Полный текст (2 351 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.
стр. 2031
وجوب الإيمان ووجوب أدائه في حقه.
وتوسط المصنف فخر الإسلام ﵀ حيث ثال بنفس وجوب الإيمان عليه لا بوجوب أدائه وخير الأمور أوسطها.
وقوله: (وإذا لم يخل الوجوب عن حكمه) وهو صحة الأداء ونيابته عن الفرض.
(والإغماء لما لم يناف حكم وجوب الصوم لم يناف وجوبه) فحكم وجوب الصوم هو الأداء في الحال أو في الثاني بلا حرج وهو موجود في حق الصوم لا في الصلاة فإنه إذا نوى الصلاة ثم جن أو أغمى عليه ولم يوجد منه ما يفسد الصوم صح صومه.
علم بهذا أن الإغماء غير مناف للصوم وكذلك إن لم يتمكن من الأداء في الحال يتمكن منه في الثاني بلا حرج لأن الإغماء لا يستغرق الشهر عادة فلا يحرج في قضائه بخلاف الصلوات لأن الإغماء مناف لها في الحال؛ لأن
стр. 2032
الإغماء ناقض للطهارة فلا تتحقق من المغمى عليه الصلاة وفي الثاني يلزم الحرج لتضاعف صلوات كل يوم.
(والنوم لما لم يكن منافيًا لحكم الوجوب إذا انتبه) وهو القضاء بلا حرج لأنه لم يمتد أكثر من يوم وليلة عادة لم يكن منافيًا للوجوب أيضًا والله أعلم.
стр. 2033
باب أهلية الأداء
(أما القاصر فيثبت بقدرة البدن إذا كانت قاصرة قبل البلوغ) أي إذا كانت القدرة موجودة مع وصف القصور فإن من الصبيان من لا قدرة له أصلا لا على وجه الكمال ولا على وجه القصور كمان في الرضيع وكما في الصبي الذي لم يعقل شيئًا فإنه لا قدرة لهما أصلًا وإذا لم تكن القدرة لكل واحد منهما أصلًا لا يأتي كلا منا هذا فيه فلذلك احترز عنه بقوله: "إذا كانت قاصرة".
والدليل عليه ما ذكره شمس الأئمة ﵀ بقوله: فالقاصرة باعتبار قوة البدن وذلك ما يكون للصبي المميز قبل أن يبلغ ثم المعنى من قدرة البدن هو التمكن من الأداء بعقل مميز.
стр. 2034
(وأصل العقل يعرف بدلالة العيان) أي الأثر (وذلك أن يختار المرء ما يصلح له بدرك العواقب المستورة فيما يأتيه ويذره) يعني أن الرجل إذا عاين غيره أنه يختار ما يصلح له في ثاني الحال بطريق التجربة والإمتحان فيما هو مستور أمره في الحال بأنه مما يصلح له في ثاني الحال أم لا؟ وكذلك يختار ترك ما لا يصلح له في ثاني الحال فيما هو مستور أمره في الحال يحكم بأنه عاقل كمن فصد مثلا لدفع الحرارة أو شرب الدواء لدفع المرض.
وقد علم دفع الحرارة بالفصد ودفع المرض بشرب ذلك الدواء بالتجربة مرارًا ولكن إندفاع الحرارة والمرض مستور بأمره حال الفصد وشرب الدواء وكذا إذا ترك شرب الدواء الذي لا يدفع مرضه وترك الفصد فيما لا منفعه فيه بطريق التجربة بحكم من عاينه أنه يباشر مثل هذه الأفعلا النافعة ويترك ما يضره بأنه عاقل وكذا من رأي غيره يهيئ في الصيف ما كان ينفعه في الشتاء من جمع الحطب ورم ما وهي من الحيطان وسد
стр. 2035
ثلم السقوف وإصلاح خروق السطوح وتهيئة أسباب المطاعم والملابس التي لا يمكن تحصيلها غالبًا في الشتاء أو لو أمكن ما يمكن مثل تحصيلها في الصيف يحكم بكمال عقله في أمر المعيشة وإن إحتمل خلاف ذلك بأن يكون تحصيل هذه الأشياء أرخص وأيسر حصولًا في الشتاء من الذي في الصيف ولكن ما يقع غاليًا بطريق التجربة والإمتحان عد أنه من جملة العقلاء ومن زمرة الحكماء.
وكذلك في أمر الآخرة إذا إشتغل بما ينفعه في الآخرة وإجتنب عما يضره فيها عد من العقلاء المهتدين والعباد المتقين.
(فأما الإعتدال فأمر يتفاوت فيه البشر) على وجه يتعذر الوقوف عليه فأقام الشرع إعتدال الحال بالبلوغ عن عقل مقام كمال العقل حقيقة في بناء إلزام الخطاب عليه تيسيرًا على العباد، ثم صار صفة الكمال الذي يتوهم
стр. 2036
وجوده قبل هذه الحال ساقط الاعتبار وتوهم النقصان بعد هذا الحد غير معتبر لما أن السبب الظاهر لما قام مقام المعنى الباطن للتيسير دار الحكم معه وجودًا وعدمًا.
وقوله: (فأما حقوق الله تعالى فمنه) ذكر ضمير الحقوق على تأويل المذكور.
(ولا عهدة فيه بوجه) أي لا حرج فيه ولا ضرر.
(إلا بحجر من الشرع وذلك) أي الحجر (في الإيمان باطل لما قلنا) إشارة إلى ما ذكر قبيل هذا حسن لا يحتمل غيره والحجر من أمارات أن لا يكون حسناَ كما في قراءة المقتدى القرآن حتى إذا وجدت القراءة منه تجعل قراءته كلا قراءة لأنه محجور عنها شرعًا ولا يليق مثل ذلك في الإيمان ولأن الناس عن آخرهم دعوا إلى الإيمان والحجر عن الإيمان كفر ثم الحجر بسبب الصغر شرعًا لأجل النظر وذلك لا يليق بما يتمحض منفعة لا يشوبه ضرر فكان النظر في الحكم بصحة الأداء منه لأن المطلوب به الفوز والسعادة الأبدية في الدنيا والآخرة (وذلك يحتمل الوضع) أي لزوم أدائه يحتمل أن يوضع عنه (فوضع عنه) أي فأسقط لزوم أداء الإيمان عن الصبي.
стр. 2037
(فأما الأداء فخال عن العهدة) أي فأما مجرد صحة الأداء من غير لزوم الأداء فخال عن الضرر ثم لزم على هذا التعليل حرمان الإرث عن أقاربه الكفار فإن حرمان الإرث ضرر عليه وإنما جاء ذلك عن صحة أدائه الإيمان.
فأجاب عنه بقوله: (لأن حرمان الإرث يضاف إلى الكفر الباقي) لا إلى صحة أداء الإيمان يعني إذا مات أبوه الكافر الباقي بعد إسلام ابنه فلا يرث منه ابنه المسلم لأن الإيمان شرع عاصمًا للأملاك لا قاطعًا وإصرار الآخر على كفره يصلح قاطعًا فأضيف إليه.
(ولأن ما يلزمه بعد الإيمان) من الضرر الدنيوي مثل حرمان الإرث وقوع الفرقه بينه وبين امرأته الكافرة.
(فمن ثمرات الإيمان) لا المقصود الأصلي من الإيمان فإن المقصود الأصلي منه السعادة الأبدية وهي حاصلة بإيمانه فكان المنظور إليه في الباب المقصود الأصلي لا الثمرات ولأن هذا أمر معارض بمثله فلا يصلح أن يكون شبهة لأنه قد يصير مستحقًا للإرث بسبب إيمانه ولو لم يكن مؤمنًا لما إستحق الإرث، فإنه لو مات أقاربه المسلمون إنما يستحق إرثهم إذا كان مؤمنًا
стр. 2038
وإذا كان كافرًا لا يستحق وكذلك يقرر ملك نكاحه إذا كانت زوجته أسلمت قبله.
(إذا ثبت له حكم الإيمان تبعًا لغيره) أطلق لفظ التبعية بقوله لغيره لأن التبعية للغير على أنواع فأقواها تبعية الأبوين أو أحدهما ثم الدار يعني إذا لم يكن معه أحد أبويه يكون مسلمًا تبعًا لدار الإسلام ثم بعد الدار يعتبر اليد ويجعل مسلمًا تبعًا لصاحب اليد وتمام هذا مذكور في فصل التكفين من باب الجنائز من "النهاية".
(ولم يعد عهدة) أي لم يجعل ذلك الضرر الدنيوي ضرر فعل الإيمان لأنه لم يوجد منه فعل يصلح للعهدة ومع ذلك ثبت الإيمان في حقه بالإجماع ولم يبال بما لزمه بعد الأداء من حرمان الإرث وغيره.
(ألا ترى أنه لا يرد علمه بوالديه) ومعنى عدم رد علمه بوالديه أن الرجل إذا أقر بغلام يولد مثله لمثله وليس له نسب معروف أنه ابنه وصدقه
стр. 2039
الغلام ثبت نسبه منه وشرط تصديقه لأنه في يد نفسه إذ المسألة في غلام يعبر عن نفسه كذا في إقرار "الهداية"أراد بالذي يعبر عن نفسه الصبي العاقل.
علم بهذا أن علم الصبي العاقل بوالدية وتصديقه لهما معتبر في الشرع حتى يرتب عليه حكم شرعي وهو ثبوت نسبه منهما عند تصديقه بهما فلما لم يرد علمه بوالديه لم يرد علمه بالله تعالى أيضًا ولما كان علمه بالله تعالى علمًا كان جهله به أيضًا جهلًا وهو الردة فكانت منه متحققة وهذا الذي ذكره قول أبي حنيفة ومحمد -رحمهما الله-.
стр. 2040
وقال أبو يوسف ﵀ لا يحكم بصحة الردة في أحكام الدنيا من الصبي لأن ذلك يتمحض ضررًا لا يشوبه منفعة وإنما حكمنا بصحة إيمانه لأنه يتمحض منفعه ولكن أبو حنيفة ومحمد -رحمهما الله- قالا: كما يوجد منه حقيقة الإسلام من الوج الذي قلنا يوجد منه حقيقة الردة لأنه كما يتحقق منه العلم بسائر الأشياء يتحقق منه الجهل بها والردة جهل بالله تعالى فعرفنا أنه توجد حقيقتها منه ثم لا يمتنع ثبوتها بعد الوجود حقيقة للحجر شرعًا فالبالغ محجور عن الردة شرعًا كالصبي ومع ذلك تتحقق منه الردة فكذا تتحقق من الصبي العاقل.
(ومن ذلك ما هو بين هذين القسمين) أي ومن المذكور الذي هو حقوق الله تعالى حقوق له بين كونه حسن لعينه وبين كونه قبيحًا لعينه أي ليس بحسن لعينه وليس بقبح لعينه وهو عامة العبادات كالصلاة والزكاة والصوم والحج فإنها تحتمل النسخ والتبديل.
ألا ترى أنه ورد النهي في بعض الأوقات والأحوال في الحديث: "ثلاث أوقات نهانا رسول الله عليه أن نصلي فيها"وقال ﵇: "ألا لا تصوموا في هذه الأيام" وما كان حسنًا لعينه لا يرد فيه النسخ والتبديل
стр. 2041
والنهي في وقت من الأوقات.
(حتى قلنا بسقوط الوجوب) أي قلنا بعدم ثبوت نفس الوجوب من الأصل على ما عليه اختيار المصنف ﵀ (لأن اللزوم لا يخلو عن العهدة) أي لأن القول بلزوم هذه الأشياء في حق الصبي لا يخلو من إثبات الضرر في حقه وهو منجى عن الضرر الدنيوي شرعًا.
ألا ترى أنه لا يجب عليه الدود والقصاص عند مباشرة أسبابها فكذلك لم يثبت لزوم العبادات في حقه.
(وقد شرعت) أي صحه أداء هذه العبادات (بدون ذلك الوصف) أي بدون لزوم العهدة في حق الصبي (بلا لزوم مضي) أي بلا لزوم إمضاء ما شرع فيه من الصلاة والصوم بخلاف البالغ (لأنها قد شرعت كذلك) أي بلا لزوم مضى ولا وجوب قضاء أي في الجملة.
стр. 2042
(وكذلك إذا شرع في اإحرام على هذا الوجه ثم أحصر) أي البالغ إذا شرع في إحرام الحج ظانًا أن عليه الحج ولم يكن عليه ثم أحصر فلا قضاء عليه.
علم بهذا أن هذه العبادات قد توجد في حق البالغ أيضًا بلا وصف لزوم المضي والقضاء في صورة من الصور فيجب أن يثبت في حق الصبي أيضًا بلا وصف لزوم المضي والقضاء في جميع الصور وإنما قيد بالإحصار لأن الخروج من إحرام الحج بعد الشروع فيه لا يجوز إلا بالإحصار أو بالأداء.
(وقلنا في الصبي إذا إرتد أنه لا يقتل).
وذكر في "المبسوط"وإذا حكم بصحة ردته بانت منه امرأته لكنه لا يقتل استحسانًا لأن القتل عقوبة وهو ليس من أهل العقوبة في الدنيا بمباشرة سببه كسائر العقوبات ولكنه لو قتله إنسان لا يغرم شيئًا لأن من ضرورة صحة ردته إهدار دمه، وليس من ضرورته استحقاق قتله كالمرأة إذا ارتدت لا تقتل
стр. 2043
ولو قتلها قاتل لا يلزمه شيء.
وقوله: (لما قلنا) إشارة إلى قوله: "وقلنا بصحتها تطوعًا -إلى قوله- لأنها قد شرعت كذلك".
(وفي ذلك جاءت السنة) أي في صحة النوافل منه وإنما هذا ضرب تأديب لتخلق بأخلاق الرجال الصالحين.
وقال الشاعر:
أدب بنيك إذا ما استوجبوا أدبًا ... فالضرب أنفع أحيانًا من الضرب
أي العسل: وقال أيضًا:
إن الغصون إذا قومتها اعتدلت ... ولا تلين إذا قومتها الخشب
стр. 2044
وقوله: (وإنما هذا ضرب تأديب وتعزيز لا عقوبة) جواب لما يرد شبه على قوله ﵇: "مروا صبيانكم بالصلاة إذا بلغوا سبعًا وإضربوهم عليها إذا بلغوا عشرًا" بما ذكر في الباب الذي قبل هذا بقوله: وما كان عقوبة أو جزاء لم يجب عليه.
(ووجب للعبد بشرط السلامة) حتى لو هلك العبد المحجر في ذلك العمل تجب القيمة على المستأجر، ولا يجب الأجر.
(ولا تشترط السلامة في الصبي الحر) فإنه إذا هلك في العمل يجب الأجر أيضًا، لأنه هو النفع المحض بخلاف هلاك العبد في العمل، فإنه لا
стр. 2045
يجب الأجر؛ لأن العبد مال ويصير المستأجر غاضبًا باستعمال العبد المحجور, فتجب قيمته ويملك العبد من وقت الغضب فلا يجب أجر منافعه.
(فإنه لم يذكر إلا في "السير الكبير") وما لم يصرح فيه بقول غيره فعامة إطلاقه مخصوصة بقوله, وها هنا أيضًا يحتمل أن يكون هذا قوله بناء على أن أمانه صحيح عنده.
(فإن الآدمي مكرم بصحة العبارة وعلم البيان) لما أن الإنسان إنما باءن سائر الحيوان بالبيان ومن الله تعالى على الإنسان به. وقال تعالى: (خَلَقَ الإِنسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ) , فعرفنا أن معرفة البيان وصحة العبارة (من أعظم وجوه الانتفاع) به ولهذا صححنا منه التوكل عن الغير بالبيع والشراء
стр. 2046
له, فإن ذلك محض منفعة له؛ لأنه يصير به مهتديًا إلى التصرفات الشرعية عارفًا بمواضيع الغبن والخسران ليتحرز منه عند حاجته إليه, وقد أشار الله تعالى إلى ذلك بقوله: (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى) ولا تلزمه العهدة بهذا التصرف إذا لم يكن مأذونًا؛ لأن في إلزام العهدة معنى الضرر وبالأهلية القاصرة إنما يثبت في حقه ما يتمحض منفعة.
فإن قيل: أليس أنه لا يصح منه أداء الشهادة وفى تصحيح عبارته في أداء الشهادة محض المنفعة في حقه؟
قلنا: صحة أداء الشهادة تبنى على الأهلية للشهادة وذلك تبتنى على الأهلية الكاملة؛ لأنها إثبات الولاية على الغير في الإلزام بغير رضاه وبدون الأهلية الكاملة لا تثبت هذه الولاية.
(فبطلت مباشرته وذلك مثل الطلاق والعتاق) , وليس معنى هذا أن امرأة الصبى لا تكون محلًا للطلاق بل هي محل للطلاق وعبده محل للعتاق,
стр. 2047
فإن الطلاق يملك بملك النكاح- وملك النكاح للصبى- إذ لا ضرر في إثبات أصل الملك وإنما الضرر في الإيقاع حتى إذا تحققت الحاجة إلى صحة إيقاع الطلاق من جهته لدفع الضرر كان صحيحًا, فإن الحكم الثابت في حقه عند الحاجة, حتى إذا أسلمت امرأة الصبى العاقل وعرض عليه الإسلام فأبى- فرق بينهما, وكان ذلك طلاقًا في قول أبى حنيفة ومحمد- رحمهما الله-وإذا ارتدت وقعت الفرقة بينه وبين امرأته, كانت هي طلاقًا عند محمد ﵀ وكذلك في العتاق فإنه إذا كاتب الأب أو الوصى نصيب الصغير من عبد مشترك بينه وبين غيره واستوفى بدل الكتابة., صار الصبى معتقًا لنصيبه حتى يضمن قيمة نصيب شريكه إن كان موسرًا, وهذا الضمان لا يجب إلا بالإعتاق, فيكتفى بالأهلية القاصرة في جعله معتقًا للحاجة إلى دفع الضرر عن الشريك, فعرفنا أن الحكم الثابت في حقه عند الحاجة.
وأما بدون الحاجة فلا يجعل ثابتًا؛ لأن الاكتفاء بالأهلية القاصرة لتوفير المنفعة على الصبى, وهذا المعنى لا يتحقق قيما هو ضرر محض. كذا ذكره الإمام شمس الأئمة السرخسى وكذلك الصدقة.
قال الإمام شمس الأئمة- ﵀: فإنه محض ضرر في العاجل لا يشوبه منفعة, ولهذا تبنى صحته شرعًا على الأهلية الكاملة, فلا تثبت
стр. 2048
بالأهلية القاصرة.
(إلا من قبل التوى) وهو الجحود.
(فصار ملحقًا بهذا الشرط) أي صار القرض بهذا الشرط وهو أن يكون المقرض قادرًا على استيفائه ملحقًا بما كان نفعًا خالصًا فيملكه عليه القاضى؛ لأن القاضى يتمكن من استرداده بمجرد علمه, بخلاف الأب فإنه لا يتمكن من استرداده إلا بشهود حضور ومجلس قضاء وقاض عادل يقضى بالشهود العدول, وقد لا يتمكن الأب من جميع هذه الأشياء.
(وأما ما يتردد بين النفع والضرر) - إلى قوله- (والنكاح).
فإن قيل: لما كان الطلاق ضررًا محضًا وجب أن يكون النكاح نفعًا محضًا؛ لأنه ضده, وبالضد تتبين أحكام الأشياء.
قلنا: إنما كان هكذا لأمر خاص لكل واحد منهما؛ لأن الأثر الخاص في الطلاق زوال ملك النكاح وهو ضرر محض.
وأما النكاح فحكمه حل الاستمتاع مع لزوم المهر, فكان النكاح من حيث
стр. 2049
حل الاستمتاع نفعًا.
ومن حيث لزوم المهر ضررًا فتردد بينهما لذلك, وهذا لأن المرأة تحتمل أن تهب المهر قبل الطلاق فيبقى الطلاق ضررًا محضًا ولا يحتمل أن تهب المرأة المهر قبل النكاح, فيبقى النكاح لذلك مترددًا بين النفع والضرر.
وأما النفقة فبماقبلة احتباس المرأة للزوج فكان النفع من الضرر متعارضين فيتقاصان.
(وقد صار أهلًا يتصور منه المباشرة)؛ لأن الكلام في الصبى العاقل؛ لأن هذه الأحكام كلها مبنية على قوله:"أما القاصرة"فيثبت بقدرة البدن إذا كانت قاصرة قبل البلوغ, ثم وجه تصور المباشرة منه هو أنه إذا تصرف بطريق الوكالة للغير أنه جائز وإن لم يأذن له وليه فيه؛ لأن فيه اعتبار النيابة هو نفع محض على ما بين.
ولما كان أهلًا للتصرف للغير كان أهلًا للتصرف لنفسه بالطريق الأولى. (فإذا صار أهلًا لحكمه) وهو الملك (كان أهلًا لسببه) وهو الشراء.
стр. 2050
(مع فضل نفع البيان) حيث اعتبر بيانه, (وتوسع طريق الإصابة) لحصول الملك له تارة بمباشرة وليه وتارة بمباشرته بنفسه, فكان هذا أنفع له مما إذا كان طريق إصابة الملك واحدًا, (حتى يجعل الصبى كالبالغ)؛ لأن نقصان رأيه اتجبر برأى الولى, وما كان عدم صحة تصرفه إلا باعتبار نقصان رأيه, فلما انجبر ذلك النقصان برأى الولي كان كالبالغ في حق التصرف لا محالة.
(بطريق أن رأى الولي شرط للجواز) أي أن شرط جواز تصرف الصبى رأى الولى, وبدون رأيه لا يجوز تصرف الصبى, فكان جواز تصرف الصبى برأى الولي بمنزلة رأى آخر للولى, فكان للولى رأيان:
أحدهما: تصرف الولي بنفسه برأيه.
والثانى: إذنه للصبى في التصرف وهو أيضًا برأيه, ثم تصرف الصبى برأى وليه وهو عموم رأى الولى؛ لأن رأى الولي فيه قائم أيضًا, فكان رأيه شاملا للموضعين فكان عامًا وتصرف الولي بنفسه برأيه خصوص رأيه؛ لأنه اختص برأى نفسه ولم يتعد إلى موضع آخر فكان خاصًا, ثم الولي إذا تصرف
стр. 2051
في مال الصغير برأيه الخاص لم يملك التصرف بالغبن الفاحش, فكذا إذا تصرف في مال الصغير برأيه العام وهو تصرف الصغير بنفسه برأى الولي ينبغى أن لا يملك التصرف بالغبن الفاحش.
وقال الإمام شمس الأئمة ﵀ وما قاله أبو حنيفة رضى الله عنه أوجه, فإن إقرار الصبى بعد إذن الولي له صحيح وإن كان الولي لا يملك الإقرار عليه بنفسه؛ يعنى لا يلزم من عدم الجواز في تصرف الولي لأجله عدم الجواز في تصرف الصبى بعد إذن الولى, فإن إقرار الولي الولي بنفسه على الصبى لا يجوز, ثم لو أذن الولي للصبى في التجارة وأقر الصبى على نفسه بالمال يجوز, فعلم بهذا أن بينهما فرقًا.
(وفي رواية أبطله لشبهة النيابة) أي صار الصبى بمنزلة نائب الولي في التصرف.
стр. 2052
وقوله: (دون وصفه) وهو وصف الكمال.
وقال الإمام شمس الأئمة ﵀ ولأنه وجد أصل الرأى له بنفسه ولم توجد صفة الكمال فكان هو باعتبار الأصل متصرفًا لنفسه كالبالغ, وباعتبار الصفة هو كالنائب.
علم بهذا أن الصبى هو بمنزلة النائب عن الولى, ولما ثبتت للصبى شبهة النيابة نظرًا إلى وصف الرأى (اعتبرت الشبهة في موضع التهمة) وهو
стр. 2053
التصرف مع الأقارب بغبن فاحش, (ولم يعتبر في غير موضع التهمة) وهو في التصرف معهم بمثل القيمة لثبوت النيابة له من وجه دون وجه؛ لأنه لو ثبتت النيابة من كل وجه لما جاز تصرفه معه في الصور كلها كالوكيل مع الموكل, فلما ثبتت من وجه دون وجه اعتبرت أيضًا من وجه دون وجه.
(وعلى هذا) الأصل أن ما كان نفعًا محضًا يتملكه الصبى بدون إذن الولى, وما كان مترددًا بين النفع والضرر لا يتملكه الصبى بدون إذن الولى, (إذا توكل) أي قبل الوكالة (لم تلزمه العهدة) أي ضرر التسليم والتسلم وبإذن المولى تلزمه وكذلك الصبى.
(وفي الانتقال إلى الإيصاء ترك الأفضل)؛ لأن في ترك الانتقال إلى الإبصاء ماله إلى قريبه وفي الإيصاء إيصال ماله إلى الأجنبى, ولا شك أن إيصال النفع إلى القريب أولى من إيصال النفع إلأجنبى, وإليه أشار النبي
стр. 2054
عليه السلام: "لأن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون".
(والولي في موضع النزاع ليس بولي) أي كون الصبى مع الأب أو مع الأم مما يتردد حاله بين النفع والضرر في حالة الفرقة, وكان ينبغى أن يعتبر اختيار الولي في هذا كما يعتبر رأيه في سائر التصرفات التى تتردد بين النفع والضرر كالبيع لكن لا يعتبر اختياره؛ لأن الأب ليس بولى في هذا لأن الولي هو الذي يتصرف لغيره نظرًا له بطريق الولاية وفى هذا يحتمل أن يكون نظر الأب لنفسه فلا يبقى وليًا للصغير.
وقال الإمام شمس الأئمة ﵀ وعلى هذا قلنا: إذا وقعت الفرقة
стр. 2055
بين الزوجين وبينهما صبى مميز, فإنه لا يخير فيما بين الأبوين -إلى أن قال- وكما لا يعتبر اختياره في هذا لا يعتبر اختيار وليه؛ لأن وليه في هذه الحالة أبوه, وأبوه في هذا الاختيار يعمل لنفسه, فلا يصلح أن يكون ناظرًا فيه لوالده, ويجوز أن لا يعتبر قوله في ذلك ولا قول أبيه؛ لنقصان رأى الصبى وعدم كون الأب وليًا.
(وكفى به) أي بالتناقض, (وقال بلزوم الإحرام من غير نفع) حيث لا يسقط عنه حجة الإسلام حين بلغ إذا حج بذلك الإحرام في حال الصبا.
وأما إذا أهل الصبى بالحج ثم احتلم قبل أن يطوف بالبيت أو قبل أن يقف بعرفة لم يجزه من حجة الإسلام عندنا, وعلى قول الشافعى يجزيه - فصار اختلافًا هنا نظير الاختلاف في الصلاة- فإنه إذا صلى في أول الوقت ثم بلغ في آخره عنده يجزيه عن الفرض ويجعل كأنه بلغ قبل أداء الصلاة, فهنا أيضًا يجعل كأنه بلغ قبل مباشرة الإحرام فيجزيه ذلك عن حجة الإسلام,
стр. 2056
ولكنا نقول: حين أحرم وهو لم يكن من أهل أداء الفرض فانعقد إحرامه لأداء النفل فلا يصح أداء الفرض به وهو نظير الصرورة إذا أحرم بنية النقل عندنا لا يجزيه أداء الفرض به, وعنده ينعقد إحرامه للفرض والإحرام وإن كان من الشرائط عندنا ولكن في بعض الأحكام هو بمنزلة الأركان.
ومع الشك لا يسقط الفرض الذي ثبت وجوبه بيقين, فلهذا لا يجزيه عن حجة الإسلام بذلك الأحرام إلا أن يجدد إحرامه قبل أن يقف بعرفة حينئذ يجزيه عن حجة الإسلام؛ لأن ذلك الإحرام الذي باشره في حالة الصغر كان تخلقًا ولم يكن لازمه عليه, فيتمكن من فسخه بتجديد الإحرام, وهذا بخلاف العبد إلى آخر ما ذكره في مناسك "المبسوط".
(الأشياء موضوعًا) أي وضع ذلك الشيء بنفسه.
(ولا يصح اختيار الولي عليه) أي لا يصح أن يختار الولي أحدهما لأجل الصبى, وكذلك قبول الهبة في قول صحيح منه دون الولى, وفى قول عكسة أي قبول الهبة للصبى يصح من الولي دون الصبى.
وذكر في هبة "المبسوط"وكل يتيم في حجر أخ أو ابن أخ أو عم يعوله,
стр. 2057
فوهب له رجل هبة, فإنما يقبضها الذي يعوله إذا كان هو صغيرًا لا يحسن القبض, وكذلك إذا كان عاقلًا ولا يحسن القبض فقبض له من يعوله جاز؛ لأنه فيما تتمحض منفعة لليتيم كان لمن يعوله أن يباشر فيه, وإن قبض الصغير بنفسه ففى القياس لا يجوز قبضه وهو قول الشافعى؛ لأنه لا معتبر بعقله قبل البلوغ خصوصًا فيما يمكن تحصيله له بغيره.
وجه الاستحسان أنه إنما لا يعتبر عقله لدفع الضرر عنه, وهذا فيما يتردد بين المنفعة والمضرة, فأما فيما يتمحض منفعته فلا يتحقق هذا المعنى.
وقوله: (ومتى جعلناه وليًا لم نجعل فيه موليًا) كما في الإيمان وقبول الهبة. وإذا جعلناه موليًا عليه لم نجعله وليًا كما في الإذن في التجارة, وهذا جواب عما ذكره الشافعى بقوله: "وهو أن من كان موليًا عليه لم يصلح أن يمون وليًا" إلى آخره.
(وإنما هذا عبارة عن الاحتمال) أي في كل موضع جعلنا الصبى وليًا أو موليًا عليه هو عمل بالدليل عند قيام الليل عليه, واحتمال ذلك التصرف
стр. 2058
ذلك الحكم, فكان هذا منا بيان احتمال ذلك التصرف ذلك الحكم؛ لأن لما جعلنا الصبى في كل تصرف وليًا ثم نجعله موليًا عليه في ذلك التصرف, وفى كل تصرف جعلناه موليًا عليه لم نجعله وليًا في ذلك التصرف ولم يكن ذلك تناقضًا, وإنما التناقض في جعله وليًا وموليًا عليه في تصرف واحد, وما يتصور من اجتماع من صورة اجتماع كونه وليًا وموليًا عليه في تصرف واحد كما في الإيمان وقبول الهبة فذاك (راجع إلى توسع طريق النيل) إلى المنفعة المحضة والمقصود هو النيل والوصول إلى المنفعة.
وقوله: (وذلك هو المقصود) أي المقصود هو حصول المنفعة له من كونه وليًا أو موليًا عليه, وإذا كان هو المقصود من ذلك التردد في السبب وجب اعتبار هذا التردد في السبب من كونه وليًا وموليًا عليه في تصرف واحد عند حصول الحكم له, وهو الوصول إلى المنفعة بأي طريق كان.
(وإنما الأمور بعواقبها) أي في الأمور إنما تعتبر عواقبها لا ابتدائها, وعاقبة ما قلنا غير مترددة وهى حصول المنفعة له وإن كان حصول المنفعة في الابتداء مترددًا في السبب, ولا اعتبار لتردد السبب؛ لأن المقصود من الأسباب أحكامها. والله أعلم.
стр. 2059
باب الأمور المعترضة على الأهلية
أي الأمور التي تعترض على أصل الأهلية التي بينا أنها بناء على قيام الذمة وتمنع الأحكام التي تتعلق بالأهلية.
(العوارض نوعان): أي الموانع. يقال: عرض لي أمر أمر أي استقبلني فمنعني عما أريده.
(سماوي): أي من قبل صاحب الشرع بدون اختبار العبد على وجه ليس في يد العبد دفعه وإزالته وإنما نسب هذا النوع من العوارض إلى السماء لكون الحوادث موعدًا تقديرها في السماء قال الله تعالى: (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ)
(ومكتسب) أي ما حصل من كسب العبد واختياره منه أي من الذي
стр. 2060
اعترض عليه.
عد (الجهل) من العوارض مع أنه أمر أصلي. قال الله تعالى: (واللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا) باعتبار أنه كان في يده إزالته بسبب مباشرته لأسباب العلم حتى يحصل له العلم ويزول الجهل ولما ترك ذلك مع قدرته عليه جعل ذلك بمنزلة حصوله مع كبسه وباقي التقرير مذكور في "الوافي".
(وإذا زال قبل الامتداد فجعلوه عفوًا) أي فجعلوا الجنون غير مؤثر في الإسقاط وجعلوه كأن لم يكن وألحقوه بالنوم والإغماء.
стр. 2061
وقوله: "لكنهم استحسنوا فيه" ذكر في حق وجوب القضاء لفظ الاستحسان لأن القياس أن لا يجب القضاء لكون الجنون منافيًا لأهلية الأداء على ما ذكر قبل هذا بقوله: "أما الجنون فإنه في القياس مسقط للعبادات
стр. 2062
كلها "وكذلك ذكر بعده (كان القياس لفظ فيه ما قلنا) وهو كون الجنون مسقطًا للعبادات.
وذكر في صوم "المبسوط"فإن أفاق المجنون في بعض الشهر فعليه بالصوم ما بقي من الشهر وليس عليه قضاء ما مضى في القياس وهو قول زفر والشافعي -رحمهما الله- لأنه لو استوعب الشهر كله منع القضاء في اكل فإذا وجد في بعضه يمنع القضاء بقدره اعتبارًا للبعض بالكل وقياسًا على الصبي وهذا الصبي أحسن حالًا من المجنون فإنه ناقص العقل في بعض أحواله عديم العقل في بعض أحواله -إلى الإصابة عادة- والمجنون عديم العقل لا إلى الإصابة عادة ولهذا جاز إعتاق الصغير عن الكفارة دون المجنون فإذا كان الصغر في بعض الشهر يمنع وجوب القضاء فالجنون أولى.
واستحسن علماؤنا ﵏ بقوله تعالى: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) والمراد منه شهود بعض الشهور لأنه لو كان السبب شهود كل الشهر لوقع الصوم في شوال فصار بهذا النص شهود جزء من الشهر سببًا
стр. 2063
لوجوب صوم جميع الأشهر إلا في موضع قام الدليل وقد قام الدليل في حق الصبي أن لا يوجب القضاء دفعًا للحرج وهذا لأن الوجوب في الذمة ولا ينعدم ذلك بسبب الصبا ولا بسبب الإغماء إلا أن الصبا يطول عادة فيكون مسقطًا للقضاء دفعًا للحرج والإغماء لا يطول عادة فلا يكون مسقطًا للقضاء والجنون قد يطول وقد يقصر فإذا طار إلتحق بما يطول عادة وإذا قصر التحق بما يقصر عادة.
وقوله: (ألا ترى أن الأنبياء ﵈ إيضاح لقوله: "وذلك أنه لما كان منافيًا لأهلية الأداء"يعني أن الدليل على أن الجنون مناف لأهلية الأداء عصمة النبي ﵇ إنما عصم عنه لأن الجنون ينافي أداء بخلاف النوم والإغماء لأن النوم معهود في الإنسان ويتوقع الإنتباه من النوم ساعة فساعة فلا يكون منافيًا للأداء تقديرًا فوجب القول بالوجوب وكذلك الإغماء.
ألا ترى أن الأنبياء ﵈ لم يعصموا عنه فصح عنه القول بالوجوب
стр. 2064
إذا لم يوجب حرجًا ولأن الإنسان بالجنون لما لم يبق أهلًا للعبادات كان ملحقًا بالبهائم ولو لم يعصم الأنبياء ﵈ عنه كان تنفيرًا للناس عن دعوتهم إلى الإسلام ولذلك قال الله تعالى في حق نبيه (مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ).
(لم يكن موجبًا حرجًا على ما قلنا) وهو إشارة إلى ما ذكر في باب بيان الأهلية بقوله: وكذلك قلنا في الجنون -إلى أن قال- وإذا لم يمتد في شهر رمضان لزمه أصله لإحتمال حكمه وهذا لأن أصل الوجوب انما يراد لحكمه فمهما كان وجوب الأداء مفضيًا إلى الحرج قلنا بسقوط الوجوب من الأصل لأن الوجوب ثابتًا في حقه.
(وقد اختلفوا فيه) أي في الجنون الذي بينا حكمه من جواب القياس والاستحسان.
(فأما إذا بلغ الصبي مجنونًا فإذا زال صار في معنى الصبي إذا بلغ).
стр. 2065
وكان هذا نظير الحيض في قوله تعالى: (واللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ) أي حكمهن.
لذلك يعتدن بالأشهر كالصغائر إذا بلغن بالسن كما أن عدم رؤية الدم هناك على وجه الأصالة ألحق بعدم رؤية الدم في حالة الصغر، ولم يُلحق عدم الرؤية به على وجه العارض كما في الممتد طهرها، فكذلك هاهنا ينبغي أن يُلحق الأصلي بالصغير دون العارضي.
(وقال محمد ﵀ هما سواء) أي الجنون الأصلي والعارضي في أنه إذا لم يمتد وجب القول بالوجوب وإذا امتد لا يصح القول بالوجوب. (واعتبر حاله) أي حال المجنون (ويلحق بأصله) أي يلحق محمد ﵀ الجنون الأصلي إذا زال بأصل الجنون وهو أن يكون عارضًا؛ لأن الأصل في الجبلة السلامة وفوات السلامة عارض، فكان الأصل في الجنون أن يكون من العوارض والحكم في الجنون العارضي أنه إذا امتد يمنع الوجوب وإلا فلا.
(وهو في أصل الخلقة متفاوت بين مديد وقصير فيلحق هذا الأصل في الحكم الذي لم يستوعبه بالعارض) أي إلحاق الجنون الأصلي بالعارضي في الحكم الذي لم يستوعبه لما أن الجنون في نفسه متفاوت، ولما ثبت أنه متفاوت بين مديد وقصير، فالمديد يفضي إلى الحرج دون القصير، فلذلك
стр. 2066
أثبتنا الحكم فيه على حسب ذلك.
وحاصل الكلام أن محمدًا ﵀ ألحق الجنون الأصلي بالعارضي، والحكم في العارضي مجمع عليه وهو أنه إذا كان مستوعبًا لمدة وظيفة العبادة كان مسقطًا لها وإلا فلا، فكذلك في الأصلي.
(وحد الامتداد يختلف باختلاف الطاعات)؛ لأن امتداد وقت بعضها الشهر، وامتداد وقت بعضها السنة، وامتداد وقت بعضها اليوم، فإن الجنون إذا لم يستوعب مدة وظيفة العبادة ألحق بالجنون العارضي حتى إذا بلغ الصبي مجنونًا قبل دخول شهر رمضان ثم أفاق قبل انسلاخ شهر رمضان كان الحكم فيه كالحكم في الجنون العارضي، أي يجب قضاء صوم شهر رمضان عليه،
стр. 2067
وكذلك هذا في الصلوات أنه إذا بلغ مجنونًا ثم زال الجنون قبل مُضي يوم وليلة يجب عليه قضاء صلوات هذا اليوم كالجنون العارضي، وإن زال بعد مضي يوم وليلة لا قضاء عليه على حسب الاختلاف.
(فاعتبر الزيادة بالساعات) أي بساعات الصلوات وهي أوقاتها، وفائدة هذا الاختلاف تظهر فيمن أغمى عليه بعد طلوع الشمس ثم أفاق من الغد بعد الزوال يسقط القضاء عندهما خلافًا لمحمد ﵀ والقياس ما قاله محمد ﵀ ليدخل الواجب في حد التكرار، وأبو حنيفة،
стр. 2068
وأبو يوسف -رحمهما الله- أقاما الوقت مقام الواجب كما قالوا جميعًا في المستحاضة. كذا في "مبسوط" شيخ الإسلام.
وذكر في "المحيط" أن ما قاله محمد ﵀ هو الأصح. ثم قال: وإنما تظهر ثمرة الاختلاف فيما إذا أغمي عليه عند الضحوة ثم أفاق من الغد قبل الزوال بساعة فهذا أكثر من يوم وليلة من حيث الساعات فلا قضاء عليه في قول أبي يوسف، وهو رواية عن أبي حنيفة ﵁ وعلى قول محمد ﵀ يجب عليه القضاء؛ لأن الصلوات لم تزد على الخمس.
(لأن ذلك لا يثبت إلا بحول) أي لأن التكرار لا يثبت إلا بحول، وفي اعتبار الحول حرج؛ لأنه ربما يُجن في كل سنة ويفيق شهرًا منها أو يومًا فلا يسقط عنه الواجب أبدًا ولا يقدر على أدائه، ولأنا لو اعتبرناه بالحول يصير التبع زائدًا على الأصل؛ لأن الأصل شهر واحد والزيادة عليه أحد عشر شهرًا والتبع لا يزيد على الأصل.
فإن قيل: إن غسل العضو مرة واحدة أصل والمرتان بعدها زائدتان عليها والزائد أكثر عددًا من الأصل هناك.
стр. 2069
قلنا: لا يرد ذلك علينا؛ لأن الزائد على المرة الواحدة هناك ليس بشرط والمدعي أن لا يكون الزائد مِثْلًا للأصل فيما هو شرط، والسنن والنوافل وإن كثُرن لا يكنّ مثلًا للفرض فلا يتوجه نقضًا.
(فيما يمتد) أي فيما يمتد من الجنون.
(فإذا زال قبل هذا الحد وهو أصلي كان على هذا الاختلاف) يعني إذا بلغ الصبي مجنونًا وهو مالك للنصاب فمضى بعد البلوغ ستة أشهر مثلًا فزال الجنون لتمام ستة أشهر، ثم تم الحول على إفاقته فعليه الزكاة عند محمد ﵀، بل يُستأنف الحول عقيب الزوال؛ لأن هذا عند أبي يوسف ﵀ بمنزلة الصبي، وفي الجنون العراضي في هذه الصورة تجب الزكاة بالإجماع؛ لأنه قبل حد الامتداد عند الكل، فأما إذا زال الجنون بعد مضي أحد عشر شهرًا فكذلك الجواب عند محمد ﵀ فيهما جميعًا للزوال قبل حد الامتداد، وعند أبي يوسف ﵀ لا يجب لوجود الزوال بعد حد الامتداد، وفي "المبسوط" ثم في الجنون الأصلي لا ينعقد الحول على ماله حتى يفيق، فإن كان جنونه طارئًا فقد ذكر هشام في نوادره أن على قول أبي يوسف العبرة لأكثر الحول، فإن
стр. 2070
كان مفيقًا في أكثر الحول تجب الزكاة وإلا فلا، وجعل هذا نظير الجزية، فإن الذمي إذا مرض في بعض السنة فإن كان صحيحًا في أكثر السنة تلزمه الجزية وإن كان مريضًا في أكثر السنة لم تلزمه الجزية.
وقال محمد ﵀: إذا كان مفيقًا في جزء من السنة قل أو كثر من أولها أو آخرها تلزمه الزكاة.
هكذا روى ابن سماعة عن أبي يوسف -رحمهما الله- وجعل هذا نظير الصوم، والسنة للزكاة كالشهر للصوم. والإفاقة في جزء من الشهر كالإفاقة في جميعه في وجوب صوم الشهر فهذا كذلك.
(وهو الثواب في الآخرة)؛ لأنه مسلم تبعًا لأبويه (إذا احتمل الأداء) أي إذا وجد الأداء عند الاحتمال وهو فيما إذا لم يوجب الأداء الحرج.
(وذلك ولاية) أي الوراثة ولاية بدليل قوله تعالى: (فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ
следующие страницы →