Полный текст (2 351 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
القرآن بعلم الحلال والحرام لا يخلو من أحد وجهين: إما أن يكون العمل مقرونًا بذلك العلم، أو يكون المراد منه مجرد العلم بدون العمل، والثاني منتف بقرينة الخير الكثير، فإن ذلك عبارة عن حفظ النفس عن الآفات في الدنيا، ودفع العقوبات في العقبى، ولن يكون العلم كذلك إلا بالعمل به؛ فلذلك كانت الحكمة متضمنة لهذا العلم مع العمل، فحصل من هذا أن تفسير ابن عباس ﵄ الحكمة بعلم الحلال والحرام، والفقه عبارتان عن معبر واحد؛ فلذلك كان تفسير الحكمة بهذا تفسيرًا للفقه أيضًا.
أو نقول: فيتفسير ابن عباس ﵄ للمحكمة: يُعلَم العلم؛ لأنه فسر الحكمة أولا بعلم الحلال والحرام، وبتفسير أهل اللغة الحكمة: يُعلم العمل، ثم فسر ابن عباس ثانيًا الحكمة بالفقه، فبمجموع هذين التفسيرين يُعلم أن الفقه عبارة عن العلم مع العمل؛ لأن ابن عباس ﵄ جعل الفقه تفسير الحكمة، وهي عبارة عن العلم مع العمل، فكان تفسيره أيضًا كذلك، وغلا لا يكون تفسيرًا له. وكان شيخي ﵀ يقول: الفقه من له رواية، ودراية، وعمل.
стр. 37
وقوله: ﴿بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾. قيد الموعظة بالحسنة دون الحكمة؛ لأن الحكمة حسنة أينما كانت، وإلا لا تكون حكمة.
وأما الموعظة فقبيحة في غير موضعها.
(قال الشاعر) وهو رؤبة، ونسب هذا القول في ((أساس البلاغة)) إلى عطاء السندي، وقال فيه: (أرسلت فيها مقرما ذا تشمام).
стр. 38
(أرسلت فيها) أي في النوق. (قرمًا) أي فحلًا، فإن القَرْمَ: البعير المكرم الذي لا يحمل عليه ولا يذلل، ولكن يكون للفحلة، ومنه قيل للسيد: قَرْم.
(ذا إقحام): در اوردن جيزي در جيزي بعنف.
(طبًا) أي فحلًا ماهرًا بالضراب الضراب: كشتي كردن شتر.
(بذوات الأبلام): الأبلام -بفتح الهمزة-: جمع بلمة بتحريك اللام، يقال: ناقة بها بلمة شديدة إذا اشتدت ضبعتها. الضبعة -بقتح الباء-: بكشتي آمدن شتر. يقال: أبلمت الناقة إذا ورم محياؤها من شدة الضبعة، ورأيت شفتيه مبلميتين إذا ورمتا.
فوجه التمسك بهذا البيت هو أنه وصف القرم أولًا بالإقحام وهو عبارة عن العمل، وبالطب ثانيًا، وهو عبارة عن العلم، ثم أطلق عليه اسم الفقه، فعلم بهذا أن الفقه عبارة عن العلم والعمل به لغة.
فإن قيل: فعل الإرسال يتعدى إلى المفعول الثاني بكلمة ((إلى)) كما في
стр. 39
قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ فكيف عُدي هاهنا بكلمة في؟
قلت: ذكر ((في)) هاهنا ليس لبيان التعدية إلى المفعول الثاني، بل لإعلام المحل وبيان كون النوق موضعًا للإرسال، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنذِرِينَ﴾.
(فمن حوى هذه الجملة كان فقيهًا مطلقًا)، وهو المراد بقوله ﵇: ((ولفقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد)).
﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ جرابيرون نمي آيد ازهر كروهي يك كس. قال ابن عباس ﵄: الطائفة تقع على الواحد
стр. 40
فصاعدًا، أي فلولا نفر من كل جماعة كثيرة جماعة قليلة، وللآية تأويلان:
أحدهما: أن النبي ﵇ إذا خرج للغزو كان المسلمون كلهم يرغبون في الخروج معه، فورد النهي عن الخروج جملة حفظًا لأهاليهم عن العدو؛ لأن العدو عسى أن يسبي أهاليهم عند غيبيتهم ويأخذ أموالهم.
والثاني: أن النبي ﵇ إذا قعد في المدينة وبعث السرايا إلى الآفاق كان يرغب المسلمون في الخروج مع السرايا جملة، فورد النهي عنه؛ لأنهم إذا خرجوا جملة لو نزل على رسول الله ﵇ شيء من الحكام لم يكن معه أحد يبلِّغه هو إلى من غاب وخرج إلى الغزو، فأمر بأن ينفر طائفة ويبقى طائفة؛ ليبلِّغ الشاهد الغائب ما نزل إليهم من القرآن.
فإن قيل: في هذه الآية نهى الكل عن أن ينفروا مع رسول الله ﵇ إلى الجهاد على ما ذكر في التأويل الأول، وأمر في الآية الأخرى بنفر الكل بقوله: ﴿انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ وقال: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾، وقال: ﴿فَانفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُوا جَمِيعًا﴾.
قلنا: الجواب عنه من وجوه:
стр. 41
أحدها: أن هذه الآية نسخت الآيات التي توجب الخروج جملة.
والثاني: أمروا بنفر الكل عند قلة المؤمنين، فلما كثر المسلمون أُمروا بنفر البعض دون البعض.
والثالث: أُمروا بنفر الكل عند النفير، وأمروا بنفر البعض دون البعض في غير حال النفير.
(والإنذار هو الدعوة إلى العلم والعمل)، فهذا دليل على أن الفقه العلم والعمل؛ لأنه إنما يدعو الخلق بما عنده؛ حتى لا يصير من الذين يقولون ما لا يفعلون، ولا من الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم مندوبون إلى الإنذار، وإنما يكون مندوبًا إذا عمل بما عَلم.
((إذا فقهوا)) فقه من باب شرُف للطبع، يقال: كرم الرجل إذا كان الكرم طبيعة له، وهنا أيضًا إنما يقال: فقه إذا صار الفقه طبيعة له وفقه من
стр. 42
باب علم، وذلك لا يكون للطبع، بل يقع ذلك أحيانًا، كما أن بخل كذلك، أي لا يكون للطبع، بل يكون أحيانًا كما قال الشاعر:
ولربما بخل الجواد وما به ... بخل ولكن ذاك نحس الطالب
ولربما جاد البخيل وما به ... جُود ولكن ذاك سعد الطالب
(هم السابقون في هذا الباب) أي لم يتقدمهم أحد في باب الفقه والاجتهاد الذي هو بذل المجهود. (ولهم الرتبة العليا والدرجة القصوى)
فالعليا: تأنيث الأعلى، والقصوى: تأنيث الأقصى وهو الأبعد.
فإن قلت: من أين وقعت المفارقة بين العليا والقصوى بالياء والواو مع أن كلًا منهما فُعلى -بضم الفاء-، وكل منهما واوي؛ لأنهما من عَلوت وقصوت؟
قلت: العليا جاءت على الأصل الذي اقتضته العربية دون القصوى، فإنها جاءت شاذة بالواو، وذلك أن الكلمة إذا ثنيت على فُعلى -بضم الفاء- وهي من بنات الواو تُقْلَب واوها ياء في الاسم كما في الدنيا، ولا تقلب
стр. 43
ياء في الصفة، بل يبقى على أصلها واوية كما في الغزوي تأنيث الأغزي.
وإنما فعلوا هكذا للفرق بين الاسم والصفة، وتخصيص الياء بالاسم حملًا للأخف على الأخف، فعلى هذا لكان من حق القصوى أن يقال: القصيا في جميع اللغات كما جاء في بعض اللغات القصيا أيضًا؛ لأنها عوملت معاملة الاسم كالدنيا، فكانت هي شاذة في ورودها بالواو، وفيها وجيه أيضًا في ورودها بالواو مع ذلك، وهو أن القصوى قد تستعمل مع الموصوف نحو قولك: الغاية القصوى، فكان فيها معنى الصفة باقية؛ فلذلك جاز بالواو، وحق هذا الكلام مقضي مع ما يناسبه ويواخيه في ((الموصل في شرح المفصل)).
(وهم الربانيون في علم الكتاب والسنة). الرباني: مرد عالم وخداى شناس. منسوب إلى الرب بزيادة الألف والنون للتأكيد كالحياني، والنوراني، والرقياني -بفتح الراء -والقياس فيه ربي، وأما كسرها وضمها فمن تغييرات النسب.
وقيل في تفسيره: إنه يُعلم صغار العلم قبل كباره.
(القدوة) بمعنى الاقتداء، كالأسوة بمعنى الائتساء وزنًا ومعنى. ثم معنى قوله: (وملازمة القدوة) أي أنهم يأخذون الأحكام من الكتاب أولًا ثم من الأحاديث، ثم من الإجماع، ثم من قول الصحابة، ثم يستعملون الرأي على ترتيب الفروع على الأصول، ولا يحطون رتبة النصوص عن منزلتها ولا يرفعونها عن منزلتها أيضًا.
стр. 44
(وهم أصحاب الحديث والرأي). يقال: رأي رأيا: بدل ديد، ورأي رؤيا: بخواب ديد، ورأي رؤية: بجشم ديد.
(فقد سلّم لهم العلماء)، فرُوي أن الشافعي قال: الناس كلهم عيال على أبي حنيفة ﵁ في الفقه. وبلغ ابن سريج وكان مقدَّمًا
стр. 45
من أصحاب الشافعي ﵀ أن رجلًا يقع في أبي حنيفة -رحمة الله عليه- فدعاه فقال: يا هذا، أتقع في رجل سلَّم له جميع الأمة ثلاثة أرباع العلم، وهو لا يسلَّم لهم الربع .... إلى آخره. كذا في ((المبسوط)).
(المراسيل): جمع مُرسل وهو المطلق، ففي الحديث: هو الذي أطلق عن ذكر الإسناد؛ أي لم يُذكر فيه الراوي الأعلى الذي سمعه من النبي ﵇ فالسنة أعم من الحديث؛ لأن السنة تتناول القول والفعل.
стр. 46
والحديث لا يتناول إلا القول، فجمع بينهما في قوله: (تمسكا بالسنة والحديث) لئلا يتوهم أنه من هذا العموم يريد الخصوص، فلذلك ذكر الخصوص بعد العموم.
(وعمل بالفروع بتعطيل الأصول) أي عمل بالرأي وهو القياس مع تعطيل الأصول وهي المراسيل من السنة أصل والرأي فرع، ومن شرط صحة العمل بالفرع أن يكون مقَّرر للأصل لا معطلا له.
(وقدموا رواية المجهول) المراد من المجهول هو المجهول في الرواية بأن لم يُعرف في رواية الحديث إلا بحديث أو حديثين.
وذكر في ((شمائل النبي ﵇): أن أبن أبي طارق لم يرو إلا حديثًا واحدًا. وكذلك حطان السدي. وذكر في الكتاب من جملتهم
стр. 47
معقل بن سنان.
فكان معنى قوله: ((وقدموا رواية المجهول على القياس))، أي قدم أصحابنا رواية المجهول على القياس، حتى قدموا رواية معقل بن سنان في قدم أصحابنا رواية المجهول على القياس، حتى قدموا رواية معقل بن سنان في وجوب مهر المثل في مسألة المفوضة التي مات عنها زوجها قبل الدخول على القياس، وهي في حديث بروع بنت واشق الأشجعية على ما يأتي بيانه في باب خبر الواحد في السنة -إن شاء الله تعالى-.
(وقدموا قول الصحابي) لاحتمال أنه من الرسول، وهو قول أبي سعيد البردعي ﵀ وهو الأصح، وذلك مثل عمل أصحابنا في إفساد
стр. 48
شراء ما باع بأقل مما باع قبل نقد الثمن بقوله عائشة ﵂ وهذا فيما لا يدرك بالقياس باتفاق بين أصحابنا.
وأما فيما يدرك بالقياس فقد خالف الكرخي أبا سعيد فقال: لا يجب تقليد الصحابي إلا فيما لا يدرك بالقياس.
стр. 49
وقال الشافعي: لا يقلد أحد منهم.
وقوله: (لا يستقيم الحديث إلا بالرأي، ولا يستقيم الرأي إلا بالحديث).
قال على ﵁: ((العلم نوعان: مسموع ومطبوع، ولا ينفع مسموع إذا لم يكن مطبوعا)). فمعنى قوله: ((لا يستقيم الحديث إلا بالرأي))، أي لا يستقيم العمل بالحديث إلا بمعنى فقهي، ونظير ذلك ما لو سُئل واحد: أن صبيين لو اجتمعا في شرب لبن شاة واحدة، هل يثبت بينهما حرمة الرضاع أم لا؟
فقال: نعم، نظرًا إلى ظاهر قوله ﵇: ((كل صبيين اجتمعا
стр. 50
على ثدي واحد حرم أحدهما على الآخر)). وهذا ليس بمذهب لأحد، وإنما وقع في هذا صاحب الحديث لعدم رأيه.
وكذلك لا يستقيم الرأي بدون الحديث، فنظير ذلك ما لو سئُل واحد أن التقيؤ هل هو مفسد للصوم أم لا؟
فقال: لا. لما أن الشيء إنما ينتفي بوجود منافيه، والتقيؤ ليس بمناف للصوم؛ لأن الصوم: عبارة عن الكف عن الأكل والشرب والجماع مع شرائطه، ولم يوجد واحد من هذه الأشياء، فلم يفسد الصوم؛ وهذا لأن الأكل شغل الباطن، وهذا تفريغ الباطن، فكان هذا ملائمًا للصوم لا منافيًا، وهذا الرأي صحيح في نفسه إلا أنه خلاف النص، وهو قوله ﵇: ((من استقاء فعليه القضاء)).
فعُلم أن العمل بالحديث لا يحسن بدون الرأي، ولا العمل بالرأي بدون معرفة الحديث.
فإن قلت: ظاهر قوله: ((لا يستقيم الحديث إلا بالرأي، ولا يستقيم
стр. 51
الرأي إلا بالحديث)) يقتضي الدور وهو ظاهر، وكل شيء كان مبناه على الدور فهو لا يوجد أصلًا؛ لتوقف وجود كل واحد منهما على وجود صاحبه، فحينئذ لا يوجد الحديث ولا الرأي، والكلام سيق لترغيب الطلبة إلى تحصيلهما جميعًا، وفي هذا الذي ذكره لا يوجد واحد منهما، فكيف يوجدان هما جميعًا؟! فما وجهه؟
قلت: وجهه هو أن المراد من هذا الكلام اجتمعهما كما في العلة ذات وصفين من القرابة والملك في العتق، فإن القرابة هناك لا تعمل بدون الملك ولا الملك بدون القرابة، فكان المراد منه اجتماعهما في حق العتق، فكذا هنا المراد منه في حق اجتهاد المجتهد اجتماع استقامة الحديث والرأي. لا أن كان كل واحد منهما موقوفا على وجود الآخر.
أو نقول: هو أن فيه نفي استقامة كل واحد منهما بدون استقامة الآخر لا وجودهما، واستقامة الشيء عبارة عن العمل به على وجه الصواب، والعمل بكل واحد منهما مغاير للعمل بالآخر، فكان أصل وجود كل واحد منهما غير مفتقر إلى الآخر، فحينئذ لا يتنافيان في وجود استقامتهما، فإن معناه: لا يستقيم العمل بالحديث إلا بالعمل بالرأي على وجه الصواب، ولا يستقيم العمل بالرأي على وجه الصواب إلا بعلم الحديث، فلا منافاة في
стр. 52
هذا؛ لأنه يجوز أن يكون العلم بالحديث موجودًا واستقامة العمل بالحديث لم تكن موجودة.
فعلم بهذا أن وجود علم الحديث نفسه كان صحيحًا بدون وجود الرأي؛ لما أن هذا يتعلق بذاك بغير الوجه الذي يتعلق ذاك بهذا، وفي مثل هذا لا يتأتى التنافي ولا الدور. ونظير هذا بعينه في صناعة النحو قوله تعالى: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا﴾ فإن قوله: ﴿أَيًّا﴾ منصوب بـ ﴿تَدْعُوا﴾، وقوله: ﴿تَدْعُوا﴾ مجزوم بـ
﴿أَيًّا﴾. ومن حيث الظاهر ذاك أنفى من هذا؛ لأن في ذاك حال عمل هذا، في ذاك عمل ذاك في هذا، فكان هذا عاملًا فيه حال كونه معمولا له، فالعمالية تقتضي النقد، والمعملية تقتضي التأخر الشيء الواحد بالنسبة إلى غيره لا يكون متقدمًا عليه ومتأخرًا عنه في حالة واحدة، ولكن عمل هذا في ذاك غير عمل ذاك في هذا؛ فإن عمل هذا في ذاك باعتبار الشرطية، وعمل ذاك في هذا باعتبار المفعولة، والمفعولة غير الشرطية، فلا يتنافيان في الوجود، وإن كان اقتضاء التقدم والتأخر لكل واحد منهما موجبًا للتنافي، وهذا واضح بحمد الله تعالى.
وكان شيخي- ﵀ يقول: وإن كان كل واحد منهما محتاجًا إلى الأخر، لكن الاكتفاء بالرأي أكثر صورًا من الاكتفاء بالحديث.
ألا ترى أن الضلال الذين ضلوا بسبب الاكتفاء بالرأي من الفلاسفة
стр. 53
وغيرهم أكثر من الذين اكتفوا بمجرد ظاهر الحديث.
(وملأ كتبه) أي محمد- رحمة الله-
(ومن استراح) أي اكتفى وطلب راحة نفسه عن مشقة طلب المعاني (بظاهر الحديث)، فإن قولك: استراح الرجل من الراحة، وفي الصادر: الاستراحة: بر أسودن.
(النكول): ازدشمن ياأز سوكند باز استأذن من حد نصر ..
(لبيان النصوص بمعانيها) أي مع معانيها بأن يبين معنى الخاص والعام وغيرهما إلى الأقسام الثمانين.
(وتعريف الأصول بفروعها) أي مع فروعها بأن يعرف أن معنى النص هذا أي الوصف المؤثر في هذا النص هذا، وهذا الوصف المؤثر موجود في ذلك الفرع، فيجب أن يثبت مثل ذلك الحكم في الفرع، كما تقول في قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ﴾ أن المعنى المؤثر الذي هو مناط الحكم في النص خروج النجاسة من بدن الإنسان؛ لأن انتقاض الطهارة
стр. 54
المستفاد من هذا النص لم يخل إما أن كان متعلقًا بالخارج المخصوص أو بالمخرج المخصوص أو بهما جميعًا فلا جائز أن يكون متعلقًا بالخارج المخصوص وهو البول والغائط لانتقاض الطهارة بخروج الدم منه ولا جائز بالمخرج المخصوص للزوم انتقاض الطهارة أبدا، أو لعدم حصول الطهارة أبدا لوجود المنافي للطهارة، ولا جائز أن يتعلق الانتقاض بهما جميعًا لانتقاض طهارة من طعن تحت سرته وخرجت العذرة منه عند الخصم أيضًا مع انعدام مقاربة بين الخارج المخصوص والمخرج المخصوص.
فعلم بهذا انتقاض الطهارة فيما إذا خرج البول أو الغائط من السبيلين لوجود خروج النجاسة من بدن الإنسان، وفي هذا لا يتفاوت ما إذا خرج الدم من غير السبيلين بسبب الفصد أو الحجامة أو غيرهما، وأما إذا خرج الدم من السبيلين فتنتفض الطهارة في القصد والحجامة كما تنتقض الطهارة فيما إذا خرجت النجاسة من السبيلين.
(التوكل): إظهار العجز، والاعتماد على غيرك، والاسم التكلان.
أناب إلى الله أقبل عليه بوجهه. كذا في الصحاح.
стр. 55
(والأصل الرابع هو القياس). والقياس أصل بالنسبة إلى الأحكام التي لا توجد في الكتاب والسنة والإجماع نصًا، ولكن مع ذلك إنه فرع لهذه الأصول الثلاثة؛ لأنه مستخرج عنها، وهذا لأن القياس لم يكن لإثبات الحكم ابتداء، بل القياس هو إبانة حكم أحد المذكورين بمثل علته في الأخر بالمعنى المستنبط، فالقياس يشمل العقلي والشرعي، فلذلك قيد بقوله: (بالمعنى المستنبط)، حتى يخرج القياس العقلي من البين؛ لأن الذي نحن يصدده القياس الشرعي.
نظيره ما قلنا في الجص والنورة: فإنا استنبطنا المعنى الذي في الأشياء الستة هو القدر والجنس، ووجدناه فيهما فعدنياه إليهما، كما هو الحكم في العلة المنصوص، وهي الطواف في الهرة، لما وجدناه علة متعدية إلى غيرها. وهو سائر سواكن البيوت من الفارة والحية- عدنياه إلى غيرها، فأثبتنا فيه حكمًا مثل الحكم الذي في الهرة.
وأما القياس العقلي فهو أن يقول: العالم متغير، وكل متغير حادث، فكان العالم حادثًا كما في سائر الحوادث المحسوس حدوثها من حدوث البناء
стр. 56
والحركة والسكون، ثم نظير المستنبط من الكتاب فقولنا: إن اللوظة حرام لقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾. والمعنى فيه أنه مخالط للأذى أي النجاسة ومخالطة الأذى حرام لقوله تعالى:
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾. وهذا المعنى موجود في اللواط؛ لأن المعنى الداعي إلى حرمة القربان في حالة الحيض مخالطة النجاسة، وهي موجودة في اللواط. وكذلك القول بوجوب العدة بثلاثة أقراء على الحرة ذات الإقراء في فرقة بغير طلاق، كما في خيار البلوغ وخيار العناق، مستنبط من قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾. للمعنى الجامع بين الفرقة الثابتة بالطلاق، وبين الفرقة الثابتة بغير الطلاق، وهو تعرف براءة الرحم في الفرقة الطارئة على النكاح بعد الدخول.
ونظير المستنبط من السنة هو ما ذكرنا أنفًا من استنباط المعنى الذي في الأشياء الستة في مسألة الربا، ونظيره أيضًا قولنا: تجب الكفارة على المرأة في الجماع؛ لما أن الكفارة على الرجل إنما تجب باعتبار كون الجماع جناية على الصوم لا باعتبار نفس الجماع، وقد شاركت المرأة الرجل في هذا المعنى، ولهذا فسد صومها.
стр. 57
ونظير المستنبط من الإجماع هو ما ذكره في "المبسوط" في باب الحدث بقوله: "إن قدم القوم رجلًا- يعني فيما إذا أحدث الإمام- قبل خروج الإمام من المسجد فصلاته وصلاتهم تامة؛ لأن تقديم القوام إياه كاستخلاف الإمام الأول، قياسًا على الإمامة العظمى؛ فإن ثم استخلاف أبي بكر.
﵁ ثبت بالإجماع باستخلاف الناس لحاجاتهم إلى الإمام، فكذا هاهنا يصح استخلاف القوم لحاجتهم إلى الإمام في أتمام صلاتهم، وكذلك عدم جواز النكاح المؤقت بالقياس على نكاح المتعة.
стр. 58
(الدليل الأول: الكتاب)
(المنقول عنه نقلًا متواترًا) هذا احتراز عن مثل قراءة عبد الله بن مسعود وأبي- ﵄ مثل قوله تعالى: ﴿فاقطعوا أيمانهما﴾
стр. 59
وغير ذلك مكتوب في مصحفهما، إلا أنه لم ينقل إلينا نقلًا متواترًا، فلذلك لم يثبت كونه قرآنًا، وقوله: (بلا شبهة) احترازًا عن قول بعض العلماء الذي جعل المشهور أحمد قسمي المتواتر، فتفسير المشهور والمتواتر بأتي في بابه إن شاء الله تعالى.
(وهو الصحيح). قيل: لفظ الأصح يقتضي أن يكون غيره صحيحًا، ولفظ يقتضي أن يكون غيره غير صحيح.
стр. 60
= أ- أن أبا حنيفة- ﵀ لم يجعل النظم ركنًا لازمًا في حق جواز الصلاة خاصة؛ لأنه لا يريد بالنظم إلا الإعجاز بل اعتبر المعنى، وأن حالة الصلاة حالة المناجاة مع الله تعالى، والنظم العربي معجز بليغ، فلعله لا يقدر عليه، أو لأنه أن اشتغل بالعربي ينتقل الذهن منه إلى حسن البلاغة والبراعة ويلتذ بالأسجاع والفواصل، ولم يخلص الحضور مع الله تعالى، بل يكون هذا النظم حجابًا بينه وبين الله تعالى.
ب- وأن بناء النظم على التوسعة والتيسير في الصلاة وغيرها. أما في الصلاة فلقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ﴾ إذا حمل على ظاهره.
ج- وذكر بعض المراجع دليلًا آخر وهو: أن القرآن أنزل بلغه قريش؛ لأنها أفصح اللغات، فلما تعسرت قراءته بتلك اللغة نزل التخفيف بدعاء النبي ﵇، وإذن بتلاوته بسائر اللغات، وسقط وجوب رعاية تلك اللغة، واتسع الأمر حتى جاز لكل فريق منهم أن يقرءوا بلغتهم ولغة غيرهم، فلما جاز للقرشي أن يترك لغة نفسه ويقرأ بلغه بني تميم مع كمال قدرته على لغة نفسه جاز لغير العربي ترك لغة العرب مع قصور قدرته عليها.
انظر: كشف الأسرار للبخاري ١/ ٧٤ - ٧٧، كشف الأسرار للنسفي ١/ ٢٠، نور الأنوار ١/ ٢٠.
لكن الترخص كان في اللهجات دون اللغات؛ لآن لغة قريش وبني تميم و ... لغة واحدة، واللهجات مختلفة، فالدليل الثالث ربما يكون في غير محله، وكذلك الدليل الأول والثاني؛ لأن أبا حنيفة- ﵀ نفسه رجع عن قوله إلى قول الصاحبين والجمهور كما ثبت ذلك عنه. حتى إن ابن العز شارح العقيدة الطحاوية قال: "قال الشيخ حافظ الدين ألنسفي- ﵀ في المنار: إن القرآن اسم للنظم والمعنى، وكذا قال غيره من أهل الأصول، وما ينسب إلى أبي حنيفة- ﵀:- أن من قرأ في الصلاة بالفارسية أجزاه، فقد رجع عنه، وقال: لا تجوز القراءة مع القدرة بغير العربية، وقالوا: لو قرأ بغير العربية إما أن يكون مجنونًا فيداوي، أو زنديقًا فيقتل؛ لأن الله تكلم به بهذه اللغة، والإعجاز حصل ينظمه ومعناه، كما نقل الملا على القاري في شرح الفقه الأكبر نفس العبارة من ابن أبي العز.
لكن راجعت المنار وبعض شروحه مثل: كشف الأسرار للنسفي، ونوار الأنوار لملا جيون، وجامع الأسرار لمحمد بن محمد أحمد الكاكي فلم أقف عليها. وهذا =
стр. 61
(في حق جواز الصلاة خاصة).
قال الشيخ الإمام جمال الدين المحبوبي- رحمة الله- في "شرح الجامع الصغير" في باب تكبيرة الافتتاح: جواز الصلاة حكم يختص بقراءة القرآن، فيتعلق بالمنزل على رسول الله ﵇ وهو النظم والمعنى- قياسًا على قراءة القرآن في حق الجنب والحائض. يعني أن حرمة التلاوة تتعلق بالنظم والمعنى جميعًا حتى لو قرأ الحائض أو الجنب بالفارسية جاز.
قال الإمام مولانا حميد الدين الضرير- رحمة الله: فبهذه الرواية تعرف فائدة تقييد قوله في الكتاب: "في حق جواز الصلاة خاصة"، وإن كان فيه رواية أخرى: أنها تحرم. ذكرها شيخ الإسلام المعروف بخواهر زاده.
стр. 62
رحمة الله.
ولا يرد علينا وجوب سجدة التلاوة بالتلاوة بالفارسية؛ لأنها ملحقة بالصلاة.
(ركنًا زائدًا يحتمل السقوط) أي في حق المكره الكامل إكراهه وفي حق من لم يجد وقتًا يتمكن فيه من الأداء وصدق بقلبه، وكان مختارًا في ذلك بأن لم يكن إيمانه إيمان البائس كان مؤمنًا بالإجماع.
علم بهذا أنه كان يحتمل السقوط فكان زائدًا في الركنية.
وأما من صدق بقلبه وترك البيان من عذر لم يكن مؤمنًا، وهو مذهب الفقهاء على ما يأتي ببيانه علم بهذا أنه ركن في أصله.
وقوله: (على ما يعرف في موضعه) أي في هذا الكتاب في موضعين: أحدهما- في باب صفة الحسن للمأمور به.
والثاني- في باب معرفة أقسام الأسباب والعلل والشروط. أو أراد بقوله: في موضعه أصول الكلام، فإن ذلك مستقصى فيه.
стр. 63
(وإنما تعرف أحكام الشرع) أي الأحكام التي ثبتت بالقرآن (بمعرفة أحكام النظم والمعنى)؛ لأن معرفتها بالكتاب وهو القرآن، والكتاب منقسم إلى هذه الأقسام في حق الأحكام؛ فلذلك كانت معرفة تلك الأحكام مرتبة على معرفة أقسام النظم والمعنى.
(وذلك أربعة أقسام) فوجه الانحصار هو أن يقول: إن أقسام نظم الكلام ومعناه لا تخلو إما أن كانت بحسب المتكلم فلا تخلو إما أن تكون في المفرد أو في المركب، فإن كانت في المفرد فهي القسم الأول، وإن كانت في المركب فلا يخلو إما أن كانت للبيان أو لا، فإن كانت للبيان فلا يخلو إما أن كان كونها بيانًا لمعنى في ذاتها أو لمعنى في غيرها أقترن بها، فالأول القسم الثاني، والثاني القسم الثالث.
وأما المركب الذي ليس هو للبيان فليس من بابنا، وإن كانت بحسب السامع فهو القسم الرابع، وبهذا الانحصار يعلم أيضًا أن أقسام النظم ثلاثة، وقسم المعنى واحد وهو الذي يتعلق بالسامع، وإنما ذكرنا هذا الانحصار دون غيره؛ لأن ما ذكرناه من الانحصار في هذا الموضع في "الوافي" غير متضح مثل اتضاح هذا.
(فيما يرجع إلى معرفة أحكام الشرع) إنما قيد بهذا؛ لأن فيه عبرًا، وقصصًا، وأمثالًا، وأخبار الأمم الماضية فيما لا يتعلق به حكم من أحكام الشرع من حيث المعنى ظاهرًا، فلم تكن هي فيما كان هو يصدده، ولذلك لم
стр. 64
يكن الكلام فيها.
(القسم الأول- في وجوه النظم صيغة ولغة) إنما قدم هذا القسم؛ لأن ذلك من قسم المفردات، والمفردات أبدًا مقدمة على المركبات كمل في الحسيات، فإن الواحد قبل الأتنين في الوجود، فكذا في ترتيب البيان طلبًا للمناسبة بقدر الإمكان، ثم الصيغة فعلة من الصوغ: زكي كدرن بمعني المفعول، يعني كيف وضع اللفظ، ماض أو مستقبل، أو نهي، اسم أو فعل، فكانت الحروف الدالة عليه صيغة.
وأما اللغة فهي ما يفهم من مدلول أصل هذا التركيب الذي هو موجود في جميع الصيغ كدلالة الضرب مثلًا على مدلول، وهو إيقاع آلة التأديب في محل قابل للتأديب، وذلك المدلول موجود في الألفاظ المشتقة من اللفظ الدال عليه من الماضي والمستقبل وغيرهما، كجوهر الذهب مثلًا في المصوغات المختلفة منه، فإن معنى الذهبية في الكل موجود مع اختلاف أسامي المصوغات المختلفة منه، فإن معنى الذهبية في الكل موجود مع اختلاف أسامي المصوغات منه كالسوار والخاتم والتاج والخلخال والإبريق، فكذلك ها هنا معنى اللغة موجود في الصيغ المختلفة الدالة عليه من الماضي والمستقبل وغيرهما أو نقول وهو الأرفق لمحل الكلام: المراد من قوله: صيغة ولغة، هو أن يقال هذه الصيغة تدل على معنى الخاص، وهذه الصيغة تدل
стр. 65
على معنى العام، وكذا في المشترك والمؤول، ثم أعقبه القسم (الثاني) الذي يتعلق بالبيان؛ لأنه من قبيل المركبات؛ لأن البيان يكون بالمركب لكن البيان يحتمل التزايد، وهذا لأن الظاهر يحتمل المجاز فيزاد البيان فيه على وجه لا يحتمله. كقوله: جاءني زيد. يحتمل مجئ خبره أو كتابه فيقطع ذلك الاحتمال بالزيادة في البيان في البيان بقوله: نفسه، وهذا الظاهر المؤكد بالنفس لو كان عامًا يحتمل أن يراد به الخصوص فيزاد في البيان بما يقطع ذلك الاحتمال وهو كلمة كل، ثم هو مع ذلك محتمل للبيان بزيادة الوضوح؛ لأنه يحتمل التفرق فيزداد في البيان بما يقطع هذا الاحتمال بالجميع، فلذلك قال (في وجوه البيان) بلفظ الجمع؛ لأن البيان له طرق.
والقسم الثالث أربعة أوجه أيضًا: الحقيقة، والمجاز، والصريح، والكناية. يعني أن استعمال هذه الألفاظ في باب البيان إما أن أريد بها ما وضع له هذا اللفظ وهو الحقيقة، أو أريد بها غير ما وضع له هذا اللفظ لمناسبة بينهما وهو المجاز، أو استعمل اللفظ في باب البيان مع كثرة الاستعمال ووضوح البيان ظهورًا بينًا وهو الصريح حقيقة كان مجازًا، أو استعمل مع استتار معناه وهو الكناية حقيقة كان مجازًا.
فالحاصل أن هذا القسم على وفق ما ذكرنا بأن القسم الثاني في نفس البيان.
(والقسم الثالث- في كيفية استعمال الألفاظ) في باب البيان.
стр. 66
(والرابع- في معرفة وجوه الوقوف على المراد والمعنى) أي كيف يقف المجتهد على ثبوت الحكم بطريق العبارة أو الإشارة على حسب الوسع والإمكان. قال علي- ﵁: جميع العلم في القرآن، لكن تقاصر عنه إفهام الرجال.
يعني ومن يأخذ منه ما هو المقصود عنده إنما يأخذه بقدر وسعه وإمكانه.
وأما جميع العلوم الدينية فموجودة فيه، وعليه دل قوله تعالى: ﴿وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾، وقوله: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (وإنما تتحقق معرفة هذه الأقسام بأربعة أخرى في مقابلتها) وإنما ذكر المقابل لهذا القسم دون القسم الأول والثالث؛ لأن الأقسام في دينك القسمين بعضها يتضاد البعض؛ فإن الخصوص يتضاد العموم، والحقيقة تضاد المجاز، فلا يحتاج إلى بيان القسم المقابل ليتضح المراد زيادة إيضاح، بخلاف
стр. 67
أقسام القسم الثاني، فإن كلها للبيان والإظهار، ولا بضاد الإظهار بدليل أن الأقوى في البيان في تلك الأقسام يتضمن الأدنى فيه، فإن النص يتضمن الظاهر، والمفسر يتضمن النص، والمتضمن لا يكون مضادًا للمتضمن.
(معرفة مواضعها) أي معناها من حيث اللغة (وترتيبها) أي ترتيب هذه الأقسام عند التعارض، أي أيها يقدم وأيها يؤخر نحو: المحكم فإنه يقدم على المفسر، والمفسر على النص، والنص على الظاهر.
(ومعانيها) أي معانيها شرعًا، كما تقول في معنى الخاص والعام من حيث الحد والحقيقة شرعًا.
الخاص: هو كل لفظ وضع لمعنى معلوم على الانفراد.
والعام: هو كل لفظ ينتظم جمعًا من المسميات لفظًا أو معنى.
(وأحكامها) أي الأحكام المطلوبة من هذه الأقسام من الحل والحرمة.
(وأصل الشرع هو الكتاب والسنة) وإنما خصهما بالذكر ها هنا مع أنه
стр. 68
قال: أصول الشرع ثلاثة؛ لأن هذه الأقسام كلها تأتي في الكتاب والسنة دون الإجماع، أو نقول: الإجماع يجوز أن يكون بناء عليهما ولا يجوز عكسه، فكانا أصلين من كل وجه بخلاف الإجماع؛ فلذلك خصهما بالذكر.
[تعريف الخاص]
(أما الخاص: فكل لفظ وضع لمعنى واحد على الانفراد) هذا حد صحيح جامع مانع يدخل فيه خصوص الجنس والنوع والعين؛ لأن الإنسان معناه واحد على الانفراد، وكذلك الرجل، وكذلك العين. إلا أن خصوص العين واحد على وجه لا يشارك في مفهومه شيء ولا كذلك الإنسان والرجل، فإن في مفهومها شركة، فصار خصوص العين مغايرًا لهما مغايرة قوية، فأفرده بالذكر لا أنه غير داخل في الحد، والصحيح ما ذكرناه في
стр. 69
"الوافي"، والحد الجامع لأنواع الخصوص هو ما ذكره بعد هذا يقوله: (فصار الخصوص عبارة عما يوجب الانفراد ويقطع الشركة)، وقوله ها هنا: " ويقطع الشركة" وقوله فيما قبله: وانقطاع المشاركة" بعد قوله: "على الانفراد" تصريح بلازم ما ذكر قبله. لا أن يكون ذلك محتاجًا إليه في الحد؛ لما أن اللفظ لما كان موضوعًا لمعنى واحد على الانفراد يلزم منه انقطاع المشاركة لا محالة، ومع ذلك كان ذكره لتصريح لازمه المذكور قبله لا من تتمه الحد؛ لأنه غير محتاج إليه فيه.
стр. 70
[تعريف العام]
(ثم العام بعده) إنما قال بعده؛ لأن الخاص بمنزلة الجزء، والعام بمنزلة الكل، فيكون الجزء مقدمًا على الكل في الوجود، فكذا في الترتيب في الذكر، (ومعنى قولنا: من الأسماء يعني من المسميات)، وبهذا يحترز عن التسميات؛ لأن التسميات غير المسميات بالإجماع، وبقوله: (هنا) يحترز عن قولنا: إن لله تعالى أسماء الحسنى، فإن المراد منها التسميات لا المسميات، فإن الله تعالى غير متعدد، بل تسميته بالأسماء متعدد، وكذلك في قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾
وقوله: (وهو تفسير الانتظام) إنما ذكر هذا؛ لئلا يظن أنه من تتمة
стр. 71
الحد، ولا يستقيم ذكر كلمة "أو" في ذكر الحد؛ لأنها وضعت لتناول أحد المذكورين، فإن دخلت في الخبر أفضت إلى الشك، ومقام ذكر الحد مقام الخبر، والحد وضع لتعريف الماهية بدون الشك، فكان موضوع الحد على خلاف موضوع كلمة "أو" فلذلك لم يستقم ذكرها في موضع ذكر الحد.
أو نقول: تستعمل هي لتقسيم الأفراد، والتقسيم أيضًا ضد التحديد على ما هو المعروف، فلا يليق ذكرها في موضع الحد.
وقوله: (ونحوهما) كقوم، ورهط.
(انتهت إلى صفة العمومة) يعني أن الأول الزوجية كما كان لأدم ﵇، ثم قرابة الأبوة والنبوة، ثم قرابة العمومة، ثم حل النكاح بعدها، فكانت القرابة المحرمة للنكاح منتهية إلى صفة العمومة.
فإن قلت: في هذا سؤالان: أحدهما: لا نسلم أن العمومة منتهى القرابات، بل أولاد الأعمام أيضًا من الأقرباء، ولئن سلمنا أن المراد منه القرابة المقيدة بالحرمية لا نسلم تعين العمومة حينئذ لذلك، وهو السؤال
стр. 72
الثاني، فإن القرابة المقيدة بالحرمية كما تنتهي بالعمومية فكذلك تنتهي بالخؤولة، فلما تكن العمومية مستعينة في ذلك كيف قال: "انتهت إلى صفة العمومة"؟
قلت: المراد من قوله: "والقرابة إذا توسعت انتهت إلى صفة العمومة القرابة المحرمة للنكاح على ما ذكرنا، فلا يدخل حينئذ في هذا أولاد الأعمام.
وأما ما ذكرته أن أولاد الأعمام من الأقرباء أيضًا، فقلنا: لا نسلم ذلك شرعًا بدليل أن من أوصى لأقاربه فهي للأقارب من ذي رحم محرم منه، ولا يدخل فيه غير المحرم- أي على قول أبي حنيفة- رحمة الله.
فعلم بهذا أن القرابة مقيدة في الشرع بالمحرم من الأقارب.
وأما اختيار العمومة دون الخؤولة في حق انتهاء القرابة مع أنهما مستويتان في المحرمية؛ فلكون العمومة من أنساب الآباء. والاعتبار في النسب لجانب الآباء لما عرف في تقدير مهر المثل أن المعتبر فيه جانب الآباء لذلك.
(وهو كالشيء اسم عام)، ولا يقال: إن العام يتناول أفرادًا متفقة الحدود، وليس كل الأشياء متفقة الحدود بل فيها المتغايرات والمتضادات كالعرض، والجوهر، والحركة، والسكون، والحيوان، والجماد، فكان كل واحد منها مخالفًا للأخر حدًا وحقيقة، فكيف يكون اسم الشيء عامًا؟
стр. 73
لأنا نقول: إن كل الأشياء متفقة الحدود باعتبار قيام معنى الشيئية وهو الوجود في الجميع، فإن اسم الشيء يتناول الجوهر باعتبار الوجود لا باعتبار الجوهرية، فحينئذ كان متناولًا للعرض أيضًا؛ لأن العرض موجود، فكذلك سائر الأشياء موجودة، وإن كانت مختلفة في حقيقتها فيتناولها اسم الشيء على وجه العموم لاتحاد كلها في معنى الوجود، فكانت أفرادها متفقة الحدود؛ لأن معنى الوجود موجود في كل الأشياء، غير إن اسم الشيء كما يطلق على المخلوقات يطلق على ذات القديم لما عرف إلا أنه يطلق على المخلوقات بمعنى المشي، ويطلق على الله تعالى بمعنى الشائي؛ لأنه مصدر بصيغته، يقال شاء يشاء شياء ومشيئة، والمصدر يقع إطلاقه على اسم الفاعل، وعلى اسم المفعول.
(وهذا سهو منه أو مؤول؛ لأن المعاني لا تتعدد)، وهذا التعليل تعليل
стр. 74
لقوله: "سهو" يعني أن المعاني لا تتعدد إلا عند اختلاف تلك المعاني كما في أفراد المشترك؛ وهذا لأن أفراد المعنى الواحد وإن كانت كثيرة لا تكون معاني، كالعلم مثلًا، فإنه معنى واحد هو كونه نافيًا للجهل، والظن، والشك عمن قام هو به، وهذا معنى واحد، وإن كان له أفراد من علم الكلام، والفقه، والنحو، وغيرها.
فإن قيل: لفظ العرض يتناول الحركة، والسكون، والبياض، والسواد، وغير ذلك، وإنها معان، فعلى هذا يصح قوله: "أو المعاني"، قلنا: لفظ العرض لا يتناولها باعتبار كونها معاني، بل باعتبار معنى واحد، وهو معنى العرضية؛ لأن في الكل معنى العرض قائم.
(وتأويله أن المعنى الواحد لما تعدد محالة سمى معاني مجازًا) باعتبار تعدد المحال، فكأنه أراد من المعاني محال المعاني بطريق المجاز، لما أن إطلاق اسم الحال على المحل جائز مجازًا، كما في قوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ أي خذوا ثيابكم، ففيه إطلاق اسم الحال على المحل؛ لأن محل الزينة الثوب كما جاز عكسه، وهو في قوله تعالى: ﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ أي عند كل صلاة، والمسجد محل الصلاة (لكن كان ينبغي أن يقول: والمعاني)؛ لأن المعاني حينئذ كانت معاني تلك الأسماء التي قال: ما ينتظم جمعًا من الأسماء".
стр. 75
ومعاني تلك الأسماء بحسب اختلاف المحل صارت كأنها جمع، ولكن لما لم تنفك تلك المعاني عن تلك الأسماء كان حقها أن يقال: والمعاني؛ لأن هذه المعاني ليست غير معاني تلك الأسماء، والواو للجمع، فلما لم تنفك معاني تلك الأسماء عن تلك الأسماء كان جمعًا بينهما، فكان حقها أن تذكر بالواو، وفي كلمة أو دلالة انفكاك المعاني عن أساميها، فلا يصح استعمال أو لذلك. (والصحيح أنه سهو)؛ لأن في التأويل تغيير كلمة "أو" على ما ذكرنا.
[تعريف المشترك]
(وأما المشترك) أي المشترك فيه، وهو أن يشترك مثلًا لفظ الشمس، ولفظ الينبوع، ولفظ الذهب في لفظ العين، فكانت هذه الألفاظ مشتركة ولفظ العين مشتركًا فيه، ثم اشتراك الأسامي في العين هو أن يقال: إن العين
следующие страницы →