Полный текст (2 351 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
(أو إن اغتسلت غسلًا) يعني يصدق إذا نوى تخصيص الأسباب؛ لأن الغسل اسم لفعل وضع من قبل الأسباب وهو نكرة في موضع النفي، فيصير عامًا، وإذا نوى سببًا دون سبب صدق ديانة.
(لعدم الشبهة) يعني لا شبهة أن السؤال عن الأهل لا عن القرية فصح الحذف؛ إذ الحذف إنما يجوز في مثل هذا؛ أي فيما إذا لم يكن فيه شبهة لثبوت ذلك المحذوف.
وأما إذا كان فيه شبهة فلا يصح كما قالت المعتزلة في قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ أي إلى ثواب ربها.
قلنا: لا يصح هذا الإضمار للشبهة، فإنه لو صح إضمار ذلك يصح إضمار النعمة وغيرها.
(والمقتضى لتحقيق المقتضي لا لنقله)؛ لن المقتضى إنما يثبت ليصح
стр. 947
المقتضي، فكيف يبطل وينقل عما أريد به لصحة المقتضي؟ وهذا نقض الأصول؛ إذ لو لم يصح المقتضي المذكور عند وجود المقتضى كان وجود المقتضى لإبطاله لا لتصحيحه، وهو باطل.
(فلم يسقط عموم هذا الحديث من قبل الاقتضاء) قيد بهذا احترازًا عن قول القاضي الإمام أبي زيد- ﵀ فإنه جعل سقوط عموم هذا الحديث من قبل الاقتضاء، والمصنف والإمام شمس الأئمة- ﵏ لم يجعلاه من قبيل المقتضى، والإمام شمس الأئمة حاكيًا قول القاضي في قوله ﵇: "الأعمال بالنيات" ليس المراد عين العمل، فإن ذلك يتحقق بدون النية، وإنما المراد الحكم ثبت كذلك بمقتضى الكلام.
فقال الشافعي- ﵀: يعم ذلك حكم الدنيا والآخرة فيما يستدعي القصد، والعزيمة من الأعمال قولًا بعموم المقتضى، وقلنا: المراد به حكم الآخرة وهو أن ثواب العمل بحسب النية؛ لأن ثبوته بطريق الاقتضاء ولا عموم للمقتضى. إلى هذا حكى شمس الأئمة نقل قول القاضي أبي زيد- ﵀ بهذا الطريق، ثم قال شمس الأئمة- ﵀: وعندي أن هذا
стр. 948
سهو من قائله، فإن المحذوف غير المقتضى لما أن ثبوت المحذوف يكون لغة وثبوت المقتضى يكون شرعًا لا لغة، ففي قوله ﵇: "الأعمال بالنيات" إنما لم يثبت العموم هنا؛ لأن المحذوف وهو الحكم بمنزلة المشترك في أنه يحتمل كل واحد من الأمرين على الانفراد، ولا عموم للمشترك.
فأما أن يجعل المحذوف ثابتًا بمقتضى الكلام فلا، وهكذا أيضًا ذكر الكلام في قوله ﵇: "رفع عن أمتي الخطأ" فإن عند التصريح بالحكم يتحول الرفع إلى الحكم لا إلى ما وقع التنصيص عليه مع المحذوف.
وقوله: (ولهذا قلنا) إيضاح لقوله: "فأما الاقتضاء فأمر شرعي ضروري" مثل تحليل الميتة بالضرورة.
وحاصله أن قوله: (أنت طالق) وصف للمرأة بالطلاق، وصفة الطالقية
стр. 949
غير قائمة لها، وكان هذا الوصف في أصله من حيث اللغة لغوًا وكذبًا، كقوله: أنت جالس لرجل هو قائم، وأنت مريضة لامرأة وهي صحيحة؛ لما عرف أن فعل البيان هو الإخبار والإظهار لا الإنشاء، كما أن فعل سائر الجوارح هو الإنشاء لا الإظهار والإخبار، وإذا كان كذلك كان أنت طالق إخبارًا لغة لا إنشاء أمر لم يكن في المحل كقوله: أنت عالم، هو إخبار لا إنشاء علم في المحل حتى لا يثبت العلم في المحل بهذا اللفظ، وإن قال ذلك مرارًا، فعلى هذا كان قوله: أنت طالق كذبا لغة أنه لم يطلقها قبل، فكان ثبوت الطلاق بهذا اللفظ- الذي لو خلى هو واللغة يكون كذبًا وهدرًا- شرعًا لا لغة، فكان ثابتًا اقتضاء لا لغة؛ لأن ثبوت الطلاق قبيل هذا القول لتصحيح هذا القول، فيثبت بقدر الضرورة وهو تصحيح المنطوق، وإنها تندفع بواحد، فلم تصح نية الثلاث.
وكذلك هذا التخريج في: طلقت؛ لأنه لغة إخبار عن فعل موجود فيما مضى ولم يطلق قبل فكان من طريق اللغة هدرًا وكذبًا كما في قوله: "ضربت" إذا لم يسبق منه الضرب ليكون هذا القول بناء عليه، فأما إذا ثبت المصدر بهذا اللفظ ليصح هذا القول من غير وجود في الماضي يكون اقتضاء شرعيًا لا لغويًا، فيكون ثابتًا بطريق الضرورة، ولا ضرورة في الثلاث، فلا يثبت به الثلاث.
فإن قيل: والضرورة إنما تتحقق في قوله: "أنت" أن لو بقي إخبارًا؛ لأن الإخبار به إنما يكون أن لو كانت المرأة موصوفة قبل هذا بالطالقة، ولم تكن
стр. 950
مطلقة قبل هذا حتى يصح الإخبار به.
وأما إذا كان هو الإنشاء لم تثبت هذه الضرورة، ولم يكن اقتضاء موجب أن تصح نية الثلاث.
قلنا: ففي الإنشاء أيضًا لا تثبت نية الثلاث؛ لأن الإنشاء بمنزلة فعل الجوارح، وفعل الجوارح إذا كان واحدًا لايكون متعددًا حتى إن ضربة واحدة لا تكون ضربات بالنية، فكذا هنا. أو نقول: هاهنا حقيقة الإخبارية باقية مع كونه إنشاء، بل الإخبار فيه هو الأصل حتى أنه إذا كان للرجل امرأتان إحداهما مطلقة والثانية منكوحة فقال: إحداكما طالق لا تطلق المنكوحة لانصراف خبره إلى المطلقة.
(أما البائن) فإنه في الحال يتصل بالمحل، وعند اتصاله بالمحل يتنوع إلى خفيفة وغليظة، فكان متنوعًا في نفسه، فلذلك صار محلًا للنية إذ هي تعين تفسير بعض محتملات اللفظ فيصح.
أما قوله: "أنت طالق" فإنه في الحال غير متصل بالمحل لما عرف أن حكمه تعلق بانقضاء العدة، وإنه في الحال انعقاد العلة وإنه غير متنوع؛ لأنه لا يتنوع في الانعقاد؛ لأن الحرمة الغليظة إنما تثبت بواسطة العدد، وإنه خارج عن نفس الطلاق أو هو غير متنوع في نفسه كما تنوع البائن إلى غليظة وخفيفة،
стр. 951
فلم تصادف النية المتنوع في فصل الطلاق فصادفت في فصل البائن، فكذلك عملت النية في قوله: "أنت بائن" دون قوله: "أنت طالق"
وقوله: لم يكن المصدر هاهنا ثابتًا لغة؛ لأن النعت يدل على المصدر الثابت بالموصوف لغة ليصير الوصف من المتكلم بناء عليه، فأما أن يصير الوصف ثابتًا بالواصف بحقيقته تصحيحًا لوصفه فأمر شرعي.
تحقيق هذا ما ذكره المصنف في "مبسوطه" هو أن قوله: "أنت طالق" وصف لها فيقتضي وجود الطلاق من قبلها لا من قبل الزوج لغة كقولك: خارج يقتضي وجود الخروج من قبل من وصف بأنه خارج.
وقوله: "ضارب" يقتضي وجود الضرب ممن وصف بأنه ضارب. هذا هو قضية اللغة وهاهنا هذا اللفظ يقتضي وجود الطلاق من قبل الزوج. دل أن وجود الطلاق من قبله أمر شرعي ضرورة صحة الكلام، فيقدر بقدر ما يصح به الكلام، وكذلك قوله: "طالق" إخبار عن وصف لها لغة فيقتضي طلاقًا ماضيًا لا حالًا كقوله: "مطلقة"، وطلقتك" على ما بينا.
فصار الحاصل أن كل موضع كان الطلاق فيه مقتضى اللفظ لغة على الطلاق مذكورًا حتى تصح نية الثلاث كما في قوله: "طلقي نفسك" بعلة أنه كل لا يعله أنه يحتمل العدد، وفي كل موضع يثبت شرعًا ضرورة صحة الكلام لا يقتضي العلة لا يجعل كالمذكور، فلا تعمل النية فيه بل يثبت بقدر ما يصح به الكلام كما في قوله: أنت طالق أو مطلقة أو طلقتك. وقوله:
стр. 952
"بالواصف" أي بكلام الواصف، فكان شرعيًا، ولما كان أمرًا شرعيًا لم يكن المذكور لغة فلا يصح التعميم.
(وأما طالق فلا يتصل بالمرأة للحال).
ألا ترى أنه يجري الإرث بينهما والإرث حكم من أحكام النكاح، ولذلك يحل له مسها ووطؤها ويمكن من مراجعتها على كره منها، ولو انقطع النكاح لما تمكن من مراجعتها كما في الطلاق البائن؛ (لأن حكمه) وهو الانقطاع (في الملك تعلق بالشرط) وهو انقضاء العدة (وحكمه في الحل معلق بكمال العدد) وهو الثلاث، (فيصير العدد أصلًا)، وما كان ثبوته بطريق الأصالة لا يثبت هو بطريق الاقتضاء؛ لأن في الاقتضاء معنى التبعية؛ وإنما ثبت العدد عند الذكر ولم يذكر العدد فلا يثبت موجب العدد لذلك.
(فكان مختصرًا من الكلام) أي من الكلام المطول وهو قوله لها: أطلب منك فعل الطلاق، وهو المطول المصدر مذكور لغة فكان مذكورًا في المختصر أيضًا؛ لأنه يعمل عمل المطول على نحو سائر الأفعال كقولك: اضرب واجلس وغيرهما، وستقيم طلب الفعل المتعدد والمتوحد في المستقبل، فكان
стр. 953
المصدر ثابتًا لغة (فاحتمل الكل والأقل).
وأما وقوع الطلاق في قوله: "طلقت" فشرعي؛ لأنه لم يوجد منه طلاق قبله حتى يخبر عنه، بل كان قوله: "طلقت" إنشاء للطلاق شرعًا كسائر أفعال الجوارح، والفعل حال وجوده يستحيل أن يتعدد بالعزيمة كالخطوة والضربة يستحيل أن تكون خطوتين وضربتين بالنية، فكذلك لم تصح نية الثلاث في قوله: "طلقت" أو نقول: لما كان قوله: "طلقت" إنشاء شرعًا صار بمنزلة سائر الجوارح من الأفعال، وفي أفعال سائر الجوارح لا يقدر المصدر؛ لأن المصدر إنما يذكر في فعل اللسان وهو القول لا في أفعال الجوارح.
ألا ترى أنه إذا كسر شيئًا بيده مثلًا لا يقدر له المصدر بل إذا أخبر عنه بقوله: كسر أو كسرت، حينئذ يقدر المصدر فيه لكونه في القول.
(ونوى السكنى في بيت واحد) أي غير معين (أنه يصح).
(لكن نية جمل البيوت تصح) أي نية بيت غير معين تصح. من أجمل
стр. 954
الكلام إذا أبهم، والجمل جمع الجملة.
(لأنه راجع إلى تكميل فعل المساكنة) أي نية المساكنة معه في بيت واحد إنما تصح؛ لأنه نوى أتم ما يكون من المساكنة، فإن أعم ما يكون من المساكنة في بلدة، والمطلق من المساكنة في عرف الناس في دار واحدة، وأتما ما يكون من المساكنة في بيت واحد في هذه النية ترجع إلى بيان نوع المساكنة الثابتة بصيغة كلامه بخلاف تعين المكان.
وقوله: (لكن اليمين وقعت على الدار وهو قاصر عادة) لدفع شبهة ترد على قوله: "وإنما تتحقق بين الاثنين على الكمال إذا جمعهما بيت واحد" وهي أن يقال: لما كانت المساكنة في البيت الواحد كاملة ينبغي أن تقع اليمين عليها بدون النية، فأجاب عنها بهذا وقال: وإن كان ذلك كذلك إلا أنه يقع على الدار أيضًا عرفًا وعادة.
(ولا يلزم عليه رجل قال لصغير) إلى آخره أي لا يلزم على ما ذكرنا أي ما ثبت بطريق الاقتضاء ليس بعام هذه المسألة (وهي أم معروفة) أي لهذا الولد.
стр. 955
(لكن المقتضى) وهو النكاح (غير متنوع) أي إلى نكاح يوجب الإرث وإلى نكاح لا يوجب الإرث بل كل نكاح يوجب الإرث على ما عليه الأصل بقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ الآية، ولا يشكل على هذا نكاح المسلم الكتابية، فإنه نكاح لا يوجب الإرث.
قلنا: إن ذلك ليس بأصل؛ لأن الكفر من العوارض، والعوارض لا تدخل تحت القواعد، ولما كان هكذا كان إثبات نكاح يوجب الإرث هاهنا بمنزلة إثبات بيع يوجب الملك في قوله: أعتق عبدك عني بألف درهم، ولما ثبت المقتضى لضرورة حاجة المقتضي المذكور في صحته إليه يثبت أيضًا ما كان من ضرورات المقتضى الذي هو غير مذكور، ولأن الشيء إذا ثبت إنما يثبت بلوازمه ولواحقه التي لا تنفك هي منه، فإن قيل: النكاح الفاسد غير موجب للإرث مع أن النكاح الفاسد أحد نوعي النكاح عند أبي حنيفة- ﵁ حتى أن الإذن بالنكاح ينتظم الفاسد والصحيح عند أبي حنيفة- ﵁.
علم بهذا أن النكاح متنوع إلى نكاح موجب الإرث وإلى نكاح لا يوجبه.
стр. 956
قلنا: إنما تناولهما عند ذلك لإطلاق لفظ النكاح في الإذن، واللفظ المطلق يجري على إطلاقه وفيما نحن فيه ليس فيه اللفظ حتى يثبت فيه إطلاق اللفظ بل يثبت النكاح ضرورة ثبوت المقتضى، فلذلك انصرف ذلك النكاح الثابت بطريق الاقتضاء إلى ما هو المعهود في الشرع لا على الإطلاق والتعميم، والنكاح المعهود في الشرع هو النكاح الذي يوجب الإرث وهو النكاح الصحيح لا الفاسد مع أن الإمام شمس الأئمة- ﵀ في أحد الوجهين أثبت النكاح في مسألة الكتاب بطريق الدلالة لا بطريق الاقتضاء، فقال: ثبوت النكاح هاهنا بدلالة النص لا بمقتضاه، فإن الولد اسم مشترك إذ لا يتصور ولد فينا إلا بوالد ووالدة، فالتنصيص على الولد يكون تنصيصا على الوالد والوالدة دلالة بمنزلة التنصيص على الأخ يكون كالتنصيص على أخيه؛ إذ الأخوة لا تتصور إلا بين شخصين، وقد بينا أن الثابت بدلالة النص يكون ثابتًا بمعنى النص لغة لا أن يكون ثابتًا بطريق الاقتضاء.
وجعل الإمام القاضي أبو زيد- ﵀ ثبوت النكاح هاهنا بطريق الإشارة لا بالدلالة ولا بالاقتضاء ذكره في "التقويم" ثم قال: وهذه "أي الإشارة والدلالة والاقتضاء" حدود متشابهة ما يميز بينهما إلا الفهم المنصف، ثم قال: وشيء منها لا يحتمل الخصوص، أما المقتضى فلأنه لا عموم له.
وأما الدلالة فلأنها تعم بحسب عموم العلة، والعلة بعد ما ثبتت علة لا
стр. 957
تحتمل الخصوص لما ذكرنا أن الخصوص لبيان أن قدر المخصوص لم يدخل تحت النص.
فأما بعد الدخول فلا يكون تخصيصًا بل يكون تركًا، ولأن الخصوص والعموم من أوصاف اللفظ في الحكم الثابت بدلالة النص اللفظ معدوم، فلم يكن فيه العموم، ولما لم يكن فيه العموم لم يكن فيه التخصيص؛ لأن التخصيص إنما يتحقق في الحكم الذي ثبت باللفظ العام.
فإن قيل: اشتراط الطهارة في المكان للصلاة ثبت بدلالة النص ومع ذلك صار هو مخصوصًا بقدر الدرهم وما دونه.
قلنا: ليس هذا من قبيل التخصيص الحكم الثابت بدلالة النص بل هذا هو قبيل إثبات حكم النص على وفاق الحكم الثابت بعبارة النص وهو طهارة الثوب، فإن خصوص الطهارة بقدر الدرهم وما دونه ثبت أولًا في الثياب حتى إذا كانت النجاسة بقدر الدرهم وما دونه في ثوب لا يمنع جواز الصلاة، فكذلك في المكان على وفاق ذلك.
(وأما الثابت بإشارة النص فيصلح أن يكون عامًا يخص)، وقال شمس الأئمة- ﵀: وأما الثابت بإشارة النص فعند بعض مشايخنا لا يحتمل الخصوص أيضًا- ويحتمل أن يريد بقوله: "فعند بعض مشايخنا" القاضي
стр. 958
الإمام أبا زيد، فإنه ذكر هكذا فقال: وأما الإشارة فلأنها زيادة معنى على معنى النص، وإنما يثبت بإيجاب النص إياه لا محالة فلا يحتمل الخصوص.
ثم قال شمس الأئمة- ﵀: والأصح عندي أنه يحتمل ذلك؛ لأن الثابت بإشارة النص كالثابت بالعبارة من حيث إنه ثابت بصيغة الكلام، والعموم باعتبار الصيغة، وصورة ذلك تتحقق فيما قاله الشافعي في أن الشهيد لا يصلى عليه. تمسك في ذلك بإشارة النص التي هي عام وهو قوله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾؛ حيث سماهم الله تعالى أحياء، والآية سيقت لبيان علو درجات الشهداء عند الله ولا صلاة على الأحياء، ثم لما أوردنا عليه حديث صلاة النبي ﷺ : "فإنه صلى على حمزة- ﵁ حين استشهد سبعين
стр. 959
صلاة"؛ فقال هو في جوابه: خصت تلك الإشارة في حقه فبقيت في حق غيره على عمومها، ثم تأويل تكرار صلاة الجنازة عندنا أنه كان موضوعًا بين يديه فيؤتى بواحدة واحد فيصلي عليه رسول الله ﷺ ، فظن الراوي أنه يصلي على حمزة- ﵁ في كل مرة، فقال: "صلى سبعين صلاة" فاحفظ صورة تخصيص الإشارة وأحكمها، فإنها عزيزة الوجود.
стр. 960
[تقسيمات الشافعية للدلالة]
(باسمه العلم) المراد من العلم هو اسم العين دون الصفة.
(الإكسال): مجامع را انزال مي افتادن.
(لأن النص لم يتناوله فكيف يمنع). لما أن حكم النص لا يخلو إما أن كان نفيًا وإثباتًا، فالإثبات لا يثبت بدون التناول، فكذلك النفي وهو المنع لا يثبت بدون التناول. (ولأنه لإيجاب الحكم في المسمى فكيف يوجب النفي وهو ضده).
وتحقيق هذا أن الثبوت مع الانتفاء ضدان، ولهذا يستحيل اجتماعهما
стр. 961
في محل واحد في زمان واحد كالحركة والسكون والسواد والبياض، فما يوجب البياض لا يوجب السواد وإن كانا في محلين، فكذلك الثبوت والانتفاء لا يصلحان موجبين لعلة أي بطريق القصد وإن اختلف المحل كالبياض والسواد، ولا يشكل على هذا الأمر مع النهي فإن الأمر بالشيء يقتضي كراهة ضده، مع أنه لم تناول الضد؛ لأنا نقول: إن الآمر أوجب المأمور به قصدًا على المكلف، فيقتضي وجوده ولو كان ضده مباحًا لما اشتغل به، فيفوت المأمور به، فلذلك جعلناه مقتضيًا كراهة ضده.
وأما الإثبات في صورة مستغن عن إثبات النفي في موضع آخر، فلذلك لا ثبت النفي في موضع آخر؛ لأنه لم يتناوله.
فإن قلت: النكاح يثبت الحل في المنكوحة والحرمة في أمها مع أن لفظ النكاح لم يتناول أمها لا بالنفي ولا بالإثبات.
قلت: تثبت حرمة الأم بنص آخر، وهو قوله تعالى: ﴿وأمهات
стр. 962
نسائكم﴾. وعن هذا أيضًا خرج الجواب عن سؤال من سال بأن النكاح مثبت للحل في حق الزوج ومثبت للحرمة في حق غير الزوج، لما أن حرمة غير الزوج تثبت بنص آخر، وهو قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾.
(وقد أجمع الفقهاء على جواز التعليل) يعني أجمع الفقهاء على جواز تعليل النصوص لتعدية الحكم منها إلى الفروع، فلو كان التخصيص موجبًا نفي الحكم في غير المنصوص لكان التعليل باطلًا؛ لأنه يكون ذلك قياسًا في مقابلة النص، ومن لا يجوز العمل بالقياس فإنما لا يجوزه لاحتمال فيه بين أن يكون صوابًا أو خطأ لا لنص يمنع منه بمنزلة العمل بخبر الفاسق، وأنه لا يعمل بخبره لضعف في سنده لا لنص في خبره مانع من العمل به، ثم فائدة التخصيص عندنا أن يتأمل المجتهد فيه فيثبت الحكم في غيره بذلك المعنى لينال درجة المجتهدين.
стр. 963
(وعندنا هو كذلك فيما يتعلق بعين الماء) يعني أن الاستغراق ثابت في وجوب الغسل الذي يتعلق بعين الماء لا في غيره. ألا ترى أن المسلمين أجمعوا على وجوب الغسل على الحائض والنفساء إذا اقتضى الحيض والنفاس فيما لا يمكن القول به فهو مستثنى عن النصوص، فكذلك وجب القول بانحصار وجوب الغسل الذي يتعلق بعين الماء بالماء.
(غير أن الماء يثبت مرة عيانًا كالإنزال، ومرة دلالة) كالتقاء الختاننين لما عرف من الأصل أن الشيء إذا تعسر الوقوف عليه فقام سبب ذلك الشيء مقامه كالنوم مضطجعًا قام مقام الحدث، وكان انتقاض الطهارة مضافًا إلى الحدث معنى، فكذلك هاهنا التقاء الختانين بتواري الحشفة سبب داع إلى نزول الماء فقام مقام نزول الماء، فكذلك أضيف وجوب الغسل إلى الماء.
فحاصله أن التخصيص بالشيء لا يدل على نفي ما عداه عندنا وحيث دل
стр. 964
إنما دل عند علمائنا لأمر من خارج لا من قبل التخصيص.
من ذلك قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ استدل أهل الحق بهذه الآية على الرؤية لا من حيث التخصيص؛ بل لأنهم كونهم محجوبين عقوبة لهم، فيجب أن يكون أهل الجنة على خلافهم وإلا لا يكون الحجب في حق الكفار عقوبة لاستواء الفريقين في الحجب.
(وذلك في الزنا) لو زنا رجل بامرأة يجوز له أن يتزوج ابنتها؛ لأن حرمة
стр. 965
ابنة المزنية إنما تكون إذا كانت هي من نسائه؛ لأنها معلق بذلك والمزنية ليست من نساء الزاني فلا تحرم ابنتها على الزاني.
(بيانه أن الشرط لما دخل على ما هو الموجب لولا هو صار الشرط مؤخرًا ونافيًا حكم الإيجاب) أراد بالموجب العلة بمعنى أن الشرط شيء إذا دخل على الوجوب هو موجب كما هو لولا الشرط الذي دخل عليه.
علم بهذا أن الشرط صار مؤخرًا حكم الإيجاب، والوصف يشارك الشرط في هذا العمل، فكان الوصف بمعنى الشرط لذلك، فينبغي أن يوقف على هو؛ لأن قوله: ((صار)) جواب لما، وترجمته بالفارسية: يعني آن خبرست كه اكر وي نه بود موجب موجب است وقتيكه وي بر موجب مي در آيد حكم إيجاب را أز وي تأخبر كند وصف مساوي است، ومراد وي را در اين عمل معمول شد كه وصف در معنى شرط نبوده است.
(بخلاف العلة) يعني إنها توجب وجود الحكم عند وجودها، ولا توجب عدم الحكم عند عدمها؛ (لأنها لابتداء الإيجاب لا للاعتراض على ما يوجب). هذا كله جواب عما يقول له.
فقولنا: ولنا أن أقصى درجات الوصف إذا كان مؤثرًا أن يكون علة الحكم
стр. 966
إلى آخره، وتحقيق هذا الكلام هو أن الشرط للمنع بالإجماع. أما عندنا فيمنع العلة عن الانعقاد، وأما عنده الحكم عند الثبوت، فكان الشرط معترضًا على ما هو موجب، والوصف بمعناه على ما ذكر في الكتاب.
فأما العلة فهي لابتداء إثبات الحكم وهي ليست بمانعة بل هي مثبته، والحكم قد يثبت بعلل شتى على طريق البدلية فلا يكون عدم العلة المعينة دليلًا على عدم الحكم حتى إن عدم البيع لا يدل على عدم الملك؛ لأنه يحتمل أن يحصل الملك بالهبة أو بالإرث أو بالصدقة.
(ولا يلزم على هذا الأصل) وهو ما ذكرنا أن الحكم إذا أضيف إلى مسمى بوصف خاص لا يكون دليلًا على نفيه عند عدم ذلك الوصف عندنا، ثم ذكر هاهنا أن إضافة الحكم إلى مسمى بوصف خاص وهو قوله: ((الأكبر مني)) دلت على نفي نسب من بعده كما يجعل الخصم ذلك التخصيص به نفيًا لغيره.
وهو قوله: (وما قال أصحابنا- ﵏ في أمة ولدت ثلاثة أولاد في بطن مختلفة) بأن يكون بين كل واحد من الأولاد ستة أشهر فصاعدًا.
стр. 967
(فادعى المولى نسب الأكبر).
إن نسب الآخرين لم يثبت، فهذا يدل على أن التخصيص بالوصف نفي؛ لأنا نقول: إن نسب الآخرين إنما يثبت لا لأن التقييد بالوصف ينفي ثبوت نسبهما، فإنه لو أشار إلى الأكبر فقال: هذا ولدي، فإن نسب الآخرين لم يثبت أيضًا مع أن التنصيص بالاسم لا يدل على نفي الحكم في غير المسمى، فعلم أن انتفاء النسب لا يتعلق بالتقييد بالوصف بل إنما لا يثبت؛ لأن قل الدعوى يحتمل ثبوت نسب كل واحد منهم وتلزمه الدعوى إذا كان الولد منه، فإنه كما يجرم عليه دعوى ما ليس منه يحرم عليه ترك دعوى ما هو مخلوق من مائة.
فإذا قال: الأكبر مني، وهو ساكت في هذا الزمان عن دعوة نسب الآخرين وهو موضع الحاجة إلى البيان كان سكوته نفيًا لنسبهما. إذا لو لم يكن نفيًا كان تاركًا للفرض فيحمل على النفي، كي لا يصير تاركًا للفرض.
وقوله: (لولا ذلك لثبت) أي لولا تخصيصه نفيًا لثبت نسبهما؛ لأن ولد أم الولد لا ينتفي بدون النفي.
فقلنا: لا يثبت نسبهما لا باعتبار التقييد بالوصف، فإنه لو أشار إلى
стр. 968
الأكبر وقال: هذا ابني، لا يثبت نسب الآخرين منه أيضًا، ولا يقال لا حاجة إلى دعوى؛ لأنهما ولدا لأم ولده، لأنا نقول: إن أمومية الولد تثبت بالدعوة للأكبر، فيكون ما هو دليل النفي مقارنًا لأمومية الولد فلم يثبت النسب.
وقال في ((المبسوط)): وقال زفر: يثبت الآخرين منه أيضًا؛ لأنه تبين أنها ولدتهما على فراشه، فإنها صارت أم ولد له من حين علقت بالأكبر- إلى أن قال- قلنا: إن تخصيصه الأكبر بدعوى النسب دليل النفي في حق الآخرين هاهنا- لأنه يجب على المولى شرعًا إظهار النسب الذي هو ثابت منه بالدعوى، فإن تخصيصه الأكبر بعد وجوب الإظهار عليه بهذه الصفة دليل النفي في حق الآخرين- ودليل النفي كصريح النفي، ونسب ولد أم الولد ينتفي بالنفي فكذلك بدليل النفي، وهذا نظير ما قيل إن سكوت صاحب الشرع عن البيان بعد وقوع الحاجة إليه بالسؤال دليل النفي؛ لأن البيان وجب عند السؤال، فكان تركه بعد الوجوب دليل النفي، ولكن يعتق الآخران بموت المولى؛ لأنهما ولدا أم الولد فيعتقان بموت المولى، وقوله: ((نفيًا))
стр. 969
خبر صار أي فصار السكوت نفيًا، وقوله: ((ولو كان ثابتًا)) متصل بما يليه وهو: ((البيان)) أي لزم البيان لو كان النسب ثابتًا.
(وبالشبهة ترد الشهادة) كشهادة الوالد لولده. ذكر مسألة الشهادات الإمام شمس الأئمة- ﵀ في ((المبسوط)) بقوله: ولو شهدوا أنهم لا يعلمون له وارثًا بأرض كذا وكذا غير فلان جاز ذلك في قول أبي حنيفة- ﵁ ولم يجز ذلك في قول أبي يوسف ومحمد- رحمهما الله تعالى- حتى يقولوا مبهمة: لا نعلم له وارثًا غيره؛ لأن في تخصصهم مكانًا إيهام أنهم يعلمون له وارثًا في غير ذلك المكان.
أرأيت أنهم لو قالوا: لا نعلم له وارثًا سواه في هذا المجلس أكان يقضى بالميراث لهم؟ وأبو حنيفة- ﵁ يقول: هذا اللفظ مبهم للمبالغة في بيان أنه لا وارث له غيره، ومعناه: أن بلده كذا مولده ومسقط رأسه كذا ولا نعلم له بها وارثًا غيره، فأحرى أن لا يكون له وارث آخر في مكان آخر، ثم تخصيصهم هذا المكان بالذكر في هذا اللفظ لغو؛ لأن ما لا يعلم المرء لا
стр. 970
يختص بمكان دون مكان فهذا وما لو أطلقوا سواء.
وقولهما: أن هذا إيهام، فلئن كان كذلك فهو مفهوم، والمفهوم لا يقابل المنطوق وذكر في أصوله وقالا: لا تقبل هذه الشهادة لا لأنها توجب علمهم بوارث آخر بمكان آخر؛ بل لتمكن التهمة؛ فإنه يحمل بأنهما خصا ذلك المكان للتحرز عن الكذب أو لعمهما بوارث آخر له في غير ذلك المكان، ولكن الشهادة ترد بالتهمة، فأما الحكم فهو أنا لا نثبت نفيًا ولا إيجابًا بالتهمة بل الحجة المعلومة.
(لأنه في حكم التعليق قاصر) يعني أن قوله: ((عبد هذا حر)) تام في نفسه لكنه في حق التعلق قاصر؛ لأن غرض المتكلم من هذا الكلام التعليق،
стр. 971
فصار كالجملة الناقصة في حق هذا الحكم، دل أن الشركة إنما وجبت للافتقار.
ألا ترى أنه لو قال: إن دخلت الدار فأنت طالق وضرتك طالق طلقت ضرتها في الحال؛ لأنه كلام تام فلا حاجة إلى الاشتراك، إذا لو كان غرضه الشركة في التعليق لا قتصر على قوله: ((وضرتك)) فإذا أفرد بالخبر دل أن مراه التنجيز لما أن خبر الأول يصلح خبرًا للثاني بخلاف قوله: وعبدي حر؛ لما أن خبر الأول لا يصلح خبرًا له عند تجريده عن الخبر، فلذلك كان هو مع وجود خبره قاصرًا في حق التعليق فتثبت الشركة في التعليق.
стр. 972
(مثل قوله ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ﴾) وما قبله ﴿فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾، ومثل قوله: ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ﴾، وكذلك قوله: ﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾، فقد بينا مثله في بيان واو العطف.
(والشافعي قطع قوله: ﴿وَلا تَقْبَلُوا﴾ أي عن قوله: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾؛ حيث جعل الاستثناء الذي في آخر الكلام منصرفًا إلى قوله: ﴿وَلا تَقْبَلُوا﴾ وإلى قوله: ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ لا إلى قوله ﴿فَاجْلِدُوهُمْ﴾، ولأنه لم يجعل رد الشهادة من تتمة الحد حتى جعل التوبة رافعة لرد الشهادة ولم يجعلها رافعة للجلد (مع قيام دليل الاتصال)، فإن
стр. 973
كلًا منهما يصلح جزاء للقذف، وكل واحد منهما جملة فعلية. كل واحد منهما خوطب به الأئمة، ووصل قوله: ﴿وَأُوْلَئِكَ﴾ بما قبله وهو قوله: ﴿وَلا تَقْبَلُوا﴾ جملة فعلية: ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ جملة اسمية والأولى جملة خوطب بها الأئمة، والثانية إثبات شبهة الفسق على الإطلاق وبيان لجريمة القاذف فلا تصلح جزاء على القذف بطريق الحد؛ بل هذا لإزالة الإشكال عن وهم متوهم بأن يتوهم: ينبغي أن لا يجب الحد على القاذف؛ لأن القاذف في قذفه لا يخلو إما أن يكون صادقًا أو كاذبًا، فإن كان صادقًا لا يجب الحد قطعًا، ولو كان كاذبًا يحب، فلا يجب بالشك كالشيء المتردد بين الوجود والعدم حيث ترجع جانب العدم؛ لأنه هو الأصل في الشيء يثبت بالشبهات.
стр. 974
فأولى أن لا يثبت جانب الوجود في الحدود، وهو مما يثبت بالشبهات والله تعالى أزال ذلك الإشكال بقوله: ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ أي هم العاصون بهتك ستر العورة، وليس غرضهم من ذلك الطلب الحسنة لكذبهم في ذلك، وإليه في قوله تعالى: ﴿لَمْ يَاتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ فلذلك وجب عليهم حد القذف، ولأن الشافعي رد الشهادة بدون مدة العجز، والله تعالى جعل رد الشهادة حكمًا لصفة التراخي بحرف (ثم) إلى وقت العجز بقوله: ﴿ثُمَّ لَمْ يَاتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ والشافعي غير هذا حيث رد الشهادة بدون مدة العجز.
[العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب]
(ومن ذلك قول بعضهم: إن العام يختص بسببه) أي بسبب ورود العام كما لو قال رجل لآخر: تعالى تغد معي، فقال الآخر مجيبًا: إن تغديت اليوم فعده حر، وخص عموم هذه اليمين عند بعضهم بغداء ذلك الشخص الذي دعا إلى غدائه حتى لو ذهب إلى بيته وتغدى لا يحنث عندهم وألغى الزيادة.
(لأن النص ساكت عن سببه) أي عن سبب مخصوص بذلك الشخص، (والسكوت لا يكون حجة)؛ لأن الاستدلال بالسكوت يكون استدلالًا بلا دليل، فكيف يجوز باعتباره ترك العمل بالدليل وهو المنصوص.
стр. 975
(ألا ترى أن عامة الحوادث مثل الظهار واللعان وغير ذلك وردت مقيدة بأسباب).
أما آية الظهار وهي قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ إلى قوله: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ الآية نزلت في شأن خولة بنت ثعلبة بن قيس بن مالك امرأة أوس بن الصامت بن قيس بن أصرم الأنصاري أخي عبادة رآها وهي تصلي وكانت حسنة الجسم فلما
стр. 976
سلمت راودها فأبت فغضب وقال لها: أنت علي كظهر أمي إلى آخره.
وأما آية اللعان فنزلت لما قاله عاصم بن عدي الأنصاري فقال: جعلني الله فداك؛ إن وجد رجل مع امرأته رجلًا فأخبر جلد ثمانين وردت شهادته أبدًا وفيق، وإن ضربه بالسيف قتل، وإن سكت سكت على غيظ، وإلى أن يجئ بأربعة شهداء فقد قضى الرجل حاجته ومضى. اللهم افتح، وخرج فاستقبله هلال بن أمية أو عويمر فقال: ما وراءك؟ قال: شر!
стр. 977
وجدت على امرأتي خولة وهي بنت عاصم شريك بن سحماء فقال: هذا والله سؤالي ما أسرع ما ابتليت به، فرجع فأخبر عاصم رسول الله ﷺ فكلم خولة فقالت: لا أدري الغيرة أدركته أم بخلًا على الطعام؟ فكان شريك نزيلهم وقال هلال: لقد رأيته على بطنها، فنزلت آية اللعان ولا عن بينهما. كذا في ((الكشاف))، وأما قوله: ((غير ذلك)) حكاية القذف، فإنها نزلت بسبب قصة عائشة- ﵂ (وهذه الجملة) أي جملة حكم العام المعلق بالسبب.
(أن يكون بلى بناء على النفي في الابتداء مع الاستفهام)، فإن بلى
стр. 978
إيجاب لما بعد النفي كما في قوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (٣) بَلَى قَادِرِينَ﴾ أي مجمعها، (ونعم لمحض الاستفهام) كما في قوله: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾.
(وأجل يجمعهما) أي يجمع محض الاستفهام كما في نعم وغير محض الاستفهام كما في بلى.
قال الأخفش: إن أجل جواب مثل نعم إلا أنه أحسن من نعم في التصديق، ونعم أحسن منه في الاستفهام، فإذا قال: أنت سوف تذهب. قلت: أجل. فكان أحسن من نعم، وإذا قال: أتذهب؟ قلت: نعم، فكان أحسن من أجل. كذا في ((الصحاح)).
(وقد يستعملان في غير الاستفهام على إدراج الاستفهام)، فنظير إدراج الاستفهام ما ذكر في إقرار ((المبسوط)) بقوله: ولو قال: أخبر فلان أن للان عليم ألف درهم، أو قال: أعلمه أو أبشره أو قول له، فقال: نعم، فهذا كله إقرار؛ لأن قوله: ((نعم)) ليس بمفهوم المعنى بنفسه وهو مذكور في موضع الجواب، فصار ما يبق من الخطاب معادًا فيه، فلهذا كان إقرارًا.
стр. 979
وأما قوله: ((وغير احتمال الاستفهام)) فهو ما استعمل نعم في جواب الأمر بأن قيل: ابت مني عبدي هذا، أو استأجره مني، فقال: نعم، فهذا إقرار له بالملك، وكذلك لو قال: افتح باب داري هذه أو جصص داري هذه أو أسرج دابتي هذه أو ألجم بغلي هذا فقال: نعم، فهذا إقرار لما بينا أن نعم غير مفهوم المعنى بنفسه فلا بد من حمله على الجواب؛ لأنه لو لم يحمل عليه صار لغوًا، وكلام العاقل محمول على الصحة ما أمكن، ولا يحمل على اللغو إلا إذا تعذر حمله على الصحة.
(فيقول الآخر: إن تغديت فعبدي حر. أنه يتعلق به)؛ لأن هذا عام مبني على سؤال فيتخصص به؛ لأن العام يجوز تخصصه بالدليل، وهاهنا قد وجد الدليل وهو دعاؤه إلى الغداء المدعو إليه فيتخصص بدلالة الحال.
والرابع- ما هو مستقل بنفسه خرج عقيب سؤال لكنه زائد على ما هو
стр. 980
الجواب، فيصير هو كلامًا مبتدأ لا يتعلق بهذا الذي تنازعنا فيه، لأن هذا عام موجب بنفسه زائد على سببه فلم يتعلق به.
(ومن ذلك أن الشافعي جعل التعليق بالشرط موجب العدم) إلى آخره.
وحاصله عند الشافعي قوله: أنت طالق في قوله: إن دخلت الدار فأنت طالق، انعقد سببًا لوقوع الطلاق، وأثر التعليق في منع حكمه، فصار موجب هذا الكلام عنده: وجود الحكم عند وجود الشرط، وعدمه عند عدم الشرط، فصار كأنه قال: إن دخلت الدار فأنت طالق وإن لم تدخلي فلست بطالق،
стр. 981
وهذا لأنه انعقد سببًا عنده قد وجد ما هو المقتضى لوقوع الطلاق، وإنما لم يثبت الحكم لوجود التعليق، فيكون العدم مضافًا إلى المانع، وعندنا لما لم ينعقد سببًا لم يكن عدم وقوع الطلاق مضافًا إلى التعليق؛ بل يبقى كما كان قبل اليمين، وعن هذا الأصل تنشعب الفروع لنا وله.
منها: جواز تعجيل الكفارة قبل الحنث عنده؛ لأنه تكفير قبل السبب، وعدم جواز تعليق الطلاق بالنكاح عنده خلافًا لنا.
(والمالي يحتمل الفصل بين وجوبه ووجوب أدائه)؛ لأن المال مع الفعل يتغايران، فجاز أن يتصف المال بالوجوب لا يثبت وجوب الأداء. ألا ترى أن المال وهو الثمن يجب في ذمة المشتري بمجرد البيع ولا يجب الأداء ما لم يطالب به لما أنهما يتغايران.
(وأما البدني فلا يحتمل الفصل بين وجوبه ووجوب أدائه)؛ لأن الفعل لما وجب أداؤه ولو لم يجب الفعل لا يجب الأداء. إذا لا واسطة بين الفعل والأداء، فلا يتصور انفصال وجوب الفعل عن وجوب الأداء، فلما تأخر وجوب الأداء إلى ما بعد الحنث تأخر الوجوب ضرورة، فلو أجى قبل الحنث تقع الكفارة قبل الوجوب فلا يجوز.
وحاصله أنا لمالي يحتمل الفصل لإمكان القول بالفصل؛ لأن في المال شيئين: المال، والفعل في المال، ويكون المال واجبًا الفعل فيه متأخرًا كما في الثمن المؤجل.
стр. 982
وأما البدني فليس فيه إلا الفعل، فلما تأخر الأداء لم يبق الوجوب.
(ولنا أن الإيجاب لا يوجد إلا بركنه)؛ لأن ركن الشيء ما يقوم به ذلك الشيء، وقيام الشيء بدون ذاته مجال؛ ألا ترى أن البيع لما كان عبارة عن الإيجاب والقبول لا ينعقد بدونهما أو بدون أحدهما أو ما يقوم مقامهما وكذلك الصلاة لما كانت عبارة عن الأركان المعهودة لا تتصور بدونها أو بما يخلها، وكذلك في الحسيات لما كان ركن السرقة من كذا وكذا لا يتصور بدونه. والإيجاب لا يثبت أيضًا بدن محله كالبيع لا ينعقد بدون محله وهو المال، وفيما نحن فيه المحل هو المرأة في تعليق الطلاق بالشرط، فما لم يتصل هذا الإيجاب إليها لم يثبت الإيجاب، وهاهنا لم يتصل بالمرأة لأن اتصاله بها اتصال شرعي، ولم يثبت شيء من أحكام الطلاق فيها لم ينعقد سببًا كالبيع المضاف إلى الحر لما لم يفد حكمًا من أحكام البيع لم ينعقد سببًا، واعتبر هذا بالاتصال الحسي، فإنه ما لم يظهر أثر فعل النجار في المحل وهو الخشب لم ينعقد شجرًا فإذا ثبت هذا تبين أن الشرط ليس بمعنى الأجل. يعني لو أجل الثمن في البيع.
стр. 983
قلنا: إن الأجل ليس بمانع للبيع ولا بحكمه، فإن المبيع يخرج من ملك البائع ويدخل في ملك المشتري ولكن أثره في تأخر المطالبة ودخول الثمن في ملك البائع ليس بشرط صحة البيع، ولهذا لو أسقط الثمن عن المشتري صح، فلا يقدح عدم وصول الثمن إلى البائع في البيع ولا في حكمه ولا كذلك التعليق، فإنه يمنع العلة عن الانعقاد على ما بينا.
والتعليق بالشرط يمين عقدت للبر، فموجب التعليق هو امتناع حكم الإيجاب والسبب طريق إلى الحكم، فكيف يكون سببًا إلى الحكم وهو مانع عنه؟ فالقول بكونه سببًا إلى الحكم كان قولًا عائدًا على موضوعه بالنقض، وعن هذا الحرف ينشأ الفرق بين التعليقات وبين الإضافة؛ لأن الإضافة لثبوت الحكم بها فكان سببًا؛ لأنها تفضي إليه بخلاف التعليق، فإنه للمنع عن الحكم في أصله.
ألا ترى أن قوله: أنت طالق غدًا أأنت حر غدًا هو لوقوع الطلاق والحرية في الغد، فكيف يكون مانعًا؟ فلم يوجد المانع من السبب، بل وجد ما يحقق كونه سببًا؛ لأن الغد وما يشبهه تعيين لزمان الوقوع، والزمان من لوازم وقوع الطلاق كما إذا قال: أنى طالق الساعة، فتكون الإضافة محققة للسببية والتعليق مانعًا لها، فلا يتقاسان.
(وبدون الاتصال بالمحل لا ينعقد سببًا)، ولكن ينعقد يمينًا؛ لأن التعليق
стр. 984
بالشرط يمين فلا تتوقف صحته على ملك المحل كاليمين بالله، وهذا لأن اليمين تصرف منا لحالف في ذمة نفسه فيصح.
فإن قلت: لو قال الشافعي إذا لم يكن سببًا في الحال عندكم ولكن له شبهة السببية، فيجب أن يشترط المحل ما يشترط لحقيقة السبب، وهذا لأن التعليق معتبر بالتنجيز، فلما لم يكن له ولاية الطلاق قبل النكاح لم يكن له ولاية تعليق قبله.
قلت: لا يصح قياس التعليق بالتنجيز؛ لأنه قد يملك التعليق دون التنجيز. ألا ترى أنا لرجل إذا قال لجاريته التي ليس بها حبل: إذا ولدت ولدًا فهو حر صح بالإجماع، وإن كان لا يملك تنجيز العتق في الولد المعدوم، وكذلك إذا قال لامرأته الحائض: إذا طهرت فأنت طالق كان هذا تعليق طلاق السنة، وإن كان لا يملك تنجيزه في الحال.
إلى هذا أشار في ((المبسوط)) وجواب اقتصار شبهة الإيجاب إلى المحل فيجئ بعد هذا إن شاء الله تعالى.
стр. 985
(فيصلح التدارك به) أي كان الشرط (لأدنى الخطرين) وهو دخول الشرط في الحكم، وذا لأن ثبوت الخيار في البيع ثبت بخلاف القياس؛ نظرًا لمن لا خبرة له في المعاملات، فيثبت بقدر الضرورة، والضرورة ترتفع بكون الخيار داخلًا في الحكم دون السبب؛ عملًا بما هو الأصل في الشرع بقدر الإمكان، وهو تقليل الخطر في البيع بخلاف الطلاق، فقلنا فيه بكمال التعليق أن لو دخل الشرط على الحكم كان تعليقًا من وجه دون وجه فكان ناقصًا في التعليق، والنقصان إنما كان بالعوارض، فلذلك أدخلناه فيه في السبب وفي البيع في الحكم، وهو معنى قوله: (وأما هذا فيحتمل الخطر) أي الطلاق يحتمل التعليق بالشرط الذي فيه خطر وتردد أنه يوجد أم لا؟ لأنه من الإسقاطات والذي يسقط قابل للتعليق كما في الحسيات، فإن القنديل قابل للتعليق؛ لأنه مما يسقط وما يتناول من يد إلى يد وتبادل به غيره غير قابل للتعليق في ذلك الغرض؛ إذ في التعليق بالشرط الذي يوجد أم لا معنى
следующие страницы →