← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 16526

الكافي شرح أصول البزدوي

الحسام السغناقي

Полный текст (2 351 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

الشرعية (فلا بد من صفة العلة) أي العلة الشرعية (تقدّمُها على الحكم والحكمُ يَعقُبها) ليكون الحكمُ مرتبًا على علةٍ موجودةٍ، وهذا في العلل الشرعية ممكنٌ؛ لأنها بمنزلة الجواهر بدليل جواز الإقالة في البيع بعد أزمنة. وهي عبارةٌ عن فسخ البيع ورفعه ولولا قيامُ البيع إلى وقت الإقالة لما

стр. 1927

صح فسخه (بخلاف الاستطاعة) وسائرَ العلل العقلية فإنها أعراضٌ لا تبقى زمانين فكما وجدت انعدمت، فلذلك قلنا باقترانهما معا هناك إلا أنا نقول: أن عللَ الشرع أمارتٌ في الحقيقة وأعراضٌ وأجرينا على حقيقتها وقلنا باقتران الأحكام بها. (وأما الذي هو علةٌ اسمًا) يعنى ليس بعلة معنى ولا حكمًا. أما علةٌ اسماُ؛ لإنة يضاف الحكمُ إليه بدون الواسطة فيقال كفارة اليمين، وكذلك في يمين الطلاق والعتاق يضافُ الحكمُ إلى اليمين حتى إن شهودَ اليمين وشهودَ وجود الشرط إذا رجعوا كان الضمانُ على شهود اليمين لكونهم شهودَ علةٍ, لكن لما كان وضع اليمين للبر لا للحنث لم تكن اليمينُ مؤثرًا في وجود الحنث فلم تكن علةً معنى، وكذلك لما لم يثبت الحكمُ متصلًا باليمين قبل الشرط لم تكن علةً حكمًا. وقال الإمامُ شمس الأئمة ﵀: لأن العلةَ معنى وحكمًا ما يكون

стр. 1928

ثبوت الحكم عند تقرُّره لا عند ارتفاعه وبعد الحنث لاتبقى اليمين بل ترتفع فلم تكن علةً معنى وحكمًا. (فمثلُ البيع الموقوف) وهو في بيع ملك الغير يغير إذنه؛ لأنه بيعٌ مشروعٌ؛ لأنه لا ضررَ للمالك في شرعيته وقلنا بشرعيته بقوله تعالى: "وأَحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ"، ولأنه بيعٌ حقيقةً موضوعُ لهذا الموجب فيضاف لهذا الموجَب إلى هذا البيع فقلنا إنه علةٌ اسمًا. وكذلك هو علةٌ معنى؛ لأن هذا البيعَ منعقدٌ شرعًا بين المتعاقدين لإفادة هذا الحكم. وأما أنه ليس بعلة حكما لما في ثبوت الملك به من الأضرار بالمالك في خروج العين عن ملكه من غير رضاه. (فإذا زال المانعُ ثبت الحكم به) من الأصل حتى إن المشترى يملكه بزوائده بعد الإجازة من وقت العقد، وكذلك لو أعتقه المشترى يتوقف إعتاقه

стр. 1929

على إجازة المالك ولو لم يكن ملكا موقوفا فيه لما توقف إعتاقه؛ لأن حكمَه تراخى أي حكمه الأصلىّ وهو الملك الباتّ، وأما الملكُ الموقوف ُ فثابتٌ لما ذكرنا. (إن المانع إذا زال وجب الحكمُ به من حين الإيجاب) حتى يملكه المشتري بزوائده المتصلةِ والمنفصلةِ من وقت العقد بخلاف التعليقات، فإنه إذا زال المانعُ يثبت الحكمُ فيها وقت زوال المانع. (لما عرف في موضعه) يعنى إنه بيع المعدوم فينبغي إنه لا يصحَ؛ لأن المعدومَ لا يكون محلًا للملك، ولهذا لم يثبت الملك في الأجر لانعدام العلة حكمًا إلا أن الشرعَ جوَّزه لضرورة حاجة العباد إلى ذلك العقد فملك الأجر بشرط التعجيل لوجود العلة اسمًا ومعنى فلا يكون متبرِّعا (لما فيه من معنى الإضافة) أي إضافة الملك إلى وقت المعقود عليه في الأصل وهو المنفعةُ فلم يثبت الملكُ فيه مستندًا إلى وقت العقد؛ لأن إقامةَ العين مُقام المنفعة في حق صحة الإيجاب دون الحكم، فلذلك قيل: الإجارةُ عقودٌ مضافةٌ.

стр. 1930

(وكذلك كل إيجاب مضاف إلى وقت) مثل أن يقول: لله علىَّ أن أتصدقَ عند رأس شهر أو أصومَ أو أصلىَ على ما ذكرنا في باب السبب من مسائل الإضافة (فإنه علةً اسمًا ومعنى)، ولهذا لو عجَّل قبله يصح، وقد ذكرناه. (لا حكمًا) لأنه لم يلتزمه في الحال فكان متشابها للأسباب من حيث إنه لا يستند الحكم إلى وقت الإيجاب بل كان مقتصرًا وقت وجود الوقت المضاف إليه. (اتصل بالأصل لحكمه)؛ لأن الوصفَ لا يستقل بنفسه، والأصلُ مع ذلك الوصف علةٌ فكان بمنزلة الأسباب من حيث أن الحكم تأخر إلى شيء آخر فكان منزلة تأخر السرقة من وقت الدلالة إلى وجود فعل السارق بالسرقة (حتى يصح أداءُ الحكم قبله) أي قبل وجود ذلك الوصف باعتبار وجود العلة اسمًا ومعنى.

стр. 1931

(وذلك مثلُ النصاب في أول الحول) فإنه سببٌ لوجوب الزكاة بصفة النماء، وحصول هذا النماء منتظَر لا يكون إلا بعد مدةٍ قدَّر الشرعُ تلك المدةَ بالحول، وإنما ذِكره لم ينتصب الحول شرطًا، فإنه ﵇ قال: "لا زكاةَ في مال حتى يحولَ عليه الحولُ" وحتى كلمة غاية -والغايةُ صفةٌ للمغيّا- لاكلمةَ شرطٍ، وبانعدام صفة النماء في الحال لا ينعدم أصلُ المال الذى يضاف إليه هذا الحكمُ شرعًا، فجعلناه علةً تشبه السبب حتى يجوز التعجيل بعد كمال النصاب، ولا يكون المودى زكاةً للمال لانعدام صفة العلة بخلاف المسافر إذا صام في شهر رمضانَ والمقيمُ إذا صلى في أول الوقت فالمؤدَّى يكون

стр. 1932

فرضًا لوجود العلة مطلقةً بصفتها. (ألا ترى أنه تراخى إلى ماليس بحادث به وإلى ما هو شبيه بالعلل) هذان الوصفان أعنى ما ليس بحادث به وما هو شبيه بالعلل يُرجِّحان جانب السببية للنصاب ووصفُ كون النماء غيرُ مستقل بنفسه يُرجِّحث جانب العلية للنصاب؛ لأن تراخى الحكم لو كان لمعنى حادث بالأصل كان الأصلُ بمنزلة علة العلة فيترجح حينئذٍ للأصل جانب العلية كما في الرمى فأن الوسائطَ بينه وبين الحكم وهو زهوق الروح من نفوذ السهم وإصابته وسراية ما جرحة مضافةٌ إلى الأول وهو الرمي، فلذلك كان الرميُ علةً وههنا لما لم يكن حولان الحول حادثًا بالنصاب كان النصابُ شبيهًا بالسبب. وكذلك كون الذى يوجب التراخي شبيها بالعلل يشعر بأن الأولَ شبيه بالسبب؛ لأن الحكمَ لو كان متراخيًا إلى ما هو علة حقيقة كسرقة السارق بعد الدلالة كان الأولُ وهو دلالةً الدال سببًا حقيقةً، فإذا كان متراخيًا بما هو شبيه بالعلل كان الأولُ شبيهًا بالأسباب ثم إنما قلنا: إن الذي يوجب التراخي ههنا وهو النماءُ يشبه العلل؛ لأن النماءَ يوجب المواساة فيكون له أثرٌ في وجوب الزكاة. وإنما قلنا إن وصفَ كون النماء غيرُ مستقلٍ بنفسه يرجح جانب العلية؛ لأن النماءَ وصفُ المال والوصفُ لا يقوم بنفسه، وحقيقةُ السبب أن يكون

стр. 1933

الحكمُ متراخيًا إلى ما يستقل بنفسه كما في سرقة السارق ولم يوجد ههنا كون ذلك الوصف مستقلًا بنفسه فأشبه بالعلل من حيث أن هذا الوصفَ قائمٌ به. (وكان هذا الشبَة غالبًا) أي شبه كون النصاب في أول الحول علة غالبٌ على شبه كونه سببًا؛ لأنه بالنظر إلى الأصل وهو النصابُ علةٌ وإلى الوصف وهو النماء سببٌ، والأصلُ راجحٌ على الوصف. (أن لا يظهر وجوب الزكاة في أول الحول قطعًا)؛ لأن فات وصفُ العلة فلم تكن العلةٌ موجودةً؛ لأن العلةَ مال نام فلم يكن الوجوبُ ثابتا قطعًا من أول الحول (بخلاف ما ذكرنا من البيوع) أي من البيع الموقوف والبيع بشرط الخيار؛ لأنه ودت العلةُ ثمة ولم يفت وصف منها، فلذلك عند زوال المانع يثبت الحكمُ من أول الإيجاب قطعا. (ثابتًا من الأصل في التقدير)؛ لأن الوصفَ متى وُجد اتصل بأصله فكان الأصلُ موصوفا به من الأصل تقديرًا.

стр. 1934

(وهذا أشبه بالعلل من النصاب) لأن المرضَ علةً تغيُّر الأحكام بوصف اتصاله بالموت وذلك الوصف لا يستقل بنفسه فكان المرضُ بمعنى العلة كما في النصاب بل المرضُ أشبه بالعلل من النصاب؛ لأن وصفَ الاتصال بالموتِ حادثٌ بالمرض، فكان شبه المرض بالعلة أقوى من النصاب؛ لأن ترادف َ الآلام التى هى الواسطةٌ المفضيةُ إلى الموت إنما حدثت من المرض. فلذلك كان شبه المرض بالعلة أقوى كما في الرمي هو علةٌ لزهوق الروح وإن كانت عليته للموت بالوسائط لكون تلك الوسائط حادثة من الرمي لم تُعتبر هى واسطة فكان الرمي علةً تامةً لمباشرة القتل حتى يجبُ القصاص على الرامي فكذا هنا. وقوله: (لما ذكرنا) إشارة إلى قوله: وكذلك ما هو علةُ العلة "وإنما قلنا إن التزكيةَ علةُ العلة، فإن الموجبَ للحكم بالرجم شهادةُ الشهود، والشهادةُ لا تكون موجبةً بدون التزكية، فمن هذا الوجه يكون الحكمُ مضافًا إلى التزكية، ومن حيث التزكيةَ صفةُ الشهادة بقي الحكمُ مضافًا إلى الشهادة

стр. 1935

أيضًا، فأي الفريقين إذا رجع كان ضامنًا. كذا ذكره الأمامُ شمس الأئمة ﵀. (لأنه ليس بطريق موضوع له) أي أحد الوصفين لا يكون موضوعًا لوجود الحكم لكن له شبة العلل من حيث أن ركنَ العلة إنما يتم إذا كان هو مع غيره؛ (لأن ربا النسيئة شبهة الفضل)؛ لأن للنقد مزية على النسيئة عرفًا لا حقيقةً فيثبت بشبهة العلة؛ لأن الشبهات في باب الحرمات ملحقةٌ بالحقائق. وأيد ذلك ما روى في الحديث:"إن النبى ﵇ نهى عن الربا والريبة". ولا يقال: كيف يحرُم شبهة الفضل بأحد الوصفين مع أن حقيقةَ

стр. 1936

الفضل لا تحرُم به؟. لأنا نقول: ذلك الحكمُ فلا يمكن إثباته بشبهة العلة؛ لأن الحكمَ يثبت على حسب ثبوت العلة تحقيقًا للمعادلة والمناسبة. ألا ترى أن البيعَ الفاسدَ الذي فيه ضعفٌ لفساده يثبت به الحكم الذى فيه ضعف وهو أنه لا يثبت الملك فيه قبل القبض بخلاف حكم البيع الصحيح. وقوله: (لأنه مؤثر فيه) أي لأنه طهر أثره فيه في الحال؛ لأن الوصفَ الأولَ مؤثرٌ فيه أيضا لمِا ذكر قبل هذا بعلة ذات وصفين مؤثرين لكن لم يظهر أثره في الحال، وإنما قلنا إن كل واحد ٍ منهم مؤثرٌ. أما الملك فلأنه يُستفاد به ملك العتق فكان بمعنى العلة فكان مؤثرًا كالعلة. وأما القرابةُ فلأنها مؤثرةٌ في الصلة وفى إبقاء القريب رقيقًا قطعُ الصلة، ولهذا صان اللهُ تعالى هذه القرابةَ عن القطع بواسطة أدنى الرقّين وهو النكاحُ فلأن تُصان عن القطع بأعلاهما وهو ملك اليمين أولى.

стр. 1937

(حتى يصير المشتري معتقًا) أي بواسطة الشراء، ولهذا صحت نيةُ الكفارة عند الشراء ولو كان الحكمُ مضافا إلى الكل لما صحَّت كما في الإرث، وليس لأحد أن يقولَ: أن أحدَهما شرطٌ والآخر علةٌ؛ لأنه لو كان كذلك لما صح عن الكفارة عند النية في آخرهما وجودا كما في المحلوف بالعتق. وبقوله: بعلة ذات وصفين مؤثرين"وقع الإحتراز عنه؛ لأن الشرطَ ليس بمؤثر. (أضيف العتق إلى القرابة) إي إلى دعوى القرابة عند الملك؛ لأنه لو لم يُضَف دعوى القرابة عند الملك لما غرِم؛ لأنه لم يوجد منه صنعٌ كما لو ورِثا قريب أحدهما. (فلا يترجحُ البعضُ على البعض)؛ لأن شهادتَهما إنما صارت حجةً للاستحقاق بقضاء القاضي وعند ذلك لا تأخُّرَ فيهما ولا تقدُّمَ. (وهذا ليس بعلة حكمًا) أي السفرُ هاهنا ليس بعلة للرخصة حكمًا.

стр. 1938

فإن قلت: أليس في هذا الذى ذكره مناقضةٌ فإنه ذكر أولًا: فكان علةً حكما "أي كان السفر علةً للرخصة بالإفطار في الصوم ونفى هاهنا كون السفر علةً للرخصة فيه! قلت: لا مناقضةَ؛ لأن موضوعَ المسألة فيما ذكر قبل هذا في الذي لم يُصبح صائمًا في حالةِ الإقامة، بل أصبح غيرَ صائم وهو في السفر كان في حقه علةً للرخصة في الإفطار أي في أن لا يصوم. وأما إذا أصبح صائمًا وهو مُقيمٌ ثم سافر لم يكن سفره ههنا علةً للرخصة في الإفطار؛ لأنه لو كان علةً لها لأبيح الفطر وليس بمباح له، وذلك لأن العلةَ حكمًا هي التى تثبت الحكم حال وجودها فورًا ولن تثبت الإباحةُ ههنا عُلم أنه ليس بعلة حكمًا، ولكن مع ذلك لو أفطر لا تجب الكفارة للشبهة وهى قيامُ السفر المبيح للفطر في الجملة. (ولا معنى)؛ لأن المؤثر هو المشقة لا نفس السفر ولو لم يكن علةً اسما

стр. 1939

لوجبت الكفارةُ لوجود الإفطار وعدم المرِخص؛ (لأن الرخصة تعلقت بالمشقة في الحقيقة)؛ لأن للمشقة والحرج تأثيرا في استباحة المحظورات واستجلاب الرخص، وإلى هذا أشار اللهُ تعالى بقوله: " يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ" إلا أن المشقة أمرُ باطن تتفاوت أحوال الناس فيه، ولا يمكن الوقوف على حقيقته فأقام الشرعُ السفرَ المقدر بثلاثة أيام مُقام تلك المشقة لكونه دالا عليها غالبًا. (إلا أنه متنوع) أي في كونه سببا للمشقة بواسطة الصوم؛ لأن الصومَ يحصل به الحِمية وهي رأسُ كل دواء، ثم لو قلنا مع ذلك أن مطلقَ المرض سببٌ للرخصة يلزم منه أن نقول: ما هو الموجب للمنفعة موجبٌ للمشقة فكان فيه خرم القاعدة الممهدة. فإن قلت: بل في قولك بتنوع المرض في تعليق الرخصة خرم القاعدة

стр. 1940

الممهدة؛ لأن الله تعالى جعل مطلق المرض علة رخصة الإفطار بقوله تعالى: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) حيث لزهما في قرن واحد، والأصل أن المطلق يجري إطلاقه، وفيما ذكرته ترك لهذا الأصل وتفريق للمقترنين في الوصل. قلت: ليس فيما قلنا ترك الأصل، بل فيه تقييد المطلق لوجود دليل التقييد بالإجماع. ألا ترى أن ظاهر الآية التي ذكرتها كسف قيد إطلاقه بتقييد الإفطار بالإجماع، فكذا قيد مطلق المرض بالمرض المفضي إلى الحرج بالإجماع. بيان ذلك الله تعالى قال: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) لو خلينا ومجرد النظر إلى ظاهرة الآية يلزم أن يصوم المريض والمسافر مرتين في وقتين مختلفتين. أحدهما- في وقت الأداء، ويتوقت شهر رمضان لقوله تعالى: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) وهما ممن شهد الشهر، وليس في قوله: (وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَر) ذكر الإفطار.

стр. 1941

والثاني: أن يصوم في وقت القضاء لقوله تعالى: (فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) فلابد من أن يقيد مطلق تلك الآية بقوله: "ومن كان مريضا أو على سفر فأفطر فعدة من أيام أخر، ولو لم يرد قوله: فأفطر" يلزم ما قلنا من الصوم مرتين وذلك مدفوع بمرة لقوله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ) ولقوله: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) فيقد ذلك المطلق بما قلنا. فكذا فيما نحن فيه يقيد بالمرض الذي يضر الصوم لا بالمرض الذي ينفعه الصوم. إذ لو قلنا ذلك يلزم أن يعود الكلام على موضوعه بالنقض؛ لأن الله تعالى جعل المشقة سببا للرخصة لا المنفعة فلذلك افترق المرض والسفر، لما أن السفر وإن قلت مشتقة لم يخل عن نفس المشقة لما أن التحرك للساكن مشقة وفيه ذلك. (فما كان منه سببا لاسترخاء المفاصل أقيم مقامه) وهو أن يكون مضطجعا أو متكئا (وكذلك الاستبراء متعلق بالشغل) أي بشغل الرحم بماء الغير

стр. 1942

ليصون ماءه عن اختلاط ماء الغير ثم نقل إلى (استحداث سبب الشغل) وهو الملك؛ لأن ملك اليمين سبب لشغل الرحم ظاهرا فأقيم الملك مقام الشغل لذلك. (والثاني: أن يقوم الدليل مقام المدلول)، والفرق بين الدليل والسبب هو أن الدليل إنما يقام مقام المدلول فيما لا يعلم وجود المدلول حقيقة ولكن

стр. 1943

وجود الدليل ظاهرا يدل على وجود المدلول بخلاف السبب الداعي كالمس في إثبات البعضية ومع ذلك يعلم حقيقة أنه لا يثبت البعضية بمجرد المس. (وطريق ذلك وفقهه) أي دليل إقامة الشيء مقام غيره، (وفي قيام النكاح مقام الماء) أي الأصل في إثبات النسب الماء إلا أن ذلك أمر باطن فقام النكاح مقامه؛ لأنه سببه. (كما في تحريم الدواعي في الحرمات) وهو أن الجماع حرام في الظهار وكذلك دواعيه (والعبادات) أي في تحريم الدواعي في العبادات وهو أن الجماع حرام حالة الإحرام والاعتكاف، فكذلك دواعيه من المس والقبلة حرام أيضاً، والله أعلم.

стр. 1944

باب تقسيم الشرط (لا حكم له قبل العلم من المخاطب)؛ وإنما كان العلم شرطا؛ لأنه لا تحصل القدرة بدونه، والله تعالى نفي التكليف بدون القدرة بقوله تعالى: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا) وكذلك هذا في كل الشروط في العبادات والعقوبات والمعاملات.

стр. 1945

(فالصيغة) هي: أن تدخل كلمة من كلمات الشرط. (والدلالة) هي: أن يكون في الكلام معنى الشرط من غير صيغته. (وقال بعضهم هو شرط عادة) يعني خرج الكلام على وفاق العادة، فإن الإنسان إنما يكاتب عبده إذا علم فيه خيرا لا أن يكون هذا شرطًا.

стр. 1946

(وهذا قول بأنه لغة)؛ لأنه وجد الشرط ولم يجد معناه، واللغو ليس إلا هذا. (فأما الإباحة فتستغني عنه) أي الإباحة في الكتابة تستغني عن العلم بالخير. (وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ). (سنة واستحباب) أي عطف قوله: (وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ) على قوله: (فَكَاتِبُوهُمْ) أجمعنا على أن قوله: (آتُوهُمْ) للاستحباب، فكان المعطوف عليه أيضا للاستحباب، وعقد الكتابة وإن كان مباحا قبل أن يعلم فيه خيرا، فإنما يصير مندوبا إليه إذا علم فيه خيرا، فظهرت فائدة الشرط من هذا الوجه. فإن قلت: يشكل على هذه قوله تعالى: (كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ) حيث عطف الذي هو للوجوب على الأمر الذي للإباحة وهو الأكل.

стр. 1947

قلت: ليس كذلك، فإن الأكل بقدر ما يقوم به مهجته فرض، وجاز أن يكون المراد هنا ذاك، وإن نفع الأكل راجع إلى العبد والشكر حق الله تعالى، فلذلك قام دليل الوجوب في الشكر لكونه حق الله تعالى، ودليل الإباحة في الأكل لكونه حق العباد وكلامنا فيما إذا كان الحق لواحد. (قصر الأحوال) أي قصر أحوال الصلاة كالأداء راكبا بالإيماء والإيجاز بالقراءة وتخفيف الركوع والسجود لا أن يكون المراد قصر شطر الصلاة، وإنما عرف هذا بنص أخر وهو قوله تعالى: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا) فإنما تعلق قصر أحوال الصلاة بالخوف، والقرآن يفسر بعضه بعضا. (وقال تعالى): (فَإِذَا قَضَيْتُمْ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَانَنتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ) والمراد- والله أعلم- فإذا أمنتم فأتموا

стр. 1948

الصلاة بأحوالها. (وَرَبَائِبُكُمْ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ) (فلا تذكر الحجور شرطًا)، وكلامنا في صريح الشرط لما أن دلالة الشرط لما أن دلالة الشرط لا تعتبر في المعرفة والربائب معرفة بالإضافة فكان ذكر الحجور لبيان التقرير كقوله تعالى: (من أصلابكم) وهذا الكلام لرد سؤال وهو أن يقال: ينبغي أن يكون الحجر شرطا؛ لأنه شرط دلالة من حيث الظاهر فيتفقد به حتى لو كانت الربائب في غير الحجر ينبغي أن يجوز نكاحها. والجواب ما ذكر وهو أن دلالة الشرط إنما تعتبر شرطا في النكرة لا في المعرفة. (هذا الكلام بمعنى الشرط دلالة لوقوع الوصف في النكرة) لما أن التزوج دخل علة امرأة غائبة غير معينة فكانت نكرة، والوصف في الغائب معتبر فصار كأنه قال: المتزوجة طالق، فكان الطلاق متعلقًا بالتزوج بخلاف ما

стр. 1949

إذا قال: هذه المرأة التي أتزوجها طالق، فإنه لو تزوجها لا تطلق؛ لأن الوصف في الحاضر لغو لما أن الوصف للتعريف؛ لأنه موضوع للتفرقة بين المشتركين، والتعريف الحاصل من الإشارة أقوى من التعريف الحاصل من الوصف، فكان الوصف بعد الإشارة وقع ضائعا فلا يعتبر فبقي قوله: هذه طالق وهي أجنبية فلا يصح. (ونص الشرط يجمع الوجهين) أي صريح الشرط وهو ذكر حرف من حروف الشرط يجمع وجهي المنكرة والمعينة أي صح فيهما، ويكون الطلاق معلقا فيهما حتى لو قال: إن تزوجت هذه المرأة فهي طالق ثم تزوجها تطلق كما قول قال: إن تزوجت امرأة فهي طالق. (لما لم تكن عللًا بذواتها استقام أن تخلفها الشروط)؛ لأن العلل الشرعية أمارات في الحقيقة فيمكن أن ينقل حكمها إلى ما يقاربها وهو

стр. 1950

الشروط بخلاف العلل العقلية، فإنها علل بذواتها أي بوضعها فلم يستقيم أن يخلفها الشروط في إضافة الحكم إليها. ألا ترى أن الكسر لما كان علة للانكسار والقطع علة للانقطاع لم يقم غيرهما مقامها في إثبات الانكسار والانقطاع. (فقد قالوا في شهود الشرط واليمين إذا رجعوا جميعا بعد الحكم إن الضمان يجب على شهود اليمين لأنهم شهود العلة)، وأما إذا رجع شهود الشرط وحدهم. قال الإمام شمس الأئمة- ﵀ في "أصول الفقه" و"المبسوطة": إنهم لا يضمنون. وقال في "المبسوط" ظن بعض مشايخنا أنهم يضمنون في هذا الفصل، وقالوا: إن العلة لا تصلح لإضافة الحكم إليها هاهنا فإنها ليست متعدية فيكون الحكم مضافًا إلى الشرط على أن الشرط يجعل خلفًا عن العلة هاهنا باعتبار أن

стр. 1951

الحكم يضاف غليه وجودا عنده وشبه هذا بحفر البئر، ثم قال: وهو غلط، بل الصحيح من المذهب أن شهود الشرط لا يضمنون بحال نص عليه في "الزيادات"، وهذا لأن قوله: أنت حر مباشرة الإتلاف للمالية وعند وجود مباشرة الإتلاف الحكم يضاف إليه دون الشرط، ولكن المصنف فخر الإسلام البزدوي وغيره من المشايخ- ﵏ اختاروا جانب الضمان. وذكر المصنف بعد هذا في الكتاب بخطوط: وإذا رجع الشرط وحدهم وجب أن يضمنوا. (لما قلنا) وهو قوله: "إن الشرط يتعلق به الوجود دون الوجوب فصار شبيها بالعلل" إلى أخره. وكذلك قال الإمام فخر الدين قاضي خان- ﵀ في أيمان "الجامع الكبير" وإن رجع شهود الدخول لا غير لم يذكر هذا الكتاب، واختلفوا فيه، قال بعضهم: لا يضمنون استدلالا بشهود الإحصان إذا رجعوا وحدهم لا يضمنون، ثم قال: وأكثر المشايخ قالوا بوجوب الضمان عليهم؛ لأن شهود الدخول إن لم يثبتوا علة التلف فقد أثبتوا التلف؛ لأن قوله: أنت حر يصير علة عند الدخول فالحق ذلك بالعلة عند تعذر إيجاب الضمان على صاحب العلة نظرًا لصاحب الحق. أما الإحصان فليس في معنى العلة، بل هو مانع عن العلة وهي الزنا فلا

стр. 1952

يكون ملحقًا بالعلة. أما الدخول فلا يمنع العلة وهو الإعتاق فأمكن إلحاقه بالعلة، وكذلك في عامة شروح الجامع الكبير حيث ذكر وجوب الضمان على شهود الشرط إذا رجعوا وحدهم. (وذلك مثل قول علمائنا في رجل قيد عبده ثم حلف) إلى أخره. ذكر هذه المسألة في باب الشهادة في العتق من عتاق "المبسوط" فقال: وهذا بناء على أن قضاء القاضي بالعتق بشهادة الزور هل ينفذ ظاهرًا وباطنًا؟ عند أبي حنيفة- ﵀ ينفذ ظاهرًا وباطنًا، وفي قول أبي يوسف الأخر وهو قول محمد- رحمهما الله- ينفذ ظاهرا لا باطنا، فتبين أن قضاء القاضي بشهادتهما لم يكن نافذا في الباطن وأن العبد إنما عتق بحل القيد لا بشهادتهما فلا يضمنان عندهما شيئا. وعند أبي حنيفة- ﵀ إنما عتق العبد بقضاء القاضي لنفوذ قضائه ظاهرا وباطنا، وقضاء القاضي كان بشهادتهما، فلهذا ضمنا قيمته؛ لأنا علمنا أنهما شهدا بالباطل. فإن قيل: هما إنما شهدا بشرط العتق؛ لأنهما شهدوا بوزن القيد أنه دون

стр. 1953

عشرة أرطال وذلك شرط العتق ولا ضمان على شهود الشرط. قلنا: لا كذلك؛ بل شهدا بتنجيز العتق؛ لأنهما زعما أن المولى علق عتقه بشرط موجود، والتعليق بشرط موجود كان تنجيزا حتى يملكه الوكيل بالتنجيز وشهود تنجيز العتق يضمنون عند الرجوع. فإن قيل: قضاء القاضي إنما عند أبي حنيفة- ﵀ إذا لم يتقين ببطلانه. فأما بعد التيقن ببطلانه فلا ينفذ، كما لو ظهر أن الشهود عبيد أو كفار، هاهنا قد تيقنا ببطلان الحجة كان وزن القيد خمسة أرطال وبعد ما علم كذبهم بيقين لا ينفذ القضاء باطنا فيعتق حينئذ بحل القيد. قلنا: لا كذلك؛ بل نفوذ القضاء عند أبي حنيفة- ﵀ باعتبار أنه يسقط من القاضي تعرف ما لا طريق له إلى معرفته وهو حقيقة صدق الشهود ولا يسقط عنه الوقوف على ما بتوصل إليه من كفرهم ورقهم؛ لأن التكليف يثبت بحسب الوسع وقد تعذر على القاضي هاهنا الوقوف على حقيقة وزن القيد؛ لأنه لا يعرف ذلك إلا بعد أن يحله، وإذا حل عتق العبد فتسقط عنه حقيقة معرفة وزن القيد ونفذ قضاؤه بشهادتهما ظاهرًا وباطنًا.

стр. 1954

قلت: فعلى هذا كان قوله: "وذلك مثل قول علمائنا" في تشبيه أن شهود العلة إذا كانوا كذبة في شهادتهم يضمنون لما أتلفوا بشهادتهم والكذب منهم يظهر إما برجوعهم عن شهادتهم أو بظهور المشهود به على خلاف ما شهدوا، وهاهنا ظهر كذبهم بظهور المشهود به على خلاف ما شهدوا به فيضمنون عند أبي حنيفة- ﵀ لذلك، فكان قوله: "وذلك مثل قول علمائنا" إشارة على قوله: "إن الضمان على شهود اليمين"؛ لأنهم شهود العلة. هذا على تقرير "المبسوط" على ما ذكرت، وأما على تقرير هذا الكتاب فكان قوله: "فأما إذا سلم الشرط عن معارضة العلة صلح علة"، فكان ضمان الشاهدين عند أبي حنيفة- ﵀ باعتبار أن صاحب العلة وهو المولى بيمينه لما لم يصلح لإيجاب الضمان عليه ضمن صاحب الشرط وهو الشاهدان اللذان أثبتا شرط العتق بشهادتهما إن القيد عشرة أرطال. وقوله: (فوقع العتق بحل القيد) والحل كان بأمر القاضي فلا يكون موجبًا للضمان. وقوله: (وهذان الشاهدان أثبتا شرط العتق) من تتمة قول أبي حنيفة

стр. 1955

رحمه الله- وقوله: "ومع ذلك ضمنا" أي على قول أبي حنيفة ﵀. وقوله: (لا تصلح لضمان العتق وهو يمين المولى) إما لأنهما مباحة فلا تصلح سببًا للضمان، أو لأن الإنسان لا يضمن لنفسه، أو لأنه تصرف في ملكه. (وفي مسألة رجوع الفريقين) أي شهود التعليق وشهود وجود الشرط (إيجاب كلمة العتق) وهو قول المولى: أنت حر إن كان كذا، وهما أثبتا تلك الكلمة زورًا فكان الضمان عليهما حيث أثبتا العتق فلا ضرورة في خلفية الشرط (فيكون حفر البئر إزالة للمانع) فصار كوجود الشرط بدخول الدار مثلًا

стр. 1956

فإنه إزالة للمانع فكذا هنا، (ولهذا لم تجب على حافر البئر كفارة) هذا الإيضاح أن حافر البئر صاحب شرط لا صاحب علة. (فمن قسم الأسباب التي جعلت عللا) لأنها طرق إلى التلف وليست بشروط؛ لأنها لم تكن إزالة مانع للعلة بخلاف حفر البئر ونحوه، فإنه إزالة للمانع لا طريق مفض إلى التلف سابقا عليه، ففي كلتا الصورتين يجب الضمان، (وعلى هذا) الأصل وهو إقامة الشرط مقام العلة عند عدم إمكان الإضافة إلى العلة.

стр. 1957

(وإن كان التغيير بطبع الأرض والماء والهواء) يعني ا، تغير المغضوب في يد الغاضب موجب للضمان عليه إذا كان بفعل الغاضب، وهنا وإن لم يوجد فعل مغير منه لكن وجد شرط التغير، وهو الإلقاء في الأرض فأقيم مقام العلة. (لكن العلة) أي العلة هنا لحصول الخارج من البدن قوة الأرض والماء والهواء وهي (مسخرة) بتقدير الله تعالى لا اختيار لها، فلم يصلح لإضافة الحكم إليها، والإلقاء الذي هو شرط جامع بين هذه الأشياء أعني الحب والأرض والهواء والماء فجعل العلة خلفا عنها في الحكم، وبهذا الطريق يصير الزرع كسب الغاضب مضافًا على عمله فكان مملوكا له فكان هذا كالواقع مع الحافر، فإن الثقل الذي هو علة لما لم يصلح لإضافة الضمان إليه أضيف إلى حفر الحافر الذي هو شرط خلفا عنه فكذا هنا. (فجعل للشرط حكم العلل) أي في حكم الضمان؛ حيث الضمان إلى صاحب الشرط كما يضاف إلى صاحب العلة.

стр. 1958

(غير منسوب إليه) أي إلى الشرط لئلا يكون في معنى العلل (وأن يكون سابقا عليه) أي على الفعل الاختياري ليكون في معنى السبب. وقوله: (باتفاق أصحابنا) إنما قيد به احترازًا عن مسألة فتح باب القفص حتى طار الطير أو باب الإصطبل فخرجت الدابة فإن فيه خلافًا بين أصحابنا فقال محمد- ﵀: فيه بالضمان. (إزالة للمنع)؛ لأن إباقة إنما صار علة التلف بعد الحل. (فالسبب مما يتقدم) أي على العلة، (والشرط مما يتأخر) أي عن العلة. (ثم هو سبب محض) فلا يمكن إضافة الحكم إليه؛ لأن السبب المحض لا يضاف إليه الحكم بل الحكم وهو تلف المالية مضاف إلى ما اعترض عليه من

стр. 1959

العلة دون ما سبق إلى السبب. (وكالدابة) تجول بعد الإرسال، فكذلك هذا أي يصلح فعل البهيمة قاطعا لفعل الفاتح حتى لا يجب الضمان على فاتح القفص. وكذلك صيد الحرام إذا خرج من الحرم يعتبر فعله في قطع الحكم وهو الحرمة الثابتة له بسبب الحرم ولما كان فعل الدابة يعتبر في الجملة اعتبر هنا في حق قطع الفتح عن الفاتح حتى لا يجب الضمان على الفاتح بخلاف من فتح فم زق الدهن أو غيره حتى تلفت ماليته بسيلانه كان على الفاتح الضمان؛ لأن السيلان ليس بفعل البهيمة حتى يصلح قاطعا لفعل الفاتح.

стр. 1960

وقوله: (ولهذا قلنا فيمن حفر بئرا) متصل بقوله: "لأن الإلقاء هو العلة وقد صلح لإضافة الحكم إليه" (أن العلة صالحة لإضافة الحكم إليها) لكون

стр. 1961

ذلك الفعل اختياريا فلا ضرورة في جعل الشرط خلفا عنه؛ لأنه ضروري فلا يصار إليه إلا عند الضرورة. (ووجب المصير في لاضمان العدوان إلى محض القياس) وهو عدم وجوب الضمان على المشلى؛ لأن ما وجد منه من الإشلاء سبب قد اعترض عليه فعل من مختار غير منسوب إلى ذلك السبب، فإنه لا يكون سائقا بمجرد الإشلاء، ومع الشك في السبب الموجب للضمان لا يجب الضمان بحال. وحاصل الفرق بينهما ما ذكره في "الهداية" في باب جناية البهيمة: إن البهيمة مختارة في فعله ولا تصلح نائبا عن المرسل فلا يضاف فعله إلى غيره

стр. 1962

هذا هو الحقيقة، إلا أن الحاجة مست في الاصطياد فأضيف إلى المرسل؛ لأن الاصطياد مشروع ولا طريق له سواه ولا حاجة في ضمان العدوان. وذكر الفقيه أبو الليث- ﵀ إذا أرسل كلبًا فأصاب في فوره إنسانا يضمن المرسل وإن لم يكن سائقا له؛ لأنه إذا أرسله وإن لم يكن خلفه فما دام في فوره فكأنه خلفه. قال الصدر الشهيد- ﵀ وعليه الفتوى. كذا في البهيمة في فصل مسائل جناية البهيمة من كتاب الجنايات والحدود. (ولهذا قلنا فيمن ألقى نارًا) يتصل بقوله: "لم يضمن" لأنه صاحب سبب والفعل الموجود بعده غير مضاف إليه؛ لأن هبوب الريح بعدما ألقى النار في الطريق غير مضاف إلى الملقي، وكذلك لدغ الحية بعد ما تحركت بخلاف ما إذا أحرقت قبل الوقوع على الأرض وقبل التحرك؛ لأنه مضاف إليه تسبيبًا فيضمن.

стр. 1963

(وأما الذي هو شرط اسما لا حكما فإن كل حكم تعلق بشرطين فإن أولهما شرطا أسما لا حكمًا) فإن قلت: ما الفرق بين الشرط وبين العلة في مثل هذه الصورة، فإن الحكم إذا تعلق بوصفين لم يكن الوصف الأول هناك علة اسمًا بل كان هو شبهة العلل على ما ذكر فيه بقوله: "وأما الوصف الذي له شبهة العلل" إلى أخره. وأما الشرط في مثل هذه الصورة فكان الوصف الأول شرطًا اسما. قلت: إنما كان هكذا؛ لأن لكل من الوصفين هناك نوع تأثير. ألا ترى أنه كيف صرح به بقوله: فكل حكم تعلق بوصفين مؤثرين ولما لم تتم العلة إلا بهما لم يكن كل واحدة منهما علة بانفراده، فكان شبهة العلل باعتبار تأثيره ولم يكن علة لعدم تمام ركن العلة بخلاف الشرط، فإنه يتم شرطًا بانفراده وإن لم يثبت الحكم إلى وجود شرط أخر. وحاصل ذلك راجع إلى أن اجتماع شروط كثيرة جائز في حق حكم واحد وجوده، كجواز الصلاة مثلا يتوقف على شروط كثيرة، وكل شرط.

стр. 1964

منها تام في كونه شرطًا وإن لم يثبت الحكم عنده وليست العلة كذلك؛ لأنه مستحيل أن يثبت الحكم الواحد في حالة الوجود بعلل كثيرة جمعًا، والمعنى فيه أن العلة هي المؤثرة في وجود الحكم، فلما وجد الحكم بواحدة منهما كان وجوده ثانيًا محالا بأخرى منها. وأما الشرط فليس بمؤثر في وجود الحكم؛ بل الحكم يوجد بالعلة عند وجود الشرط فيصح اجتماع الشروط، فكان كل شرط تامًا في كونه شرطًا، فصح إطلاق اسم الشرط على كل واحد من الشرطين بدون الأخر، ولم يصح ذلك في العلل لما ذكرنا أن المؤثر إحداها التي تسبق منها لا الجميع، ثم إذا لم يتم ركن العلة إلا بوصفين مؤثرين لم يكن كل واحد منهما علة تامة، فلم يكن على أسما. ولكن كان شبهة العلل باعتبار تأثيره لا عند وجود الوصف الأخر ثبوت الحكم بهما، فكان كل واحد منهما مؤثرًا في وجود الحكم، لكن لما لم يتم ركن العلة بوجود الوصف الواحد لم يثبت الحكم بوجوده، فكان هو بانفراده مشابها للعلة لا علة تامة فسمي شبهة العلل لذلك. (لأن الملك شرط عن وجود الشرط لصحة وجود الجزاء لا لصحة وجود الشرط)؛ لأن الشرط يصح وجوده وإن لم يوجد الحكم عنده على ما

стр. 1965

ذكرنا. وأما الملك فشرط لصحة نزول الجزاء، ولهذا لو دخلت الدارين بعد زوال الملك، فإنه يوجد الشرط وتنحل اليمين لا إلى جزاء حتى لو نكحها بعد ذلك ودخلت الدارين لم تطلق، وهذا لأن الملك لو اعتبر عند وجود الشرط إنما يعتبر لبقاء اليمين ولا حاجة إلى بقاء الملك لبقاء اليمين؛ لأن اليمين تبقى بدون بقاء الملك؛ لأن محل اليمين الذمة، فكانت باقية ببقاء محلها من غير أن يشترط فيه الملك في المحل، ولهذا لو أبانها وانقضت عدتها، فإنه تبقى اليمين ما لم يوجد الشرط وإن عدم الملك، وهو معنى قوله: (ولم يجز شرطه لبقاء اليمين كما قبل الشرط الأول)، فإن اليمين تبقى قبل الشرط الأول بدون بقاء الملك، فكذا بعد الشرط الأول، وهذا لأن الملك في المحل إنما يشترط لنزول
следующие страницы →