← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 16526

الكافي شرح أصول البزدوي

الحسام السغناقي

Полный текст (2 351 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

مخير فالفرق بينه وبين ظهر المسافر ظاهر، وهو أن صلاة الجمعة وصلاة الظهر مختلفان، فيستقيم القول بالتخيير هناك. وأما هاهنا فالظهر بأربع ركعات والظهر بركعتين واحد، فالتخيير بين القليل والكثير في شيء واحد لغو؛ لأنهما مختلفان فاستقام طلب الرفق؛ لأن الشيئين إذا كانا متغايرين لا يتعين اليسر في أحدهما، حتى أن العبد إذا جنى وقيمته عشرون درهمًا وقيمة الأرش ألف درهم يتخير المولى بين الدفع والفداء لتغايرهما وعدم تعين اليسر، فكذلك هاهنا الجمعة مع الظهر مختلفان، ولهذا لا يجوز بناء أحدهما على الآخر فلم يتعين الرفق في الأقل عددًا، وهذا لأن الجمعة قليل في عدد الركعات، ولكن مع تحمل مشقة السعي، والظهر كثير في عدد الركعات مع عدم تحمل مشقة السعي، فيخير المكلف بينهما لعدم تعين الرفق في أحدهما. (بخلاف العبد لما قلنا) أي إذا جنى العبد يخير المولى بين الدفع والفداء

стр. 1052

لما قلنا إنهما متغايران، ولا يتعين في أحد المتغايرين. (والفصل كان برأ منه)، والدليل على أن ذلك كان تفضلًا منه لا واجبًا عليه؛ قوله تعالى: ﴿فَمِنْ عِنْدِكَ﴾. (وهذا تابع مقصود) أي معرفة حكم ضد الأمر والنهي تابع غير مقصود؛ لأن المقصد معرفة حكم الأمر والنهي لا معرفة ضدهما. * * *

стр. 1053

باب حكم الأمر والنهي في أضدادهما ذكر وجه المناسبة ووجه التأخير عن ذكر الأمر والنهي المقصودين في الكتاب، وقد ذكرنا بغير الضد في ((الوافي)) وهو المهم في الباب. (وقال بعضهم: يقتضي كراهة ضده) وهذا أدنى مرتبة من قولهم:

стр. 1054

يوجب كراهة ضده. (وقال الجصاص: إن كان له ضد واحد كان أمرًا به) حتى لو قال: لا تتحرك يكون أمرًا بالسكون، وإن كان له أضداد لم يكن أمرًا بشيء منها، حتى لو قال: لا تقم لا يكون أمرًا بالقعود ولا بالركوع ولا بالسجود ولا

стр. 1055

بالاضطجاع. (ألا ترى أنه لا يصلح دليلًا لما وضع له فيما لم يتناوله إلا بطريق التعليل فلغير ما وضع له أولى)، وهذا لأن الأمر بالشيء وضع لطلب ذلك الشيء ولإيجابه، والأمر ساكت عن ثبوت موجبه فيما لم يتناوله إلا بطريق التعليل، فلأن لا يوجب حكمًا في ضد ما وضع له كأن أولى، ونظير ذلك قوله ﵇: ((الحنطة بالحنطة مثل بمثل والفضل ربا))، وتقديره: بيعوا الحنطة بالحنطة مثلًا بمثل على ما يجيء في القياس إن شاء الله تعالى، فموجب الأمر وجوب التسوية بينهما كيلًا، وحرمة الفضل فيما يتناوله الأمر وهو الحنط والشعير وغيرهما من الأشياء الستة، فالأمر ساكت عن غير هذه الأشياء، ولا دلالة له في ثبوت موجبه في غير هذه الأشياء لا نفيًا ولا إثباتًا. ولو ثبت حكم هذه الأشياء في غيرها إنما يثبت بالتعليل لا بدلالة النص على ذلك، فلما لم يصلح هذا النص دليلًا على ما وضع له في غير ما تناوله فلأن لا يكون دليلًا على ضد ما تناوله هذا النص كان أولى، وضد هذا النص هو أن يقال: لا تبيعوا الحنطة بالحنطة متفاضلًا.

стр. 1056

ثم عند هؤلاء وهم الفريق الأول إنما يعاقب إذا فعل ضد المأمور به؛ لأنه لم يأتمر بالأمر؛ لأن الضد عندهم ليس بحرام لعدم تناول هذا الأمر ضده، ولم يجئ صريح النهي في ضد هذا الأمر وهذا العقل فاسد؛ لأنه يؤدي إلى استحقاق العبد العقاب بما لم يفعله، وهو بطل لمخالفة العقل والسمع. أما العقل: فإن المرء لم يعاقب على العدم؛ لأن العقاب شيء والعدم ليس بشيء، فكيف يجوز بناء الموجود على المعدوم؟ وأما السمع: فقال الله تعالى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ وغيرهما من آيات الوعيد. فإن قلت: كما أن استحقاق العبد العقاب موقوف إلى وجود الفعل القبيح منه فكذلك استحقاقه الثواب الحسن موقوف إلى وجود الفعل الحسن منه، وأيده قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ والسعي أمر وجودي، فيجب أن لا يستحق العبد الثواب الحسن إلا بالسعي الجميل وهو اكتساب الطاعات، ثم قد يحصل له الثواب الحسن بالأمر العدمي وهو الانتهاء عن ارتكاب المنهي عنه، فإن الانتهاء ليس إلا بإبقاء المنهي عنه عدمًا كما كان وهو في ذلك مثاب بالجزاء الحسن. قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ

стр. 1057

مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَاوَى﴾ فيجب أن يكون في استحقاق العقاب كذلك بأن لا يشترط الفعل القبيح. قلت: أما قوله تعالى: ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ أخبر عن النهي أي المنع وهو فعل، وكذلك الانتهاء الذي يستحق به الثواب عبارة عن ترك الفعل القبيح شرعًا، وترك الفعل فعل لما فيه من استعمال أحد الضدين كالسكون يكون تركه بالحركة وهو فعل. وحاصله أن موجب النهي الانتهاء وهو الامتناع عن المباشرة، ثم إن دعته نفسه إلى المباشرة يلزمه الترك والترك فعل منه فيثاب به، فكان مثابًا بالفعل، وإن كان الانتهاء قد يتحقق بدون الترك الذي هو الفعل. ألا ترى أنا لامتناع الذي به يتحقق الانتهاء يستغرق جميع العمر، والترك الذي هو فعل لا يستغرق، فإنه قبل أن يعمل به يكون منتهيًا بالامتناع منه، ولا يكون مباشرًا للفعل الذي هو ترك الإتيان به، فإن ذلك لا يكون إلا عن قصد منه بعد العلم به. وبيان هذا أن الصائم مأمور بترك اقتضاء الشهوتين في حال الصوم فلا يتحقق منه هذا الفعل ركنًا للصوم حتى يعلم به ويقصده، والمعتدة ممنوعة من الخروج والتزوج والتطيب، وذلك ركن الاعتداد، ويتم ذلك وإن لم تعلم به

стр. 1058

حتى يحكم بانقضاء عدتها بمضي الزمان قبل أن تشعر به، وعلى هذا لو قال لامرأته: إن لم أشأ طلاقك فأنت طالق ثم قال: لا أشاء طلاقك- لم تطلق، ولو قال: إن أبيت طلاقك فأنت طالق، ثم قال: قد أبيت- طلقت؛ لأن الإباء فعل يقصده ويكسبه فيصير موجودًا بقوله: ((قد أبيت)) ولا يكون ذلك مستغرقًا لعمره، وعدم المشيئة عبارة عن امتناعه من المشيئة وذلك يستغرق عمره، فلا يتحقق وجود الشرط بقوله: ((لا أشاء)) ولا بامتناعه من المشيئة في جزء من عمره. هكذا ذكره الإمام المحقق شمس الأئمة- ﵀ في نهي ((أصول الفقه)). (واحتج الجصاص- ﵀ بأن الأمر بالشيء وضع لوجوده، ولا وجود له مع الاشتغال بشيء من أضداده) فلذلك استوى فيه ما يكون له ضد واحد أو أضداد، فبأي ضد اشتغل ينعدم ما هو المطلوب. ألا ترى أنه إذا قال لغيره: اخرج من هذه الدار سواء اشتغل بالقعود فيها أو الاضطجاع أو القيام ينعدم ما أمر به وهو الخروج.

стр. 1059

(وأما النهي فإنه للتحريم ومن ضرورته فعل ضده إذا كان له ضد واحد)، فإن قول القائل: لا تتحرك يكون أمرًا بضده وهو السكون؛ لأن المنهي عنه ضدًا واحدًا. (وأما إذا تعدد الضد فليس من ضرورة الكف عنه إتيان كل أضداده) فإنه إذا قال لغيره: لا تقم فللمنهي عنه أضداد من القعود والاضطجاع والركوع والسجود فلا موجب لهذا النهي في شيء من أضداده، فلذلك لا يكون مأمورًا بأضداده. فإن قلت: ينبغي أن يكون مأمورًا بأحد الأضداد على طريق الإجمال كما في كفارة اليمين؛ لأن الانتهاء لا يتحقق إلا بالاشتغال بأحد الأضداد. قلت: الأمر بأحد الأشياء على طريق الإجمال إنما يصح في الأمر القصدي كما في كفارة اليمين. وأما في الأمر الذي يثبت من ضرورة حكمه النهي فلا؛ لأن في الأمر القصدي المقصود حصول الائتمار، وبفعل كل واحد يحصل الائتمار فيصح، وأما في النهي فالمقصود تحريم فعل المنهي عنه والانتهاء عن الإتيان بذلك الفعل المنهي عنه، وفي حصول الانتهاء الاشتغال بكل واحد من الأضداد مستو، ثم لو قلنا: بأن المنهي مأمور بالإتيان بكل أضداد المنهي عنه كان قولًا بالأمر بضد

стр. 1060

النهي من غير ضرورة، فإن الانتهاء يحصل بالاشتغال بواحد منها فلا يحتاج إلى الاشتغال بالآخر، فكذلك لا يكون مأمورًا بالكل وفي كونه مأمورًا بواحد منها يلزم ترجيح أحد المتساويين من غير مرجح فلا يصلح ذلك أيضًا. وقال الإمام شمس الأئمة- ﵀: وقول من يقول بأن مثل هذا النهي يكون أمرًا بأضداده يؤدي إلى القول بأن لا يتصور من العبد فعل مباح أو مندوب إليه، فإن المنهي عنه محرم أضداده واجب بالأمر الثابت بمقتضى النهي، فيكون يتصور منه فعل مباح أو مندوب إليه. ألا ترى أن من قال لآخر: لا تأكل أمرًا بقوله: اترك الأكل، قوله: اترك الأكل أمر فيوجب عليه ما يحصل به ترك الأكل من القراءة والتكلم والمضمضة والذهاب والبول والتغوط والجماع وغيرها، فإن بكل منها يحصل ترك الأكل على الكمال، والأمر بالشيء طلب لتحصيل المأمور به على أبلغ الجهات فلا يبقى فعل مباح، وفي اتفاق العلماء على أن أقسام الأفعال التي يأتي بها العبد عن قصد أربعة: واجب ومندوب إليه، ومباح ومحظور- دليل على فساد قول هذا القائل. قال: أي الجصاص.

стр. 1061

(ولم يكن مأمورًا بلبس شيء متعين من غير المخيط)؛ لأن غير المخيط غير متعين في شيء واحد؛ لأن له أنواعًا. فإن قلت: المنهي عنه مخيط فيكون ضده غير مخيط وهو شيء واحد فكان نظير الإظهار مع الكتمان. قلت: ليس كذلك، فإن الإظهار والكتمان ليس له أنواع بخلاف المخيط مع غير المخيط؛ فإن لكل واحد منهما أنواعًا والذي ذكرت أن المخيط ضده غير المخيط وهو لا يقدح لما قلنا، فإن مثل هذا متحقق بين القيام وضده، فإن ضد القيام هو ترك القيام ولا واسطة بينهما صورة وبينهما واسطة في المعنى، فإن لضده أنواعًا من القعود والاضطجاع والركوع والسجود. (إلا أنا أثبتنا بكل واحد من القسمين أدنى ما يثبت به) يعني أن الأمر لما كان نهيًا عن ضد ما نسب إليه يثبت أدنى ما يثبت به النهي وهو الكراهة كما في النهي لمعنى في غير المنهي عنه بطريق المجاورة كالبيع وقت النداء والصلاة في الأرض المغصوبة، فكذلك في النهي الثابت بضد الأمر؛ لأن الثابت لغيرة بطريق الضرورة لا يتساوي الثابت بالأمر المقصود، ولما كان كذلك لم يجز

стр. 1062

استواهما، إذ لا مساواة بين المثبت بطريق الضرورة وبين المثبت قصدًا واعتبر هذا بالثابت بطريق الاقتضاء والثابت بالنص. (وأما الذي اخترناه) وهو قوله: إلا أنا أثبتنا بكل واحد من القسمين أدنى ما يثبت به (فبناء على هذا) وهو أن الثابت بغير ضرورة لا يساوي المقصود بنفسه، (ومعنى الاقتضاء هنا أنه ضروري غير مقصود) يعني أن هذا الاقتضاء على خلاف الاقتضاء المصطلح من وجه، فإن الاقتضاء المصطلح هو جعل غير المنطوق منطوقًا ليصح المنطوق، وهاهنا يصح الأمر بدون إدراج غيره. لكن ما ثبت الانتهاء ضرورة إثبات المأمور به سمي اقتضاء، وبهذا التقرير خرج الجواب عن قوله: بان كل واحد من القسمين ساكت عن غيره؛ لأنا لما أثبتناه اقتضاء لم يكن كل واحد منهما ساكتًا عن ضده. (فصار بهذه الواسطة أمرًا) أي فصار النص بواسطة عدم مشروعية الكتمان أمرًا بالإظهار، وهذا مثل قوله ﵇: (((لا نكاح إلا بشهود))) وهو نسخ للنطاح بغير شهود ولا نهي، فكان نص الحديث بواسطة عدم

стр. 1063

مشروعية النكاح بغير شهود أمرًا بإحضار الشهود في النكاح. (وفائدة هذا) الأصل وهو أن الأمر بالشيء يقتضي كراهة ضده؛ (أن التحريم إذا لم يكن مقصدًا بالأمر لم يعتبر إلا من حيث يفوت الأمر) أي لم يجعل ضد المأمور به حرامًا إلا إذا تضمن الاستعمال بالضد تفويت المأمور به حينئذ يكون الاشتغال بضد المأمور به حرامًا. (وأما إذا لم يفوته كان مكروهًا) لا حرامًا لتقريبه إلى الحرمة؛ إذ الحكم يثبت على حسب ثبوت العلة كالأمر بالقيام كما في الركعة الثانية، وهو مأمور بالقيام، ثم هو لو قعد مع ذلك في الركعة الثانية لا يحرم ذلك عليه بل يكره لما قلنا إنه ليس بتفويت للقيام بل هو تأخير له. (ولهذا قلنا: إن المحرم لما نهي عن لبس المخيط كان من السنة بس الإزار والرداء)؛ لأن ذلك أدنى ما يقع به الكفارة من غير المخيط، (ولهذا قلنا): إن العدة لما كان معناه النهي عن التزوج) إلى آخره إيضاح لقوله: ((إلا أنا أثبتنا بكل واحد من القسمين أدنى ما ثبت به)) أي ولما ثبت وجوب العدة بالنهي

стр. 1064

قصدًا لقوله تعالى: ﴿وَلا يَخْرُجْنَ﴾ وبقوله تعالى: ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾ كان ثبوت أمر الكف في ضده أمرًا غير مقصود، فظهر أثره في انقضاء العدتين والعدد في مدة واحدة؛ لأنه لا تضايق في موجب النهي لكونه أمرًا عدميًا وكونه للتحريم (بخلاف الصوم، فإن الكف وجب بالأمر مقصودًا فيه) وهو قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ فلذلك لم يتحقق أداء صومين في يوم واحد لتضايق في ركن كل صوم وهو الكف إلى وقت فإنه ثابت بالأمر نصًا، ولا يتحقق اجتماع الكفين في وقت واحد. فإن قلت: في حق وجوب العدة كما جاء نص النهي بقوله تعالى: ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾ وقوله ﴿وَلا يَخْرُجْنَ﴾ كذلك جاء نص الأمر بقوله تعالى ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ وهذان النصان يحتمل أن يكون كل واحد منهما أصلًا والآخر تبعًا، فمن أين يرجح جانب النهي على جانب الأمر حتى جعل النهي أصلًا والأمر ضمنًا له، فلم لم يجعل على العكس؟ قلت: إنما جعل هكذا بالنظر إلى الأثر وبالنظر إلى المعقول.

стр. 1065

أما الأثر: فإن العدة أثر من آثار النكاح فكانت ملحقة بالنكاح ملحقة بالنكاح، والمنكوحة يحرم عليها التزوج وهي منهية عن لقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ وهي معطوفة على قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ والمراد بها ذوات الأزواج. فلما كانت المعتدة منهية عن التزوج باعتبار أن العدة من آثار النكاح كان الكف عن التزوج أمرًا به في ضده تحقيقًا للنهي عن التزوج فلم يكن الأمر بالكف مقصودًا لهذا، فيثبت بهذا أصالة النهي في العدة، فلما كان كذلك كان ورود صيغة الإثبات بوجوب التربص بقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ﴾ لتأكيد معنى النهي لا لإثبات وجوب التربص ابتداء، فلذلك انقضت العدد كلها بمدة واحدة؛ لأن حكم الكل هو حرمة التزوج؛ لأن موجب النهي التحريم والحرمات تجتمع، فإن الصيد حرام على المحرم في الحرم لحرمة الحرم وحرمة الإحرام، والخمر حرام على الصائم لصومه ولكونها خمرًا، وليمينه إذا كان حلف لا يشربها. بخلاف ركن الصوم، فإنه مذكور بعبارة الأمر بقوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ فلذلك لم ينقض صوم يومين في يوم واحد. وأما المعقول: فهو أن المعنى في وجوب العدة صيانة الماء عن الاشتباه وتعرف

стр. 1066

براءة الرحم، فالصيانة الثابتة بالنهي أوجب من الصيانة الثابتة بالأمر لما عرف، فكان إحالة وجوب العدة على النهي أولى من إحالته على الأمر من هذا الوجه. فإن قلت: لو كان المعنى في وجب العدة تعرف براءة الرحم لاكتفى بحيضة واحدة لحصول معرفة براءتها بالحيضة الواحدة كما في الاستبراء. قلت: نعم كذلك، لكن الوجه فيه ما قاله في ((المبسوط)) وهو أن الحيضة الواحدة لتعرف براءة الرحم، والثانية لحرمة النكاح، والثالثة لفضيلة الحرية، فلذلك لم تتداخل أقراء العدة الواحدة إن تداخلت أقراء العدتين. كالجلدات في الحد فإنها لا تتداخل في الحد الواحد وتتداخل الحدان، فلو قلنا بالتداخل في أقراء فإنها تتداخل في الحد الواحد وتتداخل الحدان، فلو قلنا بالتداخل في أقراء عدة واحدة يفوت هذا المقصود، فظهر بما ذكرنا كله إن أثر عدم مقصودية الأمر في وجوب العدة ظهر في مسألتين. إحداهما- في جواز تداخل العدتين في وقت واحد. الثانية- في عدم اشتراط علم المرأة بانقضائها بخلاف الصوم في هذين الحكمين لما أن الأصل في وجوب العدة النهي وفي الصوم الأمر على ما ذكرنا. (ولهذا قال أبو يوسف- ﵀ إن من سجد) هذا إيضاح لقوله: ((إلا أنا أثبتنا بكل واحد من القسمين)) إلى آخره كالمتقدمين، إلا أن ذينك المتقدمين أعني قوله: ((ولهذا قلنا إنا لمحرم لما نهي)) وقوله: ((ولهذا قلنا إن

стр. 1067

العدة)) في بيان أن ذينك أصل وثبت الأمر في ضمنهما، وهذا أعني قوله: ((ولهذا قال أبو يوسف- ﵀-في بيان أن الأمر أصل، وثبت النهي في ضمنه ولكن هما سواء في إيضاح قوله: إلا أنا أثبتنا بكل واحد من القسمين أدنى ما يثبت به)). (وإنما المقصد بالأمر فعل السجود) بقوله: ﴿وَاسْجُدُوا﴾ (على مكان طاهر) بدلالة قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ ومباشرة العبد بالسجود على مكان نجس لا تفوت المأمور به فكانت مكروهة في نفسها ولا تكون مفسدة في الصلاة، وعلى قول أبي حنيفة ومحمد- رحمهما الله- تفسد بها الصلاة؛ لأن تأدي المأمور به لما كان باعتبار المكان فيما يكون صفة للمكان الذي يؤدي المصلي الفرض عليه يجعل بمنزلة الصفة للمصلي حكمًا، فيصير هو كالحامل لنجاسة، والمصلي الحامل للنجاسة إذا أدى ركنًا يفسد صلاته فكذلك إذا سجد على مكان نجس فكان هذا كالصوم، فإن الكف عن اقتضاء الشهوة لما كان مأمورًا في جميع وقت الصوم يتحقق الوات بوجود ترك الكف في جزء من الوقت فيه.

стр. 1068

(ولهذا قال أبو يوسف- ﵀ إن إحرام الصلاة لا ينقطع بترك القراءة)، وهذا أيضًا من قبيل أن الأمر بالقراءة مقصود في الصلاة، فكان النهي عن ترك الدوام فيها ضمنًا له؛ لأنه أمر بالقراءة أي بقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾. (ولم ينه عن تركها قصدًا) إلى آخره. معناه أن القراءة ركن وشرط لصحة الأفعال لا شرط صحة الإحرام، ولا يلزم من ترك القراءة انقطاع الإحرام. ألا ترى أن المحدث حدثًا سماويًا ممنوع عن قراءة القرآن كما ممنوع عن الركوع والسجود، والإحرام باق، فيفسد ترك القراءة ما هو شرط صحته، فلم يتعد إلى الإحرام. ولا يلزم أن الصوم يبطل بالأكل) هذا الإشكال يرد على قول أبي يوسف، فوجه الورود هو أن الأكل في باب الصوم منهي عنه نهيًا ضمنيًا؛ لأن الأمر بالكف عن المفطرات هو المقصود من قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ على ما ذكرنا، فكان النهي عن المفطرات نهيًا ثابتًا في ضمن الأمر

стр. 1069

بالكف كالنهي الثابت عن ترك القراءة في الأمر بالقراءة في الصلاة، وهناك لا تنقطع التحريمة بترك القراءة عنده، فيجب أن لا يفسد الصوم هنا أيضًا بمجرد مباشرة النهي عنه وهو الأكل وغيره. ثم أجاب عنه بقوله: لأن ذلك الفرض ممتد، وكان ضده مفوتًا أبدًا كالإيمان، (فإنه فرض ممتد فكان) وجود (ضده) وهو الارتداد- والعياذ بالله- (مفوتًا له) وإن قل، وقد قلنا إن النهي الثابت في ضمن الأمر المقصود إنما لم يعتبر في التحريم إذا لم يؤد إلى تفويت الثابت بالأمر المقصود. وأما إذا أدى فذلك النهي والنهي الثابت قصدًا سواء في إيجاب التحريم. (بمنزلة الحامل مستعملًا له بحكم الفرضية) أي بهذه الواسطة تجعل صفة المكان صفة للمصلي، وهذا احتراز عن وضع الركبتين واليدين على النجاسة حيث لا يفسد صلاته؛ لأن تأدى المأمور به وهو السجود يحصل بوضع الجبهة لا بوضع الركبتين واليدين، فلم تنتقل صفة النجاسة القائمة بالأرض إلى المصلى؛ لأنه هو الأصل، وإنما انتقل إلى المصلى بحكم الفرضية، وهذا المعنى معدوم في وضع الركبتين واليدين.

стр. 1070

(لأن القراءة فرض دائم في التقدير حكمًا) لقوله ﵇: ((لا صلاة إلا بالقراءة)) ولهذا لا يصلح الأمي خليفة القارئ، وإن كان قد رفع رأسه من السجدة الأخيرة قبل القعدة، وأتى بفرض القراءة في محلها على المذهب المنصور، ولما كان مستدامًا حكمًا يتحقق فوات ما هو الفرض بترك القراءة في ركعة، فيخرج به من تحريمة الصلاة. (والفساد بترك القراءة في ركعة واحدة ثابت بدليل محتمل)؛ لأن من العلماء من قال: تجوز الصلاة بالقراءة في ركعة واحدة وهو الحسن البصري- ﵀، فبترك القراءة في ركعة واحدة لم يكن الفساد بدليل يوجب العلم فلم يكن قويًا فلم يتعد إلى الإحرام.

стр. 1071

وأما الفساد بترك القراءة في الركعتين فثابت (بدليل يوجب العلم لانعقاد الإجماع) عليه فصار قويًا (فتعدى إلى الإحرام). (ولهذا قال في مسافر ترك القراءة) إلى آخره، وهذا أيضًا إيضاح لقوله: ((لأنه أمر بالقراءة ولم ينه عن تركها قصدًا)) فكذلك مباشرة النهي وهي ترك القراءة لم يوجب انقطاع التحريمة لثبوت النهي ضمنًا للأمر القصدي، وقوله: ((وهو قول أبي يوسف)) جعل هذا في نوادر صلاة ((المبسوط)) قول أبي حنيفة وأبي يوسف- رحمهما الله- وقال: ترك القراءة في ركعتي ظهر المسافر موجب للتوقف في حكم الفساد عند أبي حنيفة وأبي يوسف- رحمهما الله- لتوقف حال فرضية في الوقت بغرض التغير بنية الإقامة، فإذا نوى الإقامة في الانتهاء جعل ذلك كنيته في الابتداء، وترك القراءة في الأوليين من المقيم لا يكون مفسدًا لصلاته، فإنه إذا قرأ في الأخريين تجوز صلاته، فكذلك هنا. (لأن الترك متردد محتمل للوجود) أي محتمل لوجود القراءة في الركعتين الأخريين بواسطة نية الإقامة والقراءة في الأخريين.

стр. 1072

(فصار هذا الباب أصلًا) يعني في كل موضع من الأمر يلزم تفويت المأمور به عند مباشرة النهي الثابت في ضمن ذلك الأمر كانت تلك المباشرة حرامًا إلا كانت تلك المباشرة مكروهًا لا حرامًا. (يبتنى عليه فروع يطول تعدادها)، فإنك لو نظرت إلى جميع الأوامر التي هي موجبة يرد فيها هذا الأصل الذي ذكرته، فمن تلك الفروع الاعتكاف فإنه يبطل بالخروج وإن قل لما أن الاعتكاف عبارة عن اللبث الدائم في المسجد بنية الاعتكاف فبالخروج ينقطع الدوام، فكان الخروج حرامًا لأدائه إلى فساد الاعتكاف. ومنها أيضًا الصلاة تفسد بالانحراف عن القبلة بالبدل؛ لأن المصلي مأمور بالاستقبال إلى القبلة مادام هو في صلاته أي في غير حالة الضرورة بقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ فكان الانحراف عنها مفوتًا له فيحرم. ومنها أن المصلى مأمور بأن يؤدي صلاته في الوقت بقوله تعالى: ﴿كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ فكان القضاء خارج الوقت مفوتًا له فيحرم.

стр. 1073

وأما المواضع التي لا تحرم بل تكره كمواضيع الكراهة في الصلاة وغيرها فمنها: الصلاة بقرب النجاسة مكروه لا مفسد؛ لأن المصلي مأمور بتظهير مكان صلاته بدلًا قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ ولم يفت ذلك المأمور به هاهنا، ولكن قرب من الفوات، فصارت صلاته مكروهة لا فاسدة، فصار كمن أخر القيام في موضع أمر بالقيام في صلاته. وكذلك لو أدى النصاب بنية الزكاة إلى فقير واحد يخرج به عن عهده الزكاة، ولكنه يكره لما أن المأمور به وهو إيتاء الزكاة إلى الفقير لم يفت، ولكن قرب هذا الأداء الفقير إلى الغني فصار شبيهًا بمن أدى زكاته إلى الغني من وجه فكره لذلك. وكذلك هذا في طرف النهي أنه إذا كان مقصودًا كان المنهي مأمورًا بأن يترك ارتكاب المنهي عنه على القطع والبتات، فلو كان فعلًا يقربه إلى ارتكابه كان تركه سنة أو مستحبًا، يظهر ذلك في قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلا تَاكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ وغيرهما، والله أعلم.

стр. 1074

باب بيان أسباب الشرائع لما فرغ من بيان الأحكام التي هي المقصودة بجميع وجوهها من بيان ثبوتها بطريق الأصالة والتبعية شرع في بيان أسبابها التي هي الوسائل، وإن كان لتقديم الوسائل عليها أيضًا وجه لتقديمها وجودًا، ولكن تقديم الأحكام أولى لكونها مقصودة. (اعلم أن الأمر والنهي على الأقسام التي ذكرناها إنما يراد بها) أي أن الأمر والنهي الواردين على الخاص والعام والمشترك والمؤول إلى آخر الأقسام إنما يراد بتلك الأوامر والنواهي والواردة على تلك الأقسام (طلب الأحكام المشروعة، وإنما الخطاب للأداء) في هذا نفي لقول الشافعي، فإن عند الشافعي عدم الانفكاك بين نفس الوجوب ووجوب الأداء بل عند وجود نفس الوجوب يثبت وجوب الأداء. وعن هذا قال بعدم تغير الاحكام على المكلف بعد دخول أول الوقت من

стр. 1075

حيض أو سفر. (وإنما الوجوب بإيجاب الله تعالى لا أثر للأسباب) وهذا لأن هذه الأسباب أشياء جمادية، فكان صدور حقيقة الإيجاب منها مستحيلًا؛ لأنه لا محدث للحوادث سوى الله تعالى، والوجوب حادث فلا بد له من المحدث وهو الله تعالى؛ لأن صفة الأحداث على الحقيقة مستحيل أن يكون لغير الله تعالى. إلا أن الله تعالى جعل الأسباب أمارات على الوجوب تيسيرًا على العباد لكون الإيجاب غيبًا عنا، فكانا لسبب لشغل الذمة بالوجوب، والخطاب لتفريغ الذمة عن الوجوب، وهذا في الأسباب الشرعية.

стр. 1076

وأما العلل العقلية فقد جعلها الله تعالى مؤثرة في معلولاتها قيام الحركة للتحريك، والقطع للانقطاع، والكسر للانكسار، وثبت الوجوب جبرًا لا اختيار للعبد فيه، وكان الأستاذ- ﵀ يقول: آنجه بأسباب أست أثر وي جبريست وأنجه بخطاب است أثر وي اختيار يست. وقوله: (بمنزلة البيع يجب به الثمن ثم يطالب بالأداء) يعني صار السبب بمنزلة البيع، والخطاب بالأداء بمنزلة المطالبة للثمن، (ودلالة هذا الأصل) وهو أن نفس الوجوب بالسبب والأداء بالخطاب. (وإنما يعرف السبب بنسبة الحكم إليه)، وإنما قيد بهذا؛ لأن بمجرد التعليق لا يثبت

стр. 1077

السببية كالمشروط مع الشرط؛ (لأن الأصل في إضافة الشيء إلى الشيء أن يكن حادثًا به) كقوله: ناقة الله أي هي حادثة بإحداث الله تعالى إياها، وهذا لأن الإضافة إنما يذكر للتميز، فلذلك يضاف إلى أخص الأشياء به ليحصل التميز، وأخص الأشياء بالحكم إنما هو سبب؛ لأنه يثبت به. وأما الشرط فإنما جازت الإضافة إليه؛ لأنه يوجد عنده، فعلمنا أن الإضافة إلى السبب حقيقة وإلى الشرط مجاز. (وكذلك إذا لازمه فتكرر بتكرره) إي إذا لزم الشيء الشيء على وجه يتكرر هذا الشيء بتكرر ذلك الشيء دل أن ذلك الشيء سبب لوجود هذا الشيء كتكرر وجوب الصلاة بتكرر دلوك الشمس، فإن ذلك يدل على أن دلوك الشمس سبب لوجوب الصلاة كما في قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ مع أن مطلق الأمر لا يوجب التكرار وإن كان معلقًا بشرط. ألا ترى أن الرجل إذا قال لغيره: تصدق بدرهم من مالي لدلوك الشمس لا يقتضي هذا الخطاب التكرار، ورأينا أن وجوب الأداء الثابت بقوله: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ غير مقصور على المرة الواحدة ثبت أن تكرر الوجوب لاعتبار تجدد السبب بدلوك الشمس في كل يوم يعني ولما لم يثبت تكرر الوجوب في مثل هذه الصيغة وهو قوله لغيره: ((تصدق بدرهم من مالي

стр. 1078

لدلوك الشمس)) بل يكتفي ذلك بالامتثال مرة في الخروج عن عهدة الأمر، ولم يكن هاهنا بالمرة الواحدة بل يكرر الوجوب بتكرر لدلوك الشمس علم أن الله تعالى هو الذي جعل دلوك الشمس سببًا لوجوب الصلاة، فلم ينشأ تكرر الوجوب من صيغة الكلام بل من جعل الله تعالى إياه سببًا، ثم وجوب الأداء يترتب على المكلف بحكم هذا الخطاب، وحرف اللام في قوله: ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ دليل على تعقلها بذلك الوثت كما يقال: تأهب للشتاء وتطهر للصلاة ولم يتعلق بها وجودًا عندها، فعرفنا أن تعلق الوجوب بها بجعل الشارع ذلك الوقت سببًا لوجوبها. قوله: (وجوب الإيمان بالله تعالى مضاف إلى إيجابه في الحقيقة) وهو قوله: ﴿آمَنُوا بِاللَّهِ﴾ وقوله: ((بأسمائه)) أي بتسمياته نحو الحي القادر العالم، وصفاته نحو أن يقال: له الحياة، والقدرة، والعلم، (وهذا سبب) أي حدث العالم سبب (لأنا لا نعنى أن يكون سببًا لوحدانيته)؛ لأن الوحدانية أمر ثابت قديم، (وإنما نعني به أنه سبب لوجوب الإيمان الذي هو فعل العبد)، وقوله الذي صفة الإيمان لا صفة الوجوب.

стр. 1079

وتحقيق هذا المجموع فيما ذكره الإيمان شمس الأئمة السرخسي- ﵀ فقال: إن وجوب الإيمان بالله تعالى في الحقيقة بإيجاب الله تعالى، وسبب الإيجاب في الظاهر الآيات الدالة على حدث العالم لمن وجب عليه، وهذه الآيات غير موجبة بذاتها، وعقل من وجب عليه غير موجب عليه أيضًا، ولكن الله تعالى هو الموجب بأن أعطاه آلة يستدل بتلك الآلة على معرفة الواجب، كم يقول لغيره: هاك السراج، فإن أضاء لك به الطريق فاسلكه كان الموجب للسلوك في الطريق هو الأمر بذلك لا الطريق بنفسه ولا السراج، فالعقل بمنزلة السراج، والآيات الدالة على حدث العالم بمنزلة الطريق والتصديق من العبد والإقرار بمنزلة السلوك في الطريق فهو واجب بإيجاب الله تعالى حقيقة، وسببه الظاهر الآيات الدالة على حدث العالم، ولهذا تسمى علامات، فإن العلم للشيء لا يكون موجبًا لنفسه. وقوله: (ولا وجود لمن هو أهله على ما أجرى به سنته إلى والسبب يلازمه) يعني أنا لله تعالى خلق العالم دالًا على وجوده لكون الحدوث لازمًا للعالم بحيث يستحيل تعري العالم عنا لحدوث؛ لأن تعري الشيء عن ذاته محال وذات العالم حادث، فكيف يتصور تعرية عن الحدوث؟ يوضحه أن الإنسان الذي هو عالم بنفيه لا يخلو عن دليل الحدوث، إذ هو كان مسبوقًا

стр. 1080

بالعدم ودلالة حدوثه في الحال من تبدل أحواله من حال إلى حال منا لصغر والكبر والجوع والعطش والألم واللذة والصحة والمرض والحركة والسكون معلومة له بالحس والعيان، فإن كانت هذه الدلالة محيطة له في ذاته وخارج ذاته فلما لم ينفك منه بسبب الإيمان لم ينفك منه موجبه أيضًا وهو دوام وجوب الإيمان، وإنما ذكر هذا؛ لأن هذا السبب مفارق لسائر الأسباب لأن سائر الأسباب قد تنقضي والمكلف باق. ألا ترى أن وقت الصلاة ينقضي وشهر رمضان ينسلخ والمال يهلك، ويتصور هذا في الحج؛ إذ البيت كان مجودًا في بدء الإسلام ولم يكن وجوب الحج ثابتًا، بخلاف سبب الإيمان، وهو حدوث العالم غير منفك عن المكلف في ذاته وفي غير ذاته؛ إذ انفكاك الحدوث عن الحادث وهو المكل بالإيمان محال إذ حدوث العالم كان موجودًا قبل المكلف ويبقى بعده موجود معه، قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ وقال قائل: ففي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد فذلك كان وجوب الإيمان أيضًا دائمًا، ولهذا كان وجوب الإيمان وقت

стр. 1081

بدء الإسلام وقبله أيضًا ثابتًا لما أن أهل الفترة مخاطبون بالإيمان بدلالة قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ لما أن سبب الإيمان يعمل عمله عند وجود عقل المكل وهما كانا موجودين لأهل الفترة؛ إذ وجوبه غير موقوف إلى ورود الشرع، فوجب الإيمان على أهل الفترة وعلى ما نشأ على شاهق الجبل لوجود السبب والمحل، فيثبت حكمه وهو الوجوب. (لأن الإنسان المقصود به) أي بخلق العالم. إذ الإنسان هو المقصود من خلق العالم؛ لأنهم هم المقصودون بالتكاليف، وذلك أن الله تعالى خلق العالم وله في خلقه عاقبة حميدة وهي الابتلاء والامتحان بالتكليف مع علمه بكل ما كان وما يكون؛ لأن بدن التكليف لا يتصور العقاب إنما يجب بترك موجب الأمر والنهي والله تعالى يتعالى على أن يعذب أحدًا بدون جريمة وجدت منه، والمتحمل لهذه التكاليف قصدًا هو الإنسان، قال الله تعال: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ﴾ جاء في التفسير: أن الأمانة هي الفرائض وقال

стр. 1082

تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ وقال: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾، وقال: ﴿وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ﴾ وقال: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ﴾ وغير ذلك من الآيات كلها دليل على شرف الإنسان، ولهذا فضل الله تعالى آدم على الملائكة ﵈ وجعله مسجودهم، ولا ننكر شرف الإنسان على غيره، ولذلك كان في هذا الجنس وهو أشرف الخلائق وهو نبينا ﷺ والتكليف للتشريف، ولهذا من أعرض عن قبول هذا التشريف من هذا الجنس كان هو شر البرية. ومن قبله وعمل بموجبه فهو خير البرية. هكذا قال رسول الله ﵇ حين سئل عن كرامة الإنس على الملك، وقرأ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ وذكر قبله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ

стр. 1083

أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ فعلم أن الإنسان هو المقصود. وقوله: (ولهذا قلنا: إن إيمان الصبي صحيح) إيضاح لقوله: ((إلا والسبب يلازمه)) بعدم قيام سببه ممن هو أهله والصبي أهل الإيمان؛ لأنه أهل للعبادات. ألا ترى أنه لو صلى التطوعات صحت هي منه. (كتعجيل الدين المؤجل) يعني إذا عجل الدين المؤجل يجوز باعتبار تحقق سببه وهو مباشرة سبب الدين من شراء الشيء وغيره، وأنه لم يلزم الأداء عليه في الحال، فكذا في إيمان الصبي العاقل فإنه يصح وإن لم يلزم عليه في الحال، فيفيد هذا التشبيه ثلاثة أشياء: تحقق السبب وعدم لزوم الأداء في الحال، ووقوع ما أتى به من الفرض وإن لم يلزم هو عليه في الحال. فإن قلت: يلزم على هذا التعليل أعني قوله: ((لأنه مشروع بنفسه وسببه

стр. 1084

قائم في حقه دائم بقيام من هو مقصود)) لو أتى الصبي بحجة الإسلام أن يصح منه كما يصح منه الإيمان ويقع فرضًا لوجود هذه العلة في حق الحج؛ لأن الحج مشروع بنفسه وسببه قائم وهو البيت، والصبي أهل للعبادات. قلت: الفرق بينهما من أوجه: أحدها- السمع: وهو قوله ﵇: ((وإيما صبي حج ولو عشر حجج، ثم بلغ فعليه حجة الإسلام)) ولان في أداء الحج حرجًا عظيمًا وضررًا بينًا على البدن، والمضار مندفعة عن الصبي مرحمة له، وفي شغل ذمته بنفس الوجوب به نوع ضرر، ولا يقع هو فرضًا بدون ثبوت نفس الوجوب بخلاف الإيمان، فإنه لا حرج فيه وتحصل به سعادة الأبدية، فكان هو نفعًا محضًا في حقه فصح، ولأن وجوب الإيمان مما يدرك بالعقل ولا يتوقف وجوبه إلى وقت ورود السمع كما في حق أهل الفترة وللصبي العاقل عقل، فيصح القول بثبوت الإيمان في حقه بخلاف العبادات المشروعة، فإنها لا تجب بمجرد العقل فلم يثبت لذلك نفس وجوب العبادات، ولأن الإيمان أينما وقع وقع فرضًا فصح فيه القول عند صحة إيمان الصبي العامل إنه وقع فرضًا بخلاف الحج، فإنه يقع فرضًا ونفلًا وما يوجد من الصبي يقع نفلًا كما في سائر العبادات. والأوجه فيه أن يقال: إن الإيمان كما هو رأس العبادات وفيه معنى

стр. 1085

الشرطية أيضًا؛ لأنه شرط صحة جميع العبادات فلا يشترط لصحة الشرط ورود وجوب الأداء بالخطاب كما يصح تقديم الوصف على وجوب الصلاة بدخول الوقت، وإن كان سبب وجوب الوصف وجوب الصلاة عليه فصح الإيمان من الصبي لذلك. وأما الحج فليس فيه شائبة الشرطية لشيء فلا يقع منه فرضًا، وكذلك المسافر في شهر رمضان لو صام يصح عن فرض الوقت لوجود سببه وإن لم يكن هو مخاطبًا بالأداء. (وليس السبب بعلة) يعني علة عقلية ووضعية، فإن هناك العلة لا

стр. 1086

تتخلف عن المعلول في الدنيا والآخرة لاستحالة وجود الساكن بدون قيام السكون واستحالة خلو المحل عن كونه متحركًا عند قيام الحركة، وكذلك هذا في سائر العلل العقلية مع معلولاتها كالكسر مع الانكسار والقطع مع الانقطاع، وهذا لا يتخلف بزمان دون زمان ومحل دن محل بخلاف الأسباب الشرعية فإنها قد تتخلف عن إثبات أحكامها في زمان. ألا ترى أن دلك الشمس وملك النصاب وشهود الشهر لا تعمل عملها على الإنسان زمان الصبا وتعمل عملها عليه زمان البلوغ عند وجود شرطة، وإنما ذكر هذا- والله أعلم- جوابًا لشبهة ترد على قوله: ((لا على لزم أدائه)) وترد على قوله أيضًا: ((إن الزكاة تجب بإيجابه وملك المال سببه، والقصاص يجب بإيجابه والقتل سببه)) بأن يقال في الأول: لو كان حدوث العالم سببًا لوجود الإيمان للزم أداؤه على الصبي العاقل كما يلزم على البالغ، وكذلك

стр. 1087

في الثاني بأن يقال: لو كان مالك المال سببًا لوجوب الزكاة لوجب على الصبي الذي يملك النصاب، ولو كان القتل سبب القصاص لوجب على الأب أيضًا إذا قتل ولده عملًا كما يجب على الاجنبي، فلما وجد تخلف الأحكام عن هذه الأسباب في هذه الصور علم أنها ليست بأسباب. فأجاب عنه بهذا وقال: إنها أسباب موجبة أحكامها شرعًا بجعل الله تعالى فكانت أسبابًا جعلية لا وضعية كما في العلل العقلية، ولله تعالى ولاية الإيجاد والإعدام، فلم يجعل الله هذه الأسباب موجبة أحكامها في هذه الصور بخلاف العلل الوضعية، فإنها لا تتخلف عن موجباتها بحال. (والدليل عليه) أي على كونه سببًا (فالنسبة باللام أقوى وجوه الدلالة على تعلقها بالوقت)؛ لأن اللام للاختصاص كما قيل تطهر للصلاة وتأهب للشتاء، وأقوى وجوه الاختصاص اختصاص الشيء بالشيء من حيث الوجود، وفي جعله سببًا اختصاص من حيث الوجود؛ لأن الله تعالى جعل وجود وجوب الحكم بالسبب الذي هو العلة الشرعية. (ويبطل قبل الوقت أداؤه) أي أداء المكلف على طريق إضافة المصدر إلى الفاعل، ولا يصح أن يقال أي أداء الصلاة على أداء فعل الصلاة؛ لأنه

стр. 1088

ذكر بعد هذا بلفظ التأنيث في قوله: ((وإن تأخر لزومها)) أي لزوم الصلاة على معنى لزوم أداء الصلاة، فإن نفس الوجوب يثبت بمجرد الوقت ووجوب الأداء يتأخر إلى آخر الوقت، وبقوله: (ويصح بعد هجوم الوقت أداؤه وإن تأخر لزومها) تبين أن الوقت سبب لوجوب الصلاة لا شرطه؛ لأنه لو كان شرطًا للزوم الصلاة لما تأخر لزومها عن دخول أول الوقت؛ لأن المشروط لا يتأخر عن وجود الشرط بطريق الانفكاك بل يثبت متصلًا بالشرط، فكان فيه أيضًا إشارة إلى بيان انفكاك وجوب الأداء عن أصل الوجوب. (لأنه في الشرع يضاف إلى المال) حيث يقال: صدقة المال ويضاف إلى الغنى أيضًا، قال ﵇: ((لا صدقة إلا عن ظهر غنى)).

стр. 1089

وقوله: (فيتكرر الوجوب بتكرر الحول)، فإن مضي الحول شرط لوجوب الأداء من حيث إن النماء لا يحصل إلى بمعنى الزمان. فإن قيل: الزكاة يتكرر وجوبها في مال واحد باعتبار الأحوال ويتكرر الشرط لا بتكرر الواجب. قلنا: لا كذلك؛ بل يتكرر الوجوب بتكرر النماء الذي هو وصف للمال وباعتباره يكون المال سببًا للوجوب، فإن لمضي الحول تأثيرًا في حصول النماء المطلوب من غير السائمة بالذر والنسل والمطلوب من ربح العروض التجارة بزيادة القيمة. (وسبب وجوب الصوم أيام شهر رمضان) في هذه المسألة خالف المصنف والقاضي الإمام أبو زيد الإمام شمس الأئمة السرخسي- ﵏. وقال شمس الأئمة-﵀: ظن بعض المتأخرين ممن صنف في هذا الباب أن سبب الوجوب أيام الشهر دون الليالي؛ لأن صلاحية الأداء مختص بالأيام، ثم قال: قال- ﵁: غلط عندي بل السبب

стр. 1090

للوجوب الليالي والأيام سواء، فإن الشهر اسم لجزء منا لزمان يشتمل على الأيام والليالي إلى آخره فقد ذكرناه في موضع آخر. (الوقت متى جعل سببًا كان ظرفًا صالحًا للأداء) كوقت الصلاة، ولم يرد هاهنا من ذكر الظرف ما هو المفهوم من الظرف الحقيقي؛ بل هو أن يكون فاضلًا عن قدر المظروف كوقت الصلاة؛ يفضل عن قدر أداء الصلاة بل أراد به أن الصوم يقع ويوجد في أيام رمضان لما عرف أن اليوم معيار للصوم لا ظرف له، ثم لما جعل الشهر شببًا والليل لا يصلح ظرفًا تعين أن أيام الشهر هي السبب، وكان كل يوم سببًا لصومه حتى إذا بلغ الصبي في أثناء الشهر لم يلزمه قضاء ما مضى وإنما يلزمه ما بقي. (وصح الأداء بعده من المسافر) أي بعد وجوده.
следующие страницы →