← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 16526

الكافي شرح أصول البزدوي

الحسام السغناقي

Полный текст (2 351 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

تعدية إلى الإباحة إلى غيرها من الحوائج، فكان أولى بالجواز (فاستقام تعديته) أي بطريق الدلالة، (وهو مشتمل على هذا المنصوص عليه) وهو الإطعام الذي يدل على الإباحة، ومشتمل على غير المنصوص عليه من حاجة قضاء الدين وحاجة أجرة البيت وحاجة ما يشتري في البيت وغيرها. (لأن الإعارة في الثياب منقضية قبل الكمال) أي قبل حصول المقصود بالثوب من دفع الحر والبرد وغير ذلك؛ لأن من الجائز أن يسترد المعسر الثوب قبل ذلك، وإنما قال هذا تأكيدًا لعدم جواز التعدية؛ لأنها لو كانت كاملة لا يجوز التعدية لكونها جزءًا من الكل والمنصوص عليه وهو الكل، فكيف وهي قاصرة! بخلاف الإباحة في الطعام؛ لأنه إذا وجد الأكل لا يمكن الاسترداد فلا

стр. 912

يلزم من عدم جواز الإباحة في الثوب عدم جواز الإباحة في الطعام، لما أنهما يختلفان في تحصيل المقصود عند الإباحة. والأولى في هذا أن يقال ما قال شيخي- ﵀ في معنى قوله: "لأن الإعارة في الثياب منقضية قبل الكمال" وهو أن الكفارة إنما تقع كاملة إذا خرج العين الذي يكفر به عن ملك المكفر، وحصل سد خلة الفقير عنده، فلذلك لا يتحقق في إعارة الثوب وإباحته؛ لأن المكفر إذا أعار الثوب للفقير إلى أن يبلى ويهلك في يده حينئذ خرج ذلك العين عن ملك المالك المكفر، وعند ذلك تتجدد حاجة الفقير، ولا يخرج المكفر عن عهدة الكفارة به؛ لأن ركن الكفارة على ما ذكرنا لم يوجد بخلاف الإطعام، فإن عين الطعام يخرج عن ملك المكفر إذا أكل الفقير، وبه يقضي حاجة الفقير، ولذلك وقع الفرق بين إباحة الطعام وإعارة الكسوة وإباحتها. (فهما في طرفي نقيض) أي إباحة الطعام وإعارة الثوب على ما بينا من قضاء حاجة الفقير في إباحة الطعام، وتجدد حاجته في إعارة الثوب عند انقضاء الثوب، أو أراد بطرفي نقيض الإطعام والكسوة؛ لما أن الإطعام فعل والكسوة عين، والفعل مع اللافعل نقيضان، فكيف يقاس أحدهما بالآخر؟ (وكان قول الشافعي في قياس الطعام بالكسوة في الفرع والأصل معا غلطًا). أما في الفرع فظاهر؛ لأن الكفارة في الفرع الذي هو الإطعام اسم للفعل

стр. 913

المخصوص على ما ذكرنا، فكان جعله تمليكًا غلطًا في الفرع؛ لأنه خلاف مقتضى النص؛ لأن النص يقتضي الجواز بالإباحة وهو لم يجوز فكان غلطًا، أو كونه غلطًا في الفرع هو أن شرط صحة القياس أن لا يكون المقيس الذي هو الفرع منوص عليه، وهو قد قاس المنصوص مع خلاف ما اقتضاه النص على منصوص آخر. وأما الغلط في الأصل: فإن المنصوص عليه في الأصل الذي هو الكسوة عين، والفعل غير منصوص، فإنما يشترط الفعل في الأصل ليصير العين كفارة؛ لأن العين بدون الفعل لا يكون كفارة، فكان الفعل فيه ضمنيًا وتبعًا وفي الفرع قصدًا، فكان في قياسه قياس الفعل القصدي على الفعل الضمني، فإثبات التسوية بينهما مع وجود هذا التفاوت كان غلطًا في الأصل؛ لأن القياس في هذا أن يكون الفعل الذي هو التمليك في الأصل منصوصًا عليه على وجه لا تجوز الإباحة فيه حتى يكون قياس الإطعام عليه مثلًا له، وليس كذلك فكان غلطًا. (ومن قضية الإطعام الحاجة إلى الطعم) فلما تجددت الحاجة بتجديد الأيام كان المسكين الواحد في المعنى المساكين كان المقصود سد الخلة، وذلك يتجدد بتجدد الأيام، فكان هو في اليوم الثاني بمعنى مسكين آخر بتجدد سبب

стр. 914

الاستحقاق له، ولأن الإطعام يقتضي طعامًا لا محالة، فمعنى الآية ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾، وقد أدى ذلك بخلاف الشاهد الواحد، وإن كرر شهادته في مجلسين لا يصير في معنى شاهدين؛ لأن المقصود هناك طمأنينة القلب، فبتكرار الواحد شهادته لا يحصل المقصود، فكان المسكين الواحد بمنزلة رأس الواحد في باب صدقة الفطر حيث يكون رأسًا آخر في السنة الثانية باعتبار تجدد وصف المؤنة. فكذلك نصاب الزكاة يتجدد باعتبار تجدد الحول القائم مقام النماء، والقاطع لشغب أن أربعة أمنًا من شعير لما صلحت أن يصير أربعين منا باعتبار تجدد السبب حتى جاز أداء أربعة أمنا مقام أربعين منا بأن يؤدي أربعة أمنا من شعير إلى مسكين، ثم يشتريها منه ويؤديها إلى مسكين آخر حتى تمت عشرة مساكين بهذا الطريق، وجازت الكفارة بهذا الطريق صلح أيضًا أن يكون المسكين الواحد في اليوم الثاني مسكينًا آخر، وهذا لأن لتجدد السبب تأثيرًا في تغيير العين، فكذلك لتجدد الوصف كما في الزكاة على ما ذكرنا. وقوله: (وجوزتم ذلك) أي مع أنه ليس فيه عدد ولا قضاء الحوائج المتجددة.

стр. 915

(هذا الذي تقول حاجة اللبوس) أي حاجة الثوب الذي يلبس، فإن اللبس اسم لما يلبس، وأجاب في "المبسوط" عن هذا السؤال بقوله: قلنا نعم، الحاجة إلى الملبوس كذلك أي يتجدد بتجديد الأيام- وإنما يتجدد في كل ستة أشهر- ولكنا أقمنا التمليك مقامه في باب الكسوة- أي مقام تجديد الحاجة- والتمليك يتحقق في كل يوم، وإذا أقيم الشيء مقام غيره سقط اعتبار حقيقته في نفسه، وهذا لأن الحاجة لا نهاية لها إلا أنه لا يجوز أداء الكل دفعة واحدة للتنصيص على تفريق الأفعال، وذلك بتفريق الأيام في حق الواحد، وقد يحصل أيضًا بتفريق الدفعات في يوم واحد، إلا أنه ليس لذلك حد معلوم، فقدرنا بالأيام وجعلنا تجدد الأيام في حق الواحد كتجدد الحاجة تيسيرًا. (فكان يجب أن يصح الأداء على هذا متواترًا)؛ لأنه كلما أدى إلى الفقير هلك في يده واحتاج إلى كسوة أخرى، فصار محللا لأداء كسوة

стр. 916

أخرى، وأدنى ذلك يوم لجملة الحوائج؛ لأن التمليك لما صار قضاء للحوائج كلها لم يكن بد من زمان مضبوط تتجدد حاجته بتجدده، وهو اليوم، كما في تمليك الطعام لما أن ما دون اليوم ساعة غير مضبوطة فلا يدار الحكم عليه. (ولا يلزم إذا قبض المسكين كسوتين من رجلين)، فوجه الإشكال هو أن المسكين إذا قبض الكسوتين من رجل واحد في ساعة واحدة لا يجوز عن كسوتين؛ لأن تملك إحداهما قضت حاجته فلم يجز الآخر، وهذا المعنى موجود فيما إذا قبض الكسوتين من رجلين في ساعة واحدة يجوز عنهما. فعلم بهذا أن عدم الجواز في كسوتين في يوم واحد من رجل واحد لم يكن مبنيًا على ما ذكرتم من عدم تجدد حاجته في يوم واحد، فإن حاجته في يوم واحد كما لا تتجدد إذا قبض الكسوتين من رجل واحد كذلك إذا قبضهما من رجلين. فأجاب عنه وقال: بل هو مبني على ما ذكرنا أيضًا إلا أن تمليك كسوة كل واحد من الرجلين في حق صاحبه حكم العدم، فلم يوجد في حق المعطى إلا أداء كسوة واحدة؛ لأن كل رجل مكلف بفعله لا بفعل غيره، فلم يكلف بالتفريق بخلاف الواحد، فإن تمليك الكسوتين فعله فيكلف بالتفريق.

стр. 917

[دلالة النص] (وأما دلالة النص فما ثبت بمعنى النظم لغة) يعني أن دلالة النص هي الحكم الذي لم يتناوله لفظ المنصوص، بل تناوله معنى لفظ المنصوص. مثل قوله تعالى: ﴿أف﴾ لا يتناول الضرب والشتم من حيث اللفظ؛ لأنهما لا يسميان تأفيفًا، فكان معنى قوله: "بمعنى النظم لغة لا استنباطًا" أي كل من يعرف العربية يعرف معنى النظم، هذا من غير توقف إلى الاجتهاد، وبه يقع الفرق بينه وبين القياس، فإن القياس يعرف بمعنى النظم أيضًا، لكن يتوقف عرفانه إلى الاجتهاد. (مثل: الضرب اسم لفعل بصورة معقولة) أي معلومة وهي إيقاع آلة التأديب في محل قابل للتأديب، (ومعنى مقصود وهو الإيلام)، ولهذا قلنا: إن من حلف: إن ضربتك فعبده حر، فمات فضربه بعد الموت لا يحنث، (والتأفيف اسم لفعل بصورة معقولة)، وهو أن تقول: أفا له عند التضجر منه، (ومعنى مقصود وهو الأذى)، فصار استعماله في حق الوالدين

стр. 918

حرامًا بمعناه لا بصورة النظم حتى لا يحرم على قوم لا يعقلون معناه. أو كان هذا عندهم اسمًا لضرب كرامة. كذا في "التقويم". (فأثبتنا الحكم بذلك المعنى بعينه في الأكل) والشرب. فإن قيل: سؤال الأعرابي في المواقعة وقع عن الهلاك والإهلاك، فكيف يثبت الحكم بالدلالة في الأكل وهاهنا الهلاك لا الإهلاك، فيحتمل أن يكون هذا الحكم مرتبًا على المجموع؟ قلنا: الحكم مرتب على الهلاك فقط، ولهذا لو جامع امرأته وهي مسافرة

стр. 919

غير صائمة أو ناسية تجب الكفارة عليه بالإجماع، وإن لم يوجد الإهلاك، فعلم أن وجوب الكفارة مرتب على الهلاك فقط؛ لأنه فوقه في الجناية، فإن دعاء الطبع إلى اقتضاء شهوة البطن أظهر منه إلى اقتضاء شهوة البطن عادة وهو النهر، فأما اقتضاء شهوة الفرج يكون بالليالي عادة، فكان الحكم ثابتًا بدلالة النص.

стр. 920

(ومن ذلك أن النبي ﵇ قال "لا قود إلا بالسيف") لهذا الحديث معنيان: أحدهما- لا قود يستوفى إلا بالسيف. والثاني- لا قود يجب إلا بالسيف. إذ له طرفان: طرف الوجوب، وطرف الاستيفاء، فإن أريد به نفي الوجوب كان حجة لنا على الشافعي في مسألة الموالاة، وعلى أبي يوسف ومحمد- رحمهما الله- في القتل بالمثقل؛ لأنه قتل بغير السيف، ولا يجب فيه القصاص لظاهر هذا الحديث، وإن أريد به نفي الاستيفاء إلا بالسيف كان حجة لنا أيضًا على الشافعي وعليهما. أنه لما لم يستوفى إلا بالسيف لا يجب القصاص إلا به؛ لأن المماثلة شرط في ضمان العدوان ما أمكن، والقتل بالسيف لا يماثل القتل بسائر

стр. 921

الآلات؛ لأن القتل يحصل بالسيف صورة ومعنى وبسائر الآلات إذا لم يكن جارحًا معنى، وهذا الحكم مرتب على القتل المطلق وهو القتل من كل وجه. كذا في "مبسوط" المصنف. (وأراد به الضرب بالسيف) إلى آخره. تحقيق هذا أن الضرب بالسيف له صورة ومعنى مقصود وهو الجناية بالجرح وما يشبهه من نقض البنية، والحكم وهو الجزاء غير متعلق بالصورة بدليل وجوب القصاص بالضرب بالخنجر والسنان وغير ذلك، ولابد من رعاية المماثلة في الجزاء، فلو كانت الصورة داخلة لما وجب القصاص في غيره، فإذا صار المعنى هو المناط للحكم في المنصوص عليه يثبت هذا المعنى في غير المنصوص عليه بالمعنى الموجود في المنصوص عليه، إذ لو لم يثبت في غيره والمعنى بكماله موجود لكان تناقضًا، ولهذا لا يحتمل النص الخصوص؛ لأن معنى النص إذا وجد علة لا يتصور أن لا تكون علة ثم الحكم الثابت من هذا النص بدلالته القتل بالرمح والنشابة؛ لأن

стр. 922

لعبارة النص معنى معلومًا في اللغة، وذلك المعنى كامل في القتل بالرمح والنشابة، وقد عرفنا أن المراد بذكر السيف القتل به لا قبضه، وإنما السيف آلة يحصل به القتل، وإذا حصل بآلة أخرى مثل ذلك القتل تعلق حكم القصاص به بدلالة النص لا بالقياس. فإن قلت: لو كان الرمح أو النشابة مثلًا للسيف في القتل من كل وجه حتى وجب القصاص بكل منهما بدلالة النص لجاز استيفاء القصاص به أيضًا كما يجوز بالسيف، فكيف اعتبرت المثلية بينهما في سبب القصاص لا في استيفائه؟ قلت: إنما افترقا بسبب وجود زيادة التعذيب في القتل بالرمح على المقتول بالنسبة إلى القتل بالسيف، وذلك يصلح في الإلحاق بالسيف في السبب دون حكمة وهو الاستيفاء؛ لأن في السبب لزومًا لتعدية الحكم من الأدنى إلى العلى وذلك جائز في الحكم الثابت بدلالة النص كالضرب مع التأفيف، وأما الاستيفاء فلا يجوز؛ لأنه ليس لولي القصاص أن يستوفي زيادة على حقه لقوله تعالى: ﴿فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾، وأما إذا كان القتل الأول بالرمح فاستيفاء القصاص بالسيف كان إسقاط للزيادة من حقه، وللولي إسقاطها لا استيفاؤها، فلذلك افترقا. وقوله: (وكان ثابتًا بذلك المعنى) أي وكان الحكم وهو الجزاء ثابتًا.

стр. 923

للمعنى الذي قلنا لا بصورة الفعل إنما البدن وسيلة إلى صيانة الحياة، فلا يدخل في الأمر المقصود؛ لأن الوسائل لا تزاحم الأصول في كونها مناطًا للحكم. فما يقوم بغير الوسيلة كان أكمل؛ لأنه يكون أشد في كونه قتلًا؛ لأن زهوق الروح في القتل بالسيف كان أسرع وجودًا من القتل بالمثقل، فإنه أبطأ وجودًا، فكان القتل بالمثقل أشد من هذا الوجه من القتل بالسيف، أو لأن القتل بالمثقل يكون قتلًا بغير واسطة لعدم احتمال البنية إياه، والقتل بالجرح لا يحتمل البنية بواسطة السراية، فإنه إذا ألقي على إنسان حجر الرحى لا يحتمله البنية بنفسها مع صفة سلامة البدن. وما كان عمله بدون الواسطة كان أكمل؛ فحينئذ كان ثبوت الحكم القصاص في القتل بالمثقل بدلالة النص كما في الضرب مع التأفيف.

стр. 924

(والجواب لأبي حنيفة- ﵁ عن هذا) أن يقول: لا شك أن الجناية في الموضعين كان أكثر جناية من الجناية في موضع واحد، فلذلك كان الكمال في نقض البنية بما يكون عملًا في الظاهر والباطن جميعًا، فعلى هذا اعتبار مجرد عدم احتمال لابنية إياه مع صفة سلامة البدن قضاء بمقابلته، والناقص لا يصلح أن يكون أصلًا ومناطًا للحكم فيما يندرئ بالشبهات، وإنما ثبتت به الأحكام التي تثبت بالشبهات كالدية والكفارة. والدليل على أن ما ينقض البنية ظاهرًا وباطنًا كامل بمقابلة الذي لا ينقض البنية ظاهرًا وإن كانت البنية لا تحتمله حكم حل الزكاة، فإنه يختص بما ينقض البنية ظاهرًا وباطنًا ولا يعتبر فيه مجرد عدم احتمال البنية إياه، (بل الكامل يجعل أصلًا ثم يتعدى حكمه إلى الناقص إن كان من جنس ما يثبت بالشبهات) كالمعاملات وغيرها. ألا ترى أن من حلف لا يبيع فباع بشرط الخيار أو باع بيعًا فاسدًا يحنث وإن كان الكامل في البياعات هو البيع البات الصحيح. ألا ترى أنهما لا يثبتان الملك للمشتري بمجرد البيع بل لسقوط الخيار في

стр. 925

شرط الخيار، ووجود القبض في البيع الفاسد، وكذلك حرمة المصاهرة تثبت في أصلها بالكامل وهو الجزئية والبعضية، ثم تعدي حكمه إلى الناقص، وهو التقبيل والمس بالشهوة وغير ذلك. (هو الكامل في النقض على مقابلة كمال الوجود) أي نقض البنية ظاهرًا وباطنًا هو الكامل في النقض استدلالًا على مقابلته من كمال وجود استيفاء القصاص يعني أن القصاص إنما يستوفى بما ينقض البنية ظاهرًا وباطنًا، فيجب أن يكون كمال سببه أيضًا شيئًا هو ناقض للبنية ظاهرًا وباطنًا لتحقق البقاء سواء بسواء. (والقصاص مقابل بذلك) لقوله تعالى: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (ومعنى الإنسان بدمه وطبائعه) عند أهل الإسلام. إذ الإنسان عندهم إنسان بصورته ومعناه، (فلا تتكامل الجناية إلا بجرح يريق دمًا) وما ينقض الباطن والظاهر جميعًا. فأما القتل بدون نقض الظاهر فناقض فلا يتعدى الحكم إليه؛ لأن هذه

стр. 926

عقوبة تندرئ بالشبهات. وقوله: "فأما الجسم ففرع" لا يريد به أن البدن غير داخل في معنى الإنسان، وإنما أراد- والله أعلم- أن مجرد الجسم بدون الطبائع بمنزلة الفرع. وأما الروح فلا يقبل الجناية؛ لأنه غير محسوس، وليس بمعنى مكانه حتى يتصور القصد إليه بالجناية، ومعنى الإنسان خلقه بدمه وطبائعه لما عرف أن الإنسان إنسان بصورته ومعناه لا بمعناه دون صورته كما ذهب إليه الفلاسفة. كذا ذكره الإمام بدر الدين الكردري- ﵀ وأراد بالطبائع الطبائع الأربع وهي: الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة؛ فلا تتكامل الجناية على معنى الإنسان الذي هو عبارة عنها لا يخرج بذلك دمًا، فإذا أراد دمه على وجه أثر ذلك في الظاهر والباطن كان قصدًا منه على إهلاك معنى الإنسان وكان موجبًا للقصاص، وإنما ذكر القصد؛ لأن القصاص لا يجب بدون القصد إلى إهلاكه وإن أراق دمه حتى هلك. وإنما شرطنا هذا المجموع وهو إراقة الدم بالجرح على وجه يفضي إلى الهلاك والقصد فيه لكي يكون هذا القتل مثلًا للقتل الذي يستوفى به القصاص، فإن هذا المجموع شرط فيه بالاتفاق، فيجب أن يكون في القتل الذي هو سببه أيضًا شرطًا حتى يحصل التماثل بينهما لما أن النص ورد به

стр. 927

وهو قوله تعالى: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾. (لأنه في الحرمة فوقه) لما أن هذا الفعل وهو اللواطة في هذا المحل لا يتصور حله ولا ينكشف حرمته بكاشف أصلًا، وفعل الوطء في المرأة يتصور حله بالنكاح وملك اليمين، (وفي سفح الماء فوقه)؛ لأنه يضيع الماء على وجه لا يتخلق منه الولد (وفي الشهوة مثله)، وبهذا القيد يقع الاحتراز عن وطء البهيمة، وإنما قلنا: أنه مثل الزنا في الشهوة؛ لأن اشتهاء المحل في حق هذا الفعل لمعنى الحرارة واللين وهو موجود فيه. ألا ترى أن الذين لا يعرفون الشرع لا يفصلون بينهما، بل يرجحون ذلك على الزنا في الشهوة كما أخبر الله تعالى عن قول قوم لوط بقوله: ﴿قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾. قال أبو حنيفة- ﵁: (الكامل أصل في كل باب، والكامل في سفح الماء الزنا) لا اللواطة؛ لأن المعنى من سفح الماء هو إهلاك البشر؛ لأن ولد الزنا هالك من وجه لعدم من ينفقه ويريبه، فكان الزنا بمعنى القتل من

стр. 928

هذا الوجه، ولهذا إذا أكره الرجل على الزنا بالقتل لا يرخص له الإقدام على ذلك، فإذا أقدم عليه أثم؛ لأن فيه معنى القتل كما لو أكره على قتل رجل آخر بالقتل لا يرخص له الإقدام لما ذكرنا ولهذا إذا أكرهت المرأة على الزنا بالقتل يرخص لها وإن كان الامتناع أفضل؛ لأن زناها ليس في معنى القتل؛ لأن نسب الولد يثبت منها وكان سفح الماء في اللواطة أنقص من هذا الوجه. (وأما تضييع الماء فقاصر؛ لأنه قد يحصل بالعزل) ومن حيث إفساد الفراش أيضًا الزنا كامل واللواطة قاصرة؛ لأنه لا يتصور أن يكون المفعول فراشًا. (وكذلك الزنا أيضًا كامل بحاله؛ لأنه يغلب وجوده لوجود الشهوة الداعية إلى الزنا من الطرفين ففسد الاستدلال بالكامل على القاصر)؛ لأن

стр. 929

وجوب الحد في الزنا هو كامل لم يدل على وجوب الحد في اللواطة التي هي قاصرة؛ لأن من شرط إثبات الحكم بدلالة النص كون المحل الذي هو غير منصوص أكمل من المحل المنصوص كما في الضرب بالنسبة إلى التأفيف، أو كانا متماثلين من كل وجه كما في زنا ماعز، وزنا غيره من المحصنين، وهاهنا المتنازع فيه ناقص والزنا كامل، فلا يمكن فيه القول بثبوت الحد بالاستدلال على حكم الحد في الزنا؛ لأنه لا مساواة بينهما فلا يثبت الحد فيه بدلالة النص. (لأن الخطأ عذر مسقط حقوق الله تعالى) أي الحقوق التي هي متعلقة

стр. 930

بأحكام الآخرة بالاتفاق. (في اليمين المعقودة) أي المنعقدة إذا صارت كاذبة، أي إذا حنث لقيام معنى النص وهو صيرورته كاذبًا وزيادة، وهو كونه كاذبًا من الأصل. (لا تخلو الكفارة عن معنى العبادة العقوبة). أما معنى العبادة فلأنها تؤدى بما هو طاعة وهو الصوم وتشترط النية وتجب مع الشبهات، أو لأنه لما جنى لم يكن بد من أن يفعل طاعة بعده لتكون ساترة وماحية لتلك الجناية، قال ﵇: "أتبع السيئة الحسنة تمحها". وأما معنى العقوبة فلأنها وجبت جزاء زجرًا بمقابلة جنايته، ولهذا لم تجب

стр. 931

بالمباح المحض، ولما كانت بين العبادة والعقوبة لم يكن ب من أن يكون سببها أيضا دائرًا بين الحظر والإباحة لتكون جهة العبادة مضافة إلى جهة الإباحة؛ لأن سبب العبادة هو الشيء الذي لا حظر فيه، وجهة العقوبة مضافة إلى جهة الحظر؛ لأن المحظور المحض يصلح سببًا للعقوبة أبدًا كما في الحدود والقصاص، وإنما يفعل هكذا ليكون الأثر على وفاق المؤثر، فاعتبر هذا بالأحكام التي ثبتت بالنص القطعي والخبر المشهور وخبر الواحد والقياس. (فلا تجب إلا بسبب دائر بين الحظر والإباحة)، وهذا لأن المسبب يجب أن يكون مناسبًا للسبب، والعبادة المحضة لا تصلح أن تكون أثرًا للجناية؛ لأن الجناية تستدعي كون الجزاء عقوبة وهذا أولى. والمباح المحض لا يصلح أن يكون سببًا لوجوب الكفارة مع كون العبادة فيها راجحة، وإن المباح يحتمل أن يصير سببًا لوجوب العبادة كملك نصاب كامل، فلأن لا تكون الجناية المحضة سببًا لوجوب الكفارة مع كون العبادة فيها راجحة أولى. (واليمين عقد مشروع). أما عقد فلأنه ربط جزء الكلام بجزئه الآخر لإثبات حكم مطلوب.

стр. 932

وأما مشروع فلقوله ﵇: "من كان منكم حالفًا فليحلف بالله أو ليذر". (والكذب غير مشروع) وهو الحنث في اليمين إنما صارت سببًا للكفارة عند الحنث. فعلم أن سبب الكفارة دائر بين الحظر وهو الحنث وبين الإباحة وهي اليمين. وأما الخطأ فدائر بين الوصفين؛ أعني الحظ وهو ترك التثبت والتأمل في الرمي وبين الإباحة وهي مشروعية نفس الرمي والاصطياد، فيصلح أن يكون سببًا لوجوب الكفارة لاشتماله على الحظر والإباحة. فإن قيل: يشكل على هذا كفارة الظهار والفطر، فإن كلًا من الظهار والفطر العمد محظور محض ليس فيهما شائبة الإباحة، ومع ذلك وجبت فيهما الكفارة؟

стр. 933

قلت: لا بل فيهما أيضًا معنى الإباحة موجود. أما في الظهار فإن علماءنا- ﵏ لم يوجبوا الكفرة بمجرد قوله لامرأته: أنت علي كظهر أمي؛ لأن ذلك منكر من القول وزور، وهو بانفراد ليس بسبب لها، وإنما سببها ما تردد بين الحظر الإباحة، وذلك إنما يتحقق بالعزم على الجماع الذي هو إمساك بالمعروف، وهو الأمر المباح كما في اليمين باجتماع اليمين مع الحنث يتحقق سبب الكفارة، غير أن هناك ما هو المحظور متأخر عن الإباحة وفي الظهار على العكس. وأما في كفارة الفطر فإن العمد للفطر وإن كان محظورًا محضًا لكن إطلاق قوله تعالى: ﴿وكلوا واشربوا ولا تسرفوا﴾ أو إطلاق إباحة الوقاع في أصله أورث شبهة الإباحة بالنظر إلى أصل هذه الأشياء، فإن هذه الأفعال في أصولها مباحة، فكان فيها أيضًا اجتماع الحظر والإباحة، ولكن مع ذلك لما كانت جهة العمدية راجحة فيها كانت جهة العقوبة راجحة أيضًا حتى سقطت بالشبهة، وتداخلت الكفارتان بخلاف سائر الكفارات على ما يجيء بيانها إن شاء الله تعالى في باب معرفة الأسباب والعلل. وقوله: (ولا يلزم) جواب إشكال يعني لو قال الشافعي- ﵀ قد قلتم: إن الكبيرة لا تصلح سببًا للكفارة ومع ذلك أوجبتم الكفارة في القتل العمد بالحجر العظيم وهو كبيرة؟

стр. 934

فقال في جوابه: "ولا يلزم ... " إلى آخره. (لأن فيه شبهة الخطأ) أي في القتل بالحجر وما أشبهه شبة الخطأ من حيث استعمال الآلة التي لم توضع للجرح والقتل، والآلة وضعت لتتميم القدرة الناقصة، فكانت الآلة داخلة في فعل العبد، فتمكنت الشبهة في الفعل، فلا يجب القصاص، إذ هو مما يسقط بالشبهات وتجب الكفارة إذ هي مما يحتاج في إثباتها وهو معنى قوله في الكتاب: "فعمت القود والكفارة" أي القود بالإسقاط والكفارة بالإيجاب. (فتثبت بشبهة السبب) أي لأن في الكفارة جهة العبادة فتثبت العبادة بالشبهة، فكذلك هاهنا تثبت الكفارة بشبهة سبب الخطأ كما تثبت بحقيقة سبب الخطأ. (أحكام القرآن) اسم كتاب للجصاص. (وقد جعله في الكتاب شبهة العمد) أي وقد جعل القتل بالحجر العظيم في "المبسوط" شبهة العمد، فكان نصًا على الكفارة؛ لأن التنصيص على أنه شبهة العمد تنصيص على وجوب الكفارة باعتبار أن موجب شبهة

стр. 935

العمد ذلك أي وجوب الدية على العاقلة، ووجوب الكفارة على القاتل. ألا ترى أن من أشرع في طريق روشنا أو ميزابًا فسقط وهلك به إنسان، أو حفر بئرًا على قارعة الطريق أو وضع حجرًا فيها فهلك به إنسان كانت الدية على العاقلة ولا تجب على مباشرة الكفارة، وإنما جعلنا القصور في الآلة شبهة في الفعل دون المحل؛ لأن الفعل ينشأ من القدرة والآلة متممة للفعل، فكانت الآلة من القدرة، فكانت من جنس الفعل معنى، فكيف أن تكون الشبهة فيها شبهة في الفعل كذلك. وأما المحل فشرط الفعل وكان غير الفعل لا محالة، فلم تكن الشبهة في شرط الفعل مؤثرة في الفعل، فلذلك لم تجب الكفارة لشبهة في المحل. (وإذا قتل مسلم حربيًا مستأمنًا عمدًا لم تلزمه الكفارة مع قيام الشبهة) حتى أثرت تلك الشبهة في وجوب القصاص؛ حيث لم يجب القصاص بقتل المستأمن، يعني لما تحققت الشبهة في القتل بالحجر العظيم حتى وجبت الكفارة، ولم يجب القصاص كان ينبغي أن تجب الكفارة في قتل المستأمن

стр. 936

عمدًا؛ لأن في قتله أيضًا تحققت الشبهة حتى لا يجب القصاص بقتله، وإن كان قتله أيضًا محظورًا كما في القتل بالحجر العظيم، والحكم أنه لا تجب الكفارة بقتل المستأمن. وأجاب عنه بقوله: (لأن الشبهة في محل الفعل)، وتحقيق الجواب هو أن الشبهة في قتل المستأمن في المحل لا في الفعل؛ إذ الفعل عمد محض، فكان معصية محضًا، والكفارة جزاء الفعل الذي هو دائر بين الحظر والإباحة، فلذلك لم يصلح أن يكون هذا الفعل سببًا للكفارة، فكان هذا نظير قتل الأب ابنه بالسيف عمدًا. وأما عدم وجوب القصاص فيه لا باعتبار شبهة في عله بل باعتبار شبهة في المحل، لأن المستأمن وإن كان حرام التعرض في دار الإسلام وهو في دار الحرب في التقدير حتى يرث هو من أهل الحرب، ولا يستدام سكناه في دار الإسلام، ولا يرث من الذمي وإن كانا في دار الإسلام، ولما كان كذلك لم تقع المماثلة بينه وبين المسلم والذمي، فلذلك لم يجب القصاص؛ لأن القصاص إنما يجب على المسلم والذمي لأجل من هو محصون الدم على التأبيد كالمسلم والذمي؛ لأن القصاص مبني عن المماثلة لغة. ولهذا يجب القصاص على المستأمن بقتل المستأمن لوجود المماثلة بينهما، وإنما قلنا: إن الكفارة جزاء الفعل؛ لأنها واجبة لله تعالى علينا زجرًا على المباشر، فكانت هي جزاء الفعل المحظور من وجه، ولا تجب بإزاء المحل؛ لأن الواجب بإزاء المحل إنما يجب جبرًا بما يجب جبرانًا، والله تعالى يتعالى عن النقصان والجبران فتجب جزاءً للفعل له كسائر الأجزية الواجبة

стр. 937

بإزاء الفعل من نحو الحدود والزنا والسرقة. (فاعتبرت في القود) أي الشبهة التي كانت في محل الفعل وهي شبهة حل القتل اعتبرت في إسقاط القود؛ (لأنه مقابل) أي لأن القود مقابل بالمحل. ألا ترى أن وجوب القصاص ينافي الدية، والدية بدل المحل، فلو لم يكن القصاص مقابلًا بالمحل لما نافى في الدية؛ لأن اتحاد المحل من شرط المنافاة. ألا ترى أن المحرم إذا قتل صيدًا مملوكًا لإنسان يجب عليه جزاء الإحرام، ويجب عليه قيمة المقتول، إذ لا تنافي بينهما؛ لأن أحدهما- وهو الكفارة- جزاء الفعل المحض دون المحل بوجه، والقيمة بدل المحل من كل وجه، فلم يتنافيا فلو لم يكن القصاص مقابلًا بالمحل بوجه من الوجوه لأمكن وجوب القصاص والدية جميعًا. قوله: (من وجه) قيد به؛ لأن القصاص جزاء الفعل في الحقيقة؛ لأنه جزاء القتل، ولهذا يتعدد بتعدد الفاعل، فإن ألف رجل إذا قتلوا رجلًا عمدًا يجب على كل واحد منهم القصاص، ولو كان مقابلًا بالمحل لوجب قصاص واحد كما قلنا في عشرة رجال وهم حلال صيد الحرام يجب جزاء واحد إذ هو بدل المحل، وبيان كونه مقابلًا بالمحل من وجه أن يعتبر في عصمة المحل، ولا يجتمع مع الدم.

стр. 938

وقوله: (ولهذا قلنا إن سجود السهو متصل) بقوله: "فلا يجب إلا بسبب دائر بين الحظر والإباحة". (ولم يصلح أن يكون السهو دليلًا على العمد) أي دلالة لما قلنا أي وجوب الكفارة في القتل الخطأ دون القتل العمد، (فوجب به الكفارة على المرأة استدلالًا به)؛ لأنه لما وجبت الكفارة على الرجل بسبب جنايته على الصوم باختياره وجبت على المرأة أيضًا لوجود هذه العلة في حقها بتمامه؛ لأنها جنت على صومها بالتمكين من المواقعة معها باختيارها. [اقتضاء النص] (وأما المقتضى) فما كان غير مذكور حقيقة (يثبت شرطًا لصحة) المذكور، والنص المذكور يسمى مقتضيًا؛ لأنه يقتضي ذلك، والمقتضى إنما يثبت إذا صلح تبعًا للمقتضي إذ هو شرطه. فأما إذا كان أصلًا له فلا يثبت بطريق الاقتضاء؛ إذ فيه جعل الأصل تبعًا، وهذا لا يجوز كما قال أصحابنا: إن الكفار لا يخاطبون بالشرائع ولا يقال

стр. 939

بأنهم مخاطبون بالصلاة وغيرها من الشرائع بشرط نقص الإيمان اقتضاء؛ لأن الإيمان أصل الشرائع، فلا يجوز أن يثبت الإيمان تبعًا للشرائع، وكذلك إذا وجبت الكفارة على عبد وقال له مولاه: كفر بهذا العبد عن يمينك لا يثبت الإعتاق بهذا بطريق الاقتضاء؛ لأن الأهلية للإعتاق أصل فلا يثبت بطريق الاقتضاء. (وقال الشافعي- ﵀ فيه بالعموم) ونظير ذلك ما ذكره بعد

стр. 940

هذا بصفحة بقوله: ومثال خلاف الشافعي إن أكلت فعبدي حر إلى آخره. (فيبقى على أصله) أي على أصل العدم (فيما وراء صحة المذكور)؛ لأن ذلك ثابت لحاجة السامع في تصحيح المقتضي المذكور إلى إثبات المقتضى الذي هو غير مذكور، والثابت بالحاجة يتقدر بقدرها، ولا حاجة إلى إثبات صفة العموم للمقتضى، فإن الكلام فيد بدونه وهو نظير تناول الميتة لما أبيح للحاجة تقدر بقدرها وهو سد الرمق، وفيما وراء ذلك من الحمل والتمول والتناول إلى الشبع لا يثبت حكم الإباحة فيها بخلاف المنصوص، فإنه عامل بنفسه فيكون بمنزلة حل الذكية يظهر في حكم التناول إلى الشبع وغيره مطلقًا. وقوله: (وشرطا) معطوفًا على مقتضى العتق من حيث المعنى، أي يتضمن البيع اقتضاء للعتق، وشرطًا له على أنه مفعول له. (حتى يثبت بشروط العتق) يعني أن البيع يثبت اقتضاء للآمر بالإعتاق عنه بألف لا يثبت بنفسه بل يعطى له حكم ذلك الشيء.

стр. 941

ألا ترى أن محل الإقامة شرط لصحة الإقامة قصدًا حتى لا تصح في المفازة، ولو ثبتت الإقامة ضمنًا يشترط محل الإقامة للمتضمن كالجندي يصير مقيمًا في المفازة بدخول الإمام في المصر فاعتبر في البيع شرط الأصل، فكذلك هاهنا يثبت بشرط العتق حتى لا يشترط فيه ما يشترط في البيع القصدي من القبول وغيره، وكذلك لو كان الآمر ممن لا يملك الإعتاق كالصبي لم يثبت البيع بهذا الكلام ولو صرح المأمور بأن قال: بعته منك بألف وأعتقته لم يجز عن الآمر؛ لأنه لم يقع هذا جوابًا لكلامه، بل كان ابتداء، ووقع العتق عن نفسه؛ لأن الآمر ما أمره ببيع مقصود، وإنما أمره ببيع ثابت ضرورة العتق، فإذا أتى به مقصودًا لم يأت بالذي أمره فوقع عنه ولم يقع عن الآمر. وكذلك من قال لامرأته: حجي ونوى الطلاق لم يصح، وإن اقتضى الحج ذهابًا؛ لأنه اقتضاه ضرورة أن الحج لا يتصور إلا بذهاب، وثبت ذهاب لتصحيح الحج لا ذهاب مطلق، وذهاب الحج لا يحتمل معنى الطلاق. (ولهذا قال أبو يوسف- ﵀) أيضًا لقوله: "حتى يثبت بشروط العتق" الذي هو المقتضي لا بشروط الهبة التي هي المقتضى.

стр. 942

(والاستغناء عن القبض وهو شرط أولى)؛ لأن رتبة الركن أقوى من رتبة الشرط؛ لأن الركن يتوقف عليه وجود الشيء، والشرط يتوقف عليه وجود الشيء، والشرط يتوقف عليه جواز الشيء، فكان وجود الماهية بالركن ولا مدخل للشرط في الماهية. (والبيع الفاسد مثل الهبة) في حق اشتراط القبض في ثبوت الملك. لأن (رقبة العبد بحكم العتق يتلف على ملك المولى)؛ لأن الإعتاق للملك، فملكه يتلف بإعتاقه فيكون تالفًا على ملكه (ورقة العبد غير مقبوض للطالب ولا للعبد ولا هو محتمل للقبض)؛ لأنه تالف، ولا يتصور القبض في التالف، فلا يمكن القول بجعل العبد قابضًا بطريق النيابة عن الآمر بخلاف ما إذا قال: أطعم عن كفارتي فأطعم المأمور، فإنه يجوز، فيثبت الملك للآمر، وإن لم يقبض؛ لأنه أمكن القول بجعل الفقير نائبًا عن الآمر في

стр. 943

القبض لكون الطعام قائمًا، فجعل الفقير نائبًا عن الآمر تصحيحًا للأمر بالإطعام. أما هاهنا فبخلافه؛ لأن المالية هالكة تالفة في يد نفسه يحتمل أن تكون الكناية راجعة إلى المولى؛ لأن العبد في يد المولى، فتكون مالية رقبته في يد المولى ضرورة، ويحتمل أن تكون راجعة إلى العبد؛ لأنه مال وهو في يد نفسه حسًا، وكذلك للعبد يد شرعًا، فلهذا يصح اشتراط العمل لعبد رب المال في المضاربة ويستحق قسطًا في الربح، ولو لم يكن للعبد بدل كان هذا اشتراط العمل لرب المال وهو لا يجوز. ألا ترى أن العبد إذا أودع شيئًا ليس للمولى أن يسترد ما أودعه من يد المودع. (لأن ثبوت المقتضى بهذا الطريق) وهو السقوط. (ودليل السقوط) وهو كونه ثابتًا في ضمن الإعتاق (يعمل في محله) أي محل السقوط. معناه أن القبض والتسليم في الهبة لا يحتمل السقوط فلم يكن القبض محتملًا للسقوط فلم ينتصب الدليل على سقوطه؛ لأن سقوطه لو كان بطريق الاقتضاء- والاقتضاء أمر شرعي- فيجب أن يكون سقوطه في الشرع جائزًا في الجملة، حتى يقال بالسقوط بطريق الاقتضاء وليس كذلك،

стр. 944

فلم يمكن ثبوت السقوط بطريق الاقتضاء بخلاف القبول على ما ذكر في المتن. (ولم يتكلم؛ صح) يعني كان البيع بينهما تامًا من غير ذكر القبول. (ولهذا كان رجعيًا)، وكذلك يقع به الطلاق على المعتدة من طلاق بائن، ولو كان وقوع الطلاق به بائنًا لما وقع به الطلاق لما أن البائن لا يلحق البائن، وهذا كله على أن وقوع الطلاق بقوله: اعتدي بطريق الاقتضاء لا بطريق الكناية. فإن قلت: لو كان وقوع الطلاق بقوله: "اعتدى" بطريق الاقتضاء لما وقع الطلاق به في هذه الصورة، وهي ما إذا قال للمعتدة: "اعتدي" لأن للمقتضي هاهنا- وهو قوله: اعتدي- صحة بدون المقتضى وهو طلقتك؛ لأن ثبوت المقتضى كان لضرورة تصحيح المقتضى المذكور قبله وإلا فلا يثبت. قلت: إنما وقع الطلاق بقوله: اعتدي؛ لأن موجب الأمر هو وجوب الاعتداد الذي وقع وجوبه مضافًا إلى الأمر بالاعتداد، وليس ذلك إلا أن وقع به الطلاق الثاني بمقتضى الأمر بالاعتداد، وإلا كان الاعتداد عليها قبل هذا الأمر كان واجبًا بطلاقه قبله، فلابد لقوله: "اعتدي" من فائدة جديدة وهي

стр. 945

وقوع الطلاق به اقتضاء (ونوى خصوص الطعام والشراب لم يصدق عندنا) وعند الشافعي يصدق وقال: لأن الأكل في قوله: "إن أكلت" يقتضي مأكولًا، وذلك كالمنصوص عليه، فكأنه قال: إن أكلت طعامًا، ولما كان للمقتضى عموم على قوله عمل فيه نية التخصيص، وعندنا لا تعمل؛ لأنه لا عموم للمقتضى، ونية التخصيص فيما لا عموم له لغو، بخلاف ما لو قال: إن أكلت طعامًا، وكذلك لو قال: إن اشتريت، أو قال: إن لبست، أو قال: إن ركبت. وعلى هذا لو قال: إن اغتسلت الليلة- ونوى الاغتسال من الجنابة- لم تعمل نيته. بخلاف ما لو قال: "إن اغتسلت غسلًا" فإن هناك نيته تعمل فيما بينه وبين الله تعالى. كذا ذكره الإمام شمس الأئمة- رحمه الله تعالى- في "أصول الفقه".

стр. 946

(أو إن اغتسلت غسلًا) يعني يصدق إذا نوى تخصيص الأسباب؛ لأن الغسل اسم لفعل وضع من قبل الأسباب وهو نكرة في موضع النفي، فيصير عامًا، وإذا نوى سببًا دون سبب صدق ديانة. (لعدم الشبهة) يعني لا شبهة أن السؤال عن الأهل لا عن القرية فصح الحذف؛ إذ الحذف إنما يجوز في مثل هذا؛ أي فيما إذا لم يكن فيه شبهة لثبوت ذلك المحذوف. وأما إذا كان فيه شبهة فلا يصح كما قالت المعتزلة في قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ أي إلى ثواب ربها. قلنا: لا يصح هذا الإضمار للشبهة، فإنه لو صح إضمار ذلك يصح إضمار النعمة وغيرها. (والمقتضى لتحقيق المقتضي لا لنقله)؛ لن المقتضى إنما يثبت ليصح

стр. 947

المقتضي، فكيف يبطل وينقل عما أريد به لصحة المقتضي؟ وهذا نقض الأصول؛ إذ لو لم يصح المقتضي المذكور عند وجود المقتضى كان وجود المقتضى لإبطاله لا لتصحيحه، وهو باطل. (فلم يسقط عموم هذا الحديث من قبل الاقتضاء) قيد بهذا احترازًا عن قول القاضي الإمام أبي زيد- ﵀ فإنه جعل سقوط عموم هذا الحديث من قبل الاقتضاء، والمصنف والإمام شمس الأئمة- ﵏ لم يجعلاه من قبيل المقتضى، والإمام شمس الأئمة حاكيًا قول القاضي في قوله ﵇: "الأعمال بالنيات" ليس المراد عين العمل، فإن ذلك يتحقق بدون النية، وإنما المراد الحكم ثبت كذلك بمقتضى الكلام. فقال الشافعي- ﵀: يعم ذلك حكم الدنيا والآخرة فيما يستدعي القصد، والعزيمة من الأعمال قولًا بعموم المقتضى، وقلنا: المراد به حكم الآخرة وهو أن ثواب العمل بحسب النية؛ لأن ثبوته بطريق الاقتضاء ولا عموم للمقتضى. إلى هذا حكى شمس الأئمة نقل قول القاضي أبي زيد- ﵀ بهذا الطريق، ثم قال شمس الأئمة- ﵀: وعندي أن هذا

стр. 948

سهو من قائله، فإن المحذوف غير المقتضى لما أن ثبوت المحذوف يكون لغة وثبوت المقتضى يكون شرعًا لا لغة، ففي قوله ﵇: "الأعمال بالنيات" إنما لم يثبت العموم هنا؛ لأن المحذوف وهو الحكم بمنزلة المشترك في أنه يحتمل كل واحد من الأمرين على الانفراد، ولا عموم للمشترك. فأما أن يجعل المحذوف ثابتًا بمقتضى الكلام فلا، وهكذا أيضًا ذكر الكلام في قوله ﵇: "رفع عن أمتي الخطأ" فإن عند التصريح بالحكم يتحول الرفع إلى الحكم لا إلى ما وقع التنصيص عليه مع المحذوف. وقوله: (ولهذا قلنا) إيضاح لقوله: "فأما الاقتضاء فأمر شرعي ضروري" مثل تحليل الميتة بالضرورة. وحاصله أن قوله: (أنت طالق) وصف للمرأة بالطلاق، وصفة الطالقية

стр. 949

غير قائمة لها، وكان هذا الوصف في أصله من حيث اللغة لغوًا وكذبًا، كقوله: أنت جالس لرجل هو قائم، وأنت مريضة لامرأة وهي صحيحة؛ لما عرف أن فعل البيان هو الإخبار والإظهار لا الإنشاء، كما أن فعل سائر الجوارح هو الإنشاء لا الإظهار والإخبار، وإذا كان كذلك كان أنت طالق إخبارًا لغة لا إنشاء أمر لم يكن في المحل كقوله: أنت عالم، هو إخبار لا إنشاء علم في المحل حتى لا يثبت العلم في المحل بهذا اللفظ، وإن قال ذلك مرارًا، فعلى هذا كان قوله: أنت طالق كذبا لغة أنه لم يطلقها قبل، فكان ثبوت الطلاق بهذا اللفظ- الذي لو خلى هو واللغة يكون كذبًا وهدرًا- شرعًا لا لغة، فكان ثابتًا اقتضاء لا لغة؛ لأن ثبوت الطلاق قبيل هذا القول لتصحيح هذا القول، فيثبت بقدر الضرورة وهو تصحيح المنطوق، وإنها تندفع بواحد، فلم تصح نية الثلاث. وكذلك هذا التخريج في: طلقت؛ لأنه لغة إخبار عن فعل موجود فيما مضى ولم يطلق قبل فكان من طريق اللغة هدرًا وكذبًا كما في قوله: "ضربت" إذا لم يسبق منه الضرب ليكون هذا القول بناء عليه، فأما إذا ثبت المصدر بهذا اللفظ ليصح هذا القول من غير وجود في الماضي يكون اقتضاء شرعيًا لا لغويًا، فيكون ثابتًا بطريق الضرورة، ولا ضرورة في الثلاث، فلا يثبت به الثلاث. فإن قيل: والضرورة إنما تتحقق في قوله: "أنت" أن لو بقي إخبارًا؛ لأن الإخبار به إنما يكون أن لو كانت المرأة موصوفة قبل هذا بالطالقة، ولم تكن

стр. 950

مطلقة قبل هذا حتى يصح الإخبار به. وأما إذا كان هو الإنشاء لم تثبت هذه الضرورة، ولم يكن اقتضاء موجب أن تصح نية الثلاث. قلنا: ففي الإنشاء أيضًا لا تثبت نية الثلاث؛ لأن الإنشاء بمنزلة فعل الجوارح، وفعل الجوارح إذا كان واحدًا لايكون متعددًا حتى إن ضربة واحدة لا تكون ضربات بالنية، فكذا هنا. أو نقول: هاهنا حقيقة الإخبارية باقية مع كونه إنشاء، بل الإخبار فيه هو الأصل حتى أنه إذا كان للرجل امرأتان إحداهما مطلقة والثانية منكوحة فقال: إحداكما طالق لا تطلق المنكوحة لانصراف خبره إلى المطلقة. (أما البائن) فإنه في الحال يتصل بالمحل، وعند اتصاله بالمحل يتنوع إلى خفيفة وغليظة، فكان متنوعًا في نفسه، فلذلك صار محلًا للنية إذ هي تعين تفسير بعض محتملات اللفظ فيصح. أما قوله: "أنت طالق" فإنه في الحال غير متصل بالمحل لما عرف أن حكمه تعلق بانقضاء العدة، وإنه في الحال انعقاد العلة وإنه غير متنوع؛ لأنه لا يتنوع في الانعقاد؛ لأن الحرمة الغليظة إنما تثبت بواسطة العدد، وإنه خارج عن نفس الطلاق أو هو غير متنوع في نفسه كما تنوع البائن إلى غليظة وخفيفة،
следующие страницы →