Полный текст (2 351 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.
стр. 1261
((سقط التعارض)).
(وأمثاله كثيرة)، ومن تلك الأمثال حمل الشافعي النص المطلق على النص المقيد كما في حمل كفارة اليمين والظهار على كفارة القتل في اشتراك إيمان الرقبة.
﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ بالتخفيف يدل على انهاء حرمة القربان إلى انقطاع دم الحيض.
يقال: طهرت المرأة إذا انقطع دم الحيض عنها، فلا يجوز أن تنتهي حرمة القربان إلى الاغتسال؛ لأنه انتهى قبل الاغتسال بانقطاع الدم، فمن المحال أن لا تنتهي حال وجود الانتهاء، وقوله: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ بالتشديد يدل على انتهاء حرمة القربان إلى الاغتسال، فيرى أنه لا تنتهي حرمة القربان حال انتهاء حرمته بانتهاء الحيض بتمام العشرة وهو محال.
فلذلك حمل قراءة التشديد على ما دون العشرة لتنتهي حرمة القربان
стр. 1262
بالاغتسال، وقراءة التخفيف تحمل على العشرة لتنتهي هي بانقطاع دم الحيض، فانعدم التعارض.
(ولا يستقيم التراخي إلى الاغتسال لما فيه من بطلان التقدير) وهو أن أكثر الحيض عشرة لا غير، فلو جعلنا حكم امتداد الحيض إلى وقت الاغتسال حينئذ تلزم الزيادة على التقدير الشرعي وهي لا تجوز وإن قلت، ولأنا لو قلنا بحرمة القربان إلى وقت الاغتسال بعد تمام العشرة إنما تكون هي بسبب أن الحيض باق بعد؛ لأن حرمة القربان إنما كانت لوجود الحيض وهو لا يكون بعد تمام العشرة فلا يصح وقف حل الوطء بعد تماما لعشرة إلى وجود الاغتسال كذلك.
(لأن ذلك هو المفتقر إلى الاغتسال)؛ لأنه يحتمل البلوغ إلى العشرة فلا يكون هذا الانقطاع محكمًا بل مترددًا فكان مفتقرًا إلى مؤيد وهو
стр. 1263
الاغتسال.
(فصح ذلك) الحمل وهو حمل الخفض على حالة الاستتار وحمل النصب على حالة عدم الاستتار.
وقوله: (لأن الجلد أقيم مقام بشرة القدم) جواب سؤال مقدر بان يقال: كيف يكون هذا عملًا بالآية، والآية تقتضي المسح على الرجل، وأنت توجبه على الخف؟
فقال في جوابه: هذا يعني أن هذا صح بطريق المجاز، يعني ذكر مسح الرجل وإرادة مسح الخف لكون الخف قائمًا مقام بشرة القدم جائز، فصار مسح الخف بمنزلة مسح الرجل وإن لم يكن مسح الرجل جائزًا؛ إلا أنه يصح إطلاق مسح الخف على مسح الرجل بطريق المجاز.
وأما في الحقيقة فلا؛ لأنه لا جواز للمسح على الرجل حتى يكون هذا خلفه/ (فصار مسحه بمنزلة غسل القدم)، وفي بعض النسخ: بمنزلة مسح القدم، وهذا ظاهر؛ لأن الجلد لما أقيم مقام بشرة القدم صار المسح على الخف كالمسح على القدم لوجود مجوز المجاز وهو ذكر الرجل وإرادة الخف في قوله
стр. 1264
تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالخفض؛ لأن الخف ملتبس بالرجل فصح ذكر الرجل وإرادة الخف.
وأم قوله: ((بمنزلة غسل القدم)) فمعناه أن الجلد لما قام مقام بشرة القدم كان المسح مصادفًا لبشرة القدم تقديرًا لمنزلة الغسل يصادف بشرة القدم تحقيقًا.
(المباهلة): الملاعنة من البهلة وهي: اللعنة، ويروى ((من شاء لاعنته)) وذلك أنهم كانوا إذا اختلفوا في شيء اجتمعوا، وقالوا: بهلة الله على الظالم منا فجعل عبد الله بن مسعود- ﵁ التأخر دليل النسخ فعرفنا أنه كان معروفًا فيما بينهم أن المتأخر من النصين ناسخ للمتقدم.
(وكان ذلك ردًا على قول من قال بأبعد الأجلين)، فكان علي- رضي الله
стр. 1265
عنه- يقول " تعتد بأبعد الأجلين " (١) إما بوضع الحمل أو بأربعة أشهر وعشر؛ لأن قوله تعالى ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (٢). يوجب عليها العدة بوضع الحمل، وقوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (٣) يوجب عليها العدة بأربعة أشهر وعشر فجمع بينهما احتياطا، وجوابه ما ذكره ابن مسعود ﵁ أعني أن العمل بهذا الطريق إنما يكون عند العجز عن علم التاريخ.
وأما إذا عليم أن قوله تعالى: ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ﴾. آخرهما تاريخا فيعمل به لا بغيره.
(لأنا نعلم أنهما وجدا في زمانين)؛ لأن نزولهما في زمان واحد محال للتناقض، ثم يقول كان المحرم آخر لكونه متيقنا في النسخ وكون المبيح محتملا في النسخ؛ لأنه لو تقدم كان مقررا للإباحة ولو تأخر كان ناسخاً،
стр. 1266
والمحرم ناسخ تقدم أو تأخر، فكان الأخذ بالمحكم أولي، ولان المحرم إذا تقدم يتكرر النسخ ولو تاخر لا يتكرر، فكان الأخذ بعدم تكرار النسخ أولي؛ إذ الأصل هو البقاء علي حاله، ولان في القول بتأخر المحرم أخذا بالإحتياط، وفي جعل المبيحناسخا مع احتمال كون المحرم آخرترك الإحتياط؛ لأنه تلزمه العقوبة بارتكاب المحرم فكان القول بتأخر المحرم أولي (١).
وقوله: (ولسنا نقول بهذا في أصل الوضع) أي لا نقول بأن الإباحة أصل في أصل وضع الشرع (٢) بأن يقال لا حرمة في الأشياء كلها في الأصل
стр. 1267
في أصل وضع الشرع؛ (لأن البشر من وقت آدم ﵇ غلي وقتنا هذا لم يتركوا سدي) أي مهملا عن التكليف في وقت من الأوقات.
قالي تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ وفي التكليف حظر وتحريم لأشياء واباحة لأشياء فلو قلنا بأن الإباحة أصل في الأشياء في أصل وضع الشرع يلزم ارتفاع التكليف، فكان هذا القول مناقضا لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ وهو لا يصح، وفي " الكشاف "في تفسير هذه الآية:
فإن قلت: كم من أمة في الفترة بين عيسي ومحمد ﵉ ولم يخل فيها نذير؟
стр. 1268
قلت: إذا كانت إثارة النذارة باقية لم تخل من نذير إلي أن تندرس وحين اندرست (١) آثار نذارة عيسي ﵇ بعث الله تعالى محمدا ﵇ (٢).
وذكر في " التيسير " قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (٣)، ثم إن أهل الإباحة من المتصوفة (٤) الجهلة حملوا الكلام في قوله تعالى: ﴿لَكُمْ﴾ علي الإطلاق والإباحة مطلقا، وقالوا لا حظر ولا حرج ولا نهي ولا أمر، وإذا تحققت المعرفة وتأكدت المحبة سقطت الخدمة وزالت الحرمة، فالحبيب لا يكلف حبيبه ما يتعبه، ولا يمنعه ما يريده ويطلبه، وهذا منهم كفر صراح وخروج من الإيمان بإفصاح، وقد نهي الله تعالى، وأمر، وأباح، وحظر، ووعد، وأوعد، وبشر، وهدد، والنصوص ظاهرة والدلائل متظاهرة، فمن حمل هذه الآية الإباحة المطلقة فقد انسلخ من الدين بالكلية.
والمحمل الصحيح ما قاله ابن عباس ﵄: خلق لمنافعكم
стр. 1269
ومصالحكم، وشرحه أن جميع ما في الدنيا لدفع حوائجكم وقوام معايشكم، فلا بقاء عادة للبشر إلا بالطعام والشراب ودفع الحر والبرد بالأكنان والأثواب، وقد هييء ذلك كله فيها لكم، وفيها أيضا زوائد عن الضروريات من تناول الطيبات، والتجمل بأنواع الزينات، والتقلب في وجوه اللذات، والاسترواح بأنواع الراحات، فالسماء سقفكم، والشمس سراجكم، والقمر نوركم، والنجوم هداكم، إلي ان قال: وما الحيوانات الضارة المؤذية والأعيان النجسة الخبيثة ففيها تذكير عقوبات الجحيم ومعرفة النعم في أضدادها، وهو نفع عظيم.
وأعظم ذلك كله نفع الاستدلال بها علي وحدانية الله تعالى قال الله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾، فالبناء دليل علي الباني .... إلي آخره.
قلت: أما الذي قال هاهنا هذا بناء علي قول من جعل الإباحة أصلا فليس هذا الذي يجعل الإباحة أصلا من أهل تلك الإباحة من المتصوفة الجهلة الذين
стр. 1270
ذكرهم في" التيسير " فإنهم كفرة حيث كفروا بقولهم: لا حظر ولا حجر ولا نهي أصلا علي ما ذكر في " التيسير "، يعنون بذلك لا قبل بعثة النبي ﵇ ولا بعد بعثته علي ما اقتضي ذلك دليلهم.
وأما الذي ذكر هنا فهو طريقة بعض مشايخنا فإنهم قالوا: الإباحة أصل إلي أن يرد التحريم، فإذا ورد التحريم يحرم.
وقد ذكر الإمام المحقق شمس الأئمة السرخسي ﵀ في " أصول الفقه " فقال:
وبيان ذلك - أي بيان النص الموجب للحظر يكون متأخرا عن الموجب للإباحة- وهو أن الموجب للإباحة يبقي ما كان علي ما كان علي طريقة بعض مشايخنا لكون الإباحة أصلا في الأشياء، كما أشار إليه محمد ﵀ في كتاب الإكراه (١)، والذي أشار إليه في كتاب الإكراه وهو ما ذكره في باب تعدي العامل منه ولو تهد بقتل حتي شرب الخمر فلم يفعل حتي قتل خفت أن يكون آثما، وذكر هنا لفظا يستدل به علي أنه كان من مذهبه أن الأصل في الأشياء الإباحة، وأن الحرمة بالنهي عنها شرعا، فإنه قال: لأن شرب الخمر وأكل الميتة لم يحرم إلا بالنهي.
ثم قال في" أصول الفقه": وعلي أقوي الطريقتين باعتبار أن ما قبل مبعث
стр. 1271
رسول الله ﵇ كانت الإباحة ظاهرة في هذه الأشياء، فإن الناس لم يتركوا سدي في شيء من الأوقات. ولكن في زمان الفترة الإباحة كانت ظاهرة في الناس. وذلك باق إلي ان يثبت الدليل الموجب للحرمة في شريعتنا، فبهذا يتبين أن الموجب للحظر متأخر.
وحاصل هذا أن ما يفهم من الكتابين أعني " أصول الفقه " للإمام شمس الأئمة و " أصول الفقه " للإمام فخر الإسلام - رحمهما الله - هو أن العلماء قالوا جميعا: بأن الإباحة أصل في الأشياء، حتي قالوا عند جهالة التاريخ بورود النصين أحدهما محرم والآخر مبيح بان المحرم متأخرا كيلا يلزم تكرار النسخ علي ما ذكرنا، وإنما يصح التعليل أن لو كانت الإباحة أصلا في الأشياء كلها، لكن إختلفوا في التخريج.
بعضهم قالوا: معني ذلك هو ان الله تعلي خلق الأشياء كلها في أصلها مباحة للعباد، ثم بعث الأنبياء ﵈ واوحي إليهم بتحريم بعضها وإبقاء بعضها علي الإباحة الأصلية كما كانت.
واما اختيار الشيخين - رحمهما الله - فليس مراد العلماء من قولهم " أن الإباحة أصل في الأشياء كلها "، أن تكون ذلك بالشرع، بل مرادهم من
стр. 1272
ذلك زمان الفترة، يعني أن في زمان الفترة كان الناس يستعملون الأشياء علي طريق الإباحة، لأنهلم يكن للناس آمر وناه ينفذ قوله علي الناس، فكانت الأشياء كلها كأنها مباحة بسبب استعمال الناس علي الإباحة.
لا لأن الشارع رفع الحظر والنهي عن الأشياء كلها، ثم لما بعث نبيا صلي الله عليه وسلم وأوحي إليه بإباحة بعض الأشياء. قلنا: قرر تلك الأشياء علي الإباحة الأصلية التي كان أهل الفترة يستعملونها مباحة، ولما أوحي إليه بتحريم بعضها قلنا نسخ إباحة تلك الأشياء التي كان أهل الفترة يستعملونها مباحة، فكون المبيح مقررا وكون المحرم ناسخا للإباحة الأصلية إنما كان بهذا الطريق لا أن التكليف بالحظر والتحريم في أصله كان مرتفعا عن الناس في وقت من الأوقات , والله أعلم.
(و "حرم لحوم الحمر الأهلية") (١). (وروي أنه ﵇ أباحها") أي جعلنا فيها أيضا المحرم ناسخاً.
стр. 1273
فإن قيل: إذا كان المحرم ناسخا كيف يصح قولهم في سؤر الحمار: أن الدلائل تعارضت (١)؟
قلنا: قولهم ذلك صحيح، لأن كونه ناسخا بهذا الطريق ثبت بالاجتهاد فأخذنا في حرمة اللحم بالاحتياط، وأما فيما وراء ذلك فبقي التعارض؛ لأن الاحتياط في ذلك القول بالتعارض كي يضم إلي سؤر الحمار التيمم حتي يخرج عن وجوب الطهارة باليقين.
أو نقول: دل الدليل علي طهارة سؤر الحمار اعتبارا بعرقه، فإنه صح أن النبي ﵇ ركب الحمار معروريا (٢) والحر حر الحجاز والثقل ثقل
стр. 1274
النبوة، فكان هذا دليلا علي طهارة عرقه، إذ لا يجوز للمسلم الاقتراب من النجاسة فما ظنك برسول الله ﵇، وحرمة لحمه تدل علي نجاستة سؤره كما في الكلب وغيره، فتعارضت الأدلة، فلذلك وجب تقرير الأصول علي ما مر.
(واختلف مشايخنا فيما إذا تعارض نصان أحدهما مثبت والآخر ناف مبق علي الأمر الأول)، فالمراد من المثبت هو الخبر الذي يثبت الأمر الطاريء ومن النافي هو الخبر الذي ينفي الأمر الطاريء ويبقي الحال علي الأمر الأول كما كان علي ما أشار إليه في الكتاب، حتي أن رواية من روي " أعتقت بريرة
стр. 1275
وزوجها عبد" ناف وإن كان لفظه لفظ الإثبات، وكذلك من روي " أنه ﵇ حين تزوج ميمونة كان محرما " ناف علي ما ذكرنا.
فقال الكرخي: " المثبت أولي" لأنه أقرب إلي الصدق من النافي؛ لان المثبت يعتمد الحقيقة والنافي يبني الأمر على الظاهر.
стр. 1276
وقال عيسى بن أبان ﵀: " يتعارضان " يعني لا يرجح المثبت علي النافي لكونه مثبتا، ولا النافي علي المثبت لكونه نافيا، بل تقع المعارضة بينهما، فيطلب الترجيح من وجه آخر، لان كلامنا في نفي يحيط العلم به، فكان هو مثل الإثبات من هذا الوجه فيتعارضان.
وقد اختلف عمل أصحابنا- ﵏ في هذا الباب فحاصل ما ذكر هنا من اختلاف عمل أصحابنا بالمثبت والنافي خمس مسائل، فذكر كل واحدة منها عقيب الأخري، فبدأ بالإثبات وختم بالإثبات.
الأولي - مسألة ان زوجها حر أو عبد، أخذو فيها بالمثبت (١).
والثانية - مسألة الإحرام، أخذوا فيها بالنافي (٢).
والثالثة - مسألة التباين، أخذو فيها بالمثبت (٣).
стр. 1277
والرابعة- مسألة الطهارة والنجاسة، أخذوا فيها بالنافي (١).
والخامسة- مسألة الجرح والتعديل، أخذو فيها بالمثبت (٢).
(سرف): بوزن كتف جبل بطريق المدينة، وهو علي رأس ميل من مكة، بها قبر ميمونة ﵂ _ زوج النبي ﵇ وكانت قد ماتت بمكة
стр. 1278
فحملها ابن عباس ﵄ إلي سرف.
(رد بنته زينب- ﵂ إلي زوجها أبي العاص (١) بنكاح جديد)
أصل المسألة أن أحد الزوجين إذا خرج إلي دار الإسلام مهاجرا وبقي الآخر في دار الحرب تقع الفرقة بينهما، وعند الشافعي لا تقع الفرقةبينهما بتبائن الدار، وقال: روي أن زينب هاجرت إلي المدينة ثم تبعها زوجها أبو العاص بعد سنتين فردها عليه بالنكاح الأول وقلنا: الصحيح من
стр. 1279
الرواية أنه ردها عليه بنكاح جديد، وما روي أنه ردها عليه بالنكاح الأول أي لحرمة النكاح الأول.
ألا تري انه ردها إليه بعد سنتين، والعدة تنقضي في مثل هذه المدة عادة، (ولم يعملوا بالمثبت وهو النجاسة).
وفي رجل ادعت امرأته أنها سمعته يقول المسيح ابن الله إلي أن قال ولم يقل غير ذلك)، والفرق بين قول الشهود: لم نسمع غير ذلك، وبين قولهم، لم يقل غير ذلك أنه لا تنافي بين قولهم: لم نسمع، وبين قول الزوج: قلت: قالت النصاري ﴿الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ لأنه صح أن يقال: قال
стр. 1280
فلان قولا: ولكني لم أسمع، ولا يصح أن يقال،: قال ولم يقل، فيكون قولهم "ولم يقل ذلك "نفيا لمقالة الزوج، وهو مما يحيط العلم به فيقبل.
(وكذلك في الطلاق إذا ادعي الزوج الاستثناء فقد قبلت الشهادة) يعني أن الزوج إذا ادعي الاستثناء في الطلاق وشهد الشهود علي إنه لم يستثني قبلت الشهادة، وهذه شهادة علي النفي، ولكنها دليل علي موجب للعلم به، وهو أن يكون من باب الكلام فهو مسموع من المتكلم لمن كان بالقرب منه، وما لم يسمع منه يكون دندنة لا كلاما، فإذا قبلت الشهادة علي النفي إذا كان عن دليل كما تقبل علي الإثبات قلنا: في الخبر أيضا يقع التعارض بين النفي والإثبات، والدندنة: ان تسمع من الرجل نغمة ولا تفهم ما يقول.
стр. 1281
(وقلما يوقف من حال البشر علي أمر فوقه في التزكية) أي فوق عدم الوقوف للمزكي الذي يقول انه عدل، والقلة هنا مستعارة عن العدم أي أن من زكي غيره وعدله إنما زكاه بسبب أنه لم يقف في حقه علي ما يوجب جرحه فكان مآل تزكيته إلي الجهل.
وقال الإمام شمس الأئمة ﵀: من يزكي الشاهد إنما يزكيه لعد العلم بسبب الجرح منه، إذ لا طريق لاحد إلي الوقوف علي جميع أحوال غيره حتي يكون إخباره عن تزكيته عن دليل موجب للعلم به، والذي جرحه فخبره مثبت للجرح العارض لوقوفه علي دليل موجب له، فلذلك جعل خبره
стр. 1282
أولى وقوله: (لانه فسر القصة فسار أولي) روي عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﵇ تزوج ميمونة بنت الحارث وهو محرم، فأقام بمكة ثلاثا، فاته حويط بن عبد العزي، في نفر من قريش في اليوم الثالث فقالوا: قد انقضي أجلكم فاخرج عنا. قال ﵇: " وما عليكم لو تركتموني فعرست بين أظهركم فصنعنا طعاما فحضرتموه، فقالوا: لا حاجة لنا غلي طعامكم فاخرج عنا، فخرج نبي الله ﵇، وخرجت ميمونة ﵂ حتي عرس بها بسرف" كذا في شرح الآثار.
стр. 1283
(ولكنهم لا يسلمون هذا إلا في الأفراد) يعني انهم يساعدوننا فيما قلنا إذا كان عبدا واحدا وفي مقابلته حرا واحدا حيث لا يرجحون رواية الحر الواحد علي رواية العبد الواحد كما هو قلنا.
فأما في العدد فيخالفونا حيث يرجحون رواية الرجلين علي رواية المرأتين، وكذلك يرجحون خبر الحرين علي خبر العبدين.
قال الإمام شمس الأئمة ﵀ هذا النوع من الترجيح قول محمد ﵀ -خاصة أبي ذلك أبو حنيفة وأبو يوسف - رحمهما الله - والصحيح ما قالا، فإن كثرة العدد لا تكون دليل قوة الحجة.
قال الله تعالى ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ وقال: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾، ثم السلف من الصحابة وغيرهم لم يرجحوا
стр. 1284
بكثرة العدد في باب العمل بأخبار الآحاد، فالقول به يكون قولا بخلاف إجماعهم، ولما اتفقنا ان خبر الواحد موجب للعمل كخبر المثني فيتحقق التعارض بين الخبرين بناء علي هذا الإجماع، ولا يؤخذ حكم رواية الأخبار من حكم الشهادات.
ألا تري أن في رواية الأخبار يقع التعارض بين خبر المرأة وخبر الرجل، وخبر المحدود في القذف بعد التوبة وبين خبر غير المحدود، وبين خبر المثني وخبر الأربعة ما لا يثبت بشهادة الاثنين وهو الزني (١). وفي " فتاوي قاضي خان " فإن كان المزكي إثنين فعدلهم أحدهما وجرحهم الأخر.
قال أبو حنيفة وأبو يوسف - رحمهما الله- الجرح الأول؛ لأنه اعتمد علي دليل غير ظاهر الحال، فكان الجرح أولي كما لو عدله اثنان وجرحه اثنان كان الجرح أولي في قولهم.
وقال محمد ﵀: إذا عدلهم واحد وجرحهم آخر فاقاضي يتوقف ولا يقضي بشهادتهم، ولا يرد بل ينتظر إن جرحهم آخر يثبت الجرح، وإن لم يجرحهم آخر بل عدلهم آخر تثبت العدالة (٢).
стр. 1285
(وهذه الحجج بجملتها) إشارة إلي أقسام الكتاب من الخاص والعام إلي آخرها، وأقسام السنة من المتواتر والمشهور والاحاد وغيرها، والله اعلم.
стр. 1286
باب البيان
ذكر في الكتاب في الباب الذي يلي هذا الباب حد البيان: ما يظهر به ابتداء وجوده، أي ابتداء وجود الكلام.
(وقد يستعمل هذا) أي لفظ البيان (مجازا وغير مجاوز) أي متعديا وغير متعد، فمعني غير المتعدي فيما إذا كان البيان مصدر الثلاثي من بان
стр. 1287
يبين: ظهر
وأما إذا كان هو مصدر بين من باب التفعيل كالكلام والسلام والصلاة فيجيء فيه غير متعد أيضا.
قال في "الصحاح ": والتبين أيضا الوضوح، وفي المثل: قد تبين الصبح لذي عينين اي قد وضح وظهر.
(والمراد به في هذا الباب عندنا) أي عند أصحاب أصول الفقه. هكذا كان بخط شيخي- ﵀
" غن من البيان لسحرا" أي كما ان بالسحر تستمال القلوب فكذا بالبيان الفصيح واللسان البليغ تستمال القلوب، أو كما أن للسحر إراءة الباطل في لباس الحق فكذا في البيان البليغ إراءة المعني الذي هو غير متين، فكان فيهما إراءة لغير الدليل دليلا.
(وقوله: فهي خمسة أقسام) اتفق الشيخان في كون البيان خمسة
стр. 1288
واتفقا أيضاً في التسمية بهذه الأسامي، إلا أن الغمام فخر الإسلام ﵀ لما جعل الاستثناء والتعليق كليهما من قبيل بيان التغيير انتقص مسمي بيان التبديل فجعل النسخ مسمي بيان بيان التبديل فتم البيان خمسة.
والإمام شمس الأئمه ﵀ جعل بيان التغيير الاستثناء، وبيان التبديل التعليق، فازداد اسما البيان، واخرج النسخ من كونه بيانا لانعدام حد البيان فيه فقال: حد البيان غير حد النسخ؛ لأن البيان: إظهار حكم الحادثة عند وجوده ابتداء، والنسخ رفع للحكم بعد الثبوت، فلم يكن بيانا.
(لأن اسم الجمع كان عاما يحتمل الخصوص) كما في قوله ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ﴾ أي جبريل ومثله ﴿وَلا
طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ أي كان قوله ﴿وَلا طَائِرٍ﴾ حقيقة في حق الطائر الحقيقي إلا انه يحتمل أن يراد به غير الطائر الحقيقي بطريق المجاز؛ لانه يقال لمن يخف في مشيه ويسرع في أمره كأنه طائر، ويقال: فلان يطير بهمته، فكان
стр. 1289
قوله ﴿يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ قطعا لذلك المجازالذي يراد بالطيران السرع، وكذلك تأكيد القلوب بكونها في الصدور في قوله تعالى ﴿وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾. أيضا بيان تقرير.
وقوله: (أنت طالق)، (وقال عنيت به الطلاق من النكاح)، وهو يحتمل الطلاق عن القيد الحسي، فإذا قال من النكاح قرر موجب الكلام.
(وقال عنيت به العتق عن الرق) فغن التحرير يحتمل من غير الرق وهو التخلية عن غيره، ولأن الحر يستعمل في معني الكريم. يقال رجل حر أي رجل كريم فلما قال: من الرق كان مقررا لكون مراده من الحرية الحرية عن الرق.
(ولما قلنا أنه مقرر) أي لا مغير، وإنما يشترط الوصل في بيان التغيير، ولأن هذا البيان لو لم يلحقه لكان الذي قرره هذا المراد، فلذلك كان لحوق هذا البيان في أي وقت كان جائزا؛ لأن وجوده وعدمه بمنزله في تحقيق المراد،
стр. 1290
فيجوز لحوق هذا البيان في أي وقت كان
(فبيان المجمل والمشترك): أما بيان المجمل فيحتمل التراخي لما فيه من تقرير المقصود من الخطاب وهو الابتلاء، فان الابتلاءيوجد في المجمل مرتين، أحدهما: الابتلاء باعتقاد الحقية فيما هو المراد به مع انتظار البيان للعمل به، وبعد البيان الابتلاء بالعمل به، فلذلك حسن بيان تأخير المجمل، وكذلك بيان المشترك يحتمل التراخي أيضا لما قلنا، إلا أن التفاوت بينهما هو أن إدراك بغالب الرأي في المشترك قائم وفي المجمل لا، وهذا التفاوت لا يمنع التراخي في البيان؛ لأن حكم كل واحد منهما في الحال التوقف مع حقية المراد، والمشترك يحتمل البيان من صاحب الشرع أيضا، فحينئذ يصير مفسرا.
(وهذا مذهب واضح لأصحابنا) ﵏ أي للفقهاء، فإن في هذا خلاف بعض المتكلمين، فان علي قول بعض المتكلمين عدم جواز تأخير بيان المجمل والمشترك عن أصل الكلام، لأن العمل بدون البيان غير ممكن،
стр. 1291
والمقصود بالخطاب فهمه والعمل به، وإذا كان ذلك لا يحصل بدون البيان، فلو جوزنا مع ذلك تأخير البيان أدي ذلك إلي تكليف ما ليس في الوسع
стр. 1292
وجواب هذا ما ذكرنا من أن خطاب الشارع مفيد فائدته قبل البيان وهي ابتلاء علي ما ذكرنا وهو مذكور في الكتاب.
(وقد قال علماؤنا فيمن أوصي بهذا الخاتم لفلان وبفصه لفلان غيره) إلى آخره.
стр. 1293
فإن قلت: إيراد الخاتم نظير للعام ليس بمستقيم؛ لأن العام هو: اللفظ الذي ينتظم جمعا من المسميات التي هي متحدة الحدود كالمؤمنين والمسلمين والرجال والنساء، والخاتم ليس له أفراد.
ولو قيل إن الحلقة والفص له أفراد لا يستقيم ذلك أيضا لوجهين:
أحدهما: أن أفراد العام يجب أن يكون أقله ثلاثة، وهذا اثنان لا ثلاثة.
والثاني: أن أفراد العام يجب أن تكون متحدة الحدود كما ذكرنا، والحلقة في الخاتم ليست علي حد الفص وكذلك الفص ليس علي حد الحلقة لتغايرهما في ذاتيهما صورة ومعني فكيف يكونان أفرادا للعام؟
قلت أن هذا الذي ذكره هو نظير للعام من حيث الشمول كما في العام، فإن لفظ الخاتم يتناول الحلقة والفص جميعا كلفظ الشيء ولفظ الإنسان، فإن كلا منهما عام وأفرادهما في التحقيق مخالف بعضها لبعض في الحد والحقيقة.
ألا تري أن حد الجوهر غير حد العرض، وكذلك حد حيوان علي خلاف حد الجماد، واسم الشيء يتناولهما بطريق العموم، وكذلك حد الرجل علي خلاف حد المرأة والصبي، واسم الإنسان يتناولهم بطريق العموم.
стр. 1294
فعلم بهذا أن المعنى الأصلي في العام هو معني الشمول والتناول لا اتحاد أفراد من حيث الحد والحقيقة.
أو نقول: أورد الخاتم نظيرا للعام لا أن يكون عين العام لمشاركته في معني الشمول كالعام.
ألا تري أن مشايخنا ﵏ أوردوا الواحد بعد العشرة نظير صفات الله تعالى مع ذاته من حيث إن كلا منهما لا هو ولا غيره مع أن ذات الله تعالى وصفاته متعالية عن النظير إذ ليس كمثله شيء، ولأن الواحد إن لم يكن عين العشرة ولا غيرها لكن هو جزء منها فليست صفة الله تعالى بجزء من ذاته فلا يكون نظيرا لصفاته، ولكن لما وجدوه نظيرا فيما قصدوا إليه جعلوه نظيرا لها لزيادة تفهيم المتعلمين، فكذا هنا لما وجدوا الخاتم متناولا للحلقة والفص كالعام فإنه متناول لأفراد جعلوه نطيرا له.
وقال الشافعي ﵀: يجوز متصلا ومتراخيا، وهذا الخلاف بناء علي دليل الخصوص بيان تغيير أم لا؟ وهذا الخلاف أيضا مبني علي أن العام قبل الخصوص هل يوجب الحكم قطعا أم لا؟
(ولو احتمل الخصوص متراخيا لما أوجب الحكم قطعا) إذ بالخصوص يتبين أن المخصوص لم يدخل تحت العام من الابتداء، فيلزم أن يلزمنا اعتقاد
стр. 1295
أنه موجبٌ قطعاً في جميع أفراده وغير موجب في الجميع وهذا تناقض، فلا يجوز القول بالتراخي.
وقال الإمام شمس الأئمة ﵀:إن الخصم يوافقنا في القول بالعموم، وقد أوضحنا ذلك بالدليل، ثم من ضرورة القول بالعموم لزوم اعتقاد العموم فيه، والقول بجواز تأخير دليل الخصوص يؤدي إلي أن يقال يلزمنا اعتقاد الشيء علي خلاف ما هو عليه، وهذا في غاية الفساد.
(بل ما كان بيانا محضا صح القول فيه بالتراخي)، وهو بيان المجمل والمشترك، وما كان بيان التغيير لا يصح فيه التراخي، وما كان بيان التقرير صح القول فيه بالتراخي. هذه الوجوه كلها بالإجماع، فإختلفنا في دليل الخصوص وجعلناه من قبيل بيان التغيير فإشترطنا الوصل، والشافعي جعله من قبيل بيان التقرير؛ لأن بعد التخصيص بقاء موجب العام كما كان قبل التخصيص عنده فلم يتغير حكم العام بالتخصيص من القطع غلي الاحتمال فصح القول بالتراخي.
стр. 1296
وليس هذا باختلاف في حكم البيان، أي اختلافنا مع الشافعي في جواز تأخير تخصيص العام وعدم جوازه ليس بسبب اختلاف بيننا وبينه في حكم البيان، بل الاجماع منعقد بيننا وبينه في أن البيان الحقيقي وهو بيان المجمل والمشترك يجوز فيه التراخي.
وأما تخصيص العام فهو عندنا من قبيل بيان التغيير، فلذلك لا يجوز تأخيره، وعنده من قبيل بيان التقرير فيجوز.
(وما ليس ببيان خالص لكنه تغيير أو تبديل لم يحتمل القول بالتراخي) أراد بالتغيير الاستثناء، وبالتبديل الشرط، وهذه التسمية هنا وقعت علي موافقة تسمية الإمام شمس الأئمة السرخسي ﵀.
وأما عند المصنف ﵀ فالشرط والاستثناء كلاهما من قبيل بيان التغيير دون التبديل، فإن بيان التبديل عنده النسخ والتراخي فيه لازم، فلم يصح قوله:" لم يحتمل القول بالتراخي" في حق النسخ.
(ألا تري أنه يبقي علي أصله في الايجاب) يعني أن العام بأصله يحتمل
стр. 1297
التخصيص، فورود الخصوص يقرر ما احتمله العام قبل التخصيص فبقي العام بعد التخصيص علي ما كان قبل التخصيص، فكان هذا علامة كون البيان للتقرير فلم يكن هذا في الحقيقة باختلاف في البيان المحض؛ لأن في البيان المحض وهو بيان المجمل والمشترك جواز البيان بالتراخي.
(وهذا عندنا يقيد المطلق وزيادة علي النص فكان نسخا)، والنسخ لا يجوز إلا متراخيا. بيان ان قوله ﴿بَقَرَةً﴾ في قوله ﴿أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَة ً﴾ نكرة مطلقة في موضع الإثبات، وعندنا أن النكرة المفردة في موضع الإثبات خاص فلا يحتمل القول بالتخصيص لكن يحتمل بالتقييد؛ لأن الفرد يحتمل الصفة وهي تقييد له، فلذلك قيد بما ذكر الله تعالى في قوله ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيهَا﴾ وهذا زيادة علي مطلق البقرة والتقييد نسخ عندنا، وعند الشافعي المطلق عام وهو يبني الأمر في هذا علي مذهبه وهو أن المطلق عام عنده، فلا يلزمنا ما أورده هنا
стр. 1298
والدليل على أن ذلك كان بطريق النسخ ما ذكره ابن عباس ﵄ بقوله: لو أنهم عمدوا إلي أي بقرة كانت فذبحوها لاجزأت عنهم، ولكنهم شددوا فشدد الله عليهم فدل أن الأمر الأول قد كان تخفيف، وأنه قد إنتسخ ذلك بأمر فيه تشديد عليهم. فعلم بهذا أن الزيادة علي المطلق كانت بمنزلة النسخ.
(إلا أن نوح ﵇ قال) إلي آخره جواب لإشكال مقدر وهو أن يقال: لو لم يكن الأهل متناولا للإبن لما قال نوح ﵇ ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾؟
стр. 1299
قلنا: إنما قال ذلك بناء علي العلم البشري وحسن ظنه به أنه لما رأي الطوفان عسي أن يكون نادما علي فعله ويؤمن بالله عند ذلك.
(ولكنهم كانوا متعنتين فزاد في البيان إعراضا عن تعنتهم) يعني أن القوم كانوا متعنتينيجادلون بالباطل بعد ما تبين لهم، فحين عارضوا بعيسي ﵇ والملائكة علم رسول الله عليه السلامتعنتهم في ذلك، وأنهم يعلمون أن الكلام غير متناول لمن عارضوا به، وقد كانوا أهل اللسان، فأعرض عن جوابهم امتثالا لقوله تعالى ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ ثم بين الله تعالى تعنتهم فيما عارضوا به بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ ومثل هذا يكون ابتلاء كلام، وإن لم يكن محتاجا إليه في حق من لا يتعنت، كما في قوله ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَاتِي
стр. 1300
بِالشَّمْسِ﴾ وكلامنا فيما يكون محتاجا إليه في البيان، فتوقف به علي ما هو المراد.
(أما في هذه الآية - وهي قوله: ﴿إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ فظلمهم كان علة إهلاكهم، ولوط وأهله سوي امرأتهليسوا بظالمين، فلم يكن قوله: ﴿إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ متناولا لهم، فكان ذلك استثناء لهم من حيث المعني، فصار كأنه قال: إن مهلكوا أهل هذه القرية إلا لوطا وأهله سوي امرأته، وهو معني قوله: (وذلك استثناء واضح) أي معني.
وقوله: (غير أن إبراهيم) جواب سؤال يرد علي قوله؛ " لان البيان كان متصلا به" بأن يقال لو كان البيان متصلا به لما اعترض عليه إبراهيم ﵇ بقوله: ﴿إِنَّ فِيهَا لُوطًا﴾، وصرح بذلك السؤال والجواب الإمام شمس
следующие страницы →