← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 16526

الكافي شرح أصول البزدوي

الحسام السغناقي

Полный текст (2 351 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

أن يبين أن مراده منها من هم؟ هكذا ذكره الإمام قاضي خان في "شرح الجامع الكبير" ثم هذا الذي ذكره هنا هو ظاهر الرواية. وعن أبي حنيفة ﵁ أنها جائزة ويكون الثلث بين الفريقين؛ لأن الاسم حقيقة لهما فيتناولهما. كما لو أوصي بثلث ماله لإخوته وله ستة إخوة، أخوان لأب وأم وأخوان لأب، وأخوان لأم كان الثلث بينهم السوية. وعن أبي يوسف- ﵀ أنه قال: الوصية للمولى الأعلى؛ لأنه منعم، ومجازاة المنعم واجب والزيادة على الإنعام ليس بواجب، فتصرف إلى الواجب، وعنه في رواية أنها تكون للمولى الأسفل؛ لأن كونه منعمًا عليه دليل الحاجة، فكان الصرف إلى المحتاج أولى. وعن محمد- ﵀ الوصية لا تجوز إلا أن يصطلح الموليان فيما بينهما. كما لو قال لرجلين: لأحدكما علي ألف درهم، قال محمد- ﵀ الإقرار باطل إلا أن يصطلح المقر لهما على شيء. وجه ظاهر الرواية أنه لا وجه لصرف الوصية إليهما؛ لأن اسم المولى

стр. 632

مشترك يتناول الأعلى والأسفل والناصر، واللفظ الواحد لا يتناول معنيين متنافيين في موضع الإثبات، ولا يمكن الصرف إلى أحدهما عينا؛ لأن المقصود من الوصية المجازاة والشكر، فلا يمكن تعيين أحدهما بغير دليل، ولا يمكن الصرف إلى أحدهما غير عين لجهالة المستحق فلا تصح، ولو صحت لدخل فيه الناصر والمحب وغيرهما؛ لأن اسم المولى يتناولهم بخلاف ما إذا أوصى لإخوته؛ لأن اسم الإخوة يتناول الكل بمعنى واحد وهو التفريع عن أصل واحد، فجاز أن يتناول الأشخاص المختلفة لمعنى واحد كاسم الحيوان وغير ذلك. بخلاف ما إذا خلف لا يكلم موالي فلان، فكلم ثلاثة من الفريقين، فإنه يحنث في يمينه؛ لأن ذلك موضع النفي واللفظ الواحد يجوز أن يتناول شيئين متنافيين في موضع النفي. يقول الرجل: ما رأيت لونًا ينتفي به السواد والبياض جميعًا. كذا في "شرح الجامع الكبير" للإمام قاضي خان- ﵀ إنه (لا يلحق بالخمر في الحد) أي لا يلحق سائر الأشربة المسكرة بالخمر حتى لا يجب الحد بها ما لم تسكر؛ لأن الاسم للنيئ من ماء العنب المشتد حقيقة ولسائر الأشربة المسكرة مجاز، فإذا كانت الحقيقة مرادة يتنحى المجاز. كذا ذكره الإمام شمس الأئمة- ﵀. (لأن الحقيقة أريدت بذلك النص) وهو قوله ﵇: "من شرب

стр. 633

الخمر فاجلدوه". (لأن المجاز مراد بالإجماع وهو الوطء حتى حل للجنب اليتيم أي بإجماع بيننا وبين الشافعي فبطلت الحقيقة) وهو المس باليد. فإن قلت: يحتمل أن يقول الشافعي بحل اليتيم للجنب بدليل آخر غير هذه الآية، فحينئذ لا يتم الاستدلال على أن المجاز هو المراد من هذه الآية استدلالًا بجواز اليتيم بالإجماع. قلت: لا يحتمل ذلك؛ لأنه لما قال بجواز التيمم للجنب، وذلك لا يخلو إما أن يقول بهذه الآية بغير الوجه الذي ذكرنا في الآية بأن يقول بالتقديم والتأخير على تقدير ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾، أو بالحديث من حديث عمار وغيره فلا يجوز الأول؛ لأن الصحابة- ﵃ كانوا

стр. 634

مختلفين في جواز التيمم للجنب على قولين: قال علي وابن عباس- ﵃ بجوازه، وقال ابن عمر وابن مسعود- ﵄ بعدم جوازه. فكل من قال منهم بالجواز حمل اللمس والملامسة على مجازهما، وهو المجامعة، ولم يقل أحد منهم بالتقدير والتأخير، وكل من قال بعدم جواز التيمم للجنب قال: المراد من اللمس اللمس باليد، فجوز التيمم للمحث خاصة، فكان الفريقان كلاهما متفقين على عدم جواز التقديم والتأخير، فكان القول به قولًا باطلًا. إذ الاختلاف على القولين إجماع منهم على بطلان قول ثالث، وكذلك لا يجوز التمسك في جواز التيمم للجنب بحديث عمار وغيره؛ لأن ذلك كله من أخبار الآحاد فلا تجوز الزيادة على كتاب الله تعالى بخبر الواحد. فعلم بهذا أن الدليل على جواز التيمم للجنب إنما كان لحمل اللمس والملامسة على المجاز الذي هو الوطء لا غير، وإنما علم ذلك بجواز التيمم للجنب فكان الاستدلال بجواز التيمم للجنب على أن المراد من الآية المجاز تامًا. وقوله: (دون بني بنيه لما قلنا) إشارة إلى قوله: الحقيقة ثابتة فلم يثبت المجاز.

стр. 635

(لأنه موجبه) أي لأن الدخول موجب وضع القدم. (إذا كان لا يمتد كان الظرف أولى به) ثم المراد من الفعل الذي لا يمتد في مسألتنا فعل القدوم لا معنى الفعل الذي هو حر كما هو مزعوم بعض الأحداث لبطلان ما زعموا بمسألتي "الجامع الصغير"، وقد أوفيناه في "الوافي".

стр. 636

(ثم العمل بعموم الوقت واجب، فلذلك دخل الليل والنهار)، واليوم إنما يكون عبارة عن بياض النهار إذا قرن بما يمتد ليصير معيارًا له حتى إذا قال: أمرك بيدك يوم يقدم فلان ليلا لا يصير أمرها بيدها، وكذلك إذا قرن بما يختص ببياض النهار كقوله: لله علي أن أصوم اليوم الذي يقدم فيه فلان. فأما إذا قرن بما لا يمتد ولا يختص بأحد الوقتين يكون عبارة عن الوقت كما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ (ففيها رواية أخرى بعد ذلك الباب) أي في "السير".

стр. 637

(لله علي أن أصوم رجبًا أنه إن نوى اليمين كان نذرًا ويمينًا) حتى إذا لم يصم رجبًا وجب عليه قضاء الصوم وتجب عليه الكفارة أيضًا، فوجب الكفارة يتعلق باليمين، ووجوب القضاء يتعلق بالنذر؛ لأن القضاء لا يجب في اليمين، والكفارة لا تجب في النذر. ألا ترى أنه لو قال: والله لأصومن رجبًا ولم يصم يجب عليه القضاء دون الكفارة ولو قال: لله علي أن أصوم رجبًا ولم يصم لا تجب الكفارة بالإجماع، وفيما نحن فيه يجب القضاء والكفارة. فعلم أنه نذر ويمين.

стр. 638

(أما أبو يوسف ومحمد- رحمهما الله- فقد عملا بإطلاق المجاز وعمومه)؛ لأنه الحقيقة إذا كانت مستعملة ولكنها نادرة والمجاز متعارف، فالمجاز عندهما أولى من الحقيقة والمستعملة النادرة؛ لأنه عمل بالحقيقة والمجاز وهذا هو العمل بعموم المجاز. وعند أبي حنيفة- ﵁ الحقيقة أولى وإن كانت نادرة إذا كانت مستعملة إلا إذا كانت الحقيقة مهجورة فحينئذ يصير بمنزلة دليل الاستثناء على ما ذكرنا إلا عند زفر، فإن عنده الحقيقة المهجورة أولى ويتبين هذا فيمن حلف لا يلبس هذا الثوب وهو لابسه، فإذا كان المجاز المتعارف عندهما أولى لم يكن جمعًا بينهما. (وهذه النسبة لا تنقطع بالأواني) قيد بالأواني؛ لأن هذه النسبة تنقطع بالأنهار الكبار التي تأخذ الماء من الفرات.

стр. 639

(بل هو نذر بصيغتة ويمين بموجبه) يريد به أنه قبل إصدار هذه الصيغة كان صوم رجب لم يكن واجبًا عليه، فبالنذر يصير واجبًا وباليمين أيضًا يصير واجبًا، لكن عند إرادة اليمين يكون الوجوب لغيره، وهذه الإرادة صحيحة بالإجماع من هذه الصيغة؛ بدليل أنه إذا نوى اليمين ونوى أن لا يكون نذرًا يصير يمينًا بالإجماع. علم أن إرادة الوجوب لغيره من هذه الصيغة صحيحة، فإذا نوى اليمين ولم ينف النذر حصل فيه دليلان: أحدهما يدل على الوجوب لعينه وهو الصيغة، والآخر يدل على الوجوب لغيره، فنعمل بالدليلين إذ لا تنافي بينهما؛ لأن الواجب لعينه يجوز أن يكون واجبًا لغيره مع ذلك. ألا ترى أنه لو حلف ليصلين ظهر هذا اليوم صح حتى أنه لو لم يصل يجب عليه القضاء باعتبار أنه أوجب لعينه، وتجب الكفارة باعتبار أنه ترك الواجب لغيره وهو محافظة اسم الله تعالى، فلما جاز الاجتماع بينهما ولا تنافي، فنعمل بهما فيما نحن فيه وهو عمل بموجبين مختلفين لا أنه جمع بين الحقيقة والمجاز كالهبة بشرط العوض هبة وبيع، لأنه هبة باعتبار صيغته وبيع باعتبار معناه. إذ البيع هو مبادلة المال بالمال بالتراضي وهو موجود هاهنا، فقلنا بهما عند وجود الدليل عليهما، وكما ذكر في الكتاب بقوله:

стр. 640

(وصار ذلك كشراء القريب)؛ لأن الشراء تملك بصيغته فيستحيل أن يكون هو بهذه الجهة إعتاقًا إلا أنه لما اختلف الجهة صح الجمع بينهما؛ لأنه باعتبار صيغته ليس بإعتاق، وباعتبار أنه إعتاق ليس بتملك؛ لأن التملك كان باعتبار الصيغة والإعتاق كان باعتبار الحكم، والحكم غير الصيغة، والصيغة غير الحكم، فكذلك ما كان يثبت بكل واحد منهما لا يكون ثابتًا بالآخر، والمنافاة إنما تكون إذا ثبت الحكمان المتنافيان في محل واحد إذا كانا من جهة واحدة وليس كذلك، فيصح الجمع بينهما بموجبين مختلفين. وقوله: بل هو نذر بصيغته "وهي قوله: على"، وهذه الصيغة مجاز لليمين بموجبها وهو الوجوب، فإن لهذه الصيغة موجبًا وهو الوجوب، وباعتبار هذا الوجوب يكون يمينًا؛ لأن إيجاب المباح يمين بمنزلة تحريم المباح، وتحريم المباح يمين، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ﴾، ثم قال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾. ويلزم من هذا أن يصير إيجاب المباح يمينًا؛ لأن في تحريم المباح إيجاب المباح؛ لأن الترك قبل النذر كان مباحًا وبعده صار واجبًا، وكان ترك الصوم عليه حرامًا؛ فيلزم من إيجاب المباح تحريم المباح، فكان يمينًا بموجبه لهذا، وقوله: "وهو الإيجاب" أي الوجوب؛ لأن موجب نذر الوجوب لا

стр. 641

الإيجاب" إلا أن الوجوب لا يكون إلا بالإيجاب، فكان في الوجوب اقتضاء، فأطلق عليه اسم المقتضى. (وطريق الاستعارة عند العرب الاتصال بين الشيئين). اعلم أن الاستعارة تفتقر إلى ستة أشياء: المستعار هو لفظ الأسد، والمستعار له: وهو الإنسان الشجاع، والمستعار عنه: وهو الهيكل المخصوص، والمستعير: وهو المتلفظ بهذه اللفظة، والاستعارة: هي التلفظ به لإثبات معنى الشجاعة، وما يقع به الاستعارة: وهو الاتصال بين المستعار عنه والمستعار له (وذلك الاتصال يكون صورة أو معنى؛ لأن كل موجود من الصور)، فالتقييد بالصور إما للاحتراز عن ذات الله تعالى، أو للاحتراز عن موجودات لا تشاهد معاينة كالعلم والقردة والحلم والغضب،

стр. 642

فإنها موجودات لم تجر السنة برؤيتها، فلم يكن لها بالشيء اتصال صورة. (ما زلنا نطأ السماء حتى أتيناكم) هذا من قبيل إطلاق اسم السبب على المسبب حيث أطلق اسم السماء على المطر، وكذا في قوله: إذا سقط السماء بأرض قوم .... رعيناها وإن كانوا غضابا وكذا في قوله الله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا﴾، ويجوز أيضًا إطلاق اسم المسبب على السبب كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ أي عقدتم؛ بدليل ما بعده بقوله: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ والنكاح: هو الوطء حقيقة، والعقد سببه، فكان

стр. 643

فيه إطلاق اسم المسبب على السبب، وكذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ أي إذا أردتم القيام إليها والقيام مسبب وإرادته سببه. (وقال الله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ وهو المطمئن من الأرض) أي الساكن منها أي إلى المنخفض الغائط: من غاط في الشيء أي دخل، والمضارع: يغوط ويغيط، وإنما يكون فيه عند الحدث عادة تسترًا عن أعين الناس. وكان شيخي- ﵀ يقول: الآدمي فهرست الملكوت. فيه الملكية والإنسية والبهيمية والشيطنة، فالأكل والشرب والتغوط والبول من خواص البهائم، فينبغي أن يستر الإنسان نفسه فيما يشبه به البهائم. فلذلك وقع في الشرع والعادة أن يكون الحدث في المكان المطمئن تسترًا عن أعين الناس، ولذلك قال ﵇: "الأكل عورة؛ رحم الله من ستره".

стр. 644

(الثفل) ما يسفل من كل شيء أي يرسب. (وهو السببية والتعليل) يعني أن استعارة السبب للمسبب والعلة للمعلول أو المعلول للعلة هو الاستعارة من حيث الصورة في المحسوسات؛ لأنه لا اتصال بينهما من حيث المعنى؛ لأن معنى السبب لا يوجد في المسبب. ومعنى العلة لا يوجد في المعلول؛ لأن العلة هي الموجبة، والمعلول هو الموجب، ولا مشابهة بينهما من حيث المعنى بل بينهما مضادة إذ من أثر الموجب المؤثر القوة، ومن أثر الموجب المتأثر الضعف، لكن بينهما قرب ومجاورة؛ لأن حال وجود السبب حال وجود المسبب. وكذا العلة والمعلول، فلذلك كان الاتصال بينهما من حيث الصورة؛ لأن الاتصال الصوري في المحسوسات بين الشيئين لم يكن بينهما إلا القرب والمجاورة من غير اتصال بينهما من حيث المعنى، وهذا كذلك في الشرعيات بين الشيئين من حيث السببية والتعليل، فلذلك جعل الاتصال من حيث السببية، والتعليل نظير الاتصال الصوري في المحسوسات.

стр. 645

بيانه أنك إذا نظرت في الحكمين إن كان بين سببيهما اتصال بأن كان أحدهما يثبت الحكم الذي أثبته الآخر كالبيع والنكاح، فإن حكم البيع ملك الرقبة وحكم النكاح ملك المتعة، والبيع يثبت الحكم الذي يثبت النكاح في الجارية عند زوال المانع، فتجوز استعارة البيع للنكاح حتى ينعقد النكاح بلفظ البيع، ولا ينعقد البيع بلفظ النكاح، وكان ينبغي أن ينعقد؛ لأن المناسبة بين الشيئين يكون من الطرفين جميعًا، إلا أنه لم ينعقد لما نبين في هذا الكتاب بعد هذا. (هو نظير القسم الآخر من المحسوس). بيانه أنك إذا تأملت في مشروع ووقفت على معناه، فإن وجدت هذا المعنى في المشروع الآخر يجوز استعارة أحدهما للآخر، كما أنك لو تأملت في معنى شرعية الميراث وكيفيتها وجدت أن الميراث شرع بعد فراغ الميت عن حوائجه، ووجدت الوصية كذلك شرع بعد فراغ الميت عن حوائجه، فاتصلا في معنى المشروع كيف شرع جازت الاستعارة بأن يذكر الميراث ويراد الوصية، أو الوصية ويراد الميراث، ومنه قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ أي يورثكم، وكذلك معنى الحوالة هو: نقل الدين من ذمة إلى ذمة، والوكالة أيضًا نقل ولاية التصرف،

стр. 646

فتستعير لفظ الحوالة للوكالة فتقول: أحل رب المال، أي وكله كما استعار محمد- ﵀ هكذا في "كتاب المضاربة"، فقال: يقال للمضارب أحل رب المال أي وكله. وكذلك نص في المكاتب إذا قال المولى لعبده: جعلت عليك ألفا تؤديها إلي نحو ما أولها كذا وآخرها كذا، فإذا أديتها فأنت حر وإن عجزت فأنت رقيق، فإن هذه مكاتبة، لأنه أتى بتفسير الكتابة، وقال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾. فالقصاص إماتة لا إحياء، لكن إحياء معنى من حيث الشرع والاستيفاء، وقد ذكرنا وجهه في باب القضاء والأداء، فلذلك أطلق اسم الحياة على القصاص، وكذا أيضًا قال الشافعي: يجوز استعارة الطلاق للعتاق، والعتاق للطلاق لاتصال بينهما في المعنى؛ لأن الطلاق بني على السراية والإسقاط واللزوم، وهذا المعنى موجود في العتاق، فيجوز استعارة كل واحد منهما للآخر.

стр. 647

(أن الاتصال بين اللفظين من قبل حكم الشرع) وهذا احتراز عن المحسوس، ومعناه ما ذكرنا أن أحد اللفظين يثبت من الحكم ما يثبته الآخر، فيجوز استعارة أحدهما للآخر. (ومن حيث وجدا) يريد به أن الاستعارة إنما تجوز بين الموجودين حيث وجد القرب والاتصال سواء كانا شرعيين أو حسيين؛ لأن ما هو المجوز القرب والاتصال بينهما وذلك لا يختص باللغة. (والمشروع قائم بمعناه الذي شرع له، وبسببه الذي تعلق به). أما بسببه الذي تعلق به فظاهر كالنكاح يتعلق وجوده بقول المتناكحين زوجت وتزوجت، والبيع بقول المتبايعين: بعت واشتريت، وهذان المشروعان قائمان بسببهما ويوجدان بهما. وكذلك المشروع قائم بمعناه الذي شرع له؛ أي قائم بالماهية التي شرع لأجلها وقائم بها. كالولد قائم بمعناه الذي هو له وقائم بسببه وهو الوالدان، وكذلك النكاح قائم بمعناه الذي هو له من الانضمام والازدواج الموضوعين للتوالد والتناسل، وقائم بسببه وهو زوجت وتزوجت، وكذلك هذا في البيع

стр. 648

والهبة وفي جميع المشروعات، فعند وجدان المعنى الجامع بطريقة يجري المجاز، ولكن الشأن في الطلب والوجدان. (ولأن حكم الشرع متعلقًا بلفظ شرع سببًا أو علة لا يثبت من حيث يعقل إلا واللفظ دال عليه لغة)؛ وهذا لأن حكم الشرع نوعان: حكم يدرك معناه بالعقل، وحكم لا يدرك معناه بالعقل، فالقسم الأول إذا تعلق بلفظ شرع ذلك اللفظ سببًا أو علة يدل على اللفظ على معناه لغة كالبيع والهبة وغير ذلك. فإن الأحكام الثابتة بهذه تدرك معانيها بالعقل؛ لن العقل يقتضي أن يكون كل من فاز بالسبب فاز بالحكم؛ لأنه إذا لم يكن كذلك يؤدي إلى التنازع والتقابل، فالشرع جعل هذه الأحكام مختصة بأسباب. من فاز بها فاز بأحكامها لما عرف، فالألفاظ إذن دلالات على معانيها لغة فصحت الاستعارة، فكانت هذه الاستعارة شرعية فيها معنى اللغة أيضًا. ألا ترى أنهم لم يجوزوا استعارة الخمر لغير الخمر لإثبات حكم ثبت بشرب الخمر، لما أن هذا الحكم لا يدرك بالعقل، وهو ضرب ثمانين سوطًا أو أربعين، وقوله: "متعلقًا" حال عن حكم الشرع والعامل فيه لا يثبت مؤخرًا، أي أن حكم الشرع لا يثبت حال كونه متعلقًا بلفظ من حيث السببية أو العلية من الجهة التي يعقل، إلا واللفظ دال على ذلك الحكم، فلما دل اللفظ عليه من

стр. 649

حيث اللغة لو استعير لغيره باعتبار مشابهته في المعنى كان هذه الاستعارة استعارة من حيث اللغة أيضًا، وإنما قال: "متعلقًا بلفظ"؛ لأن عامة وجوب العبادات متعلقة بالمعنى لا باللفظ، كوجوب الصلاة تعلق بدلوك الشمس، والصوم بشهود الشهر. (ولا استعارة فيما لا يعقل)؛ لأن الاستعارة نظير القياس، فالقياس إنما يجري فيها يعقل معناه، فكذلك الاستعارة والذي لا يعقل كالمقدرات في الحدود وغيرها. وقوله: (ألا ترى أن البيع لتمليك العين) إيضاح للنوع الذي يعقل معناه وهو صالح للاستعارة، فاستعرنا لفظ البيع للنكاح؛ لأن في تمليك العين تمليك ملك المتعة في محله بطريق السببية، والنكاح أيضًا يثبت ملك المتعة مقصودًا، فلما اتحدا في إثبات ملك المتعة وإن كانا يتفاوتان في الأصالة وغير الأصالة جوزنا استعارته للنكاح، (وكذلك ما شاكله) كالهبة استعيرت للنكاح، وكذلك الكفالة والحوالة والوكالة يجوز استعارة كل واحدة منها للأخرى.

стр. 650

(ولا اختصاص للرسالة بالاستعارة). هذا جواب عن قول الشافعي ذكره في موضع في تعليل جواز نكاح النبي ﷺ بلفظ الهبة بطريق الاستعارة، ويقول: كان ذلك الجواز مما خص به النبي ﷺ دون غيره حتى لا يجوز لغيره أن يستعير لفظ الهبة للنكاح لا أنه انعقد هبة؛ لأن انعقاده هبة إنما يكون فيما إذا كانت المرأة أمة ولم يكن كذلك، فلذلك قلنا: إنه لم ينعقد هبة حقيقة؛ لأن تمليك المال في غير المال لا يتصور يعني أن الهبة لتمليك المال. وانعقد نكاح النبي ﷺ بلفظ الهبة، ولم يكن نفس المرأة الحرة مالًا، فلابد من أن يجعل ذلك استعارة للنكاح؛ لأنه لما لم يمكن العمل بالهبة بحقيقتها التي هي لتمليك المال كانت هي مستعارة لا محالة. (لأنه عقد شرع لأمور لا تحصى) كالتوارث وانتفاع كل منهما بالآخر،

стр. 651

وحصول غض البصر عن الحرام، وحصول المصاهرة التي تشبه قرابة الآباء والأمهات وغير ذلك. (بل فيهما إشارة إلى ما قلنا) أي من معنى النكاح والتزويج، فالنكاح يدل على الضم، والتزويج يدل على التلفيق، وهو إن لم يذكر معنى النكاح والتزويج هاهنا لكن جعل دلالة هذين اللفظين على ذينك المعنيين بمنزلة ذكره إياهما (فلم يصح الانتقال عنه) أي عن اللفظ الموضوع للنكاح وهو لفظ النكاح أو التزويج (لقصور اللفظ عن اللفظ الموضوع له) أي

стр. 652

لقصور لفظ التمليك عن لفظ النكاح أو التزويج، وهذا لن هذا العقد عقد مشروع لمقاصد لا تحصى مما يرجع إلى مصالح الدين والدنيا، ولفظ النكاح والتزويج يدل على ذلك باعتبار أنه ينبئ عن الاتحاد، فالتزويج تلفيق بين الشيئين على وجه يثبت الاتحاد بينهما في المقصود كزوجي الخف ومصراعي الباب. والنكاح بمعنى الضم الذي ينبئ عن الاتحاد بينهما في القيام بمصالح المعيشة، وليس في هذين اللفظين ما يدل على التمليك باعتبار أصل الوضع، ولهذا لا يثبت ملك العين بهما، فالألفاظ الموضوعة لإيجاب ملك العين فيها قصور فيما هو المقصود بالنكاح. إلا أن في حق رسول الله ﵇ كان ينعقد نكاحه بهذا اللفظ مع قصور فيه تخفيفًا عليه وتوسعة، وفي حق غيره لا يصلح هذا اللفظ لانعقاد النكاح به لما فيه من القصور. وقوله: "من مصالح الدين والدنيا". أما مصالح الدين: فإن مباشرة منكوحته التي هي حلال له تمنعه عن طموح العين إلى غيرها التي هي حرام محض عليه على وجه يوجب مباشرته إياها والرجم أو جلد مائة، وأيده قوله ﵇: "من تزوج فقد حصن نصف دينه".

стр. 653

وأما مصالح الدنيا: فإنها تقوم بأمور داخل البيت، كما أن الزوج يقوم بأمور خارج البيت، وبهذين الأمرين ينتظم أمور المعيشة في الدنيا. (وهو أن يقول: أحلف بالله؛ لأنه موجب لغيره) وهو الاحتراز عن هتك اسم الله تعالى. (لا ينعقد إلا بلفظ المفاوضة عندكم)، وإنما قيد بقوله: "عندكم" لأن شركة المفاوضة غير جائزة عنده، وهذا الذي ذكره هو أن ذلك العقد لا ينعقد إلا بلفظ المفاوضة غير مجرى على إطلاقه بل ذلك فيما إذا لم يعرف المتعاقدان أحكام المفاوضة. وأما إذا كانا يعرفان أحكام المفاوضة صح العقد بينهما إذا ذكرا معنى المفاوضة وإن لم يصرحا بلفظها؛ لأن المعتبر المعنى دون اللفظ، ثم فيما إذا لم ينعقد مفاوضة فيما إذا لم يعلما أحكامهما ولم يذكرا لفظ المفاوضة كانت

стр. 654

الشركة عنانًا. كذا ذكره في "المبسوط". (مقام ما ذكرنا من المجاورة) أي في المحسوسات بهذا الاتصال بين الشيئين، وهما: الهبة والنكاح، والحكمين وهما: ملك الرقبة وملك المتعة. (على حكم الملك له عليها) وهو حل الوطء، وهذا جواب عما قاله الشافعي بقوله: "لأنه عقد شرع لأمور لا تحصى". قلنا: لم يشرع لتلك الأشياء مقصودًا، بل شرع لحكم واحد وهو حل الاستمتاع للزوج بثبوت الملك له عليها. (لأنه أمر معقول) أي ما ذكرناه وهو شرعية النكاح لإثبات الملك عليها. ألا ترى أن للمرأة تثبت الملك عليه في المهر، فيثبت ملك المتعة للزوج عليها تحقيقًا للمعادلة، وإنما قلنا. إن ثبوت حل الوطء له بثبوت الملك له

стр. 655

عليها أمر مقصود، وما ذكره الشافعي من أمور لا تحصى من الثمرات لوجود تلك الأمور من غير النكاح، ووجود النكاح مع عدم تلك الأمور، فإن من تلك الأمور التوارث، وهو أخصهما فهو معدوم في صورة نكاح الكتابية، وكذلك المصاهرة لا تثبت فيما إذا طلق امرأته قبل الدخول في حق بينهما حتى حل له نكاحها. وأما نكاح ما فلا يوجد بدون إثبات الملك له عليها في حل الاستمتاع. فعلم بهذا أن تلك الأمور من الثمرات، وثبوت الملك له عليها في حل حق الاستمتاع من المقاصد. فإن قيل: ملك المتعة أيضًا مشترك بينهما. ألا ترى أن للمرأة أن تطالب زوجها بالوطء، حتى إذا لم يوف حقها في ذلك يفرق كما في العنين. قلنا: ثبوت حق المطالبة لا يدل على الملك كما في نفقة المماليك، أو لأن حد الملك الذي هو الاختصاص بالمطلق الحاجز يوجد في حق الرجل لا في حق المرأة، فإن المرأة ممنوعة عن تزوج غيره، وليست للمرأة أن تمنع زوجها عن غيرها حتى لا يختل حقها في الوطء. (وإذا كان كذلك قلنا): أي لما كان بناء النكاح لأجل حل الوطء له

стр. 656

وثبوت ملك المتعة له عليها لا بمعناه بمنزلة النص، فإنه يوجب الحكم فيما تناوله سواء كان هو معقول المعنى أو لم يكن. لما أن الاسم الموضوع للشيء يدل على ما وضع له سواء عقل معناه أو لم يعقل؛ لأن الحقيقة موقوفة على السماع من غير أن يعقل. ألا ترى أن الولد الرضيع يسمى أميرا وعالمًا من غير وجود معناهما فيه، وأقصر خليقة الله تعالى يسمى طويلا، والأسود يسمى كافورا، والأعمى يسمى أبا العينا من غير وجود المعاني. علم أن الأعلام إنما تعمل وضعًا لا باعتبار المعاني، كما أن النصوص توجب الأحكام بأنفسها سواء عقل معناها أو لم يعقل؛ لأن النصوص بمنزلة الحقائق، فإذا احتيج إلى القياس حينئذ يعتبر فيها المعاني. فكذلك في الاستعارة تعتبر المعاني حين يعدى هذا اللفظ إلى محل آخر، وإذا كان كذلك فالنكاح والتزويج هما (اسمان جعلا علمًا لهذا الحكم، والعلم يعمل وضعًا لا بمعناه)، ثم لما ثبت ملك النكاح بهما مع أنهما لا ينبئان عن الملك لغة فالبيع وأخواته ينبئ عنه لغة كان ثبوت ملك النكاح بها أحق؛ لأن اللفظ الدال على المعنى كان أحق من اللفظ الذي لم يدل عليه لغة، وعلى هذا التقرير كان ثبوت ملك النكاح بلفظ البيع وأخواته من قبيل ما يثبت الحكم بدلالة النص.

стр. 657

وقوله: (فلما ثبت الملك بهما) أي بالتزويج والنكاح (وضعا) أي شرعا (صحت التعدية به) أي بثبوت الملك بلفظ التزويج والنكاح إلى ما هو صريح في التمليك وهو البيع وأخواته. (فهلا صحت استعارة النكاح للبيع)؟ أي لم لم يجز أن يستعار لفظ النكاح للبيع بأن يقول البائع للمشتري: نكحت هذا العبد أو هذه الجارية لك، فقال المشتري: قبلت. حتى يصح البيع بلفظ النكاح كما يصح النكاح بلفظ البيع بقوله: بعت ابنتي منك، ولهذا قلنا: فيمن قال إن ملكت عبدًا فهو حر، إنما وضع المسألة في المنكر؛ لأن تعليق العتق بالملك في العبد المعين كتعليق العتق بالشراء في أنه يحنث في الوجهين أي في اجتماع النصفين في ملكه أو في غير الاجتماع بعد أن ملك الكل، ثم هذا الذي ذكره في العبد المنكر في الملك من اجتماع النصفين في ملكه جواب الاستحسان. وأما جواب القياس فهو كالشراء؛ لأن الشرط ملك العبد مطلقًا من غير شرط الاجتماع وقد حصل. وأما وجه الاستحسان فإن الملك المطلق يقع على كماله وذلك بصفة

стр. 658

الاجتماع يكون فاختص بها. ألا ترى أن الرجل إذا قال: إن ملكت مائتي درهم فعبده حر، أنه يقع على اجتماع الملك فيهما. وألا ترى أن الرجل يقول: والله ما ملكت من مائتي درهم قط، ولعله أن يكون ملك ذلك وزيادة متفرقًا ولكن لم يجتمع في ملكه مائتا درهم، فكان صادقًا، وإذا كان الاجتماع مقصودًا اعتبر هذا الوصف في غير العين؛ لأنه يعرف بأوصافه، فإذا لم يوجد لم يحنث، وفي المعين لم يعتبر الاجتماع حتى أنه إذا قال: إن ملكت هذا العبد فهو حر، فملك نصفه فباع ثم ملك النصف الباقي، فإنه يعتق هذ الذي في ملكه؛ لأن صفة الاجتماع مرغوبة

стр. 659

فلم تعتبر في العين؛ لأنها تعرف بالإشارة إليه كمن حلف لا يدخل هذه الدار أنه لا يعتبر فيها صفة العمران وتعتبر في غير العين، فكذلك هذا. (ولو قال: إن اشتريت عبدا عتق النصف الباقي وإن لم يجتمع)، ففرق بين الشراء والملك من وجهين: أحدهما- أن في الملك إنما يقيد بصفة الاجتماع في المنكر بحكم العرف ولا عرف في الشراء، فبقي على ما يقتضيه القياس من غير تقييد صفة الاجتماع. والثاني- أن صفة كونه مشتريًا تبقى بعد زوال الملك. أما صفة كونه مالكًا لا تبقى بعد زوال الملك فافترقا، وهذا لأن الاشتراء لا يقتضي أصل الملك فكيف يقتضي وصفه؟ ألا ترى أنه لو قال: إن اشتريت عبدًا فامرأته طالق. أنه لو اشتراه لغيره حنث في يمينه، فلما كان كذلك أنه إذا اشترى النصف الباقي بعد بيع النصف الأول فقد اشترى كله فوجب الحنث. هذا كله في جامعي فخر الإسلام وقاضي خان- رحمهما الله-. (وفي العبد المعين يستويان) أي يعتق في كلا وجهي التفرق والاجتماع سواء كان ذلك في صورة الملك أو صورة الشراء؛ لأن استعار الحكم لسببه في الفصل الأول.

стр. 660

(واستعار السبب لحكمه في الفصل الثاني) أي استعار الحكم لعلته في مسألة ذكر الملك، واستعار العلة لحكمها في مسألة ذكر الشراء. أراد بالسبب العلة في الصورتين، ثم عند ذكر الملك لو أراد به الشراء كان مصدقًا قضاء وديانة؛ لأنه لا تخفيف فيه بل فيه تغليظ. وأما عند ذكر الشراء لو أراد به الملك يصدق ديانة؛ لأنه استعار العلة لحكمها وهو جائز، ولا يصدق قضاء؛ لأن استعارة العلة للحكم لا يجوز، بل لأنه نوى التخفيف على نفسه مع احتمال ما ذكره التغلظ ظاهرا؛ لأن عند ذكر الشراء هو إرادة ما يتعلق بالشراء وهو أن يعتق النصف الثاني الذي في ملكه، وإن حصل في ملكه بطريق التفرق هو الظاهر. وأما العدول عن إرادة الشراء بذكر الشراء إلى إرادة الملك الذي هو يقتضي صفة الاجتماع فليس هو بظاهر مع وجود التخفيف عليه، فلذلك لا يصدقه القاضي. (وأما الاتصال الثاني) أراد به اتصال السبب المحض بمسببه (فاستعارته جائزة من أحد الطرفين) وهو استعارة السبب لمسببه. كما جوزنا استعارة البيع للنكاح لما أن البيع سبب لملك المتعة في محله وليس بعلة له؛ لأن للبيع

стр. 661

حكما آخر موضوعًا له، وهو ملك الرقبة فكان ثبوت ملك المتعة له بحسب اتفاق الحال لا حكمًا مقصودًا له بدليل شرعيته فيما لا يحتمل ملك المتعة أصلا كما في العبيد والبهائم، فلذلك كان البيع لإثبات ملك المتعة سببا محضًا وذلك يجوز استعارة السبب للحكم، ولا يجوز استعارة الحكم للسبب بأن يذكر النكاح ويراد البيع، وهذا لأن موجب النكاح ملك المتعة وليس هو بسبب لملك الرقبة البتة، وملك المتعة في حق ملك الرقبة بمنزلة العدم، فلو قلنا بالاستعارة يؤدي إلى استعارة المعدوم للموجود فلم يثبت الاتصال بينهما؛ لأن الاتصال إنما يكون بين الشيئين الموجودين لا بين الموجود والمعدوم، فلم يجز الاستعارة لعدم طريق الاستعارة وهو الاتصال. يحققه أن الأصل- يعني ملك الرقبة- مستغن عن ملك المتعة لوجوده بلا ملك المتعة، وكان ملك المتعة في حق ملك الرقبة بمنزلة العدم لما عرف أن الأصل مستغن عن الفرع، والفرع لا يستغنى عن الأصل، فلذلك صلح هذا الاتصال الثاني طريقا للاستعارة في أحد الطرفين دون الآخر. وقوله: (وهو أن يستعار الأصل للفرع والسبب للحكم) جاز أن يكون مراده من ذكر السبب للحكم الأصل للفرع لكن كرر هذه للتنبيه على أن في هذا السبب معنى الأصالة والسببية، وفي حكمه هذا معنى الفرعية، وكونه حكمًا لبيان استغناء السبب عن وجود المسبب بتسميته له ذكر الأصل والسبب.

стр. 662

أما الأصل فظاهر فإنه مستغن في وجوده عن الفرع، وكذلك ذكر السبب؛ لأن المراد من هذا السبب هو السبب المحض لا السبب الذي هو بمعنى العلة، وله حكم آخر مقصود به وعلة في حقه، فكان هو مستغنيًا في وجوده عن هذا المسبب بخلاف العلة والمعلول؛ لأن لكل واحد منهما افتقارا إلى الآخر. (وهذا كالجملة الناقصة إذا عطفت على الجملة الكاملة) كما إذا قال: أنت طالق وعمرة. لما أن الجملة الناقصة مفتقرة إلى الجملة الكاملة كالفرع مفتقر إلى الأصل، والمسبب مفتقر إلى السبب، وكذلك الجملة الكاملة لا تفتقر إلى الجملة الناقصة، والناقصة تفتقر إلى الكاملة. (وعلى هذا الأصل قلنا: إن ألفاظ العتق تصلح أن تستعار للطلاق) أي عند نية الطلاق بأن يقول لامرأته: أنت حرة، ونوى به الطلاق تطلق بطريقين استعارة لفظ العتق للطلاق وبدون النية لا يقع الطلاق. فإن قلت: ما الفرق بين استعارة ألفاظ العتق للطلاق هنا حيث تحتاج إلى النية لصحة الاستعارة وبين استعارة ألفاظ التمليك في باب النكاح للنكاح وهناك لا تحتاج إلى النية لصحة الاستعارة؟

стр. 663

قلت: الفرق بينهما من حيث إن استعمال ألفاظ العتق على حقيقته هاهنا ممكن بأن يخبر بها عن حريتها بقوله: أنت حرة، فلذلك لم تتعين الاستعارة للطلاق إلا عند النية لاحتماله الطلاق على ما ذكرنا من استلزام هذا اللفظ زوال ملك المتعة في محل الاستلزام، فجاز أن يستعار اللفظ الموضوع لإزالة ملك المتعة وهو الطلاق مع إمكان العمل بحقيقته على طريق الإخبار، والنية وضعت لتعيين بعض ما احتمله اللفظ، فلما كان المستعار له من محتملات اللفظ احتيج إلى النية. وأما ألفاظ التمليك المضافة إلى الحرة عند وجود شرائط النكاح لم تقبل شيئًا إلا النكاح وإلا فيلغو، فتعينت لذلك لاستعارتها للنكاح من غير نية، وهذا لأن الأب إذا قال لآخر: بعت ابنتي منك أو وهبت لك لا يحتمل هذا المحل حقيقة البيع والهبة، وللفظ التمليك صلاحية الاستعارة للنكاح بطريق السببية؛ لأن البيع أو الهبة يصلح أن يكون سببًا لملك المتعة في الأمة بواسطة ملك الرقبة، فكانت هذه الاستعارة استعارة السبب للمسبب، وهي طريق من طرق الاستعارة، فيجوز بغير النية لعدم احتمال شيء آخر. وقوله: (تبعًا لا قصدا على نحو ما قلنا) إشارة إلى ما ذكر من ألفاظ التمليك في النكاح بقوله: وملك الرقبة سبب لملك المتعة"، إلى آخره يعني لما ثبت ملك المتعة عند ثبوت ملك الرقبة بطريق التبعية ثبت زوال ملك المتعة أيضًا عند زوال ملك الرقبة بطريق التبعية، فصار هذا نظير عزل السلطان واحدًا من

стр. 664

أمرائه، فإنه يكون عزلا لإتباع ذلك الأمير بطريق التبعية. (لأن كل واحد منهما إسقاط بني على السراية واللزوم)، فأثر الإسقاط في صحة التعليق، ولو كان للإثبات لما صح التعليق، وكذلك يثبت من غير قبول المرأة والعبد، وكذلك يصح كل واحد منهما بغير شهود، وأثر السراية ما إذا قال: أنت طالق نصف تطليقة ونصف عتق تطلق ويعتق، وأثر اللزوم في حق عدم قبول كل واحد منهما الفسخ والرد والرجوع. (والمناسبة في المعاني من أسباب الاستعارة) أي من طرق الاستعارة. وقوله: (من الوجه الذي قلنا) أي في طرف الشافعي أن التعليل بكل وصف صحيح من غير أثر خاص، كما علل الشافعي في مسح الرأي بقوله: إنه ركن في الوضوء، فيسن فيه التثليث، وليس الركنية بأثر خاص في استدعاء التثليث لانتقاضه بالمضمضة والاستنشاق. وأما قولنا: إنه مسح في الوضوء فلا يسن فيه التثليث فتعليل بأثر خاص

стр. 665

على ما يجيء بيانه إن شاء الله تعالى. (وأما بكل وصف) مثل الوجود والحيوانية (فلا) (ولا منسبة بينهما من هذا الوجه) أي من الوجه الذي ذكره الشافعي من المناسبة بينهما من حيث الإسقاط والسراية واللزوم؛ (لأن معنى الطلاق ما وضع له اسمه) أي الذي وضع له اسمه. (والنكاح لا يوجب حقيقة الرق) والتقييد بحقيقة الرق للاحتراز عن تعليل الشافعي في موضع آخر بقوله: لأن النكاح فيه معنى الرق قال ﵇:"النكاح رق".

стр. 666

كذا علل له في "المبسوط". (ولا يسلب المالكية). ألا ترى أنها إذا وطئت بالشبهة يلزم العقر على الواطئ للمرأة لا للزوج. لم قلنا إن الملك بالنكاح ضروري ليس بأصلي فلا يظهر في حق العقر، فالطلاق لا يسقط إلا ما أثبته النكاح وهو القيد عن التزوج، والحبس عند التزوج بالملك الذي له عليها، فكان حاجتها إلى رفع المانع، وذلك يكون بالطلاق كما يكون برفع القيد عن الأسير؛ لأن المرأة بعد النكاح حرة محبوسة عن التزوج، وبالفرقة يزول المانع من الانطلاق. (وأما الإعتاق فإحداث القوة) في الذات؛ لأنه لم يبق في الرقيق صفة المالكية، وبالعتق يحدث له صفة المالكية، ولا مشابهة بين إحداث القوة وبين إزالة المانع، وقوله: وأما الإعتاق فإثبات القوة". فإن قلت: هذا إنما يستقيم على قولهما؛ لأن عندهما الإعتاق إثبات

стр. 667

العتق وهو القوة. وأما عند أبي حنيفة- ﵁ فعبارة عن إزالة الملك، فكان على هذا بين الطلاق والعتاق مناسبة من حيث إن كل واحد منهما موضوع لإزالة الملك، فينبغي أن تجوز الاستعارة من الجانبين على مذهبه. قلت: في الطلاق إزالة محضة من غير شائبة إثبات القوة لا من حيث الوضع ولا من حيث الشرع. وأما العتاق، فإزالة الملك مع دلالته على إثبات القوة نظرا إلى موضوع اللغة، ونظرا إلى حكمه من حصول ولايته على نفسه وصلاحيته للولاية على غيره؛ من القضاء والشهادة والإرث ووجوه التصرف من تملك المال وتمليكه ونفاذ وصيته وإعتاقه وغير ذلك، فكان بين الإزالتين تفاوت فاحش، فلا تصح الاستعارة لفحش التفاوت بينهما. قوله: (قيل له: وقد قال بعض مشايخنا: إن البيع لا ينعقد بلفظ الإجارة، والإجارة تنعقد به)، وفي هذا منع لقوله: أليس لا يصح أن

стр. 668

يستعار البيع للإجارة؟ فإنه قد استعير عند بعضهم عند إضافة البيع إلى الحر على ما ذكر في الكتاب يعني بل يصح. وقد ذكر شمس الأئمة- ﵀ جواز استعارة لفظ البيع للإجارة عند إضافة لفظ البيع إلى نفس الحر مطلقا من غير تقييد بذكر بعض المشايخ. وأما عند إضافة البيع إلى العبد، فإنما لم تصح الإجارة به، لانعدام المحل لا لانعدام الصلاحية للاستعارة، وهذا لأن لفظ البيع إذا أضيف إلى العبد فلا يخلو إما أن أضيف إلى منافع العبد أو إلى رقبته، ولو أضيف إلى منافع العبد لا يصح؛ لأن المنافع معدومة في الحال وهي ليست بصالحة حال عدمها لا للبيع ولا للإجارة. ألا ترى أنه لو أضاف إليها صريح لفظ المستعار له وهو لفظ الإجارة بأن قال: آجرتك منافع هذا العبد لا يصح، فكذا ما يقوم مقامه وهو لفظ البيع. وأما إذا أضيف لفظ البيع إلى عين العبد فلا تصح الإجارة أيضا؛ لأن المحل صالح لحقيقة اللفظ، والحقيقة حقيق بأن تراد؛ لأن المستعار لا يزاحم الأصل، فلما وجب العمل بحقيقة اللفظ لتقدمها سقط المجاز فلم تصح الإجارة، حتى إنه لو قال: بعت منافع عبدي هذا شهرا بعشرة دراهم كانت إجارة صحيحة بلفظ البيع، وإن أضيف لفظ البيع إلى منافع العبد لقيام القرينة الدالة على إرادة المجاز. هكذا ذكر في "التقويم".

стр. 669

وقوله: (وذلك يتصور في الحر) أي انعقاد الإجارة بلفظ البيع إنما يتصور في الحر لا في العبد؛ لأن في العيد يصير بيعا لا إجارة. (لا تصلح محلا للإضافة) أي لعقد الإجارة. (فكذلك ما يستعار لها) أي فكذلك لفظ البيع الذي استعير للإجارة (ولكن العين أقيمت مقامها) أي عين الدار أقيمت مقام منافعها (في حق الإضافة في الأصل) أي في حق عقد الإجارة في إثبات الإجارة. (فكذلك فيما يستعار لها) أي فكذلك في لفظ البيع الذي يستعار للإجارة يعني لما أقيمت العين مقام المنفعة في حق عقد الإجارة عند إضافة لفظ الإجارة إلى العين أقيمت العين أيضا في حق المستعار للإجارة، وهو لفظ البيع الذي أريد به الإجارة مجازا مقام المنفعة، ولكن إنما يكون ذلك إذا أضيف لفظ البيع إلى الحر مع ذكر المدة كما في قول الحر: بعت نفسي منك شهرا. وأما إذا أضيف لفظ البيع إلى منافع العين وأريد الإجارة فلا يكون للإجارة، كما لو أضيف صريح لفظ الإجارة إلى منافع العين بأن قيل: أجرتك منافع هذه الدار لا يجوز، فكذلك فيما استعير لها وهو لفظ البيع إذا أضيف

стр. 670

إلى منافع العين لا يجوز سوى ما ذكرنا من رواية "التقويم" أن فيه يجوز أيضا عند قيام الدلالة على إردة المجاز. (وصار هذا كالبيع للنكاح) وكلمة هذا إشارة إلى لفظ البيع إذا أضيف إلى منافع الدار. وقوله: يستعار للنكاح (في غير محله) أي في غير محل النكاح (وهي المحرم من النساء) أي المحرم من النساء كما هي ليست بمحل لحقيقة لفظ النكاح، فكذلك أيضا ليست هي بمحل للفظ المستعار للنكاح وهو لفظ البيع الذي أريد به النكاح، فكان هذا عين نظير لفظ البيع الذي أريد به الإجارة إذا أضيف إلى منافع العين، فإن هناك لا تصح الإجارة لإضافته إلى المحل الذي لو أضيف إليه حقيقة لفظ الإجارة لا يصح، فكذا إذا أضيف إليه اللفظ المستعار للإجارة، فكذا هنا لما لم يصح النكاح بحقيقة لفظ النكاح إذا أضيف إلى المحرم من النساء، فكذا لا يصح النكاح باللفظ المستعار للنكاح إذا أضيف إلى المحرم من النساء؛ وهذا لأن المستعار لا يكون أقوى حالا من الحقيقة، فلما لم يصح النكاح بصريح لفظ النكاح الذي هو حقيقة في هذا المحل لم يصح هو أيضا باللفظ المستعار للفظ النكاح، وهو لفظ البيع إذا أضيف إلى هذا المحل
следующие страницы →