Полный текст (2 351 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.
стр. 2171
(إذا كان سائرهم صغارًا)؛ لأن احتمال العفو منهم في الحال معدوم.
(ورجحان جهة وجوده) أي وجود العفو، وإنما قال هذا؛ لأن مجرد الاحتمال غير معتبر.
(ثم حضر الغائب كلف إعادة البينة) فلو كان بطريق الإرث لما كلف إعادة البينة؛ لأن أحد الورثة ينتصب خصمًا عن الباقين فيما كان لهم بطريق الإرث كما في المال.
(وإذا انقلب القصاص مالًا) لشبهة وقعت أو كان القاتل أبًا أو عفا أحد الأولياء صار موروثًا فحينئذ يقدم فيه ما كان الميت إليه أشد احتياجًاا من قضاء ديونه وتنفيذ وصايا وارثه.
فإن قيل: الأصل هو القصاص وهو ليس بموروث فكيف يكون خلفه وهو المال موروثًا، والأصل إن السبب الموجب للأصل هو السبب الموجب
стр. 2172
للخلف، فلما لم ينعقد القتل العمد وهو السبب الموجب للقصا موجبًا للإرث فيكف ينعقد موجبًا لإرث في خلفه وهو المال؟
قلنا: الموت سبب الخلافة في الإرث، والإرث إنما لم يثبت في القصاص لضرورة أن شرعيته لدرك الثأر وهو مما لا يحتاج إليه الميت، فإذا انقلب القصصا مالًا ارتفعت الضرورة، وسبب الخلافة في المال بطريق الإرث وهو الموت ثابت فيثبت الإرث.
فإن قلت: لما لم يوجب القتل العمد الإرث في المال في ابتداء وجوده لم يوجب بعد ذلك؛ لأن ذلك حالة البقاء كالزنا الموجود في دار الحرب واستحداث الملك في الجارية المنكوحة، حيث لم يوجبا حكمهما الذي هو الحد ووجوب الاستبراء بعد زوال ما يمنعهما من ثبوت حكمهما وهو الخروج إلى دار الإسلام في الزنا وفرقة الزوج في الجارية المنكوحة؛ لأنهما لما لو يوجبا ذينك الحكمين في ابتداء وجود السبب لم يوجبا بعد ذلك؛ لأن السبب لم ينعقد موجبًا لذلك الحكم حال ابتداء وجوده فلا ينقلب موجبًا بعد ذلك.
قلت: ليست هاتان الصورتان زوان ما نحن فيه؛ لأن الزنا الموجود في دار الحرب واستحداث ملك الجارية المنكوحة لم يوجبا حكمًا من الأحكام في ابتداء وجودهما لانعدام شرطهما حتى ينقلب ذلك الحكم إلى حكم آخر عند
стр. 2173
وجود شرطه فلغا السبب عن إثبات حكمه لعدم شرطه ابتداء وبقاء لذلك بخلاف ما نحن فيه.
فإن القتل العمد أوجب حكمه الأصلي وهو القصاص وحق القصاص شيء يصلح أن يكون سببًا لوجوب المال بدليل صحة صلح القصاص على المال، ولما انقلب القصاص مالًا صار كأنه هو الواجب الأصلي فيه فيتعلق حق الميت به، كما لو كان الموت موجبًا لإرث المال ابتداء؛ لأن الخلف إنما يثبت بالسبب الذي يجب به الأصل والسبب وجد في ذلك الوقت فيستند وجوب الخلف إلى ذلك الوقت أيضًا فكان موروثًا.
(ألا ترى أن حق الموصى له لا يتعلق بالقود) هذا لإيضاح أن الدية تجب من الأصل ويصير موروثًا من الأصل؛ لأنه إذا لم يكن كذلك لما تعلق بها حق الموصى له كما في القصاص.
(فاعتبر بسهام الورثة في الخلف) يعني يأخذ كل واحد منهم بقدر حقه؛ لأنه متجز بخلاف القصاص؛ لأن لكل واحد منهم أن يستوفى كله لاختلاف حالهما وهو أن القصاص غير منتجز وسهام الورثة متجزية.
(وفارق الخلف الأصل لاختلاف حالهما) يعني أن حال الأصل وهو القصاص لا يصلح لحاجة الميت؛ لأن الغرض منه درك الثأر وهو قد عدم في حقه، وحال الخلف وهو الدية يصلح لحاجة الميت فكان الخلف مفارقًا لأصله
стр. 2174
في الحكم المتعلق بكل واحد منهما كما في التيمم مع الوضوء، حيث اشترطت النية في التيمم دون الوضوء؛ لأن الماء مطهر للشيء طبعًا وشرعًا فلا يحتاج إلى النية التي تجعله مطهرًا بخلاف التراب فإنه غير مطهر في أصله فاحتاج إلى النية التي تجعله مطهرَا شرعًا.
(ولهذا وجب القصاص للزوج والزوجة) أي ولأجل أن القصاص وجب للورثة ابتداء وجب للزوج والزوجة؛ لأنهما من الورثة، (ولهذا وجب بالزوجية نصيب في الدية) أي ولأجل أن الزوجية تصلح سببًا للخلافة فكان هو استدلالًا على أن الزوجية تصلح سببًا للخلافة.
(ألا ترى أن للزوجية مزية تصرف في الملك) أي أن لكل واحد من الزوجين زيادة تصرف في مال الآخر وزيادة بسوطة وانتفاع بمال الآخر
стр. 2175
بالنسبة إلى تصرف الأقرباء في مال القريب الآ×ر، وعن هذا لم تصح شهادة أحدهما للآخر بخلاف شهادة الأخ لأخيه، فلما كان كذلك كان للقريب نصيب في الدية فأولى أن يكون لأحد الزوجية في دية الآخر نصيب، وعن هذا قال فصار كالنسب.
وقوله: (وما يجب له وما يجب عليه مما اكتسبه) هذا في حق (السبب وما يلقاه من ثواب وكرامة أو عقاب وملامة) هذان في حق الحكم أي بقاء ما يجب له من المظالم بأن ظلم عليه غيره أو ما يثبت له من الملك بعد موته بسبب باشره في حياته، كما إذا رمى صيدًا فأصاب السهم الصيد بعد ما مات الرامي فإن الصيد يكون له ويصرف في حوائجه كما في سائر أمواله، وكذلك لو نصب شبكة فتعلق به صيد يكون له أيضًا، وكذلك قوله: «وما يجب عليه» أي بقاء ما يجب عليه، كما إذا حفر بئرًا في قارعة الطريق فوقع فيها إنسان أو حيوان بعد موت الحافر هو عليه يؤخذ بضمانه من تركته.
(كالرحم للماء) من حيث إنه وضع فيه إلى زمان ثم يخرج منه.
(في هذا المنزل) وهو القبر (الابتلاء في الابتداء) أي بعد ما صار بالغًا
стр. 2176
في الدنيا حال حياته، فعلى هذا كان قوله: «الابتلاء» فاعل يمضي، وفي بعض النسخ للابتلاء في الابتداء، وهو سؤال المنكر والنكير في القبر وهو ابتلاء، وهو آخر ابتلاء في حق الميت في الدنيا، ثم السؤال في حق البالغ ظاهر لورود الآثار المتتابعة فيه.
وأما إذا مات الصبي فإنه يسأل ولكن يلقنه الملك، وقال بعضهم: لا يلقنه الملك ولكن يلهمه الله تعالى بفضله حتى يجيب كما ألهم عيسى ﵇ بالجواب في المهد حتى قال: الآية (قَالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الكِتَابَ) [مريم:٣٠]، وبهذا نأخذ. كذا ذكره الإمام الزوندويستى في «الروضة».
стр. 2177
باب العوارض المكتسبة
(أما التي من جهته فالجهل)؛ لأن الله تعالى أعطاه أسبابًا بها يزيل الجهل عن نفسه، فلما لم يشتغل بتلك الأسببا واشتغل بضدها جعل كأن الجهل حصل منه بخلاف الرق؛ لأنه جزاء استنكافه، وجزاء فعله لا يكون منه؛ لأن الإنسان لا يجازي نفسه، وهذه المجازاة من الله تعالى في حق الكافر فكان سماويًا، ولأنه لا يلزم من الكفر الرق كأهل الذمة بل الرق يثبت بالاستيلاء عليه وهو ليس باختياره، ولأنه بعد ما ثبت لا يتمكن من إزالته بخلاف الجهل.
стр. 2178
[الجهل]
(والجحود) إنكار (بعد وضوح الدليل) وثبوت العلم، قال الله تعالى: (وجَحَدُوا بِهَا واسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ) [النمل:١٤].
وقوله: «بعد وضوح الدليل» أي على حدوث العالم، فإنه لما شاهد حوث العالم وجب عليه أن يعتقد بأن له محدثًا أحدثه؛ لأن الحادث هو ما كان مسبوق العدم، والعالم موجود مشاهد والعدم لا يوجد نفسه، فلا بد له من موجد يخرجه من العدم إلى الوجود وهو المحدث، والإنكار لوجود المحدث وصفاته التي هي لازمة الإحداث من الحياة والعلم والقدرة بعد ذلك إنكار بعد وضوح الديل، (فإنها تصلح دافعة للتعرض) كاستصحاب الحال.
يعني لو أراد واحد التعرض لإتلاف خمره يدفعه الكافر بديانته أي باعتقاده بأن الخمر كانت حلالًا متقومة في الأصل، فيبقى كذلك وصف الحل والتقوم، ونحن أمرنا بأن نتركهم وما يدينون.
стр. 2179
(في الأحكام التي تحتمل التغير) مثل حرمة الخمر وحرمة نكاح الأخت فإن هذه الأحكام تحتمل التغير.
ألا ترى أن نكاح الأخت كان صحيحًا في عهد آدم ﵇، والخمر كانت مباحة في ابتداء الإسلام، فيصلح أن تكون ديانة الكافر في مثل هذه الأحكام دافعة للدليل الموجب للحرمة.
(الاستدراج): اندلت اندك نزديك كردانيدن خداي تعالى بنده بخشم وعقوبت خود.
(والمكر): هو الأخذ على الغرة، (وتمهيدًا لعقاب الآخرة) يعني أن قصور الخطاب عنهم وإن لم يكونوا مخاطبين بأداء العبادات لم يكن للتخفيف عليهم بل للتغليظ وهو تمهيد عقاب الآخرة بسبب ذلك القصور وترك الخطاب بأداء العبادات.
وهذا لأن الخطاب بأداء العبادات إنما يكون ليسعى المرء بأدائها في فكاك نفسه. قال النبي ﵇: «الناس غاديان بائع نفسه فموبقها»، يعني
стр. 2180
يترك الائتمار بالأوامر، والقول بأن الكافر ليس بأهل للسعي في فكاك نفسه ما لم يؤمن لا يكون تخفيفًا عليه، بل هو نظير أداء بدل الكتابة لما كان ليتوصل به المكاتب إلى فكاك نفسه، فإسقاط المولى هذه المطالبة عند عجزه بالرد في الرق لا يكون تخفيفًا عليه، فإن ما يبقى فيه من ذل الرق فوق ضرر المطالبة بالأداء.
ونظيره أيضًا من الحسيات أن مطالبة الطبيب المريض بشرب الدواء المر إذا كان يرجو له الشفاء يكون نظرًا له من الطبيب لا إضرارًا به، فإذا أيس من شفائه وترك مطالبته بشرب الدواء لا يكون ذلك تخفيفًا عليه بل إخبارًا له بما هو أشد عليه من ضرر شرب الدواء المر وهو ما يذوق من كأس الحمام، فكذلك هاهنا قولنا: إن الكفار لا يخاطبون بأداء الشر ائع لا يتضمن معنى التخفيف عليهم بل يكون فيه بيان عظم الوزر والعقوبة. كذا قاله الإمام شمس الأئمة ﵀.
(«وجنة الكافر») من حيث إنه لا خطاب في الجنة بل فيها ما تشتهي الأنفس.
(فأما في حكم لا يحتمل التبدل) مثل تدينهم بعبادة الصنم عصمنا الله
стр. 2181
تعالى عن ذلك لا يعطي له حكم الصحة ولا يكون ذلك دافعًا لدليل الشرع.
(ويبتنى على هذا) أي على أن ديانتهم صارت دافعة.
(وما أشبه ذلك) مثل جواز جعل الخمر أجرة في الإجارات ومهرًا في النكاح ودفعهم إياها في الضمانات.
(قضى بها عنده) أي قضي بهذه الأحكام عند أبي حنيفة ﵁.
(لا تصلح حجة متعدية) أي ملزمة؛ (لأن ديانتها لا تصلح حجة على الأخرى) فلما لم تكن ديانتها حجة في حق من هو على ديانتها فلأن لا تكون حجة على من اعتقد خلاف دينها بالطريق الأولى.
(وجب أن لا تجعل حجة متعدية) يعني وجب أن لا تجعل ديانتهم حجة ملزمة على المسلمين في هذه الأحكام الثلاثة وينبغي أن لا يجب الحد
стр. 2182
على القاذف ولا تستحق القضاء بالنفقة ولا يجب الضمان على متلف خمرهم.
(قلنا عنه: هذا تناقض؛ لأنا نجعل الديانة معتبرة) إلى آخره بيان التناقض أنك ساعتدتنا على أن ديانتهم معتبرة في حق الدفع، وما قلت من النقض يؤدي إلى التناقض؛ لأنه يؤدي إلى أن لا تكون ديانتهم معتبرة أصلًا فحينئذ يكون ذلك قولًا باعتبار الديانة وعدم اعتبار الديانة، وهذا هو التناقض.
فقوله: «هذا تناقض لأنا نجعل الديانة معتبرة» إلى آخره. جواب تام؛ لأن السائل يحترز عن التناقض وعند ظهور ما يوجب تناقضًا في سؤاله يمتنع عن مثل ذلك السؤال، والمقصود من الجواب هو أن يظهر من المجيب الجواب ما ينقطع به سؤال السائل؛ لأن الجواب مأخوذ من جاب الفلاة أي قطعها؛ وذكر في غصب «المبسوط»، ثم وجوب الضمان بالإتلاف لا يكون المحل مالًا متقومًا ولكن شرط سقوط الضمان بالإتلاف انعدام المالية وانعدام التقوم في
стр. 2183
المحل، وهذا الشرط لم يثبت في حقهم مع أنا ضمنا بعدق الذمة حفظها وحمايتها لم÷، والعصمة تتم بهذا الحفظ، ووجوب الضمان بالإتلاف يبتنى على ذلك، فكان هذا من ضرورة ما ضمناه بعقد الذمة.
ألا ترى أن في الذي لم يضمن بعقد الذمة بقي على ما هو مقتضي الشرع كما في عقود الربا، حيث يتعرض لهم في إبطال عقود الربا بينهم؛ لأنا لم نضمن ترك التعرض لهم في ذلك مع قول الرسول ﵇: «ألا من أربى فليس بننا وبينه عهد»، وهذا لآن ذلك فسق منه في الاعتقاد ولا ديانة، وقد ثبت بالنص حرمة الربا في اعتقادهم، قال الله تعالى: (وأَخْذِهِمُ الرِّبَا وقَدْ نُهُوا عَنْهُ) [النساء:١٦١] ولم نعمل فيه بما يدعون من اعتقادهم بحل الربا.
(لأنا نأخذ نصف العشر من خمور أهل الذمة والعشر من خمور أهل الحرب) كما نأخذ من سائر أموالهم كالحنطة والشعير، فجعلنا خمورهم من الأموال المتقومة بناء على اعتقادهم أنها من الأموال المتقومة وجريان عقد الذمة بهم على ذلك.
(وهذه غير متعدية) أي وهذه الديانة التي يدينون بها بأنها من الأموال
стр. 2184
المتقومة نأخذ العشر باعتبارها لا باعتبار أن حجتهم متعدية أي ملزمة علينا بالإجماع، فكذا فيما وراء هذا مما قلنا من المسائل، بل أجريناها على موجب اعتقادهم.
(بل هي حجة عليهم) يعني أن ديانتهم تصير حجة عليهم ونأخذ العشر باعتبار ديانتهم أنها من الأموال المتقومة؛ لأن العشر إنما يؤخذ من الأموال المتقومة إلا أنه لا يؤخذ أي العشر من الخنزير.
هذا جواب لإشكال وهو أن يقال: لو كان أخذ العشر باعتبار ديانتهم وديانتهم موجودة في حق الخنزير أيضًا فلم لا يؤخذ العشر منه؟
(وحقيقة الجواب: أنا لا نجعل الديانة متعدية) يعني ما قلنا إنه تناقض كان ذلك لدفع سؤالهم.
فأما ما هو حقيقة الجواب فهو إنا لا نعتبر ديانتهم متعدية في جميع ما ذكرنا من المسائل، بل كل ذلك بناء على أمر آخر وهو أنا نعتبر ديانتهم في حق الدفع.
(لم يثبت بالديانة إلا دفع الإلزام بالدليل) أي دفع إلزامان إياهم بالدليل الثابت لنا من الكتاب والسنة، أي أنههم يدفعون بديانتهم بأن الخمر متقومة ما
стр. 2185
نلزمهم بالدليل عدم بقاء تقومها، يعني أن الخرم في الأصل كانت متقومة ثم النص ابطل تقومها فكانت ديانتهم دافعة لذلك الإلزام لا مثبته للتقوم للخمر، لأن الضمان لا يجب بتقوم المتلف لكن بإتلاف المتلف، وحقيقته أنه لا شك أن الضمان مضاف على سببه وسببه الإتلاف لا تقوم المحل بل هو شرطه، ولهذا يقال: ضمان الإتلاف وضمان الجناية لا ضمان التقوم، وهذا لأن الإتلاف فعل قائم بالمتلف والتقوم راجع على المحل والمحال شروط فلا يجوز أن يكون وصف المحل الذي هو شرط داخلًا في حكم السبب الذي هو الإتلاف مع صلاحية الإتلاف للسببية.
وقد وجد السبب وهو الإتلاف من المسلم فكان الضمان مضافًا إلى الإتلاف لذلك، ولكن المسلم ادعى عدم الشرط وهو التقوم بدليله، والكافر يدفع هذه الدعوى الصادرة من المسلم بديانته ف بقيت متقومة على زعمه فوجب الضمان لجريان عقد الذمة على اعتبار دفعه بديانته.
ولو لم يكن الضمان مضافًا إلى الإتلاف بل إلى التقوم كانت الديانة متعدية حينئذ، لأن التقوم ساقط عند المسلمين والسب غير موجود في حق المسلمين وهو التقوم، ومع ذلك وجب الضمان كان ذلك حينئذ ثابتًا بِإلزام الكافر على المسلم، لأن تقومه بناء على اعتقاده فصار حجة على المسلم وذلك منتف.
стр. 2186
(وإنما العلة هي القذف) فلا يكون الحد مضافًا إلى الإحصان ليكون ثبوته باعتقادهم بل هو مضاف إلى القذف وأنه وجد من المسلم.
(وأما النفقة فإنما شرعت بطريقة الدفع)، يعنى أينما شرعت كان لدفع الهلاك عن المنفق عليه، ودفع الهلاك لا يعد إلزامًا فلا يكون وجوب النفقة في نكاح المحارم باعتبار أن ديانتهما كانت متعدية، بل باعتبار دفع الهلاك فإنها لما كانت محبوسة له تجب نفقتها عليه دفعًا لهلاكها.
(كما يحل دفعه إذا قصد قتله) أي إذا قصد الأب قتل ابنه يحل ل لأبن أن يدفع أباه عن نفسه وأن كان لا يحصل ذلك الدفع إلا بالقتل دفعًا للهلاك عن نفسه.
فعلم أن وجوب النفقة لدفع الهلاك لا باعتبار أن ديانة الكفار متعدية. (ولا يحبسن بدينه جزاء كما لا يقتل قصاصًا)، أي لا يحبس الأب بدين الابن إذا مطلب بطريق جزاء ظلمه على الابن، لأنه لو حبس فيه كان هو جزاء الظلم ابتداء لا دفعًا لضرر الهلاك عن الابن كما لا يقتل لذلك قصاصًا للابن، لأنه لو اقتص للابن كان هو مجازاة على الأب للابن ولا يجازي والد لولده.
стр. 2187
ولكن يستحق الوالد الحبس والقتل بطريق دفع الهلاك عن الابن كما حبس بسبب نفقة الآبن وقتل أيضًا بسبب دفع الهلاك عن الابن على ما ذكر.
فعلم أن وجوب نفقة المرأة المحبوسة على زوجها الذي هو محرم لها كان لدفع الهلاك عنها لا لأن يكون ديانتهما بوجوب النفقة على زوجها المحرم ملزمة على القاضي بإيجاب النفقة على زوجها المحرم.
(بخلاف الميراث) وهو ما ذكر من المسألة المجمع عليها، وهي قوله: "ألا ترى أن لمجوسي ِإذا تزوج ابنته" إلى آخره فإنه لو وجب الإرث ب النكاح كانت ديانة المنكوحة ملزمة على الأخرى زيادة الميراث.
فإن قيل: بأن أختها تدين بهذا أيضًا فكانت زيادة الميراث بناء على ديانتهما.
قلنا: لما ترافعتا إلى القاضي وخاصمتا في زيادة الميراث دل ذلك على أن أختها التي هي غير منكوحة لم تلتزم ذلك، ولأن نكاح المحارم ثبت في شريعة آدم ع ليه السلام ولم يثبت كونه سببًا للميراث في دينه فلا يثبت ذلك باعتقادهم وديانتهم، لنه لا عبرة لديانتهم في جواز حكم أو فساده إذا لم تقترن ديانتهم بشريعة ثابتة من الشرائع قطعًا.
(وإذا لم يفسخ بمرافعة أحدهما) فيما ذكر من المسائل (فقد جعلنا
стр. 2188
الديانة دافعة)، لأنها تدفع مرافعة الآخر.
(هذا جواب قد قيلِ) أي قد قيل في الفرق بين وجوب النفقة بهذا النكاح وبين عدم وجوب الإرث بهذا النكاح.
(ولم تصح منازعته من بعد) أي لم تصح منازعة الزوج في عدم وجوب نفقه امرأته التي هي أخته بعد اعتقاده بصحة نكاح أخته، لأنه يكون مناقضًا ولا يسمع قول المناقض.
فِإن قلت: ما الفرق الظاهر بين الجوابين؟
قالت: في الجواب الأول كان الفرق بين وجوب النفقة بذلك النكاح على الزوج وعدم ثبوت الميراث بذلك النكاح يدور على ضرورة ديانتهم دافعة للهلاك وعلى صيرورة ديانتهم دافعة موجبة، لأن المرِأة لما كانت محبوسة للزوج كان وجوب النفقة على الزوج باعتبار دفع الهلاك عن المرأة لا أن يكون ديانة الزوجين بصحة النكاح ملزمة على القاضي بالحكم بإيجاب النفقة على الزوج بهذا النكاح ودفع ال هلاك لا يرد في الميراث.
ثم لو حكم القاضي بزيادة إرث البنت المنكوحة على الأخرى كانت ديانة الكافرة التي هي منكوحة أبيها ملزمة على القاضي بأن يحكم بصحة نكاحها، وليست ديانة الكافر بملزمة على المسلم شيئًا، وفي الجواب الثاني كان دور الفرق بين وجوب النفقة بذلك النكاح وعدم ثبوت الميراث به على المناقضة وعدم المناقضة، وذلك أن المحرمين لما تناكحا قد التزم الزوج النفقة على
стр. 2189
نفسه باعتبار أن في ديانته أن النكاح بينهما صحيح، ثم لو أراد أن لا ينفق عليها بسبب أن النكاح بينهما غير صحيح مع بقائه على كفره كان مناقضًا في ديانته فلا تسقط النفقة عنه إلا بإسقاط صاحب الحق، فلذلك لم تصح منازعته للتناقض بخلاف منازعة البنت الأخرى في حق الميراث، فإنها لما نازعت أختها في استحقاق زيادة الإرث بالزوجية حيث تصح تلك المنازعة منها، لأنها ما أقدمت على النكاح فتكون منازعتها دليلًا عن عدم التزام هذه الديانة، وهو معنى قوله: (بخلاف منازعة من ليس في نكاحهما، لأنها لم تلتزم هذه الديانة).
أقصى ما في الباب أن عندها أيضًا أن نكاح المحارم صحيح في ديانتها لكن ديانة الكفرة إنما تعتبر إذا كانت مبنية على شرع سماوي في الجملة، وقد ذكرنا أن نكاح المحارم كان في شريعة آدم ﵇، لكن لم يثبت الإرث في ذلك النكاح لم يعتبر.
وقوله: (فأما القاضي) إلى آخره جواب سؤال، وهو أن ديانة البنت المنكوحة لم تلزم على البنت الأخرى التي ليست هي في نكاح أبيها، لأنها ليست بداخلة في نكاحهما فلا تكون ملتزمة ديانتهما بأن نكاح المحارم يوجب الإرث، فودر على هذا الجواب لزوم القضاء على القاضي بوجوب النفقة على زوجها الذي هو أبوها فكانت ديانتهما ملزمة على القاضي بوجوب النفقة
стр. 2190
على زوجها مع أن القاضي أيضًا ليس في نكاحهما.
فقال في جوابه: ليس لزوم القضاء على القاضي بوجوب النفقة باعتبار أن ديانتهما صارت ملزمة على القاضي بل باعتبار تقلد القضاء على العموم بأن يقضي في قضايا المسلمين والكافرين لا باعتبار أن ديانتهم ألزمت القاضي القضاء بوجوب النفقة في نكاح المحارم على الزوج.
وذكر في "المبسوط" في تعليل أبي حنيفة- ﵁ ولو تزوج- أي الذمي- مجوسية صح النكاح بالاتفاق، والمجوسية محرمة النكاح بخطاب الشرع كذوات المحارم، وإنما حكمنا بجوازه، لأن الخطاب في حقهم كأنه غير نازل فإنهم يكذبون المبلغ ويزعمون أنه لم يكن رسولًا، وقد انقطعت ولاية الإلزام بالسيف وبالمحاجة لمكان عقد الذمة فصار حكم الخطاب قاصرًا عنهم، وشيوع الخطاب إنما يعتبر في حق من يعتقد كون المبلغ ر سولًا، فإذا ثبت حكم صحة النكاح كالنفقة وبقاء الإحصان.
فأما الميراث ف ليس من ضرورة صحة النكاح فقد يمتنع التوارث بأسباب كالرق واختلاف الدين.
стр. 2191
(وأما أبو يوسف ومحمد رحمهما الله- فكذلك قالا أيضًا) يعني قالا كما قال أبو حنيفة- ﵁ بأن ديانتهم تصلح دافعة لا ملزمة، لكنهما خالفًا في بعض الأحكام بناء على اختلاف التخريج لا في اختلاف أن ديانتهم تصلح دافعة لا ملزمة، ثم ذكر وجه تخريجهما بقوله: (إلا أنهما قالا: إن تقوم الخمر) إلى آخره.
(فإذا قصر الدليل بالديانة) أي قصر دليلنا على التحريم عن إلزامهم بسبب اعتقادهم على حل الخمر والخنزير ِ (بقي على الأمر الأول)، وهو الحل الأصلي، فلذلك لم يجب الحد عليهم إذا شربوا الخمر وصحت بياعاتهم وأشريتهم فيها.
(فأما نكاح المحارم فلم يكن أصليًا) بل كان أمرًا ضروريًا والثابت بالضرورة يتقدم بقدر الضرورة.
(وإذا كان كذلك) أي وإذا كان نكاح المحارم لم يكن أصليًا لم يجوز استبقاءه. أي استبقاء حل نكاح المحارم (بقصر الدليل) أي قصر دليلنا على
стр. 2192
تحريم نكاح المحارم لمعارضة ديانتهم بحله لم يبق حرامًا على الإطلاق على زعمهم، فلذلك لم يحد قاذفه، لأنه صادق في مقالته من وجه، ولئن سلمنا أن النكاح صحيح بينهما إلا أن دليل البطلان، وهو قوله تعالى: (حرمت عليكم أمهاتكم) الآية كان شبهة في درء الحد عن قاذفه.
(والقضاء بالنفقة على الطريق الأول باطل) يعني لو طلبت المرأة التي هي أخته من زوجها الذي هو أخوها بسبب النكاح عند قاضي المسلمين لا يقضي القاضي بالنفقة بالنكاح، لأن النكاح باطل لما بينا أن حل نكاح المحارم كان أمرًا ضروريًا فيما كان حلالًا ولم يبق ذلك حلالًا أصلًا بعد انتساخه فلم تجب النفقة بسبب النكاح الباطل كما لا تجب النفقة بسبب النكاح الفاسد في حق المسلمين.
(وأما على هذا الطريق) وهو قوله: "ولأن حد القذف من جنس ما يدرء بالشبهات" فإن هذا الدليل يقتضي أن تكون لها النفقة، حيث سلم لصحة النكاح بينهما. بدليل قوله: "فلابد من أن يصير قيام دليل التحريم شبهة" فأسقطا الحد لمكان الشبهة والنفقة مما لا يسقط بالشبهات غير أنها لا تجب،
стр. 2193
لأنها من قبيل الصلات المبتدأة كالميراث.
ألا ترى أن أبا حنيفة ﵁ جعل لنكاحهم حكم الصحة في حقهم، ومع ذلك لم يجب الميراث بسبب هذا النكاح بالاتفاق لكونه من الصلات المبتدأه، فكذلك النفقة عند أبي يوسف ومحمد- رحمهما الله- لا تجب لهذا المعنى.
ودليل كونها صلة مبتدأه ما ذكر في الكتاب بقوله: (حتى أنه لم يشترط لها حاجة المستحق) يعني أن نفقة المرأة تجب على زوجها وإن كانت غنية ولم يكن وجوب النفقة على الزوج على ما ذكر أبو حنيفة- ﵁ لأنها وجبت بطريق الدفع، لأن كل ما ثبت بطريق الدفع إنما تجب عند الحاجة ولا تجب عند عدم الحاجة.
ألا ترى أن الأب إذا اشهر على ابنه السيف وقصد على قتله ولم يتمكن الابن من دفعه إلا بقته يحل له قتله لحاجته إلى الدفع، وفي الجهاد إذا أدرك المسلم أباه الحربي لا يحل له قتله بل يمسكه حتى يقتله غيره لاستغنائه عن قتله بنفسه، فلو كان وجوب النفقة على الزوج بسبب دفع الهلاك عن المرأة لما وجبت للمرأة الغنية لاستغنائها بمالها عن وقوع الهلاك.
ويحتمل أن يكون المراد من قوله: (أما على الطريق الأول) ما قال في تعليل قول أبي حنيفة- ﵁ وهو من قال: (وحقيقة الجواب - إلى أن
стр. 2194
قال- وأما النفقة إنما شرعت بطريق الدفع) وقالا: لم تجب النفقة بطريق الدفع بل وجوبها صلة مبتداه على ما قلنا، فلا تجب الصلة المبتدأه ب هذا النكاح كالميراث، لأن هذا النكاح محكوم عليه بالبطلان.
وأما الطريق الثاني فهو قوله: (والجواب الصحيح عندي فإنها لما تناكحا فقد دانا بصحته فأخذ الزوج بديانته) أيضًا لكن لا تجب النفقة عندما، لأنها من الصلات المبتدأه كالميراث، والأوجه هو ما ذكرنا من الاحتمال الأول المساعدة لفظ الكتاب إياه، ولأن في الاحتمال الثاني صيرورة الطريقين واحد في المآل.
(والجواب لأبي حنيفة- ﵁) أي عما قالا: بأن النفقة صلة مبتدأه بدليل وجوبها عند غنى المرأة لا بطريق الدفع حيث قال: إن الحاجة الدائمة بدوام الحبس لا يردها المال المقدر) يعنى أنها وإن كانت غنية تحتاج للنفقة لدوام حبسها لحقه ومالها وإن كان كثيرًا مقدرًا فلا يرد حاجتها الدائمة، لأن المال المقدر لا يبقى مع دوام الحبس، فكان وجوب النفقة بطريق الدفع بهذا الطريق، وما كان وجوب النفقة لأحد بسبب أنه محبوس لحق الغير لا يعتبر فيه الغني كالقاضي والعامل فإنه تجب النفقة لهما وِإن كانا غنيين باعتبار الحاجة الدائمة بدوام الحبس.
стр. 2195
(فأما سائر الأحكام فلا تثبت) وهي ما بيناها من الحد لقاذفه وضمان متلفه ووجوب النفقة على الزوج لأنا لو قلنا بثبوتها تكون ديانتهم ملزمة.
(والجواب عنه) أي عما قال الشافعي بأن سائر الأحكام لا تثبت، لأنه لو ثبت يلزم تعدى ديانتهم إلينا ملزمة.
(فيكون في تحقيق العصمة بديانتهم حفظ عن التعرض) يعني لا يصير الأموال والنفوس محفوظة عن أيدي المسلمين في حق أحكام الدنيا إلا بعد أن يجب الضمان بإتلافهم فوجب الضمان لضرورة تحقيق العصمة. كذا في "منتخب التقويم".
(وقد بينا ما يبطل به مذهبه) حيث قلنا: إن الضمان لا يجب بتقوم المتلف لكن بإتلاف المتلف، والمتلف مسلم فكان الضمان عليه بسبب إتلافه عند وجود الشرط وهو تقوم المحل المتلف، وكذلك حد القذف يجب بالقذف لا بالإحصان فلا تكون ديانتهم متعدية.
(ولا يلزم عليه استحلالهم الربا) أي لا يلزم على ما قلنا إن ديانتهم معتبرة في حق الدفع استحلالهم الربا، فإن بيع الربا حرام عليهم أيضًا وإن
стр. 2196
كانوا يدينون بأنه حلال حيث قال "لم تعتبر ديانتهم فيه" (لأنهم نهوا عنه) أي نهو عن أن يخونوا فيما ائتمنوا في كتبهم حيث ارتكبوا كان ذلك الاستحلال والديانة منهم فسقًا لا اعتقادًا فكذلك الربا، لأنهم نهو عنه أيضًا، قال الله تعالى: (فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرًا وأخذهم الربا وقد نهوا عنه).
(فجعل صاحب الهوى) وهو الذي يتبع هوى نفسه أي ما أحبته نفسه ولا يتبع الدليل مثل القدرية والجبرية وغيرهما، فالقدرية وهي المعتزلة ينكرون صفات الله تعالى ويقولون: لا علم لله تعالى ولا قدرة له، وكذا في سائر
стр. 2197
الصفات، وهذا الجهل منهم لا يجعل عذرًا لمخالفتهم بهذا الجهل للدليل الواضح الذي لا شبهة فيه وهو استحالة اتصاف الذات بكونه عالمًا بدون العلم، وقادرًا بدون القدرة، وسمعيًا بدون السمعِ، فإنهم يعترفون بكون الله تعالى عالمًا وقادرًا وسمعيًا، وينكرون العلم والقدرة والسمع لله تعالى، وكذا في سائر الصفات، إذ الأسامي المشتقة من المعاني يستحيل ثبوتها بدون تلك المعاني، لأنها إثباتها بدون تلك المعاني لا يكون إلا لقبًا أو هزؤًا كصبي سمي حين ولد عالمًا وأميرًا، والله تعالى يتعالى عن أن تكون الصفات الثابتة في القران ب قوله تعالى: (عالم الغيب والشهادة) وقوله: (وهو على كل شيء قدير) وقوله: (وهو السمعي البصير) بطريق اللقب علو كبيرًا.
وكذلك لا يعذر في (جهله بِأحكام الآخرة) فيما اعتقد أن ص احب الكبيرة يخلد في النار، واعتقاده باستحالة رؤية الله تعالى بالأبصار في الآخرة من ورود النص على خلاف اعتقاده، وكذلك اعتقاده في وجوب
стр. 2198
الأصلح للعباد على الله تعالى، واعتقاد أن العباد خالقوا لأفعالهم الاختيارية جعل باطل بلا شبهة لمخالفته الدليل الظاهر من السمعي والعقلي.
(فكان باطلًا كالأول) أي وجهل صاحب الهوى وجهل الباغي كل واحد منهما كان باطلًا كالأول وهو جهل الكافر الذي ينكر وجود الصانع ووحدانيته، فهما يتساويان في أن الجهل فيهما جميعًا لا يصلح عذرًا.
(إلا أنه متأول بالقرِآن) في اعتقاده أي إلا أن صاحب الهوى والباغي كل منهما متأول بالقرآن في اعتقاده ولم يحكم لذلك ب كفره، وإن كان ذلك التأويل الذي صدر منه ليس بتأويل للقرآن في الحقيقة، فإن صاحب الهوى وهو المعتزلى مثلًا في نفى الصفة يتأول بقوله تعالىِ: (وإلهكم إله واحدِ) ولو قلنا بالصفة والصفة غير الموصوف لا يبقى به التوحيد.
(والباغي) ي تأول قوله تعالى: (ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده
стр. 2199
يدخله نارًا خالدًا فيها) وغمام العدل لم يبق واجب الطاعة لكفره بوجود المعصية منه، فبسبب هذا التأويل ي ظهر عليه البغي، وهذا فيما إذا لم يكن غاليًا في اعتقاده فكان من المسلمين، وهو معنى قوله: (ولكنه لما كان من المسلمين).
وأما إذا غلا في هواه حتى كفر كما غلا بعض الروافض في محبة علي- ﵁ وهو من اعتقادهم ذلك بريء حتى نسبوا جبريل ﵇ وهو أمين الوحي إلى الغلط، وهو معنى قوله: (أو ممن ينتحل الإسلام) أي يتخذ الإسلام نحلة أي دينًا وهو ليس بمسلم.
(وكذلك سائر الأحكام تلزمه) أي يلزم الباغي حكم ضمان ما أتلف من المال والنفس، وكذلك يلزمه غير ذلك الحكم من الصلاة والزكاة وغيرهما من الأحكام التي تلزم المسلم ب خلاف ما إذا صارت له منعة بحيث لا يؤخذ حينئذ بضمان ما أتلف لتقوى تأويله الفاسد بالمنعة الظاهرة فكان ملحقًا
стр. 2200
بأهل الحرب في حق عدم وجوب الضمان لانقطاع ولاية إلزام أهل العدل.
(والتدفيف على جريحهم) يقال: دففت على الجريح تدفيفًا إذا أسرعت قتله. قال أبو عبيد: يروي بالدال والذال معًا. كذا في الصحاح.
стр. 2201
(لأن الإسلام جامع) أي جامع لنا وللباغي في دين واحد في الأصل فكان الدين الأحد جامعًا بين المورث والوارث ف لم يثبت اختلاف الدين الذي هو مانع من الإرث.
(والقتل حق) فكان كالقتل بحق القصاص فلم ي وجد القتل الذي هو مانع عن الإرث.
(في حكم الجهاد بناءً على ديانتهم)، لأنهم قالوا: نحن على الحق وأنتم على الباطل، فلزمنا مجاهدتكم وليس لنا ولاية الإلزام لقوتهم وشوكتهم فاعتبرت ديانتهم لذلك، (لأن أصل الدار واحدة، وهي بحكم الديانة مختلفة فتثبت العصمة من كل وجه، فلم يجب الضمان بالشك فلم يجب الملك بالشبهة ولم يجب الملك بالشبهة) بيان هذا أن كل واحدة
стр. 2202
من الطائفتين اعتقد على أن الأخرى على ال باطل وقد غلبت على دار الإسلام وجعلتها دار الحرب ف لزمنا محارتها فلم يجب الضمان بالشك ولا يجب الملك أيضًا بالشك، وهذا لنه لو كانت الدار مختلفة من كل وجه لثبت الملك بالاستيلاء ولم يجب الضمان، ولو كانت متحدة من كل وجه لم يثبت الملك ووجب الضمان، فإذا كانت مختلفة من وجه متحدة من وجه ل م يثبت كل واحد من حكم الاختلاف والاتحاد على الإطلاق بالشك فلذلك ل م يجب الضمان نظرًا إلى الاختلاف، ولم يثبت الملك نظرًا إلى الاتحاد.
فإن قلت: لم لم يعكس حكمًا الاختلاف والاتحاد ولم يقل يثبت الملك نظرًا إلى الاختلاف ويجب الضمان نظرًا إلى الاتحاد؟
قلت: فيه ترك العمل بجانب الاتحاد من كل وجه، وذلك لأنه لما كان موجبًا للملك بالنظر على الاختلاف وهو الأقوى كان موجبًا نفي الضمان بالطريق الأولي وهو الأضعف، فكان فيه ترك العمل بجانب الاتحاد، لأن استياءهم لما كان مثبتًا أقوى الأمرين بأي شبه كان كان مثبتًا لأضعفهما بالطريقة الأولي.
وقوله: (وكذلك جهل من خالف في اجتهاده الكتاب والسنة- إلى
стр. 2203
قوله- لأنا أمرنا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) فإن قلت: ما وجه المطابقة بين الدليل والمدلول والظاهر عدم المطابقة؟
قلت: وجهها أن يقال ليس هذا الجهل عذرًا، لأنا أمرنا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومخالفة الكتاب والسنة منكر، فلزمنا النهي عنه فلا يكون الارتكاب منهم على تلك المخالفة عذرًا في الدنيا ولا ف ي الآخرة، كان هذا التعليل ل بيان أن ما ذكرنا من قولنا: إن جهلهم ذلك ليس بعذر، لأنه جهل باطل قول لا على طريق التشنيع بل على طريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
(وعلي هذا يبتنى ما ينفذ فيه قضاء القاضي وما لا ينفذ) أي ما كان فيه مخالفة الكتاب والسنة المشهورة لا ينفذ فيه قضاء القاضي، وما لا يكون كذلك ينفذ ف يه قضاء القاضي.
(في موضع الاجتهاد الصحيح). يعني في موضع يسوغ فيه الاجتهاد
стр. 2204
(لكن في موضع الشبهة) كوطء الابن جارية أبيه أو أمه.
(فالعصر فاسدة) يعني عندنا.
أما عند الشافعي فجائزة، (لأن هذا جهل على خلاف الإجماع) أي ظنه بأن ظهره بدون الوضوء جائز وقع على خلاف الإجماع، لأن أحدًا لم يقل بجواز الصلاة بدون الوضوء ولا بخلفه، (وإن قضي الظهر) إلى آخره، فالمقصود هذه المسألة.
وأما الأولي فإنما ذكرها لترتيب هذه المسِالة عليها، وقوله: (وعنده) أي وعند المصلي.
(لأنه جهل في موضع الاجتهاد) أي بالدليل الذي ذكره الشافعي في عدم اشتراط الترتيب، وبالقياس على ما إذا كان الوقت ضيقًا أو الفوائت
стр. 2205
كثيرة وعلى الصيام.
(لأن جهله حصل في موضع الاجتهاد)، لأن القصاص لا يسقط عند البعض ب عفو أحدهما.
(وعلى ذلك التقدير لم تلزمه الكفارة) أي على تقدير ظنه أن الحجامة أفطرته اعتمادًا على ظاهرة ال حديث، أو على قول المفتى الذي أفتاه بقول الأوزاعي يعين أكل عمدًا بعد الاحتجام على ظن أو صمه فسد بالاحتجام، أو على ظن أن أكل العمد ب عد الحجامة لا يوجب الكفارة يكون
стр. 2206
جهله هذا عذرًا فلا تجب الكفارة لم قلنا، أي لأنه جهل في موضع الاجتهاد في حكم يسقط بالشبهة، لأن كفارة الفطر مما تسقط بالشبهة.
(فيصير الجهل في موضع الاشتباه شبهة في الحد) وإنما قيل إنه في موضع الاشتباه فإن الأب إذا وطء جارية ابنه لا يلزمه الحد ف يشتبه على الولد أن القرابة واحدة وهي قرابة الولاد فيظن الولد بسبب هذا الاشتباه أن الانتفاع بما الأب يحل له كما للأب في ماله.
(وكذلك في جارية) امرأته لما أن المنافع بينهما متصلة فيظن حل
стр. 2207
جاريتها تبعًا لسيدتها كما في سائر الأموال (دون النسب والعدة) أي يؤثر جهله ف ي سقوط الحد أما لا يؤثر في ثبوت النسب والعدة.
(بخلاف ما إذا زني)، لأن الزنا حرام في الأديان كلها فجهله لا يجعل عذرًا (على هذا الأصل الذي ذكرنا) وهو أن الجهل في موضع الاشتباه كان شبهة في درء الحد، وإذا لم يكن في موضع الاشتباه والاجتهاد لا يجعل عذرًا.
(لأنه غير مقصر) أي في طلب الدليل فكان جهله عذرًا، لأنا لو ق لنا بأن جهله لا يجعل عذرًا كان ذلك تكليفًا بالإتيان بشيء قبل السماع وهو تكاليف بما ليس له ف ي وسعه، لأن الإنسان لا يمكنه الإتيان بالأمور به إلا بعد علمه بالأمر بذلك الشيء، وغلى هذا أشار محمد- ﵀ في مسافر إذا كان في رحله ما وهو لا يعلم به فيتيمم.
قال: يجوز تيممه لأن النسيان يعدم القدرة وكان الأمر بالوضوء مع
стр. 2208
ذلك تكليفًا بما ليس في الوسع ثم البلوغ بطريقين: بطريقة السماع صريحًا، وبطريقة الاستفاضة والشهرة.
أما السماع: فلا شبهة فيه.
وأما الاستفاضة: فإنها تقوم مقام السماع والبلوغ.
ألا ترى أن النبي ﵇ سمي نفسه مبلغًا إلى جميع الناس، ومعلوم أنه ما بلغ إلى جميع الناس بنفسه بل حصل التبليغ منه تارة بالكتاب وتارة بالرسول وتارة بالتبليغ ثم قال: "ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم، ثم قال: اللهم فاشهد"، والمعنى فيه أن الخطاب بعد الشهر صار ميسر الإصابة، فعدم الوصول بعد ذلك كان بتقصير من جهته فلا يكون عذرًا.
стр. 2209
(وكذلك جهل الوكيل بالوكالة) يعني أن الوكيل لا يصير وكيلًا بدون علمه، لأن في صيرورته وكيلًا ضرب إيجاب وإلزام عليه حيث يلزمه الجري على موجب الوكالة إذا قبل الوكالة في بعض المواضع.
ألا ترى أنه لو كان وكيلًا بشراء شيء بعينه لا يتمكن من شرائه لنفسه، وكذلك لا يجوز تصرفه فيه مع من لا تقبل شهادته له، فلما كان في صيرورته وكيلًا نوع إيجاب عليه لا تثبت الوكالة بدون علمه، وهذا لأن حكم الشرع لا يثبت بدون العلم مع كمال ولاية صاحب الشرع، فلأن لا يثبت الحكم من جهة العباد بدون العلم أولي.
وكذلك المأذون حيث يلزمه الجري على موجب الإذن وتتعلق الديون برقبته وكسبه في الحال ويطالب به قبل العتق، بخلاق ما إذا لم يكن مأذونًا حيث لا يطالب بالدين الذي ف ي ذمته في الحال، فلما كان جهل الوكيل ب الوكالة وجهل المأذون بالإذن عذرًا كان تصرفهما قبل بلوغ الخبر إليهما لم ينفذ على الموكل والمولى حتى لو اشترى الوكيل قبل العلم بوكالة يقع العقد للوكيل، لن الشراء لا يتوقف. وأما لو باع متاعًا للموكل قبل العلم بالوكالة كان موقوفًا، لأن تصرف الفضولي في البيع موقوف.
ثم ذكر المصنف- ﵀ الوكالة والإذن في باب أقسام السنة من قبيل
стр. 2210
ما لا إلزام فيه أصلًا، وذكرهما هنا من قبيل ما فيه نوع إلزام بحسب اقتضاء الدليل كل واحد منهما، وقد ذكرنا في "الوافي" وجه اقتضاء الدليل.
وقيل معنى قوله: (لأن فيه ضرب إيجاب وإلزام) يعني إذا تصرفا بحكم الوكالة والإذن يلزمها حقوق العقد فكان فيها إلزام من هذا الوجه.
(وإن كان فضوليًا) و (إن) هذه للوصل.
وأما إذا كان المخبر رسول الموكل والمولى فلا شك أنه لا تشترط العدالة في الرسول، لأن كلام الرسول ككلام المرسل، وفي المرسل لا يشترط العدد أو العدالة فكذا فيمن قام مقامه (بل هو مخير) أي بل كل واحد من الوكيل والمأذون مخير إن شاء قبل الوكالة والإذن وإن شاء لم يقبل هذا في الوكيل ظاهرة، لأنه لا ولاية لأحد عليه فلا يجب عليه قبول الوكالة فلذلك كان هو على خيرة الرد.
следующие страницы →