← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 16526

الكافي شرح أصول البزدوي

الحسام السغناقي

Полный текст (2 351 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

يعترض المولى، وعندهما وجوب الأرش على المولى بطريق الحوالة، كأن العبد أحال الأرش على المولى فعند التوى يعود إلى الرقبة بخلاف ما هو مال. ألا ترى أن ضمان ما هو مال يملك قبل القبض وتصح الكفالة به وتجب الزكاة بحولان الحول قبل القبض، وضمان ما ليس بمال كالدية وغيرها لا يملك قبل القبض ولا تصح الكفالة به ولا تجب الزكاة بحولان الحول لكونها صلة، والعبد ليس بأهل للصلات فيصير عائدًا إلى الأصل. (عند أبي حنيفة ﵁ وهو وجوب الفداء على ذمة المولى. (حتى لا يبطل بالإفلاس) يعني لو أفلس المولى ولم يتمكن من أداء الفداء لا يتحول حق ولي القتيل من الفداء إلى دفع العبد. (وعندههما يصير بمعنى الحوالة) يعني يتحول حق ولي القتيل من الفداء إلى دفع العبد فصار كأن العبد أحال على المولى وإذا توى مال الحوالة على المحتال عليه بإفلاسه يعود الدين إلى المحيل وهو العبد هاهنا. وشرح هذا ما ذكره الإمام شمس الأئمة ﵀ في باب جناية العبد من ديات «المبسوط» وقال: إذا جنى العبد جناية فاختار المولى إمساك عبده وليس عنده ما يؤدي وكان ذلك عند قاض أو عند غير قاض فالعبد عبده والأرش دين عليه في قول أبي حنيفة ﵀.

стр. 2137

وقال أبو يوسف ومحمد -رحمهما الله-: إن أدى الدية مكانه كان العبد له وإلا دفع العبد إلا أن يرضى الأولياء أن يبيعوه بالدية، فبعد ذلك لم يكن لهم أن يرجعوا إلى العبد. فوجه قولهما أن نفس العبد صار مستحقًا لولي الجناية إلا أن المولى يتمكن من تحويل حقهم من محل إلى محل فيه وفاء بحقهم فيكون صحيحًا منه، وإذا كان مفلسًا كان هذا منه إبطالًا لحقهم لا تحويلًا من محل إلى محل يعدله فيكون ذلك باطلًا من المولى. وهذا لأن ثبوت الخيا للمولى كان على وجه النظر من الشرع وإنما يثبت ذلك النظر على وجه لا يتضرر به صاحب الحق فإذا آل الأمر إلى الضرر كان باطلًا بمنزلة المحتال عليه إذا مات مفلسًا فإن الدين يعود إلى ذممة المحيل؛ لأنه حول حقه من ذمته إلى ذمة المحتال عليه بشرط أن يسلم له، فإذا لم يسلم عاد كما كان. وكذلك في بيع المقايضة إذا هلك أحد العوضين قبل القبض بطل العقد في الآخر؛ لأن صاحبه حول حقه إلى العرض الآخر بشرط أن يسلم له فإذا لم يسلم له عاد كما كان، وكذلك في البيع والأخذ بالشفعة إن سلم الثمن كان له أن يأخذ الدار، وإن عجز عن ذلك لم يكن له أن يأخذها -فهاهنا أيضًا إن رضي المولى الفداء كان مسقطًا حق المولى في العبد- وإن أبي أن يرضى كان له أن يأخذ العبد، وأبو حنيفة ﵁ يقنول بجناية العبد يخير المولى بين

стр. 2138

الدفع والفداء، والمخير بين شيئين إذا اختار أحدههما تعين ذلك وجبًا من الأصل، كالمكفر إذا اختار أحد الأنواع الثلاثة، فهنا باختياره تبين أن الواجب هو الدية في ذمة المولى من الأصل، وأن العبد فارغ من الجناية فلا يكون لأولياء الجناية عليه سبيل، يوضحه أن من ثبت له الخيار شرعًا يستبد بالخيار من غير أن يحتاج إلى رضا صاحبه، ولو رضي الأولياء أن يتبعوه بالدية لم يبق لهم حق في العبد، فكذلك إذا اختار المولى ذلك في حال ما ثبت له الخيار شرعًا. وقيل: إن هذه المسألة في الحقيقة تبنى على اختلافهم في التفليس فعند أبي حنيفة ﵁ التفليس ليس بشيء والمال غاد ورايح وهذا التصرف من المولى يكون تحويلصا لحق الأولياء إلى ذمته لا إبطالًا، وعندهما التفليس معتبر والمال في ذمة المفلس يكون، فكان هذا الاختيار من المولى إبطالًا لحق الولي. (وهذا أصل لا تحصى فروعه) أي أصل مسائل الرق أصل لا تحصى فروعه، ومن تلك الفروع التي تناسب لما ذكر هنا أن العبد المأذون إذا جنى

стр. 2139

على حر أو عبد جناية خطأ وعليه دين قيل لمولاه ادفعه بالجناية أو افده؛ لأنه على ملك مولاه بعد ما لحقه الدين، وفي البداية بالدفع بالجناية مراعاة الحقين، فإن اختار الفداء فقد ظهر العبد من الجناية فيبقى حق الغرماء فيه فيباع في دينهم، وإن دفعه بالجناية اتبعه الغرماء في أيدي أصحاب الجناية فباعوه في دينهم إلا أن يفديه أولياء الجناية؛ لأن أولياء الجناية إنما يستحقون ملك المولى فيه بطريق الجزاء لا أن يثبت لهم فيه سبب متجدد، فهم بمنزلة الورثة يخلفون مورثهم في ملكه، والعبد المديون إذا مات مولاه اتبعه الغرماء في ملك الوارث فباعوه في دينهم إلا أن يقضى الوارث دينهم، فكذلك يتبعونه في يد صاحب الجناية فيبيعونه في دينهم إلاأن يقضي صاحب الجناية ديونهم. ومنها أنه إذا كان للمأذون جارية من تجارته فقتلت قتيلًا خطأ فإن شاء المأذون دفعها وإن شاء فداها إن كان عليه دين أو لم يكن؛ لأن التدبير في كسبه إليه وهو في التصرف في كسبه كالحر في التصرف في ملكه فيخاطب بالدفع أو بالفداء بخلاف جنايته بنفسه، فإن التدبير في رقبته ليس إليه. ألا ترى أنه لا يملك بيع رقبته ويملك بيع كسبه. ومنها أنه لو كان على المأذون دين فجنى جناية فباعه المولى من أصحاب الدين بدينهم وهو لا يعلم بالجناية فعليه قيمته لأصحاب الجناية؛ لأن حق أولياء الجناية لا يمنع المولى من بيع الجاني فإذا نفذ بيعه كان مفوتًا على أولياء

стр. 2140

الجناية محل حقهم، فإن كان عالمًا بالجناية فعليه الأرش، وإن لم يكن عالمًا بها فعليه قيمته، كما لو أعتقه ولو لم يبعه من الغرماء ولم يحضروا ولكن حضر أصحاب الجناية فدفعه إليهم بغير قضاء قاض فالقياس فيه أن يضمن قيمته للغرماء؛ لأنه صار متلفًا على الغرماء محل حقهم بإخراجه عن ملكه باختياهر، فيكون بمنزلة ما لو أعتقه، وفي الاستحسان لا ضمان عليه، لأن حق أولياء الجناية ثابت في عينه، والمولى فعل بدونن أمر القاضي عين ما يأمر به القاضي أن لو رفع الأمر إليه، فيستوى فيه القضاء وغير القضاء بمنزلة الرجوع في الهبة، ثم هو ما فوت على الغرماء محل حقهم فإن العبد محل للبيع في الدين في ملك أولياء الجناية، كما لو كان الدفع إليهم بقضاء قاض، وإنما يضمن القيمة باعتبار تفويت محل حقهم، فإن جعلنا هذا تسليمًا لما هو المستحق بالجناية لا يفوت به محل حقهم، وإن جعلناه تمليكًا مبتدأ لا يفوت به محل حقهم أيضًا؛ لأنهم يتمكنون من بيعه كما لو باعه أو وهبه ثم لا فائدة في القبض؛ لأن بعد القبض يتممكنون من بيعه كما لو باعه أو وهبه ثم لا فائدة في القبض؛ لأن بعد القبض دفعه واجب إليهم بالجناية ثم بيعه في الدين، فلذلك لا يضمن المولى شيئًا بخلاف ما سبق من بيعه إياه في الدين ففيه تفويت محل حق أولياء الجناية على معنى أن البيع تمليك مبدأ ولا سبيل لأولياء الجناية على نقض ذلك. هذا كله من باب جناية المأذون من كتاب المأذون من «المبسوط».

стр. 2141

[المرض] (والموت عجز خالص) بخلاف الرق فإنه أيضًا عجز ولكن ليس بخالص. (ولما كان الموت علة الخلاف كان المرض من أسباب تعلق حق الوارث والغريم بماله)؛ لأن الموت لما كان علة حقيقة لثبوت حق الغريم والوارث، والمرض سبب الموت كان المرض سبب علة ثبوت التعلق للغريم والوارث به، وبالسبب يثبت نوع الحكم قبل العلة. ألا ترى أن الجارح خطأ لو كفر قبل موت المجروح يجوز. (ولما كان عجزًا) أي سبب العجز (شرعت العبادات عليه بقدر المكنة) أي قائمًا وقاعدًا ومستلقيًا

стр. 2142

(بقدر ما يقع به صيانة الحق)، ففي حلق الورثة في الثلثين وفي حق الغرماء في الكل، (حتى لا يؤثر المرض فيما لا يتعلق به حق غريم) مثل النكاح بمهر المثل والاستيلاء والنفقة على نفسه وعلى من تجب نفقته عليه. (ولا وارث) مثل تصرف المريض في ثلث تركته وفي هذه الأشياء التي ذكرنا. (مستندًا إلى أوله) ذكر لفظ الاستناد للفرق بينه وبين التبين، فالتبين هو ما يمكن الاطلاع عليه للعباد، والاستناد ما لا يمكن الاطلاع عليه لهم قبل ثبوته. (وكل تصرف لا يحتمل النقض جعل كالمتعلق بالموت كالإعتاق) هذا التشبيه في حق السعاية. أما في حق نفوذ العتق في الحال فليس كالمتعلق فإن المتعلق بالشيء لا يثبت قبل وجود ذلك الشيء، وهاهنا العتق ثابت في الحال، وقال في

стр. 2143

«المبسوط» في كتاب العتق في المرض عن إبراهيم ﵀ في الرجل يعتق عبده عند الموت وعليه دين قال: يستسعى في قيمته، وبه نأخذ؛ لأن العتق في مرض الموت وصية والدين مقدم على الوصية، فإذا كان الدين مثل قيمته أو أكثر ولا مال له سواه فقد بطلت الوصية ووجبت على العبد رد رقبته، ولكن العتق بعد نفوذه لا يحتمل النقض والرد فيكون رده بإيجاب السعاية عليه، ولا تلزمه السعاية في أكثر من قيمته؛ لأنه لا يسلم له أكثر من مالية رقبته. وإن كان الدين على المولى أقل من قيمته سعى في مقدار قيمته للغرماء وفي ثلثي ما بقى للورثة؛ لأن مال الميت ما بقي بعد قضاء الدين قائمًا يسلم له بالوصيية ثلث ما بقي وعليه السعاية في ثلثي قيمته للورثة، وإذا أعتق الرجل في مرضه عبدًا قيمته ثلاثمائة ولا مال للمولى سواه ولا دين عليه فعلى العبد السعاية في مائتي درهم للورثة؛ لأن يسلم له الثلث بطريقة الوصية. (وكان القياس أن لا يملك المريض الإيصاء لما قلنا) أي من أن المرض من أسباب الحجر، (لكن الشرع جوز ذلك نظرًا له) فإن الإنسان مغرور بأمله مقصر في عمله ومحتاج إلى تدارك ما فرط منه من التقصير لما أن الرجوع

стр. 2144

إلى جزاء الله تعالى والمصير إليه، وفي الوصية أيضًا إيصال المنافع للإخوان واستذكار بخير بعد حينه من الخلان على وجه فيه طلب رضى الرحمن إذ بها يقوةى رجاؤه من الله تعالى ثواب رفده عسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده. (الاستخلاص): جيزي را براي خود خاص كردن، والإخلاص: جيزي رابه هر كسي خاص كردن، والإخلاص مع الاستخلاص كالإيثار مع الاستيثار، أي الموصي بوصيته يستأثر ثواب الله تعالى لنفسه على الورثة بالقيل وهو الثلث. (ليعلم) وهو متعلق بقوله: «بقدر الثلث» أي ليعلم (أن التهمة فيه أصل) وهي أن يتهم أنه إنما أوصى بالكثير لضغينة له بورثته، يعني فلذلك قدر الشارع جواز وصيته بالقليل وهو الثلث؛ لأنه لو أباح في الكل من غير تقدير بشيء لاحتمل أن يوصي بالكل فحينئذ صار متهمًا ببغض ورثته ووقع في قالة الناس بأنه كان يعادي ورثته والاحتراز عما يورث التهمة واجب.

стр. 2145

(التولي): بكار كسي قيام كردن وكار كسي رابخود كرفتن، أي إن الشرع أي الشارع وهو الله تعالى لما بين بنسه (الإيصار للورثة أبطل إيصاء الموصي لهم) يعني أن إيصاء الموصي للورثة كان مفوضًا إلى الموصي في ابتداء الإسلام بدليل قوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ إن تَرَكَ خَيْرًا الوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ والأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ) [البقرة:١٨٠] ثم تولى بيان ذلك بنفسه بقوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ) [النساء:١١] الآية، وانتسخت تلك الآية بهذه الآية، فإذا بطل إيصاء العباد للورثة بطل من كل وجه. (فبطل صورة) بأن يبيع عينًا من ماله من بعض الورثة بمثل قيمته فإن ذلك لا يجوز؛ لأن فيه إيثار العين لبعض الورثة لا إيثار معناه، وبطل (معنى) أيضًا، وهو أن يقر لأحد الورثة بالمال؛ لأنه وصية معنى، وبطل (حقيقة) الوصية بأن أوصى لأحد أقاربه بشيء من ماله، وبطل أيضًا (شبهة) الوصية بأن باع جيدًا بردي من الأموال الربوية من أحد الورثة لما فيه من شبهة الوصية بسبب إيثار الجيد لبعض الورثة، وإن كانت الجودة ساقطة العبرة في الأموال الربوية إذا بيعت بجنسها.

стр. 2146

فكان قوله: (حتى لا يصح منه البيع أصلًا عند أبي حنيفة ﵁، بيانًا لتلك الصور على طريق اللف والنشر أي لا يصح بيع المريض بعض ماله من ورثته بمثل قيمته أو بأكثر من قيمته عند أبي حنيفة ﵁. وذكر في باب الصرف في المرض من صرف «المبسوط» مريض باع من ابنه دينارًال بألف درهم وتقابضًا، فذلك لا يجوز عند أبي حنيفة ﵁؛ لأن نفس البيع من وارثه وصية له عنده ولا وصية للوارث، وعندهما معنى الوصية في الحط لا في نفس البيع كما في حق الأجنبى، فإذا كان البيع بمثل القيمة أو أكثر فلا وصية فيه ولا تهمة. (لأن شبهة الحرام حرام)؛ لأنه ﵇ (نهى عن الرب والريبة). (وإن لزمه في صحته) يعني أن ثبوت الدين نفي حال عدم التهمة له لا

стр. 2147

يصح، فكذا إذا ثبت في حال التهمة لتهمة العدول عن خلاف الجنس إلى الجنس، يعني يتهم بأنه إنما لم يبع منه شيئًال بخلاف الجنس لظهور قيمة الجودة على ذلك التقدير فباع بجنسه لئلا تظهر قيمة الجودة. يعني يتهم المريض بأن من قصده أن يؤثر بعض الورثة على غيره بإيصال عين جيد إليه لينتفع هو به دون غيره فلا يملك هو ذلك القصد في غير الأموال الربوية؛ لأنه لا يملك إسقاط الجودة في غيرها لاعتبارها عرفًا وشرعًا، فعدل عنه وباع الجيد من الأموال الربوية بالردي من الواررث لينتفع ذلك الوارث بجودة ما باعه؛ لأن الجودة في الأموال الربوية إذا بيعت بجنسها ساقطة فرد ذلك عليه للتهمة. وفي قوله: (وتقومت الجودة في حقهم) إشارة إلى جواز بيع المريض من وارثه الأموال الربوية بجنسها من غير خلاف إذا تساوت في الجودة والرداءة، غير أن الجودة متقومة فيها؛ لأنه ذكر ذلك مطلقًا من غير خلاف أحد. إلى هذا أشار في «المبسوط»، والمعنى فيه أن الدراهم والدنانير لا يتعينان في العقود فلا يلزم فيه ما قلنا من إيثار العين لبعض الورثة؛ لأنه لما كان للوارث من ذلك الجنس بمثل عينه وصفته صار كأنه لم يبع منه شيئًا، فلذلك قيل معنى قوله: (كما تقومت في حق الصغار) أنه لو باع الولي مال الصبي

стр. 2148

من نفسه تقومت الجودة حتى لا يجوز إلا باعتبار القيمة. (وحجر المريض عن الصلة) ولهذا لم تجب عليه نفقة المحارم ولا أدء الزكاة عليه (إلا من الثلث)، ومقوله: (لما قلنا) إشارة إلى قوله: «فكان من أسباب الحجر» أي فكان المرض. (وكذلك إذا أوصى بذلك) أي بأداء حق الله تعالى، وقيد بقوله: عندنا؛ لأن أداء حق الله تعالى عند الشافعي يعتبر من جميع المال واعتبره بحقوق العباد. (ولما تعلق حق الغرماء والورثة بالمال صورة ومعنى في حق أنفسهم ومعنى في حق غيرهم ...) إلى آخره، يعني أن حق الغرماء والورثة يتعلق بالمال في مرض الموت من حيث الصورة في حق أنفسهم حتى لا يجوز إيثار بعضهم بصورة المال كما لا يجوز الإيثار بالمعنى. أما في حق الورثة فظاهر حتى لا يكون لأحدهم أن يأخذ التركة ويعطي قيمتها لبقية الورثة، وكذلك الغريم على هذا فإنه لو أدى المريض حق بعض الغرماء بمال عنده كان لبقية الغرماء أن يستردوه منه، وكذلك لو باغ المريض بعض ماله منهم بمثل القيمة كان لبقية الغرماء أن ينقضوا البيع.

стр. 2149

وأما في حق الورثة والغرماء من الأجانب فحقهم متعلق بمعنى المال وهو القيمة لا بصورة المال حتى يصح بيع المريض من الأجانب بمثل القيمة بخلاف بيعه من الورثة والغرماء. (صار إعتاقه) أي إعتاق المريض. (نفذ هذا) أي إعتاق الراهن، (ولم ينفذ ذلك) أي إعتاق المريض أي من حيث المعنى حتى تجب عليه السعاية، وقد بينا أن إعتاق المريض عنده فيما إذا لم يكن له مال غيره هو نافذ من حيث الصورة لا من حيث المعنى حيث يعتق وتجب عليه السعاية. (وهذا أصل لا تحصى فروعه) أي أصل مسائل المريض أصل لا تحصى فروعه، ومن تلك الفروع التي تناسب هذا الموضع ما إذا أعتق المريض عبدًا في مرضه لا مال له غيره وقيمته ثلاثمائة ثم مات المولى ثم مات العبد وترك ثلاثمائة فمن ذلك مئتان لورثة المولى والباقي لورثة العبد؛ لأن ثلث رقبة العبد يسلم للعبد عند موت المولى بالوصية وتلزمه السعاية في ثلثي رقبتته، فلما مات عن ورثة أحرار إنما يبدأ بقضاء الدين من تركته وذلك مئتان والباقي لورثته. ومنها أن المريض إذا أعتق أمته فولدت بعد العتق قبل أن يموت الرجل أو بعد ما مات لم يدخل ولدها في الوصية؛ لأنها ولدت وهي حرة، وهذا

стр. 2150

التعليل مستقيم على أصلهما؛ لأن المستسعاة عندهما حرة عليها دين والعتق في المرض نافذ عندهما كسائر التصرفات، وكذلك عند أبي حنيفة ﵀ إن كانت تخرج من ثلثه. وإن كان الثلث أقل من قيمتها فعليها السعاية فيما زاد على الثلث، ويكون بمنزلة المكاتب ما دامت تسعى وحق الغرماء والورثة لا يثبت في ولد المكاتبة، لأن الثلث والثلثين لا يعتبر من رقبتها وإنما يعتبر من بدل الكتابة، فلا يثبت حق المولى في ولدها حتى يعتبر خروج الولد من الثلث، فإن ماتت قبل أن تؤدي ما عليها من السعاية كان على ولدها أن يسعى فيما كان على أمه على قياس قول أبي حنيفة ﵀ بمنزلة ولد المكاتبة وعندهما لا شيء على الولد؛ لأنه حر فلا تلزمه السعاية في دين أمه بعد موتها. (الحيض والنفاس) (فإنهما لا يعدمان أهلية بوجه)؛ لأن الحيض مصحة للبدن بدليل أن انقطاعه في حينه داء ترد به الجارية، ومن البعيد أن يكون المصحح منافيًا

стр. 2151

للأهلية، وكذا النفاس فإنه درور ما كان مجتمعًا أوان الحبل، فإذا دروره كان مصحة غير أن كلًا منهما ربما يفضي إلى الحر لو قلنا بوجوب العبادات به وذلك في الصلاة دون الصوم؛ لأن الطهارة شرط أداء الصلاة فلا يتحقق أداؤها مع الحيض والنفاس فلا يمكن القول بوجوب الأداء. وفي القضاء حرج بين فيسقط عنهما بصفة اليسر، والواجب بصفة اليسر إنما يبقى كما وجب ولو بقي في حق القضاء لا على الوصف الذي كان به وجوب الأداء كان حرجًا. وقوله: (وقد شرعت) أي الصلاة، وتحرير الكلام هو أنا لو نظرنا إلى وجوب السبب وبقاء الأهلية للحائض والنفساء، كان ينبغي أن نقول بوجوب الصلاة والصوم على الحائض والنفساء غير أن وجب الصلاة ثابت بالقدرة الميسرة بالنظر إلى اشتراط الطهارة، فإن اشتراط الطهارة في وجوبها كاشتراط النماء في حق وجوب الزكاة، فكما لا تجب الزكاة هناك بدون النماء كذلك لا تجب الصلاة بدون الطهارة عن الحيض والنفاس، ولما لم تتحقق

стр. 2152

الطهارة للحائض والنفسا منهما لم يتحقق وجوب الصلاة عليهما فلا يجب قضاء الصلاة عليهما؛ إذ وجوب القضاء يتلو وجوب الأداء؛ لأن القضاء خلف الأدء، ولما لم يجب الأصل لم يجب الخلف عند فوت الأصل. وقوله: (وفي وضع الحيض والنفاس) أي وفي إهدارهما وإبطالهما يعني وفي جعلهما كأن لم يكونا (ما يوجب) الحرج في القضاء؛ لأن الحيض مما يتكرر والنفاس مما يمتد (فلذلك وضع عنهما)، أي فلأجل إيجاب الحرج رفع وجوب أداء الصلاة عنهما، فلما لم يثبت وجوب أداء الصلاة عليهما وهو الًال لم يجب قضاؤها عليهما أيضًا وهو الخلف. (وقد جعلت الطهارة عنهما شرطًا لصحة الصوم نصًا أيضًا) وهو قوله ﵇: «الحائض تدع الصوم ونالصلاة أيام أقرائها»، وحديث عائشة ﵂ «كنا نترك الصلاة والصوم على عهد رسول الله ﵇ في أيام الحيض»، والمعنى في الفرق بينهما أن ورود النص في اشتراط الطهارة للصلاة لما كان موافقًا للقياس أثر عدم الطهارة من الحيض والنفاس في أن لا يوجب القضاء أيضًا كما لا يوجب الأداء؛ لكون الحيض والنفاس بدون اختيار الحائض والنفساء.

стр. 2153

وفي الصوم لما لم تشترط الطهارة في أصله بدليل تحققه بالجنابة والحدث كان اشتراط الطهارة في الصوم عن الحيض والنفاس بخلاف القياس، فلذلك لم يؤثر في إسقاط القضاء وجعل كأن أصل وجوب الصوم أدرك الحائض والنفساء في وقته فوجب القضاء بناء على وجوب الأداء تقديرًا، ولأن الحرج في قضائه لم يلحقهما بخلاف قضاء الصلاة فإنه يلزم على الحائض خمسون صلاة في كل عشرة أيام من كل شهر ويلزمها قضاءة عشرة أيام في أحد عشر شهرًا. (وأحكام الحيض والنفس كثيرة لا يحصى عددها) وقد ذكرناها في بأبي الحيض والنفاس من «النهاية». [«الموت»] (فإنه عجز كله) أي عجز خالص ليس فيه شائبة القدرة بوجه من الوجوه بخلاف الرق وغيره بدليل ما ذكر في «المختصر» بهذا اللفظ.

стр. 2154

(إن كان حقًا متعلقًا بالعين) كتعلق حق المودع بالوديعة وحق المعير بالعاررية (يبقى) بعد الموت (ببقاء العين لأن الفعل) في حقوق العباد (غير مقصود) وإنما المقصود هو وصول الحق إلى المستحق بأي وجه كان بخلاف حقوق الله تعالى، فإن الفعل هو المقصود هناك تحقيقًا للابتلاء لا المال كما في الزكاة، ألا ترى أن من له الدين إذا ظفر بجنس حقه له أن يأخذه

стр. 2155

لحصول مقصوده به، والفققير إذا ظفر بمال الزكاة ليس له أن يأخذ لأن الحق لله تعالى فكان الفعل فيه هو المقصود للابتلاء. (وهذا لا يرجى زواله غالبًا) أي زوال الموت عن الميت قيد بقوله: «غالبًا» لرن زوال الموت عن الميت في الدنيا كان موجودًا في الجملة، كما في حق عزير ﵇، وكما في حق المار على قرية على ما أخبر الله تعالى عنه بقوله: (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ) إلى قوله: (فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ)، وكما في حق الخارجين عن ديارهم حذر الموت، فمنه ما أخبر الله تعالى بقوله: إلى

стр. 2156

قوله: (أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ) إلى قوله: (ثُمَّ أَحْيَاهُمْ) وكما كان يحيي الموتى بدعاء عيسى ﵇، ÷ولكن الغالب عدم زوال الموت كما هو سنة الله تعالى في عامة الموتى في الدنيا فلذلك قال: لا يرجى زواله غالبًا. (لأن ثبوته بالمطالبة) أي ثبوت الدين؛ لأن الدين وصف شرعي يظهر أثره في المطالبة، والشيء إذا لم يستعقب أثرًا كان وجوده كعدمه، فلما سقطت المطالبة والذمة قد ضعفت لم يمكن القول بثبوت الدين في الذمة بخلاف الحي، فإن ذمته تحتمل الدين لقوتها فلما ضعفت الذمة بالموت لم يكن بد من انضمام المال إلى الذمة الضعيفة، وانضمام ذمة الكفيل إليها

стр. 2157

لتتقوى الذمة الضعيفة به لظهور أثر الدين، وهو المطالبة عند ذلك. (فيكفل رجل عنه صح) حتى يؤخذ الكفيل به في الحال، وإن كان الأصل وهو العبد غير مطال به في الحال بل هو مؤخر عنه إلى أن يعتق؛ لأن ذمته قابلة للدين في الحال، غير أنه لا يطالب به في الحال لعسرته فكان الدين صحيحًا فصحت الكفالة به لذلك ويؤخذ به في الحال. (لأن ذمته في حقه كاملة) لأنه حي عاقل بالغ مكلف، وقوله: (وإنما ضمت المالية إليها في حق المولى) جواب شبهة ترد على قوله: «لأن ذمته في حقه كاملة» بأن يقال: لو كانت ذمته كاملة في حقه لتحملت ذمته الدين بنفسها لكمالها كما في الحر، ولما ضمت مالية الرقبة إلى ذمته بأن لا يباع العبد المأذون بسبب دينه الذي لحقه بسبب التجارة كما هو مذهب الشافعي ﵀ فأجاب عنه بهذا وقال: وإنما ضمت إليه مالية الرقبة إلى ذمته لظهور هذا الدين في حق المولى، فإنه لما أذن له في التجارة لتزم ما كان هو من لوازمها، ومن تلك اللوازم بيع رقبته في دينه كما في دين الاستهلاك بخلاف ما إذا لحق الدين بالعبد المحجور عليه بسبب التجارة حيث لا يباع هو فيه لعدم ظهوره في حق المولى؛ لأن مولاه لم يأذن له في التجارة فلم يظهر هو في حقه لذلك. (لكن عجزنا عنها) أي عن المطالبة، ولهذا لو خلف ما لا يطالب به،

стр. 2158

فعلم أن الدين باق. (لأن ذلك العدم) أي عدم المطالبة (لمعنى في محل الدين) وهو ضعف ذمة الميت فوق ضعف ذمة الرقيق فكان انعدام المطالبة لعدم الدين كمن ليس عليه دين لا يمكن المطالبة لعدم الدين لا لعجز في المطالبة فلذلك لم تصح الكفالة به. وقوله: (فلهذا لزمته الديون) يتصل بقوله: «وإن كان دينًا لم يبق بمجرد الذمة حتى يضم إليه مال أو ما يؤكد به الذمم» فكان هذا لإيضاح أن ذمة الميت لم تبطل من كل وجه حتى تلحق بالجماد وسائر الحيوانات، بل بقيت مع الضعف القوي، والضمير البارز في لزمته راجع إلى الميت المفهوم من قوله: «لأن ضعف الذمة بالموت» بدليل رجوع الضمير الذي هو مضاف إليه إلى الميت فيما بعده، وهو قوله (صح في حياته)، أي يضاف الدين إلى سبب صح في حياته بأن وجد منه ذلك السبب في حياته، كما إذا حفر بئرًا على قارعة الطريق فوقع فيها حيوان مملوك بعد موته وهلك يلزم قيمته على الذي حفرها وهو ميت وأثر لزومه أنه يؤخذ من تركته وتصح الكفالة به. (ولهذا صح الضمان عنه إذا خلف مالًا أو كفيلًا) يعني إذا مات وله مال أو ليس له مال ولكن له كفيل كفل عنه في حياته عن دينه ثم مات هذا

стр. 2159

المكفول صح أن يكفل عنه إنسان آخر لبقاء الدين بأثره وهو المطالبة ولتأكد الذمة الضعيفة بما يتقوى به وهو المال أو ذمة الكفيل، (وإن كان شرع عليه بطريق الصلة) كوجوب النفات عليه والزكاة وصدقة الفطر ونحوها. (وأما الذي شرع له) كجهاز الميت من التكفين وغيره وقضاء دينه (فبناء على حاجته) أي فبناء على حسب ترتيب حاجته، وما كانت حاجته إليه أشد فهو مقدم على غيره، ثم وثم إلى أن تنقضي حاجاته كلها. (لأن العبودية لازمة للبشر)؛ لأنه لا يتصور انفكاك العبودية عن البشر أبد الأبدين؛ لأن هذه صفة للآدمى وغيره من المخلقوات لكونهم مخلوقين لله تعلى وكونهم مخلوقين له لا يتصور زواله، فكذلك لا يتصور زوال العبودية عن العباد لذلك، فلذلك صارت صفة العبودية بعد الموت باقية، فالعبودية مستلزمة للحاجة فتبقى الحاجة بعد الموت لبقاء العبودية، فلما بقيت حاجة الميت بعد الموت قدم ما هو أشد احتياجًا هو إليه. (ولذلك بقيت التركة على حكم ملك الميت) أي ولكون حاجة الميت باقية بعد الموت كانت التركة باقية على ملكه ليقضى بها حاجته، (فلذلك قدم جهازه) على الدين لشدة حاجته إلى الكفن بالنسبة إلى الدين، وهذا لأن

стр. 2160

الكفن لباسه بعد وفاته فيعتبر بلباسه وقت حياته، ÷ولباسه وقت حياته مقدم على دينه حتى لا يباع على المديونن ما عليه من ثيابه فكذلك لباسه بعد موته، ومن مات ولا شيء له يجب على المسلمين تكفينه، فيكفن من مال بيت المال، وماله يكون أقرب إليه من مال بيت المال، وبهذا يتبين أن الكفن أقوى من الدين فإنه لا يجب على المسلمين قضاء دينه من بيت المال ويجب تكفينه منه إذا لم يكن له مال. كذا في «المبسوط». قيل: هذا زي تأخر الدين عن الكفن في دين لم يتعلق بالعين. فأما الذي تعلق بالعين في حال حياة المديون كتعلق دين المرتهن بالرهن فإن ذلك الدين مقدم على التجهيز لتعلق حق المرتهن به فيقدم حاجته على حاجة الميت كما في حال حياته. (ولذلك صحت واياه كلها واقعة) أي منفذة في الحال بأن قال المريض: اعتقدت عبدي هذا، أو قال: أوصيت لفلان بكذا، (ومفوضة) أي بأن قال: اعتقوا هذا العبد بعد موتى، أو قال: أعطوا لفلان كذا بعد موتى، (ولذلك بقيت الكتابة) بعد موت المولى؛ لن المولى مالك فيبقى ملكه بعد موته لحاجته وهي إحراز ثواب الاعتقا، هو ما روي عن النبي ﵇ أنه قال: «من أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منها عضوًا منه من

стр. 2161

النار». (وهي من أقوى الحوائج) أي حاجة المكاتب إلى حريته أقوى حوائجه، وهذه الحاجة له فوق حاجة المولى إلى عتقه؛ لأن الرق أثر الكفر لما عرف ودفع أثر الكفر من أقوى الحوائج، فإذا بقيت مالكية الملوى بعد موته ليصير معتقًا فأولى أن يبقى مالكية المكاتب. (ألا ترى أنه ندب فيه حط بعض البدل) لإبقاء ذلك الأمر المندوب، قال الله تعالى: (وآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ) [النور:٣٣]، وعند بعض العلماء حط ربع البدل واجب ليصل إلى الحرية سريعًا فكان قوله: «ألا ترى» لإيضاح إثبات حاجة المكاتب إلى إبقاء عقد الكتابة ليحصل له العتق ويزول عنه وعن أولاده أثر الكفر الذي هو الرق. (فلأن تبقى هذه المالكية) وهي مالكية المكاتب (أولى)؛ لأن الحاجة له

стр. 2162

أقوى ليصل بها إلى الحرية وهو معنى قوله: ليصير معتقًا -بفتح التاء- على صيغة بناء اسم المفعول. (وأما المملوكية فهي تابعة) جواب إشكال وهو أن يقال: في إبقاء الكتابة إبقاء المملوكية في المكاتب والمملوكية بعد ما مات المكاتب لا يمكن إبقاؤها وليس في إبقائها نظر له أيضًا بل في إبقائها ضرر عليه لكون الرق من أثر الكفر ولظهور أثره في أولاده بوصف الرقبة. فأجاب عنه بقوله: وأما المملوكية فهي تابعة في باب الكتابة، فإن الأصل فيها مالكية المكاتب يدًا. والدليل على أن المالكية فيه أصل هو أنه يثبت له ملك اليد في الحال والمقصود من عقد الكتابة الوصول إلى الحرية وزوال المملوكية، فالبنظر إلى المقصود إلى ثبوت مالكية اليد في الحال يستدل على أن المالكية هي الأصل فيه، فلما كانت المملوكية تبعًا أمكن أن يبقى التبع لأجل الًال، ووجه ثبوت المملوكية بطريق التبعية هو أن المقصود من عقد الكتابة لما كان هو الوصول إلى الحرية لم يكن بد من المملوكية حال بقاء عقد الكتاب، فكانت هي شرطًا لمقصود الوصول إلى الحرية، وذلك إنما يكون لمالكية اليد في الحال فالعبرة للمقصود المتبوع لا للتبع. وقوله: (ولهذا وجبت المواريث بطريق الخلافة عن الميت نظرًا له)

стр. 2163

يتصل بقوله: «وأما الذي شرع له فبناء على حاجته» فكان هو لإيضاح بقاء حاجته بعد الموت في ماله، فلذل وجبت المواريث لمن يتصل بالميت من أهل دينه من حيث النسب كالولاء وغيره. أو من حيث السبب والدين كالزواج من الزوج والزوجة، أو من حيث الدين لا غير بلا نسب وسبب وهو بيت المال، وفيه يوضع لحقوق المسلمين، يعني أن في انتقال مال الميت إلى من يصلح خليفة له نسبًا أو غير ذلك نظرًا له؛ لن فيه ثواب صلة الرحم له وإيصال النفع إلى المسلمين، واشترط من يصلح خليفة له فيمن ينتقل إليه ماله؛ لأن الموت من أسباب الخلافة. (ولهذا صار التعليق بالموت يخالف سائر وجوه التعليق) حتى أن الرجل إذا قال لعبده: إن مت فأنت حر؛ فهذا التعليق يخالف سائر التعليقات؛ لأن التعليق بالشرط عندنا يمنع انعقاد السبب والتعليق بالموت لا يمنع انعقاد السبب، بل ينعقد سببًا في الحال فلذلك لم يجز بيع المدبر. بخلاف ما إذا قال لعبده: إن دخلت الدار فأنت حر؛ فإنه يصح بيعه قبل وجود الشرط؛ وغنما كان هكذا؛ (لأن الموت من أسباب الخلافة) فباعتبار أنه علقه بسبب الخلافة الذي هو كائن لا محالة كان له حكم الثبوت في الحال. وحاصل الكلام: إن الموت لما كان من أسباب الخلافة ظهر أثره في

стр. 2164

موضعين: في حق العبد إذا دبره، وفي حق الوارث إذا مرض مرض الموت، فيجعل المدبر خلفًا عنه في حق العتق بعد موته، ففي الحال تعلق عتقه بالموت على وجه لا يصح إبطاله، فصار هذا كوجود المرض إذا اتصل به الموت في حق الوارث لما أن الموت من أسباب الخلافة فكان المدبر والوارث خلفين عنه. وهذا لأن المرض يثبت تعلق حق الوارث بالمال، يعني إذا مات في مرضه ذلك. وكذلك قوله: أنت حر بعد موتى يثبت تعلق حق العبد في الحرية بموته، فصار المولى محجورًا عن بيعه كما صار محجورًا عن إبطال حق الوارث عند تعلق حقه بالمال، وهو معنى قوله: (فكذلك إذا ثبت بالنص) أي إذا ثبت الخلافة بتأويل كون الخلافة بصريح قوله: أنت مدبر بعد موتي. يعني إذا وجد سبب الخلافة وهو المرض يثبت للوارث حق لا يجوز للمورث إبطاله. فكذلك إذا ثبت نصًا بقوله: أنت مدبر بعد موتى، (وصار المال من ثمراته) أي من ثمرات سبب الخلافة فيثبت المال ضمنًا، وإنما قال هذا لدفع شبهة وهي أن التدبير وصية، وقال قبل هذا: «فيصير التعليق به إيجاب حق للحال بطريق الخلافة عنه» أي قوله: «أنت حر بعد موتي» إثبات حق الحرية في الحال بطرييق الخلافة عنه وفيه إخراج مالية العبد عن ملكه فصار

стр. 2165

كإخراج ماله عن ملكه بالإيصار للموصى له بالمال. ثم هناك يملك إبطال ما أوجبه في الحال فينبغي أن يملك إبطال ما أوجبه في الحال من تدبير العبد أيضًا بجامع أن كلًا منهما إيجاب حق متعلق بالموت في المال، فقال نعم كذلك. إلا أن المال هاهنا صار من ثمرات الخلافة وسبب الخلافة لما ثبت بيت المال في ضمنه وهو مالية العبد فلذلك لم يملك إبطاله بخلاف الموصي له. فإن المال ثمة أصل وعند ثبوت الخلافة المال موجود ولم يتعلق حق الموصى له بالمال قبل الموت فيملك الموصي إبطاله بخلاف ما نحن فيه؛ لأن إثبات الخلافة في الحرية على وجه التعليق بأمر كائن لا محالة، وهو مما لا يحتمل الإبطال، فلذلك لم يملك إبطال التدبير بعد إثباته نصًا، فلذلك وقع التدبير لازمًا دون الإيصاء بالمال للموصى له، (فينظر من بعد) أي بعد ثبوت سبب الخلافة. (منع الاعتراض عليه من المولى) أي منع ذلك الحق اللازم الاعتراض الصادر من المولى من التصرفات المبطلة لذلك الحق اللازم كالبيع والهبة وغيرهما عليه أي على ذلك الحق اللازم، (للزومه في نفسه) وهو الإعتاق فإنه لا يقبل الفسخ، و (للزومه) في سببه وهو تعليقه بأمر كائن لا محالة، ونفس التعليق أمر لازم فكيف إذا كان معلقًا بأمر كائن لا محالة، وإنما قيد بقوله: (وهو معنى التعليق)؛ لأن بهذا أعني التدبير، وهو قوله: أنت مدبر

стр. 2166

أو قد دبرتك ليس بتعليق حقيقة لعدم كلمة التعليق، وكذلك قوله: إذا مت فأنت حر؛ لأن التعليق الحقيقي إنما يكون بالتعليق بأمر له خطر الوجود أي التردد في الوجود لا أن يكون أمرًا كائنًا لا محالة، فلم يكن هو حقيقة التعليق، لكن فيه معنى التعليق لتعلق عتقه بالموت فلذلك وقع لازمًا. ثم ترك هاهنا الشق الآخر أي لكونه معروفًا، وهو أن يقول: وإن كان الحق غير لازم بأصله مثل الوصية للموصي له بثلث ماله فهو لا يمنع الاعتراض عليه من المولى حتى صح بيع ما أوصى به وهبته والرجوع عنه. (وصار ذلك كأم الولد) أي وصار المدبر كأم الولد. (حق العتق لما بينا) من أن عتقها تعلق بالموت وهو كائن لا محالة، فصار الاستيلاء سبب تعلق حق العتق في الحال كما في المدبر؛ لأن التقوم بالإحراز يكون؛ لأن التقوم لا يكون بدون العصمة المقومة والعصمة المقومة بالإحراز تكون. ألا ترى أن الصيد والحشيش لا قيمة لهما قبل الإحراز. (والمتعة) منها (تابعة) ولهذا صح شراء أخته من الرضاع والأمة

стр. 2167

المجوسية وشراء الأختين، (والمالية تابعة) لأن الفراش صار أصلًا فيها كالمنكوحة فصارت المالية تابعة، وإنما جعلت إحداهما تابعة للأخرى عند اجتماعهما؛ لأنه لم يعهد في الشرع أن يكون الإحراز لهما مقصودًا فكان الإحراز للمالية معارضًا للإحراز للفراش، وقد ثبت الإحراز للفراش هاهنا فينتفي الإحراز للمالية ضرورة فجعلناه تبعا؛ لأن الإحراز لو كان ثابتًا للمالية لتعلقه به الحق المؤكد وهو حق الغريم، والوارث كالمدبر ولم يتعلق بها حق قط، فعلم أن المالية فيها تبع لا أصل. (فصار الإحراز عدمًا في حق المالية) أي بمقابلة الإحراز للمتعة. (فتعدى الحكم الأول) وهو حق العتق أي على وجه اللزوم لوجود معناه وهو تعلقه بما هو كائن لا محالة. (دون الثاني) وهو سقوط التقوم أي لم يسقط تقوم المدبر لعدم معناه وهو ذهاب الإحراز للمالية. وقوله: (ولهذا قلنا) يتعلق بقوله: «وأما الذي شرع له فبناء على حاجته» فكان هذا معطوفًا على قوله: «ولهذا وجبت المواريث» أي ولأجل ما قلنا إن الذي شرع للميت يبقى بعد موته لحاجته: قلنا إن المرأة تغسل زوجها.

стр. 2168

(وقد بطلت أهلية المملوكية) لأن الشيء المملوك لا يبقى مملوكًا بعد هلاكه، ولأن ما يبقى للإنسان بعد موته هو شيء يقضي به حاجته وبقاء المملوكية ليس مما تقضي به حاجة الميت فأجرى على حقيقته من البطلان. (ألا ترى أنه لا عدة عليه بعدها) حتى يحل للزوج تزوج أختها وأربع

стр. 2169

سواها بعد موتها من غير تراخ. فعلم أنه لم تبق الوصلة بينهما أصلًا. (ألا ترى أنه مؤكد بالحجة) وهي الشهود (والمال) وهو المهر (والمحرمية) وهي إثبات حرمة المصاهرة. (الدرك): والدرك -بفتحتين وسكون الراء- اسم للإدراك، (وقد وجب عند انقضاء الحياة) أي حياة المقتول، وعند انقضاء الحياة لا يجب للميت شيء سوى ما يضطر إليه لحاجة تكون له بعد الموت؛ لأن الأصل أن لا يجب له شيء لبطلان الأهلية والمالكية. فالشيء إنما يثبت له بعد الموت بخلاف القياس باعتبار الضرورة ولا ضرورة في إبقاء القصاص له؛ لأنه شرع لدرك الثأر ولا ثأر له بعد الموت؛ لأن الثأر إنما ينشأ من النفس الحيوانية الداعية إلى الانتقام وإلى إطفاء نار الحمية الملتتهبة بالاضطرام، فلذلك قيل: يجب القصاص للأولياء من وجه؛

стр. 2170

لأنهم كانوا ينتفعون بحياته ويجب للمقتول من وجه؛ لأن انتفاعه بحياته أكثر من انتفاع أوليائه به، فلذلك صح العفو منه ومن أوليائه. وقوله: (ولهذا صح عفو الوارث عن القصاص) استدلال من المصنف ﵀ على أن ثبوت ولاية استيفاء القصاص للورثة لم يكن بطريق الوراثة لهم من المورث بل بطريق الأصالة ابتداء؛ لأنه لو لم يكن القصاص حقهم ابتداء لما صح منهم العفو عنه حال حياة مورثهم، كما لا يصح إبراؤهم غريم المورث عن الدين حال حياة مورثهم. (لكن القصاص واحد) جواب إشكال وهو أن يقال: لما كانت شرعيته لدراك الثأر وأن يسلم حياة الأولياء وذلك يحصل للجميع، فينبغي أن لا يصح استيفاؤه إلا بحضور الكل، فقال في جوابه: (أنه جزاء قتل واحد وكل واحد من الأولياء كأنه يملكه وحده) كثبوت ولاية الإنكاح للإخوة.

стр. 2171

(إذا كان سائرهم صغارًا)؛ لأن احتمال العفو منهم في الحال معدوم. (ورجحان جهة وجوده) أي وجود العفو، وإنما قال هذا؛ لأن مجرد الاحتمال غير معتبر. (ثم حضر الغائب كلف إعادة البينة) فلو كان بطريق الإرث لما كلف إعادة البينة؛ لأن أحد الورثة ينتصب خصمًا عن الباقين فيما كان لهم بطريق الإرث كما في المال. (وإذا انقلب القصاص مالًا) لشبهة وقعت أو كان القاتل أبًا أو عفا أحد الأولياء صار موروثًا فحينئذ يقدم فيه ما كان الميت إليه أشد احتياجًاا من قضاء ديونه وتنفيذ وصايا وارثه. فإن قيل: الأصل هو القصاص وهو ليس بموروث فكيف يكون خلفه وهو المال موروثًا، والأصل إن السبب الموجب للأصل هو السبب الموجب

стр. 2172

للخلف، فلما لم ينعقد القتل العمد وهو السبب الموجب للقصا موجبًا للإرث فيكف ينعقد موجبًا لإرث في خلفه وهو المال؟ قلنا: الموت سبب الخلافة في الإرث، والإرث إنما لم يثبت في القصاص لضرورة أن شرعيته لدرك الثأر وهو مما لا يحتاج إليه الميت، فإذا انقلب القصصا مالًا ارتفعت الضرورة، وسبب الخلافة في المال بطريق الإرث وهو الموت ثابت فيثبت الإرث. فإن قلت: لما لم يوجب القتل العمد الإرث في المال في ابتداء وجوده لم يوجب بعد ذلك؛ لأن ذلك حالة البقاء كالزنا الموجود في دار الحرب واستحداث الملك في الجارية المنكوحة، حيث لم يوجبا حكمهما الذي هو الحد ووجوب الاستبراء بعد زوال ما يمنعهما من ثبوت حكمهما وهو الخروج إلى دار الإسلام في الزنا وفرقة الزوج في الجارية المنكوحة؛ لأنهما لما لو يوجبا ذينك الحكمين في ابتداء وجود السبب لم يوجبا بعد ذلك؛ لأن السبب لم ينعقد موجبًا لذلك الحكم حال ابتداء وجوده فلا ينقلب موجبًا بعد ذلك. قلت: ليست هاتان الصورتان زوان ما نحن فيه؛ لأن الزنا الموجود في دار الحرب واستحداث ملك الجارية المنكوحة لم يوجبا حكمًا من الأحكام في ابتداء وجودهما لانعدام شرطهما حتى ينقلب ذلك الحكم إلى حكم آخر عند

стр. 2173

وجود شرطه فلغا السبب عن إثبات حكمه لعدم شرطه ابتداء وبقاء لذلك بخلاف ما نحن فيه. فإن القتل العمد أوجب حكمه الأصلي وهو القصاص وحق القصاص شيء يصلح أن يكون سببًا لوجوب المال بدليل صحة صلح القصاص على المال، ولما انقلب القصاص مالًا صار كأنه هو الواجب الأصلي فيه فيتعلق حق الميت به، كما لو كان الموت موجبًا لإرث المال ابتداء؛ لأن الخلف إنما يثبت بالسبب الذي يجب به الأصل والسبب وجد في ذلك الوقت فيستند وجوب الخلف إلى ذلك الوقت أيضًا فكان موروثًا. (ألا ترى أن حق الموصى له لا يتعلق بالقود) هذا لإيضاح أن الدية تجب من الأصل ويصير موروثًا من الأصل؛ لأنه إذا لم يكن كذلك لما تعلق بها حق الموصى له كما في القصاص. (فاعتبر بسهام الورثة في الخلف) يعني يأخذ كل واحد منهم بقدر حقه؛ لأنه متجز بخلاف القصاص؛ لأن لكل واحد منهم أن يستوفى كله لاختلاف حالهما وهو أن القصاص غير منتجز وسهام الورثة متجزية. (وفارق الخلف الأصل لاختلاف حالهما) يعني أن حال الأصل وهو القصاص لا يصلح لحاجة الميت؛ لأن الغرض منه درك الثأر وهو قد عدم في حقه، وحال الخلف وهو الدية يصلح لحاجة الميت فكان الخلف مفارقًا لأصله

стр. 2174

في الحكم المتعلق بكل واحد منهما كما في التيمم مع الوضوء، حيث اشترطت النية في التيمم دون الوضوء؛ لأن الماء مطهر للشيء طبعًا وشرعًا فلا يحتاج إلى النية التي تجعله مطهرًا بخلاف التراب فإنه غير مطهر في أصله فاحتاج إلى النية التي تجعله مطهرَا شرعًا. (ولهذا وجب القصاص للزوج والزوجة) أي ولأجل أن القصاص وجب للورثة ابتداء وجب للزوج والزوجة؛ لأنهما من الورثة، (ولهذا وجب بالزوجية نصيب في الدية) أي ولأجل أن الزوجية تصلح سببًا للخلافة فكان هو استدلالًا على أن الزوجية تصلح سببًا للخلافة. (ألا ترى أن للزوجية مزية تصرف في الملك) أي أن لكل واحد من الزوجين زيادة تصرف في مال الآخر وزيادة بسوطة وانتفاع بمال الآخر

стр. 2175

بالنسبة إلى تصرف الأقرباء في مال القريب الآ×ر، وعن هذا لم تصح شهادة أحدهما للآخر بخلاف شهادة الأخ لأخيه، فلما كان كذلك كان للقريب نصيب في الدية فأولى أن يكون لأحد الزوجية في دية الآخر نصيب، وعن هذا قال فصار كالنسب. وقوله: (وما يجب له وما يجب عليه مما اكتسبه) هذا في حق (السبب وما يلقاه من ثواب وكرامة أو عقاب وملامة) هذان في حق الحكم أي بقاء ما يجب له من المظالم بأن ظلم عليه غيره أو ما يثبت له من الملك بعد موته بسبب باشره في حياته، كما إذا رمى صيدًا فأصاب السهم الصيد بعد ما مات الرامي فإن الصيد يكون له ويصرف في حوائجه كما في سائر أمواله، وكذلك لو نصب شبكة فتعلق به صيد يكون له أيضًا، وكذلك قوله: «وما يجب عليه» أي بقاء ما يجب عليه، كما إذا حفر بئرًا في قارعة الطريق فوقع فيها إنسان أو حيوان بعد موت الحافر هو عليه يؤخذ بضمانه من تركته. (كالرحم للماء) من حيث إنه وضع فيه إلى زمان ثم يخرج منه. (في هذا المنزل) وهو القبر (الابتلاء في الابتداء) أي بعد ما صار بالغًا
следующие страницы →