Полный текст (2 351 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.
стр. 1296
وليس هذا باختلاف في حكم البيان، أي اختلافنا مع الشافعي في جواز تأخير تخصيص العام وعدم جوازه ليس بسبب اختلاف بيننا وبينه في حكم البيان، بل الاجماع منعقد بيننا وبينه في أن البيان الحقيقي وهو بيان المجمل والمشترك يجوز فيه التراخي.
وأما تخصيص العام فهو عندنا من قبيل بيان التغيير، فلذلك لا يجوز تأخيره، وعنده من قبيل بيان التقرير فيجوز.
(وما ليس ببيان خالص لكنه تغيير أو تبديل لم يحتمل القول بالتراخي) أراد بالتغيير الاستثناء، وبالتبديل الشرط، وهذه التسمية هنا وقعت علي موافقة تسمية الإمام شمس الأئمة السرخسي ﵀.
وأما عند المصنف ﵀ فالشرط والاستثناء كلاهما من قبيل بيان التغيير دون التبديل، فإن بيان التبديل عنده النسخ والتراخي فيه لازم، فلم يصح قوله:" لم يحتمل القول بالتراخي" في حق النسخ.
(ألا تري أنه يبقي علي أصله في الايجاب) يعني أن العام بأصله يحتمل
стр. 1297
التخصيص، فورود الخصوص يقرر ما احتمله العام قبل التخصيص فبقي العام بعد التخصيص علي ما كان قبل التخصيص، فكان هذا علامة كون البيان للتقرير فلم يكن هذا في الحقيقة باختلاف في البيان المحض؛ لأن في البيان المحض وهو بيان المجمل والمشترك جواز البيان بالتراخي.
(وهذا عندنا يقيد المطلق وزيادة علي النص فكان نسخا)، والنسخ لا يجوز إلا متراخيا. بيان ان قوله ﴿بَقَرَةً﴾ في قوله ﴿أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَة ً﴾ نكرة مطلقة في موضع الإثبات، وعندنا أن النكرة المفردة في موضع الإثبات خاص فلا يحتمل القول بالتخصيص لكن يحتمل بالتقييد؛ لأن الفرد يحتمل الصفة وهي تقييد له، فلذلك قيد بما ذكر الله تعالى في قوله ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيهَا﴾ وهذا زيادة علي مطلق البقرة والتقييد نسخ عندنا، وعند الشافعي المطلق عام وهو يبني الأمر في هذا علي مذهبه وهو أن المطلق عام عنده، فلا يلزمنا ما أورده هنا
стр. 1298
والدليل على أن ذلك كان بطريق النسخ ما ذكره ابن عباس ﵄ بقوله: لو أنهم عمدوا إلي أي بقرة كانت فذبحوها لاجزأت عنهم، ولكنهم شددوا فشدد الله عليهم فدل أن الأمر الأول قد كان تخفيف، وأنه قد إنتسخ ذلك بأمر فيه تشديد عليهم. فعلم بهذا أن الزيادة علي المطلق كانت بمنزلة النسخ.
(إلا أن نوح ﵇ قال) إلي آخره جواب لإشكال مقدر وهو أن يقال: لو لم يكن الأهل متناولا للإبن لما قال نوح ﵇ ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾؟
стр. 1299
قلنا: إنما قال ذلك بناء علي العلم البشري وحسن ظنه به أنه لما رأي الطوفان عسي أن يكون نادما علي فعله ويؤمن بالله عند ذلك.
(ولكنهم كانوا متعنتين فزاد في البيان إعراضا عن تعنتهم) يعني أن القوم كانوا متعنتينيجادلون بالباطل بعد ما تبين لهم، فحين عارضوا بعيسي ﵇ والملائكة علم رسول الله عليه السلامتعنتهم في ذلك، وأنهم يعلمون أن الكلام غير متناول لمن عارضوا به، وقد كانوا أهل اللسان، فأعرض عن جوابهم امتثالا لقوله تعالى ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ ثم بين الله تعالى تعنتهم فيما عارضوا به بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ ومثل هذا يكون ابتلاء كلام، وإن لم يكن محتاجا إليه في حق من لا يتعنت، كما في قوله ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَاتِي
стр. 1300
بِالشَّمْسِ﴾ وكلامنا فيما يكون محتاجا إليه في البيان، فتوقف به علي ما هو المراد.
(أما في هذه الآية - وهي قوله: ﴿إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ فظلمهم كان علة إهلاكهم، ولوط وأهله سوي امرأتهليسوا بظالمين، فلم يكن قوله: ﴿إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ متناولا لهم، فكان ذلك استثناء لهم من حيث المعني، فصار كأنه قال: إن مهلكوا أهل هذه القرية إلا لوطا وأهله سوي امرأته، وهو معني قوله: (وذلك استثناء واضح) أي معني.
وقوله: (غير أن إبراهيم) جواب سؤال يرد علي قوله؛ " لان البيان كان متصلا به" بأن يقال لو كان البيان متصلا به لما اعترض عليه إبراهيم ﵇ بقوله: ﴿إِنَّ فِيهَا لُوطًا﴾، وصرح بذلك السؤال والجواب الإمام شمس
стр. 1301
الأئمة ﵀ فقال: فإن قيل: فما معني سؤال إبراهيم عليه السلامالرسل بقوله: ﴿إِنَّ فِيهَا لُوطًا﴾؟
قلنا: فيها معنيان:
أحدهما: ان العذاب النازل قد يخص الظالمينكما كان في قصة أصحاب السبت، وقد يصيب الكل فيكون عذابا في حق الظالمين ابتلاء في المطيعينكما قال تعالى ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ فأراد الخليل ﵇ أن يبين له أن عذاب أهل تلك القرية من أي الطريقين.
والثاني: أنه علم يقينا أن لوط ﵇ ليس من المهلكين معهم، ولكنه خصه في سؤاله ليزداد طمأنينة وليكون فيه زيادة تخصيص للوط، وهو نظير قوله تعالى: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾
وقد كان عالما متيقنا بإحياء الموتي، ولكن سأله لينضم العيان إلي ما كان له من علم اليقين، فيزداد
стр. 1302
به طمأنينة قلبه.
وقوله: (ذلك) إشارة إلي قوله " أراد الإكرام للوط ﵇".
(وهذا عندنا من قبيل بيان المجمل) ـ، وذلك لان النبي ﵇ قسم سهم ذوي القربيواعطي بني هاشم وبني عبد المطلب، فقال جبير بن مطعم وعثمان بن عفان ﵄ يا رسول الله لا ننكر فضل بني هاشم لمكانك الذي وضعك الله فيهم، فما بالنا حرمتنا وأعطيت بني عبد المطلب ونحن وهم في النسبة إليك سواء؟ فقال ﵇: " إنهم لم يفارقوني في الجاهلية والإسلام وهم بني هاشم كشيء واحد. وشبك بين أصابعه"
стр. 1303
وهذا من رسول الله ﵇ بيان ان المراد بالقربي (قربي النصر لا قرب النسب) ولا قربي يحتملهما، فكان الحديث بيانا للمجمل لا تخصيصا، وبيان المجمل يجوز فيه التراخي.
وذكر أصل هذا الحديث في الباب الأول من سير "المبسوط "فقال:
إن أصل النسب وهو عبد مناف كان له أربعة بنين: هاشم والمطلب ونوفل وعبد شمس، ورسول الله ﵇ كان من أولاد هاشم بن عبد مناف، وكان بنو هاشم أولاد جده وجبير بن مطعم كان من بني نوفل، وعثمان بن عفان ﵁ كان من بني عبد شمس، وولد جد الإنسان أقرب إليه من ولد أخي جده، وهذا معني قولهما:"لا ننكر فضل بني هاشم".
فأما بنو نوفل وبنو عبد شمس كانو مع بني عبد المطلب في القرابة أسوة.
وقيل: بنو نوفل وبنو عبد شمس فكانو أقرب إليه من بني عبد المطلب؛ لأن نوفل وعبد شمس كانا أخويهاشم لأب وأم، والمطلب كان أخا هاشم لأبيه لا لأمه، ووالاخ لأب وأم أقرب إلي المرء من أخ لأب، ثم أعطي رسول الله ﵇ بني عبد المطلب ولم يعط بني نوفل وبني عبد شمس، فأشكل ذلك عليهما، فلهذا سألاه، فأزال رسول الله ﵇ إشكالهما ببيان علة
стр. 1304
الاستحقاق أنها النصرة لا القرابة، ولم يرد به نصرة القتال، فقد كانت هي موجودة في عثمان وجبير بن مطعم ﵄ وإنما أراد نصرة الإجتماع للنبي ﵇ للمؤانسة في حال ما هجره الناس إلي آخره.
(وإجماله أن القربي يتناول غير النسب) من القرب بالنصرة ومن القرب بالموافقة ومن القرب بإعطاء المال (ويتناول وجوبها من النسب مختلفة) وهي القرابة القريبة والقرابة البعيدة والقرابة المتوسطة.
стр. 1305
باب بيان التغيير
فقولنا:"بيان التغيير" معناه: بيان هو تغيير كما يقال: علم الفقه وعلم الطب، وهو ما تغير من موجب الكلام الذي ذكر، أو لأنما ذكر في آخره من الشرط والاستثناء.
(وعلي هذا إجماع الفقهاء) خلافا لإبن عباس ﵄ -في الاستثناء، فإنه جوز الاستثناء متراخيا.
стр. 1306
وحكاية أبي حنيفة ﵁ مع أبي جعفر الدوانيقي معروفة، وهي أنه كان خليفة فاستقبله أبو حنيفة ﵁ يوما وأخذه أبو جعفر بتكنيته وقال: أنت الذي خالفت جدي! فقال أبو حنيفه - رحمة الله عليه -: أتناظرني أم تقاتلني؟ فقال أناظرك، فقال له أبو حنيفه - رحمة الله عليه -لو صح الاستثناء متراخيا بارك الله في بيعتك، يعني لو استثنوا بعد البيعة كيف تبقي بيعتك صحيحة! فسكت فأرسله.
стр. 1307
(فصار الشرط مغيرا له من هذا الوجه)؛ لأن موجب صدر الكلام التنجيز فغير الشرط هذا الموجب.
(فاما التغيير بعد الوجود فنسخ وليس ببيان)؛ لأن النسخ: رفع للحكم الأول وإثبات للحكم الثاني فلا يكون بيانا، إلا أن هذا القول وقع مخالفا لما ذكر من قبل هذا بأن النسخ هو بيان التبديل فقال: في باب النسخ وهو في حق صاحب الشرع بيان محض لمدة الحكم المطلقالذي كان معلوما عند الله تعالى.
قلنا: تأويل هذا هو كون النسخ بيانا في حق صاحب الشرع؛ لأن حد البيان موجود في حقه وهو من ابتداء وجود الكلام، فكان في النسخ في حق الله تعالى إظهار ابتداء وجود الكلام المطلق في أن شرعية الحكم الثابت به إلي هذا الوقت؛ لانه عند الشرع المنسوخ كان الله تعالى عالما ببقاء شرعيته
стр. 1308
إلى وقت مقدر، فلما نسخه كان ذلك بيانا لما كان علمه قبل ورود النسخ.
وأما قوله ها هنا: "فاما التغيير بعد الوجود فنسخ وليس ببيان" أي في حق العباد؛ لأن العباد كانوا لا يعلمون قبل ورود الناسخ انتهاء شرعية المنسوخ، فلا يكون النسخ بيانا لما يظهر من ابتداء وجود الكلام، بل يكون رفعا لشرعية المنسوخ بعد وجودها فلا يكون بيانا.
(ولما كان التعليق بالشرط لابتداء وقوعه غير موجب) يعني أن المعلق بالشرط يظهر كونه عند وقوع الشرط وهو في الحال غير موجب بل ينقلب موجبا عند وجود الشرط.
(ألا تري أن التعلق بالشرط والاستثناء لو صح كل واحد منهما متراخيا كان ناسخا)؛ لأن قوله: أنت طالق إذا تعري عن الشرط يقع الطلاق بالإتفاق، فلو صح الشرط بعد ذلك لكان رفعا للحكم الثابت
стр. 1309
كالنسخ، فإن النص الموجب لحكم لما أثبت الحكم الثابت بالنص المعارض بعد زمان كان نسخا لذلك الحكم، وكذلك قوله: ألف درهم إذا لم يقترن الاستثناء ثبت موجبه، فلو صح متراخيا كان رفعا للحكم الثابت بالألف كما قلنا في التعليق بالشرط.
(ولكنه إذا اتصل منع بعض التكلم لا إنه رفع بعد الوجود، فكان بيانا) من حيث إن المراد بالألف بعضه لا كله فسمي بيان التغيير؛ لأنه وجد فيه معني كل واحد منهما.
(ومنزله الإستثناء مثل منزلة التعليق بالشرط) أي في كونهما جميعا بيان التغيير، فكانا من بيان التغيير دون التبديل، هذا علي خلاف ما اختاره الإمام شمس الأئمة ﵀ فإن بيان التغيير عنده الاستثناء لا غير.
وأما بيان التبدييل عنده فالتعليق بالشرط وعند المصنف بيان التبديل هو النسخ، فالاستثناء والتعليق عند المصنف من بيان التغيير.
стр. 1310
(في كيفية عمل كل واحد منهما، فقال: الاستثناء يمنع التكلم بحكمه) أي مع حكمه، يعني أن الاستثناء يمنع الموجب مع موجبه وهو الحكم عند الشافعي يمنع الموجب.
واما الموجب وهو المستثني منه بمجموعه فثابت ولكن امتنع بعض حكمه بمعارضة الاستثناء.
(وقال الشافعي- ﵀ إن الاستثناء يمنع الحكم بطريق المعارضة)؛
стр. 1311
لأن صدر الكلام وقع موجبا متناولا لقدر المستثني، إلا إن حكمه لا يثبت بالاستثناء كما هو الأصل في وقوع المعارضة بين الدليلين، وكذلك التعليق بالشرط عنده يمنع حكم العلة عند الثبوت لاأنه يمنع انعقاد العلة بل وقع عله إلا أن الحكم لا يثبت بالتعليق.
(بمنزلة دليل الخصوص) يعني أن دليل الخصوص يعارض النص العام بصيغته في مقدار المخصوص؛ لانه نص مستبد كالنص العام فكان عمله في المعارضة لهذا.
(وقد دل علي هذا الأصل مسائلهم) أي مسائل أصحابنا والشافعي ﵏
وقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ إلي آخرهفمعناه في تخريج الشافعي إلا الذين تابوا (فاقبلوا شهادتهم وأولئك هم الصالحون غير فاسقين)؛ لأن الاستثناء عنده بطريق المعارضة، فصدر الكلام يوجب رد الشهادة أبدا والاستثناء يعارضه في حالة واحدة وهي حالة التوبة، ورد الشهادة مما يحتمل
стр. 1312
التوقيت فإنه مؤقت بحالة الفسق، وبعد زوال الفسقبالتوبة كان الحكم بخلافه، وعنده رد الشهادة حكم الفسق، لأن رد الشهادة بالقذف كرد الشهادة بفسق آخرفينتهي بالتوبة.
فأما الجلد فحد يتعلق في حق العبد عنده علي سبيل التغليب ولهذا يورث ويجري فيه العفو فلا تظهر فيه التوبة.
(لأن الاستثناء عارضة في المكيل خاصة) فبقي ما وراء المكيل تحت العام وهو المجازفة والمفاضلة.
(وخصوص دليل المعارضة لا يتعدي مثل دليل الخصوم في العام) يعني أن دليل المعارضة خاص وهو قوله"إلا سواء بسواء" وقع معارضا لصدر الكلام في حالة المساواة فلا يتعدي؛ إذ لو تعدي لصار عاما، وهو خاص كما أن دليل الخصوص لا يتعدي عن المخصوص نصا إلا بطريق التعليل، ولكن الفرق بينهما أن دليل المعارضة لا يتعدي إلي غير ما عارضه إلا بنفسه ولا بطريق التعليل، لأن التعليل فرع النص، فلو عللنا النص المعارض للتعدية يلزم أن يكون التعليل معارضا للنص الذي عارضه النص المعارض كالنص المعارض وهو لا يصح كما ذكرنا في عدم تعليل الناسخ.
стр. 1313
فأما دليل التخصيص وإن كان فيه شبهة المعارضة باعتبار شبهه الناسخ وهو للبيان في نفسه لوجود حد البيان فيه وهو: أن يظهر به ابتداء وجود الكلام، فكان قابلا للتعليل.
وحاصله أن دليل المعارضة وهو قوله "إلا سواء بسواء" لا يتعدي حتي لا يجوز بيع الحفنة بالحفنتين عند الخصم مثل دليل الخصوص في العام، فإن دليل الخصوص فيه نص خاص قطعي لا يتعدي إلي ما وراء المخصوص إلا بالتعليل، ولهذا لم يثبت الحكم فيما وراءه قطعا بل بغالب الرأي بالقياس.
وكذلك تخريجه في (قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾) أنه بطريق المعارضة، معناه أن صدر الكلام وهو قوله ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ يتناول جميع الأحوال، فحال العفو من المرأة صار معارضا فلا يتعدي إلي حال لا يصح العفو منهاإذا كانت صغيرة أو مجنونة.
قال الإمام شمس الأئمة ﵀ وقال أي الشافعي في قوله: "لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا سواء بسواء": إن المراد: لكن إن جعلتموه سواء بسواء فبيعوا أحدهما بالآخر، حتي أثبت بالحديث حكمين: حكم الحرمة لمطلق الطعام بالطعام فأثبته في القليل والكثير، وحكم الحل بوجود المساواة كما هو موجب في الاستثناء، فيختص بالكثير الذي يقبل المساواة، وهو نظير
стр. 1314
قوله تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ في أن الثابت به حكمان: حكم تنصف به المفروض بالطلاق، فيكون عاما فيمن يصح منه العفو ومن لا يصح نحو الصغيرة والمجنونة، وحكم سقوط الكل بالعفو كما هو موجب الاستثناء، فيختص بالكبيرة العاقلة التي يصح منها العفو ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ أي وإن يتفضل الزوج فيعطي الكل صلة لها وإحسانا إليها، أي الواجب شرعا هو النصف إلا ان تسقط هي الكل أو يعطي هو الكل وإنما كان الزوج هو الذي بيده عقدة النكاح؛ لأن الطلاق بيده فكان إبقاء العقد بيده.
وقوله: (يسقط من الألف قدر قيمته) وعندنا لا يسقط من الألف شيء؛ لأن هذا ليس باستثناء حقيقة، فلو كان تكلمنا بالباقي لكان نفيا لغيره لا إثباتا له، فمعني نفي الغير من غير إثبات له قاصدا بالفارسية جز خداي خداي نيست (٣)
стр. 1315
وهذا تكلم بالباقي لا غير، وأما لو كان بطريق المعارضة فكان معناه: خداي نيست مكريك خدايست، وهذا كما ترى نفي للألوهية عن غيره وإثبات إياها له، فكان هذا أولى باعتبار أن هذا كلمة التوحيد.
(فامتناع الحكم مع قيام التكلم سائغ) كما في البيع بشرط الخيار والطلاق الرجعي، فإن وضع الطلاق لرفع النكاح وذلك لا يوجد في الطلاق الرجعي قبل انقضاء العدة.
(فقوله تعالى: (فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَامًا)) فإن دليل المعارضة في الحكم إنما يتحقق في الإيجاب دون الخبر؛ لأن ذلك يوهم الكذب باعتبار صدر الكلام، ومع بقاء أصل الكلام للحكم لا يتصور امتناع الحكم فيه بمانع، فلو كان الطريق ماقاله الخصم لاختص الاستثناء بالإيجاب
стр. 1316
كدليل الخصوص، والدليل على صحة ماقاله علماؤنا ﵏ هذه الآية أيضًا، فإن معناه: لبث فيهم تسعمائة وخمسين عامًا؛ لأن الألف اسم لعدد معلوم ليس احتمال مادونه بوحه، فلو لم يحعل أصل الكلام هكذا لم يمكن تصحيح ذكر الألف بوحه؛ لأن اسم الألف لا ينطلق على تسعمائة وخمسين أصلًا.
وإذا قال الرجل: لفلان علي ألف درهم إلا مائة فإنه يجعل كأنه قال: له علي تسعمائة، فإن مع بقاء صدر الكلام على حاله وهو الألف لا يمكن إيجاب تسعمائة عليه ابتداء؛ لأن القدر الذي يجب هو حكم صدر الكلام، وإذا لم يكن في صدر الكلام احتمال هذا المقدار لا يمكن إيجابه حقيقة، فعرفنا به أنه يصير صدر الكلام عبارة عما وراء المستثنى وهو تسعمائة، وكان لهذا العدد عبارتان:
الأقصر: وهو تسعمائة، والأطوال: وهو الألف إلا مائة، وهذا معنى قول أهل اللغة: إن الاستثناء استخراج بعض الكلام على أن يجعل الكلام عبارة عما وراء المستثنى.
وقوله: (فبقاء التكلم بحكمة في الخبر لا يقبل الامتناع بمانع) جواب
стр. 1317
عن قوله: «فامتناع الحكم مع قيام التكلم سائغ» وسقوط الحكم بطريق المعارضة في الإيجاب يكون لا في الإخبار؛ لأن الإيجاب إثباب شيء، فإذا عارضه شيء آخر لم يثبت.
فأما الإخبار فلفظ دال على أمر كان أو يكون وهو لا يصلح بدونك ذلك؛ لأنه لو لم يكن كائنًا يلزم منه الكذب فلا يمكن امتناع المخبر به بالمعارضة؛ لأنه كائن قبل ثبوت المعارضة فيستحيل امتناعه، ولما بقي جميع ماتكلم بحكمه في صدر الكلام لم يقبل الامتناع بمانع فبطل القول بالمعارضة فصح ماذكرنا.
(وإثبات ونفي بإشارته) يعني لو كان صدرالكلام نفيًا كان الإثبات في المستثنى بطريق الإشارة كما في كلمة التوحيد، ولو كان صدر الكلام إثباتًا كان النفي في المستثنى بطريق الإشارة كما في قوله: لفلان علي ألف درهم إلا مائة وإنما لم يعكس؛ لأن الإثبات أو النفي في المستثنى غير مذكور قصدا، لكن لما كان حكم المستثنى على خلاف حكم المستثنى منه بحسب وضع صيغة الكلام فيه لزم ذلك ضرورة الاستثناء لغة.
(أن ما يمنع الحكم بطريق المعارضة يستوي فيه البعض والكل) ولم يستو هاهنا؛ لأن استثناء الكل من الكل لايجوز، ولو كان بطريق المعارضة لجاز.
стр. 1318
(والاستثناء قط لا يستقل بنفسه)
فإن قيل: هذا على أصلكم.
وأما على أصل الشافعي فأنه لما كان الاستثناء على وجه المعارضة كان مستقلًا بنفسه على ما ذكر قبله بقوله: «إلا مائة فإنها ليست علي» قلنا: هذا أيضا لا يستقل بنفسه بدون الأول.
ألا ترى أنه لو قال: إلا مائة فإنها ليست علي بدون سابقة المستثنى منه لا يكون مفيدًا، فلذلك صح قولنا على الإطلاق والاستثناء قط لا يستقل بنفسه.
(وذلك لا يصلح) أي وذلك البعض الذي هو ما وراء المستثنى لا يصلح حكمًا لكل التكلم بصدوره، ثم أوضح هذا القول بقوله:
стр. 1319
(ألا ترى أن الألف اسم علم له لايقع على غيره) يعني أن كل التكلم بصدره اسم الألف في قوله: لفلان علي ألف إلا مائة فلا يصلح ما دون الألف الذي بقي بعد الاستثناء وهو تسعمائة حكمًا للألف، فلو كان إخراج المائة من الألف بطريق المعارضة لبقي اسم الألف صالحا حقيقة لإطلاقه على ما وراء المستثنى وهو تسعمائة كما في دليل الخصوص، فإنه لما ثبت حكمه بطريق المعارضة للعام بقي اسم العام صالحًا حقيقة لإطلاقه على ما وراء المخصوص من العام، فإن اسم المشركين في قوله تعالى: (فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ) بقي صالحًا لإطلاقه حقيقة على ما وراء الدمي والمستأمن من المشركين لثبوته بطريق المعارضة.
والمعنى في ذلك وهو أنا إنما اشترطنا صلاحية إطلاق اسم كل صدر الكلام على ما وراء المستثنى الذي وجب على المقر في قوله: لفلان علي ألف إلا مائة؛ لأن القدر الذي يجب هو حكم صدر الكلام، وإذا لم يكن في صدر الكلام احتمال هذا المقدار لا يمكن إيجابه حقيقة، فعرفنا به أنه يصير صدر الكلام عبارة عما وراء المستثنى وهو تسعمائة.
стр. 1320
(وإذا كان الوجود غاية للأول أو العدم غاية لم يكن بد إثبات الغاية لتناهي الأول)، ثم انعدام الحكم بعد الغاية لعدم الدليل المثبت لا لمانع بعد وجود المثبت فكذلك انعدام الحكم في المستثنى لعدم الدليل الموجب لا لمعارض مانع.
(ولذلك اختير في التوحيد لا إله إلا الله ليكون الإثبات إشارة والنفي قصدًا) إلى آخره، وهذا لأن الإيمان عند المحققين من المتكلمين هو التصديق بالقلب فقط، والبيان باللسان شرط إجراء الأحكام في الدنيا، وعند
стр. 1321
الفقهاء: الإقرار باللسان وإن كان ركنًا لكنه زائد؛ لأنه إذا لم يتمكن من البيان ولم يصادف وقتًا يقدر فيه على البيان وصدق بالقلب فهو مؤمن بلإجماع إذا لم يكن ذلك الوقت وقت البأس فكان التصديق كل الإيمان أو أصلًا فيه، (فاختير في البيان الإشارة)؛ لأن الإشارة غير مقصودة والإقرار أيضًا غير مقصود، فاختير ماليس بمقصود لما ليس بمقصود.
فإن قيل: إن النفي باللسان أيضًا غير مقصود؛ لأن التصديق هو الأصل، والتصديق هو نفي الألوهية عن غير الله وإثبات الألوهية لله تعالى وهو الأصل في القلب، فكيف يصح قوله في الكتاب: «ليكون النفي قصدًا والإثبات إشارة» مع أن النفي على ماقررنا باللسان أيضًا غير مقصود؟
قلنا: الأمر كذلك إلا أنه يقصد النفي في الكلام بالبيان لدفع خصومة الخصم؛ لأن من الناس من يثبت الألوهية لغير الله فمست الحاجة إلى النفي قصدًا دفعًا لقول الخصم.
стр. 1322
فأما إثبات الألوهية لله تعالى فلا نزاع، فيه قال الله تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ)، فاختير في الإثبات الإشارة فلذلك ابتدأ في كلمة التوحيد بنفي الأغيار عن شركة الألوهية ليقع النفي مقصودًا، فلما انتفت الألوهية عن غير الله قصدًا ثبتت الألوهية لله تعالى لغة وإشارة؛ لأنه لا بد للعالم الحادث من محدث أحدثه، ومن خالق خلقه وهو الله تعالى.
وإلى هذا أشار الإمام المحقق شمس الأئمة-﵀ في تقريره فقال: وأما قول أهل اللغة: الاستثناء من النفي إثبات فإطلاق ذلك باعتبار نوع من المجاز، فإنهم كما قالوا هذا فقد قالوا إنه استخراج وإنه عبارة عما وراء المستثنى ولا بد من الجمع لبن الكلمتين ولا طرق للجمع سوى مابينا، وهو أنه باعتبار حقيقته في أصل الوضع عبارة عن عما وراء المستثنى، وهو نفي من الإثبات وإثبات من النفي باعتبار إشارته على معنى أن حكم الإثبات يتوقف به كما يتوقف بالغاية، فلإذا لم يبق بعده ظهر النفي لانعدام علة الإثبات فسمي نفيًا مجازًا.
ثم قال: فإن قيل هذا فاسدًا؛ لأن قول القائل: لا عالم إلا زيد يفهم منه الإخبار بأن زيدًا عالم، وكذلك كلمة الشهادة تكون إقرارًا بالتوحيد حقيقة، كيف
стр. 1323
يستقيم حمل ذلك على نوع من المجاز؟
قلنا: قول القائل لا عالم نفي لوصف العلم، وقوله: إلا زيد توقيت للوصف به ومقتضى التوقيت انعدام ذلك الوصف بعد الوقت، فمقتضى كلامه هنا نفي صفة العلم لغير زيد، ثم ثبت به العلم لزيد بإشارة كلامه لا بنص كلامه كما أن نفي النهار يتوقت إلى طلوع الفجر، فبوجوده يثبت ما هو ضده وهو صفة النهار ونفي السكون مؤقت بالحركة، فبعد انعدام الحركة يثبت السكون. يقرره أن الآدمي لا يخلو من أحد الوصفين، إما العلم وإما نفي العلم عنه، فلما توقت النفي فى صفة كلامه بزيد ثبت صفة العلم فيه لانعدام ضده، وفي كلمة الشهادة كذلك نقول: فإن كلامه نفي الألوهية عن غير الله ثم يثبت التوحيد بطريق الإشارة إليه.
(وتفسيره ما ذكرنا) وهو قوله: إن الاستثناء استخراج وتكلم بالباقي بعد الثنيا.
وقوله: (مجازًا) بدل من قوله: «مبتدأ» يعني أن إطلاق اسم الاستثناء على المنقطع بطريق المجاز.
стр. 1324
قال الله تعالى: (فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ) وقبله قال: (قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ الأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ) أي كل ما عبدتموه أنتم وعبده آباؤكم الأقدمون وهم الذين ماتوا في سالف الدهر، والأقدم تفضيل القديم وهم الأجداد وآباء الأجداد، فإني أعاديهم أي أجتنب عبادتهم وتعظيمهم إلا رب العالمين فأني أعبده وأعظمه لا أعبد غيره.
وقال الضحاك (إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ): أي إني بريء من الآلهة التي
стр. 1325
تعبدون كلها إلا رب العالمين فإني لا أتبرأ منه.
وقيل: هو استثناء منقطع بمعنى لكن.
وقيل: بل هو استثناء متصل، وقد كان في آبائهم من يعبد الله ويعبدون الأصنام على الشركة فتبرأ من كل مايعبدونه، واستثنى رب العالمين مما يعبدونه فصح الاستثناء. كذا في «التيسير».
(وكذلك (لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَاثِيمًا (٢٥) إِلاَّ قِيلًا سَلامًا سَلامًا)).
قال في «الكشاف»: أي إن كان تسليم بعضهم على بعض أو تسليم الملائكة عليهم لغوًا فلا يسمعون لغوا إلا ذلك، فهو من وادي قولهم:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب
أو لا يسمعون فيها إلا قولًا يسلمون فيه من العيب والنقيصة على الاستثناء
стр. 1326
المنقطع، أو لأن معنى السلام هو الدعاء بالسلامة، ودار السلام هي دار السلامة وأهلها عن الدعاء بالسلامة أغنياء، فكان ظاهره من باب اللغو وفضول الحديث لولا ما فيه من فائدة الإكرام.
وقوله تعالى: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا) استثناء منقطع، هذا جواب عما تمسك به الشافعي- ﵀ في أن الاستثناء يمنع الحكم بطريق المعارضة.
قلنا: كلامنا معك في الاستثناء الحقيقي وهو المتصل من الاستثناء لا المنقطع منه وهذا منقطع؛ لأن التائبين غير داخلين في صدر الكلام، فلا يرد علينا نقضًا، ونحن نسلم أن صورة المعارضة ثابتة في الاستثناء المنقطع؛ لأن ذلك ليس من جنس الأول حتى يستقيم فيه التكلم بالباقي بعد الثنيا، فتعذر حمل اللفظ على حقيقة الاستثناء ولئن كان محمولًا على حقيقة الاستثناء فهو استثناء بعض الأحوال، أي فأولئك هم الفاسقون في جميع الأحوال إلا
стр. 1327
أن يتوبوا، فيكون هذا الاستثناء توقيت الحال ما قبل التوبة، فلا تبقى صفة الفسق بعد التوبة لانعدام الدليل الموجب لا لمعارض مانع كما توهمت أنت.
(وكذلك قوله تعالى: (إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ) إذا حمل صدر الكلام على الأحوال يكون حقيقة، فكأنه قال: فالنصف ثابت في جميع الأحوال إلا حال عفو المرأة التي هي صالحة للعفو وهي العاقلة البالغة فحينئذ النصف أيضًا غير ثابت فصح التكلم فيه بالباقي بعد الثنيا بالنظر إلى عموم الأحوال.
(وكذلك قوله: "إلا سواء بسواء" استثناء حال بأن المساواة حال، والأصل أن يثبت المستثنى منه على وفق المستثنى إذا لم يكن المستثنى منه على وفق المستثنى في النفي، وعلى هذا مسائل إن كان في الدار إلا زيد كان المستثنى منه بني آدم إن كان في الدار إلا حمار المستثنى منه الحيوان على ما يجيء تمامه، فكذلك ها هنا المستثنى لما كان حالًا كان المستثنى منه أحوالًا؛ لأن استثناء الحال من العين لا يتصور، فكأنه قال: لا تبيعوا الطعام بالطعام في جميع الأحوال من المساواة والمجازفة والمفاضلة إلا حالة المساواة، ولا نتحقق هذه الأحوال إلا في الكثير لما أن المساواة إنما تثبيت بالمسوي الشرعي
стр. 1328
بالاتفاق، وهو الكيل المذكور في حديث آخر بقوله: "إلا كيلا بكيل"، فالمجازفة والمفاضلة مبنيتان على الكيل الشرعي، وهذا لأن مطلق الفصل ليس بمجرد الإجماع؛ لأن أجزاء الحنطة لابد أن تتفاوت بعضها مع بعض آخر وذلك غير معتبر، بل المعتبر ما كان زائدًا على الكيل، فالزائد على الكيل يقتضي وجود الكيل لا محالة، وتلك الأحوال التي ذكرنا لا تتحقق إلا فيما يدخل تحت الكيل.
فإن قيل: هذا الذي ذكرتموه لا يصح إلا بالإدراج وهو إدراج الأحوال، فالإدراج خلاف الأصل كما أن كون الاستثناء منقطعًا خلاف الأصل أيضًا، فكيف رجحتم جانب الإدراج على كون الاستثناء منقطعًا؟
قلنا: لا كذلك؛ لأن الإدراج أحد نوعي الكلام عند اقتضاء الدليل.
ألا ترى أن أحدًا لم يقل فيما إذا كان المستثنى منقطعًا مع أنا أجمعنا مع الخصم على أن هذا الاستثناء الذي ذكر في الحديث متصل لا منقطع، وكفى به حجة لنا في أنه متصل، ولا يصح اتصاله إلا بما ذكرنا، فكان الإدراج ثابتًا ضرورة.
стр. 1329
فعلم بهذا الحديث لم يتناول القليل الذي لا يدخل تحت الكيل أصلًا، فبطل استدلال الشافعي به على حرمة بيع القليل من الطعام.
وقوله: (وذلك لا يصلح إلا في المقدر) وهو المقدر بالكيل بالاتفاق.
(ونفيه لا يؤثر في الألف) حتى أنه لو قال: لكن لا ثوب له علي بالتصريح بهذا إنه لا يسقط به عنه شيئًا من الألف، فكذلك اللفظ الذي يدل عليه، لما أن المستثنى لم يتناوله صدر الكلام لا صورة ولا معنى.
(وأما إذا استثنى المقدر من خلاف جنسه) بأن قال: لفلان على ألف درهم إلا كر حنطة، (فقد قال أبو حنيفة وأبو يوسف -رحمهما الله- هو صحيح، وقال محمد ﵀ ليس بصحيح)، وهذا الخلاف أيضًا في كل مقدر مكيل أو موزون حتى قال في "المبسوط" ولو قال: له علي ألف درهم إلا دينارًا فالاستثناء جائز، ويطرح من الألف قيمة الدينار، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف -رحمهما الله- استحسانًا، وفي القياس لا يصح هذا الاستثناء، وهو قول محمد ﵀ وكذلك لو قال: إلا فلسًا أو إلا كر حنطة أو استثنى شيئًا مما يكال أو يوزن أو يعد عددًا فهو على هذا الخلاف.
стр. 1330
فأما إذا قال: إلا شاه أو ثوبًا أو عرضًا من العروض فالاستثناء باطل عندنا.
(لأن المقدرات جنس واحد في المعنى) أي في حكم الثبوت في الذمة على معنى أن كل واحد من المكيل والموزون يثبت في الذمة ثبوتًا صحيحًا حيث يثبت بمقابلة ما هو مال وبمقابلة ما ليس بمال بخلاف الثوب والحيوان، فإنهما لا يثبتان في الذمة إلا بمقابلة ما ليس بمال كما قي النكاح والدية، وهكذا تثبت المقدرات في الذمة ثمنًا وتثبت حالًا ومؤجلًا، ويجوز الاستقراض فيها فكانت في حكم الثبوت في الذمة كجنس واحد معنى، والاستثناء: استخراج وتكلم بالباقي بعد الثنيا بطريق المعنى، فصح استثناء كل واحد من المكيل والموزون من الآخر لهذا.
وقوله: (لأنهما تصلح ثمنًا) بأن يقول: اشتريت هذا العبد بكذا كذا حنطة وتصف ذلك على ما ذكرنا في "النهاية" فإن الحنطة في تلك الصورة تتعين ثمنًا حتى صح استبدالها بآخر.
стр. 1331
(وقد قلنا: إن الاستثناء تكلم بالباقي معنى لا صورة) أي أنه تكلم بالألف صورة وهذا لا شبهة فيه، وإنما جعل تكلمًا بالباقي من حيث المعنى، فكان قوله: "لفلان علي ألف درهم إلا مائة" من حيث المعنى لفلان علي تسعمائة، فكانت تسمية الدراهم وهي الألف في قدر المائة تسمية صورة بلا معنى، فكذلك ها هنا إذا صح الاستخراج من طريق المعنى وهو القدر بقي المعنى وهو الشيء المقدر في قدر المستثنى وهو كذا من الحنطة.
(تسمية الدراهم بلا معنى) كما قلنا في قولنا: ألف إلا مائة؛ لأن المقدر ها هنا في صدر الكلام مثل ألف درهم، وقوله في الاستثناء: إلا كر حنطة مثل قوله: إلا مائة فلا فرق بينهما في المعنى من حيث وجوبهما في الذمة.
وأما الثوب فلا يكون مثل المكيل والموزون في الصورة ولا في المعنى وهو الثبوت في الذمة؛ فإنه لا يثبت في الذمة إلا مبيعًا أي في باب السلم، والألف إنما يثبت في الذمة ثمنًا فلا يمكن جعل كلامه استخراجًا باعتبار الصورة ولا باعتبار المعنى، فلذلك جعلناه استثناء منقطعًا.
(وعلى هذا الأصل) وهو أن الوصل يشترط في بيان التغيير:
стр. 1332
(إلا أنه تغيير للحقيقة) فإن مقتضى قوله: على ألف درهم، الإخبار بوجوب الألف في ذمته، وقوله: "وديعة" فيه بيان أن الواجب في ذمته حفظها وإمساكها إلى أن يؤديها إلى صاحبها لا أصل المال، فإذا كان موصولًا كان بيانًا صحيحًا، وإذا كان مفصولًا كان نسخًا، فيكون بمنزلة الجوع عما أقر به.
(لأن حقيقة هذه العبارات للتسليم وقد تحتمل العقد) كقوله تعالى: (فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آَتَيْتُمْ) أي ما عقدتم؛ لأنه سبب الإيتاء بطريق ذكر المسبب وإرادة السبب.
стр. 1333
(وإذا قال: لفلان علي ألف من ثمن جارية باعينها) إلى آخره.
قال الإمام شمس الأئمة ﵀ لو قال: لفلان علي ألف درهم من ثمن جارية باعينها إلا أني لم أقبضها فإن على قول أبي يوسف ومحمد -رحمهما الله- يصدق إذا كان موصولًا، وإذا كان مفصولًا يسأل المقر له عن الجهة، فإن قال: الألف لي عليه بجهة أخرى سوى البيع فالقول قوله والمال لازم على المقر.
وإن قال بجهة البيع ولكنه قبضها فحينئذ القول قول المقر لم يقبضها؛ لأن هذا بيان تغيير، فإنه يتأخر به عن حق المقر له في المطالبة بالألف إلى أن يحضر الجارية ليسلمها بمنزله شرط الخيار أو الأجل في العقد يكون مغيرًا لمقتضى مطلق العقد ولا يكون ناسخًا لأصله فيصح هذا البيان منه موصولًا، وإذا كان مفصولًا فإن صدقة في الجهة فقد ثبتت الجهة بتصادقهما عليهما، ثم ليس في إقراره بالشراء ووجوب المال عليه بالعقد إقرار بالقبض، فكان المقر له
стр. 1334
مدعيًا عليه ابتداء تسليم المبيع وهو منكر ليس براجع عما ذا كذبه في الجهة ثم ثبت الجهة التي ادعاها وقد صح تصديقه له في وجوب المال عليه، وبيانه الذي قال إنه من ثمن جارية لم يقبضان بيان تغيير فلا يصح مفصولًا.
وأبو حنيفة ﵁ يقول: هذا رجوع عما أقر به؛ لأنه أقر بأول كلامه أن المال واجب له دينًا في ذمته، وثمن جارية لا يوقف على أثرها لا يكون واجبًا عليه إلا بعد القبض، فإن المبيعة قبل التسليم إذا صارت بحيث لا يوقف على عينها بحال بطل العقد، ولا يكون ثمنًا واجبًا يعني إذا هلكت قبل القبض أو كانت مجهولة.
وقوله: "من ثمن جارية باعينها ولكني لم أقبضها" إشارة إلى هذا، فإن الجارية التي هي غير معينة لا يوقف على أثرها، وما من جارية يحضرها البائع إلا وللمشتري أن يقول: المبيعة غيرها، وقد أقر بأن الألف في ذمته واجب مقرر، وذلك صريح منه بأن الجارية مقبوضة، ثم قوله: "لكني لم أقبضها" يكون رجوعًا منه، فعرفنا أن آخر كلامه عما أقر به من وجوب المال ديناً
стр. 1335
في ذمته، والرجوع لا يصح موصولًا ولا مفصولًا.
(والثابت بالدلالة مثله إذا ثبت بالصريح) يعني الحكم الثابت بالدلالة مثل الحكم الثابت بالصريح عند عدم الصريح، ولو كان قال: قبضت المبيع لكني لم أقبض كان رجوعًا فكذا ها هنا، ولا يقال بأنه بقوله: لكني لم أقبضها، والدلالة إنما تعمل عمل الصريح إذا لم يكن الصريح مخالفًا لها.
فأما إذا كان مخالفًا لها فلا عبرة لها بمقابلة الصريح؛ لأنا نقول: إن ذلك فيما إذا تعارضا.
فأما إذا ثبت موجب الدلالة أولًا فلا، وهاهنا ثبت موجب الدلالة أولًا وهو قبض المبيع على ما ذكرنا، ثم قوله: "لم أقبضها" إنما وجد بعد ثبوت موجب الدلالة فلا يكون ذلك معارضًا بل يكون رجوعًا.
وذكر في "المبسوط" في تعليل أبي حنيفة ﵁ يوضحه أنه أقر بالمال وادعى لنفسه أجلًا لا إلى غاية معلومة وهي إحضار المتاع، فإن تسليم الثمن لا يجب إلا بإحضار المعقود عليه ولا طريق للبائع إلى ذلك، لأن البائع ما من جارية يحضرها إلا وللمشتري أن يقول: الجارية المبيعة غير هذه، ولو ادعى أجل شهر أو نحو ذلك لم يصدق وصل أم فصل، فإذا ادعى أجلًا مؤيدًا أولى أن لا يصدق في ذلك.
следующие страницы →