آدم، نوح، إبراهيم، موسى، عيسى، ومحمد، ولكل منهم "وصى"، أما السابع "فهو القائم" المنتظر) ... إلخ.
والمذهب الفقهى الذى أقامه القاضى النعمان وحفظه المستعلية، لم يطرأ عليه أى تطور آخر. ويختلف تقويم المستعلية عن التقويم الإسلامى العام، بأنه يسبقه بيوم أو يومين؛ لأن بداية الشهر القمرى فيه تحسب فلكيا، ولا تعتمد على رؤية القمر.
المصادر:
(١) لقد كتب الكثير عن الإسماعيلية، ولكن لم يعتمد منه على المصادر الصحيحة إلا القليل جدًا وخير المصادر حتى سنة ١٩٢٢ أوردها L.Massignon: فى Esquisse d' une bibligraphie Qarmate ١٩٢٢ فى - Or. Studies presented to Pro fessor E. G. Browne .
(٢) وثمة ملخص للمعلومات التاريخية فقط فى: O,Leary: A Short the Fatimid Kalifate History of لندن سنة ١٩٢٣.
وانظر عن كتب الإسماعيلية المشار إليها فى هذه العجالة.
(٣) A Guide to Ismaili: W. Ivanow Literature، لندن سنة ١٩٣٣.
وانظر عن مذهب النزارية.
(٤) An Ismailistic Work: W. Ivanow by Nasiru'ddinTusi فى Journ of the Royal As. Sociery سنة ١٩٣١، ص ٥٢٧ - ٥٦٤.
وانظر عن الفقه الإسماعيلى.
(٥) Ismaili Law: Asaf A. A. Tyzee of wilts بومباى سنة ١٩٣٣.
خورشيد [إيفانوف W. Ivanow]
стр. 785
إشبيلية
" إِشبِيلْيَة" بالإسبانية سِفيلاً Sevilla. وينسب إليها فيقال الإشبيلى: مدينة كبيرة فى الأندلس يربو عدد سكانها على ١٥٠.٠٠٠ نسمة، وهى قصبة الإقليم المعروف بهذا الاسم. وكانت فيما مضى عاصمة مملكة إشبيلية، وهى ترتفع عن سطح البحر حوالى ٤٥ قدمًا وتقع فى واد فسيح الجنبات على الضفة اليسرى لنهر الوادى الكبير الذى يفصلها عن ضاحية طرْيانَة. ومع أن هذه المدينة تبعد عن البحر مسافة ستين ميلا إلا أن لها جميع خصائص الثغور، لأن النهر عندها بطئ التيار ويصل المدّ إلى ما بعدها. Aequoreus omnis للشاعر اللاتينى ومناخها دفئ جاف.
وكان إقليم إشبيلية يشمل فى العهد الإسلامي الحوض الأدنى لنهر الوادى الكبير ويمتد شرقاً إلى جبل الأرك وقادس وغربًا إلى وادى آنا فى إقليم غنى أخصبه النهر الكبير. ومنحدرات جبل الشرف التى تقع فى جوار القصبة مباشرة خصبة تنبت فيها أشجار التين والزيتون المشهورة ثمارها فى جميع أنحاء الأندلس. وما فتئ جغرافيو العرب يشيدون بذكر خصوبة الإقليم وثروته، وكان هذا الإقليم هو الوحيد فى شبه الجزيرة الذى يزرع فيه القطن، كما كانت صادراته من الأهمية بمكان، ومن أهم الحاصلات الأخرى قصب السكر والزعفران. وكان الإقليم مكتظاً بالسكان، ويقول الإدريسى إنه كان به ما لا يقل عن ٨٠٠٠ قرية تعتمد كلها على العاصمة.
واسم إشبيلية مشتق من الاسم القديم إسيالس Hispalis وهو من أصل أيبيرى استبقاه الرومان للمدينة. وبعد أن فتحها يوليوس قيصر عام ٤٥ ق م أصبح لها شأن كبير فى عهد الرومان. وقد أطلق عليها هذا القائد Colonic Julia Romula. وكانت فى عهد الإمبراطورية -هى وقرطبة أو بايتيس Baetis وطالقة Italaic على التعاقب - عاصمة لأقليم
стр. 786
قرطبة Baetica؛ ثم أصبحت بعد ذلك مملكة للوندال عام ٤١١ م، كما أصبحت من عام ٤٤١ م مقر ملوك القوط الغربيين حتى جاء أثانا كلده - Athan agilde عام ٥٦٧ م فنقل مقر حكمه إلى طليطلة. ويقول بعض المؤرخين إن مدينة إشبيلية سقطت فى ربيع عام ٩٤ هـ (٧١٢ م) بعد وقوع شذونة وقرمونة Carmona فى أيدى المسلمين إثر حصار دام شهرًا، ولعلها سقطت فى مدة أطول إذا أخذنا بالوصف المفصل للفتح الذى جاء فى "أخبار مجموعة" الذى لا نعرف مؤلفه. والتجأت طائفة من المسيحيين إلى باجة Beja, وأسكن الفاتح موسى بن نصير جماعة من اليهود إشبيلية وترك بها حامية أمر عليها عيسى بن عبد الله الطويل المدنى، كما استعمله على المدينة، ثم حاصر ماردة Merida . وفى يوليه من السنة عينها قام مسيحيو إشبيلية بفتنة، يعاونهم فى ذلك إخوانهم من أهل باجة ولَبْلَة Niebla، إلا أن عبد العزيز بن موسى بن نصير نجح فى قمعها واستعاد المدينة نهائياً وأعمل القتل فى الثوار. ولما قفل موسى راجعًا إلى المشرق أصبح عبد العزيز والياً على الأندلس واختار إشبيلية حاضرة له وفيها تزوج أرملة لذريق - لا ابنته كما يروى عادة - إكلونه Egilona التى عرفها مؤرخو العرب باسم أيلو أو أم عاصم، وأقام فى كنيسة سنت روفينة وابتنى فى قبالتها مسجداً، وهناك قتله الجنود فى رجب من عام ٩٧ هـ (مارس سنة ٧١٩ م) بتحريض الخليفة سليمان.
وبعد وفاة عبد العزيز نقل العرب مقر حكمهم إلى قرطبة، ومع ذلك ظلت إشبيلية من أغنى مدائن الأندلس. والحق إن إشبيلية كانت أقل مدن الأندلس تأثرًا بالفاتحين، وما من شك فى أن أهلها دخلوا الإسلام فى بطء. وكانت المدينة مصطبغة إلى حد كبير بالصبغة الرومانية أو القوطية، وظلت أسماء أعلام هذه المدينة أمدا طويلا تدل
стр. 787
على هذا الأصل المشترك. وساعد انتشار الإسلام فى شبه الجزيرة على ازدهار التجارة والزراعة، وزادت بذلك أهمية ثغرها إشبيلية.
وعند تقسيم الأندلس مقيميات وإقطاعات وقعت إشبيلية من نصيب جند حمص أنزلهم فيها عام ١٢٥ هـ (٧٤٢ م) العامل أبو الخَطار حُسام بن ضِرار الكلبى، كما أنزل فى نفس الوقت جند دمشق مدينة إلبيرة Elvira, وجند الأردن مدينة مالقة Malaga. وأنزل جند قنَّسْرِين مدينة جَيّان Jaen, وجند فَلسطين مدينة شَذُونة، وجند مصر مدينة تُدْمير (مُرْسية)، ويطلق على إشبيلية أَحياناً اسمَ حمص (ياقوت: معجم البلدان، انظر آخر مادة "حمص").
ولما استتب الأمر للخلافة الأموية بالأندلس فى عهد عبد الرحمن الداخل ابن معاوية وخلفائه من بعده، نيطت إشبيلية بعماله مثل العامل المقتدر عبد الملك بن عمر. وكانت إشبيلية -شأن غيرها من المدائن- مشهدًا للفتن فى كثير من الأحيان. وفى عام ١٤٩ هـ (٧٦٦ م) أخمدت الفتنتان اللتان قام بهما سعيد اليحصُبى المّطَرى اللّبْلى وأبر الصباح ابن يحيى اليحصبى. وفى عام ١٥٦ هـ (٧٧٣ م) كان على الخليفة أن يقضى على المحاولة الاستقلالية التى قام بها العامل عبد الغافر -أو عبد الغفار- اليمنى وحياة بن مُلامِس أو مُلابِس.
وأقام عبد الرحمن الثانى حول المدينة سورًا محصنًا كما شيد فيها مسجدًا جامعًا. وفى عهده استولى القراصنة النرمانديون (المجوس عند العرب) على مدينة إشبيلية للمرة الأولى عام ٢٣٠ هـ (٨٤٤ م). فقد غزيت المدينة بعد حصار قصير واضطر الخليفة إلى تنظيم جنده لاستعادة المدينة، وحمل الغزاة على الفرار فى الوقعة الفاصلة المعروفة باسم وقعة طَلْياطة. وشيد
стр. 788
عبد الرحمن الثانى داراً للصنعة خشية سقوط المدينة ثانية فى أيدى المجوس كما ابتنى مراكب سريعة، ولم يمنع هذا من وجود صلات ودية بينه وبين ملك المجوس، بل لقد أسفر يحيى بن الحكم الغزال إلى بلاط هذا الملك. وفى عهد ولده محمد هاجم النرمانديون الأندلس مرة أخرى عام ٢٤٥ هـ (٨٥٩ م) ولكن الراجح أن يكون النرمانديون الذين عسكروا عند مصب نهر الوادى الكبير لم يذهبوا إلى إشبيلية بل ذهبوا مباشرة للاستيلاء على الجزيرة الخضراء - Al geciras . ومع ذلك يفترض ابن خلدون والنميرى أن النرمانديين نزلوا إلى إشبيلية فى ذلك الوقت (انظر على الأخص Recherches Les Normandes en Espagne: R.Dozy ص ٢٥٦ - ٢٦٣، ص ٢٧٩ - ٢٨٤).
وفى عهد الخليفة عبد الله اضطربت المدينة مدة طويلة من جراء أطماع وتدابير الأسرتين اليمنيتين الكبيرتين: بنى خلدون وبنى حجاج، وكان لهما أملاك واسعة وموال فى جميع أرجاء البلاد، وكانوا يبغضون أسيان إشبيلية الذين دخلوا فى الإسلام، كما كانوا يبغضون خلفاء قرطبة الأمويين. وما إن اعتلى عبد الله العرش حتى ألّب زعيم الأسرة الأول كُرَيْب بن خلدون جميع بلاد الشرف وضم تحت لوائه زعيم بنى حجاج وغيره من زعماء جنوبى الأندلس من العرب والبربر وعاث فى جميع أنحاء إشبيلية بالسيف والنار، ولكنه قضى بعد ذلك عام ٢٧٨ هـ (٨٩١ م) على المارقين فى إشبيلية، وأحيانًا كان الخليفة يعاونه فى ذلك. وأصبحت السلطة للعرب فى هذه المدينة. ولم ينفذ الخليفة إليهم حملة إلا بعد أربعة أعوام.
وفى عام ٢٨٦ هـ (٨٩٩ م) تنازعت الأسرتان بعد أن كانتا فى صفاء فانتصر إبراهيم بن الحجاج وقتل كُريبًا، وبعد أن تحالف إبراهيم مع الثائر المشهور عمر بن حفصون خضع آخر الأمر لخليفة قرطبة. بينما كان يستمتع
стр. 789
فى إشبيلية بسلطان لا حدّ له ووطد حكمه فيها، وكان الشعراء المبرزون والمغنى المعروف قمر زينة بلاطه. وقد بدأ الأمن يستتب فى الأندلس عندما عاد إبراهيم إلى الولاء لبنى أمية. ومرت إشبيلية فى عهد الخليفة العظيم عبد الرحمن الثالث بفترة سلام ورخاء وإن لم تكسف نور قرطبة، كما ظلت على خضوعها للسلطة المركزية.
ولكن أظهر عصور إشبيلية وأهمها من الوجهة السياسية هو العصر الذى تلا سقوط الخلافة الأموية حين أصبحت حاضرة بنى عباد المستقلين منذ عام ٤١٤ هـ (١٠٢٣ م). وكان مؤسس هذه الأسرة، وهو القاضى أبو القاسم محمد الأول، ابنًا للفقيه الأندلسى اللخمى المشهور إسماعيل بن عباد، واستولى على السلطان واعترف فى أول الأمر بسيادة السلطان الحَمُّودى يحيى بن على ولكنه سرعان ما خلع عن كاهله هذه السيادة الاسمية، ولما توفى أبو القاسم عام ٤٣٤ هـ (١٠٤٢ م) خلفه ابنه أبو عمرو عبّاد المعروف بالمعتضد وحكم سبعة وعشرين عامًا امتازت بأعمال القسوة والغدر، ومد ملكه على حساب الإمارات المتاخمة له غربًا وجنوبًا، ولم يصمد له إلا باديس الزِّيرى ملك غرناطة، وتوفى عام ٤٦١ هـ (١٠٦٨ م). وقد اشتهر ابنه أبو القاسم محمد الثانى، ولقبه المعتمد، بمواهبه وتذوقه للشعر، وفى عهده أصبحت إشبيلية ملتقى الفحول من علماء عصره، واستولى على قرطبة من بنى جوهر، ولكنه سرعان ما اصطدم بأطماع ملك قشتالة الأذفونش (ألفونسو) الثالث Alfonso فاضطر إلى طلب النجدة من سلطان المرابطين بالمغرب يوسف بن تاشفِين فعبر إليه يوسف فى الثانى عشر من رجب عام ٤٧٩ هـ (٢٣ أكتوبر ١٠٨٦ م) وانتصر انتصارًا باهرًا فى الزَلاقة، وما إن عاد المرابطون إلى مراكش حتى عاود المسيحيون الهجوم، فاضطر المعتمد إلى الذهاب إلى سلطان لَمْتونة يطلب النجدة
стр. 790
مرة أخرى فأعانه يوسف. ولكن لم يمض وقت طويل حتى اغتصب مملكته واستولى على ثروته. وفى عام ٤٨٤ هـ (١٠٩١ م) سقطت إشبيلية وقرطبة والمرية Almeria ومُرْسِيَة Murcia ودانية Denia فى يد قائده سِير بن أبى بكر بن تاشفين، ونهب جنود البربر المدينة من أقصاها إلى أقصاها وهدموا قصور بنى عبّاد، وأسر المعتمد ونفى إلى مراكش ومات فى أغمات عام ٤٨٨ هـ (١٠٩٥ م) بعد أن بث أشجانه فى مراث حظيت من المتأدبين بالشهرة والذيوع، واشتهر بالكرم والشجاعة والعلم. وقد جمع دوزى جميع الوثائق التى تتعلق بإشبيلية فى عهد بنى عبّاد (Scrintnrum Arahum loci de Ahhadidis فى ثلاثة مجلدات، ليدن سنة ١٨٤٦ - ١٨٦٣) وحكم القائد المرابطى سِير إشبيلية من قِبل سيده، وأضحت -شأن جميع مدائن الأندلس- تحت حكم سلاطين المغرب. وفى رجب عام ٥٢٦ هـ (مايو ١١٣٢ م) غزت قوة من نصارى طليطلة ما جاور إشبيلية، وقتل فى هذا العراك عامل المدينة عمر بن مَكُور.
واغتبط أهل إشبيلية عندما جاءهم خبر سقوط المرابطين وقيام دولة الموحدين، وحاصر بَرّاز بن محمد المَسوفى قائد السلطان عبد المؤمن مدينة إشبيلية بعد أن غزا الجنوب الغربى من شبه الجزيرة، واستولى عليها فى شعبان عام ٥٤١ هـ (يناير ١١٤٧ م) وألجأ حامية المرابطين إلى الفرار. وفى العام التالى ذهب جماعة من وجوه إشبيلية لمبايعة سلطان الموحدين يتزعمهم القاضى أبو بكر بن العربى الذى توفي فى مدينة فاس أثناء عودته. واستعمل عبدُ المؤمن على المدينة يوسفَ ابن سليمان الموحدى، كما استعمل عليها عام ٥٥١ هـ (١١٥٦ م) ابنه أبا يعقوب يوسف نزولا على رغبة أهلها وظل عليها إلى أن خلف أباه عام ٥٥٨ هـ (١١٦٣ م).
وقد أصبحت إشبيلية فى عهده قاعدة لقوات الموحدين بالأندلس، وبقى
стр. 791
أبو يعقوب هناك من عام ٥٦٨ هـ (١١٧٢) إلى عام ٥٧١ هـ (١١٧٥ م) ولما غادرها ولىّ عليها اخاه أبا إسحاق إبراهيم مع القائد محمد بن يوسف بن وانُودِين وأمير البحر عبد الله بن جامع. وفى إشبيلية قام أبو يعقوب عام ٥٨٠ هـ (١١٨٤ م) بإعداد القوة لحملة شنترين Santarem التى لقى فيها حتفه. وأعاد ابنه أبو يوسف يعقوب المنصور (٥٨٠ - ٥٩٥ هـ = ١١٨٤ - ١١٩٩ م) جيش الموحدين إلى إشبيلية ثم رجع إلى مراكش بعد أن استعمل على المدينة الزعيم الحفصى أبا يوسف، واستقدمه أبو يوسف فعاد إلى إشبيلية عام ٥٨٦ هـ (١١٩٠ م) كى يستعيد شِلْب Silves من أيدى النصارى الذين كانوا قد استولوا عليها عنوة، وبعد أن انتصر أبو يوسف يعقوب انتصارًا مبينًا على الأذفونش الثامن صاحب قشتالة فى الأرك فى ٨ شعبان عام ٥٩١ هـ (١٩ يوليه ١١٩٥ م) أقام مدة طويلة بإشبيلية، وفى أثناء إقامته هذه سجن الفيلسوف القرطبى المشهور ابن رشد. ولم يعد إلى مراكش إلا قبل وفاته بعام واحد أى عام ٥٩٤ هـ (١١٩٨ م).
وفى عهد هذين السلطانين كانت إشبيلية تضاهى ما كانت عليه فى أزهى عهود بنى عَبَاد، وكانت فى تلك الفترة احفل بالسكان من قرطبة. وابتنى فيها سلاطين الموحدين وكبار رجال دولتهم القصور، كما زاد عدد المساجد والحمامات والنزل والأسواق زيادة كبيرة. وشيد فى عهد أبى يعقوب المسجد الكبير الجديد على الموقع الذى قامت عليه بعد ذلك الكنيسة الموجودة إلى الآن والتى شيدت فى القرن الخامس عشر الميلادى. ويقول صاحب روض القرطاس (طبعة تورنبرغ، ص
١٣٨) إن بناء هذا المسجد كان عام ٥٦٧ هـ (١١٧٢ م) بينما ورد فى كتاب الحُلَل المَوْشِئة الذى لا يعرف مؤلفه (طبعة تونس، ص ١٢٠) أنه شيد عام ٥٧٢ هـ (١١٧٦ - ١١٧٧ م). ويروى ابن أبى زرع أن بناء هذا المسجد
стр. 792
استغرق أحد عشر شهرًا، وهذا أمر بعيد الاحتمال فيما يبدو. ويروى المؤلف نفسه أنه قد بنى فى العام نفسه قنطرة على نهر الوادى الكبير وقصبتان وأسوار وخنادق وأرصفة على شاطئ النهر وجسر معلق. ولم يبق من مسجد الموحدين الكبير بإشبيلية إلا صحنه ويعرف الآن باسم (- Patio de los Na ranjos ومعناها صحن أشجار البرتقال) مع باب يطلق عليه اسم - Puer ta del Perdon، وأهم ما بقى منه المئذنة المشهورة المعروفة باسم الخيرالدا - Gi ralda (وسميت كذلك لأن عليها شعارًا دينيًا يدور مع الريح، ولفظة Girar الإسيانية معناها يدور). وهذه المئذنة مساحة قاعدتها ثلاث وأربعون قدمًا مربعة، وهى بصفة عامة أقل شأنًا من مئذنة جامع حَسّان برباط الفتح ومئذنة جامع الكُتْبيين بمراكش اللتين شيدتا فى الوقت نفسه. وهى مبنية من الآجر، وسمك جدرانها سبع أقدام تتخللها نوافذ رؤوسها على النمطين العربى والقوطى الغربى. وحولت منارة المسجد التى تقوم من قاعدة المئذنة إلى برج للناقوس، ويبلغ ارتفاع البرج ما يربو على ثلاثمائة قدم.
وفى عام ٦٠٩ هـ (١٢١٢ م) جمع خليفة المنصور -وهو محمد الناصر الموحدى- جيشا عرمرمًا كى يستعيد الجزء الذى استولى عليه النصارى من الأندلس، ولكنه انهزم فى الخامس عشر من صفر من السنة نفسها (١٦ يوليه) عند حصن العُقاب Las Navas de Tolosa وعاد السلطان وجنده إلى إشبيلية فى حالة يرثى لها.
وبعد ذلك بقليل، فى عهد يوسف الثانى المستنصر الموحدى، شيد عامله أبو العلا عام ٦١٧ هـ (١٢٢٠ م) برجًا على ضفة الوادى الكبير لحماية النهر وقصر السلطان (ويسمى الآن ألكازار (Alcazar وقد أعاد بناءه فى القرن الرابع عشر بدْرو الطاغية، واحتفظ باسمه العربى "برج الذهب" فأطلقوا عليه
стр. 793
بالإسبانية Torre del Oro. ومازال قائما جزؤه الأسفل المكون من اثنتى عشرة طبقة بعضها فوق بعض تتوجها أبراج أصغرها على القمة.
وبعد بضعة أعوام أصبحت إشبيلية معقل السلطان إدريس المأمون الموحدى، فلما نزح عنها إلى مراكش عام ٦٢٦ هـ (١٢٢٨ - ١٢٢٩ م) استولى على المدينة الثائر محمد بن يوسف بن فود الذى استطاع فى آخر الأمر أن يطرد الموحدين من الأندلس جملة. واستطاع فرديناند الثالث -بفضل الحلف الذى عقده مع محمد الأول بن الأحمر أول سلاطين غرناطة من بنى نصر- أن يحاصر إشبيلية ١٢٤٧ م حصارًا دام ستة عشر شهرًا، ثم سقطت المدينة فى غرة شعبان عام ٦٤٦ هـ (٩ نوفمبر ١٢٤٨ م) أو بعد ذلك بأربعة اْيام فى روايات أخرى. وأبقى على حياة السكان المسلمين وسمح لهم بالهجرة إلى إفريقية وإلى الأجزاء الإسلامية من الأندلس. وفى الأعوام التالية حاول سلاطين الأسرة المرينية بمراكش استعادة المدينة من النصارى، إلا أن محاولاتهم باءت بالفشل. وفى عام ٦٧٤ هـ (١٢٧٥ م) خرّب السلطان أبو يوسف يعقوب بن عبد الحق إقليمى إشبيلية وشريش Jerez بعد أن هزم جيش القائد دون نونو ده لارا Don Nuno de Lara ولكنه سرعان ما اضطر إلى رفع الحصار عن هذه الحاضرة. وفى حملته الثانية على الأندلس عام ٦٧٦ هـ (١٢٧٨ م) وصل مرة أخرى إلى أسوار إشبيلية وخرّب إقليم الشرف Al-jarafe ثم واصل غزواته التى وردت بالتفصيل فى روض القرطاس حتى عام ٦٨٤ هـ (١٢٨٥ م) واضطر دون سانخو Don Sancho إلى أن يعقد صلحًا دام حتى عام ٦٩٠ هـ (١٢٩٠ م) أى إلى عهد خليفة أبى يوسف وابنه أبى يعقوب يوسف. ولما هزم أبو الحسن على -وهو من الأسرة نفسها- عند أسوار جزيرة طريف Tarifa ضاع كل أمل للمسلمين فى استعادة المدينة.
стр. 794
وليس لدينا من الفراغ ما يسمح لنا بتعداد جميع أعيان المسلمين الذين عاشوا أو ولدوا بمدينة إشبيلية. ونكتفى بذكر الشعراء ابن حمديس وابن هانئ وابن قُزْمان، والمحدث ابن العربى وصاحب السير أبو بكر بن خير.
المصادر:
(١) الإدريسى، طبعة وترجمة دوزى ودي غويه ص ١٧٨ من الأصل، ص ٢١٥ من الترجمة.
(٢) ياقوت: معجم البلدان، طبعة فستنفلد.
(٣) ابن عبد المنعم الحميرى: الروض المعطار، وهو مخطوط لم يطبع بعد، انظر مادة إشبيلية.
(٤) أبو الفدا: تقويم البلدان، طبعة رينو وده ساون، باريس سنة ١٨٤٠. ص ١٧٤ - ١٧٥
(٥) Extraits inedits re-: E. Fagnan latifs au Maghreb, الجزائر سنة ١٩٢٤، ص ٧٥، ١٣٧، ٢٠٩.
(٦) أخبار مجموعة، مجريط سنة ١٨٦٧، ص ١٦ - ١٨ من النص، ص ٢٨ - ٣٠ من الترجمة.
(٧) ابن العِذارى: البيان المغرب، طبعة دوزى، ترجمة فانيان، المجلد الثانى.
(٨) ابن الأثير: الكامل، طبعة تورنبرغ وترجم بعضه فانيان (Annales du Maghreb et de L'Espagne، الجزائر ١٩٠١)، الفهرس.
(٩) المراكشى: المعجب، طبعة دوزى وترجمة فانيان، الفهرس.
(١٠) المَقَّرى: نفح الطيب، طبعة ليدن، جـ ١، ص ٩٩.
(١١) ابن أبى زرع: روض القرطاس.
(١٢) ابن خلدون: العبر، طبعة وترجمة ده سلان.
(١٣) Histoire des Musul-: Dozy mans d'Espagne . المجلد الثانى والرابع.
стр. 795
(١٤) الكاتب نفسه: Recherches sut i'histoire la litterature Arabes d'Espagns باريس - ليدن سنة ١٨٨١، جـ ١، ص ٥٣ - ٥٧، ص ٣٥٩ - ٢٦٤.
(١٥) D ecadenciay de-: F. Codera -saparicion de los Amorauides en Es pana، سرقسطة سنة ١٨٩٩ م، ص ١٤، ٢٨٤.
(١٦) Lerchundi Simonet:
Crestomatia Arabigo - espondo, غرناطة سنة ١٨٨١، ص ٤٠ - ٤١.
(١٧) Diccionario geo-: Madoz
graico-estatistico - his - torico de Espana المجلد ١٤، مجريط سنة ١٨٤٩، ص ٢٠٩ - ٤٣٤.
(١٨) Anales ec-: Ortiz de Zuniga lesiasticos y seculares de la ciudad de seuilla. إشبيلية سنة ١٨٩٣ وما بعدها، المجلد السادس.
(١٩) Seuilla mon-: Gestoso y perez umental y artistica إشبيلية سنة ١٨٨٩ - ١٨٩٢ فى ثلاثة مجلدات.
(٢٠) Antiguedades: Rodrigo Cara y principado de la ilustrisima ciudad de Seuilla , إشبيلية سنة فى ١٨٩٦ فى مجلدين.
(٢١) de Seuilla y pue-: Guichot blos importantes de su prouincia إشبيلية فى سبعة مجلدات.
(٢٢) Rodrigo Amador de los Rios: Inscrincinnes arahes de Seuilla، مجريط سنة ١٨٧٥.
(٢٣) Estudio Descriptiuo: Contreras - de los monumentos arabes de G ra nada,Seuilla y Cordoba، مجريط سنة ١٨٥٥.
(٢٤) Moorish Remains: A.f. Calvert in Spain لندن سنة ١٩٠٦.
[ليفى يروفنسال. S. Le va-Provencal]
стр. 796
الأشعرى أبو الحسن
الأشعرى أبو الحسن على: متكلم مشهور، ولد بالبصرة عام ٢٦٠ هـ (٨٧٣ - ٨٧٤ م) وهو من نسل ابى موسى الأشعرى. وسلسلة نسبه الكاملة هى: على بن إسماعيل بن إسحاق بن سالم بن إسماعيل بن عبداللهَ بن موسى بن بلال بن أبى بردْة. ظل الأشعرى حتى الأربعين من عمره تلميذًا متحمسًا للجُبَّائى المتكلم المعتزلى وفى ذلك العهد انفصل عن أستاذه وسلك طريقه الخاص بعد أن اختلف واياه فى مسألة "الصلاح والأصلح". على أن سييتا Spitta يرى أن قصة هذا الخلاف اخترعت لغرض ما، ويرجح أن الأشعرى لما عكف على دراسة الحديث وضح له ما بين رأى المعتزلة وروح الإسلام من تناقض. ومهما يكن من شئ فإن الأشعرى أصبح منذ ذلك الوقت نصيرًا لرأى أهل السنة على رأى المعتزلة، وصنّف كثيرا من الكتب أيد فى بعضها رأى أهل السنة وهاجم فى البعض الآخر آراء المعتزلة. ويقول ابن فورك إن مصنفات الأشعرى، أبو الحسن الأشعرى بلغت حوالى الثلاثمائة مصنف. ويسمى ابن عساكر ثلاثة وتسعين منها، وقد اورد سبيتا هذه المصنفات وعلق عليها فى (Zur: Spitta Geschichte Abu L'Hasan at - Ashari ص ٦٣ وما بعدها) ولم يصل الينا من كتب الأشعرى إلا عدد قليل ذكره بروكلمان فى كتابه (Geschichte der arab. Litteratur. جـ ١، ص ١٩٥)، وقد طبع كتاب "الإبانة عن أصول الديانة" فى حيدر آباد عام ١٣٢١ هـ (١٩٠٣ م) مع تذييلات ثلاثة، وطبع منها كذلك عام ١٣٢٣ هـ "رسالة فى استحسان الخوض فى الكلام". ويستضعف البعض مذهب الأشعرى من الوجهة الفلسفية (انظر Beitre: Goldzihet age Zur Litteraturgeschichte der shia. sit- zunksberichte، فينا، المجلد ٧٨، ص ٤٧٢ - ٤٧٣) والأشعرى شافعى المذهب قضى السنوات الأخيرة من حياته فى بغداد وبها توفى عام ٣٢٤ هـ (٩٣٤ م). واشتهر الأشعرى بتغلبه على ما كان عليه علماء المسلمين السابقون من كراهة الجدل فى العقائد، وتمكن بفضل هذا الجدل من الانتصار على المعتزلة
стр. 797
وغيرهم من رؤساء الفرق التى كانت تتهم بالمروق.
والأشعرى من ثم هو مؤسس علم الكلام. لأن رجال السنة القلائل الذين سبقوه فى معاناة هذا الأمر كان حظهم من العلم قليلا، وكانت بعض قضاياهم ضعيفة. وصادف رأى الأشعرى قبولا وبخاصة عند الشافعية، والتف حوله طائفة من التلاميذ نبغ منهم كثير من علماء الدين المبرزين الذين نشروا مذهبه وكملوه. وأشهر هؤلاء: الباقلانى وابن فورَك والإسفرايينى والقشَيرى والجوينى (إمام الحرمين) ثم الغزالى. على أن آراء الأشعرى لم تصادف عند غير الشافعية ما لقيته عند الشافعية من قبول.
وكان الحنفية يؤثرون رأى الماتُريدى الذى عاصر الأشعرى، وكان يخالفه فى بعض مسائل الفروع. واستمسك الحنابلة بآراء السلف وظلوا خصومًا لمذهب الأشعرى. وعارض هذا المذهب فى بلاد الأندلس ابن حزم وكان علماء الأشعرية يُضطهدون فى عهد طغرل بك أول ملوك السلاجقة بتحريض من الوزير الكُنْذرى، على أن خلفه نظام الملك لم يلبث أن قضى على هذا الاضطهاد. وازداد مذهب الأشاعرة انتشارًا وقوة بصفة عامة، وكان من أهم العوامل فى ذلك مصنفات الغزالى بوجه خاص، وكان ابن تومرت، مؤسس دولة الموحدين، عضدًا قويًا لمذهب الأشاعرة فى بلاد المغرب. وانتهى الأمر إلى أن أصبح علم الكلام عند الأشعرى يلقن فى مدارس أهل السنة، وسكن صوت المعارضة التى لقيها فى بداية الأمر.
المصادر: (١)(١) ابن خلكان، طبعة فستنفلد، رقم ٤٤٠.
(٢) الفهرست، طبعة فولكل، جـ ١ ص ١٨١.
(٣) الشهرستانى، طبعة كيورتن، ص ٦٥.
стр. 798
(٤) Zur Geschichte Abu' L: Spitta Hasan al - Ashan
(٥) Expose' de la reforme: Mehren de L' Islamisme etc فى أعمال مؤتمر المستشرقين الثالث، سانت بطرسبرغ، ص ١٦٧.
(١) Zur Geschichte des: Schroiner Asaritentums فى أعمال المؤتمر الدولى الثامن للمستشرقين، القسم الأول ص ٧٩.
(٧) Development of Muslim: Macdonald Theology etc ص ١٨٧ وما بعدها.
+ الأشعرى، أبو الحسن على بن إسماعيل: متكلم ومؤسس مذهب الكلام السنى الذى ينسب إليه، ويقال إنه ولد سنة ٣٦٠ هـ (٨٧٣ - ٨٧٤ م) بالبصرة، وكان الثامن من أعقاب الصحابى أبى موسى الأشعرى، ولا نعرف عن حياته إلا القليل. وكان الأشعرى من خيرة تلاميذ الجُبّائى رأس المعتزلة بالبصرة، وربما كان خليقا بأن يخلفه لو لم يترك المعتزلة وينضم إلى أهل السنة. وهذا التحول من جانبه يجعلونه سنة ٣٠٠ هـ (٩١٢ - ٩١٣ م). وفى أخريات حياته انتقل الأشعرى إلى بغداد وتوفى بها سنة ٣٢٤ هـ (٩٣٥ - ٩٣٦ م). وتروى قصة تحول الأشعرى هذا بروايات تختلف كثيرا فى التفصيل. ويقال إنه رأى النبى [ ﷺ ] فى شهر رمضان ثلاث مرات وإنه أمر أن يستمسك بالسنة القويمة. واعتبر الأشعرى أن هذه الرؤيا قاطعة. ولما كان أهل السنة ينكرون "الكلام" فقد تركه هو أيضا. على أنه أنبئ فى الرؤيا الثالثة بأن يستمسك بالسنة القويمة ولا يترك الكلام. وأيا كانت صحة هذه القصة فإنها تصف فى إيجاز موقف الأشعرى، فهو قد ترك نظريات المعتزلة فى العقائد إلى نظريات خصومهم مثل أحمد بن حتبل الذى أعلن الأشعرى أن يتبعه. ولكنه ينافح عن مبادئه الجديدة على نفس النمط الذى يصطنعه المعتزلة فى التدليل العقلى.
وأهم المسائل التى يعارض الأشعرى فيها المعتزلة:
١ - يقول الأشعرى إن لله صفات أزلية مثل العلم والبصر والكلام، وإنه عالم بعلم بصير ببصر متكلم بكلام، وينكر المعتزلة أن لفه صفات ويقولون إنه عالم بذاته بصير بذاته متكلم بذاته.
стр. 799
٢ - قال المعتزلة إن ما جاء فى القرآن مثل يد الله ووجهه يجب أن تفسر على انها "لطفه" و"ذاته" ... إلخ أما الأشعرى فمع تسليمه بانه ليس فى ذلك شئ من المفهوم التجسيدى فإنه يرى أن هذه الصفات حقيقة لا نعلم طبيعتها بالدقة. وهو يرى مثل هذا الرأى فى استواء الله على العرش.
٣ - ويعارض الأشعرى المعتزلة فى مساْلة خلق القرآن، ويقرر أن كلام الله، والكلام صفة أزلية، ولذلك فإن القرآن غير مخلوق.
٤ - ويعارض الأشعرى المعتزلة أيضا فى أن الله لا يمكن أن يُرى بالأبصار لأن فى ذلك تشبيها يقتضى أن يكون له جسحم وتحيز، وقال إن رؤية الله فى دار القرار حق وإن كنا لا نعلم كيف يكون ذلك.
٥ - ويخالف الأشعرى المعتزلة فى توكيدهم حقيقة اختيار الإنسان فى أفعاله، دلك أنه يصر على القول بأن الله قادر على كل شئ، فكل خير أو شر معلق بمشيثته، وهو يخلق افعال العباد بأن يخلق فيهم القدرة على فعل أى فعل (ينسب إلى الأشعرى نفسه بصفة عامة مبدأ "الكسب" الذى اختص به الأشعرية فيما بعد ذلك، على أنه لم يكن -فيما يظهر- يؤمن بهذا المبدأ وإن كان على علم به، انظر. . Joum. Royal. As. Soc سنة ١٩٤٣ م، ص ٢٤٦)
٦ - خالف الأشعرى المعتزلة فى قولهم بالمنزلة بين المنزلتين، وهو أن المسلم مرتكب الكبيرة لا يعد مؤمنا ولا كافرا، وجزم بأنه يظل مؤمنا، وإن كان معرضا للعذاب فى النار.
٧ - وقد أكد الأشعرى حقيقة ظواهر شتى من علم الآخرة، مثل الحوض والبرزخ والميزان ولشفاعة النبى [ ﷺ ]، أما المعتزلة فقد أنكروها أو أولوها تأويلا عقليا.
ولم يكن الأشعرى أول من استعان بالكلام فى الدفاع عن مذهب أهل السنة، فنحن نجد الحارث بن اسد المحاسبى من بين أولئك الذين سبقوا إلى بذل مثل هذه المحاولات. على أن الأشعرى كان فيما يظهر أول من استعان بالكلام استعانة تقبّلها فريق كبير من أهل السنة، ثم إنه كانت له ميزة أخرى هى
стр. 800
أنه كان على علم وثيق مفصل بآراء المعتزلة (كما يتبين فى كتابه الوصفى: مقالات الإسلاميين، استانبول سنة ١٩٢٩ م، انظر R.Strothmann فى Islam جـ ١٩، ص ١٩٣ - ٢٤٢). وقد أصبح أتباعه الكثيرون يعرفون بالأشعرية او "الأشاعرة" وإن كان معظمهم قد اختلف معه فى بعض المسائل.
وإن منهج الأشعرى فى التدليل فى عين القارئ الأوربى لا يخعلف للنظرة الأولى عن منهج أتباع أحمد بن حنبل المغالين فى المحافظة، ذلك أن كثيرا من حججه يقوم على تفسير القرآن والحديث (انظر Muslim Greed: A. J. Wensin، ص ١٩١ كمبردج سنة ١٩٣٢ م). على أن السبب فى ذلك كان مرجعه إلى أن خصومه أيضا -بما فيهم المعتزلة أنفسهم- قد استعانوا بحجج من هذا القبيل، وأن الأشعرى كان يعتمد دائما على مخاطبة عواطف المرء لا عقله. ومع ذلك فإن خصومه حين يسلمون بدليل عقلى صرف فإن الأشعرى كان لا يتردد فى استخدامه فى دحض أقوالهم. وما إن تقرر جواز معر هذه الحجج، وفى نظر كثير من المتكلمين على الأقل، حتى استطاع الأشعرية أن ينموا هذا الجانب من منهجه وانتهى الأمر فى القرون المتأخرة بأن أصبح الكلام عقليا تمامًا. على أن هذا كان بعيدا أشد البعد من مزاج الأشعرى نفسه.
المصادر:
(١) اللمع ورسالة استحسان الخوض فى علم الكلام، طبعة وترجمة R.C.McCarthy، بيروت سنة ١٩٥٣ م: The Theology of AL - Ash'ari:
(٢) الإبانة، طبعة حيدر آباد سنة ١٣٢١ هـ ... إلخ، القاهرة سنة ١٣٤٨ هـ وترجمة W.G.Klein نيوهافن سنة ١٩٤٠ (انظر W. Thomson فى Muslim World، جـ ٣٢، ص ٢٤٢ - ٢٦٠)
(٣) ابن عساكر: تبيين كذب المفترى، دمشق سنة ١٣٤٧ هـ (لخصه مكارثى: المصدر المذكور، و A. F.Mehren فى أعمال المؤتمر الدولى الثالث
стр. 801
للمستشرقين، حـ ٢ ص ١٦٧ - ٣٣٢).
(٤) Zur Geschichte .... Al -: W. Spitta Achari ليبسك سنة ١٨٧٦ م.
(٥) Vorlesungen: Goldziher، الطبعة الثانية، ص ١١٢ - ١٣٢.
(٦) Development: D. B . Macdonald of muslim Theology نيويورك سنة ١٩٠٣.
(٧) Muslim Theology A. S.Tritton، لندن سنة ١٩٤٧ م، ص ١٦٦ - ١٧٤ وبه مصادر أخرى.
(٨) Free Will: W. Montgomery Watt and Predestination in Early Islam لندن سنة ١٩٤٨ م، ص ١٣٥ - ١٥٠.
(٩) In-: L. Gardet et M. M Anawati troductionala Thelogie Musulmane باريس سنة ١٩٤٨، ص ٥٢ - ٦٠.
(١٠) Studia Islamiea J. Schacht جـ ١، ص ٣٣ وما بعدها.
خورشيد. [مونتجمرى وات Montgomery watt]
الأشعرى أبو موسى
ابن قيس صحابى وقائد حربى، ولد حوالى عام ٦١٤ م. وقد غادر أبو موسى اليمن جنوبى بلاد العرب بحرا هو وجملة من إخوته وأفراد قبيلته (بنى أشعر) وانضم إلى النبى [ ﷺ ] بخيبر أيام الحملة المشهورة على يهود هذه الواحة سنة ٧ هـ (٦٢٨ م) ليقسم له يمين الولاء (ومن ثم فإن المعلومات التى جاءت بها بعض المصادر- مثل ابن حجر: التهذيب، جـ ٢، ص ١٢٦٥ - قائلة بأنه كان واحدا من المهاجرين إلى الحبشة، غير صحيحه على أرجح الاحتمالات؛ انظر ابن عبد البر: الاستيعاب، حيدر آباد سنة ٦٧٨ - ٦٧٩، رقم ٦٧٨). وفى سنة ٨ للهجرة ٦٣٠ م) شهد وقعة حنين (الطبرى،
جـ ١، ص ١٦٦٧). وأوفد سنة ١٠ هـ (٦٣١ - ٦٣٢ م) إلى اليمن هو ومعاذ ابن جبل لينشر دعوة الإسلام فيها، وكان من عمال النبى [ ﷺ ] ثم أبى بكر فى هذا الأقليم. وولاه عمر البصرة عندما استدعى المغيرة بن شعبة من منصبه سنة ١٧ هـ (٦٣٨ م؛ انظر الطبرى، جـ ١، ص ٢٥٢٩؛ وانظر أيضا ص ٢٣٨٨)
стр. 802
وأقامه عمر واليا على الكوفة سنة ٢٢ هـ (٦٤٢ - ٦٤٣ م) تحقيقا لرغبة أهلها، واستبقاه عليها شهورا قلائل حتى أعاد تولية المغيرة عليها (الطبرى، جـ ١، ص ٢٦٧٨) ثم رده إلى البصرة.
ونظم أبو موسى، وهو عامل على البصرة، فتح خوزستان ونهض به ما بين سنتى ١٧ - ٢١ هـ (٦٣٨ - ٦٤٢ م) ويجب أن يعد فاتح هذه الأقاليم (Annali: Caetani حوادث سنة ١٦، فقرة ٢٦١). وقد وقعت قصبته سوق الأهواز (أو الأهواز فحسب) فى يده فى وقت مبكر يرجع إلى سنة ١٧ هـ (٦٣٨ م) ولكن الحملة استمرت ولاقت عدة صعاب، ذلك أنه لم يكن بد من إخضاع مدن هذا الإقليم المحصنة واحدة فى إثر واحدة، واقتضى الأمر إعادة الاستيلاء عليها بعد سنة ٢١ هـ (٦٤٢ م) وهو تاريخ سقوط الحاضرة الثانية لخوزستان وهى تستر (ويقال شستر وششتر). وشهد أبو موسى أيضا فتح الجزير ة. (نهاية ١٨ - ٢٠ هـ = ٦٣٩ - ٦٤١ م) موحدا قواته وقوات عياض بن غنم، وكذلك اشترك فى الحملة على الهضبة الإيرانية حيث ذكر أنه شهد وقعة النهروان. وينسب إليه فتح عدة مدائن (الينور، وقم، وقاشان وغيرها).
وثمة حادثة هامة تنبئ بأن التذمر من أبى موسى كان محيقا بالفعل سنة ٢٦ هـ) ٦٤٦ - ٦٤٧: الطبرى، جـ ١، ص ٢٨٢٩, حيث ورد ذكر عصيان بين جنوده فى حوادث سنة ٢٩ هـ، والحق أن ذلك وقع سنة ٢٦ Annali Caetani: سنة ٢٦، فقرة ٣٨). ولكن أسوأ احتجاج على المساوئ التى اقترفها أبو موسى حمله إلى المدينة وفد من أهل البصرة سنة ٢٩ هـ (٦٤٩ - ٦٥٠ م؛ الطبرى، جـ ١، ص ٢٨٣٠) , ومن ثم قرر الخليفة عثمان أن يولى مكانه على البصرة عبد الله بن عامر. ومهما يكن من شئ فإن أبا موسى كان قد اكتسب احترام أهل الكوفة حتى طالبوا بإعادة توليته على الكوفة إذ طردوا واليها سعيد بن العاص سنة ٣٤ هـ (٦٥٤ - ٦٥٥ م؛ الطبرى، جـ ١، ص الأغانى الطبعة الأولى، ب ١١، (ص ٣١)، وكان واليا عليها أيام اغتيال عثمان. فلما بويع على أقسم له أبو موسى يمين الولاء باسم الكوفيين (الطبرى، جـ ١، ص ٣٠٨٩، المسعودى: مروج الذهب، ص ٢٩٦ وما بعدها)
стр. 803
محتفظا بمنصبه على حين أقصى غيره من ولاة عثمان (اليعقوبى، جـ ٢ ص ٢٠٨). ولما نشبت الحرب بين على وعائشة وطلحة والزبير دعا رعاياه أن يلزموا الحياد (الطبرى، جـ ١، ص ٣١٣٩؛ الدينورى، ص ١٥٣ وما بعدها .. الخ) ولم يتزحزح عن موقفه هذا على الرغم من الضغط الذى تعرض له. وانتهى ذلك بأن طرده شيعة على من الكوفة فى أول فرصة لاحت لهم (الطبرى، جـ ١، ص ٣١٤٥ - ٣١٤٩؛ ٣١٥٢ - ٣١٥٤) وكتب الخليفة إليه رسالة عزل صيغت فى أشد العبارات قسوة (الطبرى جـ ١، ص ٣١٧٣؛ المسعودى: مروج الذهب، جـ ٤، ص ٣٠٨؛ وانظر اليعقوبى، جـ ٢، ص ٢٠)، على أنه أمنه بعد ذلك بأشهر قلائل (نصر بن مزاحم المنقرى: وقعة صفين، طبعة عبد السلام هارون، القاهرة سنة ١٣٦٥ هـ، ص ٥٧٢، الطبرى، جـ ١ ص ٣٣٣٣).
وقد كان أبو موسى أحد الحكمين اللذين أقيما فى صفين سنة ٣٧ هـ (٦٥٧ م) ليبتا فى النزاع بين على ومعاوية، أو قل إن شئت الدقة إنه كان الحكم المختار ليمثل عليا الذى أجبره أنصاره على اختيار أحد المحايدين، لوثوقهم التام بأن الحكم سيكون فى صالحهم (انظر عن تفصيلات التحكيم مادة "على بن طالب ") وبعد اللقاء الذى تم فى أذرح انسحب أبو موسى إلى مكة، ولكن لما أنفذ معاوية بسر بن أرطاة لاحتلال المدينتين المقدستين سنة ٤٠ هـ (٦٦٠ م) خشى الأشعرى انتقامه لأنه كان قد عارض فى أذرح مبايعة معاوية بالخلافة، وقد جاء فى بعض المصادر أنه عمد إلى الفرار، فطمأنه بسر (انظر Annali: Caetani سنة ٤٠ هـ، فقرة ٨، تعليق ٣ فى شأن الروايات المختلفة عن هذه الحادثة الهامة). ولم يشترك أبو موسى بعد ذلك بنصيب فى السياسة كما يتبين من التردد فى تحديد تاريخ وفاته (جعل سنة ٤١، ٤٢، ٥٠، ٥٢، ٥٣ هـ؛ وأرجح التواريخ هو سنة ٤٢ هـ).
وقد أثنى الثناء العاطر على تلاوته للقرآن وصلواته، ذلك أنه كان ذا صوت ندى (ابن سعد: الطبقات، جـ ٢/ ٢، ص ١٠٦) ولكننا نذكر فوق ذلك كله أن اسمه ظل متصلا بالدراسات القرآنية، لأنه جمع مصحفا بقى محليا بعد جمع مصحف عثمان المعتمد بعامة
стр. 804
(انظر Milieu Pasrien: Ch. Pellat ص ٧٣ وما بعدها).
المصادر:
(١) جميع الأخبار والتواريخ الخاصة بصدر الإسلام، وجميع الكتب التى تترجم للأعلام من الأولين تتحدث عن أبى موسى، وقد أشرنا إلى أهمها فى صلب المادة.
(٢) وتوجد شواهد عدة فى Cae- Chronographia islamica: tani، سنة ٤٢، ص ٤٧٩.
(٣) الكاتب نفسه Annali، لفهارس، وجـ ٧ - ١٠، فى مواضع مختلفة.
(٤) ابن أبى حديد: شرح نهج البلاغة، القاهرة سنة ١٣٢٩ جـ ٣، ص ٢٨٧ - ٢٨٩، ٢٩١، ٢٩١، جـ ٤، ص ١٩٩، ٢٣٧.
(٥) وانظر عن فتع خوزستان: Skizzenund Vorrbeiten: J.Wellhausen, جـ ٦، برلين سنة ١٨٩٩، ص ٩٤ - ١١٣.
خورشيد [فاكلييرى L.Veccia Vaglieri]
الأشعرية
مذهب كلامى، والأشعرية أتباع أبى الحسن الأشعرى ويقال لهم أيضًا الأشاعرة (ولم يدرس تاريخ هذا المذهب إلا قليلا، ويجب أن نعد بعض الأقوال الواردة فى هذه المادة موقوتة).
التاريخ الظاهر:
اجتذب الأشعرى فى العقدين الأخيرين من حياته، عددًا من التلاميذ وبذلك تأسست مدرسة له. وكان موقف المدرسة الجديدة من العقائد عرضة للهجوم من عدة أوساط، فإذا تجاوزنا المعتزلة، نجد أن طوائف من متكلمى اهل السنة قد هاجموا الأشاعرة. فالحنابلة رأوا أن فى استخدام الأشاعرة للحجج العقلية بدعة مستنكرة. ونجد من جهة أخرى أن الماتُريديَّة الذين كانوا يدافعون عن مذهب السنة بالطرق العقلية، وقد وجدوا أن بعض مواقف الأشاعرة تبدو ممعنة فى المحافظة (انظر النقدات التى وجهها عضو متقدم من فرقة الماتريدية فى "شرح الفقه الأكبر" المنسوب إلى الماتريدى). والواضح أن الأشعرية، رغم هذه المعارضة، غدت المذهب السائد فى
стр. 805
أنحاء الخلافة العباسية التى يتحدث أهلها بالعربية (وربما صدق هذا أيضًا على خوزستان). وكان الأشاعرة بوجه عام على وفاق مع المذهب الشافعى فى الفقه (ولو أن مذهب الأشعرى الخاص فى الشريعة غير واضح)، على حين كان منافسوهم: الماتريدية، قد ثبتوا -أوكادوا- على الحنفية. وحوالى منتصف القرن الخامس الهجرى (الحادى عشر الميلادى) اضطهد الأشعرية على يد سلاطين بنى بويه الذين كانوا يميلون فى عقيدتهم إلى مجموع من أقوال المعتزلة والشيعة، وانقلبت الآية بقدوم السلاجقة، وتلقى الأشاعرة العون الرسمى -وخاصة من الوزير الكبير نظام الملك- ونظير ذلك بذلوا العون العقلى للخلافة على الفاطميين فى القاهرة. ومن وقتها حتى أوائل القرن الثامن الهجرى -فيما يحتمل- أصبحت الأشعرية تكاد تكون هى مذهب أهل السنة، وظلت حالها كذلك بوجه من الوجوه حتى الوقت الحالى. ولم يكن للردّة الحنبلية التى كان محورها ابن تيمية المتوفى سنة ٧٢٨ هـ (١٣٢٧ م) إلا سلطان محدود. ومع ذلك فمن أيام الشيخ السنوسى المتوفى سنة ٨٩٥ هـ (١٤٩٠ م) تقريبًا لم يعد أئمة المتكلمين يعدون أنفسهم منتسبين إلى الأشعرية، إذ كانوا فى الواقع يتخذون ما يرون من أقوال المذاهب على الرغم من أنهم كانوا يبجلون الأشعرى وأعيان مذهبه ويعترفون بهم.
وأئمة الأشعريه هم: الباقلانى المتوفى سنة ٤٠٣ هـ (١٠١٣ م)، وابن فورَك (أبو بكر محمد بن الحسن) والمتوفى سنة ٤٠٦ هـ (١١٠٥ - ١٠١٦ م)، والإسفرايينى المتوفى سنة ٤١٨ هـ (١٠٢٧ - ١٠٢٨ م)، والبغدادى عبد القاهر بن طاهر المتوفى سنة ٤٢٩ هـ (١٠٣٧ - ١٠٣٨ م) والسُمْنانى المتوفى سنة ٤٤٤ هـ (١٠٥٢ م)، وإمام الحرمين الجوُيَنْى المتوفى سنة ٤٧٨ هـ (١٠٨٥ - ١٠٨٦ م)، والغزالى أبو حامد محمد المتوفى سنة ٥٠٥ هـ (١١١١ م)، ومحمد بن تومَرْت المتوفى حوالى سنة ٥٢٥ هـ (١٠٣٠ م) والشَهْرَسْتانى المتوفى سنة ٥٤٨ هـ (١١٥٣ م)، وفخر الدين الرازى المتوفى سنة ٦٠٦ هـ (١٢١٠ م)، والإيجى المتوفى سنة ٧٥٦ هـ (١٣٥٥ م)، والجُرجانى المتوفى سنة ٨١٦ هـ (١٤١٣ م).
стр. 806
التطور الداخلى:
لا يعرف إلا القليل عن آراء الأشعرية فى نصف القرن التالى لوفاة صاحب المذهب؛ والباقلانى هو الشخص الوحيد الذى بقى كتَابه، وهو ميسور لنا، وما وافى زمنه حتى ذاع أن الأشعرية يأخذون ببعض أنظار المعتزلة (وخاصة نظرية أبى هاشم فى "الحال") وأنهم ربما تأثروا بنقدات الماتريدية. وثمة مسألة واحدة كانت مدرسة الأشعرى قد بدأت تختلف فيها عن الأشعرى نفسه، وهذه المسألة هى تفسير صفات التجسيد التى أطلقت على الله، مثل يده ووجهه واستوائه على العرش، ذلك أن الأشعرى كان قد قال فيها إنها يجب ألا تؤخذ بظاهر اللفظ أو بالتأويل بل تؤخذ بـ "لا كيف "، ولكن البغدادى والجوينى أولا "يده" بأنها "قدرته" ووجهة بأنه "ذاته" أو"وجوده", وكان موقف معظم الأشاعرة المتاْخرين مشابهًا لذلك (انظر Some Muslim Dis-: Montgomery Watt cussions of Anthropomorphism فى Transactions of the Glasgow University Oriental Society - جـ ١٣، ص ١ - ١٠) زد على ذلك اْننا بينما نجد الأشعرى يصر على أن "الكسب" مخلوق فيؤكد بذلك قدرة الله على كل شئ غامطًا مسؤولية الإنسان عن أفعاله، نجد أن الجوينى قد استطاع أن يبين أن مذهب
الأشعرية فى ذلك "مذهب وسط".
وحوالى منتصف القرن الخامس الهجرى (الحادى عشر الميلادى) طرأ تغيير على المذهب، ذلك أن ابن خلدون (ترجمة ده سلان، جـ ٣، ص ٦١) يتحدث عن الغزالى على أعتبار أنه أول المجددين، ولاشك أن مرجع ذلك إلى حماسته للقياس الأرسطى، ولكننا نجد عند الجوينى من قبل آثار تقدم فى المنهج (انظر Gardet et Anawati: الكتاب المذكور، ص ٧٣ من أسفل). على أن الغزالى هو الذى غاص فى أنظار ابن سينا وغيره من الفلاسفة حتى استطاع مهاجمتهم بأسلوبهم بنجاح ساحق. ولم يسمع عن الفلاسفة زيادة على ذلك إلا القليل، ولكن منطقهم الأرسطى وكثيرًا من آرائهم الأفلاطونية الجديدة فيما وراء الطبيعة قد اندمجت منذ ذلك الوقت فى تعاليم الأشعرية. ولم تلبث هذه التعاليم أن صبغت بالصبغة العقلية على محمل سئ، بل إن بعض الآراء -
стр. 807
التى يشك فى سنيتها -قد أخذت وشغلت المقدمة الفلسفية فراغًا أكبر وعناية أكثر من النظريات الكلامية الصرف (وخاصة فى الإيجى وشارحه الجرجانى). وختامًا يجوز لنا أن نقول إن المذهب قد اختفى فى وهج من الفلسفة.
المصادر:
(١) انظر أيضًا المصادر عن الاْشعرى وغيره من أهل المذهب.
(٢) ابن عساكر: تبيين كذب المفترى، دمشق سنة ١٣٤٧ هـ (انظر مادة الأشعرى عن ترجمة هذا الكتاب بمعرفة MacGarthy and Mehren.)
(٣) Zur Geschichte: M. Schreiner des As'aritei turns فى Actes du ٨ e Congr. des Orient جـ ١ أ، ص ٧٩ وما بعدها.
(٤) Les Penseurs de: Garra de Vaux L'Islam باريس سنة ١٩٢٣، جـ ٤، ص ١٣٣ - ١٩٤.
(٥) Intro-: L. Gardet et M. M Anawati duction d Theologie Musulmane باريس سنة ١٩٤٨ وخاصة ص ٥٢ - ٧٦.
خورشيد [مونتجمرى وات W.Montgomery watt]
أصحاب (صحابة)
(ومفرده صاحب)، أو "صحابة" ومفردها صحابى): اصطلاح فى الإسلام أطلق بوجه خاص على صحابة النبى. وكان هذا الاسم يطلق فى أول أيام الإسلام على أولئك الذين اتصلوا بالنبى زمنًا ما واشتركوا معه فى غزواته، ثم اتسعت دائرة الصحابة فيما بعد شيئًا فشيئًا، ولم تقتض هذه التسمية وجوب اتصال الصحابى بالنبى اتصالا فعليا. وعد من الصحابة أيضًا المؤمنون الذين لقوا النبى فى حياته ورأوه ولو زمنا قصيرًا دون أن يوضع سن هؤلاء موضع الاعتبار (انظر ما ذكره كولدتسيهر- Muh. Studi en جـ ٢ وص ٢٤٠ عن اختلاف الآراء فى هذا التعريف) ويتفق مع هذا التحديد الأخير التعريف الشائع فى كتب الفقه (القسطلانى، جـ ٦، ص ٨٨). ويقال إن آخر صحابة النبى هو عامر بن وائلة الكنانى أبو الطفيل (أسد الغابة، جـ ٣، ص ٩٧؛ جـ ٥ ص ٣٣٣) الذى توفى بعد سنة مائة من الهجرة
стр. 808
بزمن قصير. ولابد أنه كان طفلا صغيرا عندما رأى النبى لأنه لم يولد إلا فى العام الذى حدثت فيه غزوة أحد. وكان فى الثامنة من عمره (١) عندما لقى الرسول (Zeitschr.d. Deutgch. Morgenl Gesellsch. جـ ٢٣، ص ٥٩٥). ويسلك الرواة أيضا فى سلك الصحابة، المؤمنين من الجن الذين كانوا على صلة بالنبى كما تقول القصة. وللصحابة فى نظر أهل السنة مكانة عالية بين المؤمنين. فإن ما لم يذكر فى القرآن من الشريعة يؤخذ عنهم ويعتمد فيه على روايتهم إذ أنهم هم الذين سمعوا قول النبى وشاهدوا أفعاله، وأساس الحديث هو ما ثبتت صحته مما نقلوه عن قول النبى أو شاهدوه من أفعاله. والحديث الذى يتصل إسناده إلى الصحابة يسمى "مسندًا" وإذا ثبت عن الصحابى عمل يوافق سنة صحيحة كان عمله شاهدًا للسنة القويمة التى يجب على المؤمن اتباعها دائمًا، وقد جعلتهم صلتهم بالنبى وما كان لهم من شأن فى توطيد الاسلام محل تقدير المؤمنين منذ نشاة هذا الدين؛ وسب الصحابة أو احتقارهم جريمة لا تغتفر ويعاقب من يسب الصحابة بالجلد، ومن أصر على سبهم كان جزاؤه القتل. والصحابة طبقات على رأسها الخلفاء الأربعة الراشدون بحسب ترتيب توليهم الخلافة. والى جانب الخلفاء الأربعة ستة آخرون من الصحابة أكد لهم النبى وهم أحياء أن مثواهم الجنة "العشرة المبشَّر لهم بالجنة" ومن هؤلاء تتألف طبقة خاصة من الصحابة. وهناك طبقات أخرى تتفاوت فى المرتبة بتفاوت نوع الأعمال التى اشتركت فيها مع النبى: فمنهم المهاجرون الذين هاجروا إلى المدينة؛ والأنصار، وهم أهل المدينة الذين بدأ اشتراكهم فى نصرته بعد الهجرة؛ والبدريون الذين شهدوا غزوة بدر ... إلخ. وقد جمع النووى فى شرحه مسلم (جـ ٥، ص ١٦١) (٢) الآراء المختلفة المتعلقة بطبقات الصحابة.
стр. 809
وقد تفرد الشيعة دون أهل السنة بخصومتهم القوية للصحابة، للك الخصومة التى وصلت بهم إلى حد التعصب المثير للكراهية، ذلك لأن الشيعة يرون أن الخلفاء الأول اغتصبوا حق علىّ وأهل بيته فى الخلافة بموافقة الصحابة. أما أهل السنة فإنهم إذا ذكروا صحابيًا أو كتبوا عنه، شفعوا اسمه "بالترضية" أى قالوا: رضى الله عنه. وتعنى مصنفات أهل السنة عناية كبرى بذكر فضائل أصحاب النبى أو مناقبهم. وتفرد أكثر كتب الحديث المبوبة فصلا خاصا لذكر المناقب. وقد صنف أيضًا كثير من الكتب التى جمعت أسماء جميع الصحابة مع ذكر سيرهم وبيان الأحاديث المسندة إليهم. وبين هذه المصنفات خلافات كثيرة، وينسب إلى عبد الباقى بن قانع مولى بنى أمية المتوفى فى بغداد عام ٣٥١ هـ (٩٦٢ م) كتاب "معجم الصحابة" (الذهبى: طبقات الحفّاظ، جـ ٣، ص ٩٩) وأهم من كتب فى سير الصحابة هو أبو عبد الله بن منده المتوفى عام ٣٩٥ هـ (١٠٠٤ - ١٠٠٥ م)، وأبو نُعيْم الإصفهانى المتوفى عام ٤٣٥ هـ (١٠٣٨ - ١٠٣٩) وأبو عمر ابن عبد البر النَمرى القرطبى المتوفى عام ٤٦٣ هـ (١٠٧٠ - ١٠٧١ م) وهو صاحب كتاب "الاستيعاب فى معرفة الأصحاب " (طبع فى حيدر آباد عام ١٣١٨ هـ فى مجلدين). وقد علق على هذا الكتاب السبكى تعليقات نقدية فى كتابه "طبقات الشافعية" (جـ ٦، ص ١٣٥) (١)، وابو موسى محمد بن ابى بكر الإصفهانى المتوفى عام ٥٨١ هـ (١١٨٥ - ١١٨٦ م) وقد جمع عز الدين ابن الأثير الجزرى المتوفى عام ٦٣٠ هـ (١٢٣٢ - ١٢٣٣ م) ما ورد فى كتب المتقدمين وعلق عليه وأكمل ما نقص منه ثم نشره فى كتابه
стр. 810
الكبير المسمى "أسد الغابة فى معرفة الصحابة" (القاهرة سنة ١٢٨٦ هـ فى خمسة مجلدات) يضاف إلى ذلك كتاب الذهبى المسمى "تجريد أسد الغابة" (حيدر آباد، سنة ٣١٥ هـ فى مجلدين أحصى فيهما ٨٨٠٩ صحابى). وهناك مرجع أوفى من كل هذه الكتب هو كتاب أبو الفضل بن حجر العسقلانى المتوفى عام ٨٥٢ هـ (١٤٤٨ - ١٤٤٩ م) واسمه "الإصابة فى تمييز الصحابة" (طبعة كلكتة فى أربعة مجلدات، عام ١٨٥٣ - ١٨٩٤؛ وطبع فى مصر فى ثمانية مجلدات عام ١٣٢٣ - ١٣٢٥)
[كولد تسيهر Goldziher]
أصحاب الأخدود
جاء ذكرهم فى سورة البروج، الآية الرابعة وما بعدها. ويروى المؤرخون المسلمون فى كلامهم على أصحاب الأخدود أن ذا نُوَاس ملك اليمن كان متعصبًا لليهودية غير متسامح مع النصارى، فدعاهم إلى اليهودية وخيّرهم بين ذلك والقتل فاختاروا القتل. فخدّ لهم الأخدود وأحرقهم فيه.
ولهذه القصة ما يؤيد بعضها ويكملها فى المصادر النصرانية، فإنها تقول إنه لما لم يستطع الكوشيون إرسال والٍ من قبلهم إلى اليمن بسبب حلول فصل الشتاء، استولى على السلطة ذو نواس الذى تسميه المصادر بأسماء مختلفة، وكان ذو نواس متحمسًا لليهودية فاضطهد النصارى. وحاصر نجران، حتى رذا وقعت فى يده حنث بوعده، وعذب النصارى الذين ظلوا على عقيدتهم بالنار والحديد. على أنه لم يرد فى روايات النصارى ذكر للأخدود. ويقرب من هذه الروايات ما ذكر شمعون من بيت أرشام وكاتب غير معروف فى Roisconade . ووصلت أخبار تلك الحوادث إلى الشام فى ربيع عام ٥٢٤ م، وعلى هذا يحتمل أن تكون تلك الحوادث قد حدثت فى أواخر عام ٥٢٣ ميلادية.
وهناك تفسيرات أخرى لهذه القصة، فيقول البعض إن أصحاب الأخدود هم دانيال وأصحابه (الطبرى: تفسير الآية)