Полный текст (2 351 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
(ومثل قوله ﵇ ((ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" نسخ بقوله ﵇ "ما سقته السماء ففيه العشر").
فإن قلت: لا نسلم أن أبا حنيفة- ﵁ يقول بينهما بطريق التناسخ بل يحمل كل واحد من الحديثين على محل على حدة. وقال في "المبسوط" ويقول أبو حنيفة- ﵀ تأويل قوله ﵇ "ليس فيما دون خمسة أوسق زكاة" التجارة، فإنهم كانوا يتبايعون بالأوساق كما ورد به
стр. 527
الحديث.
وقيمة خمسة أوسق مائتا درهم، فحينئذ لم يكن قوله ﵇: "ما سقته السماء ففيه العشر" ناسخًا لذلك الحديث، فلا تتم الحجة لمن تمسك بهذا في أن العام ينسخ الخاص.
قلت: قد يكون للكتاب والسنة وجوه من التخريج والحمل، فنقول: يحتمل أن يكون هذا على طريق النسخ، فعلى ذلك الوجه يكون حجة لمن تمسك به، ومثل هذا كثير في التمسكات كما ذكر في "شرح التأويلات" في قوله تعالى:﴾ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَه وَأَنصِتُوا ﴿أختلف أهل التفسير في سبب نزول الآية، فقال بعضهم: كان الكفرة يقولون﴾ لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ ﴿، فأمر الله للمؤمنين بالاستماع إليه مكان قولهم﴾ لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ ﴿، وبه قال مقاتل.
стр. 528
وقال بعضهم: فإن نزولها في حق الخطبة.
وقال بعضهم: فإنه في حق الصلاة.
قال الشيخ- ﵀ فعلى تقدير نزولها في حق الصلاة كان فيها دلالة على النهي عن القراءة خلف الإمام؛ لأنه أمر بالاستماع والإنصات له، فكان هو حجة لنا على الخصوم.
(فيمن أوصى بخاتمه لإنسان ثم بالفص منه لآخر بكلام مفصول) قيد بالمفصول؛ لأنه إذا كان هذا في كلام موصول كانت الحلقة للأول والفص للثاني من غير اشتراك فيه بالإجماع.
وأما إذا كان في كلام مفصول قال هاهنا مطلقًا إن (الفص بينهما)، وذكر بعد هذا (وهذا قولهم جميعًا).
وذكر في "زيادات العتابي" و"قاضي خان" و "الهداية" أن هذا قول
стр. 529
محمد- ﵀ وكأنه لم يعتبر خلاف أبي يوسف.
وذكر في "المنظومة" في باب اختلاف الآخرين:
فالفص للثاني ولم يستهما.
стр. 530
فعلم بهذا أن على قول محمد يستهمان.
فإن قلت: كيف يصلح هذا نظيرًا للعام، والعام هو ما كان أفراده متفقة الحدود، وليست حلقة الخاتم مع فصها متحدين في الحدود، وليستا بأفراد بل فردان، فكيف يصلح نظيرًا للعام؟
قلت: سنذكر جواب هذا وما يلحقه في باب البيان إن شاء الله تعالى.
(ولولا إستواؤهما وقيام المعارضة بينهما لما وجب الترجيح بدلالة العقد)؛ لأن الترجيح يعتمد المساواة إذ لا ترجيح عند عدم المساواة، بل يعمل بالأقوى دون الأدنى؛ لأنه لا يقاومه ولا يساويه حتى يقال: إن الدينار راجح على الدانق؛ لأنه لا مساواة بينهما أصلًا بوجه من الوجوه.
стр. 531
(والقاضي الشهيد) هو الحاكم المرزوي- ﵀
(أن المذهب عندنا ما قلنا)، وهو قوله في أول الباب: العام عندنا يوجب الحكم فيما يتناوله قطعًا ويقينًا".
وقوله: (لأن الناسي في معنى الذاكر). هذا جواب إشكال بأن يقال: لا نسلم أن قوله تعالى:﴾ وَلا تَاكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُا للَّهِ عَلَيْهِ ﴿من العام الذي لم يثبت خصوصه بل ثبت خصوصه، فإن الناسي مخصوص عنه بالإجماع بيننا وبينكم، فيخص الباقي بخبر الواحد أو القياس في حق العامد أيضًا.
стр. 532
فأجاب عنه بهذا وقال: لم يخص منه الناسي؛ لأن الناسي بسبب عذره جعل ذاكرًا لقيام ملته مقام التسمية تخفيفًا عليه بسبب عذر النسيان، وأما العامد فليس به عذر، فلا يستحق التخفيف بإقامة الملة مقام التسمية.
فإن قلت: التسمية شرط لحل الذبيحة وما كان شرطًًا لا يسقط لا بعذر النسيان ولا بغيره كالطهارة في الصلاة.
قلت: هاهنا أيضًا لم يسقط حيث أقيمت الملة مقامها كما أقيم التيمم هناك مقام الوضوء، والشيء إذا فات ببدل لا يكون فائتًا من كل وجه.
(فلا يجوز تخصيصه بالقياس) أي بالقياس على الناسي وعدم جواز القياس هاهنا بوجهين:
أحدهما- أن هذا عام لم يخص منه شيء بالدليل القطعي، فلا يجوز تخصيصه لذلك ابتداء بالقياس.
وثانيهما- أن العامد ليس بنظير للناسي؛ لأن الناسي معذور والعامد لا، فلو أستحق الناسي التخفيف بسبب عذره لا يلزم أن يكون العامد مستحقًا له؛ لأنه غير معذور.
(وخبسر الواحد) وهو ما روي عن عائشة- ﵂ قالت: "قال
стр. 533
رسول الله ﷺ حين قالوا: يا رسول الله إن هنا أقوامًا حديث عهدهم بشرك يأتوننا بلحمان لا ندري أيذكرون اسم الله عليها أم لا؟ قال: "أذكروا أنتم اسم الله، وكلوا" كذا في "المصابيح".
(ولا يصح تخصيصه بالآحاد)، منها ما روي عن أنس بن مالك- ﵁ أن النبي ﵇ دخل مكة يوم الفتح، وعلى رأسه
стр. 534
المغفر، فلما نزعه جاء رجل، وقال: إن ابن خطل متعلق بأستار الكعبة، فقال: "اقتله"هذا أيضًا في المصابيح، (والقياس) وهو أن يقول: لو قتل في الحرم اقتص في الحرم، وكذلك إذا قتل خارجًا ثم التجأ إليه قياسًا على سائر الأمكنة.
(وقال الشافعي- ﵀ العام يوجب الحكم لا على اليقين) ولما
стр. 535
كان كذلك كان هو نظير القياس وخبر الواحد، فصح تخصيصه بهما.
(وعلى هذا) دل مسائله منها: هاتان المسألتان ذكرناهما في متروك التسمية عامدًا، وفي الملتجئ إلى الحرم مع ورود عام فيهما لم يخص شيء منهما بدليل قطعي، وهو خصصهما القياس والخبر الواحد، وكذلك قال بفرضية تعديل الأركان بخبر الواحد.
وقال بفرضية الوضوء في الطواف في البيت بخبر الواحد، وهو قوله ﵇ «الطواف صلاة».
وقال بفرضية تعيين الفاتحة في الصلاة لتخصيص عموم قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ بخبر الواحد، وهو قوله ﵇ "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب".
(وقال بعض الفقهاء: الوقف واجب في كل عام) إلى آخره.
وثمرة الاختلاف في الأقوال تظهر أيضا فين قال: لفلان على دراهم، فمن قال بالوقف في العام قال: لا يلزمه ثلاثة دراهم، بل يجب الاستفسار.
стр. 536
كما في قوله: لفلان على شيء.
وعند من قال بأخص الخصوص يجب ثلاثة دراهم.
وعندنا يجب ثلاثة دراهم أيضًا لأن موجب العموم هذا؛ لأن الكل من الدراهم غير المراد هاهنا؛ لأن وجوب جميع الدراهم مستحيل في العادة، فيصار إلى ما هو متيقن في صيغة الجمع وهو الثلاثة، فاتفق الجواب واختلف التخريج لاختلاف أعداد الجمع كالثلاثة والأربعة والخمسة وغيرها.
(لا يؤكد بمثله) أي بمثل ما يؤكد به العام. (لا جميعه) يعني لا يقال زيد جميعه.
﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ أي قال للصحابة نعيم بن مسعود الأشجعي: إن أبا سفيان وأهل مكة جمعوا العسكر.
стр. 537
لقتالكم وقصته: أن أبا سفيان نادي عند انصرافه من أحد: يا محمد موعدنا موسم بدر لقابل إن شيءت، فقال ص: "إن شاء الله"، فلما كان القابل خرج أبو سفيان في أهل مكة حتى نزل مر الظهران وهو موضع، فألقى الله الرعب في قلبه، فبدا له أن يرجع، فلقي نعيم بن مسعود الأشجعي وقد قدم معتمرًا، فقال: يا نعيم إني واعدت محمدًا أن نلتقي بموسم بدر، وأن هذا عام جدب وقد بدا لي، ولكن إن خرج محمد ولم يخرج زاده ذلك.
стр. 538
جرأة، فألحق بالمدينة فثبطهم ولك عندي عشر من الإبل، فخرج نعيم فوجد المسلمين يتجهزون، فقال لهم: ما هذا بالرأي! آتوكم في دياركم وقراركم، فلم يفلت منكم أحد إلا شريدًا، فتريدون أن تخرجوا وقد جمعوا لكم عند الموسم فو الله لا يفلت منكم أحد، ثم تسمية المثبط هاهنا بالناس وهو نعيم وحده؛ إما لأنه من جنس الناس كما يقال: فلان يركب الخيل ويلبس البرود وما له إلا فرس واحد وبرد فرد، أو لأنه حين قال: ذلك لم يخل من ناس من أهل المدينة يضامونه ويصلون جناح كلامه، ويثبطون مثل تثبيطه. كذا في "الكشاف".
وأورد ألإمام نجم الدين النسفي- ﵀ نعيم بن مسعود بن عامر
стр. 539
الأشجعي من جملة الصحابة المكرمة، والله أعلم بحاله.
(ووجه قولنا والشافعي). هذا من حيث النحو لا يصح. لأن فيه عطف الاسم على الضمير المجرور إلا أن يقال: إن قوله: والشافعي "معطوف على المضاف في قولنا، فكان تقديره: ووجه قولنا، ووجه قول الشافعي، ولكن عدول عما يسوق إليه الكلام.
(لأن الألفاظ لا تقصر عن المعاني أبدًا). قال الله تعالى: ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ من بالتعليم، ثم لا قصور في القدرة والتعليم والخلق ولا ضيق أيضًا في المراد، والعموم من المعاني فلابد له من لفظ ليظهر المراد فلا يقصر.
(ألا ترى أن من أراد أن يعتق عبيده) إلى آخره، وكذلك السلطان إذا احتاج إلى إركاب الجيش على العموم يقول: ي خيل الله اركبي، ولا يقول يا زيد اركبي، ويا عمرو اركب.
стр. 540
(والاحتجاج بالعموم من السلف متوارث). ألا ترى أن النبي ﵇ حين دعا أبي بن كعب- ﵁ وهو في الصلاة- فلم يجبه بين له خطأه فيما صنع بالاستدلال بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ وهذا عام، فلو كان موجبه الوقف كما زعموا لم يكن لاستدلاله عليه به معنى، والصحابة في زمن الصديق- ﵃ حين خالفوه ابتداء في قتال مانعي الزكاة استدلوا عليه بقوله ﵇ "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله»، وهو عام ثم استدل الصديق عليهم بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فخلوا سبيلهم﴾ فرجعوا
стр. 541
إلى قوله: وهذا عام.
وكذلك الله تعالى ألزم عليهم الإتباع لما أنزل إليهم بالأمر العام بقوله ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، والإتباع لفظ خاص في اللغة لمعنى معلوم، وفي المنزل عام وخاص، فيجب بهذا الخاص إتباع جميع المنزل. كذا ذكره الإمام شمس الأئمة- ﵀
(أنه ينسخ سائر وجوه العدد) نحو العدة بالحيض والأشهر وأبعد الأجلين، فصار نسخًا للخاص الذي في سورة البقرة، وهو قوله ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ﴾.
وإنما قال لتلك الآية خاصًا؛ لأن المعتدة على نوعين: معتدة بالطلاق ومعتدة بالوفاة، وهذه الآية وهي قوله ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ﴾ (يتناولهما) وهي مخصومة بعدة الوفاة، فكانت هي خاصة وهذه الآية
стр. 542
عامة من هذا الطريق، ولكن لتلك الآية عموم من وجه ولهذه الآية خصوص من وجه آخر، لأن تلك الآية عامة تتناول أولات الأحمال وغير أولات الأحمال.
(واحتج- ﵁ في تحريم الجمع بين الأختين) إلى قوله: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾، فوجه الدلالة على الحرمة أن الجمع بين الأختين لما حرم نكاحًا، وهو سبب مفض إلى الوطء، فلأن يحرم الجمع بينهما وطئا بملك اليمين وفيه حقيقة الوطء أولى.
فإن قلت: بل الإباحة فيه أقوى من التحريم؛ لأن الإباحة ثابتة بالعبارة، والحرمة ثابتة بالدلالة، فالعبارة مع الدلالة إذا تعارضتا كان الرجحان للعبارة لا للدلالة؛ لأن العبارة أقوي من سائرها لما عرف.
قلت: نعم كذلك إلا أن الدلالة هنا أقوى من هذه العبارة؛ لأن العبارة هنا وهي قوله ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ عام دخل في الخصوص، فإنه خص منه الأمة المجوسية والمشركة والمزوجة والأخت من الرضاع وأخت المنكوحة،
стр. 543
والعام الذي خص منه البعض أدى من القياس فكيف من الدلالة؟
ثم قال الشافعي: كل عام يحتمل إرادة الخصوص إلا بعض العمومات.
ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، لا يحتمل إرادة الخصوص وإرادة الباطن لا يصلح دليلًا؛ لأن كل احتمال لم ينشأ عن دليل لا اعتبار له. والله أعلم.
| | |
стр. 544
[باب العام إذا لحقه الخصوص]
(سواء كان المخصوص معلومًا) كما في قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ إلى قوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ﴾ في حق الذمي، وقوله: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ في حق المستأمن بعد قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (أو مجهولًا) كما في قوله تعالى:
стр. 545
﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ وكذلك ما دون ثمن المجن مخصوص من آية السرقة وهو مجهول.
стр. 546
(ودلالة صحة هذا المذهب أي مذهبنا إجماع السلف على الاحتجاج بالعموم)، فإن أبا حنيفة- ﵀ استدل على فساد البيع بالشر المفسد بما روى عن النبي ﵇ "أنه نهى عن بيع وشرط" مع أنه مخصوص، فإن كل شرط يوافق مقتضى العقد غير مراد بهذا النص، واحتج أصحابنا جميعا في استحقاق الشفعة بالجوار بقوله ﵇: "الجار أحق بصقبة" أي: بقربة مع أنه مخصوص؛ لأن الشريك في نفس المبيع أو في حق المبيع أحق من الجار، واحتج محمد- ﵀ في عدم جواز بيع العقار قبل القبض بـ "نهى النبي ﵇ عن بيع ما لم يقبض" مع أنه مخصوص،
стр. 547
ودلالة أنه مخصوص جواز بيع المهر قبل القبض فيما إذا كان المهر عروضًا أو عقارًا.
(وذلك دون خبر الواحد) أي العام الذي خص منه البعض دون خبر الواحد.
ألا ترى أن القياس الصحيح يترك بخبر واحد. مثل قوله ﵇ "تم على صومك فإنما أطعمك الله وسقاك"، فإن القياس الصحيح هو أن أكل الناسي أن يفسد الصوم، ومع ذلك لا يعمل بموجبه بل يعمل بموجب خبر الواحد، وكذلك تركنا القياس الصحيح في القهقهة في الصلاة في حق الوضوء بخبر الواحد، وهو قوله ﵇: "ألا من ضحك منكم قهقهة" الحديث، وكذلك في الحدث الذي سبق في الصلاة في جواز البناء.
стр. 548
ترك القياس الصحيح وعمل بخبر الواحد، ثم لا يترك القياس بالعام الذي خص منع البعض بل يعمل بالقياس.
علم بهذا أن العام الذي خص منه البعض أدنى رتبة من خبر الواحد.
(لأن الخصوص بمنزلة الاستثناء؛ لأنه يبين أنه لم يدخل تحت الجملة كما في الاستثناء) حيث يتبين بالاستثناء أن الكلام عبارة عما وراءه، ولهذا لا يكون دليل الخصوص إلا مقارنًا.
فأما ما يكون طارئًا فهو دليل النسخ لا دليل الخصوص، ثم إذا كان المستثنى مجهولًا يصير ما وراءه مجهولًا بجهالته. كما أن المستثنى إذا تمكن فيه شك يصير وراءه مشكوكًا فيه، حتى إذا قال: مماليكي أحرار إلا سالمًا أو بزيعًا، لم يعتق واحد منهما، وإن كان المستثنى أحدهما؛ لأنه مشكوك فيه، فيثبت حكم الشك فيهما، وإذا صار ما بقى مجهولًا لم يصلح حجة بنفسه، بل يجب الوقف فيه كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾.
стр. 549
(لأن دليل الخصوص نص قائم بنفسه فيصح تعليله)؛ لأنه مستبد بصيغته غير مفتقر إلى صدر الكلام، فصار بمنزلة سائر النصوص، والأصل في سائر النصوص التعليل لما أن المراد من التعليل هو أن يكون معقول المعنى، والعقل حجة من حجج الله تعالى كالنص، فكان الأصل في حجج الله تعالى الموافقة لا التناقض، إذ التناقض الحقيقي من أمارات الجهل، والله تعالى عليم لا يجهل وحكيم لا يسفه، فكان التناقض الحقيقي منه محالًا، وإنما قال: لأن دليل الخصوص نص قائم بنفسه «احترازا عن الاستثناء، فإن الاستثناء غير معلول بالاتفاق، فيتخايل أن دليل الخصوص لا يحتمل التعليل لمشابهته الاستثناء في الحكم، وذكر ذلك رفعًا لذلك الخيال.
(أن دليل الخصوص إذا كان مجهولًا فعلى ما قلنا) أي في وجه الكرخي أي لا يبقى العام حجة أصلًا؛ لأن دليل الخصوص بمنزلة الاستثناء على ما قلنا أي بقولنا: لأنه يبين أنه لم يدخل تحت الجملة كالاستثناء، فلا يؤثر في الباقي؛ لأن دليل الخصوص لا يتعرض لما وراءه، فيبقى العام فيما وراءه حجة موجبة قطعًا، ولا معنى لما قال الكرخي: إنه محتمل للتعليل؛ لأنه إذا كان بمنزلة الاستثناء لم يحتمل التعليل، فإن المستثنى معدوم على معنى أنه
стр. 550
لم يكن مرادًا من الكلام أصلا، والعدم لا يعلل؛ لأن لتعليل شيء والعدم ليس بشيء، ولا يقوم التعليل إلا بشيء، وعلى هذين القولين يسقط الاحتجاج بآية السرقة؛ لأنه لحقها خصوص مجهول وهو ثمن المجن على ما روى "كانت الأيدي لا تقطع على عهد رسول الله ﵇ فيما دون ثمن المجن".
(سقط بنفسه) أي سقط دليل الخصوص بنفسه (بخلاف الاستثناء؛ لأنه وصف قائم بالأول) بحيث إنه لا يعقل انفكاك الاستثناء من صدر الكلام كما لا يعقل انفكاك الوصف عن الموصوف، ومتى كان الاستثناء وصفًا قائمًا بالأول صار بمنزلة البعض للكل، وقيام الجهالة بالبعض يوجب الجهالة في الكل، فلذلك كانت الجهالة في المستثنى أوجبت الجهالة في
стр. 551
المستثنى منه بخلاف دليل الخصوص، فغنه نص قائم بنفسه غير متصل بالعام اتصال الاستثناء بصدر الكلام، ولهذا يجوز انفكاكه عن العام صيغة وإفادة، فلم يوجب جهالته جهالة ما لم يتصل هو به؛ لأن قيام الصفة بالذات لا يوجب اتصاف ذات آخر بتلك الصفة التي لم تقم هي به.
(ودليل ما قلنا: إن دليل الخصوص يشبه الاستثناء بحكمه) وهو أن كل واحد منهما تصرف في النظم ببيان أن بعض الجملة غير مراد بالنظم، ويشبه الناسخ بصيغته من حيث أن كل واحد منهما قائم بنفسه مفيد لحكمه، (فلم يجز إلحاقه بأحدهما بعينه) أعني الناسخ والاستثناء، (بل وجب اعتباره في كل باب) أي في كل نوع إذا كان معلومًا أو مجهولًا، كما هو الأصل في المتردد بين الشيئين يأخذ حظًا معتبرًا من كل واحد منهما، كالفم لما كان ظاهرًا من وجه باطنًا من وجه أخذ من كل واحد منهما، كالفم لما كان ظاهرًا من وجه باطنًا من وجه أخذ من كل واحد منهما حظا فكذلك هاهنا.
(فقلنا إذا كان دليل الخصوص مجهولًا أوجب جهالة في الأول بحكمه اعتبارًا يشبه الاستثناء)، فإن المستثني إذا كان مجهولا يصير المستثنى منه.
стр. 552
مجهولًا، فيسقط حكم العموم لجهالته.
(وسقط في نفسه بصيغته إذا اعتبر بالناسخ) أي وسقط دليل الخصوص إذا كان مجهولًا اعتبارًا لشبهه بالناسخ إذا لم يكن معلومًا لا يثبت النسخ، فبقى النص الأول موجبًا للحكم قطعًا كما كان، فكذاك دليل الخصوص إذا كان مجهولًا بقى العام موجبًا للحكم كما كان.
(فصار الدليل مشتبهًا فلم نبطله بالشك) حتى يكون العام بعد جهالة دليل الخصوص حجة عملًا بشبه الناسخ المجهول، وغير قطعي عملًا بشبه المستثنى للمجهول، فإن المستثنى إذا كان مجهولًا أوجب جهالة في المستثنى منه، فلا يبقى المستثنى منه معلومًا أصلًا، وأحد الشبهين لم يؤثر في العموم والآخر أسقط حكم العموم ومشابهتهما أورثت الشك، فلم نبطل دليل العموم بالشك، والكناية في قوله: "فلم نبطله" جاز أن ينصرف إلى دليل الخصوص وجاز أن ينصرف إلى دليل العموم وهو الأوجه.
وكذلك قوله: والدليل "أي ودليل الخصوص أو دليل العموم بيانه أن دليل الخصوص لما كان ساقطًا لاعتباره بالناسخ ومعتبرًا لاعتباره بالاستثناء صار هو مشتبهًا فلم نبطله بالشك، فقلنا بسقوطه من وجه دون وجه، فلذلك بقا العام موجبًا للعمل دون العلم، وكذلك العام يسقط من وجه لاعتبار شبه دليل الخصوص بالاستثناء ولم يسقط لاعتبار شبه دليل
стр. 553
الخصوص بالناسخ، فصار دليل العموم مشتبهًا، فلم نبطله بالشك، ولكن انصرافها إلى العام أولى، لأن الكلام وقع فيه، لأن قولنا: " فلم نبطله بالشك "إنما وقع بمقابلة قول الكرخي إنه لا يبقى حجة أصلًا أي إن العام الذي لحقه بالخصوص لا يبقى حجة أصلًا، وكذلك قول غيره، فكذلك قولنا: "فصار الدليل مشتبهًا فلم نبطله بالشك" إنما يكون في العام الذي لحقه الخصوص لا في دليل الخصوص.
(وكذلك إذا كان المخصوص معلومًا، لأنه يحتمل أن يكون معلومًا، وعلى احتمال التعليل يصير مخصوصًا من الجملة) يعني يصير ما وراء الثابت بالنص الخاص مخصوصًا أيضًا بالتعليل، ولا يدري أن القدر صار مخصوصًا؟ فأشبه دليل الخصوص إذا كان مجهولا، فتذكر هاهنا السؤال المعروف الجاري على ألسنة العلماء وأندية الفقهاء وهو: أن دليل التخصيص لما شابه الناسخ والاستثناء وجب أن لا يقبل التعليل كما أنهما لا يقبلانه.
والجواب فيه على وجه الاختصار هو أن الناسخ والاستثناء إنما لا يقبلان التعليل لمعنى اختص بهما، وهو أن الناسخ ورد على معارضة النص المنسوخ وخالفته، والتعليل فرع النص، فلو قلنا بجواز تعليل الناسخ لقلنا بكون جواز التعليل معارضًا للنص وهو لا يصح، وفي الاستثناء كون المستثنى معدومًا في التقدير، والتعليل سيء موجود فلا يقوم إلا بشيء موجود وليس
стр. 554
في دليل التخصيص هذان المانعان. بل فيه جهة الاستبداد والبيان، وهما لا يمنعان التعليل فيعلل هو وإن كان الناسخ والمستثنى لا يعللان.
(كأنه لا يدخل لا على سبيل المعارضة للنص) أي للنص العام، وبهذا الذي ذكر احترز عن الناسخ، فإنه على سبيل المعرضة للمنسوخ.
وأما دليل الخصوص فلم يعارض النص العام فلم يمتنع عن التعليل؛ لأن العلة فرع النص، والنص المخصص لبيان أن المخصوص لم يدخل في العام، فكذلك العلة بيان لذلك (فوجب العمل بالتعليل) لخلوه عن معارضة النص (فيصير قدر ما يتناوله لنص العام مجهولا. هذا على اعتبار صيغة النص) أي أن احتمال التعليل باعتبار صيغة النص.
فأما الاعتبار بالحكم فلا يوجب هذا الاحتمال؛ لأنه من حيث الحكم يشبه الاستثناء؛ لأن الاستثناء تكلم بالباقي بعد الثنيا، فلم يكن صدر الكلام موجبا مقدار المستثني، والتعليل إنما يجري لإثبات الحكم، والمستثني معدوم تقديرًا بالعدم الأصلي.
(والعدم لا يعلل)؛ لأن كوم المذكور معلولًا يستدعي سابقة العلة ليثبت الحكم به، وهذا لا يتصور في العدم؛ لأن العدم أصل فاعتبار دليل الخصوص بالاستثناء لم يوجب شبهة في صدر الكلام؛ لأنه لما لم يعلل دليل الخصوص.
стр. 555
باعتبار شبهه بالاستثناء من حيث الحكم بقي صدر الكلام موجبًا قطعًا كما كان، واعتباره بالصيغة يوجب جهالة في الأصل على ما ذكرنا، فوفرنا للشبهين حظهما فقلنا: يبقى موجبًا للعمل لشبهه بالاستثناء، ولم يبق موجبًا قطعًا لشبهه بالناسخ.
وهو معنى ما قال في الكتاب: (فدخلت الشبهة وقد عرف موجبًا فلا يبطل بالاحتمال).
(وهذا بخلاف الناسخ إذا ورد معلومًا في بعض ما تناوله النص، فإن الحكم فيما بقي لا يتغير لاحتمال التعليل) وقوله: لاحتمال التعليل "ليس بدليل لقوله: لا يتغير" لأنه لا يناسب للمدعى؛ لأن احتمال التعليل يوجب التغير فلا يصلح أن يكون دليلًا لعدم التغير، بل المراد أن احتمال التعليل في النسخ لا يوجب التغير فيما بقي؛ لأن العلة لو صحت هاهنا لكانت معارضة للنص العام، وشرط صحة التعليل أن لا يكون معارضًا للنص، فلم يصح التعليل للناسخ لهذا المعنى، فألحق بما لا يحتمل التعليل أصلًا، فلم يتغير ما بقي عما كان عليه، وهو كونه موجبًا قطعيًا فبقي موجبًا قطعيًا كما كان ولا
стр. 556
كذلك دليل الخصوص، فإنه لبيان أن المخصوص لم يدخل تحت الجملة فلا تصير العلة معارضة للنص على ما ذكرنا فلابد من اعتبار التعليل، فحينئذ يوجب شبهة فيما بقي فلم يبق النص العام قطعيا لذلك؛ لأن الناسخ إنما يعمل على طريق المعارضة؛ لأن الناسخ إنما يرد بعد ثبوت النص المنسوخ فكان النص الناسخ معارضًا.
وأما دليل التخصيص فإنما يرد مقارنا للنص العام عند عامة العلماء، فلا يقع إلا مبينًا بأن قدر المخصوص غير داخل تحت العام من الأصل كالاستثناء. تبين أن قدر المستثني غير داخل تحت المستثني منه من الأصل؛ لوروده مقارنًا وهو بمعزل من المعارضة، وقولنا: عند عامة العلماء "احتراز عن قول الإمام أبي منصور- رحمة الله- فإنه لا يشترط المقارنة لورود دليل التخصيص. كذا ذكر في "تبصير الأدلة" في بيان الوعد والوعيد.
(فصار الدليل مشكوكًا) أي العام الذي ص منه البعض صار مشكوكًا.
(أن البيع إذا أضيف إلى حر وعبد بثمن واحد إلى قوله: فهو باطل).
стр. 557
هذا بالاتفاق.
وأما إذا سمى لكل واحد منهما ثمنا بأن قال: اشتريتهما بألف كل واحد منهما بخمسمائة، فكذلك الجواب عند أبي حنيفة- ﵀ وعندهما العقد جائز في العبد بما سمى بمقابلته؛ لأن أحدهما منفصل عن الآخر في البيع ابتداءً وبقاءً، فوجود المفسد في أحدهما لا يؤثر في العقد على الآخر؛ لأن تأثيره في العقد على الآخر إما باعتبار التبعية وأحدهما ليس بتبع للآخر، أو باعتبار أنهما كشيء واحد وليس كذلك، وكل منهما منفصل عن الآخر في العقد.
ألا ترى أنه لو هلك أحدهما قبل القبض بقى العقد في الآخر، وذلك فيما إذا كان واحد منهما عبدا ويؤذن ذلك. في هذا انفصال أحدهما عن الآخر.
وأبو حنيفة- ﵀ يقول: البائع لما جمع بينهما في الإيجاب وقد شرط في قبول العقد في كل واحد منهما قبول العقد في الآخر؛ بدليل أن المشتري لا يلك العقد في أحدهما دون الآخر، واشتراط قبول العقد في الحر في بيع العبد شرط فاسد، والبيع يبطل بالشرط الفاسد، فصارت هذه الجملة نظير الاستثناء؛ لأنه يجعل في الاستثناء عبارة عما وراء المستثنى حكمًا، فكذلك هاهنا جعلت إضافة البيع إليهما عبارة عن إضافته إلى العبد
стр. 558
ابتداء؛ لأن الحر ومن في معناه غير داخل في العقد أصلا؛ لأن دخول الشيء في العقد بصفة المالية والتقوم، وذلك لا يوجد في الحر ومن في معناه، فلو جاز العقد في العبد إنما يجوز بالحصة، والبيع بالحصة لا ينعقد ابتداء على الصحة لمعنى الجهالة كما لو قال: اشتريت منك هذا العبد بما يحصه من الألف إذا قسم على قيمته، وقيمة هذا العبد الآخر، فإنه لا يجوز لجهالة الثمن كذا هاهنا. كذا في "المبسوط".
(وإذا باع عبدين فمات أحدهما قبل التسليم) إلى آخره. يبقى العقد صحيحًا في الآخر؛ لأن العقد تناولهما باعتبار قيام صفة المالية والتقويم فيهما، وهو المعتبر في المحل لتناول العقد إياه، ثم خرج أحدهما لصيانة حق مستحق إما للعبد في نفسه أو للغير فيه أو لتعذر التسليم بهلاكه، فيبقى العقد في الآخر صحيحًا بحصته، والبيع بالحصة بقاء لا يفسد البيع، وكذلك إذا كان أحدهما أم الولد وهذا الذي ذكرنا مذهبنا، وقال زفر- ﵀ لا يجوز لما إذا كان أحدهما حرًا. كذا في "المبسوط".
стр. 559
وقوله: (يدخلان في البيع).
والدليل على الدخول ما ذكره الإمام شمس الأئمة- ﵀ في "المبسوط" بقوله: لأن دخول الآدمي في العقد باعتبار الرق والتقوم وذلك موجود في المدبر والمكاتب، ثم استحق أحدهما نفسه فكان بمنزلة ما لو استحقه غيره بأن باع عبدين فاستحق أحدهما، وهناك البيع جائز في الآخر سواء سمي لكل واحد منهما ثمنا أو لم يسم.
يوضحه أن البيع في المدبر ليس بفاسد على الإطلاق بدليل جواز بيع المدبر من نفسه، فإنه إذا باع نفس المدبر من نفسه يجوز. بدليل أن القاضي إذا قضي بجواز بيع المدبر ينفذ قضاؤه، وكذلك المكاتب فإن بيعه من نفسه جائز ولو باعه من غيره برضاه جاز في أصح الروايتين، وكذلك بيع أم الولد من نفسها جائز، ولو قضى القاضي بجواز بيع أم الولد نفذ قضاؤه عند أبي حنيفة وأبي يوسف- رحمهما الله-.
(فصار هذا من قسم دليل النسخ) حيث وقع الحكم الثابت في مقدار ما يتناوله التص الذي هو ناسخ بعد الثبوت ويبقى ما وراء ذلك من حكم العام على ما كان قبل ورود الناسخ.
стр. 560
(في رجل باع عبدين بألف درهم على أنه بالخيار في أحدهما)، والمسائل على أربعة أوجه:
أحدها- أن لا يعين الذي فيه الخيار ولا يفصل الثمن.
الثاني- أن يعين الذي فيه الخيار ولا يفصل الثمن.
والثالث- أن لا يعين الذي فيه الخيار ويفصل الثمن.
والرابع- أن يعين الذي فيه الخيار ويفصل الثمن، والكل فاسد إلا الوجه الأخير.
(فصار في السبب نظير دليل النسخ وفي الحكم نظير الاستثناء)، وهذا لأن شرط الخيار لا يدخل في أصل السبب، وإنما يدخل على الحكم، فيجب اعتباره في كل جانب بنظيره، حتى إن باعتبار السبب إذا سقط الخيار استحق المشتري المبيع بزوائده المتصلة والمنفصلة وباعتبار الحكم إذا أعتق المشتري والخيار مشروط البائع، ثم سقط الخيار لم ينعقد العتق. كذا ذكره شمس الأئمة- ﵀ في "أصول الفقه" وهذا لأن خيار الشرط يشبه الناسخ ويشبه الاستثناء.
أما أنه يشبه الناسخ على معنى أن الخيار لا يمنع دخولهما تحت الإيجاب،
стр. 561
ويشبه الاستثناء على معنى أن الخيار يمنع انعقاد العقد في حق الحكم فلشبهة بالناسخ إذا عين وبين يجوز. بخلاف الحر والميتة، فإنه لا يدخل تحت الإيجاب عين أو لم يعين ولشبهة بالاستثناء إذا لم يعين ولم يبين لا يجوز.
وقوله: (بمنزلة الحر والعبد) متصل بقوله: وفي الحكم نظير الاستثناء أي أن شرط الخيار في البيع يمنع السبب في حق الحكم، ويصير كأن البيع لم يوجد في حق الحكم بمنزلة المستثنى، فإنه غير داخل في الإيجاب كما إذا جمع بين حر وعبد في البيع ولم يفصل الثمن لم يدخل العبد أيضًا في الإيجاب كما أن المستثنى لم يدخل في الإيجاب.
(بخلاف الحر والعبد وما شاكل ذلك في قول أبي حنيفة- ﵁) إذا جمع بين الحر والعبد في البيع، وفصل الثمن لم ينعقد العقد في العبد صحيحًا عند أبي حنيفة- ﵀ خلافًا لهما؛ لأن اشتراط قبول العقد في الحر شرط فاسد، وقد جعله مشروطًا في قبول العقد في القن حين جمع بينهما في الإيجاب، والبيع يبطل بالشروط الفاسدة.
فأما اشتراط قبول العقد في الذي فيه الخيار لا يكون شرطًا فاسدًا، لأن
стр. 562
البيع بشرط الخيار منعقد صحيحًا من حيث السبب، فكان العقد في الآخر لازمًا كما إذا جمع بين قن ومدبر في البيع كان العقد في القن لازمًا، فكان في هذا المجموع الذي ذكر نظير الاستثناء والنسخ دليل الخصوص، فنظير الاستثناء ما إذا جمع بين حر وعبد في البيع وأمثاله. ونظير النسخ ما إذا جمع بين عبد ومدبر في البيع وأنواعه.
ونظير دليل الخصوص مسألة من باع عبدًا بشرط الخيار، والله أعلم.
| | |
стр. 563
باب ألفاظ العموم
لما ذكر بيان أحكام العموم وما يختلف من أحكامه قبل الخصوص وبعده احتاج إلى ذكر الألفاظ التي يحصل بها العموم، فتقديم الأحكام بسبب أن الأحكام هي المقصودة، وكونها مقصودة جهة في التقديم.
(فهو صيغة كل جمع مثل الرجال والنساء) أي بغي الألف واللام بأن قيل: رجال ونساء.
(أما صيغته فموضوعة للجمع)؛ لأن واضع اللغة وضع هذه الصيغة للجماعة، وقال: رجل ورجلان ورجال، وامرأة وامرأتان ونساء، وهو عام بمعناه أيضًا؛ لأنه شامل لكل ما يتناوله عند الإطلاق، وأدنى ما ينطلق عليه هذا اللفظ ثلاثة؛ لأن (أدنى الجمع) الصحيح (ثلاثة نص عليه محمد-
стр. 564
رحمه الله- في "السير الكبير" في الأنفال ويرها)، ومن قال: لفلان علي دراهم يلزمه الثلاثة والمرأة إذا اختلعت من زوجها بما في يدها من دراهم، فإذا ليس في يدها شيء تلزمها ثلاثة دراهم.
(والكلمة عامة لكل قسم يتناوله) أي كلمة العموم تعم ما تتناوله صيغة العموم مثل: كلمة العبيد عام في العباد، والنساء في الإناث
стр. 565
ليستقيم تعريفه.
(لأن كل جنس معهود فكان فيه عمل بالوصفين) أي وصف الجنس ووصف الجمع. بيان ذلك أن معنى الجمع مراعى في الجنس من وجه ولا يراعى معنى الجنس في الجمع أصلًا، وذلك لأن الجنس إذا أريد به الكل كان معنى الجمع فيه موجودًا في الجمع أصلًا، وذلك لأن الجنس إذا أريد به الكل كان معنى الجمع فيه موجودًا وهو الثلاث فصاعدًا، فعلى هذا التقدير كان معنى الجمع في الجنس مراعى في كل وجه.
وأما إذا أريد به الجمع فليس فيه معنى الجنس أصلًا؛ لأن الجنس ما يتناول الواحد ويحتمل الكل، وهذا معنى غير موجود في الجمع، فإنه لا يكون الواحد فيه مرادًا أصلًا، فلا يكون معنى الجنس على هذا التقدير موجودًا أصلًا، ولم يوجد أيضًا إذا أطلق الجمع على الثلاث لا غير.
فعلم بهذا أن معنى الجنسية في الجمع فائت على تقديرين أي على تقدير إرادة الثلاث فصاعدًا من الجمع على تقدير الثلاث منه لا غير.
وأما معنى الجمع. فمراد من كل وجه من الجنس إذا أريد به الجنس الأعلى، فاتضح الفرق فيهما فكان الحمل على الجنس أولى عند تعارض مقتضيهما.
следующие страницы →