← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 16526

الكافي شرح أصول البزدوي

الحسام السغناقي

Полный текст (2 351 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

(بخلاف البيع)، لأن المهر تابع في هذا، لأنه يصح النكاح بدون ذكره ولا كذلك الثمن. فإن قيل: قد ذكر قبل هذا: "فكان العمل بالأصل- أي بنفس العقد- عند التعارض أولي من العمل بالوصف" أي بالثمن فقد جعل الثمن وصفًا والوصف" أي بالثمن فقد جعل الثمن وصفًا والوصف تبع للموصوف ثم ذكر هاهنا في مقام الفرق بين البيع والنكاح، لأن المهر تابع، فكان فيه إشارة إلى أن الثمن ليس بتابع في البيع فما وجهه؟ قلنا: وجهه إن في الثمن معني الأصالة ومعنى التبعية بدليل شهادة الأحكام على ذينك المعنيين فمعني الأصالة هو أن لا يصح البيع بدون ذكره والجهالة فيه مانعة لصحة البيع، ومعنى التبعية فيه هو أنه يحتاج في الشراء إلى أن يكون الثمن موجودًا في ملك المشتري ولا يتوقف صحة الإقالة إلى بقائه فكان هو في البيع بمنزلة الركن الزائد كالقراءة في الصلاة والإقرار في الإيمان. وأما المهر في النكاح فتابع من كل وجه وليس فيه شيء من دلالة الأصالة في النكاح فلذلك سماه تبعًا على الإطلاق في مقام الفرق بينه وبين الأصل من كل وجه جانب الوصفية التي هي تدخل على التبعية، وذكر هاهنا في مقام الفرق بينه وبين التبع

стр. 2242

من كل وجه جانب الأصالة الذي يدل على المتبوعية ليتبين تفاوت الأحكام والفروق بالالتئام. (فلا يجعل مقصودًا في الصحة) أي فلا يجعل المهر مقصودًا في صحته تابع من كل وجه، فلو اعتبرنا تصحيح التسمية وأوجبنا ألفين كما في البيع يصير المهر مقصودًا في الصحة وهو في نفسه تابع من كل وجه، فلا يجوز أن تكون مقصودًا صحته بوجه من الوجوه لما أن النكاح بدونه صيح من أن في تصحيح تسمية المهر على ما ذكر في العلانية ترك العمل بالمواضعة في حق المهر. وأما لو اعتبرنا في باب البيع صحة التسمية لا يكون الثمن مقصودًا منه، بل المقصود منه جواز البيع، لأنه لا يصح بدونه فاعتبرنا صحة التسمية عملًا بإحدى المواضعتين تصحيحًا لمواضعه جواز البيع، وإن كان فيه ترك المواضعة الأخرى وهي وجوب الأقل من الثمن. وأما هاهنا لو اعتبرنا ترك العمل بمواصفة الأقل كان فيه إبطال العمل بمواضعة الأقل وليس في إبطاله تصحيح المواضعة الأخرى وهي جواز النكاح لما أن النكاح بدونه جائز.

стр. 2243

(وأن التسمية في الصحة مثل ابتداء البيع) أي تسمية المهر في صحتها واعتبارها مثل صحة تسمية الثمن واعتبارها في ابتداء البيع وهو ما إذا تواضعها على البيع بألف وعقدا على ألفين فإن عند أبي حنيفة- ﵀ اعتبار صحة تسمية الثمن في العقد أولي حتى يجعل الثمن ألفين فكذا هاهنا، وهذا لأن موجب البيع الصحة والفساد بالعارض، فلما وجب العمل هناك بصحة البيع مع وجود الهزل والهزل يؤثر في البيع حتى وجب الألفان من الثمن وجب أن تصح التسمية هاهنا ويجب الألفان من المهر بالطريق الأولي، لما أن الهزل لا يؤثر هاهنا في الأصل وهو النكاح، فيجب أن لا يؤثر أيضا في تبعه وهو المهر، لأن التبع فيما يثبت إنما يثبت على وفاق الأصل لا على خلافه، فلذلك قيل: إن هذه الرواية وهي رواية أبي يوسف أصح من رواية محمد- رحمهما الله-. (وجب مهر المثل بلا خلاف) لما ذكرنا أن المهر تابع ولا يجعل مقصودًا

стр. 2244

بالصحة فيكون النكاح بلا مهر فيجب مهر المثل، (وعلى رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة- رحمهما الله- أنه يجب المسمي) للدليل الذي ذكرنا في رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة- رحمهما الله- فيما إذا كان الهزل في قدر المهر على ما ذكرنا آنفًا، وهو أن المهر تبع للشيء الذي لا يؤثر فيه الهزل وهو النكاح فلا يؤثر في تبعه فكان المهر هو المذكور في العلانية ضرورة. (فإن ذلك على هذه الأوجه أيضًا) وهي اثنا عشر وجهًا وهي: أن الهزل إما أن دخل في الأصل، أو في قدر المال، أو في جنس المال، ثم تدور هذه الثلاثة في الأربعة التي ذكرناها من البناء والإعراض ولم يحضرهما شيء واختلفا فكان اثني عشر وجهًا. (لكنه غير مقدر بالثلاث في هذا بخلاف البيع) أي مشيئة المرأة الطلاق

стр. 2245

غير مقدرة عند أبي حنيفة ﵀ بخلاف الخيار فى البيع فإنه مقدّر بالثلاث عنده؛ لأن البيع يفسُد بالشروط الفاسدة فيفسُد البيع بالهزل؛ لأنه بمنزلة خيار الشرط مؤّبدًا وعنده أن المفسد إذا ارتفع قبل مُضي ثلاثة أيام يعود إلى الجواز. أما إذا ارتفع بعد ثلاثة أيام فلا يعود إلى الجواز. وأما الخلع فلا يفسد بالشرط الفاسد فيصح اختيار الخلع من المرأة وإن كان بعد الثلاث وهذا لأن الشرط فى باب الخلع ملائم للقياسِ لما أن تعليق الطلاق بالشرط جائز لكون الطلاق من الإسقاطات بخلاف البيع، فإن تعليق البيع بالشرط باطل؛ لأنه من الإثباتات وثبت خيار الشرط فى البيع بالنص بخلاف القياس، وقد ورد مقدّرًا بالثلاث فيبطل فيما وراء المنصوص عملًا بالقياس. أما هذا فملائم للقياس فصح غير مقدّر فلا ضرورة فى التوقيت بالثلاث. وإن هزلا بالكل أي بأصل الخلع والبدل والجنس وهذا لزيادة التأكيد فإن الهزل لما كان فى أصل الخلع كان أيضًا فى البدل والجنس. (ووجب المال بالإجماع) أما عندهما فلأن الهزل لا يمنع من وقوع الطلاق ووجوب المال بطريق التبعية لوقوع الطلاق. وأما عند أبى حنيفة-رضى الله عنه-فلأن المواضعة بطلت فى صورة الإعراض بأعراضهما وكذلك إن اختلفا. أما عندهما فلما أن الهزل لا

стр. 2246

يؤثر في الخلع وفى بدله فيقع الطلاق ويجب المال. وأما عنده (فلأنه جعل القول قولَ من يدّعى الإعراض) فى جميع الصور وكذلك فى صورة السكوت؛ لأنه جعل الإيجاب أولى، (لأنه يجعل ذلك مؤثرًا في أصل الطلاق) أي يجعل الهزل مؤثرًا فى الطلاق من حيث إنه لا يقع كما فى البيع (وعندهما هو جائز) أي الخلع واقع ثابت، (ولا يفيد الاختلافُ) أي اختلاف الزوجين فى البناء والإعراض؛ لأن عندهما الهزل غير مؤثر فى باب الخلع أصلًا؛ لأنه غير مؤثر فى أصل الطلاق ولا فى البدل أيضًا ويجب المسمى إذا اتفقا على البناء. فكذلك إذا اختلفا بل بالطريق الأولى فلا يفيد اختلاف الزوجين؛ لآن لحكم فى حال اتفاق الزوجين على البناء أو على الإعراض أو عند اختلافهما سواء يعنى أن الخلع واقع والمالَ لازم فلا يفيد الاختلاف فكان الجواب فى هذا لفصل عند الكل واحدًا، لكن على اختلاف التخريج، فعند أبى حنيفة-رضى الله عنه-باعتبار المعنى الذى ذكرنا، وهو أنهما إذا اختلفا فى البناء والإعراض كان القول من يدّعى الإعراض، وعندهما باعتبار عدم تأثير الهزل فى الخلع أصلًا (لأنهما جعلا المال لازمًا بطريق التبعية) يعني أن

стр. 2247

الخلع واقع بالهزل؛ لآن الهزل لا يؤثر فيه عندما فيجب المال كله آيضا وإن كان الهزل يؤثر فى إيجاب المال كما فى البيع؛ لأنه ثبت المال هنا فى ضمن الخلع والعبرة للمتضمًن لا للمتضمًن كالوكالة الثابتة فى ضمن الرهن فلم يؤثر الهزل فى المال أيضًا لذلك فيجب جميع المسمى وإن كان إيجاب المال في بعضه بطريق الهزل. (يجب أن يتعلق الطلاق باختيارها) أي باختيار المرأة جميع المسمى فى الخلع جدّا، وهذا لأن الهزل لما كان مؤثرا فى الخلع عند أبى حنيفة-رضى الله عنه-لمَ يقع الطلاق فيما إذا اتفقا على البناء، فوجب ان يتعلق الطلاق باختيارها كلَ البدًل جدًا؛ لأنه بمنزلة خيار الشرط وفى خيار الشرط يتعلق باختيارها فكان الطلاق معلًقا بقبول كل البدل أو البدل ألفان فكان الخلع واقعًا على الأبفين. ما فى أحد الألفين فلا شك؛ لأنه جدّ فيتعلق به لا محالة وكذلك يتعلق بالألف الأخرى؛ لأنه بمنزلة خيار الشرط والمعلَّق بالشرط لا يوجد قبل وجود الشرط؛ (لأن الطلاق يتعلق بكل البدل)؛ لأن الطلاق يتعلق بما علّق به الزوج والزوج علق الطلاق بألفين وإن كان هازلين بأحدهما والمرأة ما قبلت بعضها جدًا لكونهما هازلين فى الألف فكون القبول واقعًا ببعض البدلَ لا بكله فلا يقع الطلاق كام إذا قال: أنت طالق بألفين فقبلت أحد الألفين. (وقد تعلق بعضه بالشرط) أي بعض البدل بالشرط وهو اختيارها فلا بد

стр. 2248

من وجوده لوقوع الطلاق؛ لأن الهزل من جانبها بمنزلة خيار الشرط ولا يقال بأن الألف فى هذا جدّ، وقد وُجد القبول فصار كأن الخلعَ واقع على الألف فيقع الطلاق؛ لأنا نقول: نعم كذلك. لكن الألف الأخرى معلق وجوبها والطلاق بالألفين حالة الخلع فتعلّق بهما جميعًا. غاية ما فى الباب أن النظر إلى الألف الجد يوجب وقوع الطلاق والنظر إلى الألف الأخرى لا يوجب فلا يجب بالشكَ، والفقه فيه ما ذكرنا قبل هذا وهو انه بمنزلة خيار الشرط والمعلَّق بالشرط عَدَمُ قًبْل وجود الشرط. (وعندهما كذلك لما قلنا) آى يقع الطلاق ويجب المال كله لما قلنا من أصلهما أن الهزل لا يؤثر فى الخلع فكذا فى بدله. (وأما إذا هزلا بأصل المال) أي بجنس المال بأن ذكرا فى العلانية أن بدل الخلع الدنانير (وغرضهما الدراهم فإن المسمى هو الواجب عندهما) أي عند أبي يوسف ومحمد-رحمهما الله- (في هذا بكل حال) أي سواء اتفقا على الإعراض أو البناء أو اختلفا أو اتفقا على أنه لم يحضُرهما شيء لما بينا

стр. 2249

أن الهزل لا يؤثر عندهما فى الخلع وفى بدله، فيقع الخلع ويجب المال بطريق التبعية للخلع، (وصار) أي وصار وجوب المال (كالذى لا يحتمل الفسخ بطريق التبعية) للخلع، وإن كان وجوب المال فى نفه مما يحتمل الفسخ. (وكذلك هذا فى نظائره) أي الحكم الذى بينا فى الخلع هو الحكم فى نظائره وهو الصلح عن دم العمد والعتق على المال. أطلق لفظ الجمع على الاثنين حيث لم يقل فى نَظيرَيه لقرب الاثنين من الجمع أو أراد بقوله: ((في نظائره)) إلحاق ما هو فى معناهما كالطلاق على مال وإن لم يذكره؛ لأن الطلاق على مال بمنزلة العتق على مال فجاز أن يُلحق بهما، فكانت هذه الثلاثة حينئذ نظائر الخلع. والدليل على صحة ما ذكرنا من أن الطلاق على مال ملحق بالعتاق على مال ما ذكره فى باب التلجئة من إكراه ((المبسوط)) فقال: ولو طلق امرأته على مال على وجه الهزل أو أعتق عبده على مال على وجه الهزل وقد تواضعنا قبل ذلك أنه هزل وقع الطلاق والعتاق ووجب المال، ثم قال: وهذا عندنا قول أبي يوسف ومحمد-رحمهما الله-.

стр. 2250

وأما عند أبي حنيفة-رضى الله عنه-يتوقف وقوع الطلاق والعتاق على وجود الإجازة بين المرأة والعبد إلى آخره. (فإن ذلك كالسكوت مختار) لما أنه لّما اشتغل بتسليم الشفعة هازلا صار ساكتًا عن طلب الشفعةَ والشفعةَ تبطل بالسكوت عن طلبها بعد العلم بالبيع فكان التسليم تسليمًا. وأما إذا كان تسليم الشفعة هازلًا بعد طلب المواثبة والإشهاد فبطل التسليم والشفعة باقية لما ذكرنا أن الهزل بمنزلة خيار الشرط أبدًا والتسليم من جنس ما يبطل بخيار الشرط، حتى إنه إذا قال سلّمت شفعتي على أني بالخيار ثلاثة أيام فإن التسليم باطل والشفعة باقية فكذا فى صورة الهزل، ولأن الشفعة لا تبطل بعد طلب المواثبة والإشهاد بصريح السكوت فكذا لا تبطل بدلالة السكوت ولا كذلك قبل طلب المواثبة. (وكذلك إبراء الغريم) أي أن ربٌ الدين إذا أبرأ غريمته هازلاٌ يبطل إبراؤه، وبقى الدين كما كان كما فر إبراء الغريم بشرط الخيار حيث لا يبرأ هناك فكذلك فى الهزل؛ لان الهزل بمنزلة خيار الشرط.

стр. 2251

(وأما القسم الثاني وهو الإقرار فإن الهزل يبطله) أي يبطل الإقرارَ (سواء كان إقرارًا بما يحتمل الفسخ) نحو الإقرار بالبيع والإجازة بأن تواضعا على أن يُقرّ عند الناس بالبيع ولكن لا يكون كذلك، (أو بما لا يحتمله) كالطلاق والعتاق بأن تواضعا على أن يقر عند الناس بالطلاق والعتاق وهو ليس كذلك فلا يثبت واحد منهما، فحصل من هذا أن الفرق ثابت بين الطلاق هازلًا وبين الإقرار بالطلاق هازلًا حيث وقع الطلاف فى الأول دون الثانى. فإن قلت: ما الفرق الموضح بين هذين الهزلين أي بين الهزل بالطلاق وبين الهزل بالإقرار بالطلاق حيث وقع الأول دون الثانى مع انهما يتحدان فى الحكم فى الحد فإن الطلاق كما يقع بالإنشاء كذلك يقع بالإقرار به فى الحد، ولأن الهزل إنما يؤثر فيما فيه خيار الشرط وخيار الشرط لا يؤثر فى الإقرار بالطلاق فيجب أن لا يؤثر الهزل فيه أيضًا لما أن الهزل إنما يؤثر فيما هو قابل للفسخ بعد الثبوت كما فى البيع والإجارةَ والطلاق الذي وقع بالإقرار بالجِد غير قابل للرفع والفسخ كالطلاق الذي وقع بالإنشاء. قلت: الفرق بينهما هو أن الواقع بالإنشاء كالشاء الذى ثبت بالآلة المحسوسة وبعد ما ثبت الشاء بالآلة لا يمكن أن لا يُجعل ثابتًا كالقطع الثابت

стр. 2252

بالسكين والإحراق الثابت بالنار لا يمكن أن يجعل غير مقطوع وغير مُحرَق وإن كان قطعه وإحراقه بطريق الإكراه والهزل، لِما أنه ثابت حسًا فلا يمكن ردٌّه ودفعه. وإما الطلاق الواقع بالإقرار فباعتبار أنه أقر طائعًا وهو إخبار، فكان خبره محمولًا على الصدق وهو الأصل فى خبر العاقل البالغ لا باعتبار أن إقراره بالطلاق موضوع لإيقاع الطلاق، فلذلك كان عند قران الشيء الدال على كذبه فى إقراره من الإكراه والهزل حُمل خبره على الكذب فلم يقع به الطلاق فكان وقوع الطلاق من إقراره بالطلاق لضرورة حمل إقراره على الصدق لا باعتبار أنه موضوع لإيقاع الطلاق بطريق الأصالة بخلاف إنشاء الطلاق بلفظ موضوع لعه فإنه لا يحتمل غير الإيقاع، فلذلك لم يتغّير حكمه بالإكراه والهزل. والدليل لى أن الإقرار غير موضوع لإيقاع الطلاق وإن كان إقراره بطريق الطوع ما ذَكر فى باب الإكراه ((المبسوط)) فى موضوعين فقال: لو أقر بالطلاق طائعًا وهو يعلم أنه كاذب فى ذلك فإنه يسعه إمساكُها فيما بينه وبين الله تعالى إلا أن القاضى لا يصدقه على ذلك؛ لانه مأمور بإتباع الظاهر والظاهر أن الإنسان لا يكذب فيما يلحق به الضرر، فإذا كان مكرَهًا وجب تصديقه فى ذلك لوجود الإكراه، فلهذا لا يقع به

стр. 2253

شيء من الطلاق والعتاق، وبهذا خرج الجواب عن خيار الشرط فإنه لا يؤثر فى الإقرار بالطلاق؛ لأن خيار الشرط إنما يؤثر فيما يُستقبَل من الأفعال التي وضَعت للإنشاء لا في الماضى والإقرار بالطلاق إخبار عن وقوع الطلاق فيما مضى من الزمان وخيار الشرط لا يعمل فى الماضى فبقى الإقرار طائعًا فيقع الطلا لما ذكرنا من حمل أمره على الصدق. وأما قوله: والطلاق الذى وقع بالإقرار فى الحد غير قابل للفسخ فلا يؤثر فيه الهزل. فقلنا: إنما لا يؤثر الهزل فيما إذا وقع الطلاق وأما قبل وقوع الطلاق بالإقرار بالطلاق فيمنع الهزلُ الإقرارَ بالطلاق عن وقوع الطلاق به فلا يرد قولك: ((إن الهزل ايؤثر فيما لا يقبل الفسخ والرد)). وقال فى ((المبسوط)) فى تعليل بطلان إقرار المكرَه بالطلاق والعتاق: لأن الإقرار خبر متميلّ بي الصدق والكذب، والإكراه الظاهر دليل على أنه كاذب فيما يَقرّ به قاصد إلى دفع شره عن نفسه والمخَبر عنه إذا كان كذبا فبالإخبار لا يصير صدقًا. ألا ترى أن فريةَ المفترين وكفر الكافرين لا يصير حقًا بأخبارهم،

стр. 2254

وقوله: فلذلك يبطل بالهزل بطلانًا لا يحتمل الإجازة؛ لأن الإجازة تعتمد وجود شيء موقوف سابق عليه وهاهنا الإقرار ما انعقد موجبًا شيئًا، وصار كبيع حر وهو لاينقلب إلى الصحة بالإجازة لأنه لم ينعقد موقوفّا حتى يحتمل الإجازة بخلاف إنشاء البيع والإجارة هازلًا أو مكرَهًا فإنه يبطل في الحال ولكن يحتمل الإجازة؛ لأن الانعقاد مبنى على الصحة التكلم بوجود أهلية المتكلم ومحل البيع والإجازة وهما موجودان فينعقد. (وأما القسم الثالث) وهو أن يدخل الهزل فيما يبتنى على الاعتقاد، (فإن الهزل بالردة كفر لا بما هزل به لكن بعين الهزل) أي الهزل بالردة كفر لا باعتبار حكم ما هزل به بل باعتبار عين الهزل، وهذا لأن الهازل بالشيء غير راض بحكم ذلك الشيء ولكنه راض بمباشرة ذلك الشيء نحو أن يقول هازلاً: الصنم إله مثلاً - نعوذ بالله من ذلك - فإنه يصير كافراً بهذا القول وإن كان هازلاً فيه لا بمعنى ما هزل به وهو اعتقاد الألوهية للصنم، لأنه غير معتقد لذلك ولكنه راض بالتلفظ به فيكفر لا ستخفافه بالدين الحق وأنه كفر قال الله تعالى: "وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ" فعلم أن

стр. 2255

استخفاف الدين الحق كفر. (فصار مرتدّا بعينه) أي بعين ما تلفظ من لفظ الكفر، (إلا أن أثرهما سواء) أي الكفر الحاصل بعين الهزل والكفر الحاصل بمعنى ما هزل به وهو اعتقاد الصنم إلهًا مًثًلًا سواء؛ لأن كلًا منهما ردة؛ وإنما قال هذا لجواب شبهة ترد على قوله: ((لكن بعين الهزل)) وهى أن يقال: إن الهازل غير راض بموجب هذا الكلام فينبغى أن لا يكفر كما فى المكَره حيث لا يكفَر بتلفّظ ما أُكره عليه من كلمة الكفر. فقال فى جوابها: إنما يكفر بعين الهزل لا بما هزل به؛ لان أثرهما سواء بخلاف المكَره على الردة؛ لأن الإكراه إنما يتحقق على إجراء كلمة الكفر على اللسان وهو غير راض بإجراء كلمة الكفر فلم يكفر لعدم الرضى لا للفظ ولا لموجبه بخلاف الهازل؛ لأنه راض بإجراء هذه الكلمة وإجراء هذه الكلمة بالرضا استخفاف بالدن الحق واسخفافه كفر لما ذكرنا من قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ الآية. ولا يقال إن الهازل لا يعتقد الكفر والكفر والإيمان من باب الاعتقاد فكيف يكفر من غير تبدل الاعتقاد من الإيمان إلى الكفر؛ لأنا نقول: قد تبدل اعتقاده من الإيمان إلى الكفر؛ لأن من الاعتقاد الواجب عليه أن لا يعتقد الاستخفاف بالله ولا يرضى به، ولما كان راضيًا بالتكلم بالكلام الذى يوجب

стр. 2256

الكفر قد بدّل اعتقاده من الإيمان إلى الكفر فيكفر. (بخلاف مسألتنا هذه) أي مسألتنا التى هى مسألة الهازل مخالفة لمسألة المكرَه حيث لا يكفر المكرَه بإجراء كلمة الكفر على لسانه ويكفُر الهازل به لما أن المكره غير راض لا بعين إجراء كلمة الكفر ولا بمعناه بخلاف الهازل فإنه راض بعين إجراء كلمة الكفر فيكفر. فأما الكافر إذا هزل بكلمة الإسلام وتبرأ عن دينه هازلًا يجب أن يُحكم بإيمانه؛ فإن المسلم لما كفر بإجراء كلمة الكفر هازلًا وجب أن يُحكم بإسلام الكافر بإجراء كلمة الإسلام على لسانه هازلًا بالطريق الأولى؛ لأن الإسلام يعلو ولا يُعلى. ألا ترى أن صورة الإكراه المكرَه غير محكوم بكفره إذا أجرى على لسانه كلمة الكفر مكرَهّا ويُحكم بإسلام الكافر إذا أجرى كلمة الإسلاك على لسانه مكرَها باعتبار ما قلنا بان الإسلام يعلو ولايعلى ترجيحًا لجانب الإسلام مهما أمكن لوجود أحد ركنى الإسلام، وهاهنا أولى أن يكون مسلمًا؛ لأن المسلم في ضذّه يكون كافرًا.

стр. 2257

السفه خفة تعتري الفاعل فتبعثه على العمل بخلاف موجب العقل، وأراد بالذي ذكر في معنى السفه السفه المصطلح بين الفقهاء لا السفه الحقيقي. (بخلاف موجب الشرع من وجه) وإنما قال من وجه لأن السفه المفسر بالتبذير وهو الإسراف في التصرف في ماله ليس بعمل مخالف للشرع من كل وجه؛ لأنه تصرف في ملك نفسه والملك عبارة عن المطلق الحاجز، فكان المالك مطلقا تصرفه كيف شاء ولكن فيه صفة التبذير فكان سفيها. (وإن كان أصله مشروعا) أي وإن كان أصل فعل السفه المصطلح بين الفقهاء وهو التبذير في صرفه ماله إلى من يستحق الصرف إليه وإلى من لا يستحق الصرف إليه مشروعًا؛ لأن ذلك يدل على فرط الجود وهو مشروع،

стр. 2258

وهو أيضًا تصرف في ماله نفسه كسف شاء وهو مشروع، والإسراف: مجاوزة الحد، وكلا طرفي الأمور ذميم، وخير الأمور أوساطها. وقيل بالفارسية: اكر احتياط مبالغت كني در وسوسه افتى، ثم إضافة الأموال إلى المخاطبين في (قوله تعالى: (وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ) باعتبار وصله الولاية والقيام والمحافظة للأموال لا الملك، وفي قوله: (فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ)) هذه الإضافة للملك، فإن هذه الأموال مملوكة لليتامى لا للأولياء، إلا إضافة الشيء إلى الشيء تجوز بأدنى وصلة وملابسة بينهما، كما يصح أن يقال لمن يقرب من طرف الخشبة: خذ طرفك وإن لم يكن الطرف ملكا له باعتبار وصلة القرب منه، ومنه قوله تعالى: (لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ) والبيوت للأزواج لكنها كانت في أيدي النساء بالسكني فأضيفت إليهن.

стр. 2259

(الخبرة): الامتحان. (حدث ضرب من الرشد) لاستيفاء مدة التجربة وهي مدة خمس وعشرين سنة، فإن هذه المدة مدة استيفاء التجربة وانتهاء آثار الصبا، فإن هذه مدة تصلح لأن يكون الإنسان فيها جدًا فحينئذ يصير فرعه واليًا، فمحال أن يكون هو موصوفًا بأوصاف الصبا ويكون هو محجورًا عليه بعده مع وجود عقله. (إما عقوبة) زجرًا له عن فعله الحرام ومنعًا له عن ذلك، (وإما حكم لا يعقل معناه)؛ لأن منع المال عن مالكه لا يعقل؛ لأن الملك عبارة عن المطلق الحاجر على ما مر فعكس الأمر في حقه وهو أن يحجز المالك عن التصرف في ملكه ويطلق غيره بالتصرف فيه من غير رضا مالكه حكم لا يعقل معناه.

стр. 2260

(فيتعلق بعين النص)؛ لأن الحكم الذي هو للعقوبة أو الحكم الذي هو غير معقول المعنى لا يمكن تعديته. وقوله: (فإذا دخله شبهة) يتعلق بقوله: (وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ) أي دخله شبهة في بقاء السفه. وقوله: (أو صار الشرط في حكم الوجود) يتعلق بقوله: (فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا) أي صار إيناس الرشد المنكر في حكم الوجود (وجب جزاؤه) وهو الدفع؛ لأن ذلك جزاء الشرط وهو قوله تعالى: (فَادْفَعُوا). (واختلفوا في وجوب النظر للسفيه فقال أبو حنيفة- ﵁) لا يجوز الحجر عليه عن التصرفات بسبب السفه، وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي- ﵏ يجوز الحجر عليه بهذا السبب عن التصرفات المحتملة للفسخ. إلا أن أبا يوسف ومحمدًا- رحمهما الله- قالا: إن الحجر عليه على سبيل النظر له، وقال الشافعي: على سبيل الزجر والعقوبة عليه، ويتبين هذا الخلاف بينهم فيما إذا كان مفسدًا في دينه مصلحًا في ماله كالفاسق، فعند

стр. 2261

الشافعي يحجر عليه بهذا النوع من الفساد بطريقة العقوبة والزجر، ولهذا يجعل الفاسق أهلًا للولاية وعندهما لا يحجر عليه. كذا في " المبسوط". (بل كان مؤكدًا) أي بل كان الخطاب مؤكدًا ولازمًا بسبب التقصير في حقوق الله تعالى، مجانة وسفهًا لا أن يكون الخطاب ساقطًا عنه؛ لأن الترك موجب العقل، والشرع بعد وجود العقل زيادة تأكيد في لزوم الخطاب لا سقوط الخطاب. ألا ترى إلى قوله ﵇: "ويل للجاهل مرة وللعالم سبعين مرة" (وقد يحبس عقوبة) أي في حقوق العباد كما إذا مطل ديون أرباب الديون. (النظر واجب حقًا للمسلمين) أي الحجر للسفيه عن التصرفات واجب حقًا للنظر والمرحمة لأجل المسلمين؛ لأنه ربما يكون للمسلمين على السفيه ديون فلو لم يحجر عن التصرفات يتلف ماله ويضر بالمسلمين الذين هم أرباب

стр. 2262

الديون. (وحقًا له دينه) أي النظر واجب للسفيه لأجل دينه الإسلام؛ لأنه لو لم يحجر عسى أن يتلف ماله لنفسه شيئًا ينفقه على نفسه، ثم الحجر عندهما عن التصرفات إنما هو عن التصرفات التي هي قابلة للفسخ كالبيع والإجارة. وأما عن التصرفات التي لا تقبل الفسخ كالطلاق والعتاق فلا يتحجر عنها بالاتفاق؛ لأن السفيه في معنى الهازل فلذلك يؤثر الحجر عليه فيما يؤثر فيه الهزل وما لا فلا. وقوله: (لا لسفهه) جواب عما قال أبو حنيفة- ﵁ بقوله: " لما كان السفه مكابرة وتركا إلى قوله: لم يحجز أن يكون سببًا للنظر". (وقاساه بمنع المال) أي وقاس أبو يوسف ومحمد- رحمهما الله- حجر السفيه عن التصرفات على منع ماله عنه إذا بلغ سفيهًا. (أن العفو عن صاحب الكبيرة حسن في الدنيا)، فإن العفو عمن

стр. 2263

وجب عليه القصاص حسن، قال الله تعالى: (وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) وقال تعالى: (ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ) ولم يخرجه بكبيرته عن استهال المرحمة في الدنيا، وهذا لأنه وإن كان مرتكبًا للكبيرة فكيمياء الإيمان معه، وخاصية الكيمياء هي ا، تجعل الصفر ذهبًا، فكذلك الإيمان يجعل غيره طاعة، وإليه وقعت الإشارة في قوله تعالى (فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ). (وأما في الآخرة) فإن الكبيرة سوى الكفر جائز المغفرة، فكان العفو عن صاحب الكبيرة في الآخرة حسنا أيضًا. وقوله (النظر من هذا الوجه جائز لا واجب) جواب عن قولهما. يعني أن ما ذكرتم لا يدل على أن النظر واجب، بل يدل على أنه جائز حسن كما في حق صاحب الكبيرة فلم قلتم أنه واجب؟ ثم قوله: (وإنما يحسن إذا لم يتضمن ضررًا فوقه) جواب لما يرد شبهة على ذلك الجواب الذي أجاب به.

стр. 2264

أبو حنيفة- ﵁ عن قولهما بقوله: "النظر من هذا الوجه جائز لا واجب" بأن يقال: لما دل هذا على الجواز فلم لم تقل أنت في هذا بجواز الحجر على السفيه؟ فقال أبو حنيفة- ﵀ في جوابه: وإنما يجوز ويحسن إذا لم يتضمن ضرر الحجر ضررًا يفوق ذلك الضرر على الضرر الذي يلزم عند ترك الحجر وهاهنا كذلك، فإن الحجر يلزم أن يكون كلام الرجل المنطيق ملحقًا في اللغو بالنعيق. وذات الإنسان الصائم القائم مشبهًا بالبهائم في سلب ولايته وبطلان تصرفاته وولاية غيره عليه، وتحمل الضرر الأدنى يجوز أن يكون حسنًا بمقابلة حصول نفع يماثل ذلك الضرر، فصار كأنه لم يتضرر لمعادلة الضرر بالنفع كما في التجارات التي لا ربح فيها ولا خسران لما أن ضرر زوال العين ينجبر بحصول نفع ثمن يعادله في القيمة فصار كأنه لم يتضرر بزوال العين. وأما إذا زال العين عنه بمقابلة حصول نفع لا يماثل عشر قيمته فلا يرضى به عاقل، وروى في قصة معاوية- ﵁ أنه دخل عليه أعرابي يومًا

стр. 2265

فقال لمعاوية: أمك كانت عظيمة الكفل، فحلم معاوية عنه، فقال: لأجل ذلك كان يحبها أبي، فخرج الأعرابي من عنده فرأى ابنه يزيد فقال: كانت جدتك عظيمة الكفل فضربه يزيد بالصيف وقتله، فسمع معاوية ذلك فقال: قتله حلمي فلو أن معاوية أدبه على ذلك لما فعل به يزيد ما فعله، أوردوا هذه القصة في هذا المقام لبيان تحمل ضرر التأديب الذي هو الأدنى من الأعرابي كان حسنا بمقابلة حصول نفع الحياة الذي يفوق على ذلك الضرر، وأما عند غلبة الضرر على النفع فلا. (واللسان والأهلية نعمة أصلية) لما أن الإنسان إنما باين سائر الحيوان بالبيان، قال الله تعالى: [الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الإِنسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ] من الله تعالى على الإنسان بعد خلقه وإيجاده بتعليم البيان.

стр. 2266

فعلم بهذا أن نعمة بعد الوجود لم تكن تساوي نعمة البيان في حق الإنسان، ففي حجر السفينة عن التصرفات على وجه لا اعتبار لكلامه أصلا كان فيه تفويت لأعلى النعم كلها فلا يكون ذلك من النظر له بل هو أقوى الإضرار به، فكان تدبير النظر له بهذا الطريق عائدًا على موضوعه بالنقض. (فيبطل القياس)؛ لأن من شرط صحة القياس أن يكون الفرع نظيرا للأصل (لإبطال أعلى النعمتين) وهو نعمة اللسان (باعتبار أدناهما) وهو نعمة اليد فهو لا يصح. كما إذا أكره على شرب الخمر بالقتل يلزم عليه شرب الخمر لأن في شرب الخمر إزالة جزئه وهو العقل وفي الامتناع عنه إزالة كله بالقتل وهو النفس فلا يباح اختيار إزالة النفس باعتبار إبقاء جزئها. (وقال: بهذه الأمور صارت حقا للعبد رفقا به) أي صحة العبارة واليد واللسان تثبت رفقا يصاحبها، (فإذا أدى إلى الضرر وجب الرد) لئلا يصير الرفق عائدا على موضوعه بالنقض؛ لأن هذه النعم تثبت لنفع صاحبها فإّذا صار اعتبارها ضررا لا يبقى الانتفاع بهذه النعم، فالعقل نعمة عظيمة فإذا لم يتأمل صاحب العقل بعقله في آيات الله تعالى حتى استحق به العقاب صار وجود العقل ضررا له. ألا ترى أن المجنون لا يعاقب باعتبار عدم العقل والعاقل يعاقب باعتبار

стр. 2267

وجود العقل عند ترك التأمل، فكذلك نفع البصر والسمع، فإن البصير والسميع لما لم بهما كان وجودهما أضر من عدمهما، فلذلك كان الكفار أضل من الأنعام، قال الله تعالى: [أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ] (وهذا قياس ما روى عن أبي يوسف- ﵀ أي حجر السفينة عن التصرف في ملكه لدفع المسلمين نظير ما روى عن أبي يوسف في أن صاحب الملك يمنع عن التصرف في ملكه لتأذي جاره. وذكر في "التتمة" وعن أبي يوسف- ﵀ من اتخذ داره حماما فتأذى الجيران من دخانه فلعم منعه إلا أن يكون دخان الحمام مثل دخان الجيران. (وإنما يجب أن ينظر إلى ما فيه نظر له أبدًا فلا يلحق بالصبي) إلى أخره. يعني لما كان حجر السفيه عندهما لأجل النظر له لدينه أو للمسلمين يجب علينا أن ننظر في أي موضع من المواضع المجمع عليها من مسائل الصبي

стр. 2268

والمريض والمكره يتحقق النظر له عند إلحاقه به يلحق به، فلا يقتصر بالإلحاق بالصبي لا غير ولا بالمريض لا غير ولا بالمكره لا غير بل في أي موضع يتيسر النظر له فيلحق هو ربه. وذكر بيان إلحاق المحجور علي بسبب السفه بهذه المواضع من المسائل في حجر"المبسوط". أما إلحاقه بالمريض فهو أن السفيه البالغ المحجور عليه إذا تزوج امرأة جاز نكاحه وينظر إلى ما تزوجها عليه وإلى مهر مثلها فيلزمه أقلهما ويبطل الفضل عن مهر مثلها أو ما سمي، وهو في ذلك كالمريض المديون فإن التزوج من حوائجه، وكذلك لو جاءت جاريته بولد فادعاه ثبت نسبه منه وكان الولد حرا لا سبيل عليه والجارية أم ولد له، فإن مات كانت حرة لا سبيل عليها لأحد؛ لأن توفير النظر في إلحاقه بالرشيد في حكم الاستيلاء فإنه محتاج إلى ذلك لإبقاء نسله وصيانة مائه. ويلحق في هذا الحكم أيضا بالمريض المديون إذا ادعى نسب ولد جاريته. وأما إلحاقه بالمكره فهو أن المحجور عليه بسبب السفه إذا اشترى ابنه وهو معروف وقبضه كان شراؤه فاسدا ويعتق الغلام حين قبضه، ويجعل في هذا الحكم بمنزلة شراء المكره فيثبت له الملك بالقبض ويعتق عليه؛ ويجعل في هذا الحكم بمنزلة شراء المكره فيثبت له الملك بالقبض ويعتق عليه؛ لأنه الملك ابنه ثم يسعى في قيمته للبائع.

стр. 2269

وأما إلحاقه بالصبي ففي هذه الصورة أنه ليس للبائع في مال المشتري شيء من ذلك؛ لأنه وإن ملكه بالقبض فالتزام الثمن أو القيمة بالعقد منه غير صحيح لما في ذلك من الضرر عليه، وهو في هذا الحكم ملحق بالصبي، وإذا لم يجب على المحجور شيء لا يسلم له أيضا شيء من سعايته فتكون السعاية الواجبة على العبد للبائع، وهذا الذي ذكرته هو ما أحال به على "المبسوط" في قوله (على ما هو مذكور في "المبسوط"). وقوله: (عندهما) ظرف لقوله: "أنواع" أي تنويع الحجر على هذه الأنواع الثلاثة إنما هو عندهما لا عند أبي حنيفة- ﵀ فإن عنده لا حجر أصلا على الحر العاقل البالغ فلا يتأتي التنويع. وذكر في حجر "المبسوط" قال أبو حنيفة- ﵁ الحجر على الحر باطل. ومراد إذا بلغ عاقلا، وحكي عنه أنه كان يقول: لا يجوز الحجر إلا على ثلاثة: على المفتي الماجن، وعلى المتطبب الجاهل، وعلى المكاري المفلس لما فيع من الضرر إذا لم يحجر عليهم. فالمفتي الماجن يفسد على الناس دينهم، والمتطبب الجاهل يفسد أبدانهم، والمكاري المفلس يتلف أموالهم فيمنعون من ذلك دفعا للضرر. ثم الاختلاف بين العلماء وراء هذا في فصلين؛ أحدهما: الحجر على السفيه المبذر والأخر الحجر على المديون بسبب الدين- وذكر تفسير الحجر

стр. 2270

على السفيه بأحكامه إلى أن قال- ثم بلغ سفيها عند محمد- ﵀ يكون محجورا عليه بدون حجر القاضي. وقال أبو يوسف- ﵀ لا يصير محجورا عليه ما لم يحجر عليه القاضي، وكذلك لو بلغ رشيدًا ثم صار سفيها فمحمد- ﵀ يقول: قد قامت بدلالة لنا على أن السفه في ثبوت الحجر به نظير الجنون والعته والحجر يثبت بنفسهما هناك من غير حاجة إلى قضاء القاضي فكذلك السفه، وأبو يوسف- ﵀ يقول الحجر على السفيه لمعنى النظر له، وهو متردد بين النظر والضرر، ففي إبقاء الملك له نظر وفي إهدار قوله ضرر وبمثل هذا لا يترجح أحد الجانبين منه إلا بقضاء القاضي. ولأن الحجر بهذا السبب مختلف فيه بين العلماء فلا يثبت إلا بقضاء القاضي كالحجر بسبب الدين، ثم قال: والكلام في الحجر بسبب الدين في موضعين: أحدهما- أن من ركبته الديون إذا خيف أن يلجئ ماله بطريق الإقرار فطلب الغرماء من القاضي أن يحجر عليه عند أبي حنيفة- ﵁ لا يحجر عليه القاضي وعندهما يحجر عليه، وبعد الحجر لا ينفذ تصرفه في المال الذي كان في يده عند الحجر وينفذ تصرفاته فيما يكتسب من المال بعده وفي هذا الحجر نظر للمسلمين. فإذا جاز عندهما الحجر عليه بطريق النظر له فكذلك يحجر عليه لأجل النظر للمسلمين، وعند أبي حنيفة- ﵁ كما لا يحجر على المديون

стр. 2271

نظرًا له فكذلك لا يحجر عليه نظرا للغرماء لما في الحيلولة بينه وبين التصرف في ماله من الضرر عليه. وإنما يجوز النظر لغرمائه بطريق لا يكون فيه إلحاق الضرر إلا بقدر ما ورد الشر عبه وهو الحبس في الدين لأجل ظلمه الذي تحقق بالامتناع من قضاء الدين مع تمكنه منه، وخوف التلجئة ظلم موهوم منه فلا يجعل كالمتحقق، ثم الضرر في إهدار قوله فوق الضرر في حبسه ولا يستدل بثبوت الأدنى على ثبوت الأعلى. ثم هذا الحجر عندهما لا يثبت إلا بقضاء القاضي، ومحمد- ﵀ يفرق بين هذا وبين الأول فيقول: الحجر هنا لأجل النظر للغرماء فيتوقف على طلبهم، وذلك لا يتم إلا بقضاء القاضي والحجر على السفيه لأجل النظر له- وكونه سفيها لا يتوقف على طلب أحد فيثبت حكمه بدون القضاء لذلك-. والفصل الثاني- أنه لا يباع على المديون ماله في قول أبي حنيفة- ﵁ العروض والعقار في ذلك سواء، وقال أبو يوسف ومحمد- رحمهما الله- يبيع عليه ماله فيقضي دينه إلى أخره. (حجر بسبب السفه مطلقا) أي سواء سفه بعد أن بلغ رشيدًا أو بلغ سفيهاً.

стр. 2272

(لكنه بمنزلة العضل) من الأولياء معناه أن للولي أن يمنع الحرة العاقلة البالغة من التزوج ليحصل التزوج برأي الولي، ولئلا تقع المرأة تحت غير كفء، ولئلا تنسب إلى الوقاحة بمباشرة النكاح بنفسها بدون رأي الولي، فلهذا ملك الأولياء عضلهن ندبًا لا حتمًا عند أبي حنيفة- ﵁، وعند محمد- ﵀ حتما، وكذلك عند أبي يوسف- ﵀ في رواية عنه حتى يتوقف نكاحها بدون الولي إلى إجازة الولي. ووجه الاتصال بمسألة السفيه أن شرعية العضل إنما كانت نظرًا للأولياء وللمرأة لا أنها تصير موليًا عليها في الحقيقة، فكذلك الحجر ثبت في حق السفيه نظرًا له؛ لا أن السفه يوجب النظر في الحقيقة، وقيل لقوله: "بمنزلة العضل" معنى أخر وهو أن المديون في امتناعه عن أداء الديون بمنزلة عضل

стр. 2273

الولي وهو امتناع الولي عن تزويج وليته عند مخاطبة الكفء الخاطب، فإن القاضي يقوم مقامه ويزوج وليته وينحجر الولي عن العضل، وهذا قول قيل فيه، لكن لفظ الكتاب لا يساعده؛ لأنه لو كان معناه هذا لقيل لكنه بمنزلة عضل الأولياء، ولكنه لما قال: بمنزلة العضل من الأولياء، علم أن المعنى هو الأول، ولأن في تعليل "الأسرار" إشارة إلى المعنى الأول. وحاصل ذلك أن من امتنع عن إيفاء حق مستحق عليه وهو مما لا تجري فيه النيابة ناب القاضي في منابه. كالذمي إذا أسلم عبده فأبى أن يبيعه باعه القاضي عليه لهذا، والعنين بعد مضي المدة إذا أبي أن بفارقها ناب القاضي منابه في التفريق بينهما.

стр. 2274

["السفر"] (لكنه من أسباب التخفيف بنفسه مطلقا) أي سواء كان فيه المشقة أو لم تكن، حتى إن السلطان إذا تنزه من بستان إلى بستان في سفره فإنه يترخص برخص المسافرين باعتبار وجود نفس السفر من غير توقف إلى وجود نفس المشقة، أي من غير توقف إلى وجود المشقة القوية إذ هو عبارة عن الخروج المديد فكان فيه تحرك ممتد، ونفس التحرك أشق على النفس من السكون في مكانه واحد خصوصًا ما إذا كان ممتدًا، فلذلك قال في الكتاب (لأنه من أسباب المشقة لا محالة).

стр. 2275

وقوله: (لأنه متنوع على ما قلنا) أي في باب تقسيم المأمور به بقوله: "وأما المريض فالصحيح عندنا فيه أن يقع صومه بكل حال عن الفرض" إلى أخره. (ولنا على ما قلنا دليلا ظاهران ودليلان خفيان) وإنما سمي الأولين من الدليل ظاهرين؛ لأن أحدهما (حديثة عائشة- ﵂) وهو نص ظاهر. والثاني قياس على النوافل بدليل ظاهر.

стр. 2276

وسمى الآخرين من الدليل خفين لدقتهما في نفسهما لا يدركان إلا بزيادة التأمل، وهذا لأن ما ثبت بطريقة الرخصة لا يبطل الحكم المشروع بطريقة العزيمة كما في صوم المسافر على ما ذكره الشافعي وهو الظاهر، ثم مع ذلك كان القول ببطلان حكم العزيمة قولا مخالفا للدليل الظاهر فكان خفيا، وكذلك القول بنفس المشيئة المطلقة والاختيار الكامل للعباد مع أن الله تعالى خلقهم مختارين وشائين، إذ بدون الاختيار يلزم الجبر والجبر باطل كان قولًا مخالفًا للدليل الظاهر فكان خفيًا. (وحق الصلاة علينا حق لا يتحمل التمليك) فكان إسقاطًا محضًا فكان من قبيل الطلاق والعتاق والعفو عن القصاص لا من قبيل الإبراء وتمليك

стр. 2277

الأمر باليد ولله تعالى الاختيار المطلق، قال الله تعالى: [وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ]، مدح ذاته بالمشيئة المطلقة فلا يكون ذلك لغيره ثابتًا لو ثبت له الاختيار بين القصر والإكمال لكان ذلك اختيارا في وضع الشرع، ولا يرد علة هذا كون العبد مختارا في الأقل والأكثر من التطوعات كما في صلاة الضحى فإنه مخير بين أن يصليها ركعتين وبين أن يصليها أربعا أو أكثر، ولم يقل فيه أحد بأنه لا يجوز؛ لأن ذلك يؤدي إلى الاختيار في وضع الشرع. قلنا: إن ذلك في التطوعات وما نحن بصدده في الفرائض، فإن الاختيار في أصل التطوعات ثابت، فإن كل إنسان مختار في أن يفعلها وأن لا يفعلها، فأولى أن يثبت الاختيار في قدرها ولا يرد أيضا على هذا قول تعالى: [اعْمَلُوا مَا شيءتُمْ] لأن تلك المشيئة ليست على حقيقتها التي توجب الإطلاق. وكذلك الأمر بالعمل بها ليس على حقيقته؛ لأن المشيئة الصادرة من الشارع إذا كانت على حقيقتها كانت عبارة عن الإذن والإباحة بفعل ما يشاء وكذلك الأمر إذا كان على حقيقته كان أول درجاته الإباحة، وليس في فعل

стр. 2278

الكفر والمعاصي الإباحة، بل هو أمر تهديد وتوبيخ فكان ذلك من قبيل قوله تعالى: [فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ] وقد ذكرناه. (وكذلك المكاتب في جناياته) فإن المكاتب إذا جني موجبة للمال كانت جنايته عليه يجب الأقل من قيمته ومن الأرش، هكذا ذكر في "فتاوى قاضي خان". (ولا رفق في اختيار الكثير على القليل) بل الرفق متعين في اختيار القليل، (والجنس واحد) أي من حيث المال.

стр. 2279

(فما الثواب إلا في حسن الطاعة لا في الطول والقصر) قال النبي ﵇: "ركعتان من متق خير من ألف ركعة من مخلط" فرب درهم يكون له ثواب عشرة ورب درهم يكون له ثواب سبعمائة ويكون ضعفه أيضًا. فعلم أن الثواب في حسن الطاعة لا يصلح بناؤه على حكم الآخرة وهو الثواب. (وإنما ثبت هذا الحكم) أي حكم الرخصة (إذا اتصل بسبب الوجوب)

стр. 2280

وهو وقت الأداء (وإذا لم يتصل به فلا) أي وإذا لم يتصل السفر بوجوب الأداء فلا يثبت هذا الحكم وهو سقوط الركعتين في قضائه. (ولما كان السفر من الأمور المختارة) احترز بهذا القيد عن المرض فإنه ليس من الأمور المختارة، فلذلك تفاوتا في الحكم، (ولم يكن موجبا ضرورة لازمة) يعني أن السفر موجب لكن يتعلق باختياره فلم يكن موجبا على وجه لا يمكن دفعه؛ لأن في وسعه الامتناع عن السفر فيكون في وسعه الامتناع عن حكمه بواسطة الامتناع عن سببه فلم يكن حكمه من الأمور اللازمة بهذا الطريق، وظهر أثر هذا الفرق في الأحكام المذكورة التي بنيت عليهما أي على السفر والمرض. (بخلاف المريض إذا تكلف) إلى قوله (لأنه سبب ضروري) يعني أن المرض سبب ضروري على وجه لا يمكن دفعه لكونه سماويا فكان ضرورة لازمة وأثره يظهر فيما ذكر من الفروع. (وهذا موضوع لها) أي السفر موضوع للمشقة لكن العبد فيه مختار.
следующие страницы →