Полный текст (2 351 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.
стр. 2276
وسمى الآخرين من الدليل خفين لدقتهما في نفسهما لا يدركان إلا بزيادة التأمل، وهذا لأن ما ثبت بطريقة الرخصة لا يبطل الحكم المشروع بطريقة العزيمة كما في صوم المسافر على ما ذكره الشافعي وهو الظاهر، ثم مع ذلك كان القول ببطلان حكم العزيمة قولا مخالفا للدليل الظاهر فكان خفيا، وكذلك القول بنفس المشيئة المطلقة والاختيار الكامل للعباد مع أن الله تعالى خلقهم مختارين وشائين، إذ بدون الاختيار يلزم الجبر والجبر باطل كان قولًا مخالفًا للدليل الظاهر فكان خفيًا.
(وحق الصلاة علينا حق لا يتحمل التمليك) فكان إسقاطًا محضًا فكان من قبيل الطلاق والعتاق والعفو عن القصاص لا من قبيل الإبراء وتمليك
стр. 2277
الأمر باليد ولله تعالى الاختيار المطلق، قال الله تعالى: [وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ]، مدح ذاته بالمشيئة المطلقة فلا يكون ذلك لغيره ثابتًا لو ثبت له الاختيار بين القصر والإكمال لكان ذلك اختيارا في وضع الشرع، ولا يرد علة هذا كون العبد مختارا في الأقل والأكثر من التطوعات كما في صلاة الضحى فإنه مخير بين أن يصليها ركعتين وبين أن يصليها أربعا أو أكثر، ولم يقل فيه أحد بأنه لا يجوز؛ لأن ذلك يؤدي إلى الاختيار في وضع الشرع.
قلنا: إن ذلك في التطوعات وما نحن بصدده في الفرائض، فإن الاختيار في أصل التطوعات ثابت، فإن كل إنسان مختار في أن يفعلها وأن لا يفعلها، فأولى أن يثبت الاختيار في قدرها ولا يرد أيضا على هذا قول تعالى: [اعْمَلُوا مَا شيءتُمْ] لأن تلك المشيئة ليست على حقيقتها التي توجب الإطلاق.
وكذلك الأمر بالعمل بها ليس على حقيقته؛ لأن المشيئة الصادرة من الشارع إذا كانت على حقيقتها كانت عبارة عن الإذن والإباحة بفعل ما يشاء وكذلك الأمر إذا كان على حقيقته كان أول درجاته الإباحة، وليس في فعل
стр. 2278
الكفر والمعاصي الإباحة، بل هو أمر تهديد وتوبيخ فكان ذلك من قبيل قوله تعالى: [فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ] وقد ذكرناه.
(وكذلك المكاتب في جناياته) فإن المكاتب إذا جني موجبة للمال كانت جنايته عليه يجب الأقل من قيمته ومن الأرش، هكذا ذكر في "فتاوى قاضي خان".
(ولا رفق في اختيار الكثير على القليل) بل الرفق متعين في اختيار القليل، (والجنس واحد) أي من حيث المال.
стр. 2279
(فما الثواب إلا في حسن الطاعة لا في الطول والقصر) قال النبي ﵇: "ركعتان من متق خير من ألف ركعة من مخلط" فرب درهم يكون له ثواب عشرة ورب درهم يكون له ثواب سبعمائة ويكون ضعفه أيضًا.
فعلم أن الثواب في حسن الطاعة لا يصلح بناؤه على حكم الآخرة وهو الثواب.
(وإنما ثبت هذا الحكم) أي حكم الرخصة (إذا اتصل بسبب الوجوب)
стр. 2280
وهو وقت الأداء (وإذا لم يتصل به فلا) أي وإذا لم يتصل السفر بوجوب الأداء فلا يثبت هذا الحكم وهو سقوط الركعتين في قضائه.
(ولما كان السفر من الأمور المختارة) احترز بهذا القيد عن المرض فإنه ليس من الأمور المختارة، فلذلك تفاوتا في الحكم، (ولم يكن موجبا ضرورة لازمة) يعني أن السفر موجب لكن يتعلق باختياره فلم يكن موجبا على وجه لا يمكن دفعه؛ لأن في وسعه الامتناع عن السفر فيكون في وسعه الامتناع عن حكمه بواسطة الامتناع عن سببه فلم يكن حكمه من الأمور اللازمة بهذا الطريق، وظهر أثر هذا الفرق في الأحكام المذكورة التي بنيت عليهما أي على السفر والمرض.
(بخلاف المريض إذا تكلف) إلى قوله (لأنه سبب ضروري) يعني أن المرض سبب ضروري على وجه لا يمكن دفعه لكونه سماويا فكان ضرورة لازمة وأثره يظهر فيما ذكر من الفروع.
(وهذا موضوع لها) أي السفر موضوع للمشقة لكن العبد فيه مختار.
стр. 2281
(وأحكام السفر تثبت بنفس الخروج بالسنة المشهورة) وهي ما ذكر في ((المصابيح)) قال أنس ﵁ ((إن النبي -صل الله عليه وسلم- صلى الظهر بالمدينة أربعا، وصلى العصر بذي الحليفه ركعتين)) والقياس أن لا يثبت إلا بعد تمام السفر؛ لأن العلة إنما تتم حينئذ، وحكم العلة لا يثبت قبلها، لكن ترك القياس لما روينا.
ولتحقيق الرخصة في كل فرد من أفراد المسافرين؛ لأنه لو توقف حكم علة السفر إلى تمام العلة وهو سير ثلاثة أيام لتخلفت الرخصة في حق بعض
стр. 2282
المسافرين وهو ما إذا قصد المسافر إلى مسيرة ثلاثة أيام فلا يترخص هو حينئذ لا قبل ثلاثة أيام ولا بعدها وهو مسافر من حيث خرج بالحديث؛ لأن الشارع أثبت رخصة السفر لجنس المسافرين بقوله: ((يمسح المقيم يوما وليلة والمسافر ثلاثة أيام ولياليها)).
(ألا ترى أنه إذا نوى رفضه) أي رفض السفر (صار مقيما) يعني فيما إذا لم تتم ثلاثة أيام (وإن كان في غير موضع الإقامة) بأن كان في المفازة (لأن هذا ابتداء إيجاب) أي إيجاب إقامة.
((فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ)) قيل: أريد بالباغي الخارج على الإمام، وبالعادي الذي يقطع الطريق على المسلمين، وبهذا التأويل تمسك الشافعي، ويحتمل أن يكون المراد من الباغي الذي يطلب ادخار الميتة بعد ما وجدها
стр. 2283
وبالعادي أن يأكل الشبع، وهذا التأويل بهذا الموضع أليق على ما يجيء بعيد هذا.
فصار النهي عن هذه الجملة نهيا لمعنى في غير المنهي عنه، أي النهي عن سفر في إباق عن المولى والنهي عن سفر فيه قطع لطريق المسلمين، والنهي عن سفر فيه خروج على الإمام من الباغي نهي عن السفر لمعنى في الإباق ولمعنى في قطع الطريق ولمعنى في الخروج على الإمام لا لمعنى في عين السفر.
стр. 2284
(وبذلك لا يمتنع تحقق الفعل) وهو السفر مشروعا.
(لأن صفة الحل في السفر دون صفة القربة في المشروع) يعني أن المشروع مقصود، والسبب وسيلة، والقربة أقوى في المشروعية من نفس الحل لزيادة وصف محمود فيها وهو القربة في المشروع، ثم زوال صفة القربة عن المشروع لا يمنعه من تحققه مشروعا كالإحرام الفاسد والصلاة في الأرض المغصوبة, فلأن لا يمنع زوال صفة الحل عن السبب من تحققه سببا أولى، فكان سفر المعصية سببا لثبوت الرخصة.
وهذا لأن المشروع يبقى مشروعا وإن كان منهيا لمعنى في غيره، فكذلك السبب يصلح أن يكون سببا إذا كان النهي لمعنى في غيره كالصلاة في الأرض المغصوبة فكذلك هاهنا سفر الآبق والباغي غير منهي لمعنى في نفسه من حيث
стр. 2285
إنه خروج مديد بل هو مباح في نفسه وإنما صار منهيا لمعنى في غيره مجاور له وهو التمرد على المولى والخروج على الإمام والإضرار بالمسلمين بقطع الطريق، وذلك معنى منفصل عن السفر فلا يخرج هذا السفر عن كونه سببا لثبوت الرخصة.
ألا ترى أن العبد المتمرد على المولى في البلد يتمكن من المسح على الخف مسح الإقامة فيجب أن يكون متمكنا في السفر وإن كان متمردا على مولاه من مسح السفر.
وأما قوله تعالى: ((فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ)) قيل أريد به ما تمسك به الشافعي ﵀ وهو أنه أريد بالباغي الخارج على الإمام، وبالعادي الذي يقطع الطريق على المسلمين.
وقيل أيضا: أريد بالباغي الذي يطلب ادخار الميتة بعدما وجدها، وبالعادي أن يأكل إلى الشبع ولا يكتفي بما يسد به جوعه، وهذا التأويل أليق بهذا الموضع؛ لأن الآية وردت في أكل الميتة وغيرها والعدوان في الأكل ما قلنا، فكان هو أدل ما هو على المراد من الآية، ولأن صيغة قوله: ((ولا عاد)) تنبئ عن التعدي في عين ذلك الفعل، وهو ما قاله في الكتاب (بأن يتغذى المضطر على غيره).
стр. 2286
وأما السفر على وجه الإباق عن المولى ليس بتعد في عين ذلك الفعل فإن التمرد ينفصل عن السفر وجودا وعدما على ما ذكر في الكتاب؛ حيث يوجد السفر ولا تمرد فيه، بل فيه طاعة وقربة لخروجه إلى الغزو، ويوجد التمرد بلا وجود السفر وهو أن يتمرد العبد على مولاه في البلد.
فعلم بهذا أن النهي عن سفر الإباق ليس بنهي في عين السفر بل لغيره وهو الإباق، فلا ينافي مشروعية السفر كالبيع وقت النداء والصلاة في الأرض المغصوبة، ولما كان نفس السفر مشروعا يترخص العبد الآبق وقاطع الطريق في سفرهما برخص المسافرين كما يترخص من يسافر للتجارة، وأحكام السفر أكثر من أن تحصى وهي معروفة.
стр. 2287
الفصل السادس: وهو الخطأ
وقوله: (وشبهة) -بالنصب- معطوف على قوله: (عذرا).
(إن الخاطئ لا يأثم) إثم القتل العمد، وأما هو في نفسه فلا يخلو عن ضرب تقصير حتى احتاج المخطئ فيه إلى التكفير، (ولا يؤاخذ بحد) أي لو وجد ما يوجب الحد من الزنا وغيره بطريق الخطأ لا يجب عليه الحد حتى إنه لو زفت إليه غير امرأته وقال النساء: إنها زوجتك فوطئها لا حد عليه، فإن هذا زنا حقيقة ولكن وجد ذلك منه خطأ فلم يوجب الحد وإنما وقع فيه بسبب إخبار النساء بأنها امرأته في موضع الاشتباه فكان ذلك عذرا له في دفع الحد، وكذلك لو شرب الخمر على ظن أنه ماء، كما لو رمى على إنسان سهماً على
стр. 2288
ظن أنه صيد فإنه يسقط القصاص هناك، فكذا الشرب هنا يسقط الحد؛ (لأنه جزاء كامل) أي الحد والقصاص.
(لأنه ضمان مال لا جزاء فعل) يعني أن ضمان استهلاك مال الغير ضمان لجبر نقصان مال الغير، لا أن يكون مجازاة لفعله بخلاف الحد والقصاص فإنهما جزاء الفعل الذي هو حرام وتعد.
ألا ترى أنه لو اجتمع عشرة في إتلاف مال إنسان فأتلفوا عليه يجب عليهم ضمان واحد، فلو كان جزاء فعل لوجب على كل واحد منهم جزاء كامل، كما لو اجتمع المجرمون في قتل صيد واحد أو اجتمعوا في قتل موجب للقصاص.
(صلح سببا للتخفيف بالفعل فيما هو صلة) أي صلح الخطأ سببا للتخفيف فيما هو صلة بسبب الفعل الخطأ, أو معناه صلح سببا للتخفيف في موجب الفعل القاصر إذا كان ذلك الموجب صلة لا يقابل مالا, ومن أثر
стр. 2289
تخفيفه أن الدية تجب على العاقلة في ثلاث سنين.
وحاصله أن جزاء قتل الخطأ يشبه بجزاء الفعل من وجه ولضمان المحل من وجه، فلشبهه لجزاء الفعل يجب الكفارة، ولشبهه بضمان المحل تجب الدية، لكن لما كان وجوب الدية في مقابلة ما ليس بمال سوهل فيه بالوجوب على العاقلة في ثلاث سنين فكان جزاء قتل الخطأ من هذا الطريق مشابها بقتل المحرم صيدا مملوكا للغير؛ حيث يجب عليه الجزاء والقيمة مع ذلك، فالجزاء باعتبار جزاء الفعل والقيمة باعتبار ضمان المحل.
(ولقام البلوغ مقام الرضى أيضا فيما يعتمد الرضى) أي فيما يقتضي الرضى وهو البيع، فحينئذ ينبغي أن يصح بيع المكره البالغ بلا فساد وليس كذلك، وكذلك بيع المخطئ والهازل.
(أن الشيء إنما يقوم مقام غيره إذا صلح دليلا وكان في الوقوف على الأصل حرج) كالنوم للحدث والسفر للمشقة فإن النائم لا يمكنه الوقوف على خروج الريح منه.
(وليس في أصل العمل بالعقل حرج في دركه) أي في درك أصل العمل أي ليس لأحد حرج في أن يدرك أن أصل عمله بالعقل، (ولا حرج في
стр. 2290
معرفته) أي في معرفة أن النوم ينافي أن يكون أصل العمل بالعقل.
(فلم يقم البلوغ مقامه) أي فلم يقم البلوغ في حق النائم مقام أصل العمل بالعقل.
(والرضى عبارة عن امتلاء الاختيار حتى يفضي إلى الظاهر).
ألا ترى أن من كان راضيا يرى في وجهه وعينيه بشاشة وسرور.
(ولهذا كان الرضى والغضب من المتشابه) أي ولأجل أن الرضا عبارة عن امتلاء الاختيار حتى يفضي إلى الظاهر، والغضب عبارة عن غليان دم القلب على وجه يظهر أثره في حماليق العينين، وهذان الوصفان لا يستقيم إثباتهما في حق الله تعالى على الحقيقة، ثم ورودهما مع ذلك في حق الله تعالى بقوله: (﵃)، وقوله تعالى: ((مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ)) من المتشابه.
стр. 2291
(فلم يجز إقامة غيره مقامه) أي لم تجز إقامة غير الرضى وهو البلوغ مقام الرضى؛ لأن البلوغ لا يصلح دليلا على الرضا.
وقوله: (لما كان الخطأ لا يخلو) إلى آخره، ابتداء نكتة يفرق بها بين الخاطئ والناسي في حق عدم بقاء الصوم في حق الخاطئ وبقائه في حق الناسي لما أن الخاطئ غير مستحق لكرامة بقاء الصوم لوجود ضرب تقصير منه وهو ترك التأني في سبق الماء إلى حلقه عند المضمضة مع تذكر صومه.
(ألا تراه صالحا للجزاء) هذا إيضاح لقوله: ((الخطأ لا يخلو عن ضرب تقصير)) أي ألا ترى أن الخطأ يصلح أن يكون سببا للجزاء القاصر وهو الكفارة.
(استوجب بقاء الصوم من غير أداء) أي من غير أداء الصوم حقيقة؛ لأنه وجد الأكل حقيقة وبوجود الأكل الحقيقي في النهار لا يتصور أداء الصوم
стр. 2292
حقيقة، ومع ذلك جعله الشارع أداء فكان ذلك كرامة للناسي.
(وجعل المناقض) وهو الأكل (عدما في حقه) أي في حق الناسي، وإلى تحقيق الكرامة أشار النبي ﵇ في قوله: ((إنما أطعمك الله وسقاك)) فقطع فعل التقصير منه وأضاف الإطعام إلى الله تعالى وهو إكرام منه.
(لوجود الاختيار وضعا) لأن هذا فعل وجد من الآدمي المختار لا على طريق النسيان فكان جريان لفظ البيع في لسانه ليس كجريان الماء وطول الثبات؛ لأنهما ليسا من ذي اختيار ولكن انعدم به الرضى فكان بمنزلة بيع المكره، وله اختيار في إجراء كلمة البيع على لسانه؛ لأنه علم الشرين فاختار أهونهما عليه وليس له رضى بثبوت موجب البيع بذلك اللفظ.
стр. 2293
وأما الفصل الآخر فهو: فصل الإكراه
(ألا ترى أنه يتردد بين فرض وحظر) إلى آخره، فالفرض: فيما إذا أكره بأكل الميتة وشرب الخمر بالقتل فإنه يفترض عليه الإقدام على الأكل والشرب حتى لو صبر فقتل كان آثما كما في ترك الفرض باختياره.
والحظر: فيما إذا أكره على قتل الغير أو على الزنا بالقتل فالإقدام على القتل والزنا محظور فيأثم بفعلهما، والإباحة: فيما إذا أكره على الإفطار في صوم رمضان بالقتل فإنه يباح له الفطر؛ لأن الإفطار في نهار رمضان يباح
стр. 2294
فى الجملة بعذر، وهذا أقوى الأعذار؛ إذ فيه هلاك النفس على تقدير ترك الإفطار.
والرخصة: فيما إذا أكره على إجراء كلمة الكفر على اللسان إذ هو يستحيل اتصافه بالإباحة لكن يرخص له الإقدام على ذلك عند طمأنينة القلب بالإيمان، (فيأثم مرة) كما إذا صبر عن أكل الميتة وشرب الخمر حتى قتل يكون آثما. (ويؤجر أخرى) كما إذا صبر عن إجراء كلمة الكفر على اللسان فقتل كان مأجورا.
(لأنه لو سقط) أي الاختيار (لبطل) أي (الإكراه)؛ لأن الإكراه إنما يتحقق في حق فعل هو في إمكان المكره تحصيله فكان فيه مختارا، وأما في حق فعل ليس هو في إمكانه تحصيله فلا يتحقق الإكراه لانعدام الاختيار كما إذا أكره القصير بأن يكون طويلا أو على العكس يبطل حكم الإكراه لسقوط الاختيار.
(ألا ترى أنه حمل على الاختيار) أي أجبر المكره على أن يختار ما هو الأهون من الأمرين المكروهين وكل منهما في وسعه ولكن هو شيء شاق عليه.
(وقد وافق الحامل فكيف لا يكون مختارا؟) فإن الموافقة لأمر الأمراء
стр. 2295
دليل الاختيار حيث علم المكروهين عليه فاختار أهونهما عليه، ولو لم يكن مختارا لما قيل إنه وافق أمر الأمراء.
ألا ترى أنه لو قال للماء الجاري: أجر فجرى لا يقال: بأن الماء وافق أمره؛ لأنه لا معرفة للماء بأمر الآمر ولا خبرة له بالشر ولا بأهونه.
(إلا بدليل غيره على مثال فعل الطائع) أراد به أن لفعل الطائع موجبا أصليا، وإذا قارنه دليل مغير عن موجبه الأصلي غيره عنه فكذلك في حق المكره لأقواله وأفعاله موجب أصلي، فإذا قارنها ما يغيرها عن موجبها الأصلي غيرها عنه، فإن موجب إجراء كلمة الكفر على اللسان الكفر ولما أجرى المكره تلك الكلمة الشنعاء على لسانه بالإكراه لم يثبت موجبها الذي هو الكفر لقران دليل غيرها عن موجبها الأصلي بها وهو الإكراه.
كما يغير الدليل المغير إذا قارن قول الطائع في مسألة الشرط والاستثناء في قوله لامرأته: أنت طالق إن دخلت الدار، وإقراره بغيره بقوله: لك علي ألف درهم إلا مائة.
وكذلك في الأفعال؛ فإن موجب شرب الخمر وموجب الزنا الحد فإذا فعلهما بالإكراه بالقتل لم يثبت موجبها الذي هو الحد لقرن الدليل الذي غيره عن موجبه كما يثبت ذلك التغير في حق فعل الطائع عند قران الدليل المغير بفعله، وهو ما إذا شرب الخمر أو زنا -والعياذ بالله- في دار الحرب لا يجب الحد لقران المغير ذلك الفعل عن موجبه وهو وجود فعل طائع فيهما في دار الحرب.
(وإنما أثر الكره إذا تكامل في تبديل النسبة) المراد من تكامل الإكراه
стр. 2296
هو أن يكون ملجئاً بأن يكرهه على أمر لو لم يفعله يقتله أو يقطع عضوه أو نحو ذلك، والمراد من تبديل النسبة أن يكون فعل المكره المحمول حسا أن يكون فعل المكره الحامل حكما حتى يجب القصاص في القتل على المكره الحامل لا على المكره المحمول, وهذا الذي ذكره من تبديل النسبة إنما يتحقق في الفعل الذي يحتمل تبديل النسبة كما في الإتلاف على ما يجيء بيانه.
(وأثره إذا قصر في تفويت الرضا) أي لا في تبديل النسبة، والمراد من الإكراه القاصر هو أن يكون الإكراه بالحبس أو القيد، وتفويت الرضى وإن كان عاما في الإكراه الكامل والقاصر، لكن لما لم يكن للقاصر أثر غيره صار كأنه هو المخصوص به.
(فأما في الإهدار فلا) أي ليس للإكراه أثر في إهدار القول والفعل، وقوله: (خلافا للشافعي) راجع إلى نفي الإهدار عندنا وإلى إثبات الفرق بين الإكراه الكامل والقاصر، فإن إهدار القول والفعل بالإكراه الباطل ثابت عند الشافعي على السواء من غير فرق بينهما حتى لا يقع طلاق المكره ولا إعتاقه، ولا يفسد صومه بالأكل بالإكراه لبطلان قول المكره وفعله، وكذلك عنده لا فرق بين الإكراه الكامل والقاصر بل القاصر مثل الكامل.
стр. 2297
(فيبطل عند عدمه) أي فيبطل القول عند عدم القصد والاختيار، فصار كأن القول لم يكن فلا يقع بمثل هذا القول الطلاق والعتاق، وإنما قلنا إن القول يبطل عند عدم القصد والاختيار لقوله تعالى: ((إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ)) أخبر الله تعالى بأنهم كاذبون مع أنهم شهدوا برسالة محمد ﵊ لما خالف لسانهم ضميرهم فبطل صحة القول بعدم القصد والاختيار.
ألا ترى أن قول الصبي الذي هو غير عاقل لا يصح لعدم قصده، وكذلك قول النائم باطل لعدم قصده.
(وتحقيق العصمة في دفع الضرر عنه عند عدم الرضا) يعني أن ماله معصوم لأنه ليس بكافر حربي بل هو مسلم أو ذمي لأن كلامنا فيه، فتحقيق عصمته في أن لا يفوت عن ملكه إلا برضاه دفعا للضرر عنه فتحققت العصمة فوجب أن يبقى على ملكه عند عدم الرضى.
стр. 2298
(وتمامه بأن يجعل عذرا يبيح الفعل) أي شرعا كما إذا أكره على إتلاف مال الغير وعلى شرب الخمر فإن أمكن أن ينسب إلى المكره نسب إليه كما في إتلاف مال الغير، فيجعل كأن المكره هو الذي أتلفه بنفسه حتى وجب الضمان عليه بالاتفاق؛ لأنه يمكن أن ينسب إليه الإتلاف ويجعل المكره آلة له بأن يأخذ المكره رجل المكره فيلقيه على مال إنسان فيتلفه، ففي الإكراه على إتلاف مال الغير يجعل كأنه فعل كذلك فيجب الضمان على المكره لذلك.
(وإلا فيبطل حكمه) أي وإن لم يمكن أن ينسب ذلك الفعل الذي حصل من المكره إلى المكره بطل حكم ذلك الفعل أي يجعل كأنه لم يوجد ذلك الفعل لا من المكره ولا من المكره كما في شرب الخمر بالإكراه، حيث لا يجب حد الشرب لا على المكره ولا على المكره، وكذلك لو أكره الصائم الصائم في نهار رمضان على الأكل والشرب فأكل المكره أو شرب لا يفسد صوم المكره الآكل ولا صوم المكره الآمر؛ لأن فعل الأكل والشرب من الأفعال التي لا يمكن أن ينسب إلى المكره الآمر؛ لأن الإنسان لا يمكن له أن يأكل أو يشرب بفم غيره، فلذلك جعل كأن الأكل والشرب لم يوجدا أصلا فلا يجب حد الشرب
стр. 2299
والأكل على أحد، ولا يفسد صوم أحد على أصله، (وقال في الإكراه على الزنا: إنه يجب الحد على الفاعل) لأن هذا من قبيل الإكراه غير التام؛ لأن الزنا لا يباح بالإكراه بالاتفاق، فلما لم يتم الإكراه على أصله صار كأن الإكراه لم يوجد، ووجد الزنا من الزاني من غير إكراه فيجب الحد عليه لذلك.
(وكذلك قال في المكره على القتل: إنه يقتل) أي إذا قتل لما قلنا إشارة إلى قوله: ((لأنه لم يحل له الفعل)).
(وأما المكره فإنما يقتل بالتسبيب) جواب لإشكال وهو أن يقال: لما بقى القتل مضافا إلى المكره حتى وجب القصاص عليه ولم يوجد القتل من الآمر حقيقة فلم وجب القصاص عليه أيضا؟
стр. 2300
فقال: إنما يقتل الآمر لوجود تسبيب القتل منه والمسبب عنده بمنزلة المباشر في استحقاق القصاص عليه كشهود القصاص إذا رجعوا.
(وقال في الإكراه على الإسلام: إن المكره إذا كان ذميا) وذكر في ((المبسوط)) (أو مستأمنا)، وقوله: (لأن إكراه الذمي باطل) قال العبد الضعيف عبد الله -غفر الله له- فيعلم بهذا أن عدم تمام الإكراه غير منحصر على عدم إباحة الفعل على المكره بل عليه، وعلى عدم إباحة فعل الإكراه على المكره الآمر، وهذا لأن الذمي لو أسلم عند الإكراه عليه كان الإسلام مباحا له بل يقع فرضا، وما ذكره قبل هذا بقوله: ((وتمامه بأن يجعل عذرا يبيح الفعل)) معناه يبيح الفعل على المكره المأمور أو يبيح فعل الإكراه على المكره الآمر بالإكراه.
(وكذلك المولي) هو اسم فاعل من الإيلاء.
(وذلك بعد المدة عنده) لأن الطلاق لا يقع عند الشافعي ﵀-
стр. 2301
بعد انقضاء مدة الإيلاء، بل يتوقف إلى التفريق فإذا لم يفرق فالقاضي يجبره ويكون الإجبار حقا، فلذلك وقع الطلاق لكون التفريق مستحقا على المولى بعد انقضاء المدة فكان الإكراه حقا عليه كإكراه المديون على بيع ماله عند المماطلة، فأن بيع صحيح وإن كان بإكراه لكون الإكراه على البيع حقا.
(فكان دون الهزل وشرط الخيار والخطأ) أي للإكراه دون هذه الأشياء في إفادة الحكم فكانت هذه الأشياء أقوى في إثبات الحكم من الإكراه؛ لأن الرضى بالسبب موجود في الهزل وشرط الخيار والبلوغ قائم مقام الحفظ مع اعتدال العقل في الخطأ، فكان الرضا والاختيار موجودا، والإكراه فيما يتعلق بالرضى دون هذه الأشياء، فلذلك كان أبعد في إفادة الحكم من الهزل وأختيه، وفيما يتعلق بالاختيار دون الرضا كالطلاق فوق الهزل لوجود الاختيار والحكم جميعا، وإن كان فاسدا، وفي الهزل وشرط الخيار الاختيار للحكم معدوم.
(فإذا عارضه اختيار صحيح) وهو اختيار المكره.
стр. 2302
(وفيما لا يحتمله لا يستقيم نسبته إلى المكره) وهو الأقوال كلها، ومن الأفعال الأكل والوطء.
(لأنه صالح) أي لأن الاختيار الفاسد صالح لنسبة الحكم إليه.
(ألا ترى أن هذا القدر صالح للخطاب) حتى قيل: إن المكره متردد بين فرض وحظر وإباحة ورخصة إلى آخر ما ذكرنا قبل هذا.
(منقسمة إلى هذين القسمين) أي فيما يصلح آلة للمكره وفيما لا يصلح آلة له: أحدهما: مثل (الأقوال) أي في أن لا يصلح آلة للمكره كالأكل والوطء.
والثاني: ما يصلح أن يكون الفاعل فيه آلة لغيره كما في إتلاف مال الغير.
(ما يحتمل الفسخ ويتوقف على الرضى) كالبيع والهبة، (وما لا
стр. 2303
يحتمل الفسخ) كالطلاق والعتاق.
(كامل يفسد الاختيار ويوجب الإلجاء) كالإكراه بالقتل أو بقطع العضو.
(وقاصر يعدم الرضا) كالإكراه بالحبس والقيد.
(حرمة لا تنكشف) أي لا يزول عنها الحرمة أصلا كالزنا والقتل بغير حق.
(وحرمة) تحتمل السقوط أصلا كشرب الخمر بالإكراه، (وحرمة لا تحتمل السقوط لكنها تحتمل الرخصة) كإجراء كلمة الكفر على اللسان.
(وحرمة تحتمل السقوط لكنها لم تسقط بعذر الكره واحتملت الرخصة أيضا) كتناول مال الغير بالإكراه، فإن تلك الحرمة تحتمل السقوط بإباحة صاحب المال لكن لم تسقط حرمته بعذر الكره بل يرخص له الأكل عند المخمصة على معنى عدم المؤاخذة لا أنه يحل أكله بل بشرط الضمان يرخص له الأكل.
стр. 2304
(إن الإكراه لا يوجب تبديل الحكم بحال) يعني أن حكم السبب الموضوع له لا يبتدل بالإكراه بل يبقى حكمه كما في حق الطائع؛ لأن السبب إنما أوجب الحكم لكونه صادرا عن ذي عقل وتمييز وأهل خطاب وبلوغ، وبالإكراه لا تنعدم هذه المعاني لما ذكرنا من انقسام أفعال المكره إلى الفرض والحظر والإباحة والرخصة كأفعال الطائع.
ولا يوجب أيضا بتبديل (محل الجناية)؛ لأن في تبديل محل الجناية تبديل محل الحكم، وهو لا يصح على ما يجيء بيانه إن شاء الله تعالى.
(ولا وجه لنقل الحكم بدون نقل الفعل)؛ إذ في نقل الحكم بدون نقل الفعل انفكاك الأثر عن المؤثر وذلك لا يصح؛ لأن فيه قولا بوجود الضرب في محل ووجود الألم في محل آخر وهو محال.
(ولا وجه لنقل الفعل ذاته) أي لا وجه لنقل ذات الفعل؛ لأن الفعل عرض فلا يوصف بالانتقال من محل إلى محل؛ لأنه إذا وجد في محل اضمحل وتلاشى بعد الوجود؛ فلم يتصور نقله لا حال الوجود ولا بعد
стр. 2305
الوجود فوجب القول بنقل الفعل بأن يجعل المكره آلة للمكره. (بهذا الطريق) وهو إشارة إلى قوله: ((وهو أن يجعل المكره آلة للمكره)) وطريق جعله آلة هو ما ذكر قبل هذا بقوله: ((فيجعل الاختيار الفاسد معدوما في مقابلته)) أي في مقابلة الاختيار الصحيح، فلما كان اختيار المكره معدوما كان هو والسيف سواء في أن كل واحد منهما عديم الاختيار، والسيف آلة للضارب فكذا المكره المأمور آلة للمكره الآمر.
(ففي الأقوال كلها لا يصلح أن يتكلم الرجل بلسان غيره) ولا يلزم على هذا قول الرسول، فإن قوله منتقل إلى المرسل مع أن القول لا يمكن نقله من القائل إلى غيره؛ لأنا نقول: إن انتقاله إلى المرسل شرعي لا حسي لوجود الرضى والطواعية من الرسول في انتقال كلامه إلى المرسل؛ لأنه يبذل منفعة نفسه إلى المرسل توسعة للأمر على الناس وفي الإكراه لم يوجد الرضا والطواعية في انتقال كلامه إلى المكره، ولو انتقل إنما ينتقل حسا وذلك غير ممكن في القول.
(لأن ذلك لا يبطل بالهزل وهو ينافي الاختيار أصلا) أي الطلاق
стр. 2306
والعتاق والنكاح لا يبطل بالهزل مع أن الهزل ينافي الاختيار أصلا، والإكراه لا يبطل الاختيار بل يفسده فلأن لا يبطل صحة الطلاق به أولى.
(فلم يتوقف الطلاق عليه) أي على لزوم المال، بل وقع ولكن يتوقف على قبول المال فإنه ذكر في ((الجامع الصغير)) لقاضي خان ﵀ إذا قال الرجل لامرأته الصغيرة: أنت طالق على ألف يتوقف على قبولها وإن كان لا يلزمها المال عند قبولها، وكذا ذكر في ((الهداية)) وقال: وإن شرط الألف عليها أي وإن شرط الزوج الألف على امرأته الصغيرة توقف على قبولها إن كانت من أهل القبول، يعني بأن كانت تعقل العقد وتعبر عن نفسها، فإن قبلت وقع الطلاق لوجود الشرط ولا يجب المال؛ لأنها ليست من أهل الغرامة.
(بخلاف الهزل في الخلع عند أبي حنيفة ﵁) حيث يتوقف الطلاق هناك حتى تشاء المرأة وجوب المال على نفسها، وهاهنا يقع الطلاق ولا يجب المال، وأما الفرق لهما حيث يقولان بوجوب المال في صورة الهزل في الخلع ولم يجب هاهنا فيما إذا أكرهت على قبول المال في الخلع.
وذكر في ((المبسوط)) وللكل حاجة إلى الفرق بين مسألة الإكراه وبين
стр. 2307
مسألة الخيار والهزل.
فأما أبو حنيفة ﵁ يقول فيقول: الإكراه لا يعدم الاختيار في السبب والحكم وإنما ينعدم الرضا بالحكم، فلوجود الاختيار في السبب والحكم تم القبول ووقع الطلاق، ولانعدام الرضى لا يجب المال فصار كأن المال لا يذكر أصلا.
فأما خيار الشرط فلا يعدم الاختيار والرضا بالسبب ويعدم الاختيار والرضى بالحكم فيتوقف الحكم وهو وقوع الطلاق ووجوب المال على وجود الاختيار والرضى به.
وكذلك الهزل لا ينافي الاختيار ولا الرضى بالسبب وإنما ينعدم الاختيار فيه والرضى بالحكم فتوقف الحكم لانعدام الاختيار في حقه وصح التزام المال به موقوفا على أن يلزم عند تمام الرضا.
وهما يقولان: إن الإكراه يعدم الرضى بالحكم ولا يعدم الاختيار في الحكم والسبب جميعا فيثبت الحكم وهو الطلاق ولا يجب المال لانعدام الرضى به فكأنه لم يذكر، وأما الهزل وشرط الخيار لا يعدمان الرضا بالسبب، والحكم لا ينفصل عن السبب.
فالرضى بالسبب فيهما يكون رضا بالحكم فيقع الطلاق ويجب المال؛ لأن المال صار تبعا للطلاق في الحكم، وفي الإكراه انعدم الرضى بالسبب فلا يثبت ما يعتمد ثبوته على الرضى وهو المال، ويثبت من الحكم ما لا يعتمد ثبوته على
стр. 2308
الرضى وهو الطلاق.
وقوله: (ولأنه يعدم الرضا والاختيار جميعا) أي لأن الهزل يعدم الرضا والاختيار جميعا.
(كشرط الخيار) أي على قول أبي حنيفة ﵁ (فإنه) أي فإن شرط الخيار بأن اختلعت المرأة على المال على أنها بالخيار ثلاثة أيام كذلك هاهنا أي في الهزل أي يتوقف الطلاق على وجوب المال عند أبي حنيفة ﵁ كشرط الخيار وهو عندهما.
(وما دخل على السبب يؤثر في المال دون الطلاق) كما في فصل الإكراه؛ (لأنه) أي لأن المال لا يجب إلا بشرط الخيار، (فكان في الإيجاب مثل
стр. 2309
اليمين) أي فكان وجوب المال في إيجاب الخلع مثل ذكر الشرط فين اليمين يعني في اليمين لا يجب الجزاء إلا بعد وجود الشرط فكذلك المال في الخلع لا يجب إلا بوجود شرط ذكر البدل.
(وبعد صحة الإيجاب يتبع الطلاق الذي هو المقصود) أي بعد صحة إيجاب الخلع يتبع وجوب المال لوقوع الطلاق، وبهذا يفرقان بين الهزل في الخلع وبين الإكراه فيه؛ حيث يجب المال في الهزل فيه ولا يجب في الإكراه فيه، يعني لما صح السبب في فصل الهزل وجب المال هناك أيضا تبعا لصحة السبب لأنه راض بمباشرة السبب فكان السبب صحيحا فوجب المال بالتبعية.
بخلاف الإكراه فإنه لما لم يصح السبب فيه لعدم الرضى بالسبب لم يتبعه وجوب المال، وفي بعض النسخ: ((فكان في الإيجاب مثل الثمن)) يعني كما أن الثمن لا يجب إلا بشرط الذكر في البيع كذلك لا يجب المال في الخلع إلا بشرط الذكر.
ثم إذا صح الإيجاب في البيع وجب الثمن وإن فسد لا يجب، فكذلك في الخلع إذا صح الإيجاب وجب المال وذلك موجود في الهزل بالخلع لوجود الرضى بالسبب فوجب المال تبعا للطلاق لكون الطلاق مقصودا فلا يتوقف الطلاق على المال بل يقع الطلاق في الحال والمال يتبعه، وفي الإكراه فسد الإيجاب لعدم الرضى بالسبب والحكم جميعا فلا يلزم المال؛ لأن لزوم المال
стр. 2310
يتوقف على الرضى ولم يوجد فكان وجوب المال من أثر صحة الإيجاب.
(ولا تصح الأقارير كلها) أي سواء كان الإقرار بما يحتمل الفسخ أو لا يحتمل.
(والكامل من الإكراه والقاصر في هذا سواء) أي في إبطال الأقارير كلها.
وذكر في باب ما يكره عليه اللصوص من إكراه ((المبسوط)) ولو هددوه بقتل أو إتلاف أو بحبس أو بقيد ليقر لهذا الرجل بألف درهم فأقر له به فالإقرار باطل.
أما إذا هددوه بما يخاف منه التلف فهو ملجأ إلى الإقرار محمول عليه، والإقرار خبر متميل بين الصدق والكذب، فإنما يوجب الحق باعتبار رجحان جانب الصدق وذلك ينعدم بالحبس والقيد لما يلحقه من الهم والحزن به، وانعدام الرضى يمنع ترجيح جانب الصدق في إقراره، ثم قد بينا أن الإكراه نظير الهزل ومن
стр. 2311
هزل بالإقرار لغيره وتصادقا على أنه هزل بذلك لم يلزمه شيء فكذلك إذا أكره عليه.
فإن قيل: لماذا لم يجعل هذا بمنزلة شرط الخيار وشرط الخيار لا يمنع صحة الإقرار؟
قلنا: لا كذلك، بل متى صح شرط الخيار مع الإقرار بالمال لا يجب المال حتى لو قال: كفلت لفلان على فلان بألف درهم على أني بالخيار لا يلزمه المال.
فأما إذا أطلق الإقرار بالمال وهو خبر عن الماضي فلا يصح معه شرط الخيار، والإكراه هاهنا متحقق، وإنما يعتبر بموضع صح فيه اشتراط الخيار وهذا بخلاف ما تقدم من تناول الحرام - يعني لا يحل له التناول بالإكراه القاصر- لأن المؤثر هناك الإلجاء وذلك مما يخاف منه التلف، وهنا المانع من وجوب المال عليه انعدام الرضى بالالتزام.
وقد انعدم الرضا بالإكراه وإن كان بحبس أو قيد، ثم قال: ولو أوعدوه بضرب سوط واحد أو حبس يوم أو قيد يوم على الإقرار بألف فأقر به كان الإقرار جائزا لأنه لا يصير مكرها بهذا القدر من الحبس والقيد، فالجهال
стр. 2312
يتهازلون فيما بينهم فيحبس الرجل صاحبه يوما أو بعض يوم.
ثم قال بعد هذا في باب من الإكراه على الإقرار: وإذا أكره الرجل بوعيد تلف أو غير تلف على أن يقر بعتق ماض أو طلاق أو نكاح وهو يقول: لم أفعله فأقر به مكرها فالإقرار باطل، والعبد عبده كما كان، والمرأة زوجته كما كانت؛ لأن الإقرار خبر محتمل بين الصدق والكذب، والإكراه الظاهر دليل على أنه كاذب فيما يقر به قاصد إلى دفع شر عن نفسه، والمخبر عنه إذا كان كذبا فبالإخبار لا يصير صدقا. ثم قال: والإكراه بالحبس والقتل في هذا سواء؛ لأن الإقرار تصرف من حيث القول ويعتمد تمام الرضا وبسبب الإكراه بالحبس ينعدم ذلك، وكذلك الإقرار بالرجعة أو الفيء في الإيلاء أو العفو عن دم العمد فإنه لا يصح مع الإكراه لما قلنا.
فإن قيل أليس عند أبي حنيفة ﵁ إذا قال لمن هو أكبر سنا منه: هذا ابني يعتق عليه، وهناك يتيقن بكذبه فيما قال فوق ما يتيقن بالكذب عند الإقرار مكرها, فإذا نفذ العتق ثمة ينبغي أن ينفذ هنا بالطريق الأولى.
قلنا: أبو حنيفة ﵁ يجعل ذلك الكلام مجازا عن الإقرار بالعتق. كأنه قال عتق علي من حين ملكته، وباعتبار هذا المجاز لا يظهر رجحان جانب الكذب في إقراره.
فأما عند الإكراه أكثر ما فيه أن يجعل هذا مجازا عن الإقرار بالعتق ولكن
стр. 2313
الإكراه يمنع صحة الإقرار بالنسب.
(فإن كان عليه) أي على المكره المحمول (ما أوجب جرحه وجب به القود في النفس) أي على المكره الحامل. قال شيخي- ﵀: صورته أن يكون مع المكره المحمول آله قاتلة كالسيف والخنجر، ثم أن المكره الحامل أخذ المكره المحمول بتلك الآلة وألقاهما على إنسان فتلف لك الإنسان بتلك الآلة يجب القصاص على الملقى بالإجماع، وإنما فرض المسألة في المكره الذي معه آله جارحة ليرتب عليه جواب المسألة بالقصاص على الاتفاق؛ لأن في القتل بالمثقل اختلافًا.
(وليس في ذلك تبديل محل الجناية) وإنما قال هذا لدفع شبهة وهي أن يقال: ففي جعل المكره آله للمكره حتى يجب القصاص على المكره الآمر في العمد والدية على عاقلته في صورة الخطأ والكفارة عليه تبديل محل الجناية لأن الجناية حقيقة وجدت من المكره المأمور فكان في جعل الجناية من الآمر تبديل محل الجناية.
فقال في جوابه: ليس فى ذلك تبديل محل الجناية على الوجه الذي قلنا، وهو أن المكره امأمور فاسد الاختيار والمكره الآمر صحيح الاختيار والفاسد في
стр. 2314
مقابلة الصحيح بمنزلة المعدوم فصار المكره كأنه لا اختيار له أصلًا، فصار آلة للمكره من هذا الوجه، مع أن جعله آله له في الحقيقة متصور على ما ذكره بقوله: "وهوأن ياخذه فيضرببه نفسًا أومالًا فيتلفه" فحينئذ كانت الجناية موجودة من الآمر فيؤخذ بموجب الجناية محل الجناية الذ وجدت منه الجناية ولم يكن فيه تبديل.
(ولذلك قلنا) أي ولأجل أن المكره صار بمنزلة الآلة للمكره، (والكفارة عليه) أي علالمكره الآمر؛ لأن المكره لما جعل آلة خرج هو من البين فلا تجب عليه الدية والكفارة؛ لأنهما لا تجبان على الآلة فكذلك لا تجبان على المكره المأمور لصيرورته آلة للمكره الآمر.
وقوله (لحرمة هذا المحل أيضًا) دليل وجوب الكفارةعلى المكره الآمر مع تضمن دفع شبهة، وهي أن المكره لا يصلح آلة للمكره في حق الإثم والكفارة لرفع الإثم فكان ينبغي أن تجب الكفارة على المكره المأمور؛ لأن فعل المكره في حق القتل حرام بدليل أنه يأثم في ذلك، ومع ذلك وجبت الكفارة
стр. 2315
على المكره الآمر.
فأجاب عنه بهذ: أي نعم كذلك أن الكفارة جزاء الفعل المحرم، ولكن لحرمة المحل والمكره المأمور فيما يرجع إلى المحل يجعل آلة للمكره كما في الدية فتجب على المكره الآمر لذلك.
(وهذه نسبة ثبتت شرعًا) أي نسبة فعل المكره المأمور إلى المكره الآمر ثبتت شرعًا باقتضاء النص، وهو قوله ﵇: "رفع عن امتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" وإنما قلنا: إن هذا يثبت شرعًا باقتضاء النص؛ لأن الإتلاف وجد من المكره المأمور حسًا وحقيقة، ولما ثبت رفع الفعل من المكره المأمور بعبارة النص لم يكن بجد من تحقيق موجب الفعل على أحد، وليس هاهناأحد ينسب إليه الفعل سوى المكره الآمر بعد انتفاء نسبة الفعل إى المكره المأمورفنسب إلى الآمر، فكانت نسبة إتلاف النفس والمال إلى المكره الآمر باقتضاءالنص بهذا الطريق.
(وهذا كالأمر) أي ثبوت النسبة في الإكراه إلى غير الفاعل حقيقة لثبوت نسبة الفعل في غير الإكراه وهو الآمر إلى غير الفاعل حقيقة.
(فإنه متى صح) أي فإن الأمر متى صح واحترز بقوله: "صح" عن الأمر الذي لم يصح، وهو فيما ذكر بعده بقوله: "وإذا كان في جادة الطريق لا
следующие страницы →