Полный текст (2 351 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.
стр. 2066
أثبتنا الحكم فيه على حسب ذلك.
وحاصل الكلام أن محمدًا ﵀ ألحق الجنون الأصلي بالعارضي، والحكم في العارضي مجمع عليه وهو أنه إذا كان مستوعبًا لمدة وظيفة العبادة كان مسقطًا لها وإلا فلا، فكذلك في الأصلي.
(وحد الامتداد يختلف باختلاف الطاعات)؛ لأن امتداد وقت بعضها الشهر، وامتداد وقت بعضها السنة، وامتداد وقت بعضها اليوم، فإن الجنون إذا لم يستوعب مدة وظيفة العبادة ألحق بالجنون العارضي حتى إذا بلغ الصبي مجنونًا قبل دخول شهر رمضان ثم أفاق قبل انسلاخ شهر رمضان كان الحكم فيه كالحكم في الجنون العارضي، أي يجب قضاء صوم شهر رمضان عليه،
стр. 2067
وكذلك هذا في الصلوات أنه إذا بلغ مجنونًا ثم زال الجنون قبل مُضي يوم وليلة يجب عليه قضاء صلوات هذا اليوم كالجنون العارضي، وإن زال بعد مضي يوم وليلة لا قضاء عليه على حسب الاختلاف.
(فاعتبر الزيادة بالساعات) أي بساعات الصلوات وهي أوقاتها، وفائدة هذا الاختلاف تظهر فيمن أغمى عليه بعد طلوع الشمس ثم أفاق من الغد بعد الزوال يسقط القضاء عندهما خلافًا لمحمد ﵀ والقياس ما قاله محمد ﵀ ليدخل الواجب في حد التكرار، وأبو حنيفة،
стр. 2068
وأبو يوسف -رحمهما الله- أقاما الوقت مقام الواجب كما قالوا جميعًا في المستحاضة. كذا في "مبسوط" شيخ الإسلام.
وذكر في "المحيط" أن ما قاله محمد ﵀ هو الأصح. ثم قال: وإنما تظهر ثمرة الاختلاف فيما إذا أغمي عليه عند الضحوة ثم أفاق من الغد قبل الزوال بساعة فهذا أكثر من يوم وليلة من حيث الساعات فلا قضاء عليه في قول أبي يوسف، وهو رواية عن أبي حنيفة ﵁ وعلى قول محمد ﵀ يجب عليه القضاء؛ لأن الصلوات لم تزد على الخمس.
(لأن ذلك لا يثبت إلا بحول) أي لأن التكرار لا يثبت إلا بحول، وفي اعتبار الحول حرج؛ لأنه ربما يُجن في كل سنة ويفيق شهرًا منها أو يومًا فلا يسقط عنه الواجب أبدًا ولا يقدر على أدائه، ولأنا لو اعتبرناه بالحول يصير التبع زائدًا على الأصل؛ لأن الأصل شهر واحد والزيادة عليه أحد عشر شهرًا والتبع لا يزيد على الأصل.
فإن قيل: إن غسل العضو مرة واحدة أصل والمرتان بعدها زائدتان عليها والزائد أكثر عددًا من الأصل هناك.
стр. 2069
قلنا: لا يرد ذلك علينا؛ لأن الزائد على المرة الواحدة هناك ليس بشرط والمدعي أن لا يكون الزائد مِثْلًا للأصل فيما هو شرط، والسنن والنوافل وإن كثُرن لا يكنّ مثلًا للفرض فلا يتوجه نقضًا.
(فيما يمتد) أي فيما يمتد من الجنون.
(فإذا زال قبل هذا الحد وهو أصلي كان على هذا الاختلاف) يعني إذا بلغ الصبي مجنونًا وهو مالك للنصاب فمضى بعد البلوغ ستة أشهر مثلًا فزال الجنون لتمام ستة أشهر، ثم تم الحول على إفاقته فعليه الزكاة عند محمد ﵀، بل يُستأنف الحول عقيب الزوال؛ لأن هذا عند أبي يوسف ﵀ بمنزلة الصبي، وفي الجنون العراضي في هذه الصورة تجب الزكاة بالإجماع؛ لأنه قبل حد الامتداد عند الكل، فأما إذا زال الجنون بعد مضي أحد عشر شهرًا فكذلك الجواب عند محمد ﵀ فيهما جميعًا للزوال قبل حد الامتداد، وعند أبي يوسف ﵀ لا يجب لوجود الزوال بعد حد الامتداد، وفي "المبسوط" ثم في الجنون الأصلي لا ينعقد الحول على ماله حتى يفيق، فإن كان جنونه طارئًا فقد ذكر هشام في نوادره أن على قول أبي يوسف العبرة لأكثر الحول، فإن
стр. 2070
كان مفيقًا في أكثر الحول تجب الزكاة وإلا فلا، وجعل هذا نظير الجزية، فإن الذمي إذا مرض في بعض السنة فإن كان صحيحًا في أكثر السنة تلزمه الجزية وإن كان مريضًا في أكثر السنة لم تلزمه الجزية.
وقال محمد ﵀: إذا كان مفيقًا في جزء من السنة قل أو كثر من أولها أو آخرها تلزمه الزكاة.
هكذا روى ابن سماعة عن أبي يوسف -رحمهما الله- وجعل هذا نظير الصوم، والسنة للزكاة كالشهر للصوم. والإفاقة في جزء من الشهر كالإفاقة في جميعه في وجوب صوم الشهر فهذا كذلك.
(وهو الثواب في الآخرة)؛ لأنه مسلم تبعًا لأبويه (إذا احتمل الأداء) أي إذا وجد الأداء عند الاحتمال وهو فيما إذا لم يوجب الأداء الحرج.
(وذلك ولاية) أي الوراثة ولاية بدليل قوله تعالى: (فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ
стр. 2071
ولِيًا (٥) يَرِثُنِي)، حيث جعل الوراثة تفسيرًا للولاية، والوصف المفسر عين المفسّر وإلا لا يكون مفسرًا له، والمفسر ولاية فكان المفسر ولاية فكانت الوراثة ولاية بهذا التقرير، وثبوت الإرث والملك لا يكون بدون الذمة والولاية، فعلم بهذا أن للمجنون ذمة.
(فيصير الوجوب عدمًا بناء عليه) أي على عدم الأداء أي على عدم وجوب الأداء وذلك فيما إذا كان الأداء مفضيًا إلى الحرج.
(لأنه أهل لحكمه) لأن حكمه أداء المال في حقوق العباد وذلك يتحقق بالولي لما أن فعل من وجب عليه المال غير مقصود في حقوق العباد بل المقصود وصول المال إلى من يستحقه.
وقوله: (على ما قلنا) إشارة إلى ما ذكر في باب بيان الأهلية بقوله: فما كان منها غرمًا وعوضًا فالصبي من أهل وجوبه؛ لأن حكمه وهو أداء العين يحتمل النيابة؛ لأن المال مقصود لا الأداء، وهذا كله بناء على قيام الذمة.
(والحجر عن الأقوال صحيح) ألا ترى أن الحجر عن الأقوال في حق بعض العقلاء صحيح كالمقتدي محجور عن القراءة، والمريض محجور عن
стр. 2072
الإقرار في بعض الأحوال بخلاف الأفعال، فأولى أن يصح الحجر عن الأقوال في حق المجنون نظرًا له، ففسدت عبارته؛ لأن العبارة إنما تكون بالكلام وصحة الكلام بالعقل والتمييز وبدونهما لا يكون كلامًا.
(لعدم ركنه وهو العقد أي الاعتقاد فلم يكن حجرًا) يعني ما قلنا إن إيمانه لم يصح لم يكن ذلك منا حجرا له عن الإيمان، بل بناء على أن ركنه لم يوجد لا أن يكون مجورًا عنه، هذا جواب شبهة بأن يقال: قولكم إن إيمان المجنون لا يصح حجر منكم للمجنون عن الإيمان كما قلتم للشافعي في قوله: إن إيمان الصبي العاقل لا يصح أن هذا حجر منه عن الإيمان وهو لا يصح.
قلنا: إن الصبي لما عقل يتحقق منه ركن الإيمان وهو التصديق ثم بعد وجود الإيمان بحقيقته من قال: لا يصح إيمانه كان ذلك حجرًا له عن الإيمان لا محالة.
وأما في حق المجنون فكان عدم صحة الإيمان لعدم ركنه لا للحجر عنه.
(دفعًا للظلم بقدر الإمكان)؛ لأن السبيل إلى إسلامه ممكن بهذا الطريق فوجب المصير إليه دفعًا للضرر عن المسلمة وهو كونها مقهورة تحت كافر ولا
стр. 2073
يجوز ذلك؛ لأن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه.
(وما كان ضررًا يحتمل السقوط فغير مشروع في حقه) نحو الحدود والقصاص والكفارات؛ لأنها تحتمل السقوط عن البالغ بالشبهات، وكذلك العبادات فإنها تحتمل السقوط بالأعذار.
(حتى يصير مرتدًا تبعًا لأبويه)، وهذا لأن الإسلام لا يمكن في حقه أن يثبت بطريق الأصالة لعدم تصور ركن الإيمان وهو التصديق بالقلب عن المجنون، ولو ثبت الإسلام في حقه إنما يثبت بطريق التبعية، وإذا ارتد أبواه -والعياذ بالله- زالت التبعية في الإسلام، والمجنون بسبب عدم عقله تبع لأبويه لا محالة، ثم لو لم تثبت الردة في حقه مع كونه تبعًا لهما يلزم أن تكون الردة عفوًا في حقه، وهو محال في الذي هو قبيح لعينه فوجب القول بثبوت الردة في حقه؛ لأن الإسلام مع وجود الردة محال للتضاد بينهما فوجدت الردة في المتبوع حقيقة فتثبت في التبع ضرورة.
["الصغر"]
(وأما الصغر) إلى آخره، فإن قيل: الصبا كيف يكون من العوارض وهو لازم الإنسان من زمان الولادة؟
стр. 2074
قلنا: يعتبر العارض في ذات الإنسان وقد يوجد الإنسان بدون الصغر وهو في الحال كالبالغ، ووجد أيضًا في جنس أصل الإنسان في أول وجوده من لا صغر له كآدم ﵇، ولأنا بينا أن الوجوب بناء على قيام الذمة والسبب وهما موجودان في حق الصغير والوجوب ساقط، فعلم بهذا أن السقوط باعتبار العارض وليس ذلك في حق الصغير سوى الصغر فجعلنا الصغر من العوارض لذلك.
(لكنا الصبا عذر مع ذلك) لكونه ناقص العقل (فقد سقط بعذر الصبا ما يحتمل السقوط عن البالغ)، فالصلاة مما يحتمل السقوط عن البالغ بالإغماء وغير ذلك فسقط عن الصبي، وكذلك الزكاة تحتمل السقوط عن البالغ بسبب الدين وبهلاك النصاب بعد الوجوب، وكذلك الصوم يسقط وجوب أدائه في الحال كما في حق الحائض والمريض والمسافر، وكذلك وجوب أداء الإيمان بالإقرار يحتمل السقوط عن البالغ.
ألا ترى أن من لم يصادف وقتًا يتمكن فيه من الإقرار فصدق بقلبه وآمن صح إيمانه بالإجماع، وكذلك المكره على الكفر بالقتل فإنه يرخص له الإقدام على إجراء كلمة الكفر مع طمأنينة القلب بالإيمان فكان وجوب أداء الإيمان في ذلك الزمان ساقطًا، فصح القول لذلك بسقوط وجوب أداء الإيمان عن الصبي لكن مع ذلك إذا آمن صح إيمانه.
стр. 2075
(فقلنا لا يسقط عنه فرضية الإيمان) أي لا يسقط عنه شرعية فرضية أداء الإيمان لا لزوم أدائه، وإنما أوّلنا بهذا التأويل لئلا يتناقض هذا الظاهر بما ذكر قبله في آخر باب بيان الأهلية بقوله: وإذا عقل الصبي واحتمل الأداء قلنا بوجوب أصل الإيمان دون أدائه وبما ذكر بعده في باب أهلية الأداء بقوله: ولا عهدة فيه إلا في لزوم أدائه وذلك يحتمل الوضع.
"فوضع عنه" أي عن الصبي.
(حتى إذا أداه كان فرضًا لا نفلًا) ولو كان أداء الفرضية ساقطًا عنه لكان ما أداه نفلًا لا فرضًا، كالصلوات والزكوات والصيامات، ولأن الإيمان إذا وجد بحقيقته أينما وجد يقع نفلًا بل فرضًا.
(الا ترى أنه إذا آمن في صغره لزمه أحكام ثبتت بناء على صحته الإيمان) كحرمانه الإرث عن أقاربه الكفار، واستحقاقه الإرث من أقاربه المسلمين والفرقة بينه وبين امرأته الكافرة وجواز صلاة الجنازة عليه.
(وهي جعلت تبعًا للإيمان الفرض)، وقوله: "الفرض" خرج بيانًا لكون الإيمان أينما وجد وجد فرضًا لا أن يكون بيانًا لنوع الإيمان، لما قلنا:
стр. 2076
الإيمان لا يتنوع إلى فرض ونفل.
(ولم يعد كلمة الشهادة لم يجعل مرتدًا) فلو لم يكن ذلك الأداء فرضًا لوجب عليه الإعادة كما إذا صلى في أول الوقت ثم بلغ في آخره تجب عليه الإعادة.
فإن قيل: كيف يكون ذلك الأداء فرضًا وهو ليس بفرض عليه في الحال؟
قلنا: وقوع الأداء فرضًا لا يفتقر إلى فرضية في الحال كالمسافر والمريض والعبد في حق صلاة الجمعة، والمريض والمسافر في حق الصوم في شهر رمضان.
(ولو كان الأول نفلًا لما أجزي عن الفرض)؛ لأن النفل يخالف الفرض وهو أدنى حالًا من الفرض، فكيف يجزئ النفل عنه وصفة الفرضية في النفل معدومة؟
فإن قيل: يُشكل على هذا الوضوء قبل الوقت فإن ذلك نفل ينوب عن الفرض الذي يفترض عليه بعد دخول الوقت.
قلنا: لا يرد ذلك علينا؛ لأن الوضوء تبع للصلاة وشرط لها، ففي الشروط يعتبر وجودها بأي وصف كان لا وجودها بطريق الفرضية.
стр. 2077
ألا ترى أن سائر الشروط من لبس الثياب وتطهير المكان واستقبال القبلة وغيرها لو وجد على وجه الإباحة أو لنفع نفسه من لبس الثياب لدفع الحر والبرد ينوب عن وجود الشرط بطريق الفرضية، فأولى أن ينوب الشرط النفل عن الشرط الفرض، بخلاف الإيمان فإنه رأس العبادات المقصودة فلا يصح فيه أن ينوب النفل عن الفرض كما في سائر العبادات المقصودة من الصلاة والزكاة والصيام، (ووضع عنه التكليف وإلزام الأداء) أي وضع عنه تكليف الإيمان وإلزام أدائه.
وقوله: (عن كل عهدة يحتمل العفو) قيّدها باحتمال العفو لتخرج الردة ولذلك أي ولأجل أن الصبا من أسباب المرحمة (لا يُحرم الميراث بالقتل)، يعني إذا قتل الصبي مورثه يرث منه؛ لأن الحرمان عن الإرث بسبب القتل ثبت جزاء جناية القاتل والصبي ليس من أهل الجزاء بطريق العقوبة في الدنيا، بخلاف الرق والكفر حيث يحرم بهما الإرث؛ لأن ذلك لعدم الأهلية لا لاعتبار الجزاء. يوضحه أن الرق أثر الكفر والكفر موت كما أن الإسلام حياة. قال الله تعالى: (أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ) أي كافرًا
стр. 2078
فهديناه، والميت لا يرث الحي، ولأن الرقيق مال والمال ليس بأهل للميراث، ولأن القول بوراثة الرقيق قول بوراثة الأجنبي من الأجنبي؛ لأن ما للرقيق لمولاه فكان الميراث لمولاه في الحقيقة وهو أجنبي وذلك باطل، ولأن الإرث نوع ولاية ولا ولاية للكافر على المسلم، وكذلك لا ولاية للرقيق على نفسه فأولى أن لا يكون له ولاية على غيره.
(خالصة لا تلزم الصبي بحال) نحو الحدود والقصاص.
(ومشوبة يتوقف لزومها على رأي الولي) نحو لزوم العهدة في البيع والإجارة والوكالة.
(صار من أسباب ولاية النظر) أي تثبت الولاية، أي تثبت للغير عليه ولا تثبت له على الغير.
["العته"]
(والعته) ما يوجب خللًا في العقل؛ لأن المعتوه من هو مختلط الكلام يشبه كلامه مرة بكلام العقلاء ومرة بالمجانين، والعته نظير آخر أحوال
стр. 2079
الصبي، والجنون بمنزلة أول أحوال الصبي.
(لا يمنع صحة القول والفعل) حتى لو أسلم يصح ولو أتلف مال الغير يضمن.
(ولكن شرع جبرًا) أي جبرًا للنقصان لا الجبر الذي هو ضد الاختيار.
(والصبا محدود فوجب تأخيره) أي تأخير العرض؛ لأن فيه عهدة على
стр. 2080
الصبي وهي فرقة المرأة عنه على تقدير إباء أبيه وأمه الإسلام ومطالبة المهر عنه في الحال وهو ليس من أهل العهدة.
قيد المعتوه بالعاقل، احترازًا عن المعتوه غير العاقل فإنه والمجنون سواء.
(وأما الصبي العاقل والمعتوه العاقل فلا يفترقان) أي يعرض عليهما الإيمان في الحال.
["النسيان"]
(وأما النسيان) فهو عبارة عن الجهل الطارئ (فلا ينافي الوجوب) لأنه لا يُعدم العقل.
(ولكنه يحتمل أن يُجعل عذرًا)، ذكر بلفظ الاحتمال؛ لأنه جعل عذرًا في موضع ولم يُجعل في موضع آخر، وإنما احتمل أن يُجعل عذرًا؛ لأن النسيان وصف جبل عليه الآدمي فكان مضافًا إلى من له الحق على ما أشار إليه
стр. 2081
النبي ﵇ بقوله: "إنما أطعمك الله وسقاك".
(لأن حقوق العباد محترمة لحقهم وحاجتهم) إلى آخره. يعني أن الله تعالى غني عن العالمين وله أن يبتلي عباده بما شاء، والأمر والنهي ابتلاء من الله تعالى لعباده مع غناه عن أفعالهم وأقوالهم.
وأما في حق العبد فليس فيه ابتلاء، بل حقه معصوم شرعًا لحاجته وافتقاره إليه، وإذا أتلف غيره حقه بأي وصف كان وجب عليه جبرانه لحاجته إلى ما يجبر حقه.
(لكن النسيان إذا كان غالبًا يلازم الطاعة) يعني أن النسيان لا ينافي الطاعة، ولا تخلو الطاعة عنه كالنسيان في الصوم، فإن الصوم يبقى مع وجود الأكل إذا كان ناسيًا مع أن الأكل مناف ركن الصوم وغلبه النسيان فيه لدعوة الطبع إلى الأكل والشرب، وكذلك النسيان يغلب على البشر حال الذبح لخوف يعتريه أو اضطراب يلحقه، فلذلك جعل نسيان التسمية عفوًا فحلت الذبيحة.
стр. 2082
(والنسيان ضربان: ضرب أصلي) وهو أن يكون مركبًا فيه على وجه ليس في وسعه حفظه كالنسيان في الصوم والذبيحة؛ لأنه ليس له فيهما حالة مذكرة تذكر حفظه فكان النسيان فيه عفوًا.
(وضرب يقع فيه المرء بالتقصير) وهو فيما له حالة مذكرة كالأكل والكلام ناسيًا في الصلاة، وكذلك نسيان ما حفظه من العلوم الشرعية. إنما يقع فيه لتقصيره بسبب ترك التكرار، ولهذا استحق الوعيد من نسي القرآن بعد الحفظ.
(لأنه ليس مثل المنصوص عليه في غلبة الوجود)؛ لأن القياس فيما ذكرنا لا يُجعل عفوًا أيضًا؛ لأن الحكم بعدم الشيء مع وجوده حقيقة مما يأباه القياس كالأكل في الصوم، وكذلك الحكم بوجود الشيء مع عدمه حقيقة
стр. 2083
حكمًا كما في ترك التسمية على الذبيحة ناسيًا، فجعل النسيان عفوًا فيهما بخلاف القياس فلا يعدى هذا الحكم إلى غير المنصوص إلا إذا كان هو مثل المنصوص عليه من كل وجه فحينئذ يعدى إليه.
(حتى إن سلام الناسي لما كان غالبًا) في الصلاة ألحقناه بالصوم في جعله عذرًا، وذلك إذا سلم في القعدة الأولى على ظن أنها القعدة الأخيرة، ثم علم أنها القعدة الأولى لا تفسد صلاته، والتسليم في غير ذلك الموضع لما لم يكن غالبًا لم يجعل عذرًا بل تفسد الصلاة.
["النوم"]
(فعجز عن استعمال الأحوال) يعني به الإدراكات الحسية من السمع والبصر وغيرهما، والأفعال الحسية من القيام والركوع والسجود وغيرها أي لا يقدر على استعمال قدرة مدركة للأحوال، فلما كان هو عجزًا عن تحصيل القدرة التي تحصل بها الأفعال عند استعمال الآلات السليمة لعدم الاختيار للنائم لم يُعتد أفعاله من القيام والركوع والسجود؛ لأن هذه الأفعال اختيارية لا تتحقق بدون الاختيار.
وأما القعدة الأخيرة فلا نص عن محمد ﵀ فيها أنه تعتد من الفرض أو لا تعتد إلا أنه ذكر مسألة يستدل بها على اعتدادها من الفرض فيما
стр. 2084
إذا وجدت في حالة النوم، وهي أنه إذا رفع رأسه من السجدة الأخيرة في الركعة الأخيرة وقعد ثم نام قدر التشهد ثم انتبه بعد قعوده قدر التشهد في النوم ثم قهقه قال: لا تفسد صلاته وتنتقض طهارته. دلت المسألة على اعتداد القعود المأتي به في حالة النوم من الفرض، لأنه لو لم يعتد من الفرض لوجدت القهقهة قبل القعود قدر التشهد فتفسد صلاته، وحيث لم تفسد علم أنه معتد به، ولعل الفرق بين القعدة وغيرها من الأركان أن القعدة فرض وليست بركن؛ لأن القعدة للاستراحة، والعبادة تنبئ عن المشقة، وغير القعدة من الأفعال كالقيام والركوع والسجود ركن فكان أقوى حالًا من
стр. 2085
القعدة, فما هو المراد من شرعية الصلاة وهو التعظيم والتلل والتعبد لا يوجد في النوم بخلاف القعدة فإنها للإستراحة والنوم كذلك فيتوافقان فجاز أن تختسب القعدة بالنوم.
وقوله: (والصحيح أنه لا يكون حدثاُ) ولا تفسد صلاته وقع على خلاف ما اختاره في ((الفتاوى)).
وقال في ((الخلاصة)) وغيرها: ولوضحك في النوم في الصلاة قهقهة لا تنتقض طهارته ولكن تفسد صلاته, وهو المختار.
стр. 2086
[((الإغماء))]
(لأن النوم فترة أصلية وهذا عارض ينافي القدرة) أراد به أن الإنسان لا يخلو عن فترة النوم وأنه يوجد في كل إنسان ظاهرًا لا أن يكون المراد به أنه ليس من العوارض, ولهذا أورده في العوارض, وهذا عارض ((أي الإغماء)) عارض يعرض إنسانًا دون إنسان فكان في كونه عارضًا أقوى من النوم, وفي تفويت القوى أشد منه أيضًا, لأن النوم يمكن إزالته بالتنبيه ولا كذلك الإغماء.
стр. 2087
((وهو فوق الحدث)) أى الإغماء فوق الحدث السماوي من النوم مضطجعًا غير معتمد وغيره فلا يلحق به في حق البناء, لأن البناء ثبت بخلاف القياس فلا يلحق به ماهو فوقه في الحدث كالجنابة.
(أن لا يسقط به شيء من الواجبات) , لأن العقل غير زائل من المغمى عليه كما في النائم.
(على ما فسرنا) أراد به قوله: فأما في الصلوان فبأن يزيد على يوم وليلة باعتبار الصلوات عند محمد ﵀ إلى آخره.
стр. 2088
(لأن الامتداد في الصوم نادر) فلا يعتبر, لأن النادر لا حكم له, لأن الأحكام تبتنى على ما عم وغلب لا على ما شذ وندر, وفي الصلاة غير نادر والحرج فيها بالتكرار فلذلك سقطت عند التكرار.
(جاءت السنة) أي في الصلاة جاءت السنة على نحو ماقلنا وهي: أن عمار بن ياسر-رضس الله عنه -أغمي عليه يومًا وليلة فقضاهن, وعبدالله بن عمر -رضى الله عنهما-أغمى عليه في ثلاثة أيام فلم يقض الصلوات, كذا في ((المبسوط)).
(فلم يوجب حرجًا) أي فيما إذا لم يزد الإغماء على يوم وليلة.
[((الرق))]
(وأما الرق) فإن قلت: فلم أورد الرق من العوارض السماوية مع أن
стр. 2089
سببه هو الكفر مع وصف فكان في يده إزالته وكان من المكتسبة كالجهل؟
قلت: قال شيخي-﵀-في جوال هذا: ليس هذا كالجهل, فإن العبد بعد ما صار مرقوقًا ليس في يده إزالته, وهنالك بعد ما كان جاهلًا هو في يده إزالته.
ألا ترى أنه عد المرض من العوارض السماوية مع أن إزالة المرض في يده بالمعالجة في بعض الصور وهاهنا ليس في يد العبد إزالة الرق في جميع الصور فأولى أن يعد هو من السماوية.
(عجز حكمي) أي لا حسي فكم من عبد يكون أقدر حسًا من الحر لكن هو عاجز عما يقدر عليه الحر حكمًا مثل الشهادة والولاية والملك والتزوج بالأربع ونحوها.
(شرع جزاء في الأصل): لأن الكافر لما ألحق نفسه بالبهائم في حق عدم التكليف جازاه الله تعالى بالملك للعباد عليه كالبهائم, أم لما استنكف أن يكون
стр. 2090
عبدًا لله جازاه الله تعالى بأن صبره عبد عبده.
(لكنه في البقاء صار من الأمور الحكيمة) هذا إستدراك عما وردت الشبهة على الكلام الأول, وهو قوله: ((شرع جزاء)) بأن يقال: لما كان جزاء لاستنكافه وجب أن لا يبقى عند زوال الإستكناف أو لا يثبت في أولاده أيضًا وإن لم يوجد الإستنكاف منهم أصلًا لكون بقاء الرق من الأمور الحكمية لا الجزائية كبقاء الحرية بعد الإسلام.
(العرضة): هى المعرض للأمور قال الشاعر:
فلا تجعلوني عرضة للوائم
(والابتذال): شب وروز داشتن جامه وآنجه بدان ماند. فكذلك العبد
стр. 2091
صار محلًا للتعرض والغمتهان على حسب ماشرع للمولى من قضاء حاجته به من إستعماله في خدمته وتمليكه كما في سائر أمواله.
(وكذلك العتق الذي هو ضده) أي ضد الرق, يعني لما كان الرق غير متجز لم يكن العتق الذي هو ضده متجزيًا, لانه لو كان متجزيًا يلزم أن يكون الرق متجزيًا أيضًا, لأنه لو ثبت في بعض المحل العتق فالبعض الآخر لا يخلو إما أن يكون رقيقًا أو حرًا فإن كان رقيقًا ثبت تجزيهما وهو ممتنع لا اتفاق وإن كان حرًا ثبت عدم تجزي العتق.
(حتى إن معتق البعض لا يكون حرًا أصلًا عند أبى حنيفة ﵁-في شهاداته وسائر أحكامه). وإنما هو مكاتب غير أنه لا ينفصخ بالفسخ أو بالتعجيز.
وقال في ((المبسوط)): فإن العتق عنده يتجزى ٠ أي الإعتاق عند أبي حنيفة ﵁ يتجزى - حتى إن من أعتق نصف عبده فهو الخيار في النصف الباقي إن شاء أعتقه وإن شاء إستعساه في النصف الباقي في نصف قيمته, وما لم يؤد السعاية فهو كالمكاتب.
стр. 2092
وعند أبي يوسف ومحمد والشافعي ﵏ يعتق كله ولا سعاية عليه لقوله ﵇: (من أعتق شقصا من عبد فهو حر كله ليس لله تعالى فيه شريك)) , ولأن إتصال أحد النصفين بالآخر أقوى من إتصال الجنين بالأم: لان ذلك يعرض الفصل, ثم إعتاق الام يوجب عتق الجنين لا محالة, فإعتاق أحد النصفين أن يوجب عتق النصف الآخر أولى.
واستدل أبو حنيفة ﵁-بحديث سالم عن ابن عمر ﵃ -أن النبي ﵇ قال: ((من أعتق شخصًا له من عبد فإن كان موسرًا فعليه خلاصة, وإلا فقد عتق ما عتق ورق ما رق)) , والمعنى فيه أن هذا
стр. 2093
إزالة ملك اليمين بالقول فيتجزى في المحل كالبيع, وتأثيره أن نفوذ تصرف المالك باعتبار نلكه وهو مالك للمالية دون الرق.
فالرق إسم لضعف ثابت في حق أهل الحرب مجازاة وعقوبة على كفرهم, وهو لا يحتمل التملك كالحياة, إلا أن بقاء ملكه لا يكون إلا ببقاء صفة الرق في المحل كما لا يكون إلا باعتبار صفة الحياة في المحل, وذلك لا يدل على أن الحياة مملوكة له, فإذا ثبت أنه يملك المالية وملك المالية محتمل للتجزي فإنما يزول بقدر ما يزيله, ولهذا لا يعتق شيء منه بإعتاق البعض عند أبي حنيفة-﵀-وإنما سمى فعله إعتاقًا مجازًا على معنى أنه إذا تم إزالة الملك بطريق الإسقاط يعقبه العتق الذي هو عبارة عن القوة لا أن يكون الفعل المزيل ملاقيًا للعتق كالقاتل فعله لا يحل الروح وإنما يحل البنية ثم ببعض البنية تزهق الروح فيكون فعله قتلًا من هذا الوجه.
أما إعتاق الجنين عند إعتاق الام فليس لأجل الإتصال.
ألا ترى أن إعتاق الجنين لا يوجب إعتاق الأم والإتصال موجود, ولكن الجنين في حكم جزء من أجزائها كيدها ورجلها وثبوت الحكم في التبع بثبوته في المتبوع وأحد النصفين ليس بتبع للنصف الآخر, فلذلك لم يكن إعتاق أحد
стр. 2094
النصفين موجبًا للعتق في النصف الباقي, وتأويل قوله ﵇: ((فهو حر)) سيصير حرًا كله بإخراج الباقي إلى الحرية بالسعاية -إلى هذا أشار في ((المبسوط)).
(وقال أبو يوسف ومحمد-رحمهما الله- الإعتاق إنفعاله العتق) أي لازمه ومطاوعه, يقال: أعتقه فعتق كما يقال كسرته فانكسر, ولا وجود للمتعدي بدون لازمه, لأن التعدية إثبات اللازم وإثباته مع كونه معدومًا لا يتحقق فكذلك الإعتاق مع التق, فإذا كان كذلك لا يكون الإعتقا متجزيًا ولو كان متجزيًا مع أن العتق غير متجز يلزم أحد أمرين: إما وجود المتعدي بدون اللازم وهو ممتنع وإما عدم تجزي الإعتاق على تقدير ثبوت اللازموهو العتق فيثبت هو ضرورة.
(كالتطليق) وهو فعل غير متجز, لأن التطليق لا يتنصف لكا أن إنفعاله وهو الطلاق غير متجز بأن بطلق نصف المرأة دون نصفها الباقي, فكذلك الإعتاق مع العتق لما لم يتجز الإنفعال وهو العتق بالإتفاق يجب أن لا يتجزى فعله وهو الإعتاق.
стр. 2095
(وقال أبو حنيفة ﵁ الإعتاق إزالة لملك تعلق به حكم لا يتجزى وهو العتق) ولا يصح أن يقال: إن الإعتاق إثبات القوة, لأن العتق عبارة عن الوقة, يقال: عتق الطير إذا قوى وطار عن وكره وإثبات القوة ليس في وسع البشر, والإعتاق الذي هو عبارة عن إزالة الملك في وسعه, لكن إذ زال ملكه عن العبد بالإعتاق ثتبت له الوقة فلذلك سمي إعتاقًا, وهذا لأن إزالة الملك حق العبد وإثبات العتق ليس بحقه.
فصرف اللفظ الدال على فعله إلى ماهو حقه أولى من الصرف إلى ماهو ليس بحقه, (لأنه عبارة عن سقوط الرق) أي العتق عبارة عن سقوط الرق وهذا توسع في الكلام, لأن العتق عبارة عن القوة على ما قلنا, غير أن العتق لا يتثور بدون سقوط الرق فكان سقوط الرق لازمه ثبوت العتق فعبر به عنه, كما أن الحركة ليست عبارة عن زوال السكون بل هي عرض يلزم من وجوده زوال السكون فجاز أن نعبر بزوال السكون عن الحركة, فكذلك ها هنا جاز أن تعبر عن ثبوت العتق بسقوط الرق.
(وسقوط الرق حكم لسقوط كل الملك) يعني أينما ثبت سقوط كل
стр. 2096
الملك يثبت سقوط الرق, لأنه لا يتصور سقوط الرق الذي هو العتق مع بقاء الملك.
(وكذلك إعداد الطلاق للتحريم) أي للحرمة الغليظة.
فصار حاصل إختلافهم راجعًا إلى تفسير الإعتاق, فعندهما الإعتاق إثبات العتق والعتق لا يتجزى بالاتفاق, وهو إنفعال الإعتاق فلا يتجزى الإعتاق أيضًا.
وعند أبى حنيفة-﵀ الإعتاق إزالة لملك متجز فكان الإعتقا أيضًا متجزيًا, فكان إختلافهم ها هنا بمنزلة إختلافهم في مسألة الصابيات.
وقوله: (لقيام المملوكية مالًا) أي قيام المملوكية من حيث المالية يمنع كونه مالكًا للمال, يعني هو مملوك من حيث هو مال فلا يتصور أن يكون مالكًا
стр. 2097
للمال لما بين المالكية والمملوكية من المنافاة, لأن المالكية عبارة عن قدرة شرعية على المال والمملوكية عبارة عن عجز شرعي عنه.
وكذلك المال مبتذل ومالكه مبتذل وبينهما منافاة بخلاف مالكية غير المال فإنه ليس بمملوك من ذلك الوجه, فلا يمنع مالكيته كالنكاح والإقرار بالدم والحدود على ما يجيء، وهذا لأن استحالة الاجتماع من جهتين مختلفتين كالنكاح يثبت الحل في المنكوحة والحرمة في أمها.
وحصل من هذا أنه لما كان مالًا مملوكًا لم يكن أهلًا لملك المال ولا لما هو مختص بملك المال (حتى لا يملك العبد والمكاتب التسري) وإن كانا يملكان التصرف, لان التسري مختص بالملك في الرقبة ورقبتهما مال فلا يملكان التسري.
(وهي البدنية) أي القدرة البدنية, (لأنها للمولى) أي لأن قدرة العبد
стр. 2098
ملك المولى تبعًا لملك الرقبة, لان ملك الذات علة لملك الصفات (إلا ما استثنى عليه في سائر القرب البدنية) أي إلا ما استخرج على المولى في باقي العبادة البدنية مثل الإيمان والصلاة والصوم فإنه ليس للمولى منع عبده عن الإتيان بتلك العبادة البدنية, لأن تلك العبادات مستثناة عن تصرف المولى في حقها بالمنع إجماعًا.
وكان شيخي ﵀ يقول: كان ورد الإستفتاء من نسف إلى بخارى بالسؤال عن هذا الاستثناء بأن لفظ هذا الاستثناء في أي موضع من الكتب؟
قيل في جوابه: إن الاستثناء هاهنا معنوي لا لفظي بإجماع المسلمين يعني إن المسلمين أجمعوا من لدن رسول الله ﵇ على أنه ليس للمولى منع عبده عن هذه العبادات البدنية فكان بمنزلة الاستثناء.
لأن ملك الذات لما أوجب ملك الصفات والذات ملك المولى اقتضى
стр. 2099
القياس أن يملك المولى جميع صفات عبده بالتصرف فيه بأن يمنعه عن الصلاة والصوم أيضًا إجراء لإطلاق هذا الأصل, فلما تخلف حكم هذه العبادات عن هذا الأصل كان ذلك بمنزلة الاستثناء عن ذلك الأصل.
فإن الإستطاعة التي يحصل بها الإيمان والصلاة والصوم ليست للمولى وهو في حقها مبقى على الحرية بخلاف إستطاعة الحج فإنها للمولى, والمعنى فيه أن حق المولى في الحج يفوت في مدة طويلة, فقدم حق العبد على حق الله تعالى لحاجته, فلهذا إذا حج ثم اعتق لا يسقط عنه حجة الإسلام, وأيد هذا قوله ﵇: ((أيما عبد حج عشر حجج ثم عتق فعليه حجة الإسلام) فصار هذا كالحر الذي يحج عن الغير, لأن العبد حج بقدرة هي للمولى.
(بخلاف الفقير) , لأن القدرة الأصلية وهي قدرة البدن ثابتة له, وإنما شرطت غستطاعته الزاد والراحلة ليتمكن بها من أداء الحج, فإذا تمكن بدونها كان المستطيع بالزاد والراحلة فكان كالمسافر والمريض والعبد يصلون الجمعة حيث تصح منهم الجمعة ويسقط عنهم فرض الظهر, لأن عدم وجوب الجمعة كان لنفي الحرج, فإذا تحملوا الحرج وأدوا الجميعة يسقط عنهم فرض الوقت الذي كان عليهم وهو الظهر.
стр. 2100
وقوله: (فأما الزاد والراحلة فلليسر) وذكر اليسر هاهنا لبيان نفي الحرج لا لإثبات القدرة الميسرة, لأن الحج إنما وجب بالقدرة الممكنة لا بالميسرة, بدليل بقاء وجوبه على من افتقر بعد أن ملك الزاد والراحلة.
(والرق لا ينافي مالكية غير مال وهو النكاح) , لأن العبد آدمي مكلف كان ينبغي أن يملك كل ما بملكه الحر من هذا الوجه, إلا أنه لما كان مملوكًا مالًا استحال أن يكون مالكًا للمال, إذ الاجتماع بين الضدين في حق شخص واحد من جهة واحدة محال, وعن هذا قلنا إنه لا ينافي مالكية غير المال, لأن المالكية والمملوكية هناك من جهتين مختلفتين فصح أن يجتمعا فيه, فلذلك كان العبد مالكًا للنكاح, لأن النكاح من خواص الآدمية ولا منافاة في كونه مالكًا للنكاح فيملك النكاح وإن كان هو مملوكًا مالًا.
فإن قيل: كيف يكون مالكًا للنكاح فإنه لو نكح بغير إذن المولى لا ينفد بل يتوقف إلى إجازة المولى؟
قلنا: إنما يتوقف نفاذه إلى إجازة المولى لتعلق حق المولى به, وهو شغل ماليته بالمهر والنفقة وماليته ملك المولى فلا يملك شغل ذلك بتصرفه بغير إذن المولى.
стр. 2101
والدليل على أنه مالك للنكاح أن إشتراط الشهود إنما يكون عند النكاح لا عند الإجازة, وكذلك لو تزوج بغير إذن المولى ثم اعتقه مولاه قبل الإجازة نفذ ذلك النكاح.
فإن قلت: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٧٥)) يقتضي أن لا يملك العبد النكاح, لأن الله تعالى نفى قدرته على شيء منكر في موضع النفي فيتناول كل الأشياء والنكاح شيء فلا يملكه بقضية هذه الآية؟
قلت: بالنظر إلى ظاهرة هذه الآية قلنا إنه لا يستبد بالنكاح بنفسه بغير إذن المولى.
وأما أصل ملك النكاح فيحصل له بالدليل الذي قلنا, ولهذا كان الحكم المقصود بالنكاح وهو حل الإستمتاع حاصلًا له لا للمولى, وكذلك ملك الطلاق الذي يرفع النكاح حاصل له لا للمولى وكل من يملك الرفع من العقود هو الذي يملك إثباته.
علم بهذا أن النكاح مملوك له والتوقف إلى إجازة المولى باعتبار ماقلنا من شغل ماليته بالمهر والنفقة وهي مولاه.
فإن قلت: لما ملك العبد النكاح وجب أن لا بيملك المولى إجبار عبده على
стр. 2102
النكاح, لأنه عاقل بالغ مالك للنكاح فلا يملك إجباره على النكاح كما لا يملك إجبار إبنه العاقل البالغ على النكاح, وهذا لأن ما يتناوله النكاح من العبد غير مملوك للمولى عليه فهو فى تويجه متصرف فيما لا يملكه فلا يستبد به كما هو مذهب الشافعي ﵀.
قلت: إستدل علماؤنا ﵏-في صحة إجبار المولى عبده على النكاح بظاهر قوله تعالى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٧٥). وإباء عقد المولى شيء فلا يقدر العبد عليه, لأنه مملوكه على الإطلاق فيملك إنكاحه بغير رضاه كالأمة, وهذا لأن في الأمة إنما ينفذ عقد المولى عليها بملكه رقبتها لا بملكه مايملك بالنكاح, فإن ولاية التزويج لا تستدعي ملك ما يملك بالنكاح.
ألا ترى أن الولي يزوج الصغيرة ولا يملك عليها ما يملك بالنكاح, والزورج لا يزوج إمرأته وهو مالك عليها ما يملك بالنكاح فثبت أن بينهما مفارقة طردًا وعكسًا. هذا كله مما أشار إليه في نكاح ((المبسوط)).
(والدم والحياة) أما الدم فإن العبد يملك إتلاف دمه بالإقرار على نفسه بالقصاص فكان فيه كالحر ولا يشترط فيه حضور مولاه, حتى أنه لو أقر به حال غيبة مولاه يقتل به حال غيبته.
стр. 2103
وأما الحياة فإن مولاه لا يملك إتلاف حياته فكان في عدم ملك مولاه لحياته كالحر.
فإن قلت: ففى صحة إقراره للقصاص إتلاف لماليته وهي للمولى فيجب أن لا يصح إقراره بذلك بدون إذن والمولى كما في النكاح بل أولى, لأن في نفوذ النكاح بدون إذن مولاه شغل ماليته بالمهر والنفقة لا إتلاف ماليته من كل وجه, فلما توقف نفوذ النكاح إلى إذن المولى باعتبار شغل ماليته بدون الإتلاف وجب أن تتوقفه صحة إقراره بالقصاص إلى إذن المولى وفيه إتلاف ماليته من كل وجه بالطريق الأولى, مع أن كليهما في حق الإختصاص بالآدمي متساويان.
قلت: هذا الاستدلال منك عكس موجب الدليل, لان إتلاف ماليته في صحة الإقرار بالقصاص إنما ثبت بطريق الضمن لصحة الإقرار بالقصاص فكان الاعتبار للمتضمن الأصلي لا للمتضمن الفرعي كما في سائر الأحكام الثابتة بطريق الضمن, كما في ثبوت المضار الدنيوية في حق الصبي بطريق التبيعة من حرمان الإرث, ووقوع الفرقة بينه وبين إمرأته, وتعجل وجوب المهر لصحة ردته التي لا يمكن ردها.
وهذا لما أن الضرر الواقع على نفس العبد بالقصاص أكثر من ضرر المولى, لأن ذلك الضرر واقع على المال وهذا واقع على النفس والنفس أعظم خطرًا من المال فلما صح فيما هو أعظم خطرًا صح أيضًا فيما هو أقل
стр. 2104
خطرًا بطريق التبعية كما هو مرتبة الأحكام الثابتة بطريق الضمن.
وأما شغل ماليته بالمهر والنفقة ونفوذ النكاح بغير إذن المولى فلا مفاضلة بينهما فلم يكن أحدهما تبعا للآخر, ولأن النكاح عقد قابل للتوقف في الجملة كما في نكاح الصغار والصغائر بدون إذن الأولياء ونكاح الفضولي.
وأما إقرار العاقل البالغ فنافذ على المقر من كل وجه وبعد النفوذ لا يتوقف على إذن أحد.
فإن قلت: ما وجه الفرق لأبي حنيفة ومحمد-رحمهما الله-في وجوب القصاص على العبد بين البينة والإقرار؟ حيث يؤاخذ إقراره في الحدود والقصاص وإن كان مولاه غائبًا بخلاف ما إذا ثبت الحد والقصاص عليه بالبينة, فإن استيفاءهما يتوقف إلى حضور مولاه عندهما خلافًا لأبي يوسف ﵀؟
قلت: هما يقولان: إن للمولى حق الطعن في البينة دون الإقرار, ولأن الإقرار موجب للحق بنفسه والبينة لا توجب إلا بالقضاء وفي استيفاء موجب القضاء إتلاف المالية وهى للمولى, فإذا كان تمام قضائه متناولًا حق المولى يشترط حضور المولى في ذلك, إلى هذا أشار في إباق ((المبسوط)).
стр. 2105
(وينافي كمال الحل إلى قوله: مثل الذمة) , فإن الذدمة وهي كون الآدمي محلًا لتوجه الخطاب وأهلًا للإيجاب والإستيجاب من كرامات البشر بخلاف سائر الحيوانات.
(والحل) أي حل الإستمتاع بالنكاح والولاية وهي الشهادة والإرث وغيرهما, ثم ابتدأ بتفصيل كل متهما بالبيان فقال: (حتى إن ذمته ضعفت) فيه بيان ضعف حاله في الذمة.
وفي قوله: ((وكذلك الحل انتقض بالرق)) بيان ضعف حاله في الحل وفي قوله: ((وانقطعت الولايات كلها بالرق)) بيان ضعف حاله في حق الولاية, لكن ضعف العبد في حق الولاية من كل وجه, فلذلك قال وانقطعت الولايات كلها بالرق, ويمكن أن يقال فيها ضعف أيضا لا بطلان بالكلية.
ألا ترى أنه يلي على نفسه بالإقرار بالقصاص والحدود وهو من باب الولاية من وجه فإن فيه تلف المالية وهي حق المولى, فكان قوله نافذًا على الغير شاء الغير أو أبى وهو معنى الولاية,
وأما قوله: ((وانقطعت الولايات كلها)) أي بطريق القصد لا بطرق الضمن.
(فلم يحتمل الدين بنفسها) أي بنفس الذمة وهي رقبة العبد القابلة
следующие страницы →