Полный текст (2 351 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله بارئ البرايا، ومعطي العطايا، مشرِّعُ شوارع الشرع، ومُظهر قواعد الأصل والفرع، ملةٌ مرضية، وسنةٌ سنية أحمده على ما أقدرني على الحمد بالتوفيق، وأستوفقه على مزيد الطاعات وتكثير التحقيق، وأشهد علمه على إيماني وإسلامي، وأسترحمه عند مضيق حالي وإسلامي، مستشفعًا بنبي الرحمة، وكاشف الغمة محمد -صلى الله عليه- وعلى آله الأخيار، وأصحابه الأبرار.
وبعد:
فإن الإقدام في مثل هذا الأمر الذي أنا بصدده شأو بطين حصن حصين، لا يفتحه إلا من كثر جثوه عند مهرة هذه الصنعة من أولى الألباب، وقرعت مسامعه مرة بعد أخرى بفوائد هذا الكتاب، وكان مع ذلك ذا طبيعة منتجة، وقريحة مبهجة، وكلما وقع في مضيق خرج فيه وجهًا رائعًا،
стр. 2
وأصلا فارعًا لا ممن يحار فيه بالسكوت ولا يهتدي، أو ممن يفرط بالكلام ويعتدي، بل يتكلم مستقيم تقبله الأصول وترتضيه العقول، وكان قد لازم آونة من اختص بتخريج مصنفات فخر الإسلام، وقد بقي أزمنة باستكشاف معضلاته بين أئمة الأنام، راجعًا ومرجعًا، وصادرًا ومصدرًا، وها أنا قد تصديت لشرح هذا الكتاب، وفسر ما يؤتيه بفصل الخطاب بتوفيق الله الملك الوهاب، وهو الكتاب المنسوب إلى الإمام الزاهد المحقق والحبر المدقق ذي البركات الباهرة والكرامات الظاهرة فخر الإسلام أبي الحسن علي بن محمد بن الحسين البزدوي ﵀.
وقد بلغتني رواية هذا الكتاب بالأستاذين المذكورين في «النهاية في شرح الهداية».
стр. 3
مع زيادة أن صاحب الهداية)) يرويه عن الشيخ الإمام الزاهد الحافظ نجم الدين أبي حفص عمر بن محمد بن أحمد بن إسماعيل النسفي، وهو عن المصنف ﵏ وكان يكثر اقتراح المحكّمين والتماس الملتمسين إياه.
وأنا لا أقبله بل آباه لما أنه هو الغاية القصوى، والطامة الكبرى، فلذا لم أتجاسر
стр. 4
في التارت الأول وأحيان جزائل النبل التي قدمتها من الشروح، وما حوت من الفوائد التي هي متقاربة الخطي في الوضوح وأما هذا الشرح فليس من القبيل، فإن الخابط فيه كثير لا قليل لكن المتطلعين على «الوافي» و «النهاية» أحسنوا الظن بي، واستدلوا بهما على حصول مرادهم على الكفاية حتى اقر نبعوا في الاقتراح على الغاية، فأنينما توجهت إلى البلدان الشاسعة والأسفار الجازعة تضامت كبراؤهم في الاحتكام هنالك، كأنهم تساروا في التواصي على ذلك مع تباين مسافاتهم النازحة، وتباعد طرقهم الطالحة.
قلت: ليس هذا إلا أمرًا قد أراد الله فيه خيرًا، حيث استحسنوه على اللزن «وما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن»، ولو لم يكن فيه إلا ما
стр. 5
التمس به أخي في الله الإمام البارع، الورع، الرباني، العالم، الزاهد، الصمداني، سابح بحار الفقه ولحجها وشارح أدلة الشرائع وحججها، منبع عيون الرواية ومشرع متون الدراية، النابذ لأمور الدنيا بحوافها ولذاتها، والمقبل على أمور العقبى بمشاقها وكراتها، الأخ الصديق العطوف، والحب الشفيق برهان الدين أحمد بن أسعد بن محمد الخريف عني البخاري أدامه الله، وشكر مساعيه، وزاد توفيقه في الدين ومعاليه لكان الواجب على التلقي بالاستجابة، والإقبال بالاستطابة، فإن -سلمه الله تعالى- كان يوصيني به مرارًا، ويكرمني بالالتماس به سرًا وجهارًا، فأجبته في ذلك بأمره مؤتمرًا، ولمودته مزدهرًا.
стр. 6
ثم اعلم: أني ضمنت فيه أن أجمع بين نسختي الفوائد:
إحداهما: الفوائد الصادرة من الإمام السابق في البيان الفائق، صاحب الأصول والفروع، ومعدن المعقول والمسموع مولانا بدر الدين محمد بن محمود بن عبد الكريم الفقيهي الشحنوي الكردري ﵀.
والثانية: الفوائد الصدرة من الإمام، العالم، الرباني، العامل، الصمداني، حبر الأمة، محي السنة مولانا حميد الدين الضرير على بن محمد ابن علي الرامُسي البخاري ﵀ مع اختلاف نسخ له فيه، وزدت عليهما ما ليس فيهما مما يقتضيه المشروح بعد الاستحكام، وما يلتجي إليه ذلك الموضوع المنعوت بالاستبهام، واكتفيت عن ذكر المناسبات والانحصارات وسائر ما يعاد ذكره من البينات إلا ما تمس إليه الحاجة من الشرح «الكافي» بما ذكرته في «الوافي» اختيارًا لما يضبط أمره في التبيين، وهو حسبي ونعم المعين.
стр. 7
قال الإمام مولانا بدر الدين الكردري ﵀:الأصل ما يبنى عليه غيره، والفرع ما يبنى على غيره. ثم قال ناقلًا عن الإمام العلامة مولانا شمس الدين الكردري ﵀: فأهل الجاهلية عند الحلول والارتحال كانوا ينشدون الأشعار، فرفعت الشريعة ذلك، وشرعت ذكر اسم الله -تعالى- مكانه، فقالوا: بسم الله أحل وبسم الله أرتحل، فعلى هذا كان في (بسم الله)
стр. 8
محذوف، إما في الأول، أي أبدأ أو ابتدائي بسم الله، أو في الآخر أي بسم الله أبدأ أو ابتدائي. وفي (الرحمن) مبالغة، حتى شمل المؤمن، والكافر، والمطيع، والعاصي، كالعطشان، والغضبان. وفي (الرحيم) دوام، كالجليس والأنيس والنديم، وهذا في حق المؤمن.
قوله ﵀: (الحمد لله خالق النسم، ورازق القسم).
اعلم: أن المصنف ﵀ راعي في هذه الألفاظ ما هو المقُول في شرط التصنيف، وهو أن ذكر التحميد متضمنًا مضمون التأليف من شرط صحة التصنيف، وهذا كذلك، وذلك أن هذا الكتاب صُنف لبيان أصول الفقه.
والفقه: معرفة النفس مالها وما عليها، وهو المنقول عن أبي حنيفة -
стр. 9
رحمه الله- فلما كان الفقه معرفة النفس بدأ الشيخ ﵀ كتابه بقوله: (خالق النسم)، فإن النَّسم جمع نسمة، وهي الإنسان. كذا في الصحاح. ثم أعقبه بقوله: (ورازق القسم) أي الأعطية، لما أن النَّسم محتاجة إلى الأرزاق للبقاء، فكان فيه ذكر ابتداء وجود الأناسي وذكر بقائهم، وهو المرادون في خلق العالم، وإليه وقعت الإشارة في قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾، فكان في ذكر ابتداء خلق الأناسي
стр. 10
وذكر بقائهم عند ابتداء ذكر كتاب أصول الشرائع التي هي مشروعة على الأناسي مناسبة ظاهرة.
ثم إن الله تعالى لما خلق هذا النَّسم على طبائع مختلفة، وأهواء متشتتة، وخلق متفاوتة، بخصائص ولوازم لا تدخل تحت الحصر والوهم، ولا تنضبط في الفهم، من موجبات الحكمة كان مبدعًا للبدائع.
فلذلك قال: (مبدع البدائع)، ثم لما جُبلت هذه البدائع التي هي الأناسي على طبائع متبائنة تهيجهم الشهوة وتزعجهم الغضبة على حسب مألوف طبعهم، ومن جراه يقع بينهم التجاذب، والتضاغن، والتقاتل بحيث يقع به الإفناء. كانوا محتاجين إلى الدين المانع من تلك المخالفة، والجامع على الألفة والموافقة. وهو شرع الشارع الشرائع، فقال: (وشارع الشرائع).
ثم ذكر الوصف الحميد للشرائع؛ لترغيب الطلبة في اكتساب المفاخر الدنيوية وإحراز السعادات العُقبوية، فقال: (دينا رضيًا، ونورًا مضيًا، وذكرًا للأنام، ومطية إلى دار السلام).
فإن قوله: (وذكرًا للأنام) أي وشرفًا، كما في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ أي شرفكم، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ أي لشرف لك.
стр. 11
وقيل في قوله: (ونورًا مضيًا): صنعة التخيل، كأنه تخيل بهذا قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ فالسراج: الشمس، وهي ضياء كما في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً﴾، فكأنه جعل الدين شمسًا أي في غاية الظهور والوضوح، وقمرًا أيضًا أي فيه نوع خفاء مع ذلك، فإن الدين في نفسه بين واضح جلي لا يستتر على ذي عينين، وبين خفي مبهم مشكل لا يكاد ينجلي إلا لذي لب متأمل يدرك بتأمله، كالقمر لا يرى فيه شيء إلا بتكلف وتبصر.
ثم انتصاب قوله: (دينًا رضيًا ونورًا مضيًا) على الحال من قوله: (الشرائع) والعامل فيه شارع.
فإن قلت: وشرط الحال أن يكون فيهما معنى الصفة أو تأويل معنى الصفة، وليس هو في قوله: (دينًا) ولا في قوله: (نورًا) فلا يصح انتصابهما على الحال لعدم الشرط.
قلت: فيهما معنى الصفة؛ لوجود معنى الصفة في صفتهما، وهو قوله: (رضيًا، ومضيًا) فكأنه قال: وشرع الشرائع في حال كونها دينًا رضيًا، أي
стр. 12
منعوتًا بالرضا. فكان هذا عين نظير ما ذكر في ((الكشاف)) في أول حم السجدة في قوله: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾. وقال: هو نصب على الحال؛ أي فصلت آياته في حال كونه قرآنا عربيا.
وكذا ذكر أيضا في سورة الزمر في قوله: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٧) قُرآنًا عَرَبِيًّا﴾ وهو حال مؤكدة كقولك: جاءني زيد رجلًا صالحًا وإنسانًا عاقلًا، فأوقع قوله: ﴿قُرآنًا﴾ حالًا مع أنه غير صفة لكونه موصوفًا بصفة، فكأنه قيل: موصوفًا بالعربية، فكذلك هنا.
ولما وصف الله تعالى بكونه خالق النِسم، ورازق القسم، ومُبدع البدائع كان مستوجبًا للحمد، فقال: (أحمده على الواسع والإمكان). وإنما خص الوسع والإمكان؛ لأن الحمد لله تعالى على قدر ما يستحقه الله تعالى ليس في وسع البشر ولا في وسع غيره.
ثم ذكر الإمكان مع الوسع؛ لأن الإمكان أعم من الوسع فكانا متغايرين، فصح عطف أحدهما على الآخر، وهذا لأن الوسع عبارة عن القدرة على الشيء والطاقة فيه، فربما كان الشيء ممكنًا في نفسه لكن لم يكن هو مقدورًا
стр. 13
له عليه في الحال كالألوف المنقودة من الدنانير والصباح الممسودة من الجواري مثلًا، فإنها ليست في مقدورك وإن كانت ممكنة في نفسها.
(الرضوان): الرضا.
قوله ﵀: (وأصلي عليه، وعلى آله، وأصحابه، وعلى الأنبياء، والمرسلين).
فإن قلت: سلمنا أن نبينا ﵇ أفضل الأنبياء، فتقديمه على الأنبياء كان أمرًا مستحقًا، فأما الصحابة فليسوا بمفضلين على الأنبياء؛ لما أن الولي -وإن جل قدره- لا يساوي درجة النبي، فكيف الفضل عليها؟ ثم مع ذلك كيف قدم الشيخ -رحمه اله- ذكر الآل والأصحاب على ذكر الأنبياء والمرسلين في ذكر الصلاة عليهم؟!
стр. 14
قلت: ليس هذا من قبيل تفضيل الولي على النبي، بل من قبيل تتميم الصلاة على نبينا ﷺ .
فإن تقديم نبينا ﵇ على سائر الأنبياء لما كان أمرًا مسلَّما كان تقديم وتتميم الصلاة عليه على سائر الأنبياء أيضًا وجب أن يكون أمرًا مسلمًا.
قوله: (العلم نوعان). فقوله: (العلم) مبتدأ، و (نوعان) خبره، فمن شرط المبتدأ أن يكون أخص من الخبر أو مساويًا له ليفيد فائدته، وأما أن يكون المبتدأ أعم من الخبر فلا، فلذلك لا يقال: الحيوان إنسانٌ، ولكن يقال: الإنسان حيوان أو حيوان ناطق.
ثم العلم عام؛ لأنه يتناول علم الفقه والنحو والنجوم غير ذلك.
وقوله: (نوعان) خاص، لما أن العلم أنواع لا نوعان فحسب، فلا يستقيم هذا من حيث الظاهر، لكن المصنف ﵀ أراد من هذا العلم الخاص بدلالة حاله؛ لأنه في بيان الصول، وبيان ما هو للكلف، وما هو عليه، فكان تقديره: العلم الذي نحن بصدده نوعان، أو العلم الذي ابتلينا به نوعان، أو العلم المنجيء نوعان، فكان المبتدأ مساويًا للخبر.
(علم التوحيد والصفات) وإنما ذكر علم التوحيد والصفات هنا مع أنه في بيان أصول الفقه لا في بيان أصول الدين؛ لأنه لما حصر العلم -أي العلم الذي اُبتلي بتعلُّمه- على نوعين لا غير، وجب عليه بيان ذينك النوعين، حتى
стр. 15
أن شمس الأئمة والقاضي أبا زيد -رحمهما الله- لما لم يذكرا في كتابيهما حصر العلم على نوعين، لم يذكرا علم التوحيد والصفات. ثم المصنف ﵀ إنما ذكر حصر العلم على هذين النوعين؛ لأن العلم الذي يهمنا ويسعدنا ويبلغنا إلى درجة الكمال في الدنيا والآخرة، هذا العلم وإن كان اكتساب غيره أيضًا قد يكون من المناقب السنية والفضائل العلية، لكن يكون لك على وجه الوسائل إلى هذا العلم، لا على وجه المقاصد بنفسه. ثم قدم بيان علم أصول الدين على علم الشرائع والأحكام؛ لأن علم أصول الدين أصل جميع العلوم -على ما قررنا في صدر ((الوافي)) -فوجب تقديمه على غيره.
التوحيد: يكي دانستن، ويكي كفتن، ويكي اعتقاد كردن.
(والصفات) أي العلم بأن لله تعالى صفات؛ من العلم والقدرة، والحياة، وغيرها من صفات الكمال. والله تعالى قديم بجميع صفاته. فيعلم بهذا أنه من المثبتة لا من المعطلة كالمعتزلة.
стр. 16
(وعلم الشرائع) أي العلم بالمشروعات من السبب، والعلة، والشرط، والعلامة، والفرض، والواجب، والسنة وغير ذلك من المشروعات، فكان الشرائع أعم من الفقه والأحكام؛ لأن الفقه هو: الوقوف على المعنى الخفي وعلى الدلائل الشرعية، والحكم هو: الأثر الثابت بالعلة، فكانا أخص من الشرائع كما ترى، ولكن الأحكام هي المقصودة منها، فأفردها بالذكر.
(والأصل في النوع الأول التمسك بالكتاب والسنة). أي الأصل في علم التوحيد والصفات التمسك بالكتاب.
فإن قلت: لا نسلم أن الأصل فيه التمسك بالكتاب والسنة؛ لأنه لو كان
стр. 17
فيه الأصل الكتاب، لما كان أهل الفترة مؤاخين بالتوحيد، بل هم مؤاخذون به بدليل قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾، هذا تنصيص على أن أهل الجاهلية كانوا مؤاخذين بالإيمان قبل نزول الكتاب إليهم. إلى هذا أشار في ((التأويلات)).
قلت: نعم كذلك، إلا أن ما ذكره المصنف ﵀ في حق أهل التوحيد تدينا، بدليل ما ذكره في النظير من أهل الاعتزال والخوارج، إلا أن بعضهم بسبب الأهواء والبدع ربما أفضى مذهبهم إلى القول بالاشتراك مع أنهم ينزهون أنفسهم عنه، كقول أهل الاعتزال بأن أفعال العباد مخلوقة لهم، فكانوا قائلين بإشراك العباد في الخلق لله تعالى، فقال المصنف في مثل هذا: إن الأصل في نفي الإشراك وإثبات التوحيد التمسك بالكتاب والسنة،
стр. 18
ففي الكتاب دليل على أن أفعال العباد ليست بمخلوقة لهم لقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾، وأفعال العباد شيء، فكان الله خالقا لها أيضًا، وكذلك في الصفات.
وأما قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ﴾، ففي حق أهل الكفر من أهل الجاهلية صريحًا، ولم يكن لهم الكتاب، فكان عليهم أن يتأملوا في التوحيد فيؤمنوا بالله وحده؛ لوضوح الدلائل عليه على ما قال القائل:
وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد
فلما لم يتأملوا في التوحيد حتى بقوا على الإشراك كانوا مؤاخين لذلك، ولأن كل واحد من أهل الحق والباطل يدَّعي أن الذي قلته هو موجب العقل لا موجب الهوى، فلا بد من حاكم يحكم بأن الذي قاله هذا الصواب، وهو
стр. 19
موجب العقل لا موجب الهوى، وأما الذي قاله الآخر فهو موجب الهوى وهو باطل، وذلك الحاكم هو الكتاب والسنة، فلما تم الحكم بالكتاب والسنة صار كأن الأصل الكتاب وما يتبعه فيه؛ لأن العبرة للمتمم لا للمبتدئ، فلذلك أضاف الأصالة في التمسك في التوحيد إلى الكتاب والسنة.
(ومجانبة الهوى والبدعة). فالهوى: ميلان النفس إلى ما يستلذ إليه الطبع من غير دليل شرعي على شرعيته، والبدعة هي: الأمر المحدث الذي لم يكن هو من فعل الصحابة ولا من التابعين ولا ما اقتضاه الدليل الشرعي، فكان الهوى على هذا التفسير بالنسبة إلى نفسه، والبدعة بالنسبة إلى غيره.
(ولزوم طريق السنة). أي عقيدة الرسول ﵇ (والجماعة) أي عقيدة الصحابة.
(أدركنا مشايخنا) أي أستاذينا كالإمام أحمد الطواويسي،
стр. 20
والإمام شمس الأئمة الحلواني للمصنف ﵏
(وعامة أصحابهم). وإنما قيد به لما أن بعض أصحاب أبي حنيفة ﵀ كان موسومًا بالبدعة والهوى كبشر المريسي.
стр. 21
(كتاب الفقه الأكبر) سماه أكبر لما أن كبارة العلم وشرفه بحسب كبارة المعلوم، فلما كان المعلوم منه ذات الله تعالى وصفاته، لا يكون علم أكبر من ذلك العلم، فلذلك استحق أن يسمى بالفقه الأكبر.
(وكتاب الرسالة) وهو كتاب بعثه أبو حنيفة ﵀ إلى عثمان البتي ﵀ وهو من أصحابه. (وأن ذلك كله بمشيئة الله) وقد
стр. 22
حكي أن محمودًا المتكلم -من المعتزلة- ناظر مع ابن فورك وهو من أهل السنة، فقال محمود: سبحان من تنزه عن الفحشاء.
وقال ابن فورك: سبحان من لا يجري في ملكه خلاف ما يشاء.
стр. 23
(وقال: لا يكفر أحد بذنب). أي إذا لم يقصد بذلك خلاف أمر الله، بل فعل ذلك لغلبة شهوة أو غضبة حملته إليه، لا على قصد المخالفة أو الاستهانة بالمعصية. فبهذا يعلم أنه لم يكن على مذهب الخوارج، فإن عندهم من عصى كفر سواء كانت المعصية صغيرة أو كبيرة.
(ولا يخرج به من الإيمان). يعلم بهذا أنه لم يكن على مذهب أهل الاعتزال، فإن عند المعتزلة من أذنب كبيرة يخرج به من الإيمان.
(ويترحم له) أي يبقى هو محلًا للرحمة، فإن صاحب الكبيرة إن مات من غير توبة من كبيرته كانت عاقبة أمره الجنة مرحمة عليه، ولا يخلد في النار. ويقال له أيضًا: ﵀.
(إمامًا صادقًا) أي كان هو مقتدي الأمة في العلوم الإسلامية على
стр. 24
التحقيق، ويحتمل أن المصنف ﵀ إنما قال هذا جوابًا لاعتراض معترض عسى أن يقول: إن أبا حنيفة ﵀ إنما قال هذه الأحكام في مصنفه هكذا -من إثبات الصفات وغيره -لا عن علم به وتبصر، فإنه كان مشتغلًا بتخريج المسائل الفقهية الشرعية، لا في أصول الدين؛ فإنه لم يكن له حظ منه. فرد هذا الاعتراض بقوله: وكان في أصول الدين إمامًا صادقًا لا كما يظنه جهلة أهل البدع.
(أن من قال بخلق القرآن). أي القرآن الذي هو صفة قائمة بذات الله تعالى.
وأما القرآن الذي هو مكتوب في مصاحفنا، ومحفوظ في صدورنا، ومقروء بألسنتنا، فلا خلاف بيننا وبين المعتزلة أنه مخلوق.
стр. 25
(فهو كافر)؛ لأن فيه إنكار الشرائع من الصلاة والزكاة وغيرهما، وهذا لأنه لما كان مخلوقًا لم يكن صفة لله تعالى، ولم يكن الله تعالى آمرًا ولا ناهيًا؛ لما أن أمره ونهيه إنما عُلما بالقرآن، فكان فيه القول بارتفاع الشرائع وبطلانها بمرة، وهو كفر صريح -نعوذ بالله من ذلك.
(وصح هذا القول عن محمد ﵀).
قال الإمام العلامة مولانا شمس الدين الكردي ﵀: وصل هذا القول إلينا عنهم بطريق الآحاد، وأما المشهور منهم فإنهم قالوا: لا تكفروا أهل قبلتكم.
(ودلت المسائل المتفرقة عن أصحابنا).
стр. 26
منها: قوم صلوا بجماعة في ليلة مظلمة، فصلى كل واحد منهم إلى جهة، فمن علم منهم حال إمامه فسدت صلاته؛ لأن الإمام عنده مخطئ، فلو كان كل مجتهد مصيبًا في اجتهاده لما فسدت صلاته، كما إذا صلوا في جوف الكعبة.
ومنها: ما ذكر في كتاب الإيمان: رجل قال: إن لم آتك غدًا إن استطعت فامرأته كذا. يقع على سلامة الآلات والأسباب. فإن قال: عنيت به حقيقة
стр. 27
الاستطاعة وهي القدرة المقارنة للفعل -صدق ديانة.
فعلم بهذا أنهم قالوا بوجود القدرة المقارنة للفعل، وفيه رد لمذهب أهل الاعتزال.
ومنها: أن من حلف ليقلبن هذا الحجر ذهبًا أو ليمسَّنَّ السماء. قال: انعقدت يمينه، وحنث عقيبها؛ لأن ذلك متصور بطريق الكرامة، وفيه أيضا رد لمذهب أهل الاعتزال.
ومنها: ما قالوا: إن القاضي إذا قضى بشهادة الفُسَّاق نُفَّذ قضاؤه بناء على أن المؤمن -وإن ارتكب كبيرة- يبقى مؤمنا، وفيه رد قول أهل الاعتزال.
وكذلك قالوا: إن اجتنب الكبائر قُبلت شهادته وإن ألم بمعصية
стр. 28
صغيرة، وفيه رد قول الخوارج.
ومنها ما ذكر في ((الجامع الصغير)) محمد عن يعقوب عن أبي حنيفة ﵏ في ميراث رجل قسم بين غرمائه، قال: لا آخذ من الغريم كفيلًا ولا من الوارث، هذا شيء احتاط به بعض القضاة، وهو مذهب أبي حنيفة ﵀ خلافًا لهما.
وقوله: ((ظلم))، أي ميل عن سواء السبيل، وبهذا يعلم أن أبا حنيفة ﵀ كان يعتقد أن المجتهد يخطئ ويصيب؛ لأن الأصل في القاضي
стр. 29
أن يكون مجتهدًا خصوصًا في ذلك الزمان، ومع ذلك نسب قضاء بعض القضاة إلى الظلم، فكان مخطئًا في قضائه لا محالة، فكان أبو حنيفة -رحمة الله عليه- معتقدًا أن المجتهد قد يخطئ وقد يصيب، وهو مذهب أهل السنة والجماعة، خلافًا للمعتزلة، فإنهم يقولون: كل مجتهد مصيب.
ومنها: ما ذكر في كراهية (الجامع الصغير)): يكره أن يقول الرجل في دعائه: أسالك بمعقد العز من عرشك، أو بمقعد العز من عرشك. أجمعوا على أنه لا تجوز العبارة الثانية وهي من القعود؛ لأنها توجب حدوث صفة الله تعالى، والله تعالى بجميع صفاته قديم.
ومنها: أنهم بنوا مسائل كثيرة على الفعال الاختيارية من العباد، كما في الحدود والقصاص والغصوب، فعُلم بهذا أنهم لم يكونوا من المجبرة.
стр. 30
(حتى قال أبو حنيفة ﵀ لجهم) وهو جهم بن صفوان الترمذي رأس الجبرية، ومن مذهبه: أن الجنة والنار تفنيان، وأن الإيمان هو المعرفة فقط دون الإقرار، وأنه لا فعل لأحد على الحقيقة إلا لله تعالى، وأن العباد فيما ينسب إليهم من الفعال كالشجرة تحركها الريح، والإنسان مجبر في أفعاله لا قدرة له ولا إرادة ولا اختيار. كذا في ((المغرب))، وهكذا أيضًا في ((تبصير الأدلة)).
(على ما نطق به الكتاب والسنة). نحو قوله تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ الآية، وقوله عليه
стр. 31
السلام: ((الصراط جسر ممدود على وجه جهنم)).
وما روي عن النبي ﵇: أنه مر بقبرين جديدين فقال: ((إنهما ليعذبان وما يعذبان بكبير؛ أما أحدهما فإنه كان لا يستتره البول، والآخر كان يمشي بالنميمة)).
(هذا فصل يطول تعداده) أي النوع الأول وهو علم التوحيد والصفات
(والنوع الثاني علم الفروع وهو الفقه) أي علم الفقه فرع على علم أصول الدين، وهو علم التوحيد والصفات، فأصالة أصول الدين إنما تكون باعتبار إثبات حدوث العالم، فعلم إثبات حدوث العالم أصل جميع العلوم الإسلامية، وقد ذكرنا وجهه في ((الوافي)).
стр. 32
(علم المشروع بنفسه) أي علم المبَّين حكمه، وهو علم الجواز والفساد، والحلال، والحرام.
(وهو معرفة النصوص بمعانيها) أي مع عللها، والسلف لم يستعملوا لفظ العلل، بل استعملوا المعاني مكان العلل، كما في قوله ﵇: ((لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى معان ثلاث)). أي إلا بإحدى علل، والدليل عليه تأنيث الإحدى، وكما في لفظ ((القدوري)): والمعاني الناقضة.
стр. 33
ثم نظير ما ذكر من معرفة النصوص بمعانيها هو أن يعرف معنى قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾، أن المراد به انتقاض الطهارة بالخارج من السبيلين؛ بسبب أنه نجس خارج من بدن الإنسان، ويقيس عليه الفصد والحجامة بهذه العلة الجامعة بينهما. وهكذا أيضًا نظير (ضبط الصول بفروعها). أو نقول: هو أن يعرف أن الحقيقة مع المجاز لا تجتمعان، وهذا أصل، وفرعه وهو: أن يعرف أن المس لا يكون حدثًا في قوله تعالى: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ لأن المجاز -وهو الجماع- تعين مرادًا بهذا النص، فلا تبقى الحقيقة مرادة.
(والقسم الثالث وهو العمل به)؛ لأن العلم وسيلة، والمقصود العمل. قال ﵇ في دعائه: ((أعوذ بالله من علم لا ينفع)) وفسره بعلم لا يعمل به.
стр. 34
(حتى لا يصير نفس العلم مقصودًا)؛ لأن المقصود من هذه المشروعات الابتلاء، والابتلاء إنما يتحقق بالعمل والعلم لا بالعلم فحسب، ولا يقال: كيف جعل العمل من قسم العلم بقوله: ((والقسم الثاني علم الفروع وهو الفقه، وهو ثلاثة أقسام ....)) إلى آخره. مع أن العمل مغاير للعلم حدا وحقيقة، فكيف جعل العمل من قسم العلم؟
لأنا نقول: إن جعل العمل من قسم العلم حصل من تأويلنا للقسمة الأولى التي قسمها المصنف بقوله: ((العلم نوعان))، أي العلم المنجيء من العقاب نوعان، والعلم إنما يكون منجيًا من العقاب أن لو كان العمل مقرونًا بذلك العلم.
(فإذا تمت هذه الوجوه كان فقيهًا). ذُكر أن أعرابيا دخل على رسول الله ﷺ وقال: علمني يا رسول الله سورة من القرآن، فعلمه سورة ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ حتى إذا بلغ إلى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه﴾ فقال الأعرابي: حسبي يا رسول الله، فقال ﵇: ((فقه الرجل)). سماه فقيهًا حين علم منه أنه يضم العمل إلى العلم.
(وقد دل على هذا المعنى) أي على ما ادعينا من أن الفقه عبارة عن إتقان المعرفة بالشيء مع العمل به.
стр. 35
(والحكمة): صواب كاري كردن دركردار ودر كفتار.
وقيل: الحكمة: هي العلم مع العمل؛ لأنه إنما يسمى الفعل حكمة إذا كان ذلك الفعل عن علم، ثم إنما يسمى الرجل العالم حكيمًا إذا عمل بما علم؛ لأنه إذا لم يعمل بعلمه كان سفيهًا لا حكيمًا. والتنكير في قوله: ﴿فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ تنكير تعظيم، كأنه قال: فقد أوتي خير كثير. يعني هو غاية في الخيرية والكثرة، كما تقول: مررت برجل أي رجل. أي كامل في الرجولية.
(وقد فسر ابن عباس ﵄ الحكمة في القرآن بعلم الحلال والحرام). فتفسير ابن عباس ﵄ جنس الحكمة المذكورة في
стр. 36
القرآن بعلم الحلال والحرام لا يخلو من أحد وجهين: إما أن يكون العمل مقرونًا بذلك العلم، أو يكون المراد منه مجرد العلم بدون العمل، والثاني منتف بقرينة الخير الكثير، فإن ذلك عبارة عن حفظ النفس عن الآفات في الدنيا، ودفع العقوبات في العقبى، ولن يكون العلم كذلك إلا بالعمل به؛ فلذلك كانت الحكمة متضمنة لهذا العلم مع العمل، فحصل من هذا أن تفسير ابن عباس ﵄ الحكمة بعلم الحلال والحرام، والفقه عبارتان عن معبر واحد؛ فلذلك كان تفسير الحكمة بهذا تفسيرًا للفقه أيضًا.
أو نقول: فيتفسير ابن عباس ﵄ للمحكمة: يُعلَم العلم؛ لأنه فسر الحكمة أولا بعلم الحلال والحرام، وبتفسير أهل اللغة الحكمة: يُعلم العمل، ثم فسر ابن عباس ثانيًا الحكمة بالفقه، فبمجموع هذين التفسيرين يُعلم أن الفقه عبارة عن العلم مع العمل؛ لأن ابن عباس ﵄ جعل الفقه تفسير الحكمة، وهي عبارة عن العلم مع العمل، فكان تفسيره أيضًا كذلك، وغلا لا يكون تفسيرًا له. وكان شيخي ﵀ يقول: الفقه من له رواية، ودراية، وعمل.
стр. 37
وقوله: ﴿بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾. قيد الموعظة بالحسنة دون الحكمة؛ لأن الحكمة حسنة أينما كانت، وإلا لا تكون حكمة.
وأما الموعظة فقبيحة في غير موضعها.
(قال الشاعر) وهو رؤبة، ونسب هذا القول في ((أساس البلاغة)) إلى عطاء السندي، وقال فيه: (أرسلت فيها مقرما ذا تشمام).
стр. 38
(أرسلت فيها) أي في النوق. (قرمًا) أي فحلًا، فإن القَرْمَ: البعير المكرم الذي لا يحمل عليه ولا يذلل، ولكن يكون للفحلة، ومنه قيل للسيد: قَرْم.
(ذا إقحام): در اوردن جيزي در جيزي بعنف.
(طبًا) أي فحلًا ماهرًا بالضراب الضراب: كشتي كردن شتر.
(بذوات الأبلام): الأبلام -بفتح الهمزة-: جمع بلمة بتحريك اللام، يقال: ناقة بها بلمة شديدة إذا اشتدت ضبعتها. الضبعة -بقتح الباء-: بكشتي آمدن شتر. يقال: أبلمت الناقة إذا ورم محياؤها من شدة الضبعة، ورأيت شفتيه مبلميتين إذا ورمتا.
فوجه التمسك بهذا البيت هو أنه وصف القرم أولًا بالإقحام وهو عبارة عن العمل، وبالطب ثانيًا، وهو عبارة عن العلم، ثم أطلق عليه اسم الفقه، فعلم بهذا أن الفقه عبارة عن العلم والعمل به لغة.
فإن قيل: فعل الإرسال يتعدى إلى المفعول الثاني بكلمة ((إلى)) كما في
стр. 39
قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ فكيف عُدي هاهنا بكلمة في؟
قلت: ذكر ((في)) هاهنا ليس لبيان التعدية إلى المفعول الثاني، بل لإعلام المحل وبيان كون النوق موضعًا للإرسال، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنذِرِينَ﴾.
(فمن حوى هذه الجملة كان فقيهًا مطلقًا)، وهو المراد بقوله ﵇: ((ولفقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد)).
﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ جرابيرون نمي آيد ازهر كروهي يك كس. قال ابن عباس ﵄: الطائفة تقع على الواحد
стр. 40
فصاعدًا، أي فلولا نفر من كل جماعة كثيرة جماعة قليلة، وللآية تأويلان:
أحدهما: أن النبي ﵇ إذا خرج للغزو كان المسلمون كلهم يرغبون في الخروج معه، فورد النهي عن الخروج جملة حفظًا لأهاليهم عن العدو؛ لأن العدو عسى أن يسبي أهاليهم عند غيبيتهم ويأخذ أموالهم.
والثاني: أن النبي ﵇ إذا قعد في المدينة وبعث السرايا إلى الآفاق كان يرغب المسلمون في الخروج مع السرايا جملة، فورد النهي عنه؛ لأنهم إذا خرجوا جملة لو نزل على رسول الله ﵇ شيء من الحكام لم يكن معه أحد يبلِّغه هو إلى من غاب وخرج إلى الغزو، فأمر بأن ينفر طائفة ويبقى طائفة؛ ليبلِّغ الشاهد الغائب ما نزل إليهم من القرآن.
فإن قيل: في هذه الآية نهى الكل عن أن ينفروا مع رسول الله ﵇ إلى الجهاد على ما ذكر في التأويل الأول، وأمر في الآية الأخرى بنفر الكل بقوله: ﴿انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ وقال: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾، وقال: ﴿فَانفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُوا جَمِيعًا﴾.
قلنا: الجواب عنه من وجوه:
следующие страницы →