← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 16526

الكافي شرح أصول البزدوي

الحسام السغناقي

Полный текст (2 351 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

ذلك الفعل اختياريا فلا ضرورة في جعل الشرط خلفا عنه؛ لأنه ضروري فلا يصار إليه إلا عند الضرورة. (ووجب المصير في لاضمان العدوان إلى محض القياس) وهو عدم وجوب الضمان على المشلى؛ لأن ما وجد منه من الإشلاء سبب قد اعترض عليه فعل من مختار غير منسوب إلى ذلك السبب، فإنه لا يكون سائقا بمجرد الإشلاء، ومع الشك في السبب الموجب للضمان لا يجب الضمان بحال. وحاصل الفرق بينهما ما ذكره في "الهداية" في باب جناية البهيمة: إن البهيمة مختارة في فعله ولا تصلح نائبا عن المرسل فلا يضاف فعله إلى غيره

стр. 1962

هذا هو الحقيقة، إلا أن الحاجة مست في الاصطياد فأضيف إلى المرسل؛ لأن الاصطياد مشروع ولا طريق له سواه ولا حاجة في ضمان العدوان. وذكر الفقيه أبو الليث- ﵀ إذا أرسل كلبًا فأصاب في فوره إنسانا يضمن المرسل وإن لم يكن سائقا له؛ لأنه إذا أرسله وإن لم يكن خلفه فما دام في فوره فكأنه خلفه. قال الصدر الشهيد- ﵀ وعليه الفتوى. كذا في البهيمة في فصل مسائل جناية البهيمة من كتاب الجنايات والحدود. (ولهذا قلنا فيمن ألقى نارًا) يتصل بقوله: "لم يضمن" لأنه صاحب سبب والفعل الموجود بعده غير مضاف إليه؛ لأن هبوب الريح بعدما ألقى النار في الطريق غير مضاف إلى الملقي، وكذلك لدغ الحية بعد ما تحركت بخلاف ما إذا أحرقت قبل الوقوع على الأرض وقبل التحرك؛ لأنه مضاف إليه تسبيبًا فيضمن.

стр. 1963

(وأما الذي هو شرط اسما لا حكما فإن كل حكم تعلق بشرطين فإن أولهما شرطا أسما لا حكمًا) فإن قلت: ما الفرق بين الشرط وبين العلة في مثل هذه الصورة، فإن الحكم إذا تعلق بوصفين لم يكن الوصف الأول هناك علة اسمًا بل كان هو شبهة العلل على ما ذكر فيه بقوله: "وأما الوصف الذي له شبهة العلل" إلى أخره. وأما الشرط في مثل هذه الصورة فكان الوصف الأول شرطًا اسما. قلت: إنما كان هكذا؛ لأن لكل من الوصفين هناك نوع تأثير. ألا ترى أنه كيف صرح به بقوله: فكل حكم تعلق بوصفين مؤثرين ولما لم تتم العلة إلا بهما لم يكن كل واحدة منهما علة بانفراده، فكان شبهة العلل باعتبار تأثيره ولم يكن علة لعدم تمام ركن العلة بخلاف الشرط، فإنه يتم شرطًا بانفراده وإن لم يثبت الحكم إلى وجود شرط أخر. وحاصل ذلك راجع إلى أن اجتماع شروط كثيرة جائز في حق حكم واحد وجوده، كجواز الصلاة مثلا يتوقف على شروط كثيرة، وكل شرط.

стр. 1964

منها تام في كونه شرطًا وإن لم يثبت الحكم عنده وليست العلة كذلك؛ لأنه مستحيل أن يثبت الحكم الواحد في حالة الوجود بعلل كثيرة جمعًا، والمعنى فيه أن العلة هي المؤثرة في وجود الحكم، فلما وجد الحكم بواحدة منهما كان وجوده ثانيًا محالا بأخرى منها. وأما الشرط فليس بمؤثر في وجود الحكم؛ بل الحكم يوجد بالعلة عند وجود الشرط فيصح اجتماع الشروط، فكان كل شرط تامًا في كونه شرطًا، فصح إطلاق اسم الشرط على كل واحد من الشرطين بدون الأخر، ولم يصح ذلك في العلل لما ذكرنا أن المؤثر إحداها التي تسبق منها لا الجميع، ثم إذا لم يتم ركن العلة إلا بوصفين مؤثرين لم يكن كل واحد منهما علة تامة، فلم يكن على أسما. ولكن كان شبهة العلل باعتبار تأثيره لا عند وجود الوصف الأخر ثبوت الحكم بهما، فكان كل واحد منهما مؤثرًا في وجود الحكم، لكن لما لم يتم ركن العلة بوجود الوصف الواحد لم يثبت الحكم بوجوده، فكان هو بانفراده مشابها للعلة لا علة تامة فسمي شبهة العلل لذلك. (لأن الملك شرط عن وجود الشرط لصحة وجود الجزاء لا لصحة وجود الشرط)؛ لأن الشرط يصح وجوده وإن لم يوجد الحكم عنده على ما

стр. 1965

ذكرنا. وأما الملك فشرط لصحة نزول الجزاء، ولهذا لو دخلت الدارين بعد زوال الملك، فإنه يوجد الشرط وتنحل اليمين لا إلى جزاء حتى لو نكحها بعد ذلك ودخلت الدارين لم تطلق، وهذا لأن الملك لو اعتبر عند وجود الشرط إنما يعتبر لبقاء اليمين ولا حاجة إلى بقاء الملك لبقاء اليمين؛ لأن اليمين تبقى بدون بقاء الملك؛ لأن محل اليمين الذمة، فكانت باقية ببقاء محلها من غير أن يشترط فيه الملك في المحل، ولهذا لو أبانها وانقضت عدتها، فإنه تبقى اليمين ما لم يوجد الشرط وإن عدم الملك، وهو معنى قوله: (ولم يجز شرطه لبقاء اليمين كما قبل الشرط الأول)، فإن اليمين تبقى قبل الشرط الأول بدون بقاء الملك، فكذا بعد الشرط الأول، وهذا لأن الملك في المحل إنما يشترط لنزول

стр. 1966

الجزاء أو لصحة الإيجاب، وفي الشرط الأول لا يثبت واحد منهما فلا يشترط بقاء الملك عند وجوده. (لأن حكم الشرط أ، يمنع انعقاد العلة إلى أن يوجد الشرط) قال الإمام شمس الأئمة- ﵀ وحد الشرط مل يمنع ثبوت حقيقة بعد وجودها صورة إلى وجوده، كما في تعليق الطلاق بدخول الدار والزنا موجب للعقوبة، ولا يمتنع ثبوت الحكم به إلى وجود الإحصان. كيف لو وجد الإحصان بعد الزنا لا يثبت بوجوده حكم الرجم، فعرفنا أنه غير مضاف إليه وجوبًا به ولا وجودًا عند وجوده، ولكنه معرف، فبظهوره

стр. 1967

يعرف أن الزنا حين وجد كان موجبًا للرجم فكان علامة. (أن مولاه أعتقه) أي أن مولاه الكافر أعتقه (فأنكر العبد والمولى ذلك) أي الإعتاق، وهذا في الأمة ظاهر. وأما في الغلام فعلى قولهما صحيح أيضا، وفي قوله أبي حنيفة- ﵀ عليه- يشترط الدعوى من العبد فلا تقبل الشهادة على العتق عنده فب العبد. (فهلا قبلت هذه الشهادة؟) يعني جرا قبول كرده نه شد اين كواهي دادن كافر بر كافر به اين ك هوي خوي شرا أزاد كرده است كه اين بنده مسلمانست در اثبات رجم وهم جنانكه بكواهي دادن زن عند الاختلاط احصان مرد ثابت مي شود در حق رجم با انكه كواهي زن را مدخل نيست در إثبات حدود.

стр. 1968

يعني ينبغي أن يتمكن الإمام من إقامة حد الرجم علة هذا العبد بسبب ثبوت العتق بشهادة الكافرين عليه، وإن لم تقبل شهادة الكافر على المسلم في جميع الصور، كما يثبت إحصان الرجم بشهادة النساء حتى يتمكن الإمام من إقامة حد الرجم بشهادة النساء في حق الإحصان، مع أنه لا تقبل شهادة النساء في الحدود في جميع الصور؛ لما إن إقامة الحد غير مضافة إلى الإحصان لا وجوبًا به ولا وجودا عنده؛ لأن هذه الشهادة أعني شهادة الكافرين على عتق العبد المسلم ليست بشهادة على العبد بل شهادة على مولاه الكافر بزوال ملكه حتى ثبت عتقه على مولاه بهذه الشهادة بالإجماع، فيجب أن يثبت أيضا في حق الرجم. فأجاب عنه بقوله: (والجواب عنه أن لشهادة النساء) إلى أخره. على وجه يقع به الفرق بين شهادة النساء وشهادة الكفار في حق إثبات إحصان الرجم (أن لشهادة النساء مع الرجال خصوصا في المشهود به دون المشهود عليه) أي أن لشهادة النساء خصوصية في حق المشهود به حتى لا تقبل شهادتين في حق الحدود والقصاص وتقبل في غيرهما ولا خصوصية في حق المشهود عليه حتى قبلت شهادتهن في حق المسلمين والكفار جميعًا، وإن كان في شهادتهن ضرر على المسلم كما في إثبات المال على المسلم وشهادة الكفار على العكس، ثم هاهنا المشهود به هو الإحصان، والإحصان لا تعلق له في إيجاب الرجم، ولا في الإيجاد عنده، فتقبل شهادة النساء في

стр. 1969

الإحصان لذلك. وأما شهادة الكفار فتقبل على الكافرين في جميع الصور سواء كانت في الحدود أو غيرها، فدخل الخصوص في شهادة الكفار في حق المشهود عليه أي تقبل في حق الكفار دون المسلمين، ثم لو قبلنا شهادة الكافر بالإعتاق هاهنا في جميع الأحكام لكان شهادة له على المسلم في حق الرجم عليه وذلك لا يجوز، وإن لم يكن الإحصان شرطًا للرجم ولكن له مدخل في الرجم من حيث العلامة، وفيه ضرر على المسلم ولا يجوز أن يثبت الضرر على المسلم بشهادة الكفار بوجه من الوجوه. قال الله تعالى: (وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا) فيه نفي لجميع وجوه السبل؛ لأن سبيلا نكرة وقعت في موضع النفي. وقوله: (ولكن في هذه الحجة) أي في شهادة الإحصان في الموضعين (تكثير محل الجناية) أي من حيث الجناية على نعمة الحرية في أحد الموضعين، وعلى نعمة إصابة الحلال بطريقة في الموضع الأخر، والجناية تعظم

стр. 1970

عند كثرة النعمة. ألا ترى أن الله تعالى كيف ذكر مضاعفة العقوبة على نساء النبي ﵇ على تقدير إتيانهن بالفاحشة بقوله تعالى: (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَاتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ) لأن النعم في حقهن دون سائر النساء ضوعفت وتكثرت، فضوعفت العقوبة بمقابلتها عند الجناية لذلك. وإذا ثبت هذا فشهادة النساء تكون حجة على المسلم وإن كان فيها ضرر عليه كما في إثبات الدين عليه، وإنما لا تكون حجة فيما تضاف إليه العقوبة وجوبا به أو وجودا عنده، وذلك لا يوجد في هذه الشهادة اصلًا. وأما شهادة الكفار ففيما يتضرر به المسلم لا تكون حجة أصلًا، فلذلك ثبت العتق بشهادة الكافرين على الكافر ولا يثبت الإحصان للمسلم بالعتق؛ لأن في ذلك ضررًا عليه وإن لم يكن ذلك الضرر واجبًا به أو موجودًا عنده. (وعلى هذا الأصل) أي تفريغ المسألة على أصل أن الشرط الذي هو

стр. 1971

علامة (أن شهادة القابلة على الولاة تقبل من غير فراش قائم) أي في المعتدة. وبها صرح في "التقويم" فقال: وكذلك قال أبو حنيفة- ﵁ إذا ولدت المعتدة وأنكر الزوج الولادة وشهدت القابلة لم يثبت النسب بشهادتها إلا أن يكون الحبل ظاهرًا وكان الزوج أقر بالحبل، أو كان النكاح قائمًا حال الولادة. وعندهما يثبت بالفراش القائم عند العلوق، والولادة شرط ظهور الولد فهذه الولادة في حق النسب علم محض لنسب قد كان. وأبو حنيفة ﵁ يقول: إن كان الحبل طاهرًا حال قيام الفراش أو كان الزوج أقر به، فقد وجد علة ثبوت النسب وبالولادة يظهر ولد كان ثابت النسب، فلم يمتنع الظهور لمكان ثبوت الولادة بشهادة المرأة، والنسب يثبت بعلة قائمة وهي النكاح فلا يصير مضافًا إلى شهادتها. فأما إذا لم يكن إقرار ولا حبل ظاهر ولا نكاح قائم فابتداء الوجود في حقنا، إنما يثبت بشهادة المرأة بالولادة؛ لأن ما قبله من الوجود وجود باطن في حق الله تعالى لا سبيل لنا إلى علمه، فيعتبر بالعدم في حقنا كالخطاب النازل من السماء يعتبر عدما في حق من لم يبلغه، وحال البلوغ إليه معتبر في حقه

стр. 1972

بابتداء الشرع؛ ليكون التكليف بقدر الوسع فكذا هذا، وإذا كان كذلك كان هذا حكمًا مضافًا إلى الشهادة عند عدم العلة وهي إقرار الزوج وغيره فلم يثبت بشهادة القابلة؛ لأنها ليست بحجة على النسب بحيث يضاف غليها، وكذلك الميراث للولد لا يثبت بشهادة القابلة أنه كان حيًا. وقوله: (فإنما يثبت بالفراش) أي بالفراش السابق الذي كان وقت العلوق (لا يتعلق به وجوب النسب)؛ لأن وجوب النسب إنما كان بالعلوق من مائه. وقوله: (حكما ثابتًا) متعلق بقوله: "كان ثبوت النسب"، وقوله: (في حق صاحب الشرع) وهو الله تعالى لا يحتاج في حقه إلى ان يثبت الحكم بناء على الأسباب الظاهرة بخلاف ثبوت الحكم في حقنا؛ للأنا لم نكلف درك الغيوب، فكان مضافًا إلى الأسباب الظاهرة.

стр. 1973

(فيثبت ما كان تبعًا له) أي ما كان تبعا لوجود الولادة، وهو الجزاء المتعلق به من الطلاق والعتاق وثبوت النسب وغيرها. اعلم أن هاهنا مسائل لا بد من تحريرها حتى يتميز فأنت طالق، فقالت: قد ولدت وكذبها الزوج لم يقع الطلاق بقولها بخلاف الحيض؛ لأن الولادة مما يقف عليه غيرها، فقول القابلة يقبل في الولد فلا يحكم بوقوع الطلاق ما لم تشهد القابلة به، والحيض لا يقف عليه غيرها- ولا يقع الطلاق ما لم تشهد القابلة به، والحيض لا يقف عليه غيرها- فلذلك يقبل قولها- فإن شهدت القابلة بالولادة ثبت نسب الولد بشهادتها، ولا يقع الطلاق عند أبي حنيفة ﵁ ما لم يشهد بها رجلان أو رجل وأمرأتان. وعند أبي يوسف ومحمد- رحمهما الله- يقع الطلاق بشهادة القابلة؛ لأن شرط الوقوع ولادتها، وقد صار محكوما بها بشهادة القابلة بدليل ثبوت نسب الولد، ولأن شهادة القابلة في حال قيام الفراش حجة تامة في حق النسب وغيره كجريان اللعان وثبوت الحد وأمومية الولد، فكان حجة في حق وقوع الطلاق، يعني إذا ولدت امرأته ولدا فقال الزوج: ليس هو مني ولا أدري أنت ولدته أم لا؟ فشهدت القابلة- حكم باللعان بينهما، ولو كان الزوج حرًا محدودًا في قذف أو عبدًا وجب عليه الحد.

стр. 1974

ولو قال لجاريته: إن كان بها حبل فهو مني، فشهدت القابلة على ولادتها صارت أو ولد له. وأبو حنيفة ﵁ يقول: شرط الطلاق إذا كان لا يثبت إلا بالشهادة فلابد فيه من شهادة رجلين وامرأتين كسائر الشروط، وهذا لأن شرط الطلاق كنفس الطلاق، وتأثيره أن شهادة المرأة الواحدة ليست بحجة أصلية، وإنما يكتفي بها فيما لا يطلع عليه الرجال لأجل الضرورة، والثابت بالضرورة، والثابت بالضرورة لا يعدو موضعها، والضرورة في نفس الولادة وما هو من الأحكام المختصة، والحكم المختص بالولادة أمية الولد للأم واللعان عند نفي الولد. وأما وقوع الطلاق والعتاق فليس من الحكم المختص بالولادة، بل إنما يقع بإيقاعه عند وجود الشرط، ونسب الولد من الأحكام المختصة بالولادة مع أن النسب عند أبي حنيفة ﵁ لا يثبت بشهادة القابلة، وإنما يثبت يعين الولد. فأما ثبوت النسب فبالفراش القائم، وكون شهادة القابلة حجة في ثبوت النسب لا يدل على أنها تكون حجة في وقوع الطلاق، فكان هذا كقوله: إذا قال لإحدى امرأتيه: إذا حضت فأنت طالق وفلانة معك- وهذا في صورة الإنكار-. وأما إذا كان الزوج أقر بأنها حبلي ثم قال لها: إذا ولدت فأنت طالق،

стр. 1975

فقالت: قد ولدت. فعند أبي حنيفة- ﵀ يقع الطلاق بمجرد قولها، وعندهما لا يقع إلا أن تشهد القابلة به؛ لأن الشرط ولادتها، وذلك مما يقف عليه القابلة فلا يقبل فيه مجرد قولها كما في الفصل الأول. ألا ترى أن نسي الولد لا يثبت إلا بشهادة القابلة، وإن أقر الزوج بالحبل، فكذلك فى الطلاق. وأبو حنيفة ﵁ يقول: إنه علق وقوع الطلاق ببروز موجود في باطنها فيقع الطلاق بمجرد خبرها. كما لو قال: إذا حضت فأنت طالق، وهذا لأن وجود الحبل بها يثبت بإقرار حبل الزوج، فلما جاءت الآن وهي فارغة وتقول: قد ولدت فالظاهرة يشهد لها أو يتيقن بولادتها وهذا بخلاف النسب؛ لأن مجرد الولادة تثبت بقولها، وليس من ضرورته تعين هذا الولد؛ لجواز أن تكون ولدت غير هذا من والد ميت ثم تريد حمل نسب هذا الولد عليه، فلهذا لا يقبل قولها في تعيين الولد إلا بشهادة القابلة. فأما وقوع الطلاق فيتعلق بنفس الولادة أي ولد كان من حي أو ميت، وبعد إقرار الزوج بالحبل يتيقن بالولادة إذا جاءت وهي فارغة. هذا كله من باب الطلاق من طلاق ((المبسوط)).

стр. 1976

(وكذلك قالا في استهلال الصبي إنه تبع للولادة) يعني لو شهدت القابلة بأن المولود استهل بعد الولادة يثبت حياته فى حق الإرث عندهما بطريق ثبوت التبعية للولادة، كما يثبت حياته في حق الصلاة بالاتفاق. وذكر في باب شهادة النساء من شهادات ((المبسوط)). وأما الاستهلال فإني لا أقبل فيه شهادة النساء إلا في الصلاة عليه. وأما في الميراث فلا أقبل في ذلك أقل من رجلين أو رجل وامرأتين، وهو قول أبي حنيفة- ﵁. وقال أبو يوسف ومحمد- رحمهما الله- تقبل في ذلك شهادة امرأة واحدة حرة مسلمة عدلة؛ لأن استهلال الصبي يكون عند الولادة وتلك حالة لا يطلع عليها الرجال، وفي صوته عند ذلك من الضعف ما لا يسمعه إلا من شهد تلك الحالة، وشهادة النساء فيما لا يطلع عليه الرجال كشهادة الرجال فيما يطلعون، ولهذا يصلى عليه بشهادة النساء، فكذلك يرث. وأبو حنيفة- ﵁ يقول: الاستهلال صوت مسموع وفي السماع الرجال يشاركون النساء، فإذا كان المشهود به مما يطلع عليه الرجال لا تكون شهادة النساء فيه حجة تامة، وإن وقع ذلك في حالة لا يحضرها الرجال

стр. 1977

كالشهادات على جراحات النساء في الحمامات، بخلاف الولادة فهي انفصال الولد من الأم، والرجال لا يشاركون النساء فى الاطلاع عليها، وإنما قبلنا ذلك في حق الصلاة عليه؛ لأن ذلك من أمر الدين، وخبر المرأة الواحدة في ذلك حجة تامة في ذلك كشهادتها على رؤية هلال رمضان، بخلاف الميراث فإنه من حقوق العباد, فلا يثبت بشهادة النساء في موضع يكون المشهود به مما يطلع عليه الرجال. وقوله: (فأخذ أبو حنيفة- ﵁ فيه) أي في استهلال الصبي أي في ثبوت استهلال الصبي في حق الإرث أخذ (بحقيقة القياس) في أن استهلاله لا يثبت في حق الإرث بمجرد شهادة القابلة بل حجة كاملة وهي شهادة رجلين أو رجل وامرأتين. وقوله: (إن الوجود من أحكام الشرط) أي وجود الحكم، وإذا كان الحكم بالشرط وجودا (فلا يثبت) الشرط في حق الحكم (إلا بكمال الحجة) وهو شهادة رجلين أو رجل وامرأتين كما في وجود الشرط بدخول الدار، (والولادة) لم تثبت بشهادة القابلة مطلقا، بل تثبت من وجه دون وجه كتعليق طلاق المخاطبة وضرتها بحيض المخاطبة، ثم قالت المخاطبة: حضت يثبت حيضها في حق حكم مخصوص بالمخاطبة وهو طلاقها لا طلاق ضرتها.

стр. 1978

فكذلك هاهنا أثبتنا حكم الولادة فيما يختص بها دون ما لا يختص بها، فثبوت النسب وجريان اللعان وأمومية الولد مما يختص بالولادة، فيثبت وقوع الطلاق والعتاق، والتوريث مما لا يختص بها فلا يثبت، وهو معنى قوله: (فلا يتعدى إلى التوابع) أراد بالتوابع ما ذكرنا من وقوع الطلاق والعتاق والتوريث. (لا ترد على البائع وإن كان قبل القبض) مع أن الرد قبل القبض يشبه الامتناع من القبول؛ لأن القبض يشبه العقد ومع ذلك لا يرد بشهادتها، وكذلك لا يرد بعد القبض؛ لأن ذلك يكون نقضا للبيع لا امتناعا، فلما لم يتمكن بشهادتها من الامتناع لم يتمكن من نقضه بالطريق، والله أعلم.

стр. 1979

باب تقسيم العلامة (فما يكون علما على الوجود) أي يكون هو دلالة الوجود فيما كان موجودا قبله كما في علم الثوب، وعلم العسكر. (على ما قلنا) أي في بيان الشرط الذي هو علامة، (وقد تسمى العلامة شرطا) من حيث إن كل واحد منهما دال على وجود الحكم. (فصارت العلامة نوعا واحدا) وهو ما كان علما على الوجود من غير أن يتعلق به وجوب الحكم ولا وجوده عنده.

стр. 1980

(بل هو معرف) أي العجز معرف لذلك القذف بأنه كبيرة من حين وجد لا أن يصير كبيرة عند العجز، إلا أنه يحتمل أن يكون صادقا، فلذلك وجب التأخير إلى زمان يتمكن فيه من إثباته، فإذا عجز ظهر أنه حين وقع وقع كبيرة. (فيكون سقوط الشهادة سابقا عليه) أي على العجز؛ (لأنه أمر حكمي)؛ أي لأن سقوط الشهادة أمر حكمي أي حكمه شرعي، والحكم الشرعي جاز أن يتوقف كالعقد الموقوف على الإجازة، فإذا أجير العقد استند الحكم إلى السبب حتى تكون الأكساب الحاصلة قبل الإجازة للمشتري، فكذلك سقوط الشهادة أمر شرعي يتوقف على العجز عن إقامة البينة، فإذا كان العجز معرفا سقوط الشهادة سابقا على العجز تسقط الشهادة بنفس القذف، حتى إذا شهد القاذف في حادثة قبل العجز عن إقامة البينة، ثم ظهر العجز لم تقبل شهادته في تلك الحادثة عنده.

стр. 1981

أما الجلد عنده ففعل حسي فلا يمكن أن يثبت الجلد بعد العجز مستندا إلى وقت القذف؛ بل يكون بعد العجز لا محالة، فلا يتصور وجوده قبله، (وذلك أن القذف كبيرة) بنفسه لما أنه إشاعة الفاحشة (وهتك) لستر عفة (المسلم). (والأصل في المسلم العفة)؛ لوجود ما يمنعه من الفاحشة وهو العقل والدين، والعمل بالأصل واجب ما لم يوجد دليل أقوى منه يترك به الأصل، فكان الدليل موجودا بكون القذف كبيرة في الحال لرجحان جهة الكذب بالأصل الذي ذكرنا، فتسقط شهادته بنفس الكبيرة كما في سائر الكبائر. وقوله: (هذه الجملة) أراد بها قوله تعالى: ((وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَاتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً)). وحاصله أن العجز شرط للجلد وسقوط الشهادة، والمتعلق بالشيء لا يسبقه لما أن الثابت بالكتاب الجلد ورد الشهادة، وكل منهما فعل ذكر جزاء لفعله. ألا ترى أن الكل مفوض إلى الإمام، فكان جزاء، والجلد مرتب على

стр. 1982

العجز ورد الشهادة عطف عليه فكان هو مرتبا على العجز أيضا لا محالة ولما كان كذلك كان سقوط الشهادة حكما لرد الشهادة الذي يحصل من فعل الإمام لا أن يكون حكما للقذف؛ لأنه لو كان حكما للقذف لما صح تفويضه إلى الإمام. (وإذا كان كذلك لم يصلح) أي العجز لم يصلح أن (يجعل معرفا، وأصل ذلك) أي وأصل ما قلنا أن العجز لا يصلح أن يكون معرفا؛ (لأن البينة على ذلك مقبولة) أي على فعل الزنا مقبولة. (الحسبة): اسم للاحتساب، مزد حشم داشتن از نزد خداي تعالى بمقابلة فعل, وقيل: الحسبة الأجر. (في إقامة حد الزنا) وإقامة حد الزنا حق من حقوق الله تعالى خالصة، والساعي في إقامته محتسب مقيم حق الله تعالى.

стр. 1983

وقال الإمام شمس الأئمة- ﵀ وكيف يكون نفس القذف كبيرة وقد تتم به الحجة موجبا للرجم، فإن الشهود على الزنا قذفه في الحقيقة، ثم كانت شهادتهم حجة لإيجاب الرجم، فعرفنا أن ما ادعاه الخصم من المعنى الذي يجعل به نفس القذف مسقطا للشهادة ما لا يمكن تحقيقه. (لكنه لم يصلح علة للاستحقاق) أي لاستحقاق رد شهادة القاذف؛ لأن الأصل يصلح دافعا مثبتا كاليد الثابتة على العين، فإنها دافعة يد الغير لا مثبتة للملك. (ولو صلح لذلك) أي ولو صلح الأصل مثبتا لاستحقاق رد شهادة القاذف (لما قبلت البينة) على الزنا (أبدا)، وهذا لأن البينة وإن كانت أقوى من الأصل الذي هو العفة، لكان هذا الأصل شبهة في ثبوت الزنا فلا تقبل البينة، وحيث قبلت بالإجماع دل أن الأصل لا يصلح موجبا. وقوله: (لكن الإطلاق) متعلق بمحذوف وهو: أن القذف ليس بكبيرة بدلالاة قوله: ((فكيف يكون كبيرة)) أي أن القذف في نفسه ليس بكبيرة لكن تجويز القذف مقيد (بشرط) طلب (الحسبة) أي الأجر والثواب من الله تعالى بقذفه ذلك؛ لأن الخبر بقوله: هو زان- خبر متميل بين الصدق والكذب،

стр. 1984

والإطلاق له إنما يصح إذا اختار الحسبة حتى لو كان ذلك عن ضغينة لا يحل له ذلك وإن كان صادقا، ثم اختيار الحسبة إنما يعلم إذا كان له شهود حضور، فوجب تأخير القاذف إلى ما يتمكن به من إقامة الشهود وهو الزمان الذي يرى الإمام تقديره، وإذا لم يتمكن منه في ذلك الزمان وظهر عجزه فقد وجد الشرط فيترتب عليه الجزاء لرجحان الكذب على الصدق. (ثم لم يؤخر حكم قد ظهر) أي قد ظهر حكم وهو حد القذف بالجلد ورد الشهادة عند وجود شرطه وهو العجز عن إقامة البينة بسبب ما يحتمل وجود البينة بعد ذلك. فإن قيل: ينبغي أن يؤخر هذا الحكم وهو إقامة حد القذف إلى آخر جزء من أجزاء حياته؛ لأن عدم الإتيان بأربعة شهداء شرط إقامة حد القذف، والعدم لا يتحقق ما لم يمت كما في قوله: إن لم آت البصرة فهو كذا وهو معروف. قلنا: الشرط عدم الإتيان بالشهود في الحال إذ لو لم يكن كذلك لخلا قوله: ((فَاجْلِدُوهُمْ)) عن الفائدة؛ لأنه بعد ما مات لا يمكن الجلد ولا رد الشهادة، وكان هذا كقوله تعالى: ((فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ))، وقوله:

стр. 1985

(فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ)، فإن فيهما عدم وجود المال في الحال لا العدم المستغرق للعمر، فكذا هنا. (فإذا أقيم عليه الحد ثم جاء ببينة يشهدون بالزنا قبلنا وأقمنا الحد على المشهود عليه) وهو المقذوف، (وأبطلنا عن القاذف رد الشهادة) وقبلنا شهادته بعد ذلك، لأن سقوط الشهادة ثبت بحسب عجزه، فإذا قدر على إقامة الشهود علم أنه لم يكن عاجزًا. (كذا ذكره في "المنتقى") في رواية لا تقبل شهادته؛ لأن من ردت شهادته في حادثة لم تقبل شهادته بعد ذلك أبدًا، كالفاسق إذا شهد في حادثة فردت شهادته لفسقه، ثم تاب يشهد في تلك الحادثة لم تقبل شهادته بعد ذلك

стр. 1986

فيها أبدًا فكذلك ها هنا، (وإن كان تقادم العهد) قيل هو ستة أشهر (لم نقم الحد على المشهود عليه، وأبطلنا رد الشهادة عن القاذف) كل ذلك للشبهة، فصار هذا بمنزلة من ادعى السرقة على الغير وأقام البينة رجلًا وامرأتين يثبت المال ولا يجب الحد، فكذلك ها هنا لا يثبت حد الزنا ولكن تقبل شهادة المحدود في القذف. وقوله: (غير فصل التقادم) أي لم يذكر في "المنتقى" مسألة التقادم وهي قوله: وإن كان تقادم العهد لم يقم الحد على المشهود عليه وذكر غيرها فيه ويتصل بهذه الجملة.

стр. 1987

باب العقل أي يتصل بالجملة التي ذكرناها من أول الكتاب إلى هذا (باب العقل)، فوجه الاتصال هو أن إثبات مساواة حكم العام بحكم خاص بدليل الاجتهاد وهو محتاج إلى العقل، وكذلك لإثبات قطيعة أحكام الظاهر والنص والمفسر والمحكم مع تفاوت في القوة والضعف فيما بينها، ولباب القياس في التفرقة بين العلل الطردية والمؤثرة ووجوه القياس والاستحسان، ولمعرفة السبب والعلة والشرط والعلامة وأحكامها لم يكن بد من العقل، فكان بابه متصلًا بهذا لهذه المناسبة، فكان قوله: "بهذه الجملة" إشارة إلى ما ذكر في أول باب معرفة أقسام الأسباب والعلل بقوله: "جملة ما يثبت بالحجج التي سبق ذكرها" إلى آخره.

стр. 1988

وقال الإمام اللامشي ﵀ بعد ما ذكر الأقوال المختلفة في حد العقل: والصحيح أنه جوهر يدرك به الغائبات بالوسائط والمحسوسات بالمشاهدة. (فوق العلل الشرعية)؛ لأن العلل الشرعية أمارات في الحقيقة لا موجبات بذواتها، فيصح تخلف أحكامها لمعنى بعد وجود العلة بتمامها كبقاء صوم الناسي لأكله، وعدم ثبوت حكم البيع في البيع بشرط الخيار بخلاف العلة العقلية، فإن وجود الكسر ولا تخلف الانقطاع بعد وجود القطع. (ولا عذر في الوقف عن الطلب) أي طلب الحق.

стр. 1989

(أنه من أهل النار) لوجود ما هو الموجب للإيمان وهو العقل. (حتى أبطلوا إيمان الصبي) لعدم ورود الشرع، ولا عبرة لعقله لعدم تكليف الشرع عليه، فصار إيمانه كإيمان صبي غير عاقل، (وهذا الفصل أعني أن يجعل شركه معذورًا) بسبب أن عقل الصبي العاقل غير معتبر، فكان شركه كلا شرك. (تجاوز عن الحد) أي عن حد طرف عدم اعتبار العقل، (كما تجاوزت المعتزلة عن الحد في الطرف الآخر) وهو طرف اعتبار العقل على وجه كان

стр. 1990

الصبي مكلفًا بالإيمان قبل البلوغ، وكلا طرفي المر ذميم، وخير الأمور أوساطها، ودين الله تعالى بين الغلو والتقصير. (وهو من أعز النعم)؛ لأن الإنسان به يمتاز من سائر الحيوان وبه يتمكن من معرفة الصانع ومن الوقوف على الأحكام التي لم يرد الشرع بها بالتنصيص، وبه يتوصل إلى السعادة الأبدية والنعم السرمدية. (يضيء به الطريق) الباء في به للسببية لا للتعددية- (الذي مبدؤه من حيث ينقطع إليه اثر الحواس)، يعني أن العاقل إذا نظر إلى محسوس أدرك بحسه ما هو محسوس، فإذا انقطع أثر حسه عن درك ما غاب عن الحس يبتدئ طريق درك الغائب الذي هو محسوس، وهذا إنما يتأتى فيما له صورة محسوسة. وأما في موجود لا يحس أصلًا إنما يبتدئ طريق العلم من حيث يوجد كالعلم مثلًا أنه لا يحس ويحتاج فيه إلى أن العلم معنى راجع إلى ذات العالم أو راجع إلى غير ذاته؟ وكذلك في غيره.

стр. 1991

(ثم هو عاجز بنفسه)؛ لأنه آلة العمل وآلة العمل بدون العالم غير مفيدة. (وما بالعقل كفاية بحال) أي بدون إعانة الله تعالى والتأمل والتجنب عن الهوى والبدع، فكان العقل معتبرًا؛ لأنه لا يتمكن الإنسان من الوصول إلى معرفة الصانع إلا به، وهو سبب الأهلية، ولم يكن موجبًا للأحكام بذاته. (ولذلك قلنا) أي ولأجل أن العقل غير موجب بذاته، بل بإيجاب الله تعالى وما به كفاية بحال، قلنا: (إن الصبي لا يكلف بالإيمان)؛ لأن الله تعالى لم يكلف الصبي شيئًا من العبادة. قال النبي ﵇: "رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم"، والإيمان رأس العبادات فلم يكن مكلفًا به إلا أنه إذا آمن بالله تعالى وهو عاقل يقع عن الفرض مع أنه غير مخاطب به كصوم المسافر وجمعته، لما أن الإيمان بعد

стр. 1992

الوجود بحقيقته لم يقع نفلًا في حق شخص ما البتة، بل يقع فرضًا يقال: صبي مراهق أي مدان للحلم، من رهقه: دنا منه، ومنه: "إذا صلى أحدكم إلى سترة فليرهقها" (حتى إذا عقلت المراهقة ولم تصف) أي دينًا من الأديان لا الإسلام، ولا الكفر أي ولم تقر به، (لم تجعل مرتدة ولم تبن من زوجها). فإن قلت: التوقف فيما يجب الإيمان به كفر، وترك وصف الإسلام أي وترك الإقرار به وإباء الإسلام عند العرض عليه كفر وارتداد من المبالغة، فلم لم يجعل من العاقلة ارتدادًا مع أن ارتداد العاقلة صحيح لما ذكر بعد هذا بقوله: "ولو عقلت وهي مراهقة فوصفت الكفر كانت مرتدة وبانت من زوجها". قلت: إنما لم يجعل الإقرار بالإسلام من المراهقة العاقلة ارتدادًا لبقاء تبعية

стр. 1993

أبويها المسلمين بسبب بقاء وصف الصبي، ثم لما بلغت خرجت لاستبدادها بنفس البلوغ، فحينئذ كان ترك الإقرار بالإسلام، ارتدادًا مها، لكونها مخاطبة بالإيمان وعدم بقاء التبعية. بخلاف ما قبل البلوغ فإنها لما لم تكن مخاطبة بنفسها بطريق الاستبداد بقيت تبعية أبويها، فجعلت مسلمة بإسلام أبويها بخلاف ما إذا صرحت بالإقرار بالإسلام أو بالكفر وهي مراهقة عاقلة حيث تخرج عن تبعية أبويها بالتصريح بالإقرار بالإسلام عن عقل، أو بالتصريح بالردة عن عقل لضرورة الحكم بصحة إيمان الصبي العاقل وصحة ارتداده، وحصل من هذا أنه وقع الفرق بين التصريح بالردة وبين ترك الإقرار بالإسلام في حق المراهقة العاقلة حيث جعل الأول كفرًا ولم يجعل الثاني كفرًا، لإمكان بقاء تبعية أبويها المسلمين لبقاء معنى الصبي فيما لم تصرح بالإفراد بالكفر لعدم الخطاب. بخلاف البالغة حيث يجعل كلاهما كفرًا لوجود الخطاب في حقها. وقال الإمام شمس الأئمة ﵀ في "الجامع الكبير": إذا أراد الزوج أن يستوصفها لا ينبغي له أن يقول لها: صفي الإسلام، فإنها تعجز عن ذلك وإن كانت تحسنه حياء من زوجها، ولكن يصف بين يديها ويقول: هذا اعتقادي وظني بك أن تعتقدي هذا، فإن قالت: نعم، كفى ذلك، فكانت مسلمة حلالًا له، وإن قالت: لا أعرف شيئًا مما تقول، فلا نكاح بينهما جينئذ، ولم يبين في الكتاب قدر ما يحتاج أن يصف بين يديها أو يستوصفها.

стр. 1994

قالوا: والأصل فيه حديث سؤال جبريل ﵇، وجواب رسول الله ﵇، وذلك حديث معروف. وقوله: (ولو عقلت وهي مراهقة فوصفت الكفر كانت مرتدة وبانت من زوجها) أي على قول أبي حنيفة ومحمد ﵀. وأما على قول أبي يوسف ﵀ لا تكون مرتدة ولا تبين من زوجها؛ لأن ارتداد الصبي لا يصح عنده، وذكر ذلك في "الجامع الكبير" أي في الباب السادس من نكاح "جامع الكبير". (وكذلك يقول في الذي لم تبلغه الدعوة أنه غير مكلف بمجرد العقل) أي البالغ الذي لم تبلغه الدعوة إنما لم يكلف بمجرد العقل إذا لم يصادف مدة يتمكن فيها من التأمل والاستدلال ومعرفة الخالق، بأن بلغ على شاهق الجبل أو في دار الحرب فمات من ساعته من غير أن يصف إيمانًا ولا كفرًا كان

стр. 1995

معذورًا، وهو كالصبي العاقل إذا لم يقر بالإسلام ولا بالكفر. (وأما إذا أعين بالتجربة وأمهل لدرك العواقب) يعني بعد البلوغ فهو مكلف بالإيمان لم يعذر في الجهل بالصانع لما أنه رأى أبنية كثيرة من السماء والأرض والجبال والأشجار والنبات. وألهم أن البناء لا يوجد بدون الباتي، فوجب عليه الاستدلال بها، إذ البعرة تدل على البعير، وآثار القدم تدل على المسير، فهذا الهيكل العلوي والمركز السفلي أما يدلان على صانع خبير!!! لأنه (قد استوفى مدة التجربة والامتحان)؛ لأنه صار بحال يصلح جدًا على ما ذكرناه في "الوافي" فلم يبق من أثر صباه شيء، فلابد أن يزداد فيه

стр. 1996

نوع رشد وهو الشرط لدفع المال إليه، قال الله تعالى: (فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ). ذكره منكرًا. (وليس على الحد في هذا الباب دليل قاطع) أي في حد مدة التجربة دليل قاطع حتى يخرج المكلف بها من أن يكون معذورًا؛ إذ ذلك يختلف باختلاف العاقل، فرب عاقل يهتدي إلى التجربة في زمان قليل، ورب عاقل لا يهتدي بل يحتاج إلى زمان كثير، فلذلك لم يكن في تقدير المدة فائدة. (سوى أمور ظاهرة نسلمها له) أي سوى الأمور الظاهرة التي يحكم العقل بثبوتها كحسن شكر المنعم وحسن العدل والصدق والإحسان وقبح كفران المنعم والظلم والكذب أي في هذه الأشياء نسلم لمن جعل العقل حجة موجبة على وجه يمتنع ورود الشرع بخلافه بأن العقل يوجب أن يكون هذه الأشياء على هذه الصفات، لكن لا يكون إيجاب العقل بحكمه في هذه

стр. 1997

الأشياء بهذه الصفات حجة لمن جعل العقل حجة موجبة فيما ادعاه من الحكم، بأن العقل حجة موجبة في جميع الأشياء؛ لأن العقل كما يوجب أن يكون هذه الأشياء على هذه الصفات، كذلك الشرع يوجب ذلك أيضًا، قال تعالى: (وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ). وقال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَامُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ)، ويدخل تحت ذكر الفحشاء والمنكر كل ما يستقبحه العقل والشرع. وكذلك من كان في مغارة فتصدى له طريقان للوصول إلى المقصد، أحدهما يخاف فيه المهالك والآخر لا يخاف فيه المهالك، فالعقل يحكم بالسلوك في هذا الطريق الذي لا يخاف فيه المهالك وكذلك الشرع. قال الله تعالى: (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ). فعلم بهذا أنه لا دليل له على أن العقل موجب بذاته حسن ما هو حسن وقبح ما قبيح، بل الموجب هو الله تعالى في الحقيقة. ألا ترى أن الله تعالى لم يخل زمانًا من الشرع، قال الله تعالى: (وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ)؛ وهذا لأن من المشروعات ما لا يدركه العقل أصلًا

стр. 1998

مثل المقدرات من أعداد الركعات ومقادير الزكوات والحدود وغير ذلك. علم بهذا كله لا العقل لا يصلح أن يكون موجبًا بنفسه، لا لأصل شيء ولا لصفته. (إذا قتلوا ضمنوا) أي يصيرون مضمونين، (فجعل كفرهم عفوًا)، حيث جعلهم كالمسلمين في الضمان. (ومن كان فيهم من جملة من يعذر) أي في الكفار الذين لم تبلغهم دعوة الإسلام من كان معذورًا في ترك الإيمان بأن بلغ في الحال ولم يجد مدة الإمهال والتجربة أو كان صبيًا، فإن كلا منهم لم يستوجب عصمة النفس والمال عندنا ما لم يحرز نفسه وماله بدار الإسلام وعنده استوجب ذلك بدون الإحراز بدار الإسلام. وقوله: (وذلك) إشارة إلى قوله: فلا دليل له أيضًا، (فإنما يلغيه بطريق دلالة الاجتهاد) لأنه إذا لم يجد في الشرع دليلا على مذهبه فلا بد له من أن

стр. 1999

يستدل عليه من دليل العقل، نحو أن يقول مثلًا: نفس العقل غير معتبرة في أن يكون العبد مكلفًا بالإيمان والشرائع كالصبي العاقل، فإن له أصل العقد ومع ذلك لم يخاطب بشيء، لأن الشرع لم يرد به. (فيتناقض مذهبه)؛ لأنه نفى اعتبار العقل بالعقل فكان نافيًا ما أثبته مثبتًا ما نفاه، (وأن العقل لا ينفك عن الهوى) يعني أن العقل معتبر، لأن من ألغاه متناقض ولكن مع كونه معتبرًا ليس هو بحجة بذاته وليس بمستغن بنفسه. (وإنما يستوجب نسبة الأحكام إلى العلل) إلى آخره، جواب سؤال مقدر وهو أن يقال: لو لم يكن العقل حجة موجبة بنفسه للأحكام لما أضيفت الأحكام الشرعية الثابتة بالاجتهاد والقياس إلى العقل حيث يقال: هذا الحكم ثابت بالقياس والقياس إنما يكون بالعقل، وكذلك في العلل العقلية كثبوت الانكسار بالكسر والانقطاع بالقطع، كما تضاف الأحكام الثابتة بالعلل الثابتة بالنصوص إلى عللها. قلنا: إن إيجاب الله تعالى غيب عنا، فأقام الأسباب الظاهرة مقام إيجابه الغيبي تيسيرًا على العباد لا أن تكون الأسباب والعلل موجبة بنفسها، فكانت إضافة إلى الأسباب والعلل الظاهرة باعتبار جعل الله تعالى إياها عللًا لا أن تكون هي نفسها عللًا والعقل آله لمعرفة تلك العلل لا موجب للأحكام. (وأن يجعل العقل علة بنفسه) هذا كلام ابتدائي خرج جوابًا لقول المعتزلة بأن العقل علة بنفسه موجبة لما استحسنه .... إلى آخره.

стр. 2000

(وهو باطن) أي والحال أنه شيء، وإنما قلنا أنه شيء باطن لأنه لا بد أنتجعل قضايا العقل متحدة حتى يرتب عليها حكم واحد كما في سائر الأسباب الظاهرة في حق العباد من دلوك الشمس وملك النصاب وشهود الشهر في وجوب الصلاة والزكاة والصوم. فحينئذ يجب أن تجعل عقول العقلاء علة موجبة في حق كل مكلف من المكلفين وفي حقه عقل غيره أمر باطن فلا يصح إثبات حكم يجب عليه بسبب عقل غيره الذي هو باطن في حقه؛ لأن سنة الله تعالى أنه أينما أوجب الأحكام إنما أوجب بعلة ظاهرة في حق المكلفين كالآيات الدالة على حدوث العالم في وجوب الإيمان، ودلوك الشمس وملك النصاب في حق وجوب الصلاة والزكاة مع أن العقول متفاوتة في نفسها فكيف تثبت حكما واحدا. وقوله: (إذا ثبت أن العقل من صفات الأهلية) إشارة إلى قوله: "والقول الصحيح في الباب هو قولنا إن العقل معتبر لإثبات الأهلية". والله أعلم.
следующие страницы →