المقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فإن من أفضل نعم الله على العبد أن يوفقه إلى طلب العلم، ويسهل له سبل ذلك، وإن من أعظم أبواب طلب العلم علم الفقه؛ إذ الفقه في دين الله من أعظم ما تقرب به إلى الله تعالى، تعلماً، وتعليماً، وكتابةً، ودعوةً، وقد أولاه العلماء كل اهتمامهم، وبذلوا فيه جهودهم من أجل بيان الأحكام، وتمييز الحلال من الحرام.
وإن من أهم مسائل الفقه؛ فقه المعاملات المالية المعاصرة، ومن المسائل المهمة التي يجب معرفة أحكامها الفقهية "عقود التمويل الإسلامي".
وقد تشرفت بتدريس هذه المادة في كلية الاقتصاد في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية عدة مرات، ولاحظت أثناء تدريسي لهذا المنهج عدم وجود كتاب يغطي المنهج الذي وضعته هذه الجامعة المباركة ويتناسب مع فهم الطلاب، فعقدت العزم على كتابة مادة علمية تعين الطلاب، وتكون مرجعاً لهذه المادة.
وحرصت على تغطية مفردات المنهج المقرر من الجامعة، على حسب الخطة الموضوعة من قبل قسم الفقه في كلية الشريعة في جامعة الإمام.
وقد استفدت من المشايخ الفضلاء الذين درسوا هذا المنهج، وهم:
فضيلة الشيخ الأستاذ/ الدكتور يوسف الشبيلي.
فضيلة الشيخ الدكتور/ عبد الله التميمي.
فضيلة الشيخ/ عبد الله الفضلي.
جزاهم الله خيراً وجعل علمنا جميعاً خالصاً لوجهه.
стр. 2
وقد تم تقسيم الكتاب إلى تمهيد وفصلين.
التمهيد: وفيه بيان أهمية عقود التمويل، ونشأة هذه العقود.
الفصل الأول: مقدمات في عقود التمويل، وفيه خمسة مباحث:
المبحث الأول: مقدمة في العقد.
المبحث الثاني: تعريف التمويل وبيان خصائصه وضوابطه.
المبحث الثالث: المصارف الإسلامية
المبحث الرابع: الأصل في المعاملات المالية.
المبحث الخامس: الحيل في عقود التمويل.
الفصل الثالث، وفيه أحدى عشر مبحثاً.
دراسة لبعض عقود التمويل المعاصرة.
المبحث الأول: القرض.
المبحث الثاني: التقسيط.
المبحث الثالث: التورق.
المبحث الرابع: المرابحة.
المبحث الخامس: السلم.
المبحث السادس: الاستصناع.
المبحث السابع: الإجارة المنتهية بالتمليك.
المبحث الثامن: الشركات.
المبحث التاسع: المشاركة المتناقصة.
المبحث العاشر: البطاقات المصرفية.
المبحث الحادي عشر: المقاولة.
المبحث الثاني عشر: صكوك الإجارة.
стр. 3
التمهيد: بيان أهمية التمويل
تعتبر عقود التمويل من المعاملات المالية الكبيرة التي تقوم بها المصارف بشكل عام، والمصارف الإسلامية بشكل خاص.
وهذه العقود تعد من العقود ذات الأهمية البالغة - سواءً على التنمية الاقتصادية للدولة (على مستوى الدولة)، أو لتلبية حاجات الأفراد؛ فالتمويل - كما هو معلوم- قد يكون تمويلاً لشركات، وقد يكون تمويلاً لأفراد. والشركات بحاجة الى النقد إذا توافرت سيولة لديها بشكل مستمر.
وحيث إن القرن الحادي عشر الهجري يعد البداية الفعلية لنشأة البنوك الحديثة حيث قام أول بنك منظم في مدينة البندقية (١٠٠٧ هـ- ١٥٨٧ م)، ثم أنشئ على مثاله بنك أمستردام الهولندي، سنة (١٠٢٩ هـ- ١٦٠٩ م).
ويعد هذا البنك هو الأنموذج الذي احتذته معظم البنوك في أوروبا التي أسست فيما بعد مع مراعاة اختلاف الظروف من بلد لآخر، ثم انتقل هذا النظام بحذافيره إلى بلاد المسلمين بسبب الاستعمار، وبسبب ولع وإعجاب بعض تجار المسلمين بالغرب.
стр. 4
وبعد أن جرّب الناس المصارف الربوية، وأثبتت فشلها، وفلسها، نشأت المصارف الإسلامية (١)، بقناعة من القائمين عليها، وحققت نجاحات عدة ولله الحمد. وأصبح لهذه المصارف حضورها في السوق المالية وبقوة، حتى أننا صرنا نشهد في السنوات القليلة الماضية ظاهرة المالية الإسلامية على صعيد عالمي.
ومع الفرح والاغتباط بهذا التوسع في المصرفية الإسلامية، فإن الأهم من ذلك، هو الاتجاه لضبط هذه المصارف، وعدم خروجها عن الهدف الذي أنشئت من أجله.
ومن المعاملات المالية الكبيرة التي تقوم بها المصارف بشكل عام، والمصارف الإسلامية: عقود التمويل.
وهذه العقود حصل فيها تجاوزات، وخلل كبير في تطبيقها، من قبل بعض المصارف الإسلامية، فضلاً عن المصارف التقليدية.
стр. 5
فبسبب كون معاملات المصارف الإسلامية المالية تتجه نحو الأمان والربح أكثر مما تتجه نحو الرؤية والأهداف، وقعت بعضها في أخطاء وتجاوزات في العقود التمويلية، حتى اقتربت بعض معاملات المصارف الإسلامية في هذه العقود من ممارسات المصارف الربوية، ومن بوابة " المواعدة الملزمة " في المرابحة للآمر بالشراء دخلت العقود المحرمة باسم المواعدة وليس باسم العقد! وصار دور كثير من الهيئات الشرعية في بعض هذه المصارف البحث عن المخارج الشرعية للعقود المحرمة، عبر الحيل والمخارج عند الفقهاء السابقين، حتى ولو أدى الأمر لنبش الأقوال الشاذة والمهجورة، من أجل تجويز تلك العقود الصورية! وهذا الذي جعل فقهاء الصيرفة الإسلامية - والحريصين على المصارف الإسلامية - يوجهون النقد لهذه المصارف التي انحرفت عن الهدف المقصود منها.
ولهذا يقول الدكتور أحمد النجار وهو الخبير بالنظرية الإسلامية في الاقتصاد، يقول: «هناك حملة على البنوك الإسلامية، وهناك تشوية متعمد، وهناك كذب واختلاق، وهناك كيد وافتراء .. كل هذا صحيح ومشهود. ولكن هناك أيضاً أخطاء وانتهاكات مصدرها بالدرجة الأولى هو عدم الالتزام الواجب من جانب تلك البنوك والعاملين فيها بمقتضى الأسس التي تقوم عليها نظرية البنك الإسلامي» (١).
وهذا الذي جعل بعض وسائل الإعلام يطلق على البنوك الإسلامية "البنوك الإسلاربوية "!
ولهذا فالحاجة لمعرفة الأحكام الشرعية لهذه العقود من أوجب الواجبات، والتأصيل لها، ودراستها، خاصة وهي عقود مستجدة، هو من فروض الكفايات، ومن أهم ما يجب على طلبة العلم العناية به.
стр. 6
والاهتمام بمعرفة أحكام المعاملات المالية هو جزء من معرفة دين الله تعالى، وبيانه للناس.
جاء في كشاف القناع عن متن الإقناع (٣/ ١٤٥) في بيان أهمية معرفة أحكام البيع: «وهو مما ينبغي أن يهتم به، لعموم البلوى إذ لا يخلو مكلف غالبا من بيع وشراء، فيجب معرفة الحكم في ذلك قبل التلبس به، وقد حكى بعضهم الإجماع على أنه لا يجوز لمكلف أن يقدم على فعل حتى يعلم حكم الله فيه، وبعث عمر ﵁ من يقيم من الأسواق من ليس بفقيه».
ولهذا فإن قيام المسلم بممارسة البيع والشراء دون معرفة الأحكام المتعلقة فيهما قد يوقعه في الحرام. وقد خرج النبي ﷺ ذات يوم الى المصلى فرأى الناس يتبايعون، فقال: (يا معشر التجار)، فاستجابوا للنبي ﷺ ورفعوا أعناقهم إليه، فقال: (إن التجار يبعثون يوم القيامة فجاراً إلا من اتقى وبر وصدق) (١).
جاء في المدخل لابن الحاج: «وقد كان عمر بن الخطاب ﵁ يضرب بالدرة من يقعد في السوق، وهو لا يعرف الأحكام ويقول: لا يقعد في سوقنا من لا يعرف الربا أو كما كان يقول. وقد أمر مالك ﵀ بإقامة من لا يعرف الأحكام من السوقة لئلا يطعم الناس الربا.
سمعت سيدي أبا محمد ﵀ يذكر أنه أدرك بالمغرب المحتسب يمشي على الأسواق ويقف على كل دكان فيسأل صاحب الدكان عن الأحكام التي تلزمه في سلعه ومن أين يدخل عليه الربا فيها وكيف يتحرز عنها، فإن أجابه أبقاه في الدكان وإن جهل شيئا من ذلك أقامه من الدكان، ويقول: لا يمكنك أن تقعد بسوق المسلمين تطعم الناس الربا أو ما لا يجوز» (٢).
стр. 7
وقد اعتنى فقهاؤنا ﵏ بأبواب المعاملات، وأصلوا هذه الأبواب، وذكروا فيها قواعد جامعة، يستطيع الإنسان وطالب العلم الانطلاق منها، حتى إن فقهاءنا ذكروا معاملات لم تقع؛ حتى إذا وقعت يكون طالب العلم على معرفة وإلمام بها، ولذلك لا تجد كتاب فقه إلا وفيه قسم مخصص لأبواب المعاملات.
ومما يبين أهمية تعلم فقه المعاملات المالية عموماً، وعقود التمويل على وجه الخصوص أن «هذه المعاملات المعاصرة التي يتعامل بها الناس اليوم قد أصبح التعامل بها منتشرا في كثير من أقطار الأرض، فالعالم الآن كما يقال أصبح كالقرية الواحدة وارتبط بعضه ببعض، ونشأ ما يسمى بالاقتصاد العالمي، ولهذا يستطيع الإنسان أن يحوّل أي مبلغ مالي لأي دولة في العالم، وذلك بسبب ارتباط هذا الاقتصاد بعضه ببعض.
وهذا الاقتصاد قد ارتبطت به البنوك، والإشكالية الكبيرة هنا، هو أن نظرة الإسلام لبعض العقود المالية تختلف اختلافا جذريا عن نظرة هذا الاقتصاد العالمي الذي قد ارتبطت البنوك به، تختلف في الأصل؛ ولذلك لا تعجب عندما يفتي بعض مشايخنا بمنع كثير من التعاملات البنكية، مع أن الأصل في باب المعاملات الحل والإباحة، وذلك بسبب أن هذه البنوك وما يسمى بالاقتصاد العالمي تختلف - في نظرتها - من الجذور، عن نظرة الإسلام، وأضرب لهذا مثالين:
المثال الأول: القرض " عقد القرض ":
القرض: هو دفع مال لمن ينتفع به ويرد بدله، هذا تعريفه عند الفقهاء. كيف ينظر الإسلام للقرض؟ وكيف تنظر البنوك للقرض؟
الإسلام ينظر للقرض على أنه من عقود الإرفاق والإحسان، ولهذا فإن صورة القرض في الأصل صورة ربوية؛ فمثلا عندما تقرض آخر عشرة آلاف ريال، هذا
стр. 8
مال ربوي نقد، وعند تبادل مال بمال لا بد من التقابض، فعندما تقرضه عشرة آلاف ريال مثلا يردها لك بعد سنة مثلا، هذه الصورة في الأصل صورة ربوية.
ولكن الإسلام استثنى هذه الصورة عن القرض، تشجيعا للناس على الإرفاق والإحسان والتعاون والتكافل فيما بينهم، فإذا أصبح القرض لا يراد به هذا المعنى وإنما يراد به الربحية والاستثمار خرج القرض عن موضوعه الأصلي الذي أبيح في الإسلام لأجله وهو الإرفاق والإحسان، ورجع لما كان عليه في الأصل وهو أن صورة القرض صورة ربوية، ولهذا يكون هذا القرض محرما، وهذا معنى قول الفقهاء: " كل قرض جرّ نفعا فهو ربا "؛ لأن صورة القرض في الأصل صورة ربوية، ولكنها استثنيت تشجيعا للإرفاق والإحسان، فإذا أصبح القرض لا يراد به الإرفاق والإحسان، رجعت صورة القرض لأصلها، وهو أنها صورة ربوية، هذه نظرة الإسلام، حيث يرى أن القرض يراد به الإرفاق والإحسان والتكافل بين المسلمين.
كيف تنظر البنوك للقرض- الاقتصاد العالمي والبنوك المرتبطة به -؟
تنظر للقرض على أنه وسائل للاستثمار والربحية، معلوم أن البنوك لا تقرض لوجه الله إنما تقرض لأجل الاستثمار. وهنا تبرز الإشكالية، ترد علينا هذه الإشكالية، فنظرة الإسلام إذن للقرض تختلف اختلافا جذريا عن نظرة البنوك للقرض.
المثال الثاني: " الضمان ":
الضمان أيضا من عقود الإرفاق والإحسان، ولا يجوز أخذ عوض على الضمان، وقد اتفقت على هذا المذاهب الأربعة: الحنفية، والمالكية، والشافعية،
стр. 9
والحنابلة. لا يجوز أخذ عوض على الضمان، فالإسلام إذن ينظر للضمان على أنه من عقود الإرفاق والإحسان.
أما البنوك، فتنظر للضمان على أنه من وسائل الاستثمار والربحية؛ ولذلك ترد الإشكالية على أخذ عمولة على خطابات الضمان، وسوف نشرح لاحقا إن شاء الله تعالى هذا بالتفصيل.
وبذلك يظهر أن نظرة الإسلام للضمان تختلف اختلافا جذريا عن نظرة الاقتصاد العالمي والبنوك المرتبطة به لهذا العقد.
وهنا تبرز هذه الإشكالية؛ ولذلك لا تعجب كما ذكرت عندما تجد بعض المفتين يمنع كثيرا من التعاملات البنكية مع أن الأصل في هذا الباب الحل والإباحة» (١).
ومن هنا يتبين لنا أهمية هذه المادة، وحاجة طلبة العلم لها.
* * * * *
стр. 10
الفصل الأول
مقدمات في التمويل
ويشتمل على خمسة مباحث:
المبحث الأول: مقدمة في العقد.
المبحث الثاني: تعريف التمويل وبيان خصائصه وضوابطه.
المبحث الثالث: المصارف الإسلامية
المبحث الرابع: الأصل في المعاملات المالية.
المبحث الخامس: الحيل في عقود التمويل.
стр. 11
المبحث الأول
مقدمة في العقد
أولاً: تعريفه:
العقد لغة: الربط والإحكام والإبرام بين أطراف الشيء سواء كان الربط حسياً أو معنوياً.
ومنه: الاعتقاد وهو ارتباط القلب بما انطوى عليه ولزمه، ويقال عَقَد النية وعَقَد اليمين، أي ربط بين الإرادة وبين ما التزم به، وعَقَد البيع والزواج، أي ارتبط مع شخص آخر.
العقد اصطلاحاً: للعقد عند الفقهاء معنيان: عام وخاص.
العقد بمعناه العام: هو كل ما عزم المرء على فعله سواء كان بإرادة منفردة كالوقف واليمين والطلاق، أو احتاج إلى إرادتين في إنشائه كالبيع والإجارة ونحو ذلك، أي: أن هذا المعنى يتناول الالتزام مطلقاً سواء كان من شخص واحد أو شخصين، فالعقد بالمعنى العام ينتظم جميع الالتزامات الشرعية.
العقد بمعناه الخاص: هو ارتباط الإيجاب الصادر من أحد المتعاقدين بالقبول من المتعاقد الآخر على وجه مشروع. مثال ذلك: البيع، ففيه إيجاب وقبول، فالإيجاب من البائع كأن يقول: بعتك هذا الشيء، والقبول من المشتري كأن يقول: اشتريت. ومتى ارتبط الإيجاب بالقبول وكانا صادرين من ذوي أهلية معتبرة شرعاً ثبت أثر البيع في محله، وهو انتقال ملكية المبيع للمشتري واستحقاق البائع الثمن.
ثانياً: أركان العقد:
١) العاقدان، كالبائع والمشتري.
٢) المعقود عليه، كالثمن والسلعة.
стр. 12
٣) صيغة العقد.
وسيأتي تفصيل أركان كل عقد، وشروط كل ركن من هذه الأركان في كل باب بحسبه.
ثالثا: أقسام العقود:
قسّم الفقهاء العقود تقسيمات مختلفة باعتبارات متعددة، نذكر فيما يلي بعضاً منها:
التقسيم الأول: تنقسم العقود من حيث اللزوم وعدمه إلى ثلاثة أقسام:
عقد لازم من الطرفين، كعقد البيع بعد التفرق من المجلس.
عقد جائز من الطرفين، كالوكالة والشركة.
عقد جائز من طرف، لازم من طرف آخر، كالرهن جائز في حق المرتهن، لازم في حق الراهن.
التقسيم الثاني: تنقسم العقود من حيث الصحة وعدمها إلى قسمين:
عقود صحيحة وهي ما توافرت فيها الشروط الشرعية في أصلها ووصفها.
عقود فاسدة وهي ما اختل فيه شرط من شروط الصحة.
التقسيم الثالث: تنقسم العقود من حيث المعاوضة وعدمها إلى قسمين:
عقود المعاوضات كالبيع والإجارة.
عقود التبرعات كالهبة والعارية.
التقسيم الرابع: تنقسم العقود من حيث الضمان وعدمه إلى قسمين:
عقود ضمان كالبيع والقرض.
عقود أمانة كالعارية والوديعة.
* * * * *
стр. 13
المبحث الثاني
تعريف التمويل، وبيان خصائصه وضوابطه
أولاً: تعريفه:
التمويل لغة: مصدر مأخوذ من المول، والواو والميم واللام كلمة واحدة، هي تمّول الرجل: اتخذ مالاً (١).
والتمول مشتق من المال.
والمال في اللغة: كل ما تميل إليه النفس، ومن هنا جاءت التسمية بالممال سمي مالاً لأن النفس تميل إليه (٢).
وعقود التمويل اشتقت من هذا المصدر من المال لأن غرض المتمول الذي يدخل في هذا العقد هو الحصول على المال.
ويُقصد بالمال: ما له منفعة مقصودة مباحة وله قيمة مادية بين الناس (٣)، ويشمل ذلك المال النقدي: أي النقود (٤)، والمال العيني: أي الأعيان والأعراض
стр. 14
كالعقارات والسيارات وسائر السلع، والمنافع: سواء منفعة الإنسان أو منفعة المال العيني، ولذا فإن المال ليس مقصوراً على المال النقدي فقط، وإنما يشمل جميع هذه الأنواع، وهو ما يُعبر عنه في علم الاقتصاد بالمواد الإنتاجية.
فالمال يشمل النقود والأعيان؛ فالأوراق النقدية، أي الريالات والدولارات والجنيهات، هذه تسمى أمولاً، كذلك السلع العينية يطلق عليها مال؛ فالسيارات والمنازل كلها تعد أموالاً.
وعقد التمويل قد يراد منه الحصول على النقد، وقد يراد منه الحصول على السلع. قد يراد منه الحصول على النقد، كما في القروض، وقد يكون الغرض منه الحصول على السلع كما في المرابحات، وسيأتي بيان ذلك بإذن الله تعالى.
التمويل اصطلاحاً: التمويل له عدة تعريفات.
فعرّف بأنه: «الأمداد بالأموال في أوقات الحاجة إليها» (١).
ويمكن تعريفه بأنه: «تقديم مال بقصد التربّح من مالكه إلى طرف آخر يديره ويتصرف فيه لقاء عائد مباح».
فالممول يدفع مالاً - وهو القيمة الحاضرة - إلى طرف آخر، الذي يستفيد من هذه القيمة (السلعة)، على أن يكون عوض هذه القيمة الحاضرة مؤجلا يدفع لاحقاً وهو ما عبرنا عنه هنا بالقيمة الآجلة.
ثانيا: مسميات عقود التمويل:
التمويل له إطلاقات متعددة:
١) فتسمى "عقود تمويلية".
стр. 15
٢) كذلك تسمى "عقود ائتمان"، وكلمة "الائتمان" من الكلمات الدارجة لدى المصارف، فالمصارف يجعلون لديهم إدارات للائتمان، كالائتمان المالي أو الائتمان المصرفي. والائتمان - كما يعرفه د. يوسف الشبيلي بقوله: «معناه كالتمويل - فيه مبادلة قيمة حاضرة بقيمة آجلة- يعني: أن شخصاً محتاجاً للمال يأخذ المال من شخص آخر ليرد إليه شيئا مؤجلاً بعد مدة» (١).
٣) وتسمى "عقود التمويل" كذلك بالتسهيلات البنكية إذا كان التمويل من قبل البنوك، والتسهيلات البنكية هي مجموعة عقود يراد منها تمويل المتعامل مع البنك بما يحتاجه من مال عبر عقود التمويل التي تبرمها البنوك.
ثالثاً: أهمية عقود التمويل:
عقود التمويل لها أهمية كبيرة في التنمية الاقتصادية، ومن ذلك:
تمثل جانباً كبيراً من التعاملات المالية، وتشغل حيزاً يمثل معظم التعاملات المالية في الأوساط التجارية، وفي الأسواق المالية، واقتصاديات الدول.
كما تبرز أهميته أنه من خلال عقود التمويل يمكن تلبية كثير من الاحتياجات الفردية، فمع تمكن الشح في قلوب كثير من أهل اليسار، وقلة من يقرض من يحتاج من الناس، أصبح الشخص لا يتمكن من الحصول على مسكن أو مركبة أو إلى تمويل مصروفاته الجارية، إلا من خلال عقود التمويل.
كذلك التمويل يخدم الحكومات، فقد لا تستطيع هذه الحكومات أو الشركات تنفيذ المشاريع الكبرى التي تخدم الفرد، كالمستشفيات، والمدارس، والجامعات، إلا عن طريق التمويل.
стр. 16
رابعاً: حكم التمويل:
التمويل هو من أنواع التجارات، وعليه فحكمه بالنسبة للمموّل هو الجواز والإباحة؛ فالأصل في المعاملات المالية هي الإباحة كما سيأتي بيانه.
فحكم التمويل بالنسبة للممول هو الجواز، وقد يكون الممول مأجوراً إذا احتسب الأجر في قضاء حاجة أخيه، ولا يضره طلبه للربح، ولكن على الممول أن لا يغالي في قيمة السلعة حتى لا يثقل كاهل طالب التمويل كما تفعله كثير من الشركات والبنوك.
صحيح أن الربح الذي يكتسبه البائع ليس محدداً شرعاً لا في كتاب الله ولا في سنة رسول الله ﷺ ولا في إجماع أهل العلم، وغاية ما في ذلك أن بعضاً من أهل العلم لما ذكروا خيار الغبن قالوا إن مثله أن يغبن بعشرين في المائة أي بالخمس.
فلا حد للربح لعموم قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وعموم قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]. فمتى رضي المشتري بالثمن واشترى به فهو جائز ولو كان ربح البائع فيه كثيراً.
ولكن الواقع اليوم في عقود التمويل هو أن هناك جشعاً كبيراً لدى المصارف، واستغلالاً لحاجة الناس، ومن ثمّ زيادة القيمة المؤجلة للسلع المباعة.
ولهذا فالواجب على الحكومات التدخل لتقليل نسبة الأرباح في تلك العقود، وفي مثل هذا يجوز التسعير، فتتدخل الحكومة، فيضربون للمصارف ربحاً مناسباً ويمنعونهم من الربح الزائد الذي يضر غيرهم.
فالتسعير - وإن كان الأصل فيه المنع - إلا أنه ربما يلجأ إليه ولاة الأمور حينما يحصل ظلم للناس في رزقهم، وتجارتهم، ويتسلط عليهم التجار إما بالاحتكار أو
стр. 17
برفع الأرباح الفاحشة جداً، فالتسعير في هذه الحالة أو ضبط نسبة الربح لا بأس به لأنه من السياسة الحسنة؛ فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يحتكر (١) إلا خاطئ) (٢)، والخاطئ من ارتكب الخطأ العمد، وإذا كان خاطئاً فإنه يجب أن يصحح مساره عن طريق ولاة الأمر، فإذا احتكر الإنسان هذه السلعة ولم تكن عند غيره والناس في حاجة إليها فإن على ولاة الأمور أن يتدخلوا في هذا وأن يضربوا له الربح الذي لا يتضرر به البائع وينتفع به المشتري، وكذلك الأمر في نسبة الأرباح في عقود التمويل.
وأما بالنسبة لحكم التمويل في حق طالب التمويل فهو لا يخلو من ثلاثة أحوال:
الحال الأولى: إذا كان الشخص غير محتاج للدخول في العقد ففي هذه الحال يكره له الدخول في عقود التمويل.
стр. 18
الحال الثانية: إذا كان الشخص محتاجا للدخول في العقد ويغلب على ظنه القدرة على سداد الدين الذي عليه فلا بأس بالدخول في العقد، ففي هذه الحال يكون مباحاً.
الحال الثالثة: إذا كان الشخص يعرف من حاله ويغلب على ظنه أنه غير قادر على السداد، وأنه لا يسدد الديْن الذي عليه، فالدخول في العقد في هذه الحال محرم لقوله ﷺ : (ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله) (١).
فالمفترض ألا يلجأ الشخص إلى عقد التمويل إلا إذا كان محتاجاً إلى الدخول في ذلك العقد، لأنه يترتب على عقد التمويل انشغال الذمة، فالتمويل - هو في الحقيقة - دين الشخص؛ يستدين من الممول، وهذا الدين يبقى في ذمة المدين، فيجب أن يقتصر فيه على قدر الحاجة ولا يتوسع فيه؛ فمثلاً: لا يستخدمه في الكماليات أو في الأشياء التي فيها نوع من الرفاهية أو التي يمكن أن تسد؛ إما بتركها و إما تمويلها من رأس مال الشخص دون الحاجة إلى أن يدخل في عقد تمويل، ولذلك جاءت الشريعة الإسلامية بالتحذير من التهاون في الوفاء بالديون والالتزامات المالية.
ومما ورد في السنة من بيان لأهمية هذا الأمر ما جاء في صحيح مسلم: أن رسول الله ﷺ كان يؤتى بالرجل الميت عليه الدين فيسأل: (هل ترك لدينه من قضاء)، فإن حدث أنه ترك وفاء صلى عليه، وإلا قال: (صلوا على صاحبكم)، فلما فتح الله عليه الفتوح قال: (أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفي وعليه دين فعلي قضاؤه، ومن ترك مالا فهو لورثته)، أي إذا لم يترك وفاءا (٢).
стр. 19
فالنبي ﷺ كان لا يصلي على الشخص الذي مات وعليه دين ولم يترك وفاءً، لا يصلي عليه حتى يؤدب الأمة عن التساهل في هذا الأمر.
خامساً: خصائص عقود التمويل (١):
١) أنها عقود زمنية:
والمقصود بهذا أنها تمتد لمدة ولا تنتهي بلحظة واحدة، والعقد قد يكون زمنياً وقد لا يكون، فمثلاً: شخص يريد أن يشتري سيارة، فإنه يذهب إلى السوق فيشتري السيارة مباشرة فيدفع القيمة ويأخذ السيارة، وهذا لا نسميه عقداً زمنياً، لأنه ينتهي في الحال يعني ينتهي مباشرة؛ لكن إذا أراد الشخص أن يشتري هذه السيارة بالتقسيط أو يشتري منزلاً بالإجارة منتهية بالتمليك مثلاً - هنا العقد تبقى تبعاته و آثاره لمدة طويلة قد تستغرق سنة، أو سنتين أو خمس سنوات أو عشر سنوات أو غير ذلك. فهنا العقد ممتد لزمن وتبقى آثاره، وهذا العقد يسمى العقد الزمني، وهذا أحد خصائص عقود التمويل، فعقود التمويل من أهم خصائصها أنها عقود زمنية، يعني الزمن فيها عنصر أساسي في تكوينها.
٢) أنها عقود مؤجلة:
أن عقود التمويل يكون فيها التأجيل، فالعوض فيها يكون مؤجلاً، والعوض المؤجل قد يكون هو الثمن، وقد يكون العوض المؤجل هو السلعة كما سيأتي في بعض صور عقود التمويل، عقود التمويل يكون فيها العوض مؤجلاً، فهو عقد زمني، والعوض فيه مؤجل.
٣) أن العقود التمويلية مبنية على الثقة والاطمئنان فيما بين الطرفين:
فالممول قبل أن يدخل في عقد التمويل لا بد أن يثق بالمتمول بالمدين، ومدى قدرته على السداد، وهذا في الحقيقة يستدعي أن يتأكد الممول من ملاءة العميل وملاءة المدين ومدى قدرته على السداد.
стр. 20
كيف تحصل هذه الثقة من قبل الممول؟
قد تحصل الثقة عند الممول - خاصة المصارف - من خلال دراسة الوضع المالي للممول، وذلك من خلال المؤسسات الحكومية التي تبين الوضع المالي للأفراد، كشركة سمة وهي ....
أيضاً قد تحصل الثقة والاطمئنان من خلال المعرفة الشخصية مباشرة، يعني: الممول يعرف أن هذا المدين قادر على السداد، قد تحصل الثقة من خلال تحويل الراتب كما هو مطبق في البنوك الآن.
سادساً: أنواع العقود التمويلية؟
عقود التمويل تنقسم بعدة اعتبارات متنوعة:
التقسيم الأول: من جهة الحكم الشرعي:
فإن العقود التمويلية تنقسم الى قسمين:
النوع الأول: عقود تمويل مشروعة (١): ويقصد بها العقود المتوافقة مع الضوابط الشرعية، وهي الآن العقود التي يكون فيها القعد منضبطاً في جميع أحكامه بالضوابط الشرعية.
النوع الثاني: عقود التمويل غير المشروع: والمقصود بها العقود التمويلية التي لا يُلتزم فيها بالضوابط الشرعية، فالأغلب في هذا النوع من التمويل أن يكون بقرض، فالمؤسسة المالية تقرض قرضاً نقدياً وتأخذ بدله وتسترده بزيادة، فيكون قرضاً بفائدة. فهذا قرض ربوي، وهو تمويل ربوي.
стр. 21
"فالتمويل المشروع" هو التمويل المتوافق مع الضوابط الشرعية، و"التمويل غير المشروع" هو الذي لا يتوافق مع الضوابط الشرعية.
وحتى نعرف الفرق بين النوعين، لابد من الحديث عن الزيادة في عقود التمويل؛ لأن الزيادة في عقود التمويل هي التي عليها مدار البحث، ففي عقود التمويل دائماً هناك زيادة في قيمة السلعة، وهذه الزيادة في التمويل المشروع تسمى ربحاً، فمثلاً: اشترى بنك سيارة بمائة ألف، وباعها بالتقسيط بمائة وعشرة على سنتين، الزيادة في العشرة تسمى في التمويل الإسلامي "الربح"، بينما الزيادة في التمويل الربوي تسمى "فائدة"، فمثلاً مصرف ربوي يقرض عميلاً مائة ألف على أن يسدده مائة وعشرة، هذه الزيادة - العشرة - تسمى في الأوساط المالية فائدة.
والإشكال عند كثير من الباحثين هو في عدم التمييز بين هامش الربح في العقود الموافقة للشريعة، والفائدة في العقود الربوية، ومنشأ الإشكال أن الربح الذي تأخذه المصارف الإسلامية يكون مقارباً لسعر الفائدة الذي يكون في المصارف التقليدية بحكم أن الجميع يعيش في وسط واحد في أسواق مالية واحدة ومؤثرات قد تكون متقاربة، المؤثرات التي تؤثر على المصارف الإسلامية قد تكون مقاربة للمؤثرات التي تؤثر على البنوك التقليدية، وبالتالي تضطر البنوك الإسلامية إلى أن يكون سعر الربح مقارباً للآخر؛ لأن تلك المؤثرات والعوالم متماثلة في كل منهما، ولكن دائماً يميز أن في التمويل الإسلامي نستخدم كلمة "الربح"، بينما " التمويل التقليدي" أو " الربوي" نستخدم كلمة "الفائدة".
وحتى يزول الإشكال في هذه المسألة، لابد أن نفرق بين التمويل المشروع، والتمويل الربوي.
стр. 22
لا بد من بيان الأمور التالية:
أولاً: إن المقرر في الشريعة أنه يجب على المقترض أن يَرُدّ على المقرض مثل ما اقترضه في الصفة والقدر دون زيادة.
وقد اتفق الفقهاء ﵏ على تحريم اشتراط الزيادة في القرض، وأنّ هذه الزيادة تعد ربا، ووقع الخلاف بين الفقهاء إذا وجد شرط في الزيادة في القرض هل يؤثر هذا الشرط في عقد القرض أو لا؟ والأقرب أن الشرط فاسد والعقد صحيح.
كما لا خلاف بين الفقهاء في حرمة الشرط الجزائي في الدّيون، لأنه صريح الربا، وقد نص على تحريمه وبطلانه المجامع الفقهية، والهيئات الشرعية في المصارف وغيرها، ولكن يمكن القول بالجواز حال الحاجة العامة والتي تصل لحد الضرورة، مع وجوب التخلص من الفوائد الربوية في وجوه البر.
وعليه فإن القرض الربوي هو كل قرض اشترطت فيه زيادة، وهو من ربا الجاهلية المجمع على تحريمه، فإن الربا على نوعين: ربا ديون، وربا بيوع. وربا الديون محرّم بالإجماع، وهذه مسألة قد لا يتفطن لها بعض الباحثين، فتجد بعضهم يسوّق الخلاف الوارد في ربا البيوع-مع ضعفه، وشذوذه-، ويجعله في ربا الديون، وهذا خلط بين المسألتين، وهو الذي جعل بعض المصارف تتساهل في القروض الربوية التمويل.
وهذا الخلط هو الذي جعل بعض الغربيين يتهم الشريعة الإسلامية بالاضطراب حينما رأى تحايل بعض الفروع على الربا ببيوع هي في حقيقتها من الذرائع الربوية، فكيف تمنع الشريعة الإنسان من أن يتعامل مع المصارف أو بصريح الربا بأدنى فائدة، ثم تسمح له ببيوع تبلغ نسبتها في بعض الفروع ٤٤%!! مع أن المقصود في هذه الأخيرة المال، أي الربا، وليس تجارة السلع؟ ومهما كان الكلام مزعجاً، ومهما
стр. 23
شككنا في صحة وسلامة دوافعه، فإن العدل يوجب الإقرار بالفتنة التي يحدثها هذا الأمر، وهذا المعنى نفسه يدور في نفوس كثير من عامة المسلمين، ولا يفقهون الفرق بين ما تعمله بعض المصارف الإسلامية، أو بعض الفروع الإسلامية وما تعمله البنوك الربوية، إلا الزيادة التي يتحملها المسلم الحريص على دينه خوف الربا وظلمه!! وهذه معضلة تستعصي على الفهم"؛ إذ كيف تكون الزيادة (الفائدة) محرمة، في حال كون المصرف الربوي يصرح بذلك، وتكون الزيادة (الحيلة) مباحة في حال عدم التصريح بقصد الفائدة من قبل الفرع الإسلامي، بل ويعلن محاربتها، ولكنه يمارس معاملات هي في حقيقتها ذريعة لهذه الفائدة الربوية؟!.
في حين إن الأمر في حقيقته، خلاف ما يذكر هؤلاء، فهناك فرق بين قرض ربوي محرّم بالإجماع، وبين تمويل مشروع، مرتبط ببيع وشراء، وعرض وطلب، فالمنهج الإسلامي في التمويل يمنع مطلقاً إنشاء مديونية بهدف الربح إلا من خلال عملية حقيقية، عبر تبادل أو إنتاج سلع أو منافع أو خدمات، وبهذا يصبح الدين تلقائياً تحت السيطرة، لأن الهدف من التمويل أساساً هو تسهيل المبادلات والأنشطة الحقيقية. فالنشاط الحقيقي، وهو التبادل إما بغرض الاستثمار أو الاستهلاك، هو عماد النشاط الاقتصادي، والتمويل الإسلامي يضع التمويل في مكانه الطبيعي، ولهذا نجد أن جميع أساليب التمويل الربحي في الشريعة الإسلامية ترتبط ارتباطاً مباشراً بالنشاط الحقيقي.
فالبيع الآجل والسلم والإجارة والمشاركة والمضاربة، وغيرها من الصيغ الإسلامية، جميعها تتضمن التمويل بصورة لا تنفك عن النشاط الحقيقي.
وبهذا يتلافى الاقتصاد الإسلامي مصادر الاضطراب والتقلب التي تهدد الاقتصاد في وجود الربا ونظام الفائدة؛ لأن القرض بفائدة ربوية تسمح بفصل
стр. 24
التمويل عن النشاط الاقتصادي، وجميع المدارس الاقتصادية الكبرى (الكلاسيكية، والماركسية، والنيو كلاسيكية، والكينزية، والنيوكينيزية) (١) متفقة على أن القطاع المالي تابع (subordinate) للقطاع الحقيقي، وأن النقود والتمويل مجرد وسيلة للتبادل والإنتاج (٢).
فنحن نجد أنّ الشريعة الإسلامية تجعل التمويل المقبول تابعاً للتبادل. فالشرع جعل البيع بثمن مؤجل أعلى من الحال، وقد يكون الثمن معجلاً والمبيع مؤجلاً، فيكون الثمن أقل من سعر التسليم الفوري للمبيع، كما في السلم، بينما لا يجيز الشرع الفائدة على القرض، وبذلك يكون التمويل الإسلامي قد ميز بين قيمة الأجل إذا كانت تابعة للتبادل كما هو في الربا، فتجوز الزيادة مقابل الأجل تبعاً ولا تجوز استقلالاً، وهذا واضح في أن التمويل يجب أن يكون تابعاً للنشاط الحقيقي وهو البيع وليس مستقلاً عنه.
وبناء على ما تقدم نخلص إلى أن التمويل الربوي الذي تقدمه المصارف الربوية محرّم بالإجماع.
ثانياً: أن البنوك التقليدية في التمويل لا تثبت سعر الفائدة في التمويل طويل الأجل - في العقد نفسه - وإنما تجعله يتماشى مع سعر السوق فتتغير الفائدة من سنة إلى أخرى، قد تكون في السنة الأولى الفائدة أربعة في المائة (٤%) وفي السنة الثانية قد تكون خمسة في المائة (٥%) وفي الثالثة قد تنزل إلى ثلاثة في المائة (٣%)، وهكذا تتقلب بحسب تقلبات السوق، وهنا تسمى الفائدة " بالفائدة المتغيرة"، عندنا "فائدة ثابتة"، و "فائدة متغيرة"، بينما في "التمويل المشروع" ليس هناك ربح
стр. 25
متغير، وإنما الربح ثابت من البداية - من بداية العقد - قد يكون التغير في الإجارة - في عقد الإجارة في الأجور المتغيرة - وهذا سنتحدث عنه إن شاء الله في الإجارة المنتهية بالتمليك.
التقسيم الثاني: من حيث المستفيد الذي يستفيد من عقد التمويل:
تنقسم إلى قسمين: تمويل أفراد و تمويل شركات، ودائماً في المؤسسات المالية كالبنوك، يكون فيها هذان النوعان من التمويل، حيث توجد إدارات معنية بتمويل الأفراد، وإدارات معنية بتمويل الشركات.
تمويل الأفراد: وهذا التمويل الاستهلاكي، وهو التمويل الشخصي، وقد يتم من خلال تمويل شراء المساكن مثلاً، وقد يكون في تمويل شراء السيارات، وفي تمويل شراء الأوراق المالية، وتمويل شراء الأسهم.
ومثال ذلك: جاء شخص إلى المصرف يطلب مبلغاً من المال- مائة ألف ريال مثلاً- لنفقات خاصة به، كحاجته لسيارة أو لنفقة زواج أو غير ذلك من الحوائج. فيدخل في عقد التورق، فيبيعه البنك سلعة (سيارات، أسهم، حديد … ) ثم بعد أن يشتري العميل تلك السلعة يبيعها في السوق ويحصل على التمويل.
وقد يكون التمويل كمثال الحالة السابقة إلا أن المصرف يكون حال تقدم الشخص لطلب التمويل غير مالك للسيارة، فيواعد الشخص وعداً غير ملزم بشراء السلعة، ومن ثم بيعها على الشخص، والشخص يبيعها في السوق، وهذا ما يعرف بالمرابحة للآمر بالشراء. وسيأتي بيانه بإذن الله.
وقد يكون التمويل الشخصي من خلال "البطاقات الائتمانية" وهذا يمثل نسبة كبيرة من التمويل الشخصي، فيعمد المصرف إلى تمويل عملائه من خلال البطاقات الائتمانية، وهذا لا يكون إلا في المصارف الربوية، وسنبين أحكام البطاقات الائتمانية.
стр. 26
تمويل الشركات: وهذا يكون موجها للشركات والقطاع التجاري أو الاقتصادي، فمثلاً شركة تحتاج إلى توسع في مشاريعها الاستثمارية، فتحصل على التمويل من قبل المصرف، ودائماً المصارف تعامل الشركات معاملة أخرى ومختلفة عن الأفراد في الغالب؛ لأن الشركات لديها القدرة في أن تدافع عن نفسها، وبالتالي تستطيع أن تفاوض المصارف في كثير من الشروط التي قد يُلزم بها الأفراد ولا يستطيع أن يلزم بها الشركات.
التقسيم الثالث: عقود التمويل من حيث مدة التمويل:
فالتمويل - من حيث مدته - قد يكون تمويلا قصير الأجل أو متوسط الأجل أو طويل الأجل، فهو ثلاثة أنواع:
النوع الأول: هو التمويل قصير الأجل، هذا يكون لسنتين فأقل، ومن أبرز أنواعه التمويل الذي يتم خلال البطاقات الائتمانية.
النوع الثاني: هو التمويل عبر عقود متوسطة الأجل وهي التي تتراوح فترة السداد فيها من سنة إلى خمس سنوات، فهذه تصنف على أنها عقود متوسطة الأجل، قد تستخدم لتمويل الشركات، وقد تكون لتمويل الأفراد.
النوع الثالث: هو التمويل طويل الأجل وهو الذي تزيد فترة السداد فيه على خمس سنوات، وهذا النوع من التمويل - في العادة - يكون في تمويل المشاريع الكبرى، كشركة تحتاج إلى بناء مصنع أو إلى بناء مستشفى أو إلى بناء فندق مثلاً، وفي الغالب تكون القيمة كبيرة، كما تكون فترة السداد طويلة.
التقسيم الرابع: عقود التمويل من حيث الغرض من التمويل:
التمويل بهذا الاعتبار قد يكون تمويلاً رأسمالياً، وقد يكون تمويل للمصروفات.
التقسيم الخامس: أقسام التمويل من حيث الملكية:
ينقسم التمويل من حيث الملكية إلى قسمين:
стр. 27
١) التمويل من ملاك الشركة أنفسهم، الذي يُسمى Equity Financing: وذلك خلال عدم توزيع ملاك الشركة للأرباح، أو من خلال زيادة رأس المال وغيره.
٢) التمويل من غير مُلاك الشركة: سواء أكان ذلك في صيغة ائتمان تجاري، أو ائتمان مصرفي وغيره من أي جهة غير ملاك الشركة الممولة.
سادساً: أركان التمويل:
الركن الأول: المموِّل: وهو الباذل للمال. فالمموِّل هو من يدفع القيمة الحاضرة ليحصل على القيمة المؤجلة، يعني هو الذي يقدم المال ابتداءً.
الركن الثاني: المموَّل - أو- المتموِّل: وهو المحتاج للمال.
الركن الثالث: التمول: وهو الذي يدفع القيمة المؤجلة في مقابل الحصول على القيمة الحاضرة.
الركن الرابع: السلعة: في التمويل الإسلامي لابد من وجود سلعة يتم عليها التعاقد، وهذا بخلاف التمويل التقليدي الربوي، فإنه يكون بالتمويل النقدي بنقود، لكن في التمويل الإسلامي لا بد من وجود السلعة تباع أو تؤجر أو يدخل فيها بالمشاركة؛ فالسلعة هي المعقود عليه، لم يقدمه الممول للمتمول.
الركن الخامس: التمول: عقد التمويل كما سبق هو مبادلة قيمة حاضرة بقيمة مؤجلة، فالقيمة المؤجلة هي في الأغلب تكون الثمن الذي يثبت ديناً في ذمة المتمول.
السلعة والثمن كلاهما يسمى "المعقود عليه".
شروط المعقود عليه:
من أهم الأشياء التي يجب التنبه لها، وهي التي يقع فيها الخلل في عقود التمويل، هي السلعة " المعقود عليه"، وهذا الركن من أركان التمويل له شروط يجب أن تتحقق أثناء العقد، وهي:
стр. 28
الشرط الأول: أن يكون المعقود عليه سواء كانت السلعة أو الثمن معلوماً للعاقدين عند العقد حتى تنفي الجهالة لما جاء في صحيح مسلم: (أن النبي ﷺ نهى عن بيع الغرر) (١)، ومن الغرر أن تكون السلعة أو الثمن مجهولاً.
الشرط الثاني: أن يكون المعقود عليه مملوكاً للعاقد، يعني: لا يجري الشخص عقد على سلعة وهو لا يملكها، أو يشتري بثمن هو لا يملك ذلك الثمن، ويقوم مقام المالك وكيله أو الوصي أو الناظر على الوقف ونحو ذلك، فلا بد أن يكون العاقد مالكاً للسلعة او ممن يقوم مقام المالك للسلعة.
الشرط الثالث: القدرة على التسليم: أن يكون العاقد قادراً على تسليم السلعة إذا كان ملزماً بتسليم السلعة أو قادرا على تسليم الثمن، إذا كان هو الذي يطالب بتسليم الثمن.
إذاً: لابد من تحقيق الشروط الثلاثة في المعقود عليه، والمعقود عليه كما قلنا يشمل السلعة والثمن.
سابعاً: الضوابط الشرعية العامة لعقود التمويل الإسلامية:
معلوم أن المعاملات المالية في الشريعة مضبوطة بضوابط تحكمها، وهذه الضوابط تنطبق على كل العقود.
وهذه الضوابط هي الأساس الذي ننطلق منه لمعرفة أحكام عقود التمويل المشروع، ولا بد من وجود هذه الضوابط، وتحققها في عقود التمويل، حتى تكون عقوداً تمويلية مشروعة. إن هذه الضوابط -كما قلنا- هي الأساس، قد يوجد ضوابط في كل عقد بعينه، لكن لا بد من تحقق هذه الضوابط العامة في كل العقود.
стр. 29
أولاً: ضوابط تتعلق بالصيغة:
بصيغة العقد يعني عند إبرام العقد لا بد أن تتحقق هذه الضوابط.
أول هذه الضوابط: البت في السعر: أي: أن يكون السعر محدداً عند التعاقد، فلا يجوز أن يقول مثلاً أبيعك السيارة الآن بالتقسيط؛ إن سددت خلال سنة فالثمن مائة وعشرة، وإن سددت خلال سنتين فالثمن مائة وخمسة عشر، وإن سددت خلال ثلاث سنوات فالثمن مائة وعشرون، هنا إذا كان هذا مجرد عرض يقول: أنا أعرض عليك هذه الأسعار يتم الاتفاق بينهما على سعر واحد، فالعقد صحيح ولا إشكال فيه؛ لكن لو تفرق المتعاقدان وأخذ المشتري السلعة ولم يتم البت بأحد هذه الأسعار، فالعقد هنا محرم؛ لأن السعر غير مبتوت فيه وغير محدد.
يدل على ذلك ما جاء عند "أصحاب السنن": (أن النبي ﷺ نهى عن بيعتين في بيعة). وقد فسر جمع من أهل العلم "البيعتين في بيعة" بأن يبيعه السلعة بثمنين من غير سنتين فالثمن كذا وكذا، فهنا الصيغة فيها خلل، فهي غير منضبطة؛ لأن الثمن غير محدد، ولا بد أن تكون الصيغة واضحة وجازمة، لا يضع سعراً متردداً في ذلك.
الضابط الثاني من ضوابط الصيغة: تجنب العينة: تجنب العينة في العقد، ومعنى العينة.
الصورية في العقد يكون لها أمثلة متعددة: ليست على نمط واحد أو مثال واحد.
بعض الأمثلة التي يكون فيها العقد صورياً:
من الأمثلة: أن يتم العقد ببيع السلعة مثلاً مرابحة أو بالتقسيط أو غير ذلك، ويشترط البائع على المشتري أن يكون هناك اتفاق بينهما على أن لا تنتقل ملكية السلعة إلى المشتري. نقول: هنا العقد صوري ليس حقيقيا؛ لأن من أبرز آثار البيع انتقال الملكية من البائع إلى المشتري، فلو تم العقد على أن الملكية تبقى عند البائع
стр. 30
فإن عقد البيع صوري وليس حقيقياً، وكونه يراد منه التمويل في الحقيقة، نقول: هذا التمويل ليس تمويلاً إسلاميا وإنما هو تمويل صوري لأجل التحايل على التمويل الربوي.
ومن ذلك طريقة المداينة التي يستعملها كثير من الناس، وهي أن يتفق الدائن والمدين أولا على المعاشرة، يتفق معه على الدراهم، يقول: أريد عشرة آلاف ريال، العشرة بعشرة ونصف مثلا، ثم يذهب الدائن والمدين إلى صاحب دكان عنده أموال مكدسة إما سكر أو ربطات خام أو غيرها فيشتريها الدائن شراء صوريا ليس له بها غرض سوى الوصول إلى بيع العشرة بعشرة ونصف. والدليل على أنه شراء صوري أنه لا يكاسر بالثمن ولا يقلب السلعة ولا يفتشها كما يفعل المشتري حقيقة، وربما كانت هذه الأموال أفسدها طول الزمن أو أكلتها الأرضة لأنها لم تنقل ولم تقلب ولم تفتش، وبعد هذا الشراء الصوري يبيع الدائن هذه السلع على المدين بما اتفقا عليه من الربح، ثم يعود المدين فيبيعها على صاحب الدكان ويخرج بدراهم. وهذا العمل بعينه هو ما حكاه شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب إبطال التحليل من جملة صور الحيل، حيث قال ﵀: «وكذلك بلغني أن من الباعة من قد أعد بزا لتحليل الربا، فإذا جاء إلى من يريد أن يأخذ منه ألفا بألف ومائتين، ذهبا إلى ذلك المحلل فاشترى منه المعطى ذلك البز ثم يعيده للآخذ، ثم يعيده الآخذ إلى صاحبه وقد عرف الرجل بذلك بحيث إن هذا البز الذي يحلل به الربا لا يكاد يبيعه البيع البات، انتهى. وقد قال قبل ذلك سبحان الله العظيم أن يعود الربا الذي عظم الله شأنه في القرآن وأوجب محاربة مستحله ولعن آكله وموكله وكاتبه وشاهديه وجاء فيه من الوعيد ما لم يجئ في غيره، إلى أن يستحل بأدنى سعي من غير كلفة أصلا إلا بصورة عقد هي عبث ولعب» (١).
стр. 31
وقال في الفتاوى أيضا: «وكذلك إذا اتفقا على المعاملة الربوية ثم أتيا إلى صاحب حانوت يطلبان منه متاعا بقدر المال فاشتراه المعطي ثم باعه على الآخذ إلى أجل، ثم أعاده إلى صاحب الحانوت بأقل من ذلك فيكون صاحب الحانوت واسطة بينهما بجُعل، فهذا من الربا الذي لا ريب فيه … » (١).
الضابط الثالث: أن تكون السلعة مقبوضة للبائع: والقبض أمر زائد على مجرد الملك فلا بد أن يكون البائع مالكاً للسلعة وقابضاً لها.
والدليل على هذا الشرط: حديث: (لا تبع ما ليس عندك) (٢).
القبض في الشريعة:
والقبض: حيازة الشيء والتمكن منه سواء كان التمكن باليد، أو بعدم المانع من الاستيلاء عليه، وهو ما يسمى بالتخلية أو القبض الحكمي وقبض كل شيءٍ بحسبه فإن كان مما ينقل فقبضه بنقله، وإن كان مكيلاً أو موزوناً فقبضه بكيله ووزنه، لأن القبض ورد مطلقاً فيجب الرجوع فيه إلى العرف (٣).
والقبض نوعان: قبض حقيقي، وقبض حكمي.
القبض الحقيقي: يكون بحيازة السلعة بإدخالها في المستودعات أو تناولها في اليد إذا كانت مما يتناول باليد أو إدخالها بالحساب إذا كانت مثل النقود التي يمكن أن تدخل في الحساب، ونحو ذلك.
النوع الثاني: قبض حكمي: والقبض الحكمي يكون بالتخلية مع التمكن من التصرف، أن يخلى بين المشتري وبين السلعة ويتمكن من التصرف فيها، وهذا
стр. 32
يختلف باختلاف الأعراف، فأحياناً قد يكون القبض بتسليم المفاتيح، وأحياناً يكون القبض بتعيين السلع، وقد يكون القبض بالإشارة إلى السلعة، وتمكن المشتري من التصرف فيها، فهنا يكفي في القبض وجود القبض الحقيقي أو القبض الحكمي إذا كان قد جرى العرف بالقبض الحكمي فيكتفي به.
النقود: كيف يكون قبضها؟
يحصل قبض النقود بالقيد المصرفي، فمن الممكن أن يكون قبضها بالقبض المصرفي، بأن يسجل قيد مصرفي لصالح الشخص بأن النقود قد سجلت في حسابه، وهنا إذا قيد مصرفياً في حسابه أنه قد تسلم تلك النقود فله أن يستخدم هذه النقود.
في جميع الحالات السابقة نقول: ليس لمن اشترى سلعة أن يتصرف فيها ببيع قبل أن يقبضها لنهي النبي ﷺ عن ذلك.
من الحكم والعبر التي ذكرها أهل العلم في ذلك: أن الشخص قبل أن يقبض السلعة إذا باعها فهو قد باع شيئاً لم يملكه، لأن الضمان ضمان السلعة لا ينتقل إلى المشتري إلا بالقبض.
الضابط الرابع: أن لا تكون السلعة ذهباً ولا فضة ولا نقوداً: إذا كان التمويل بالمرابحة (يعني بيع الآجل) فلا يجوز أن يكون التمويل بالذهب ولا بالفضة ولا بالأوراق النقدية والأثمان، لأن هذه الأموال يجب فيها التقابض شرعاً ولا يجوز فيها التأجيل.
стр. 33
المبحث الثالث
المصارف الإسلامية
أولاً: تعريف البنوك والمصارف:
البنوك جمع بنك، وهي لفظة إيطالية يقابلها بالعربية المصارف (١)، وهي جمع مصرف بكسر الراء، وهي في اللغة مأخوذة من الصرف، والصرف هو «رد الشيء عن وجهه، والمصرف اسم مكان على وزن مفعل، والصرف فضل الدراهم على الدراهم، والدينار على الدينار، لأن كل واحد منهما يعرف عن قيمة صاحبه وهو بيع الذهب بالفضة» (٢).
قال أصحاب المعجم الوسيط: «المصرف مكان الصرف وبه سمّي البنك مصرفاً» (٣).
وجاء في معجم مصطلحات الاقتصاد: «المصرف: البنك: وقد عرف بأنه «مؤسسة مالية تقوم بأعمال الإقراض والاقتراض، وبإصدار الكمبيالات، وبالائتمان على الأموال والودائع والممتلكات الثمينة وبتمويل الأعمال والمشاريع، وما شابه ذلك» (٤).
وقال في دائرة الناشئين: «بنك - مصر ف: هو مكان يحفظ فيه الناس أموالهم في أمان، ويستردونها حين يحتاجون إليها» (٥).
стр. 34
ثانياً: تعريف الصرف عند الفقهاء:
الصرف في اصطلاح الفقهاء: «بيع الثمن بالثمن، جنسًا بجنس أو بغير جنس، ويشترط عدم التأجيل والخيار والتماثل» (١).
ثالثاً: تعريف المصرف الإسلامي:
تعريف المصرف الإسلامي: هو «المؤسسة المالية التي تقوم بعمليات الصرافة واستثمار الأموال بما يتفق وأحكام الشريعة الإسلامية الغراء» (٢).
رابعاً: نشأة المصارف الإسلامية:
يعد القرن الحادي عشر الهجري البداية الفعلية لنشأة البنوك الحديثة حيث قام أول بنك منظم في مدينة البندقية (١٠٠٧ هـ- ١٥٨٧ م)، ثم أنشئ على مثاله بنك أمستردام الهولندي، سنة (١٠٢٩ هـ- ١٦٠٩ م)، ويعد هذا البنك الأنموذج الذي احتذته معظم البنوك في أوروبا التي أسست فيما بعد مع مراعاة اختلاف الظروف من بلد لآخر، وانتقل هذا النظام بحذافيره إلى بلاد المسلمين بسبب الاستعمار، وبسبب ولع وإعجاب بعض تجار المسلمين بالغرب، وانتقلت معها المعاملات المحرمة، وكانت ولا زالت قائمة على الربا، وهو ربا الديون (٣)، وبسبب كون
стр. 35
المصارف الربوية قامت على الربا، وهذا النوع قد انعقد الإجماع على تحريمه، وعدم إباحته (١)، ولهذا فقد كان موقف العلماء منها قوياً.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن البنوك التقليدية اختلفت حالها عما كانت عليه حال نشأتها، فهي حين إنشائها كان عملها الأساس هو المتاجرة بالديون، " فالبنوك الحديثة هي وريثة المرابين الذين كانوا يقرضون أموالهم في مقابلة عمولة من النقود، وهي قائمة على منح القروض في أساس عملها " (٢)، فهي قائمة على الإقراض، والاقتراض، وهو ما يعرف بمصطلح (الائتمان)، فهي تقبل ودائع الجمهور، وتعطي عليها الفائدة، وتقرض هذه الودائع للجمهور بفائدة، فالمصرف يقوم على الاقتراض ابتداءً والإقراض انتهاءً، فالمصرف يقوم على الربا ابتداءً وانتهاءً، ويعد الإقراض من أهم الموارد لهذا النوع من المصارف، حيث إنها تزيد على (٩٠%) من مجمل مواردها، وقد تنقص في بعض الحالات، وفوق ما تقوم عليه المصارف الربوية من إقراض واقتراض، فإنها بجانب ذلك تمارس أعمالاً عدة، أغلبها يدعو إلى الائتمان الذي هو قوامها، ومن تلك الأعمال:
الاعتمادات: كالاعتماد البسيط، والاعتماد المستندي.
الكفالات: كالكفالة العادية، وخطاب الضمان، وقبول الكمبيالات (٣).
وغير ذلك من الأعمال، كبطاقة الائتمان، وتحصيل الشيكات، وغيرها، مما يقوم على الربا.
стр. 36
وفي بداية الخمسينيات من القرن الميلادي الماضي بدأت فكرة إيجاد مصارف إسلامية.
وكانت بدايات فكرة البحث عن البديل الإسلامي في المؤتمر السنوي الثاني عام ١٣٣٤ هـ الموافق لعام ١٩٦٥ م، والثالث عام ١٣٣٥ هـ الموافق لعام ١٩٦٦ م لمجمع البحوث الإسلامية حيث كان من توصياته مواصلة دراسة البديل المصرفي الإسلامي وطريقة تنفيذه بالاستعانة بالاقتصاديين. ودعا المؤتمر السنوي السادس إلى إنشاء مصرف إسلامي يتفق مع أحكام الشريعة الإسلامية الغراء كانت أول محاولة أو تجربة لتنفيذ هذه الفكرة في منطقة ريفية في الباكستان في نهاية الخمسينات أما التجربة الثانية فكانت في الريف المصري في عام ١٣٨٢ هـ الموافق لعام ١٩٦٣ م في (ميت عمر)، وبالرغم من عدم نجاح هاتين التجربتين إلا أن السبعينات شهدت انطلاقة جديدة في عام ١٣٩٠ هـ الموافق لعام ١٩٧١ م لتأسيس مصرف يقوم على استبعاد الفائدة، فأنشئ مصرف ناصر الاجتماعي في مصر، ثم بعده البنك الإسلامي للتنمية عام ١٣٩٤ هـ الموافق ١٩٧٤ م، وبنك دبي الإسلامي عام ١٣٩٥ هـ الموافق لعام ١٩٧٥ م وهكذا توالت المصارف الإسلامية حتى وصل الأمر إلى الحال التي نراها اليوم ولله الحمد.
ولهذا لما سعت بعض البنوك الإسلامية للعمل بهذه الأحكام نجحت وأصبح لها حضورها في السوق المالية وبقوة، حتى صرنا نشهد في السنوات القليلة الماضية ظاهرة المالية الإسلامية على صعيد عالمي، وأُنشئت عدة مصارف إسلامية في الغرب، وتم تأسيس المصرف الإسلامي الدولي في لوكسمبورج عام (١٩٧٨ م) بهدف تأسيس أول بنك إسلامي في الغرب، وهذا ما أكده الخبير المصرفي البريطاني رودني ويلسون في لقائه مع صحيفة (الشرق الأوسط ١٨/ ١١/ ٢٠٠٨)، بأن المصرفية الإسلامية
стр. 37
أصبحت صناعة كبيرة اليوم، وأن تزايد أعداد الغربيين المستائين من الخدمات المصرفية التقليدية التي يعتبرونها غير أخلاقية، جعل ظهور المصرفية الإسلامية بنظامها الأخلاقي المتميز يتمخض عن إبراز وجه الإسلام الإيجابي (١).
وجاء في مقال عن عمليات المصارف الإسلامية نُشِر مؤخراً في مجلة الدراسات المالية والمصرفية التي تصدر عن المعهد العربي للدراسات المالية والمصرفية أن جامعة (هارفرد) تضطلع بمشروع بحث لدراسة ماضي وحاضر ومستقبل العمليات المصرفية الإسلامية وصيغ الاستثمار الإسلامي، حيث يحيرهم حجم السوق الإسلامي والأسباب وراء نموه رغم ما يعترضه من عقبات. وقد جاء في المقال أيضا أن سيتي بنك الأمريكي يزمع تأسيس مصرف إسلامي متكامل في البحرين (٢).
لقد أصبحت المصارف الإسلامية أحد أعمدة الاقتصاد الوطني في البلاد التي أُنشئِت فيها، ولقد أكد نجاح المصارف الإسلامية وسرعة انتشارها قابلية الفكر الإسلامي للتطبيق وأن الشرع موجود أينما توجد مصلحة العباد في الدنيا والآخرة.
والمقصود أنه لما قامت البنوك الإسلامية، وحاربت الربا، ودعت إلى اقتصاد إسلامي، ونجحت بفضل الله في ذلك، وتنامت حصتها في السوق المصرفية بسبب الإقبال الكبير على منتجاتها، مدعومة بالوازع الديني الذي حرك جانباً كبيراً من العملاء للتعامل معها، كان من الطبيعي أن تلحظ البنوك الربوية هذا
стр. 38
النجاح، مما اضطرها لدخول هذا المجال، وبالتالي أصبحت كثير من البنوك الربوية تتعامل بالمعاملات التي استحدثتها البنوك الإسلامية، كالمرابحة للآمر بالشراء، والإجارة، والتمويل بالمشاركة، ونحوه.
«وتشير بعض الإحصاءات إلى أن عدد البنوك الربوية التي تقدم منتجات مصرفية إسلامية بلغ (٣١٠) بنكاً على مستوى العالم تدير استثمارات إسلامية تقدر ب (٣٥٠) مليار» (١).
يوجد منها في المملكة العربية السعودية (١١) بنكاً تقدم جميعها المنتجات المصرفية الإسلامية، ويوجد في كل منها إدارة متخصصة بالخدمات المصرفية الإسلامية وهيئة للرقابة الشرعية.
فمثلاً: البنك الأهلي التجاري قام بتحويل (١٦١) فرعاً حتى نهاية ٢٠٠٦ م، وقام بنك الرياض بتحويل (٨٠) فرعاً من مجموع فروعه البالغة (١٩٣) فرعاً، وقام البنك السعودي البريطاني بتحويل (٨) فروع من إجمالي فروعه البالغة (٦٩) فرعاً (٢).
стр. 39
المبحث الرابع
الأصل في المعاملات المالية
الأصل في المعاملات المالية الإباحة، والصحة، ولا يحرم منها ولا يبطل إلا ما دل الشرع على تحريمه (١).
وهذا الأصل من القواعد المهمة في أبواب المعاملات، ويعد هذا الأصل قاعدة فقهية مهمة، يتمسك بها عند عدم وجود الدليل الخاص في المسألة.
فالأصل في باب المعاملات: الحلُّ والإباحة، وهذه قاعدة عظيمة نافعة (٢).
وقد يعبر عن هذه القاعدة بألفاظ أخرى كقولهم: «الأصل في الأفعال الإباحة» (٣) أو «الأصل في العقود الإباحة» (٤).
وبناء على هذا فإنّ الأصل في المعاملات من عقود وشروط الإباحة إلا إذا كان الشرط يناقض حكم الله وحكم رسوله، أو يناقض مقصود العقد، وحينئذ يكون الشرط باطلاً لا يصح الالتزام به.
قال الشافعي- رحمه الله تعالى-: «فأصل البيوع كلها مباح إذا كانت برضا المتبايعين الجائزي الأمر فيما تبايعاً، إلا ما نهى عنه رسول الله ﷺ ، وما كان في معنى ما نهى عنه» (٥).
стр. 40
وقال أبو العباس ابن تيمية - رحمه الله تعالى -: «والعادات الأصل فيها العفو فلا حظر منها إلا ما حرم الله، ودخلنا في معنى قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩]. ولذلك ذم الله المشركين الذين شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله، وحرموا ما لم يحرمه» (١).
وقال: «لا يحرم على الناس من المعاملات التي يحتاجون إليها إلا ما دل الكتاب والسنة على تحريمه» (٢).
والقول بأنّ الأصل في المعاملات هو الإباحة، هو قول الحنفية (٣)، والمذهب عند المالكية (٤)، ومذهب الشافعية (٥)، والحنابلة (٦)، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (٧)، وابن القيم (٨).
وأدلتهم على هذا الأصل كثيرة، ومن أبرزها ما يأتي:
الدليل الأول: عموم الأدلة التي فيها حل البيع، والأمر بالوفاء بالعقود، وإباحة التجارة، كقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا