Полный текст (2 351 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
تتخلف عن المعلول في الدنيا والآخرة لاستحالة وجود الساكن بدون قيام السكون واستحالة خلو المحل عن كونه متحركًا عند قيام الحركة، وكذلك هذا في سائر العلل العقلية مع معلولاتها كالكسر مع الانكسار والقطع مع الانقطاع، وهذا لا يتخلف بزمان دون زمان ومحل دن محل بخلاف الأسباب الشرعية فإنها قد تتخلف عن إثبات أحكامها في زمان.
ألا ترى أن دلك الشمس وملك النصاب وشهود الشهر لا تعمل عملها على الإنسان زمان الصبا وتعمل عملها عليه زمان البلوغ عند وجود شرطة، وإنما ذكر هذا- والله أعلم- جوابًا لشبهة ترد على قوله: ((لا على لزم أدائه)) وترد على قوله أيضًا: ((إن الزكاة تجب بإيجابه وملك المال سببه، والقصاص يجب بإيجابه والقتل سببه)) بأن يقال في الأول: لو كان حدوث العالم سببًا لوجود الإيمان للزم أداؤه على الصبي العاقل كما يلزم على البالغ، وكذلك
стр. 1087
في الثاني بأن يقال: لو كان مالك المال سببًا لوجوب الزكاة لوجب على الصبي الذي يملك النصاب، ولو كان القتل سبب القصاص لوجب على الأب أيضًا إذا قتل ولده عملًا كما يجب على الاجنبي، فلما وجد تخلف الأحكام عن هذه الأسباب في هذه الصور علم أنها ليست بأسباب.
فأجاب عنه بهذا وقال: إنها أسباب موجبة أحكامها شرعًا بجعل الله تعالى فكانت أسبابًا جعلية لا وضعية كما في العلل العقلية، ولله تعالى ولاية الإيجاد والإعدام، فلم يجعل الله هذه الأسباب موجبة أحكامها في هذه الصور بخلاف العلل الوضعية، فإنها لا تتخلف عن موجباتها بحال.
(والدليل عليه) أي على كونه سببًا (فالنسبة باللام أقوى وجوه الدلالة على تعلقها بالوقت)؛ لأن اللام للاختصاص كما قيل تطهر للصلاة وتأهب للشتاء، وأقوى وجوه الاختصاص اختصاص الشيء بالشيء من حيث الوجود، وفي جعله سببًا اختصاص من حيث الوجود؛ لأن الله تعالى جعل وجود وجوب الحكم بالسبب الذي هو العلة الشرعية.
(ويبطل قبل الوقت أداؤه) أي أداء المكلف على طريق إضافة المصدر إلى الفاعل، ولا يصح أن يقال أي أداء الصلاة على أداء فعل الصلاة؛ لأنه
стр. 1088
ذكر بعد هذا بلفظ التأنيث في قوله: ((وإن تأخر لزومها)) أي لزوم الصلاة على معنى لزوم أداء الصلاة، فإن نفس الوجوب يثبت بمجرد الوقت ووجوب الأداء يتأخر إلى آخر الوقت، وبقوله: (ويصح بعد هجوم الوقت أداؤه وإن تأخر لزومها) تبين أن الوقت سبب لوجوب الصلاة لا شرطه؛ لأنه لو كان شرطًا للزوم الصلاة لما تأخر لزومها عن دخول أول الوقت؛ لأن المشروط لا يتأخر عن وجود الشرط بطريق الانفكاك بل يثبت متصلًا بالشرط، فكان فيه أيضًا إشارة إلى بيان انفكاك وجوب الأداء عن أصل الوجوب.
(لأنه في الشرع يضاف إلى المال) حيث يقال: صدقة المال ويضاف إلى الغنى أيضًا، قال ﵇: ((لا صدقة إلا عن ظهر غنى)).
стр. 1089
وقوله: (فيتكرر الوجوب بتكرر الحول)، فإن مضي الحول شرط لوجوب الأداء من حيث إن النماء لا يحصل إلى بمعنى الزمان.
فإن قيل: الزكاة يتكرر وجوبها في مال واحد باعتبار الأحوال ويتكرر الشرط لا بتكرر الواجب.
قلنا: لا كذلك؛ بل يتكرر الوجوب بتكرر النماء الذي هو وصف للمال وباعتباره يكون المال سببًا للوجوب، فإن لمضي الحول تأثيرًا في حصول النماء المطلوب من غير السائمة بالذر والنسل والمطلوب من ربح العروض التجارة بزيادة القيمة.
(وسبب وجوب الصوم أيام شهر رمضان) في هذه المسألة خالف المصنف والقاضي الإمام أبو زيد الإمام شمس الأئمة السرخسي- ﵏.
وقال شمس الأئمة-﵀: ظن بعض المتأخرين ممن صنف في هذا الباب أن سبب الوجوب أيام الشهر دون الليالي؛ لأن صلاحية الأداء مختص بالأيام، ثم قال: قال- ﵁: غلط عندي بل السبب
стр. 1090
للوجوب الليالي والأيام سواء، فإن الشهر اسم لجزء منا لزمان يشتمل على الأيام والليالي إلى آخره فقد ذكرناه في موضع آخر.
(الوقت متى جعل سببًا كان ظرفًا صالحًا للأداء) كوقت الصلاة، ولم يرد هاهنا من ذكر الظرف ما هو المفهوم من الظرف الحقيقي؛ بل هو أن يكون فاضلًا عن قدر المظروف كوقت الصلاة؛ يفضل عن قدر أداء الصلاة بل أراد به أن الصوم يقع ويوجد في أيام رمضان لما عرف أن اليوم معيار للصوم لا ظرف له، ثم لما جعل الشهر شببًا والليل لا يصلح ظرفًا تعين أن أيام الشهر هي السبب، وكان كل يوم سببًا لصومه حتى إذا بلغ الصبي في أثناء الشهر لم يلزمه قضاء ما مضى وإنما يلزمه ما بقي.
(وصح الأداء بعده من المسافر) أي بعد وجوده.
стр. 1091
(وقد مرت أحكام هذا القسم) أي في باب تقسيم المأمور به.
(رأس يمونه بولايته عليه) فتفسير الولاية هو: نفاذ القول على الغير شاء الغير أو أبى.
(فيدل على أجد الوجهين)، وإنما انحصر على هذين الوجهين؛ لأن كلمة (عن) لما كانت لانتزاع الشيء عن الشيء لم يخل ذلك الشيء المنتزع عنه الشيء إما أن يكون ذلك الشيء المنتزع موجودًا أو متقررًا في ذلك الشيء المنتزع عنه الشيء أو لم يكن موجودًا، فإن لم يكن موجودًا أو متقرر فيه لعدم صلاحية ذلك المحل المنتزع عنه الشيء أن يكون محلًا له كان هو لانتزاع الحكم عن السبب، كما يقال: أد عن هذه الأغنام زكاتها، والذي نحن بصدده من ذلك القبيل، وإن كان ذلك الشيء المنتزع موجودًا فيه ومتقررًا عليه لصلاحية ذلك المحل لكونه محلًا لوجوبه كان ذلك الانتزاع للبيان عنه كوجوب الدية على القاتل هو محل الوجوب لصلاحية ذلك المحل أن يكون محلًا لوجوب الدية عليه ثم يتحمل عنه العاقلة بطريق النيابة.
(وبطل الثاني لاستحالة الوجوب على العبد والكافر والفقير).
стр. 1092
أما العبد فظاهر؛ لأنه لا يملك شيئًا فكيف يجب عليه صدقة الفطر؟ والصدقة إنما تجب على من يملك المال بوصف الغنى، قال ﵇: ((لا صدقة إلى عن ظهر غني))، وكذلك الكافر لا تجب عليه؛ لأنه ليس بأهل لحكم هذه الصدقة وهو الثواب، وكذلك لا يجب على الفقير؛ لأنه ليس بغني ووجوب الصدقة باعتباره لما ذكرنا، فلما لم يكن كل واحد من هؤلاء محلًا لوجوب صدقة الفطر عليه لم يحتمل انتزاع حكما لنيابة عن المنوب الذي وجب الحكم عليه أولًا ثم ناب عنه غيره في ذلك كما نابت العاقلة عنا لقاتل فتعين الوجه الأول، وهو انتزاع الحكم عن السبب وهو الرأس، وإنما عينا لفظ الرأس لوجود الإضافة إليه حيث يقال: صدقة الرأس وزكاة الرأس.
وقال قائلهم (شعر):
زكاة رؤوس الناس ضحوة فطرهم ... بقول رسول الله ((صاع من البر))
стр. 1093
ورأسك أغلى قيمة فتصدقي علينا ... بفيك وهو صاع من الذر
ومثل عن هذه باستعمالها لانتزاع الحكم عن السبب قوله تعالى: ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ فإن الضمير عنه راجع إلى ﴿قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾ فكان مثل قوله: ينهون عن أكل وعن شرب أي يتناهون في السمن بسبب الأكل والشرب.
التناهي: بغايت رسيدان، وحقيقته تصدر تناهيهم في السمن عنهما، وكذلك يصدر إفكهم عن القول المختلف، وكذلك هاهنا يصدر وجوب صدقة الفطر على المكلف عمن يمونه.
(وإنما نسبت إلى الفطر مجازًا) أي أضيف إلى الفطر وهو شرطه مجازًا كما في حجة الإسلام.
(والنسبة تحتمل الاستعارة وهو ظاهر)؛ لأن ابن الابن يسمى ابنًا وأب
стр. 1094
الأب يسمى أبًا وكل منهما ليس بابن وأب على الحقيقة.
(فأما تضاعف وجوب) صدقة الفطر بتضاعف الرؤوس حكم حقيقي لا يحتمل الاستعارة؛ لأن الاستعارة قضية اللفظ وهذا ليس بلفظ، (وكذلك الوجوب لا يكون إلا بسبب أو علة)، فلو كانت إضافة صدقة الفطر إلى الرأس مجازًا لم يكن سببًا حقيقة بل مجازًا، ويستحيل ترتيب حكم حقيقة السبب على ما ليس بحقيقة.
(وكذلك وصف المؤونة يرجح الرأس في كونه سببًا)؛ لأن المؤونة عبارة عن القوت يقال: مأنة أي قاته وهو يتعلق بالرأس، وكذلك مؤنة الشيء سبب لبقاء ذلك الشيء وذلك يتصور في الرأي دون الزمان. يوضحه أن الأصل في وجوب صدقة الفطر على المكلف رأس نفسه وله ولاية على رأسه ومؤنته عليه ثم من كان في معناه بوجود هذين الوصفين فيه وهو رأس يمونه ويلي عليه يلحق هو به، فكذلك ألحق به أولاده الصغار وعبيده فإنه يمونهم ويلي عليهم، فكان رؤوسهم سببًا لوجوب صدقة الفطر عليه لرأس نفسه،
стр. 1095
(وقد بينا معنى المؤنة منه في موضعه) أي في غير هذا الكتاب.
(غير أن الأداء شرع متفرقًا منقسمًا على أمكنة وأزمنة) إلى آخره. هذا جواب شبهة ترد على قوله: ((وسبب وجوب الحج البيت، والوقت شرط الأداء)) بأن يقال: لو كان هكذا لجاز أداء الحج في أول الشهر الحج وهو شوال؛ لأنه لما وجد السبب وشرط جواز الأداء وجب أن يحكم بجواز الأداء فيه، ومع هذا لا يجوز أداء الحج في شوال. فأجاب عنه بهذا.
وذكر شمس الأئمة- ﵀ في جوابها وقال: عندنا يجوز الأداء كما إذا شوال، ولكن هذه عبادة تشتمل على أركان بعضها تختص بوقت ومكان وبعضها لا تختص، فما كان مختصًا بوقت أو مكان لا يجوز في غير ذلك الوقت كما لا يجوز في غير ذلك المكان، وما لا يكون مختصًا بوقت فهو جائز في جميع وقت الحج، حتى إن من أحرم في رمضان وطاف وسعى لم
стр. 1096
يكن سعيه معتدًا به من سعي الحج حتى إذا طاف للزيارة يوم النحر تلزمه إعادة السعي، ولو كان طاف وسعي في شوال كان سعيه معتدًا به حتى لا يلزمه إعادته يوم النحر؛ لأنا لسعي غير مؤقت فجاز أداؤه في أشهر الحج،
وأما الوقوف فمؤقت فلم يجز أداؤه قبل وقته كما لا يجوز طواف الزيارة يوم عرفة؛ لأنه مؤقت بيوم النحر وهو نظير أركان الصلاة، فإن السجود مرتب على الركوع ولا يعتد به قبل الركوع ولا يدل ذلك على أن الوقت ليس بوقت للأداء.
(ويصح الأداء دونه من الفقير) أي دون المال، فلو كان المال سببًا لما صح منا لفقير؛ لأنه حينئذ يلزم تقديم الحكم على السبب، بل المال شرط وجوب الأداء وهو نظير عدة من أيام أخر في باب الصوم في حق المسافر، فإنه شرط وجوب الأداء حتى كان الأداء جائزًا قبله فكذلك هاهنا.
(فلا يصلح المال سببًا لها) أي للعبادة البدنية؛ لأن الحكم نتيجة السبب، فلا تصلح العبادة البدنية حكمًا للمال.
стр. 1097
(لأن العشر ينسب إلى الأرض) أي يضاف إليها، يقال: عشر الأراضي، والخارج وصف لها؛ لأن النماء يحصل بالخارج فالأرض النامية أشبهت المال النامي بالأسامة، فباعتبار الأرض يكون العشر مؤنة.
لأن أقدار المؤنة سبب البقاء كأقدار من عليه من عليه النفقة لمن له نفقة، فالعشر أيضًا سبب بقاء الأراضي في أيدي المسلمين لما أن مصارف العشر الفقراء أو ينصر الأقوياء بالضعفاء كما قال ﵇: ((إنكم تنصرون بضعفائكم)).
стр. 1098
فنفقة النصرة للمسلمين بسبب صرف العشر إلى الفقراء وهو سبب بقاء الأراضي في أيدي المسلمين، ولكن الأرض أصل للخارج؛ فبالنظر إلى الأصل يكون في العشر معنى المؤنة، بالنظر إلى الوصف الذي هو الخارج يكون عبادة؛ لأنه قليل من كثير كما في الزكاة، فلو صح التعجيل قبل وجود الوصف الذي هو الخارج كما مؤنة محضة فلم يصح تعجيله قلا وجود الوصف لذلك، كما لا يصح تعجيل الزكاة في الماشي قبل الأسامة.
(وكذلك سبب الخراج) الأرض النامية، (لكن تقديرًا لا تحقيقًا) عند التمكن من الزراعة لكون الواجب من غير جنس الخارج، فإن جريب الزرع قفيزًا هامشيًا ودرهمًا أي زرع كان، وفي جريب الرطبة خمسة دراهم إلى آخره، فلم يتعلق بحقيقة الخارج لذلك، فالشرع علق وجوبه بالتمكن من الزراعة لئلا يتعطل حق المقابلة.
стр. 1099
(فصار مؤنة باعتبار الأصل) أي صار الخراج مؤنة بالنظر إلى الأصل وهو الأرض (وعقوبة باعتبار الوصف) وهو الزراعة تقديرًا أو تحقيقًا؛ لأن اعتبار الوصف يوجب كونه عقوبة؛ لأنه اشتغال بعمارة الدنيا وإعراض عن الجهاد، فلذلك كان الخراج في الأصل على الكافر الذمي حيث لم يقبل الإسلام واشتغل بعمارة الدنيا فوضع عليهم الخراج لضرب من الذلة، والاشتغال بالزراعة يصلح سببًا للذلة كما قال ﵇ ((إذا تبايعتم بالعينة واتبعتم أذناب البقر فقد ذللتم وظفر بكم عدوكم)) ولهذا لا يجتمعان عندنا؛ لأن الخراج لا ينفك عن وصف العقوبة، والعشر لا ينفك عن وصف العبادة فلم يجتمعا، ولأن سببيهما بطريق الأصالة واحد وهو الأرض فلا يجتمع وظيفتان بسبب واحد، ولا يقال: إن وجود الخارج لا ينفك عنا لزراعة ومع ذلك يجب العشر؛ لأنا نقول: اعتبر في حق وجوب العشر اكتساب المال فقط كاكتساب مال يجب فيه الزكاة؛ لأن عمارة الدنيا والاشتغال بها في حق الكفار أصل وفي حق المسلمين عارض، فلا يعتبر العارض في جعل العشر عقوبة به.
стр. 1100
أو نقول: الزراعة غير معتبرة في حق وجوب العشر.
ألا ترى أنه إذا خرج من الأرض سيء بدون الزراعة يجب فيه العشر إذا كان في أرض العشر، ولا يجب فيه الخراج إذا كان ذلك في أرض الخراج، وذكر في باب المعادن من زكاة ((المبسوط)) ولا شيء في العسل إذا كان في أرض الخراج، وإن كان في أرض العشر ففيه العشر والمعنى فيه أن النحل يأكل من أنوار الشجر وثمارها، وفي الثمار إذا كانت في الأرض العشرية العشر- بخلاف أرض الخراج- فإنه ليس في أثمار الأشجار النابتة في أرض الخراج شيء.
فعلم بهذا أن الزراعة في حق وجوب العشر غير معتبرة، بل اعتبر فيه ثمار الأرض بالخرج بأي نوع كان وتعينت الزراعة في حق وجوب الخراج تحقيقًا أو تقديرًا وفي الزراعة الذل على ما جاء في الحديث، فلذلك كان اختصاص الزراعة بالخراج أولى.
(لأنها تنسب إليها)، فيقال: طهارة الصلاة (وتقوم بها) أي تقوم الطهارة بالصلاة أي يوجد وجود الطهارة بسبب وجود الصلاة (وهي شرطها، فتعلق بها) أي وجوب ذلك الشرط تعلق بالصلاة، فكذلك وجب بوجوبها؛ لأن ما كان شرطًا لشيء يتعلق به صحته، ووجوبه يوجب الأصل بمنزلة استقبال القبلة، فإن وجوبه بوجوب الصلاة، وكذلك الشهود في باب
стр. 1101
النكاح ثبوتها بثبوت النكاح.
(ألا ترى أنه إزالة وتبديل فلا يصلح سببًا له)، ولهذا يجوز التوضؤ بدون الحدث فيصير ذلك الوضوء معتبرًا فإن ((الوضوء على الوضوء نور على نور)) ولو كان الحدث سببًا لما وقع معتبرًا قبله؛ لأنه لا اعتبار للمسبب قبل السبب أصلًا.
فإن قلت: يلزم على قود كلامك أن لا يجوز تقديم الوضوء على وقت الصلاة؛ لأن الصلاة إنما تجب بعد دخول الوقت، وقد قلت: أن سبب وجوب الطهارة الصلاة فلا يجوز تقديم المسبب على السبب، إذ لو قدم هو عليه لم يقع معتبرًا أصلًا على ما ذكرت.
قلت: قد ذكر في الكتاب أن سبب وجوب الطهارة الصلاة وهو كذلك؛ لأن الطهارة قبل دخول الوقت لا تجب كما أن الصلاة لا تجب قبله.
стр. 1102
وأما نفس وجود الطهارة فغير موقوفة إلى وجوب الصلاة كستر العورة واستقبال القبلة لما أن الشرط يراعى وجوده لا وجوده قصدًا، فلما توضأ قبل الوقت ودام وضوؤه إلى أن دخل الوقت فقد وجد الشرط وقت وجوب الصلاة، فتصح هي به كما إذا ستر العورة قبل دخول الوقت ودام ستره إلى وقت وجوب الصلاة تجوز به الصلاة كذا هاهنا.
فإن قلت: كيف يكون وجوب الصلاة سببًا لوجوب الطهارة والطهارة شرط الصلاة، فكونها شرطًا يقتضي التقديم وكونها حكمًا له يقتضي التأخر فكيف يستقيم اجتماع وصفي التقدم والتأخر للطهارة بالنسبة إلى شيء واحد وهو الصلاة؟
قلت: نعم إن النسبة إلى شيء واحد وهو الصلاة إلا أن تلك النسبة إليها لجهتين مختلفتين، فإن للطهارة كم الصلاة من حيث الوجوب ثم الطهارة شرط للصلاة من حيث الجواز، وتمام هذا مذكور في ((النهاية)).
(وسبب المعاملات تعلق بقاء المقدور بتعاطيها) يعني تعلق بقاء العالم
стр. 1103
المقدر إلى يوم القيامة بمباشرة هذه المعاملات وتناولها؛ لأن بقاء العالم إنما يكون ببقاء الجنس، وبقاء النفس ببقاء الجنس بالتناسل، فشرع سبب ثبوت نفي التناسل ليبقى هذا الجنس وهو النكاح قصدًا وملك اليمين تبعًا وبقاء النفس إلى أجلها إنما يقوم به المصالح للجنسية وذلك بالمال، فشرعت الأسباب لاكتساب الأموال لتختص بأحكامها من فاز بأسبابها، قطعًا للمنازعة وهي الحكمة البالغة.
* * *
стр. 1104
باب بيان أقسام السنة
(وإنما هذا الباب) أي باب السنة (لبيان وجوه الاتصال) من التواتر وغيره (وما يتصل بها) أي بوجوه الاتصال من قسم الانقطاع وبيان محل الخبر وغيرهما (فيما يفارق الكتاب وتختص السنن به)، وذلك أن الثابت من رسول الله ﷺ يختلف طرقه، بعضه بالتواتر وذلك قليل، وبعضه بالشهرة، وبعضه بخبر الواحد، وفي الكتاب لا يتأتى هذه المعاني، بل هو
стр. 1105
ثابت بطريق واحد موجب للعلم وهو التواتر، فلثبوت هذه المفارقة بين السنة والكتاب أورد هذا الباب.
[باب المتواتر]
(وما أشبه ذلك) مثل مقادير الديات، (وهذا القسم) أي قسم الخبر المتواتر (يوجب علم اليقين بمنزلة العيان علمًا ضروريًا) وكان شيخي- ﵀-
стр. 1106
يقول: ولهذا ثبت العلم بموجب التواتر على القطع والبتات لغير المستدل ما يثبت ذلك للمستدل، فلو كان ثبوت العلم به موقوفًا على الاستدلال لما ثبت به العلم لغير المستدل.
(وهذا رجل سفيه). السفيه هو الذي يشتغل بما ليس له عاقبة حميدة ويلحقه ضرر ذلك، كذا ذكره الإمام أبو منصور- ﵀ (لم يعرف نفسه ولا دينه ولا دنياه).
أما نفسه: فلكونه مخلوقًا من ماء مهين ثبت بالخبر ولم يكن الخبر موجبًا للعلم. ((لم يعرف نفسه)) أي لم يعرف أصل نفسه.
стр. 1107
فإن قلت: لو قال قائل: لا نسلم أن عرفان نفسه أنه مخلوق من ماء مهين بالخبر بل بالقياس على غيره أو على ولده أو المولود منه، فإنه لما عاين ولده أنه ولد من امرأته بعد المباشرة بها أضاف وجود ولده إلى وجود مائها؛ لأنه أقرب الأسباب إليه وجودًا، فبعد ذلك قاس وجود نفسه عليه.
ألا ترى أن الكافر الذي ينكر قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ يعتقد هذا كما يعتقد المؤمن به، فلو كان ثبوته بالخبر بهذا لاختص به المؤمن.
قلت: لا كذلك، فإن مآل ذلك القياس الذي ذكرته راجع إلى الخبر، وهذا لأن أسباب العلم منحصرة على الثلاثة: الحواس الخمس، والخبر الصادق، والعقل، فليس لأحد من الخلق وجود غيره أو وجود ولده أنه خلق
стр. 1108
من ماء مهين بمغاير له؛ لأنه لم يعانيه ولا يحكم العقل بأن يخلق الشخص الحيواني المنطيق البليغ العاقل الدراك لأنواع العلم الموصوف بمحاسن الحكم من ذلك الماء الجمادي الذي لا محاسن بينه وبينه، فلما خرج دليل البيان من البين بقي الخبر الصادق بالعين، ولأن القياس لا يثبت العلم القطعي بل يوجب غلبة الظن الذي يجب به العلم، ومن يعرف نفسه أنه خلق من ماء مهين يعرفه على القطع والبتات، وأما ما ذكرته من معرفة المنكر نفسه بأنه خلق من الماء فأصله راجع إلى الخبر أيضًا، فإن أبانا آدم ﵇ كان نبينا وأخبر هو بأن أولاده مخلوقون منا لماء وحيًا، وكذلك ما بعده من الشرائع نطق به، ونزل القرآن على وفق ذلك فيه كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ﴾، ولكن الكافر لعباده أنكر نزول القرآن، وإنكاره لا يبطل حقية الحق والصواب، بل يزيد هو على نفسه شدة العقاب.
ويجوز أن يقال معنى قوله: ((لم يعرف نفسه)) أي لم يعرف أنه كان في الابتداء صغير ثم نشأ وكبر، ومعرفة إنما تكون بالخبر.
وكذلك أيضًا من أنكر الخبر لا يعرف دينه وهو ظاهر؛ لأن الدين حقيقة الخبر والسماع خصوصًا في أحكام الدين وهي الشرائع، ولا يعرف دنياه
стр. 1109
أيضًا؛ لأن البلدان النائية من الدنيا لا يعلمها إلى من عاينها أو أخبر بها، فعلى قود كلام منكر الخبر لا يعرف وجودها من لم يعاينها.
(لا تكاد تقع أمورهم إلا مختلفة)، وهذا لأن الله تعالى خلق الخلق أطوارًا على طبائع مختلفة وهمم متباينة يبعثهم ذلك على الاختلاف والتائن أبدًا، والاتفاق بعد ذلك مع الأسباب الموجبة للاختلاف لا يكون إلا بجامع جمعهم على ذلك، وفيه حكمة بالغة، وهي: بقاء أحكام الشرع بعد وفات المسلمين على ما كان عليه في حياتهم، فإن النبوة ختمت برسول الله ﵇، وقد كان مبعوثًا إلى الناس كافة وقد أمرنا بالرجوع إليه والتيقن بما يخبر به.
قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ وهذا الخطاب يتناول الموجودين في عصره والذين يؤمنون به إلى قيام الساعة، ومعلوم أن الطريق في الرجوع إليه ليس إلا الرجوع إلى ما نقل عنه بالتواتر، فبهذا تبين أن ذلك كالمسموع منه في حياته، وقد قامت الدلالة على أنه كان رسول الله ﷺ لا يتكلم إلا بالحق خصوصًا فيما يرجع إلى بيان الدين، فيثبت بالسماع منه علم اليقين.
стр. 1110
التخالج: در دل خليدن الوهم، دل تحيري شدن.
((وضعًا وتحقيقًا)) أي المتواتر يوجب علم اليقين من حيث الأصل ومن حيث الدليل.
(والطمأنينة على ما فسره المخالف) وهو ما ذكر قبله: ومعنى الطمأنينة عندهم ما يحتمل أن يتخالجه شك أو يعتريه وهم.
فإن قلت: يفسد تفسير الطمأنينة بقوله: ((عندهم ما يحتمل أن يتخالجه شك)) ويفسده أيضًا في الجواب بقوله: ((على ما فسره المخالف)) يقتضي أن يكون لها معنى آخر وما ذاك.
стр. 1111
قلت: نعم كذلك لها معنى آخر سوى ما فسروه، وهو: أن يوجب علم اليقين بحيث لا يتخالجه شك ولا يعتريه وهم، كما قال الله تعالى خبرًا عن إبراهيم ﵇: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ ولا شك أن اطمئنان قلبه مما لا يتخالجه شك ولا يعتريه وهم.
فعلم بهذا أن الطمأنينة تطلق على علم اليقين الذي لا يتخالجك الشك.
стр. 1112
(وأما أخبار زرادشت اللعين فتخييل)،
قيل: هو كان في عهد كيقباذ أمير بلخ وهو أراد أن يتزوج أخت زرادشت وهي كانت في غاية الجمال، وزرادشت مان في الابتداء قاضيًا وادعى النبوة والأمير بايعه لطلب مقصوده، والمجوس اتفقوا على نقل
стр. 1113
معجزاته عندهم، وقد كانوا أكثر عددًا من المسلمين، فنقلوا على وفق ما يدعونه.
(أدخل قوائم الفرس في بطن الفرس) فبقى الرس معلقًا في الهواء، وكذا روي أنه وضع طست فيه نار على صدره فلم يضره، (فإنما رووا أنه فعل ذلك في خاصة الملك وحاشيته).
الحاشية: صغار الناس. الوضع: من المواضع، فالمواضعة في الأمر هي: أن توافق مع آخر فيه على شيء، وحقيقتها هي: أن تضع ما في قلبك من الرأي عنده، ويضع هو أيضًا ما في قلبه من الرأي عندك فيتفقا عليه.
(وعلى أنه ألقي على واحد من أصحاب عيسى ﵇ شبهه كما قص الله تعالى)، فإنه جاء في الخبر أن عيسى ﵇ قال لمن كان معه:
стр. 1114
من يرد منكم أن يلقي الله تعالى شبهي عليه فيقتل وله الجنة، فقال رجال أنا، فألقى الله شبه عيسى عليه فقتل هو، ورفع عيس ﵇ إلى السماء.
فإن قيل: هذا القول في نهاية منا لفساد؛ لأنه فيه قولًا بإبطال المعارف أصلًا وبتكذيب العيان، وإذا جوزتهم هذا فما يؤمنكم منه مثله فيما ينقل بالتواتر عن رسول الله ﵇ أن السامعين إنما سمعوا ذلك من رجل كان عندهم أنه محمد، ولم يكن هو إنما ألقى الله شبهه على غيره، ومع هذا القول لا يتحقق الإيمان بالرسل ﵈ لمن يعاينهم لجواز أن يكون شبهة الرسل ملقى على غيرهم كيف والإيمان بالمسيح ﵇ كان واجبًا عليهم في ذلك الوقت فمن ألقي عليه شبهة المسيح فقد كان الإيمان به واجبًا وفي هذا قول بأن الله تعالى أوجب على عباده الكفر بالحجة وهي المعجزة، فأي قول أقبح من هذا!
قلنا: ليس الأمر كما قلتم؛ فإن إلقاء شبهة المسيح ﵇ على غيره غير مستبعد في القدرة ولا في الحكمة، بل فيه حكمة بالغة وهي دفع شر الأعداء عن المسيح، وقد كانوا عزموا على قتله، والذين قصده بالقتل فقد علم الله منهم أنهم لا يؤمنون به، فألقى شبهه على غيره على سبيل الاستدراج لهم ليزدادوا طغيانًا، ومثل ذلك لا يتوهم في حقل قم هم يأتون الرسل ليؤمنوا
стр. 1115
بهم، فظهر أن الفاسد قول من يقول: بأن هذا يؤدي إلى إبطال المعارف.
وأما أنه غير مستبعد في القدرة فغير مشكل، فإن إلقاء الشبه دن إيجاد الأصل لا محالة، وقد إبليس عليه اللعنة في صورة شيخ من أهل نجد ومرة في صورة سراقة بن مالك فكلم المشركين فيما كانوا هموا به في باب رسول الله ﵇، وفيه نزل قوله تعالى ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.
ورأت عائشة- ﵂ دحية الكبلي مع رسول الله ﷺ فلما
стр. 1116
أخبرته بذلك قال ((كان معي جبريل ﵇) كذا في ((أصول الفقه)) للإمام شمس الأئمة- ﵀.
وعن هذا المعنى قيد في الكتاب قوله: (وذلك جائز استدراجًا ومكرًا على قوم متعنتين حكم الله عليهم بأنهم لا يؤمنون)،
فبطلت هذه الوجوه التي ذكرها مخال من التخييلات وكون أصله في
стр. 1117
عدد محصور وعلى تلبيس؛ لأن المتواتر الذي قلنا بأنه يوجب العلم ليس مما يكن تخييلًا، ولا مما يكون بخاصة الملك وحواشيه، ولا يكون مرجعه إلى الآحاد أيضًا، فكان حجة قطعية، والله أعلم.
* * *
стр. 1118
باب خبر الواحد
(وهو الفصل الثالث من القسم الأول). المراد من القسم الأول الاتصال، ومن الفصل الثالث اتصال فيه شبهة صورة ومعنى.
أما الصورة: فلأنه لم يتصل برسول الله ﷺ قطعًا.
وأما المعنى: فلأنه لم تتقله الأمة جمعيًا بالقبول بخلاف المشهور؛ لأن فيه ضرب شبهة صورة من حيث إنه كان في الأصل من الآحاد وليس فيه شبهة معنى؛ لأن الأمة تلقته بالقبول بخلاف المعاملات، فإنه إذا اشترى من صبي عاقل أو عبد يجوز معتمدًا على قولهما بأننا مأذونان.
стр. 1119
(فاستقام أن يثبت غير موجب علم اليقين) أي أن يثبت وجوب العمل حال كونه غير موجب للعلم.
стр. 1120
(﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ﴾ وكل واحد إنما يخاطب بما في وسعه) إلى آخره، ولا يدخل عليه الفاسق فإنه داخل في عموم الأمر بالبيان، ثم لا يقبل بيانه في الدين؛ لأنه مخصوص من هذا النص بنص آخر، وهو ما فيه أمر بالتوقف في خبر الفاسق بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾، وهذا في كتاب الله تعالى أكثر من أن يحصى، منه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾.
стр. 1121
(وقد ذكر محمد- رحمه الله تعالى- في هذا) أي في عمل الصحابة ومحاجتهم غير حديث أي غير حديث واحد بل ذكر فيه أحاديث كثيرة
стр. 1122
(فإذا اجتمع الآحاد حتى تواترت حدث حقية الخبر ولزوم الصدق باجتماعهم)، وهذا جواب ما قال في الباب الأول: ((إن المتواتر صار جميعًا بالآحاد وخبر كل واحد محتمل)) فمن أين يتأتى اليقين؟
وتفسير الجواب هو أن لا ينكر في المحسوس والمعقول والمشروع أن يثبت لاجتماع الأفراد ما لا يثبت للأفراد عند عدم الاجتماع. ألا رى أن الحبل إذا اجتمع من الطاقات يثبت له من القوة ما لا يثبت من تلك القوة لطاقة أو لطاقتين، وألا ترى أن كل كلمة من القرآن على الانفراد ليست بمعجزة، فإذا اجتمعت صارت معجزة، والحجج العقلية صارت حجة باجتماع المقدمات وكل مقدمة ليست بحجة، فعلم بهذا أن اجتماع الأفراد يثبت حكمًا ما لا يثبته الأفراد بدون الاجتماع، والعقل أيضًا يقتضي ذلك؛ لأن التركب حدث بعد
стр. 1123
أن لم يكن، فيجب أن يثبت له حكم بحياله لم يكن ذلك الحكم قبله، وكذلك في المشروع فإن القاضي لا يقضي بشهادة الفرد، فإذا صار الشاهد اثنين يقضي بهما.
(إذ العقد فضل على العلم والمعرفة، وليس من ضروراته) أي عقد القلب ليس من ضرورات العلم.
ألا ترى أن أهل الكتاب كانوا يعرفون حقية النبي ﵇ بالنبوة ولا يعتقدونها، والمقلد يعتقد شيئًا بالتقليد لغيره ولا يعلمه؛ إذ العلم هو: تبين المعلوم على ما هو به ويحتمل أن يكون اعتقاد المقلد شيئًا كان على خلاف ما هو به، فعلم بهذا أن العقد مع العلم ينفك أحدهما عن الآخر وجودًا وعدمًا ولم يكن وجود كل واحد منهما من ضرورات الآخر.
стр. 1124
باب تقسيم الراوي الذي جعل خبره حجة
(والجواب أن الخبر يقين بأصله) إلى آخره، وتفسير ذلك أن خبر الرسول ﵇ يقين في أصله لما أن خبر الواحد إنما صار حجة لكونه خبر الرسول، فكان يقينًا بأصله، إذ لو ارتفعت الشبهة الثابتة من النقل لكان يقينًا، إذ الخبر المسموع من ي رسول الله ﵇ صدق يقين لا شبهة فيه،
стр. 1125
والقياس محتمل للصواب والخطأ في نفسه لما أن القياس الصحيح عبارة عن الاجتهاد الصحيح، فإنه يوجب غلبة الظن ولا يوجب علم اليقين.
فإن قيل: الوصف المؤثر لو ثبت مناطًا للحكم لكان يقينًا.
قلنا: لا نسلم؛ لأن الوقوف على كون الوصف مناطًا للحكم بطريق اليقين لا يتحقق إلا بالنص أو بالإجماع، فحينئذ لم يبق هو قياسًا، بل يكون هو نصًا أو إجماعًا ولا لام فيه، غنما الكلام في القياس الصحيح بدونا لنص والإجماع، وهو ليس بيقين في أصله؛ لأن كل وصف مجتهد فيه هو محتمل للغلط، وهو معنى قوله: (وهو محتمل بأصله) وما كان محتملًا بأصله لا يكون معارضًا لما لم يكن محتملًا للغلط في أصله، فلذلك كان خبر الواحد مقدمًا على القياس.
فإن قلت: قولك أن الوقوف على كون الوصف مناطًا للحكم بطريق اليقين لا يتحقق إلا بالنص أو بالإجماع فحينئذ لم يبق هو قياسًا، بل يكون هو نصًا أو إجماعًا كذلك في خبر الواحد لو ارتفعت الشبهة الثابتة بالنقل بأن كان خبر الواحد وقت حياة النبي ﷺ وسبيل ذلك الخبر عن رسول الله ﷺ وأخبر الرسول ﵇ بصحته لم يبق هو أيضًا خر الواحد، بل كان هو نصًا ثابتًا حجيته قطعًا ولا كلام فيه.
إنما الكلام في خبر الواحد.
следующие страницы →