Полный текст (2 351 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
قلت: الأمر الباطن لما صار مستعملا معتادا صار بمنزلة الظاهر، فإذا كان مراده انفراد كل احد منهم في العادة لم يبق مطلقًا بل صار مقيدًا.
(فأما النكرة المفردة في موضع الإثبات فإنها تخص عندنا أي لا تتناول إلا واحدًا إلا أنها مطلقة).
اعلم أن المعنى من المطلق هو كل نكرة مفردة غير موصوفة في موضع الإثبات؛ لأنها إذا كانت موصوفة كانت مقيدة، وإذا كانت في موضع النفي كانت عامة، ثم المطلق ليس بعام عندنا (خلافًا للشافعي، فإنه قال بعمومه، حتى قال في قول الله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ إنها عامة تتناول الصغيرة والكبيرة والبيضاء والسوداء المؤمنة والكافرة) حيث جعل الأوصاف المحتملة بمنزلة الأفراد؛ أي الأعيان الموجودة.
стр. 597
(وقد خص منها الزمنة بالإجماع، فيصح تخصيص الكافرة منها بالقياس على كفارة القتل) وهو وإن لم يكن محتاجًا إلى تخصيص العام أولا بالدليل القطعي لتخصيصه بالقياس عليه، ثانيًا على مذهبه ذكر ذلك على وفاق مذهبنا ليتيسر عليه تخصيص العام بالقياس بالإجماع.
وقلنا نحن: هذه مطلقة لا عامة؛ لأنها فرد فتتناول على احتمال وصف دون وصف، (والمطلق يحتمل التقييد) دون التخصيص؛ لأنه ليس بعام والتقييد نسخ للإطلاق، فالتقييد مع التخصيص على طرفي نقيض؛ لأن التخصيص يبين أن بعض أفراد العام ليس بمراد بالعام، والباقي من ذلك البعض مراد بصدر الكلام، فكان الأول وهو العام الباقي معمولًا.
وأما المقيد فهو بنفسه مراد ولم يبقى لصدر الكلام حكم البتة، فكان المراد من التقييد الثاني ومن التخصيص الأول، ولأن التقييد مفرد والتخصيص جملة، ولأن التقييد تصرف فيما كان الأول عنه ساكتًا كصفة الإيمان في الرقبة، والتخصيص تصرف فيما تناوله العام السابق، ولأن التقييد زيادة
стр. 598
معنى، والتخصيص إخراج من العام السابق بعضه بإثبات ضد حكم العام السابق، وهذه فروق بين التخصيص والتقييد.
وأما الفرق بين المطلق والعام: فإن المطلق واحد لا أفراد له؛ لأنه ليس بمحلى بحرف الجنس، وليس بجمع صيغة، وليس من المبهمات في شيء، ولم يتصل بصفة عامة، ولم يذكر نكرة في موضع النفي.
والعام ما كان موصوفًا بواحد من أضداد هذه الأشياء، فكانا هما أيضًا على طرفي نقيض، ومعرفة الفرق بين المطلق والعام، وبين التقييد والتخصيص من أهم المهمات لترتيب الأحكام عليها بحسب ذلك (قد جعل وجوب التحرير جزاء الأمر، فصار ذلك سببًا، فيتكرر مطلقًا بتكرره). هذا جواب سؤال وهو أن يقال: لو لم تكن الرقبة عامة لما وجبت الرقاب عند تعدد الحنث باليمين وتحت الرقاب جمعًا عند ذلك، فكانت عامة بهذا الطريق، فأجاب عنه وقال: وجوب تعدد الرقاب هنا بسبب تعدد الوجوب وتكرره لأن الرقبة عامة.
(وصار مقيدًا بالملك لاقتضاء التحرير) وهذا أيضًا جواب سؤال، وهو أن يقال: لو لم تكن الرقبة عامة لما قيدت هي بكونها مملوكة.
стр. 599
فأجاب عنه وقال: إنما اشترط الملك لاقتضاء التحرير الملك؛ لأن التحرير لا ينفذ إلا في الملوك. لا أن التقييد بالملك لكونها مخصوصة من الرقبة العامة، أو هو جواب عما ورد شبهة على قوله: "فصار نسخًا" بأن يقال: لو كان تقييد المطلق نسخًا له لما قيدت الرقبة بكونها مملوكة لئلا يلزم النسخ.
فأجاب عنه بهذا، وهو قوله: لاقتضاء التحرير الملك"، فلم يكن ذلك زائدًا على النص حتى يلزم النسخ.
وقوله: (ولم يتناول الزمنة) جواب عن قوله: وقد خص منها الزمنة بالإجماع".
وتفسير الجواب هو أن خروج الزمنة عن مطلق الرقبة لا باعتبار التخصيص، بل باعتبار أن إطلاق الرقبة يقتضي كمال البنية- لأن الرقبة اسم للبنية السالمة عن النقصان- والزمنة قائمة من وجه دون وجه، فلم تكن قائمة مطلقًا حتى تتناولها اسم الرقبة مطلقًا، ولهذا شرط كمال الرق أيضًا؛ لأن التحرير منصوص عليه مطلقًا وذلك إعتاق كامل ابتداء، وفي المدبر وأم الولد تعجيل لما صار مستحقا لهما مؤجلًا، فلا يكون إعتاقهما إعتاقًا مبتدأ مطلقًا- فلا يجوز- إلى هذا أشار الإمام شمس الأئمة- ﵀.
стр. 600
[وصار ما ينتهي إليه الخصوص]
(وأما الفرد بمعناه فمثل قوله: لا يتزوج النساء ولا يشتري العبيد إنه يصح الخصوص حتى يبقى الواحد) هذا الذي ذكره عند أهل الفقه.
وأما صاحب "الكشاف" جعل الجمع المحلى بلام الجنس كالجمع بدون لام الجنس، حتى لم يجوز تخصيصه إلى الواحد بل إلى أقل الجمع.
стр. 601
فقال: "إذا دخلت لام الجنس على المفرد كان صالحًا لأن يراد به الجنس إلى أن يحاط به وأن يراد به بعضه لا إلى الواحد منه، وإذا دخلت على المجموع صلح أن يراد به جميع الجنس وأن يراد به بعضه لا.
إلى الواحد "ذكره في تفسير قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، وذكر أيضًا في سورة الحاقة في قوله: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾، أن الملك أعم من الملائكة.
ألا ترى أن قولك: ما من ملك إلا وهو شاهد، أعم من قولك: ما من ملائكة، ذكر الأصل في الجمع مع لام الجنس وأرى النظير من الجمع بدون لام الجنس.
قلت: قوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ وقوله تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾، يدلان على وهاء ما ذكره في "الكشاف".
стр. 602
[أقل الجمع]
(وعلى ذلك مسائل أصحابنا) فإن من أقر لآخر بقوله: لفلان علي دراهم يصدق في الثلاث ولا يصدق فيما دونه.
﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ حيث يقوم في الحجب هاهنا الاثنان مقام الثلاث، (وفي المواريث والوصايا).
أما في المواريث: ففي قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾، والحكم في الاثنتين كذلك.
وأما في الوصايا: فإن من أوصى لأقربائه، فهي للأقرب فالأقرب من كل ذي رحم محرم منه ويكون للاثنين فصاعدًا.
стр. 603
(ولا خلاف أن الإمام يتقدم إذا كان خلفه اثنان)، ومن شرط الجماعة تقدم الإمام عليهما، ولو لم يكن الاثنان جمعًا لما تقدم الإمام عليهما، كما لا يتقدم على الواحد.
("الواحد شيطان والاثنان شيطانان")، فلو كان الاثنان ينطلق عليهما اسم الجمع لما أقامهما مقام الواحد في كونهما شيطانًا.
(فإن أهل اللغة مجمعون على أن الكلام ثلاثة أقسام: آحاد ومثنى وجمع)، فكل منها على ما وضع له حقيقة.
والدليل عليه أنه يستقيم نفي صيغة الجمع عن المثنى بأن يقال: ما في الدار رجال. إنما فيها رجلان، وقد بينا أن اللفظ إذا كان حقيقة في شيء لا يستقيم نفيه عنه، ولأن قسمتهم الكلام على هذا الوجه بأن الكلام ثلاثة
стр. 604
أقسام: آحاد ومثنى وجمع دليل على أن كل واحد منها مخالف للآخر، كما نقول: الإنسان قسمان: ذكر وأنثى، ولا شك أن الذكر يخالف الأنثى، وهو ظاهر.
(وله علامات) أي وللمثنى علامات على الخصوص، فإن رفعه بالألف والنون في آخره لازم عند عرائه عن الإضافة وهي مكسورة وما قبل الياء مفتوح.
(وأجمع الفقهاء على أن الإمام لا يتقدم على الواحد). هذا جواب عن قول الخصم. يعني أن الإمام من الجمع ولو كان المثنى جمعًا لتقدم الإمام على الواحد حيث اجتمعا والتقدم شرط الجماعة، وقد حصلت الجماعة على قول الخصم، ومع ذلك لا يتقدم بالإجماع. علم أن المثنى ليس بجمع.
(فإن الواحد إذا أضيف إليه الواحد أي ضم إليه تعارض الفردان، فلم يثبت الاتحاد ولا الجمع)، وهذا لأن الفرد بالنظر إلى نفسه واحد وبالنظر إلى مقابله جمع. إذ بالمقابلة يحصل الاجتماع بينهما، وهما فردان متساويان في القوة، فلا يترجح أحدهما على الآخر، فسقط الوصفان؛ أعني الاتحاد
стр. 605
والاجتماع عند التعارض، فثبت لهما وصف آخر سواهما وهو التثنية، وهذا معنى ما ذكره الإمام بدر الدين- ﵀ فقال: إن الواحد إذا أضيف إليه الواحد تعارض الفردان.
إذ الفرد الأول يمنع نفسه عن الإتباع إلى مماثله ليبقى هو فردًا كما هو صفته، والثاني يجذب المقابل إلى نفسه ويجعله جمعًا مع نفسه وهما متساويان في القوة فتعارض الشبهان، فلم يبق التوحد حيث وجد الجمع، ولم يحصل التجمع حيث لم يرتفع التعارض، فبقي قسمًا آخر بين القسمين وهو المثنى بين الواحد والجمع، وهو المنزلة بين المنزلتين، والمنقول عن الأساتذة في هذا بالفارسية في معنى التعارض بين الفردين يك فرد مي خواهد كه با آن يكي جمع شود وآن يكي فدر خويشتن را منع مي كند أز وي جمع بودن را فيثبت التعارض بينهما.
(وأما في الثلاث فقد عارض لكل فرد اثنان) فغلبا وترجح جانب التجمع وبطل التوحد بمرة، فحصل التجمع فصار الثلاث حقيقة لصيغة الجمع حيث لا ينفى عنه، وأما في المثنى فينفى عنه كما ذكرنا.
(وقد جعل الثلاثة في الشرع حدا في إبلاء الأعذار) أي في إظهار الأعذار والاختبار بها، كما في قصة موسى مع معلمه ﵉ حيث جعل السؤال الثالث نهاية في ترك المؤاخذة، وكذلك في حد مدة السفر
стр. 606
وخيار الشرط ومدة مسح المسافر وغيرها. يعني ليس هذا الذي جعل الشرع الثلاثة في إبلاء الأعذار للاثنين. علم بهذا أن الاثنين ليسا في حكم الثلاثة.
(وأما الحديث فمحمول على المواريث) أي الحديث الذي ذكر في تعليل الشافعي، وهو قوله ﵇: "الاثنان فما فوقهما جماعة" محمول على المواريث، ثم في المواريث إنما جعل للاثنين حكم الجماعة بدلالة النص، لا لأن لفظ الاثنين أطلق على لفظ الجمع. بيان ذلك هو أن قوله تعالى: ﴿فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك﴾ بين أن للاثنين من الأخوات إذا كانتا لأب وأم أو لأم الثلثين، فهذا بيان أن الثلثان نصيبهما، ولا يزاد
стр. 607
على الثلثين وإن زدن.
علم ذلك بدليل آخر وهو قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾، فكان فيه بيان أن النساء وإن كثرن لا يزاد نصيبهن على الثلثين فكان للجمع حكم الاثنين بهذا الطريق. لا أنه أطلق حقيقة الجمع على الاثنين، وهذا صريح في الأختين، وأما للبنتين فلهما الثلثان أيضًا بدلالة النص وإشارته.
أما الدلالة: فلأنه لما كان للأختين الثلثان، لأن يكون للبنتين الثلثان بالطريق الأولى؛ لأن الأخت تبع للبنت في استحقاق الفرض حتى لا يفرض للأخت مع وجود البنت.
وأما طريق الإشارة فهو قوله تعالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾، فهذا يقتضي أن يكون للابن مثل حظ البنتين في جميع صور اختلاط الابن مع البنت، حتى إذا كان للميت ابن وبنت لا غير، فللابن الثلثان ولو لم يكن للبنتين الثلثان لتناقض ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ وتعالى كلام الله عن التناقض.
وأما الوصايا: فمبينة على المواريث أيضًا من حيث إن كلًا منهما سبب لملك المال بعد الموت، ولأن الإرث فرض ثابت قطعًا والوصية نافلة وهما بعد الموت، فكانت الوصية تبعًا للإرث لما أن النوافل تبع للفرائض.
стр. 608
(والثاني ما قلنا: إن الخبر محمول) أي الوجه الثاني من حمل حديث الشافعي نقول: إن ما ذكرنا من الخبر في تعليلنا بقوله: ولنا قول النبي ﵇ "الواحد شيطان" إلى آخره هو محمول (على ابتداء الإسلام)، فإذا ظهر قوة المسلمين قال ذلك الحديث الذي رواه الشافعي بقوله: "الاثنان فما فوهما جماعة".
(فإذا ظهر قوة المسلمين قال: "الاثنان فما فوقهما جماعة") أي المسافرة مع الاثنين جائزة كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾، وكان موسى ﵇ مع فتاه اثنين في السفر، علم أن المسافرة كانت جائزة في الأصل، وإنما كان الحظر عنه في ابتداء الإسلام لعارض الخوف.
(وأما الجماعة فإنما تكمل بالإمام) فيكون الإمام مع القوم جماعة، فالإمام مع الاثنين جماعة والتقدم من سنة الجماعة، فيتقدم الإمام على الاثنين لهذا المعنى لا أن الاثنين جماعة، (حتى شرطنا في الجمعة ثلاثة سوى الإمام)؛ لقيام الدليل على اشتراط أن يكون القوم جماعة سوى الإمام،
стр. 609
وهو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ ففي قوله ﴿نُودِيَ﴾ فهم المنادي وهو المؤذن، وفي قوله: ﴿إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ فهم الذاكر وهو الخطيب، وفي قوله ﴿فَاسْعَوْا﴾ يفهم الساعون الخاطبون وأقلهم اثنان بالاتفاق، فيعلم من هذا كله اشتراط ثلاثة سوى الإمام.
(فألحق الفرد بالزوج لعظم منفعته). ألا ترى أن من قطع لسان إنسان يلزمه كمال الدية، كما لو قطع اليدين خطأ كأنه زوج، فصار قلب اثنين كأنه أربع قلوب، (وقد جاء في اللغة خلاف ذلك كقوله):
ظهراهما مثل ظهور الترسين.
قاله في صفة مفازتين.
هذا الذي ذكره من ذكر الجمع وإرادة الاثنين فيما إذا كان متصلين.
стр. 610
وأما في المنفصلين فلا يجوز ذكر الجمع، وإرادة الاثنين للإلباس حتى لا يقال: أفراسهما ولا غلمانهما، إذا كان لكل منهم فرس واحدة وغلام واحد.
* * *
стр. 611
باب معرفة أحكام القسم الذي يليه
(وهذا تكثر في تعارض السنن والأحاديث) كما في قوله ﵇: "القلس حدث"، وروي عن النبي ﵇: "أنه قاء فلم يتوضأ"
стр. 612
وكذا ذكر في الأثر "أو دسعة تملأ الفم".
قلنا: أما قوله: "قاء فلم يتوضأ"، فإنه حكاية فعل فلا عموم له، لأن العموم من أوصاف النظم، ولا جائز أن يكون قليلًا في نفسه وكثيرًا، فلم يستقم الاحتجاج به.
وقوله: "القس حدث" فيه الألف واللام ولا معهود له، فكان العموم.
وقوله: "أو دسعة" معارض له، لكن في قوله: "القلس حدث" دليل على أنه الكثير لا القليل، فإن القلس هو الرفع لغة، ومنه القلاس (البحر) لقذفه ما فيه، وذلك لا يكون إلا عند الكثرة حتى يرمي نفسه ويدفع، أما عند القلة فلا.
стр. 613
(فقال الآخر: الحق اليقين الصدق)، يعني قال: الحق لا غير، أو قال: اليقين لا غير، وكذا إلى الآخر، وحاصله أن هاهنا خمسة ألفاظ: فالحق والصدق واليقين في الإقرار نصوص تحتمل التغيير، والبر مجمل يحتمل البيان، والصلاح محكم لا يحتمل التغيير. كذا في "الجامع الكبير" للصدر الشهيد- ﵀.
والصلاح لما كان محكمًا فأي لفظ قرن به لا يكون إقرارًا حتى لو قال: الحق الصلاح أو الصلاح الحق، أو ضم الصلاح إلى اليقين قدم أو أخر لم يكن إقرارًا؛ لأن الصلاح محكم في أنه لا يكون إقرارًا، ثم فائدة كون الألفاظ الأول نصوصًا أن كل واحد منهما إذا انفرد بنفسه كان إقرارًا، أو إذا انضم البر بواحد منها كان إقرارًا أيضًا؛ لما ذكرنا أن البر مجمل فيحمل المجمل على النص والظاهر.
وقال المصنف- ﵀ في "شرح الجامع" الحق الحق، أو اليقين
стр. 614
اليقين، أو الصدق الصدق، أو البر البر، أو الصلاح الصلاح، أو قال: حقًا حقًا أو يقينًا إلى آخرها، وفي هذه الجمل الثلاث الأولى تصديق وإقرار، والبر والصلاح ليس بإقرار، لأن الحق واليقين والصدق يوصف بها الدين، فوجب العمل به، ولو قال: الحق حق واليقين يقين والصدق صدق إلى آخرها، لم يكن إقرارًا؛ لأن الكلام في الفصول الأولى كان ناقصًا، يحمل على الجواب ظاهرًا، فأما هذا الكلام تام مبتدأ وخبر فلم يصلح جوابًا.
وقوله: (فإذا قارنه نص أو ظاهر) وهو الكلمات الثلاث الأول وهي: الحق واليقين والصدق أي يصح أن يطلق على كل منها اسم النص أو اسم الظاهر، فاسم النص باعتبار أن لجواب يتضمن إعادة ما في السؤال فكأنه سيق الكلام لأجله، واسم الظاهر باعتبار أن المقصود من الكلام هو قول المدعي: لي عليك ألف درهم.
وأما الجواب فإنهما ثبت في ضمن ذلك الكلام، فكأنه لم يسق الكلام إليه، فصح إطلاق اسم الظاهر على كل واحد منها لما أن الاعتبار للمتضمن لا للمتضمن، ولهذا يطلق اسم النص على هذه الألفاظ الإمام المحقق شمس
стр. 615
الأئمة السرخسي- ﵀.
فأما قوله: (إلى شهر محكم في المتعة لا يحتمل النكاح مجازًا)؛ لأن النكاح لا يحتمل التأقيت، لأنه منسوخ، فكان التوقيت محكمًا في كونه متعة، والتزوج محتمل للمتعة، لأن الازدواج كما يحصل في التأبيد يحصل في التوقيت، فحمل هو على المتعة ولم يحمل قوله: إلى شهر على النكاح لذلك.
(لأن السرقة أخذ المال على وجه المسارقة عن عين الحافظ الذي قصد حفظه).
فإن قيل: لو سرقت من بيت رجل غائب يقطع كما لو سرق من بيت رجل حاضر، فلو كانت السرقة عبارة عن أخذ المال على المسارقة عن عين الحافظ
стр. 616
الذي قصد حفظه لما وجب القطع هنا لانعدام حد السرقة؛ لأن المسارقة عن عين الحافظ إنما تكون إذا كان الحافظ حاضرًا.
قلنا: معناه عن عين الحافظ أو عن عين نائب الحافظ، وفي حق الغائب إن كان عينه غائبة فعين نائبه وهو بيته لقصد حفظ الأموال حاضرة، وهذا لأن حفظ الحافظ بنفسه غير معتبر فيما هو محرر بالمكان.
هكذا ذكر في "المبسوط" بخلاف القبر، فإن القبر ما حفر لحفظ الكفن، فلم يكن النبش مسارقة عن عين الحافظ ولا عن عين نائبه فلا يقطع.
وقوله: (ولا قاصد) احتراز عن الحفظ بالبناء الذي قصد ببنائه على حفظ الأموال كالبيوت.
وأما القبر فلم يكن لذلك بل حفر القبر لمواراة الميت عن أعين الناس وما يخاف عليه من السباع لا للإحراز.
ألا ترى أن الدفن يكن في ملأ من الناس، ومن دفن مالًا على قصد الإحراز فإنه يخفيه عن أعين الناس، وإذا فعله في ملأ من الناس على قصد الإحراز ينسب إلى الجنون، ولا نقول: أنه مضيع ولكنه مصروف إلى حاجة الميت، وصرف الشيء إلى الحاجة لا يكون تضييعًا ولا إحرازًا كتناول الطعام وإلقاء البذور في الأرض لا يكون تضييعًا ولا إحرازًا.
واختلف مشايخنا فيما إذا كان القبر في بيت مقفل.
стр. 617
قال الإمام شمس الأئمة السرخسي- ﵀ والأصح عندي أنه لا يجب القطع.
(وهذا من الأول) أي النباش من السارق (بمنزلة التبع من المتبوع)، فإن السارق يسرق من الحافظ والنباش ينبش الكفن من غير الحافظ، والأصل أن توجد السرقة من الحافظ فكانت السرقة أصلًا والنبش غير أصل، فكان المراد من المتبوع والتبع كونهما أصلًا وغير أصل لا حقيقة التبعية، وعن هذا خرج الجواب عن قول من يقول: لما كان النباش تبعًا للسارق يجب أن يقطع النباش كالسارق، لأن الحكم الثابت في المتبوع ثابت في التبع.
(والتعدية بمثله في الحدود خاصة باطل)، وإنما قيد بالحدود؛ لأن في غير الحدود إذا ثبت الحكم في الأعلى يثبت في الأدنى بالقياس عليه.
ألا ترى أن الوطأ يثبت حرمة المصاهرة وهو أعلى، وكذلك يثبتها أيضًا المس بشهوة وهو أدنى ولا يثبت مثل هذا في الحدود؛ لأنها تندرئ بالشبهات.
(وأما الطرار) فهو على وجهين: إما أن كانت الدراهم مصرورة في داخل الكم أو ظاهر الكم، فإن كانت مصرورة في داخله، فإن طر الصرة يقطع؛ لأنه بعد القطع يبقى المال في الكم، فيدخل يده حتى يخرجه، وإن حل الرباط
стр. 618
لم يقطع؛ لأنه إذا حل الرباط يبقى المال خارجًا من الكم، فلم يوجد إخراج المال من الكم والحرز، وإن كان مصرورًا في ظاهر الكم، فإن طر لم يقطع لانعدام الإخراج من الحرز، فإن حل الرباط يقطع؛ لأن الدراهم تبقى في الكم بعد حل الرباط حتى يدخل يده فيخرجها، وتمام السرقة بإخراج المال من الحرز، وعن أبي يوسف- ﵀ استحسن أن أقطعه في الأحوال كلها؛ لأن المال محرز بصاحبه والكم تبع، وفرق أبو حنيفة ومحمد- رحمهما الله- بين الطرار والنباش فقالا: اختصاص الطرار بهذا الاسم لمبالغة في سرقته؛ لأن السارق يسارق عين حافظه في حال نومه، وغفلته عن الحفظ، والطرار يسارق عين المنتبه في حال إقباله على الحفظ، فهو زيادة حذق منه في فعله، فعرفنا أن فعله أتم ما يكون من السرقة فيلزمه القطع. وأما النباش فلا يسارق عين المقبل على حفظ المال أو القاصد كذلك، بل يسارق عين من يهجمه عليه من غير أن يكون له قصد إلى حفظ الكفن، وذلك دليل ظاهر على النقصان في فعل السرقة، فلهذا لا يلزمه القطع. كذا في "المبسوط" والله أعلم.
* * *
стр. 619
[باب أحكام الحقيقة والمجاز والصريح والكناية]
قوله: (أمرًا كان أو نهيًا خاصًا كان أو عامًا)، فالأمر كقوله تعالى: ﴿وَامُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾، والنهي كقوله: ﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾، والخاص أيضًا كذلك.
وأما العام فكقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ﴾، فإن كلام منهما حقيقة شرعية، وقوله ﵇: "لا تبيعوا الدرهم بدرهمين" وجود ما استعير له خاصًا. كقول من يقول يصف غيره بالشجاعة: رأيت أسدًا يرمي، أو يقول لغيره: لا تضع قدمك في دار زيد أي لا تدخل، أو عامًا كقوله ﵇: "ولا الصاع بالصاعين"، وحاصله أن
стр. 620
الحقيقة: استعمال اللفظ في الموضع الأصلي كلفظ الأسد للهيكل المعروف.
والمجاز: استعماله في غير موضعه الأصلي بنوع مناسبة بالاتصال بين الأصل والفرع.
والصريح هو: الظاهر الجلي بواسطة الاستعمال حقيقة كان أو مجازًا.
والكناية: المستتر المراد حقيقة كان أو مجازًا، وقد ذكرنا قبل هذا نظائرها.
(وطريق معرفة الحقيقة التوقيف والسماع)، فالتوقيف التعليم من جهة المعلم، والسماع: من جهة المتعلم. (بمنزلة النصوص)، فإن في حق النصوص التوقيف والسماع، فكذا في حق الحقائق؛ لأن الحقيقة موضوعة بوضع الواضع أن اسم هذا كذا واسم هذا كذا، كما قال الله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾، وفيه سؤال وهو أن الله تعالى علمه الأسماء والأفعال والحروف، فكيف خص الأسماء دونهما؟
والجواب عنه: أنك إذا أخبرت عن الأفعال والحروف فهما أيضًا يصيران اسمين، وهذا مقام الإخبار فكذا ذكر الكل، والله أعلم بالأسماء، وهذا لأن
стр. 621
كونه مخبرًا عنه من خواص الاسم فكان كل منهما اسمًا بواسطة الإخبار عنه، فلذلك أطلق اسم الأسماء على المجموع.
(فإن الحقيقة أولى منه)؛ لأن الوضع الأصلي أولى بأن يكون مرادًا من العارضي لسبقه على العارضي في الوجود، أو لتسارع الوضع الأصلي إلى أفهام السامعين.
(وأبى أن يعارضه حديث ابن عمر- ﵄) فإن قوله ﵇: "لا تبيعوا الطعام بالطعام" مع "نهي النبي ﵇ عن الصاع بالصاعين" يتعارضان.
بيان المعارضة هو: أن قوله: "لا تبيعوا الطعام بالطعام" يشعر بكون الطعم علة لما عرف أن الحكم إذا كان مرتبًا على اسم مشتق كان مأخذ
стр. 622
الاشتقاق علة، كما في قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ وقوله: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ وكما يقال: أكرم العالم وأهن الجاهل، وقوله: "ولا الصاع بالصاعين" يقتضي كون الكيل علة، فيقتضي أن لا يجري الربا في غير الصاع؛ لأنه رتب حكم النهي على شيء مكيل يصاع، فكان الكيل علة لما ذكرنا من الأصل، فبين كون الطعم علة وبين كون الكيل علة تناف فتحققت المعارضة، إذ الأول يقتضي الحل في صاع بصاعين من الجص والنورة، والثاني الحرمة.
أو نقول: قوله: "لا تبيعوا الطعام بالطعام" يقتضي الحرمة في القليل والكثير، والحديث الآخر يقتضي الحرمة في الكثير لا في القليل، وإباحة القليل تثبت بالنص المبيح، وهو قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾، فقال: لا معارضة بينهما؛ لأن العموم لم يرد بالحديث الثاني؛ لأن لا عموم للمجاز عندي.
стр. 623
والمطعوم مراد بالصاع بالإجماع، فكان موافقًا لما ذكرت من كون الطعام علة، وهو مرجح المحرم لكونه حقيقة على حديث ابن عمر لكونه مجازًا.
(والصحيح ما قلنا؛ لأن المجاز أحد نوعي الكلام)، فإن الكلام منقسم إلى قسمين: حقيقة ومجاز؛ لأنه لا يخلو إما أن كان مستقرًا في محله أو لا يكون مستقرًا في محله ولا واسطة بينهما، فإذا ثبت أن المجاز أحد نوعي الكلام كان العموم الذي ثبت للكلام بدليله شاملًا لنوعيه من الحقيقة والمجاز؛ لأن الحكم إذا كان مرتبًا على الجنس كان مرتبًا على أنواعه، فإن الحكم إذا كان مرتبًا على الحيوان كان مرتبًا على الإنسان.
أما إذا كان مرتبًا على الإنسان لا يكون مرتبًا على الحيوان، بل يكون مرتبًا
стр. 624
على الذكر والأنثى من الإنسان، وهنا حكم العموم مرتب على الكلام، فكان مرتبًا على أنواعه لا محالة، وأنواع الكلام: الحقيقة والمجاز، فكان مرتبًا على المجاز ضرورة.
(لأن عموم الحقيقة لم يكن لكونه حقيقة)؛ لأن عمومها لو كان لحقيقتها لما جاز الخصوص في الحقيقة، وقولك: جاءني زيد أو رجل حقيقة وليس بعام.
(إلا أنهما يتفاوتان لزومًا، وبقاء) أي لا تسقط الحقيقة عن موضوعها بخلاف المجاز، واللزوم والبقاء مترادفان.
(حتى كثر ذلك في كتاب الله تعالى).
стр. 625
.......................................................................
стр. 626
فإن قيل: المقتضى ضروري ومع ذلك موجود في كتاب الله تعالى كما في قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ أي رقبة مملوكة.
قلنا: إن الضرورة في المقتضى في حق السامع لا في حق المتكلم، فإن المتكلم يتكلم بما هو معلوم المراد عنده، لكن السامع يضطر إلى إدراج شيء حتى يعلم بذلك ما هو مراد المتكلم، فكانت الضرورة فيه راجعة إلى السامع لا إلى المتكلم؛ لأنا محتاجون إلى البيان لا الله تعالى.
(وهو أفصح اللغات)؛ لأن القرآن أنزل على أعلى طبقات الفصاحة، وقد يكون المجاز في موضعه أفصح اللغات، حتى أن الحقيقة لو ذكرت في موضعه يلزم القبح كما قال الله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ ولو قال: حتى يطلع الفجر لم يكن على تلك الفصاحة.
стр. 627
(إلا أن يكون مهجورًا) كقولهم بالفارسية: ديك بخت، والناس يفهمون من هذا طبخ الطعام في القدر، ولا يفهمون طبخ نفس القدر التي يطبخ في كانون الخزاف وهو حقيقتها.
(فيصير ذلك دلالة الاستثناء) من حيث إن المهجور غير المراد بهذا الكلام كما أن المستثنى غير مراد بصدر الكلام.
(كمن حلف لا يسن هذه الدار) فأخذ في الحال في النقلة لم يحنث، وصار ذلك القدر من السكون وهو حقيقة مستثنى من هذه اليمين بدلالة في الحالف، وهي أن مقصوده البر وهو منع النفس من السكون في الدار، وهذا القدر لا يستطاع الامتناع عنه، فلم يحصل ما هو المقصود من اليمين وهو المنع فصار كأنه قال: لا يسكن هذه الدر إلا زمان الانتقال. أن السكون في ذلك الزمان كان مهجورًا.
стр. 628
(وكمن حلف لا يطلق) وقد حلف. قيل ذلك بأن قال لامرأته: إن دخلت الدار فأنت طالق، ثم قال بعد ذلك: إن طلق امرأته فعبده حر، ثم دخلت الدار لم يعتق عبده لما ذكرنا أن المقصود من اليمين منع النفس من التطليق، وهو كان ممتنعًا قبل هذا الحلف فلا يمكنه الامتناع بعد ذلك، فصار ذلك الحلف السابق مستثنى عن هذا الحلف، وكذلك في نظائرها.
(فصار ذلك كأولاده لإحيائهم بالإعتاق) يعني أن المولى بالإعتاق يصير سببًا لحياتهم كالأب يصير سببًا لحياة الولد، وهذا لأن الكفر موت. قال الله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ أي كافرًا فهديناه، وقال تعالى: ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ والرق أثر الكفر، فكان إزالته كإزالة الموت من
стр. 629
كل وجه، فكان الإعتاق سببًا للحياة من هذا الوجه، والمعنى فيه أن الكافر لم ينتفع بحياته وهو اكتساب الحياة الأبدية صار كأنه جماد ميت؛ لأن الجماد لا ينتفع بشيء، فصار كأنه ميت معنى.
ألا ترى أن الله تعالى سمى الكفار صمًا بكمًا عميًا مع أن كلًا منهم سميع ناطق بصير إلا أنه لما لم ينتفع بسمعه وهو اكتساب السمع الأبدي كان أصم وكذا في غيره، إذا ثبت أن الرق أثر الكفر، ولهذا لا يجوز ضرب الرق على المسلم ابتداء، فالمولى بالإعتاق صار سببًا لحياته، فيكون معتقًا بمنزلة الولد، ومعتق معتقه بمنزلة ولد الولد، وولده ولده حقيقة، وولد ولده ولده مجازًا لصحة النفي عنه، فلا يكون معتق المعتق مرادًا بهذه الوصية.
كما أن أولاد أولاده لا يكونون مستحقين شيئًا فيمن أوصى لبني فلان أو لأولاد فلان، وله بنون لصلبه وأولاد البنين، وتشبيه سببيته إلى الحياة بالإعتاق بسببية الولاد إلى الحياة مستفاد من قوله ﵇: "لن يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكًا فيشتريه فيعتقه" لما أن الجزاء مكافأة، وهي تنبئ عن المماثلة، فكل ما يوجد من الولد من الإنعام والإحسان في حق الأب لا
стр. 630
يماثل ما يوجد من الأب في حق الولد؛ لأن ما وجد منه كان سبب حياته وما يوجد من الولد لا يقابل هذا إلا إذا وجد مرقوقًا فاشتراه فأعتقه فهذا يماثل ما وجد من الأب في حق الولد وهو تحصيل الحياة في الأبد، كما أن الأب تسبب لحصول الحياة في الابن، فلذلك لم يجعل النبي ﵇ جميع إنعامات الابن مساوية لإنعام الأب إلا إعتاقه؛ ليكون هذا جزاء وفاقًا منه لإنعام الأب بهذا الطريق.
وقيل: كان الأستاذ الكبير مولانا شمس الدين الكردري- ﵀ يقول: هذا المعنى في هذا الحديث.
(والحقيقة ثابتة فلم يثبت المجاز)، وإنما قيد بقوله: والحقيقة ثابتة؛ "لأن الحقيقة لو لم تكن ثابتة أصلًا بأن لم يكن للموصي معتقون ولكن له معتقوا معتقين كانت الوصية لمعتقي معتقيه؛ لأن الحقيقة هنا غير مادة فيتعين المجاز، ولو كان له معتق واحد والوصية بلفظ الجماعة فاستحق هو نصف الثلث وكان الباقي مردودًا على الورثة، ولا يكون لموالي المولى من ذلك شيء؛ لأن الحقيقة هنا مرادة.
(حتى إن الوصية للمولى وللموصي موال أعتقوه باطلة) أي باطلة إلى
стр. 631
أن يبين أن مراده منها من هم؟ هكذا ذكره الإمام قاضي خان في "شرح الجامع الكبير" ثم هذا الذي ذكره هنا هو ظاهر الرواية.
وعن أبي حنيفة ﵁ أنها جائزة ويكون الثلث بين الفريقين؛ لأن الاسم حقيقة لهما فيتناولهما. كما لو أوصي بثلث ماله لإخوته وله ستة إخوة، أخوان لأب وأم وأخوان لأب، وأخوان لأم كان الثلث بينهم السوية.
وعن أبي يوسف- ﵀ أنه قال: الوصية للمولى الأعلى؛ لأنه منعم، ومجازاة المنعم واجب والزيادة على الإنعام ليس بواجب، فتصرف إلى الواجب، وعنه في رواية أنها تكون للمولى الأسفل؛ لأن كونه منعمًا عليه دليل الحاجة، فكان الصرف إلى المحتاج أولى.
وعن محمد- ﵀ الوصية لا تجوز إلا أن يصطلح الموليان فيما بينهما. كما لو قال لرجلين: لأحدكما علي ألف درهم، قال محمد- ﵀ الإقرار باطل إلا أن يصطلح المقر لهما على شيء.
وجه ظاهر الرواية أنه لا وجه لصرف الوصية إليهما؛ لأن اسم المولى
стр. 632
مشترك يتناول الأعلى والأسفل والناصر، واللفظ الواحد لا يتناول معنيين متنافيين في موضع الإثبات، ولا يمكن الصرف إلى أحدهما عينا؛ لأن المقصود من الوصية المجازاة والشكر، فلا يمكن تعيين أحدهما بغير دليل، ولا يمكن الصرف إلى أحدهما غير عين لجهالة المستحق فلا تصح، ولو صحت لدخل فيه الناصر والمحب وغيرهما؛ لأن اسم المولى يتناولهم بخلاف ما إذا أوصى لإخوته؛ لأن اسم الإخوة يتناول الكل بمعنى واحد وهو التفريع عن أصل واحد، فجاز أن يتناول الأشخاص المختلفة لمعنى واحد كاسم الحيوان وغير ذلك.
بخلاف ما إذا خلف لا يكلم موالي فلان، فكلم ثلاثة من الفريقين، فإنه يحنث في يمينه؛ لأن ذلك موضع النفي واللفظ الواحد يجوز أن يتناول شيئين متنافيين في موضع النفي. يقول الرجل: ما رأيت لونًا ينتفي به السواد والبياض جميعًا. كذا في "شرح الجامع الكبير" للإمام قاضي خان- ﵀ إنه (لا يلحق بالخمر في الحد) أي لا يلحق سائر الأشربة المسكرة بالخمر حتى لا يجب الحد بها ما لم تسكر؛ لأن الاسم للنيئ من ماء العنب المشتد حقيقة ولسائر الأشربة المسكرة مجاز، فإذا كانت الحقيقة مرادة يتنحى المجاز. كذا ذكره الإمام شمس الأئمة- ﵀.
(لأن الحقيقة أريدت بذلك النص) وهو قوله ﵇: "من شرب
стр. 633
الخمر فاجلدوه".
(لأن المجاز مراد بالإجماع وهو الوطء حتى حل للجنب اليتيم أي بإجماع بيننا وبين الشافعي فبطلت الحقيقة) وهو المس باليد.
فإن قلت: يحتمل أن يقول الشافعي بحل اليتيم للجنب بدليل آخر غير هذه الآية، فحينئذ لا يتم الاستدلال على أن المجاز هو المراد من هذه الآية استدلالًا بجواز اليتيم بالإجماع.
قلت: لا يحتمل ذلك؛ لأنه لما قال بجواز التيمم للجنب، وذلك لا يخلو إما أن يقول بهذه الآية بغير الوجه الذي ذكرنا في الآية بأن يقول بالتقديم والتأخير على تقدير ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾، أو بالحديث من حديث عمار وغيره فلا يجوز الأول؛ لأن الصحابة- ﵃ كانوا
стр. 634
مختلفين في جواز التيمم للجنب على قولين: قال علي وابن عباس- ﵃ بجوازه، وقال ابن عمر وابن مسعود- ﵄ بعدم جوازه.
فكل من قال منهم بالجواز حمل اللمس والملامسة على مجازهما، وهو المجامعة، ولم يقل أحد منهم بالتقدير والتأخير، وكل من قال بعدم جواز التيمم للجنب قال: المراد من اللمس اللمس باليد، فجوز التيمم للمحث خاصة، فكان الفريقان كلاهما متفقين على عدم جواز التقديم والتأخير، فكان القول به قولًا باطلًا. إذ الاختلاف على القولين إجماع منهم على بطلان قول ثالث، وكذلك لا يجوز التمسك في جواز التيمم للجنب بحديث عمار وغيره؛ لأن ذلك كله من أخبار الآحاد فلا تجوز الزيادة على كتاب الله تعالى بخبر الواحد.
فعلم بهذا أن الدليل على جواز التيمم للجنب إنما كان لحمل اللمس والملامسة على المجاز الذي هو الوطء لا غير، وإنما علم ذلك بجواز التيمم للجنب فكان الاستدلال بجواز التيمم للجنب على أن المراد من الآية المجاز تامًا.
وقوله: (دون بني بنيه لما قلنا) إشارة إلى قوله: الحقيقة ثابتة فلم يثبت المجاز.
стр. 635
(لأنه موجبه) أي لأن الدخول موجب وضع القدم.
(إذا كان لا يمتد كان الظرف أولى به) ثم المراد من الفعل الذي لا يمتد في مسألتنا فعل القدوم لا معنى الفعل الذي هو حر كما هو مزعوم بعض الأحداث لبطلان ما زعموا بمسألتي "الجامع الصغير"، وقد أوفيناه في "الوافي".
следующие страницы →