← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 16526

الكافي شرح أصول البزدوي

الحسام السغناقي

Полный текст (2 351 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

(ألا ترى أن الصوم يقوم بالوقت) أي يوجد به كما نقول: قيام العرض أي وجوده به، وهذا إيضاح كونه طاعة (ولا فساد فيه)؛ لأنه يوم كسائر الأيام من طلوع الشمس وغروبها. وأما القبح فباعتبار شيء آخر وهو كونه متضمنًا للإعراض عن ضيافة الله تعالى. (والنهي يتعلق بوصفه وهو أنه يوم عيد) وإنما قال: إن قوله: (يوم عيد) صفة لليوم؛ لأن الصفة هي الاسم الدال على بعض أحوال الذات، فلليوم أوصاف من كونه حارًا وباردًا وأول الشهر وعاشره ويوم عيد، أو لأن الصفة هي المعنى الذي يقع به التفرقة بين المشتركين وهذا كذلك؛ لأن بكونه يوم عيد يقع التفرقة بين هذا اليوم وبين سائر الأيام. (والمتناول من جنس الشهوات بأصله طيب بوصفه)؛ لأن بإراقة الدم تزول المعصية بأول قطرة منه كما جاء في الحديث فبقى اللحم طيب

стр. 492

الوصف، أو لأنه داخل تحت قوله تعالى: ﴿كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ (فصار تركه طاعة بأصله) من حيث إن الصوم يقوم باليوم ولا فساد فيه من حيث إنه يوم كسائر الأيام. (معصية بوصفه) وهو لزوم رد ضيافة الله تعالى باعتبار أنه يوم عيد إنما وصف المعصية متصل بذاته فعلًا؛ لأن رد الضيافة إنما ينشأ من فعل الصوم. (لا باسمه ذكرًا) أي لا تتصل المعصية به وقت نذره به بسبب نذره، فلما كان نذره خاليًا عن المعصية صح نذره؛ لأنه نذر بالطاعة نظرًا إلى أن الصوم طاعة.

стр. 493

(وهو منسوب إلى الشيطان) وذلك في حديث الصنابحي- ﵁ أن النبي ﵇ نهى عن الصلاة عند طلوع الشمس، وقال: (إنها تطلع بين قرني الشيطان، وإن الشيطان يزينها في عين من يعبدها حتى يسجدوا لها، فإذا ارتفعت فارقها، وإذا كان عند قيام الظهيرة قارنها، وإذا مالت فارقها، وإذا دنت للمغيب قارنها، وإذا غربت فارقها، فلا تصلوا في هذه الأوقات) كذا في (المبسوط).

стр. 494

قرن الشيء قوته، أنا مقرن لهذا الأمر أي مطيق له وقوة الشيطان في هذه الأوقات الثلاثة؛ لأنه يسول لعبدة الشمس أن يسجدوا لها فيها، والتثنية للمبالغة، ولا يقال: لما كان تسويل الشيطان في هذه الأوقات لعبدة الشمس كان ينبغي أن يباح الصلاة في هذه الأوقات بل أن يستحب رغمًا للشيطان وردًا لتزيينه؛ لأنا نقول: النسبة إلى الشيطان كافية في إيراث الكراهة كما في ظرف المكان في كراهة الوقوف في بعض المواضع من بطن عرنة ووادي محسر لنسبتهما إلى الشيطان فكذلك في ظرف الزمان في

стр. 495

بعض الأوقات، وهذا لأن في بعض الطاعات لزوم رغم الشيطان، ولكن في بعضها ورد الحديث بالنهي عن الطاعة في ذلك الزمان أو المكان، فعلينا الانقياد أو التسليم غلي موجب ما ورد به الحديث. (وهو سببها، فصارت الصلاة ناقصة لا فاسدة). وقوله: وهو سببها كأنه جواب إشكال يرد على قوله "وهو ظرفها لا معيارها"؛ بأن يقال: لما كان الفساد وصف للصلاة من حيث الوقت، جب ألا تنتقص الصلاة بذلك كالصلاة في الأرض المغصوبة حيث يتأدى فيها الكامل وإن ورد النهي عنها أيضًا، لما أن ذلك ظرف مكان وهذا ظرف زمان فيستويان في الظرفية فيجب أن يستويا في عدم إيراث النقصان. فأجاب عنه وقال: نعم كذلك، إلا أن الوقت سبب للصلاة وقد اتصف السبب بالنقصان فظهر ذلك في المسبب، وهو الصلاة إذ الحكم يثبت على حسب ثبوت السبب، فلذلك لا يتأدى به الكامل بخلاف ظرف المكان، فإنه لا سببية فيه، فلم يورث النقصان فتأدى به بالكامل. وقوله: لا فاسدة "نتيجة لقوله: لا معيارها" يعني لما لم يكن الوقت معيارًا للصلاة كان الفساد المتمكن في الوقت اقل اتصالًا بالصلاة بالنسبة إلى الصوم، فإن الوقت في الصلاة معيار له، والمعيار مستغرق لجميع ما يودي فيه، فكان القبح الثابت في المعيار أكثر اتصالًا بالمؤدي، فكثر تأثيره في

стр. 496

الفساد، فلذلك فلا يضمن في الصوم، ولأن الوقت داخل في ماهية الصوم، لأن الصوم عبارة عن الإمساك عن المفطرات الثلاثة نهارًا مع النية، فكان القبح المتمكن في الوقت متمكنًا في الصوم، فأزداد أثر القبح في الصوم فأورث الفساد، فبهذين المعنيين أعني- كون الوقت معيارًا للصوم وكونه داخلًا في ماهية الصوم- صار الصوم كأنه فسد من أصله، فلم يضمن بالشروع. وأما الوقت في الصلاة فغير داخل في ماهيتها فلم يكن القبح المتمكن في الوقت متمكنًا في الصلاة بصفة الكمال، فلم يوجب الفساد كالقبح الثابت في الأرض المغصوبة، إلا أن الوقت سبب الصلاة وهو ناقص في الأوقات المكروهة، فيظهر النقصان في المسبب. أما الأرض فليست بسبب ولا معيار فلم يورث النقصان. فحصل من هذا كله أن المشرع الذي يتصل به القبح من الصوم والصلاة على ثلاثة أوجه: فاتصال كامل ووسط وناقص، فبحسب ذلك تثبت الأحكام، والكمال في الصوم يوم العيد، فذلك فلم يضمن بالشروع ولم يتأد به الكامل، والوسط وهو الصلاة في الأوقات المكروهة. إذ اتصال القبح بها اقل بالنسبة إلى الصوم وأكثر بالنسبة إلى الصلاة في الأرض المغصوبة، فلذلك لا يتأدى بها الكامل وتضمن بالشروع. وأما الصلاة في الأرض المغصوبة فاتصال القبح بها أقل من اتصال القبح بالأولين، ولذلك وجب فيها مجرد الكراهة فلم يورث الفساد والنقصان؛

стр. 497

لأن القبح فيها عن طريق المجاورة لا على طريق الاتصال في الحقيقة؛ لأنه ليس للأرض اتصال بالصلاة من حيث السببية ولا من حيث المعيارية، ثم كون الوقت سببًا وهو ناقص في حق صلاة العصر ظاهر. وأما في حق مطلق الصلاة كالتطوع وغيره فإن سبب الصلاة هو البقاء وترادف نعم الله تعالى على المكلف على هذا الوقت. هكذا ذكره صاحب «ميزان الأصول» علاء الدين أو بكر محمد بن أحمد السمرقندي- ﵀ فأقيم الوقت مقامه تيسيرًا والبقاء موجود في حق المتطوع فكان السبب موجودًا. أو نقول: لما كان الوقت سببًا لجنس الصلوات وهو الفرائض ألحق التطوع بها؛ فجعل سببًا في حق التطوع أيضًا لما أن التطوع يجب الشروع والشروع فعل العبد فكان فعل العبد إيجابًا له، وإيجاب العبد معتبر بإيجاب الله تعالى، والوقت سبب فيما أوجب الله تعالى فكذلك فيما أوجب العبد؛ لأنه لو شرع فريضة الوقت كان هذا الوقت سببًا لها، فكذا إذا شرع التطوع في هذا الوقت كان هذا الوقت سببًا له. والدليل على أن الوقت عند الشروع سببًا لصلاة التطوع، أن من شرع صلاة التطوع في وقت مكروه فأفسدها فقضاها في وقت آخر مكروه يجوز.

стр. 498

كذا في نوادر صلاة «المبسوط» فعلل وقال: لأنه لو أداها حين افتتحها لم يكن عليه شيء آخر، فكذلك إذا قضاها في مثل ذلك الوقت لم يلزمه شيء آخر؛ لأن القضاء بصفة الأداء أثبت جواز نقصان القضاء بنقصان الوقت في الأداء، أو نقصان الوقت في الأداء إنما يؤثر في القضاء أن لو كان الوقت سببًا له. (والصوم يقوم بالوقت) أي يوجد به؛ لأن الوقت معيار للصوم (ويعرف به) أي يقال: الصوم هو الإمساك عن المفطرات الثلاثة نهارًا مع النية. (فأزداد الأثر فصار فاسدًا) أي ازداد أثر فساد الوقت وقبحه في الصوم لكون الوقت معيارًا له ومعرفًا له فصار الصوم فاسدًا، وهذا لأن القبح إذا أشتد قربه من الصوم والصلاة اشتد تأثيره. ألا ترى أن البيع وقت النداء جائز نافذ لبعد القبح عن البيع، والقبح في الصلاة في الأوقات المكروهة أبعد من القبح في الصوم؛ لأن القبح في الصوم ينشأ من الوقت الذي هو داخل في الصوم ففسد، والقبح في الصلاة لوصف

стр. 499

يقوم بالوقت والوقت غير داخل في ماهية الصلاة فكان أبعد فلا يوجب الفساد كالقبح في الأرض المغصوبة إلا أن الوقت سببها وهو ناقص، فيظهر النقصان في المسبب فانتقص، والناقص لا يكون فاسدًا بخلاف الصلاة في الأرض المغصوبة لأن القبح لا ينشأ من سببها فصار مجاورًا فيتأدى به الكامل، كذا قرره ملانا حميد الدين- رحمة الله. (وهذا بخلاف بيع الحر والمضامين والملاقيح). يعني ورد في الحديث «نهى النبي ﵇ عن بيع الحر» وروي أنه: «نهى عن بيع الملاقيح والمضامين» أي عن بيع ما في البطون وما في أصلاب الفحول. جمع ملقوحة ومضمون.

стр. 500

(وهذه الاستعارة) أي استعارة النهي عن النفي. (لما بينهما من المشابهة) أي صورة ومعنى. أما الصورة: فلوجود حرف النفي فيها. وأما المعنى: فلأن كل واحد منهما للإعدام ولما كان كذلك جازت استعارة النهي للنفي هاهنا للقيام الدليل عليه. كما جازت استعارة النهي للنفي في قوله تعالى: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ وقوله ﵇: «لا نكاح إلا بشهود» في أحد التخريجين، وقوله ﵇: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» وقوله (لا صلاة للآبق).

стр. 501

(ولا خلاف فيه) أي في جواز الاستعارة عند قيام الدليل عليه، (إنما الخلاف في حكم حقيقته) أي في حكم حقيقة النهي يعني أن حقيقة النهي ما هي؟ فعندنا أن النهي في الأفعال الشرعية يقتضي الشرعية وعند الخصم لا يقتضيها. (وكذلك صوم الليالي) أي النهي الوارد في صوم الوصال، وهي راوية الراوي: «نهي النبي ﵇ عن صوم الوصال» أو روايته بقوله: «لا تواصلوا في الصيام» ذلك النهي مستعار عن النفي، والمراد بصوم الوصال أن يواصل الرجل الأيام والليالي بالصوم ويمسك عن المفطرات، وإنما قلتا: أنه مستعار عن النفي؛ لأن الصوم لا يتكون في الليل شرعًا. وقد ذكرنا أن النهي في الأفعال الشرعية يقتضي تكون المنهي عنه شرعًا فلذلك كان النهي مستعارًا عن النفي، والقبح الذي كان في صوم الليالي وإن كان لعينه بحيث لا شرعية فيه أصلًا، وهو مجاور لصوم النهر فلم يؤثر في كمال صوم النهر، فلذلك قلنا: بأن صوم الفري يتأدى في أيام الوصال إذا نواه، لأن النهي للمجاور لا لمعنى اتصل بالوقت الذي يؤدى فيه الصوم. إلا أن الوصال لا يتحقق؛ لأن الشرع أخرج زمان الليل من أن يكون وقتًا لركن

стр. 502

الصوم وهو الإمساك باعتبار أن الإمساك عادة، كذا ذكره الأمام شمس الأئمة السرخسي- رحمه- الله- (فيتعين للصوم تحقيق تحقيقًا للابتلاء)؛ لأن الله تعالى ابتلى عباده بأفعال بالترك أو بالأقدام، وهذا المعنى في حق الصوم يتحقق بالنهار؛ لأن النفس داعية إلى الأكل والشرب وذلك بالنهار في العادة، فيتحقق به خلاف هوى النفس. فأما في الليل فعلى وفاق هوى النفس فلا يتحقق فيه معنى الابتلاء على الكمال، ولا يقال بأن الجماع يوحد بالليالي في الأعم والإمساك عن الجماع ركن في الصوم أيضًا كالأكل والشرب؛ لأنا نقول: إن ذلك تبع لشهوة البطن؛ لأن ذلك ينشأ من الشبع. (ولا يلزم النكاح بغير شهود) وجه الورود أن قوله ﵇: «لا نكاح إلا بالشهود» مستعار عن النهي؛ لأنه لو حمل عن النفي على ما هو صيغته لكان إخبارًا عن عدمه وقد يوجد حسًا، فحينئذ يلزم الخلف في كلام صاحب الشرع، وعن هذا جمل النفي المذكور في قوله تعالى:

стр. 503

﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ على النهي أي لا ترفثوا ولا تفسقوا ولا تجادلوا. أو لأن إحضار الشهود في النكاح مأمور به فيكون الأمر نهيًا عن ضده اقتضاء ضرورة فيما إذا لم يتعرض ضد الأمر بشيء، فكيف إذا ما تعرض الضد بالنفي الذي هو أبلغ من النهي، فورد نقصًا عن الأصل الذي قلنا إن النهي في الأفعال الشرعية لا ينفي المشروعية، والنكاح أمر شرعي وعند عدم الشهود يفسد النكاح أصلا ووصفًا فأجاب عنه بطريقتين: أحدهما: على وجه المنع يعني لا نسلم بأنه نهي بل هو نفي على حقيقة فلا يرد علينا نقصًا؛ لأن كلامنا في النهي لا في النفي. وأما قوله: «فلولا حمل علي النهي يلزم الخلف في كلام صاحب الشرع». فقلنا: لا نسلم لزوم الخلف؛ لأن المنفي هو النكاح الشرعي وهو كذلك؛ لأن النكاح الشرعي بغير شهود لا يوجد أصلًا، فكان النفي على حقيقته.

стр. 504

بخلاف الرفث ونحوه فإنه يوجد حسًا أينما وجد، فلا يمكن حمله على النفي والثاني: على وجه التسليم فنقول: إن سلمنا أنه نهي لكن النهي يقتضي الحرمة لا محالة وملك النكاح ملك ضروري؛ لأنه استيلاء على جزء الحرة وهي بجميع أجزائها غير قابلة لتملك الغير إياها، وإنما شرع لحل الاستمتاع مع منافاة الدليل، فكان الحل فيه ضروريًا، والثابت بالضرورة يتقدر بقدرها فمتى اتصف ذلك المحل بالحرمة لم يبق الحل أصلًا ووصفًا. أو نقول: الحل في النكاح يثبت مقصودًا؛ لأن الحل لا ينفك عن النكاح الشرعي أصلًا، ثم من ضرورة فساد السبب ثبوت صفة الحرمة فيه لما أن بين الحرمة وبين ملك النكاح منافاة فينعدم الملك، ومن ضرورة انعدامه خروج السبب من أن يكون مشروعًا؛ لأن الأسباب الشرعية يراد لأحكامها. فأما ثبوت النسب ووجوب المهر والعدة وسقوط الحد به من حكم الشبهة لا من حكم انعقاد أصل العقد شرعًا. وقوله: (والتحريم لا يضاده) أي تريح الاستمتاع لا يضاد ملك اليمين؛ لأن الحل فيه تابع فلا يبالي بفوات الحل عند وجود حكم مخصوص مقصود للبيع وهو ملك اليمين. وأما النكاح فالحكم المقصود له الحل، ومتى لم يثبت الحل لم يكن وجود

стр. 505

النكاح إلا صورة بلا معنى، ولصورة النكاح شبهة النكاح، فتثبت بها من الأحكام ما تثبت بالشبهة وهي ما ذكرناه من ثبوت النسب وغيره. (ولفظ النهي في قوله تعالى ﴿وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ مستعار عن النفي بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ أو نقول: إن قوله تعالى: ﴿وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ لا يرد نقضا علينا، فإن ذلك لم يكن مشروعًا أصلًا بدليل آخر الآية ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ وما هذا شأنه لا يكون مشروعًا من الأصل وكلامنا فيما كان مشروعًا ثم ورد النهي عنه في حقه. هكذا قرره الأستاذ الكبير- رحمة الله- (وأما استيلاء أهل الحرب) وجه الإيراد فيه أن الشافعي- ﵀ يقول: عندي أن النهي يقتضي القبح لعينه على الإطلاق سواء كان المنهي عنه شرعيًا أو حسيًا فلا يفيد حكمًا مطلوبًا، وأنتم تفرقون بينهما، وقد وافقتموني في أن القبيح لعينه لا يفيد حكمًا مطلوبًا كبيع الحر والمضامين والملاقيح وغيرها، واستيلاء أهل الحرب من الأفعال الحسية، وهو محظور قبيح لعينه، والكفار بالحرمات مخاطبون بالإجماع، والملك المشروع يقتضي

стр. 506

سببًا مشروعًا بالإجماع؛ لأنه لابد من الملاءمة بين المؤثر والأثر وقد قلتم بثبوت الملك به مع أن الملك نعمة واستيلاء أهل الحرب معصية محضة، وكذلك هذا في الملك بالغضب وثبوت حرمة المصاهرة بالزنا وهذه أيضا نعمة بدليل أن الله تعالى من به في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ والنعمة لا تنال بالمعصية. والجواب عنه ما ذكره في الكتاب وهو قوله: (فإنما صار منهيًا بواسطة العصمة) أي إنما صار الاستيلاء منهيًا عنه بواسطة أن المال معصوم لمالكه بعصمة ثابتة شرعًا، والعصمة إنما تثبت في حقنا، فكانوا منهيين عن الاستيلاء في اعتقادنا وهم يعتقدون ذلك وولاية الإلزام منقطعة عنهم بانعدام ولايتنا عليهم فلم يثبت النهي باعتقادهم فلم يعمل ما هو الحق الذي هو في اعتقادنا من حرمة الاستيلاء، فكان ثبوت الملك لهم باستيلائهم على

стр. 507

تقدير أنه ليس بمنهي عنه فلم يتجه علينا نقضًا. فإن قيل: ينبغي أن لا يثبت الملك لهم في اعتقادنا؛ لأن في اعتقادنا أنهم منهيون، والمرء مؤاخذ بزعمه. ألا ترى أن من زعم أن العبد الذي يسترقه زيد وهو حر فهو مؤاخذ بزعمه، حتى أنه لو وقع في ملكه بسبب من الأسباب يعتق عليه عملًا باعتقاده، فلم لم نجعل هنا كذلك حتى لا يثبت الملك لهم لما أن استيلاءهم على أموالنا قبيح لعينه ومعصية محضة فلا ينال له الملك الذي هو نعمة؟ قلنا: نعم كذلك، إلا أننا مأمورون بالعمل على حسب اعتقادهم وبتركهم مع اعتقادهم خذلانًا لهم. ألا ترى أن العقود الفاسدة التي هي محكومة بفسادها في اعتقادنا لو دانوا بصحتها نقول بصحة تلك البياعات، ونحكم بتلك البياعات على ما نحكم بالبياعات الصحيحة من لزوم الملك بنفس العقد ولزوم البيع بحيث لا ينفرد أحمد المتعاقدين بالفسخ. وكذلك في الأنكحة الفاسدة لو دانوا بصحتها حكمنا أيضا بصحتها حتى قلنا بثبوت الإرث بها وثبوت الملك وثبوت النسب حسب ثبوتها بالعقود لصحيحة إلا ما استثنى منها من نكاح المحارم على ما قاله ﵇:

стр. 508

"ولدت من نكاح لا من سفاح"، بخلاف ما ذكرت من اعتقاد حرية عبد زيد، فإن المعتقد هناك بالحرية غير مأمور بالعمل على حسب اعتقاد غيره، بل هو مأمور بالعمل بما هو في اعتقاده؛ لأن اعتقاده في حق نفسه يقين، واعتقاد غيره في حقه باطل أو شك، واليقين لا يترك بالشك.

стр. 509

أو نقول: وإن كان النهي ثابتًا على الإطلاق وتثبت العصمة على الإطلاق لكنها سقطت بالإحراز بدار الحرب، لأنها لم تبق محرزة بدار الإسلام فسقط حكم النهي في حق أحكام الدنيا؛ لأن الحكم ينتهي بانتهاء سببه، والعصمة كانت ثابتة بسبب الإحراز بدار السلام فسقطت هي بانتهاء سببها وهو الإحراز بدار السلام. ألا ترى أن الحل إذا ثبت بالنكاح يبطل الحل ببطلان النكاح، وكذلك الملك والحل ينتهي بانتهاء البيع، حتى إن في رقاب الأحرار لما كانت العصمة عن الاسترقاق بالحرية المتأكدة بالإسلام ولم ينته بالإحراز الموجود منهم قلنا إنهم لا يملكون رقابنا. ثم قوله: (وهي ثابتة في حقنا) أي والعصمة ثابتة في حقنا لبقاء ولاية إلزام عصمة ملك المالك في حقنا، وأما في حق أهل الحرب فلا. وقوله: (ولأن العصمة متناهية بتناهي سببها)، وسببها إحراز المسلمين بدارهم، فإذا أحرز الكفار بدارهم انتهي ذلك السبب فسقط حكم.

стр. 510

النهي عنهم في حكم الدنيا ففلم يبق حرامًا في حقهم لذلك، حتى إن رقاب الأحرار لما كان عصمتها متأكدة بالإسلام لم يملكوا أحرارًا بإحرازهم في دارهم بالأسر والقهر لبقاء الإسلام، وهذا لأن العصمة على نوعين: مقومة، ومؤثمة، فالعصمة المؤثمة بالإسلام، والعصمة المقومة بالدار، فلا تبقى العصمة المقومة إذا أحزروا أموالنا بدارهم لانقطاع إحرازنا بدار الإسلام، وتبقى العصمة المؤثمة في الإحراز بدارهم لبقاء الإسلام. آو نقول في الفرق بين الأموال والرقاب: إن الأصل في الأموال أن لا تكون معصومة لأحد لقوله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ ثم الاختصاص بالملك كان بعارض الاختصاص بسبب من الأسباب ليتمكن من الانتفاع من باشر سببه، فلما زال تمكنه من الانتفاع بسبب استيلاء الكفار عاد إلى الأصل الذي هو عدم العصمة، وإن الأصل في الرقاب عدك كونها محلًا للتملك لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾، وفي التملك ترك التكريم، لكن يثبت فيها محلية التملك بعارض الكفر، وليس في رقابنا ذلك.

стр. 511

فبقيت على ما يقتضيه الأصل وهو عدم التملك، فكانت صفة الأموال مع صفة الرقاب على طرفي النقيض. (وأما الملك بالغضب فلا يثبت مقصودًا بالغضب، بل شرطًا لحكم شرعي وهو الضمان). بيان هذا أن الضمان حكم مشروع ثابت بالغصب بالإجماع، وهذا الحكم لا يثبت إلا بثبوت الملك للغاصب في المبدل، فكان ثبوت الملك للغاصب شرطًا لثبوت هذا الحكم المشروع وهو الضمان، وهذا لأن الضمان إنما شرع جبرًا لما فاته من المال لاعتبار جنابة الغاصب بالغصب. ألا أن طائفة إذا اجتمعوا على غصب عين واحد يجب عليهم قيمة واحدة، ولو كان جنابة الفعل لوجب على كل واحد منهم قيمة تامة. كما لو اشترك المحرمون في قتل صيد واحد يجب على كل واحد منهم جزاء كامل؛ لأن ضمان الفعل يتعدد بتعدد الفاعلين وهو معروف. (وشرط الحكم تابع له) أي وفوات ملك المغصوب منه تابع لوجوب الضمان. قال الإمام شمس الأئمة السرخسي- ﵀: فإن الضمان ضمان الجبر، وإنما يجبر الفائت لا القائم، فكان انعدام ملكه في العين شرطًا لسلامة

стр. 512

الضمان له، وشرط الشيء تبعه، فإنما تراعي صلاحية السبب في الأصل لا في التبع. ثم بعد فوات الملك المغصوب منه من المغصوب لضرورة ملكه في يد له لم يكن أحد اقرب في ثبوت الملك في المغصوب من الغاصب؛ لما أن الضمان وجب عليه فيثبت الملك له أيضًا، فكان ثبوت الملك بالغصب تبعًا للضمان الذي هو مشروع، والتبع لا يعطي له حكم الأصل كما إذا ضحى نصف سبع البدنة لا يجوز بالإجماع، وإذا ضحى ثلاثة أجزاء ونصف سبعة يجوز؛ لأن النصف هنا وقع ضمنا لا حكم له أصلًا؛ بل شرطًا لحكم شرعي؛ لأن النصف هنا وقع ضمنا لا حكم له أصلًا؛ بل شرطًا لحكم شرعي؛ أي بل يثبت الملك للغاصب لكون ثبوت الملك له شرطًا لحكم شرعي وهو الضمان. (فصار حسنًا بحسنه) أي فصار ثبوت الملك للغاصب حسنًا بسبب حسن الضمان عليه إذ لا يمكن إيجاب الضمان على الغاصب بدون أن يخرج المغصوب عن ملك المغصوب منه ويدخل في ملك الغاصب، وإلا يلزم اجتماع البدل والمبدل في ملك رجل واحد وهو المغصوب منه، وليس له نظير في الشرع. وكان الأستاذ الإمام المحقق مولانا فخر الدين المايمرغي- ﵀-

стр. 513

يقول في تقرير قوله: إذا الجبر يعتمد الفوات، أو نمي بيني كه إسبان جامه رابر جاي مي زنيد كه در وي دريدكي بودنه در جائيكه أن جاي درست بود، وإن في قوله: وإن قبح كان مقصودًا به للوصل، يعني: اكر جه قبيح أست زوال ملك المالك در أن حالتيكه زوال ملك مقصود بود بغصب، ولكن حسن بود در آن حالت كه بطريق تبعيت أمر حسن مي شود. وقوله: (في ضمان المدبر) جواب شبهة ترد على قوله: بل يثبت الملك شرطًا لحكم شرعي وهو الضمان بان يقال: يشكل على هذا المدبر فإن الضمان واجب على غصبه ومع ذلك لم يثبت الملك له؟ فأجاب عنه بهذا، وتحقيقه ما ذكر شمس الأئمة- ﵀ فقال: وفي المدبر على هذا الطريق نقول: لما سلم الضمان للمغصوب منه يجعل الأصل زائلًا عن ملكه؛ لأن المدبر محتمل لذلك، ولهذا لو اكتسب كسبًا ثم لم يرجع من إباقه حتى مات كان ذلك الكسب للغاصب، وإنما لم يثبت الملك للغاصب صيانة لحق المدبر، والتدبير موجب حق العتق له عندنا ولهذا امتنع بيعه.

стр. 514

وأما في القن بعد زوال الملك المغصوب منه فلا مانع من دخوله في ملك الغاصب الضامن وهو أحق الناس به؛ لأنه ملك عليه بدله. وذكر في "شرح الطحاوي" فائدة عدم ثبوت الملك لغاصب المدبر في المدبر ان المدبر لو ظهر يرد على مولاه ويسترد منه القيمة، وليس للغاصب حبسه لأجل القيمة؛ لأنه لا يجوز بيعه فلا يجوز حبسه بالدين.

стр. 515

(ولا يدخل في ملك المشتري) أراد به الغاصب لما قلنا: إن مآله المعارضة، فكان الغاصب مشتريًا، أو أراد به المشتري حقيقة؛ لأن من اشترى مدبرًا وهلك في يده ضمن ضمان الغصب، (ولأن ضمان المدبر جعل مقابلًا بالفائت وهو اليد، وهذا طريق جائز. والأول طريق واجب) أي يصرف إليه على الإطلاق. وأما هذا الطريق وهو أن يكون الضمان بمقابلة تفويت اليد إنما يصار إليه عند العجز عن العمل؛ بأن يكون الضمان بمقابلة تفويت ملك الرقبة، والضمان بمقابلة تفويت اليد إنما يكون في ضمان المدبر لا في ضمان القن؛ لأنه لا ضرورة في المصير إلى أن يجعل الضمان بمقابلة تفويت اليد في القن؛ لأنه قابل للنقل من ملك إلى ملك. وقد قلنا: إن كون الضمان بمقابلة تفويت ملك الرقبة هو الأصل المقرر فلا يعدل عنه بدون الضرورة. فكان القول بالضمان بمقابلة اليد أمرًا جائزًا، فإن الضمان قد يكون بمقابلة ما ليس بمال كما قلنا بوجوب الدية في القتل الخطأ، وهذا إنما يكون ضرورة لا أصلًا، وهذه الضرورة إنما يصار إليها في المدبر لا في القن؛ لأنه يمكن هناك إجراء الحكم على ما هو الموجب الأصلي فلا يصار إلى الأمر المحتمل كما قلنا في موجب اللفظ مع محتمله: إن الأصل هو العمل

стр. 516

بحقيقة اللفظ وموجبه، فإذا تعذر العمل بالحقيقة حينئذ يصار إلى المجاز وهو محتمل اللفظ، والمراد من الوجوب والجواز هذا. (وأما الزنا لا يوجب حرمة المصاهرة أصلًا بنفسه) أي من حيث الأصالة بنفسه أي من حيث إنه زنا لما عرف أن الفاسد لا ينتج إلا الفاسد، وحرمة المصاهرة نعمة على ما ذكرنا فكيف تضاف إلى ماهو قبيح وحرام لعينه؟ ولكن إنما ثبت حرمة المصاهرة باعتبار شبهة البعضية والجزئية. بيان ذلك (أن الزنا سبب للماء، والماء سبب لوجود الولد، والولد هو الأصل في استحقاق) حرمة المصاهرة باعتبار أنه جزء الوالدين لما خلق من مائهما على ما قال الله تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن ْنُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾. علم أن الولد جزء لوالديه لما أن المشج- بكسر الميم- ما أختلط من ماء الرجل بماء المرأة، والولد كله يضاف إلى الأب، ويضاف أيضًا كله إلى الأم، فكان الرجل والمرأة صارا شخصًا واحدًا كزوجي الباب وزوجي الخف، فصار جزء الرجل جزء المرأة، فكان آباؤه كآبائها، وأبناؤه كأبنائها، وأمهاتها وبناتها كأمهاته وبناته. وهو معنى ما قال في الكتاب "الأصل في ثبوت حرمة المصاهرة الولد ثم

стр. 517

يتعدى إلى أطرافه". وقيل: هذا التعليل مستخرج من قول عمر- ﵁ وتعليله في عدم جواز بيع أمهات الأولاد: "فكيف تبيعونها وقد أختلط لحومكم بلحومهن ودماؤكم بدمائهن"، وكان ثبوت حرمة المصاهرة بالزنا باعتبار أنه سبب للولد لا باعتبار أنه زنا، فأخذ حكم الأصل وهو الولد في الأصل. لا عصيان ولا عدوان بل هو محترم مكرم داخل تحت قوله تعالى:﴾ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَم ﴿والأصل أن ما قام مقام شيء يعمل عمل أصله لا عمل نفسه. ألا ترى أن الوكالة جائزة غير لازمة، وإذا وقعت في ضمن الرهن أخذت حكم الرهن وهو صفة اللزوم، وبطل حكمها بنفسها لقيامها مقام الرهن، وكذلك عبد الهاشمي إذا أعتقه مولاه أخذ حكم الهاشمي في حق حرمة الصدقة لقيامه مقام مولاه بحكم الاتصال بالسببية، فكذلك هاهنا قام الزنا مقام الولد باعتبار أنه سببه، فأخذ حكم الولد ويهدر وصف الزنا في إيجاب حرمة المصاهرة فكان الولد مثبتًا لحرمة المصاهرة لا باعتبار أنه حلال ولا باعتبار أنه حرام بل باعتبار أنه قام مقام الولد. وقوله: الولد هو الأصل في استحقاق

стр. 518

الحرمات؛ أي في استحقاق حرمة المصاهرة. (ولا عصيان فيه) أي ولا معصية لله تعالى في الولد، أي لم يوجد منه عصيان لله تعالى. (ولا عدوان) أي ولا تعدي، أي لم يوجد منه تعد في حق العباد. (ثم يتعدى منه إلى أطرافه) أي إلى الأب وألام، (وإلى أسبابه) أي إلى أسباب وجود الولد، كدواعي الوطء من القبلة والمس بشهوة. (فإنما يعمل بعلة الأصل) وإذا كان عمله بعلة الأصل صار المنظور إليه الأصل لا القائم مقام الأصل. (وسقط وصف التراب) وهو التلوث. (لقيامه) أي لقيام الزنا (مقام ما لا يوصف) وهو الولد بذلك أي بالحرمة بتأويل التحريم، (في إيجاب حرمة المصاهرة) أي عدم اتصاف الزنا بالحرمة، إنما كان في حق إيجاب حرمة المصاهرة لا غير؛ لأنه في حق غيره هو معصية محضة وفعله فاحشة موجبة للجلد أو للرجم الذي هو أسوأ القتل.

стр. 519

(وأما سفر المعصية فغير منهي عنه لمعنى فيه) يعني أن العاصي في سفره يترخص برخص المسافرين عندنا خلافًا للشافعي، لأن سبب الرخصة السير المديد وهو موجود بصفة الكمال. وأما العصيان فليس في نفس السفر؛ لأن العصيان هو التمرد على من يلزمه طاعته، والبغي على المسلمين ينفصل عن السفر وجودًا وعدمًا، فإنه قد يتمرد على مولاه وهو غير مسافر، بل هو في المصر، ويوجد سفره وهو مطيع على مولاه، وكذلك في قطع الطريق. ألا ترى أن الرجل قد يخرج غازيًا ثم يستقبله غير، فيبدو له فيقطع عليهم.

стр. 520

فعلم بهذا أن النهي عن هذه الجملة كان نهيًا لمعنى في غير المنهي عنه من كل وجه، وبذلك لا يمتنع تحقق الفعل مشروعًا، فلا يمتنع تحقق الفعل سببًا للرخصة بخلاف السكر، فإنه عصيان بعينه فلم يصح أن تتعلق الرخصة بأثره. (ولا يلزم على هذا النهي عن الأفعال الحسية) أي ولا يلزم على ما ذكرنا من أن النهي عن الأفعال الشرعية يقتضي المشروعية في المنهي عنه النهي عن الأفعال الحسية؛ حيث لا مشروعية في المنهي عنه أصلًا بل هو قبيح لعينه؛ (لأن القول بكمال القبح فيها وهو مقتضى مع كمال المقصود) وهو بقاء النهي نهيًا ممكن، أو أن المقصود من النهي هو الابتلاء، ويشترط في ذلك أن يكون العبد قادرًا على تحصيل ما نهي عنه ليكون مبتلى بين أن يكف عنه باختياره ليثاب عليه وبين أن يفعله ليعاقب، وهذا ممكن مع ثبوت القبح بكماله في الأفعال الحسية. ألا ترى أن أقبح القبائح الكفر وهو مقدور للعبد، فثبت أن النهي يتصور فيها مع ثبوت القبح لمعنى في عين المنهي عنه؛ لأن وجوده ليس من الشرع حتى ينعدم بانعدام المشروعية، فوجب القول بكمال القبح فيها وهو الأصل. فأما الأفعال الشرعية فلا يمكن القول بكمال القبح فيها مع بقاء النهي عنها، فلذلك وجب القول فيها على وجه لا يبطل النهي على ما بينا ليبقى مقدورًا للعبد.

стр. 521

(والنهي في صفة القبح ينقسم انقسام الأمر) يعني أن الحسن في المأمور به ينقسم إلى أقسام: منها ما هو حسن لعينه، ومنها ما هو حسن ملحقًا بالحسن لعينه، ومنها ما هو حسن لغيره، وما حسن لغيره ينقسم إلى أن الغير يتأدى بنفس المأمور به، وما لا يتأدى بنفس المأمور به، فكذلك النهي ينقسم إلى هذه الأقسام تحقيقًا للمقابلة؛ لأن النهي يقابل الأمر وأقسامه مذكورة في الكتاب، وهي: (أن القبيح لعينه وضعًا الكفر، وما قبح لعينه ملحقًا به بيع الحر والمضامين والملاقيح، وما قبح لمعنى في غيره) وهو أيضًا على نوعين: (الذي قبح لمعنى في غيره وهو مجاور للمنهي عنه: البيع وقت النداء والصلاة في الأرض المغصوبة، والذي قبح لمعنى في غيره وهو متصل بالمنهي عنه وصفًا وهو صوم يوم النحر والبياعات الفاسدة).

стр. 522

وعن هذا قال مشايخنا- ﵏ في البيع الفاسد ونحوه، فمن حيث إنه مشروع يوجب الصحة ومن حيث إنه قبيح بوصفه يوجب البطلان، فقلنا بالفساد عملًا بالأدلة؛ لأن الأصل في الأدلة إعمالها لا إهمالها، فمن نتيجة فساد الوصف عدم اللزوم بالشروع، ومن نتيجة صحة الأصل لو صامه يخرج عن عهدة نذره. ***

стр. 523

[باب معرفة أحكام العموم] لما فرغ من بيان أحكام الخصوص بأنواعها وشعبها ومتقابلاتها من الأمر والنهي شرع في بيان أحكام العموم، وقدم الخاص على العام؛ لأن الخاص كالجزء للعام، والجزء مقدم على الكل، أو لأن حكمه قطعي بالاتفاق، وحكم العام مختلف فيه. (العام عندنا يوجب الحكم فيما يتناوله قطعًا بمنزلة الخاص) كما إذا

стр. 524

قال: عبيدي أحرار يثبت هذا الحكم في كل فرد من أفراده، كما إذا قال عبدي هذا حر. قوله: (الخاص لا يقضي على العام) قيل: القضاء الإلزام أي لا يلزم الخاص حكمه على العام ولا يرد حكم العام، (بل يجوز أن ينسخ به) حتى إن الخاص إذا كان متقدمًا، ثم جاء العام بخلاف حكم الخاص ينسخ هذا العام المتأخر الخاص المتقدم ويقضي عليه. (نسخ، وهو خاص بقول النبي ﵇ "إستنزهوا من البول") فإن قيل: لم قلتم بأن النسخ إنما ثبت بكونه عامًا بل لكونه محرما؟ قلنا: لا نثبت النسخ بكونه عامًا، ولا لكونه محرما بل نثبت بكونه متأخرًا مساويًا للأول في الرتبة وإفادة الحكم. ألا ترى أن المبيح إذا تأخر ينسخ المحرم المتقدم، والخاص إذا تأخر ينسخ العام إذا كان مساويًا له في الرتبة.

стр. 525

فعلم أن النسخ لا بكونه عامًا ولا بكونه خاصًا ولا بكونه محرما ولا بكونه مبيحًا بل بكونه متأخرًا مساويًا للأول في الرتبة، ولكن لما كان عامًا ناسخًا للخاص المتقدم علم به أن العام مساو للخاص في القوة، فكان فيه رد لقول الشافعي حيث لا يجعله مساويًا للخاص في القوة. فإن قيل: إنما يثبت ما ادعيتم إذا كان العام متأخرًا، ويجوز أنه كان متقدمًا على حديث العرنيين. قلنا: لا كذلك، بل ثبت تأخره وتقدم الخاص بالدليل، وهو أن المثلة قد نسخت بالاتفاق، وهي في حديث العرنيين، فدل الدليل على تقدم ذلك الحديث؛ لأنه كان في ابتداء الإسلام ولم يدل الدليل على تقدم الحديث العام بل فيه مجرد احتمال، والاحتمال إذا لم ينشأ عن دليل لا يكون معتبرًا.

стр. 526

(ومثل قوله ﵇ ((ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" نسخ بقوله ﵇ "ما سقته السماء ففيه العشر"). فإن قلت: لا نسلم أن أبا حنيفة- ﵁ يقول بينهما بطريق التناسخ بل يحمل كل واحد من الحديثين على محل على حدة. وقال في "المبسوط" ويقول أبو حنيفة- ﵀ تأويل قوله ﵇ "ليس فيما دون خمسة أوسق زكاة" التجارة، فإنهم كانوا يتبايعون بالأوساق كما ورد به

стр. 527

الحديث. وقيمة خمسة أوسق مائتا درهم، فحينئذ لم يكن قوله ﵇: "ما سقته السماء ففيه العشر" ناسخًا لذلك الحديث، فلا تتم الحجة لمن تمسك بهذا في أن العام ينسخ الخاص. قلت: قد يكون للكتاب والسنة وجوه من التخريج والحمل، فنقول: يحتمل أن يكون هذا على طريق النسخ، فعلى ذلك الوجه يكون حجة لمن تمسك به، ومثل هذا كثير في التمسكات كما ذكر في "شرح التأويلات" في قوله تعالى:﴾ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَه وَأَنصِتُوا ﴿أختلف أهل التفسير في سبب نزول الآية، فقال بعضهم: كان الكفرة يقولون﴾ لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ ﴿، فأمر الله للمؤمنين بالاستماع إليه مكان قولهم﴾ لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ ﴿، وبه قال مقاتل.

стр. 528

وقال بعضهم: فإن نزولها في حق الخطبة. وقال بعضهم: فإنه في حق الصلاة. قال الشيخ- ﵀ فعلى تقدير نزولها في حق الصلاة كان فيها دلالة على النهي عن القراءة خلف الإمام؛ لأنه أمر بالاستماع والإنصات له، فكان هو حجة لنا على الخصوم. (فيمن أوصى بخاتمه لإنسان ثم بالفص منه لآخر بكلام مفصول) قيد بالمفصول؛ لأنه إذا كان هذا في كلام موصول كانت الحلقة للأول والفص للثاني من غير اشتراك فيه بالإجماع. وأما إذا كان في كلام مفصول قال هاهنا مطلقًا إن (الفص بينهما)، وذكر بعد هذا (وهذا قولهم جميعًا). وذكر في "زيادات العتابي" و"قاضي خان" و "الهداية" أن هذا قول

стр. 529

محمد- ﵀ وكأنه لم يعتبر خلاف أبي يوسف. وذكر في "المنظومة" في باب اختلاف الآخرين: فالفص للثاني ولم يستهما.

стр. 530

فعلم بهذا أن على قول محمد يستهمان. فإن قلت: كيف يصلح هذا نظيرًا للعام، والعام هو ما كان أفراده متفقة الحدود، وليست حلقة الخاتم مع فصها متحدين في الحدود، وليستا بأفراد بل فردان، فكيف يصلح نظيرًا للعام؟ قلت: سنذكر جواب هذا وما يلحقه في باب البيان إن شاء الله تعالى. (ولولا إستواؤهما وقيام المعارضة بينهما لما وجب الترجيح بدلالة العقد)؛ لأن الترجيح يعتمد المساواة إذ لا ترجيح عند عدم المساواة، بل يعمل بالأقوى دون الأدنى؛ لأنه لا يقاومه ولا يساويه حتى يقال: إن الدينار راجح على الدانق؛ لأنه لا مساواة بينهما أصلًا بوجه من الوجوه.
следующие страницы →