وفي بداية الخمسينيات من القرن الميلادي الماضي بدأت فكرة إيجاد مصارف إسلامية.
وكانت بدايات فكرة البحث عن البديل الإسلامي في المؤتمر السنوي الثاني عام ١٣٣٤ هـ الموافق لعام ١٩٦٥ م، والثالث عام ١٣٣٥ هـ الموافق لعام ١٩٦٦ م لمجمع البحوث الإسلامية حيث كان من توصياته مواصلة دراسة البديل المصرفي الإسلامي وطريقة تنفيذه بالاستعانة بالاقتصاديين. ودعا المؤتمر السنوي السادس إلى إنشاء مصرف إسلامي يتفق مع أحكام الشريعة الإسلامية الغراء كانت أول محاولة أو تجربة لتنفيذ هذه الفكرة في منطقة ريفية في الباكستان في نهاية الخمسينات أما التجربة الثانية فكانت في الريف المصري في عام ١٣٨٢ هـ الموافق لعام ١٩٦٣ م في (ميت عمر)، وبالرغم من عدم نجاح هاتين التجربتين إلا أن السبعينات شهدت انطلاقة جديدة في عام ١٣٩٠ هـ الموافق لعام ١٩٧١ م لتأسيس مصرف يقوم على استبعاد الفائدة، فأنشئ مصرف ناصر الاجتماعي في مصر، ثم بعده البنك الإسلامي للتنمية عام ١٣٩٤ هـ الموافق ١٩٧٤ م، وبنك دبي الإسلامي عام ١٣٩٥ هـ الموافق لعام ١٩٧٥ م وهكذا توالت المصارف الإسلامية حتى وصل الأمر إلى الحال التي نراها اليوم ولله الحمد.
ولهذا لما سعت بعض البنوك الإسلامية للعمل بهذه الأحكام نجحت وأصبح لها حضورها في السوق المالية وبقوة، حتى صرنا نشهد في السنوات القليلة الماضية ظاهرة المالية الإسلامية على صعيد عالمي، وأُنشئت عدة مصارف إسلامية في الغرب، وتم تأسيس المصرف الإسلامي الدولي في لوكسمبورج عام (١٩٧٨ م) بهدف تأسيس أول بنك إسلامي في الغرب، وهذا ما أكده الخبير المصرفي البريطاني رودني ويلسون في لقائه مع صحيفة (الشرق الأوسط ١٨/ ١١/ ٢٠٠٨)، بأن المصرفية الإسلامية
стр. 37
أصبحت صناعة كبيرة اليوم، وأن تزايد أعداد الغربيين المستائين من الخدمات المصرفية التقليدية التي يعتبرونها غير أخلاقية، جعل ظهور المصرفية الإسلامية بنظامها الأخلاقي المتميز يتمخض عن إبراز وجه الإسلام الإيجابي (١).
وجاء في مقال عن عمليات المصارف الإسلامية نُشِر مؤخراً في مجلة الدراسات المالية والمصرفية التي تصدر عن المعهد العربي للدراسات المالية والمصرفية أن جامعة (هارفرد) تضطلع بمشروع بحث لدراسة ماضي وحاضر ومستقبل العمليات المصرفية الإسلامية وصيغ الاستثمار الإسلامي، حيث يحيرهم حجم السوق الإسلامي والأسباب وراء نموه رغم ما يعترضه من عقبات. وقد جاء في المقال أيضا أن سيتي بنك الأمريكي يزمع تأسيس مصرف إسلامي متكامل في البحرين (٢).
لقد أصبحت المصارف الإسلامية أحد أعمدة الاقتصاد الوطني في البلاد التي أُنشئِت فيها، ولقد أكد نجاح المصارف الإسلامية وسرعة انتشارها قابلية الفكر الإسلامي للتطبيق وأن الشرع موجود أينما توجد مصلحة العباد في الدنيا والآخرة.
والمقصود أنه لما قامت البنوك الإسلامية، وحاربت الربا، ودعت إلى اقتصاد إسلامي، ونجحت بفضل الله في ذلك، وتنامت حصتها في السوق المصرفية بسبب الإقبال الكبير على منتجاتها، مدعومة بالوازع الديني الذي حرك جانباً كبيراً من العملاء للتعامل معها، كان من الطبيعي أن تلحظ البنوك الربوية هذا
стр. 38
النجاح، مما اضطرها لدخول هذا المجال، وبالتالي أصبحت كثير من البنوك الربوية تتعامل بالمعاملات التي استحدثتها البنوك الإسلامية، كالمرابحة للآمر بالشراء، والإجارة، والتمويل بالمشاركة، ونحوه.
«وتشير بعض الإحصاءات إلى أن عدد البنوك الربوية التي تقدم منتجات مصرفية إسلامية بلغ (٣١٠) بنكاً على مستوى العالم تدير استثمارات إسلامية تقدر ب (٣٥٠) مليار» (١).
يوجد منها في المملكة العربية السعودية (١١) بنكاً تقدم جميعها المنتجات المصرفية الإسلامية، ويوجد في كل منها إدارة متخصصة بالخدمات المصرفية الإسلامية وهيئة للرقابة الشرعية.
فمثلاً: البنك الأهلي التجاري قام بتحويل (١٦١) فرعاً حتى نهاية ٢٠٠٦ م، وقام بنك الرياض بتحويل (٨٠) فرعاً من مجموع فروعه البالغة (١٩٣) فرعاً، وقام البنك السعودي البريطاني بتحويل (٨) فروع من إجمالي فروعه البالغة (٦٩) فرعاً (٢).
стр. 39
المبحث الرابع
الأصل في المعاملات المالية
الأصل في المعاملات المالية الإباحة، والصحة، ولا يحرم منها ولا يبطل إلا ما دل الشرع على تحريمه (١).
وهذا الأصل من القواعد المهمة في أبواب المعاملات، ويعد هذا الأصل قاعدة فقهية مهمة، يتمسك بها عند عدم وجود الدليل الخاص في المسألة.
فالأصل في باب المعاملات: الحلُّ والإباحة، وهذه قاعدة عظيمة نافعة (٢).
وقد يعبر عن هذه القاعدة بألفاظ أخرى كقولهم: «الأصل في الأفعال الإباحة» (٣) أو «الأصل في العقود الإباحة» (٤).
وبناء على هذا فإنّ الأصل في المعاملات من عقود وشروط الإباحة إلا إذا كان الشرط يناقض حكم الله وحكم رسوله، أو يناقض مقصود العقد، وحينئذ يكون الشرط باطلاً لا يصح الالتزام به.
قال الشافعي- رحمه الله تعالى-: «فأصل البيوع كلها مباح إذا كانت برضا المتبايعين الجائزي الأمر فيما تبايعاً، إلا ما نهى عنه رسول الله ﷺ ، وما كان في معنى ما نهى عنه» (٥).
стр. 40
وقال أبو العباس ابن تيمية - رحمه الله تعالى -: «والعادات الأصل فيها العفو فلا حظر منها إلا ما حرم الله، ودخلنا في معنى قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩]. ولذلك ذم الله المشركين الذين شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله، وحرموا ما لم يحرمه» (١).
وقال: «لا يحرم على الناس من المعاملات التي يحتاجون إليها إلا ما دل الكتاب والسنة على تحريمه» (٢).
والقول بأنّ الأصل في المعاملات هو الإباحة، هو قول الحنفية (٣)، والمذهب عند المالكية (٤)، ومذهب الشافعية (٥)، والحنابلة (٦)، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (٧)، وابن القيم (٨).
وأدلتهم على هذا الأصل كثيرة، ومن أبرزها ما يأتي:
الدليل الأول: عموم الأدلة التي فيها حل البيع، والأمر بالوفاء بالعقود، وإباحة التجارة، كقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا
стр. 41
الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩].
وجه الدلالة: أن الألف واللام في البيع، والعقود تفيد العموم، وكذلك لفظ التجارة نكرة في سياق النهي فيفيد العموم، فيشمل كل بيع، وكل عقد، وكل تجارة لم يرد بخصوصه منع (١).
وهذا أصل في حل جميع أنواع المعاملات حتى يرد ما يدل على المنع، فدل على أن الأصل في العقود الإباحة إلا ما دل الدليل على تحريمه.
الدليل الثاني: عموم الأحاديث التي فيها أن ما سكت عنه الشارع فهو عفو لا يبحث عنه ومنها:
١) قوله ﷺ : (إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها وحرم حرمات فلا تنتهكوها وحد حدودا فلا تعتدوها وسكت عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها) (٢).
٢) قوله ﷺ : (الحلال ما أحله الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه) (٣).
وجه الدلالة: أن النبي ﷺ بيّن أن ما سكت عنه الشارع فلم يذكره بتحليل ولا تحريم فهو معفو عنه، لذا ترجم غير واحد من أهل العلم لهذه الأحاديث بما يفيد أن الأصل في الأشياء الإباحة، والمعاملات المالية داخلة في الأشياء، فيكون الأصل فيها الإباحة.
стр. 42
الدليل الثالث: أن العقود والشروط من باب الأفعال العادية، والأصل فيها عدم التحريم فيستصحب عدم التحريم فيها حتى يدل دليل على التحريم.
الدليل الرابع: أنه ليس في الشرع ما يدل على تحريم جنس العقود والشروط، إلا ما ثبت حله بعينة. وانتفاء دليل التحريم دليل على عدم التحريم (١).
أسباب خروج المعاملة المالية من أصل الحل إلى التحريم:
بما أنّ الأصل في المعاملات المالية من عقود وشروط الإباحة كما مر معنا فيما سبق، فلا يحظر منها شيء إلا كان مناقضاً لحكم الشارع، فلا يحرم منها إلا ما حرمه الله ورسوله، وفي هذا الموضع سأذكر الأصول والضوابط التي ترجع إليها المعاملات المالية المحرمة.
فمدار المعاملات المحرمة على أربعة أشياء هي:
١) الربا.
٢) الغرر.
٣) الضرر.
٤) العقد المؤدي إلى محرم.
فكل معاملة اشتملت على واحد من هذه الأربعة فالشرع قد حرمها، وما عدا ذلك فهو حلال؛ لأن الأصل في المعاملات الحل والإباحة (٢).
المسألة الأولى: الربا:
والربا لغة: الزيادة، والنماء، والعلوُّ، والارتفاع.
وفي الاصطلاح: الزيادة في أشياء خاصة والزيادة على الدين مقابل الأجل مطلقاً.
стр. 43
وهو على نوعين عند الفقهاء:
الأول: ربا الجاهلية، ويسمى ربا الديون، والربا الجلي (١): وهو الزيادة في الدين مقابل التأجيل، سواء اشترطت عند حلول الأجل أو في بداية الأجل (٢).
الثاني: ربا البيوع، وهو على قسمين:
١) ربا الفضل: وهو الزيادة في أحد البدلين المتفقين جنساً (٣).
٢) ربا النسيئة: وهو تأخير القبض في أحد البدلين الربويين المتفقين في علة الربا، وليس أحدهما نقداً. والمقصود بربا النسيئة هنا ما كان في البيوع، أما ربا الجاهلية فهو وإن سمي ربا نسيئة إلا أنه في الديون وليس في البيوع.
والربا أصل من أصول المعاملات المحرمة، وقد دل على تحريمه الكتاب والسنة والإجماع والنظر، ومن أدلة تحريمه:
الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥].
الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٨ - ٢٧٩].
الدليل الثالث: حديث جابر ﵁ قال: لعن رسول الله ﷺ آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه، وقال: (هم سواء) (٤).
стр. 44
الدليل الرابع: حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (اجتنبوا السبع الموبقات. قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات) (١).
الدليل الخامس: الإجماع. فقد أجمع العلماء في الجملة على تحريم الربا، وقد حكى الإجماع غير واحد من أهل العلم (٢).
الدليل السادس: من النظر، والنظر يدل على تحريم الربا من وجوه منها:
الوجه الأول: عموم الظلم؛ لأن بالربا يحدث الظلم، وأصول الشريعة جاءت لتقصم ظهر الظلم، قال النبي ﷺ عن ربه: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا) (٣)، وبالربا يفشو الظلم بين الناس، وهذا محرم نظراً وشرعاً.
الوجه الثاني: نشر البغضاء والعداوة بين الناس، والأصول والقواعد العامة في شريعتنا الغراء تعمل على نشر الحب والألفة والمودة بين الناس، والربا أكل لأموال الناس بالباطل، وفيه تعطيل للمكاسب والتجارة والصناعات التي يحتاجها الناس، فالمرابي يزيد ماله بدون تعب، فيترك التجارة والمصالح التي ينتفع بها الناس، وما أحد أكثر من الربا إلا كان عاقبة أمره إلى قلة. وهو من أعظم الذنوب، وقد أعلن الله الحرب على آكل الربا ومُوكِله من بين سائر الذنوب.
стр. 45
المسألة الثانية: الغرر:
الغرر في اللغة: الخطر، والتغرير: حمل النفس على الغرر.
يقال: غرر بنفسه وماله تغريراً: عرضهما للهلكة من غير أن يعرف، والاسم الغرر (١).
الغرر اصطلاحاً: عرف بتعريفات متعددة، من أجمعها: «ما كان مستور العاقبة»؛ لأنه أجمع التعريفات للجزئيات الفقهية التي أدخلها الفقهاء تحت الغرر (٢).
وقد ذكر الفقهاء أيضاً أن الغرر هو: «الخطر الذي يستوي فيه طرف الوجود والعدم» (٣)، أي احتمال الكسب والخسارة متساويان.
ومجموع العبارتين يدل على أن الغرر ما كان فيه احتمال الخسارة أكبر من أن يساوي احتمال الربح.
وإلى هذا أشار ابن تيمية ﵀ حين قال: «وقد يخسر أحياناً»؛ أي أن الاحتمال الغالب هو الربح، والاحتمال الأقل هو الخسارة (٤).
ومنع الغرر ضابط من ضوابط المعاملات المالية، وقد دل على اعتباره ضابطاً في التعامل: الكتاب والسنة والإجماع.
ومن أدلة تقرير هذا الضابط ما يأتي:
١) قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠].
стр. 46
وجه الاستدلال: أن الله - تعالى - حرم الميسر لما فيه من الغرر (١).
٢) (أن النبي ﷺ نهى عن الغرر) (٢).
٣) الإجماع: فقد أجمع العلماء على تحريم الغرر المؤثر في العقود المالية (٣)، ولذا أجمعوا على تحريم بعض البيوع؛ لما فيها من الغرر (٤)، ومن ذلك: بيع حبل
стр. 47
الحبلة (١)، وبيع المضامين (٢)، والملاقيح (٣).
المسألة الثالثة: الضرر:
من المسلمات المعلومة بالضرورة في الشريعة أنها جاءت لجلب المصالح وتحصيلها وتنميتها، وقطع المضار وتعطيلها أو التقليل منها.
ولهذا فقد جاءت الشريعة بالأمر بالعدل والنهي عن الظلم والبغي والعدوان والغصب والسرقة.
وقد جعلت تحقيق العدل في المعاملات من أهم مقاصد التشريع، وأن لا تكون المعاملة الواقعة من المكلف مآلها موقعاً للمكلف في جور أو مفسدة أو ضرر.
و الضرر يعتبر خرقاً لأصل العدل الذي جاءت به الشريعة، ومن ثمة كان تحريمه من البدهيّات التي أسسها الاستقراء التام لنصوص الشريعة وتصرفاتها.
و لهذا فقد كان التشريع الإسلامي سباقاً إلى وضع القواعد والقوانين التي تمنع الفرد من الإضرار بالآخرين أثناء تعاطيه للمباح أو لحقه المشروع.
وتعتبر قاعدة منع الضرر من قواعد الفقه الإسلامي الهامة التي لها علاقة وثيقة بتقييد المباح، ومنع المكلف منه متى ما كان مآله موقعاً للمكلف بما يصادم أحكام الشريعة.
стр. 48
ولهذا فإن الضرر يعتبر أصلاً من الأصول التي يرجع إليها المعاملات المحرمة، وقد دل على منع التعامل بما فيه ضرر الكتاب والسنة.
ومن أدلة منعه:
الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ [الأعراف: ٨٥].
وجه الاستدلال: أن الآية منعت من نقص الناس حقوقهم بتعييب السلعة، أو التزهيد فيها، أو المخادعة لصاحبها ونحو ذلك؛ لما فيه من أكل المال بالباطل (١)، والإضرار بالناس.
الدليل الثاني: قول النبي ﷺ : (لا ضرر ولا ضرار) (٢).
وجه الاستدلال: أن الحديث صريح في المنع من الإضرار بالغير، وكلمة الضرر نكرة في سياق النفي، تعم كل ضرر أو ضرار.
أنواع الضرر:
من تأمل في كثير مما نهى عنه الشارع يجد أنه يعود إلى دفع الضرر عن الفرد، أو عن الجماعة؛ فالضرر على نوعين:
١) ضرر خاص: وهو المتعلق بالفرد، ولرفعه نهى الشارع عن أنواع من التعامل، مثل: النجش (٣)، وبيع المسلم على بيع أخيه، وشراؤه على شرائه.
стр. 49
٢) ضرر عام: وهو المتعلق بالجماعة، ولرفعه نهى الشارع عن أنواع من التعامل مثل: النهي عن احتكار (١) ما يحتاجه الناس، وعن بيع الحاضر للبادي.
المسألة الرابعة: العقد المؤدي إلى محرم:
لما كان الباطل يطلق على ما كان ضد الحق (٢) منع الشارع كل عقد يؤدي إلى محرم؛ لأن في التعامل به أكلاً للمال بالباطل، ولهذا نجد أن "الشرع المطهر إنما يمنع المبادلات التي تنتهي إلى انتفاع أحد الطرفين على حساب الآخر، وذلك هو أكل المال بالباطل … الذي نص عليه القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩].
وأكل المال بالباطل؛ يعني: أكله بدون مقابل ينتفع به الطرف الآخر.
لأن كل معاوضة يراد بها الربح فلا بد أن ينتفع فيها الطرفان، وهذا حقيقة البيع الذي جاءت الشريعة به.
ومن أكل أموال الناس بالباطل أن يكون العقد يؤدي إلى محرم.
والمحرم في البيوع على نوعين:
١) مُحرَّم لذاته. والمقصود به: كل عين حرمها الشارع ابتداء لمعنى قائم فيها لا يريده الشارع، كالخمر، والميتة، والخنزير، والتماثيل.
стр. 50
٢) مُحرَّم لغيره، وهو ليس محرما لذاته؛ وإنما حرم لكونه وسيلة للوقوع في المحرم.
وهذا الضابط - وهو العقد المؤدي إلى محرم -، راجع إلى أصل عظيم من أصول الشريعة، وهو سد الذرائع، وهو أصل متفق عليه ومعمول به في الجملة، وإنما وقع الخلاف في بعض أنواعه، وفي بعض الفروع الفقهية التي تتفاوت فيها قوة وقوع المفسدة، وظهور القصد إليها.
وقد دل على تحريم التعامل بالعقد المؤدي إلى محرم أدلة كثيرة من الكتاب والسنة، ومما يشهد لذلك:
الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة: ٩].
وجه الاستدلال: أن الله تعالى نهى عن بيع وقت نداء الجمعة؛ لئلا يتخذ ذريعة إلى التشاغل عن حضورها، وهو أمر محرم، فدل ذلك على تحريم العقد المؤدي إلى محرم.
الدليل الثاني: حديث أنس بن مالك ﵁: (أن النبي ﷺ لعن في الخمر عشرة: عاصرها، ومعتصرها، وشاربها، وحاملها، والمحمولة إليه، وساقيها، وبائعها، وآكل ثمنها، والمشتري لها، والمشتراة له) (١).
وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ لعن بائع الخمر، ومشتريها، والوسيط بينهما؛ لتسببهم في شربها، فدل ذلك على تحريم كل ما أدى لفعل محرم، أو أعان على فعل معصية.
стр. 51
الدليل الثالث: أن المباح وإن كان الأصل فيه الإباحة، إلا أن هذا المباح راجع إلى إذن الشارع، فإذا أراد المكلَّف أن يتوسل بالأمر المباح إلى ما هو حرام، فإن الشارع هنا يتدخل ليمنعه من بلوغ غايته.
والأدلة الدالة على تحريم العقد المفضي إلى فعل محرم كثيرة، وأمثلتها في كتب الفقه شهيرة، وقد ذكر صاحب الشرح الكبير طرفاً منها فقال: «وهكذا الحكم في كل ما قصد به الحرام كبيع السلاح في الفتنة أو لأهل الحرب أو لقطّاع الطريق، وبيع الأمَة للغناء أو إجارتها لذلك فهو حرام والعقد باطل لما قدمنا».
قال ابن عقيل: «وقد نص أحمد على مسائل نبه بها على ذلك فقال في القصاب والخباز إذا علم أن من يشتري منه يدعو عليه من يشرب المسكر لا يبيعه، ومن يخرط الأقداح لا يبيعها لمن يشرب فيها ونهى عن بيع الديباج للرجال ولا بأس ببيعه للنساء، وروي عنه لا يبيع الجوز من الصبيان للقمار وعلى قياسه البيض فيكون بيع ذلك كله باطلا» (١).
وذكر صاحب المحلى أيضاً طرفاً من هذه الأمثلة فقال: «ولا يحل بيع شيء ممن يوقن أنه يعصي الله به أو فيه، وهو مفسوخ أبداً، كبيع كل شيء ينبذ، أو يعصر ممن يوقن أنه يعمله خمراً، وكبيع الدراهم الرديئة ممن يوقن أنه يدلس بها، وكبيع الغلمان ممن يوقن أنه يفسق بهم أو يخصيهم، وكبيع المملوك ممن يوقن أنه يسيء ملكته، أو كبيع السلاح أو الخيل ممن يوقن أنه يعدو بها على المسلمين، أو كبيع الحرير ممن يوقن أنه يلبسه، وهكذا في كل شيء» (٢).
стр. 52
يقول ابن القيم ﵀: «قال الإمام أحمد: (نهى رسول الله ﷺ عن بيع السلاح في الفتنة)، ولا ريب أن هذا سد لذريعة الإعانة على المعصية، ويلزم من لم يسد الذرائع أن يجوّز هذا البيع كما صرحوا به، ومن المعلوم أنّ هذا البيع يتضمن الإعانة على الإثم والعدوان وفي معنى هذا كل بيع أو إجارة أو معاوضة تعين على معصية الله كبيع السلاح للكفار والبغاة وقطاع الطريق، وبيع الرقيق لمن يفسق به أو يؤاجره لذلك، أو إجارة داره أو حانوته أو خانه لمن يقيم فيها سوق المعصية، وبيع الشمع أو إجارته لمن يعصي الله عليه ونحو ذلك مما هو إعانة على ما يبغضه الله ويسخطه» (١).
стр. 53
المبحث الخامس
الحيل في عقود التمويل
من الأشياء التي ارتبطت بعقود التمويل، الحيل في هذه العقود، من المعاملات في بعض الفروع الإسلامية وللأسف ما هي في حقيقتها إلا تحايل على المحرّم!، ومع إيماننا بأن «هناك حملة على البنوك الإسلامية، وهناك تشويه متعمد، وهناك كذب واختلاق، وهناك كيد وافتراء .... كل هذا صحيح ومشهود، ولكن هناك أيضاً أخطاء وانتهاكات مصدرها بالدرجة الأولى عدم الالتزام الواجب من جانب تلك البنوك والعاملين فيها بمقتضى الأسس التي تقوم عليها نظرية البنك الإسلامي» (١).
ولكن السؤال المهم: هل الأخذ بالحيل هو الحل الوحيد أمام ضغوط الواقع؟ ألا توجد منهجية أخرى تسمح للمصارف الإسلامية أن تتعامل مع الواقع بإيجابية دون أن تفقد شخصيتها (٢)، وتدخل باب الحيل بهذا الشكل المتوسع؟
لا شك أن الجواب: ليس الأخذ بالحيل هو الحل الوحيد أمام ضغوط الواقع، وأن الأخذ بالمنهج الإسلامي في التمويل سيجعل هذه المصارف قادرة على المنافسة والنجاح، دون الحاجة للأخذ بمبدأ الحيل.
ولهذا فلا بد من الكلام عن الحيل.
أولاً: تعريف الحيل:
الحيل لغة: قال ابن فارس ﵀: «الحاء والواو واللام أصل واحد، وهو تحرك في دور، فالحول: العام، وذلك أنه يحول أي: يدور» (٣).
стр. 54
الحيل اصطلاحاً: الحيل في الاصطلاح هي: «قلب الأحكام الثابتة شرعاً إلى أحكام أخرى، بفعل صحيح الظاهر لغو في الباطن، كانت الأحكام من خطاب التكليف أو من خطاب الوضع» (١).
أقسام الحيل (٢):
تنقسم الحيل باعتبار مشروعيتها إلى حيل مشروعة وحيل محرمة.
١) الحيل المشروعة: وهي الحيل التي تتخذ للتخلص من المآثم للتوصل إلى الحلال، أو إلى الحقوق، أو إلى دفع باطل، وهي الحيل التي لا تهدم أصلا مشروعا ولا تناقض مصلحة شرعية.
٢) الحيل المحرمة: وهي الحيل التي يتوصل بها إلى إسقاط الواجبات والحقوق، وإباحة المحرم، ومنه ما يبلغ درجة الكفر والردة، ومن أمثلة هذا النوع التحيل بالردة عن الإسلام والعياذ بالله لحرمان الوارث من الإرث، أو التحيل بالردة على فسخ النكاح، وهذا النوع هو الذي هاجمه الفقهاء، وأجمعوا على حرمته وشناعته، وهو كما ذكر ابن القيم: «حرام باتفاق المسلمين، وذلك كالحيل على أخذ أموال الناس، وظلمهم في نفوسهم، وسفك دمائهم، وإبطال حقوقهم، وإفساد ذات بينهم، وهي من جنس حيل الشياطين … ولا يختلف المسلمون أن تعليم هذه الحيل حرام، والإفتاء بها حرام، والشهادة على مضمونها حرام، والحكم بها مع العلم بحالها حرام، والذين جوزوا منها ما جوزوا من الأئمة لا يجوز أن يظن بهم أنهم جوزوه على وجه الحيلة إلى المحرم وإنما جوزوا صورة ذلك
стр. 55
الفعل، ثم إن المتحيل المخادع المكار أخذ صورة ما أفتوا به فتوسل به إلى ما منعوا منه وركب ذلك على أقوالهم وفتواهم وهذا فيه الكذب عليهم وعلى الشارع» (١).
وضابط هذا النوع من الحيل المحرمة: هو «ما هدم أصلا شرعيًا وناقض مصلحة شرعية، فإن فرضنا أن الحيلة لا تهدم أصلًا شرعيًا، ولا تناقض مصلحة شهد الشرع باعتبارها؛ فغير داخلة في النهي ولا هي باطلة» (٢)، وبهذا الضابط يظهر لنا أن «الحيلة المحرمة الباطلة، هي التي تتضمن تحليل ما حرمه الله، أو تحريم ما أحله الله، أو إسقاط ما أوجبه الله، وأما حيلة تتضمن الخلاص من الآصار والأغلال، والتخلص من لعنة الكبير المتعال، فأهلا بها من حيلة وبأمثالها» (٣).
وهذا النوع هو المراد بالبحث هنا، وقد اتفق الفقهاء على منعها وتحريمها، لأنها مخادعة لله فإنها تقتضي رفع التحريم مع قيام موجبه، فيصير المحرم حلالاً في الظاهر، أو تقضي بإسقاط الواجب مع قيام سبب، فيصير غير واجب في الظاهر.
وقد بسط ابن القيم الأدلة على تحريم الحيل في كتابه إعلام الموقعين، ورد على الأدلة التي استدل بها من أباح الحيل، والذي يهمنا هنا بيان موقف الفقهاء من الحيل (٤).
ثانياً: حكم الحيل الربوية:
الحيل الربوبية هي من الحيل المحرّمة، وهي التي -كما مرّ- يقصد بها الوصول إلى المحرّم بطريق ظاهره الإباحة والحلُّ.
стр. 56
وإذا تقرر عندنا حرمة هذا النوع من الحيل، وأن الشريعة سدت الذرائع المؤدية إلى الحرام، ومنعت وسائل الفساد، وسدت الطرق المؤدية إليه، ودفعها قبل وقوعها، تفرع عن ذلك منع الحيل وإبطالها، لأن الحكم ببطلانها مبني على النظر فيما تؤول إليه من الوقوع في الإثم، ومناقضة قصد الشارع. وهذا عام في كل أحكام الشريعة، ومنه المعاملات المالية.
والمتأمل في حال معاملات الناس اليوم، يجد أن هناك تحيّلاً واضحاً على الحرام، وهذا ما تفعله بعض المصارف الربوية، والمصارف المحافظة (الإسلامية).
ولنأخذ مثلاً المعاملات المالية الإسلامية في البنوك المصرفية سواء منها التقليدية أم الإسلامية، يجد المتأمل أن كثيراً منها وللأسف صار يتجه للأخذ بالصورية المحرمة في العقود، وهذه الصورية ما هي في حقيقتها إلا تحايل على المحرّم!، ومثل هذه الأفعال - ومن باب إحسان الظن بالقائمين على المصارف- سببه الرغبة الكبيرة في نجاح هذه التجربة عند القائمين عليها، والحذر الشديد على أموال المساهمين، والتي دفعت بعض المصارف الإسلامية نحو خيارات أكثر أماناً وأكثر ربحاً، وهذه الرغبة ليست خاطئة، بل يشكرون عليها، لا سيما في المرحلة التي سيفسر أي إخفاق فيها بأنه دليل على فشل الفكرة وليس الممارسة، وسيعطي أعداء المصارف الإسلامية حجة جديدة على ضرورة الربا - كما يزعمون - في نجاح الاقتصاد! ولكن هذه الرغبة الجامحة والحذر الشديد لم يقابلها حرص كافٍ على سلامة الاتجاه، وصحة المسيرة نحو أهداف هذه المصارف الإسلامية.
وبسبب ذلك أصبحت المعاملات المصارف الإسلامية المالية تتجه نحو الأمان والربح أكثر مما تتجه نحو الرؤية والأهداف، حتى اقتربت بعض معاملات المصارف
стр. 57
الإسلامية من ممارسات المصارف الربوية، ومن بوابة "المواعدة الملزمة" في المرابحة للآمر بالشراء دخلت العقود المحرمة باسم المواعدة وليس باسم العقد! وصار دور كثير من الهيئات الشرعية في بعض هذه المصارف البحث عن المخارج الشرعية للعقود المحرمة، عبر الحيل والمخارج عند الفقهاء السابقين، حتى ولو أدى الأمر لنبش الأقوال الشاذة والمهجورة من أجل تجويز تلك العقود الصورية! وهذا الذي جعل فقهاء الصيرفة الإسلامية - والحريصين على المصارف الإسلامية - يوجهون النقد لهذه المصارف التي انحرفت عن الهدف المقصود منها.
ولهذا يقول الدكتور أحمد النجار وهو الخبير بالنظرية الإسلامية في الاقتصاد، يقول: «هناك حملة على البنوك الإسلامية، وهناك تشويه متعمد، وهناك كذب واختلاق، وهناك كيد وافتراء .. كل هذا صحيح ومشهود. ولكن هناك أيضاً أخطاء وانتهاكات مصدرها بالدرجة الأولى هو عدم الالتزام الواجب من جانب تلك البنوك والعاملين فيها بمقتضى الأسس التي تقوم عليها نظرية البنك الإسلامي» (١).
وهذا الذي جعل بعض وسائل الإعلام يطلق على البنوك الإسلامية "البنوك الإسلاربوية"!
وهذه التهم وإن كان فيها تجوز وتجنّ (٢)، إلا أن اتجاه كثير من البنوك للعقود التي ظاهرها صحيح وباطنها غير صحيح، ولا تعدو إلا حيلة على المحرّم، وتعاون
стр. 58
بين البنوك والعملاء على الإثم والعدوان، وهذا الاتجاه أضعف موقف البنوك الإسلامية نوعاً ما.
والحل الأمثل لمعالجة هذه الأخطاء هو وجود هيئة شرعية، ورقابة حقيقية من أجل تنفيذ تلك القرارات. والناظر لحال المصارف الإسلامية يجد أنها على ضربين:
الضرب الأول: مصارف إسلامية ملتزمة بالشريعة الإسلامية، ولديها هيئة شرعية تهتم بمراجعة معاملات المصرف، وتمارس دوراً حقيقياً في ضبط معاملات المصرف وجعلها متوافقة مع الشريعة، وليس المراد الآن الحديث عن دور هذه الهيئات الشرعية، وإنما الإشارة إلى أن هناك مصارف ملتزمة بالشريعة، حتى بلغت نسبة التزام بعض المصارف بالقرارات الصادرة من الهيئة الشريعة ٩٠%، مما يدل على أن الكلام الذي يردده أعداء ومناوئو المصارف الإسلامية غير دقيق، وأنه نابع إما عن جهل وإما عن حقد.
الضرب الثاني: وهي تلك المصارف الإسلامية التي لا يوجد لديها هيئات شرعية معتبرة، أو أنها لا تلتزم بقرارات الهيئة كما يحصل من بعض المصارف!، وهي التي ربما صدق عليها ولو وبنسبة معينة بعض كلام هؤلاء، فأصبح الأمر كما يقول الدكتور النجار: «لكنني في نفس الوقت نظرت إلى حركة البنوك الإسلامية، فإذا بعشرة أعوام قد مضت على بدء انتشارها، وإذا ببعضها حريص على الالتزام بأصل الفكرة، جاد في السعي نحو الأخذ بالصحيح. وبعضها الآخر مُكتفٍ باللافتة وسعيد بها، يمارس تحت مظلتها التزاما شكليا وتطبيقا عمليا يلحقه بجدارة بمعسكر البنوك التقليدية دون منازع» (١).
стр. 59
ثالثاً: الفرق بين الحيل الربوية والمخارج الشرعية:
ما تقدم آنفاً هو متجه إلى الحيل الربوية المحرّمة والتي سبق بيان المقصود بها، ولا يعني هذا ذم هذا الباب وإغلاقه مطلقاً، فالحيل بشكل عام تجري فيها الأحكام الخمسة، وهي: «التحريم، والكراهة، والإباحة، والندب، والوجوب».
يقول الحافظ ابن حجر ﵀: «وهي عند العلماء على أقسام بحسب الحامل عليها، فإن توصل بها بطريق مباح إلى إبطال حق أو إثبات باطل فهي حرام، أو إلى إثبات حق أو دفع باطل فهي واجبة أو مستحبة، وإن توصل بها بطريق مباح إلى سلامة من وقوع في مكروه فهي مستحبة أو مباحة، أو إلى ترك مندوب فهي مكروهة. ووقع الخلاف بين الأئمة في القسم الأول: هل يصح مطلقا وينفذ ظاهرا وباطنا، أو يبطل مطلقا، أو يصح مع الإثم؟» (١).
وعليه فمن أطلق تحريم الحيل من أهل العلم فهو يقصد الحيل المحرّمة، ومن قال بجواز الحيل فهو يقصد الحيل المشروعة، وهي ما يعرف عند الفقهاء بالمخارج الشرعية.
يقول الشاطبي ﵀: «وكذلك القول في الحيل عند من قال بها مطلقا، فإنما قال بها بناء على أن للشارع قصدا في استجلاب المصالح ودرء المفاسد، بل الشريعة لهذا وضعت، فإذا صحح مثلا نكاح المحلل؛ فإنما صححه على فرض أنه غلب على ظنه من قصد الشارع الإذن في استجلاب مصلحة الزوجين فيه، وكذلك سائر المسائل بدليل صحته في النطق بكلمة الكفر خوف القتل أو التعذيب، وفي سائر المصالح العامة والخاصة؛ إذ لا يمكن إقامة دليل في الشريعة على إبطال كل
стр. 60
حيلة، كما أنه لا يقوم دليل على تصحيح كل حيلة؛ فإنما يبطل منها ما كان مضادا لقصد الشارع خاصة، وهو الذي يتفق عليه جميع أهل الإسلام، ويقع الاختلاف في المسائل التي تتعارض فيها الأدلة» (١).
وعليه فلا يلام -بل قد يؤجر- من يبحث عن المخارج الشرعية، وأقوال الفقهاء في المعاملات المالية، من أجل تصحيح بعض العقود، وجعلها متفقة مع الشريعة الإسلامية، شريطة أن يكون ذلك مبنيا على قول معتبر، ونظر صحيح، وبعيداً عن الهوى.
* * * * *
стр. 61
الفصل الثاني
دراسة لبعض عقود التمويل
ويتشمل على اثني عشر مبحثاً:
المبحث الأول: القرض.
المبحث الثاني: التقسيط.
المبحث الثالث: التورق.
المبحث الرابع: المرابحة.
المبحث الخامس: السلم.
المبحث السادس: الاستصناع.
المبحث السابع: الإجارة المنتهية بالتمليك.
المبحث الثامن: الشركات.
المبحث التاسع: المشاركة المتناقصة.
المبحث العاشر: البطاقات المصرفية.
المبحث الحادي عشر: المقاولة.
المبحث الثاني عشر: صكوك الإجارة.
стр. 62
المبحث الأول
القرض
أولاً: تعريفه.
القرض لغة: أصل القرض في اللغة: القطع. ومعاني القرض في اللغة تدور على القطع، والمجازاة، والترك.
القرض اصطلاحاً: عرف الفقهاء القرض بتعريفات متقاربة تدل على أنه: «دفع مال لمن ينتفع به ويرد بدله».
ثانياً: حكمه:
القرض مندوب إليه في حق المقرض، وهو من القُرَب التي حث عليها الإسلام، والأصل فيه أنه من عقود التبرعات التي يراد بها الإرفاق والإحسان إلى المقترض.
وأما بالنسبة للمقترض فحكمه: جائز عند الحاجة. فإذا كان الشخص محتاجاً للمال فيجوز له أن يقترض المال من غيره.
فعلى المقترض ألا يلجأ إلى عقد التمويل إلا إذا كان محتاجاً إلى الدخول في ذلك العقد؛ لأنه يترتب على عقد التمويل انشغال ذمة الممول، كما أشرنا إليه سابقا، فيجب أن يقتصر فيه على قدر الحاجة ولا يتوسع فيه.
ثالثاً: المنفعة في القرض (١):
تعريف المنفعة: المنفعة هي قابلية الشيء لإشباع رغبة بشرية.
أنواع المنافع في القرض وأحكامها:
المنافع في القرض نوعان:
النوع الأول: المنافع المشروطة في القرض:
وهي كثيرة ومن أهمها:
стр. 63
الزيادة في بدل القرض: الواجب في القرض رد البدل المساوي في الصفة والقدر، فقد اتفق العلماء -كما تقدم - على تحريم اشتراط الزيادة في بدل القرض للمقرض، وأن هذه الزيادة ربا، سواء كانت الزيادة في الصفة (كأن يشترط على المقترض رد أجود مما أخذ)، أم عيناً (كأن يقترض مالاً ويشترط عليه رده مع هدية من مال آخر) أم منفعة (كأن يقترض مالاً ويشترط عليه رده مع عمل المقترض عند المقرض مدة).
ولم يفرَّق في الحكم بين اشتراط الزيادة في بداية العقد أو عند تأجيل الوفاء.
وتسمى الزيادة المشروطة في القرض: ربا القرض، وهي من ربا الجاهلية.
وقد نُقل الإجماع على تحريم الزيادة في بدل القرض، للأدلة الآتية:
الدليل الأول: النصوص التي دلت على تحريم الربا، ومنها:
١) قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥].
٢) قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨].
٣) قول النبي ﷺ في حجة الوداع: (وربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضع ربانا، ربا العباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله) (١).
٤) قوله ﷺ : (الذهب بالذهب والفضة بالفضة والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلاً بمثل، سواء بسواء، يداً بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد) (٢).
стр. 64
ووجه الاستدلال منها: أن صورة القرض في الحقيقة هي صورة ربا النسيئة، لكن لما كان مبنى القرض التبرع ومبنى البيع المعاوضة غاير الشارع بينهما في الحكم، فإذا اشترطت الزيادة في القرض خرج عن موضوعه وهو التبرع والإرفاق إلى المعاوضة فجرى فيه ما يجري فيها، فيشمله النهي في تلك النصوص وتتقيد بما يتقيد به البيع فيها وهو أن يكون (مثلاً بمثل، ويداً بيد).
الدليل الثاني: حديث: (كل قرض جر منفعة فهو ربا).
وهذا الحديث روي مرفوعاً بإسناد ضعيف جداً، وموقوفاً بإسناد ضعيف، ولكن معناه صحيح إذا كان القرض مشروطاً فيه نفع للمقرض فقط أو ما كان في حكم المشروط، وقد تلقى كثير من العلماء هذا الحديث بالقبول، وعضده أدلة من الكتاب والسنة والإجماع والمعقول والآثار عن الصحابة والتابعين الدالة على تحريم كل قرض جر منفعة.
النوع الثاني: المنافع المادية غير المشروطة في القرض وأحكامها:
وهي قسمان:
القسم الأول: المنافع المادية غير المشروطة عند الوفاء: اتفق العلماء على تحريم الزيادة - في القدر أو الصفة - المشروطة في بدل القرض للمقرض، واختلفوا في حكمها إذا لم تكن مشروطة على أقوال، الراجح منها الجواز، وهو مذهب الحنفية (١)، وقول عند المالكية (٢)، ومذهب الشافعية (٣)، والمذهب عند الحنابلة (٤)، يدل على ذلك ما جاء عن أبي رافع ﵁: أن رسول اللّه ﷺ استسلف من
стр. 65
رجل بكراً، فقدمت عليه إبل من إبل الصدقة، فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بكره، فرجع إليه أبو رافع فقال لم أجد فيها إلا خياراً رباعياً، فقال: (أعطه إياه إنّ خيار الناس أحسنهم قضاءً) (١).
القسم الثاني: المنافع المادية غير المشروطة قبل الوفاء: إذا بذل المقترض للمقرض منفعة غير مشروطة أثناء مدة القرض -قبل الوفاء-، مثل: الهدية للمقرض، والاستضافة، وركوب الدابة، ونحو ذلك من المنافع التي قد يبذلها المقترض قبل الوفاء، فقد اختلف الفقهاء في حكمها إذا كانت من غير شرط، والراجح هو التحريم، وهو مذهب المالكية، والحنابلة، خلافاً للشافعية، وهذا فيما إن كانت تلك المنافع من أجل القرض أو في مقابله.
أما إن كانت تلك المنافع ليست من أجل القرض، مثل ما إذا كانت العادة جارية بينهما بذلك قبل القرض، أو حدث سبب موجب لهذه المنافع بعد القرض كالجوار ونحوه، فإنه يجوز. ويدل على ذلك:
حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول اللّه ﷺ : (إذا أقرض أحدكم قرضاً فأهدى إليه أو حمله على الدابة فلا يركبها ولا يقبله، إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك) (٢).
رابعاً: تطبيقات معاصرة للمنفعة في القرض:
أولاً: الودائع الجارية:
تعريف الودائع الجارية:
للوديعة تعريف عند الفقهاء، وتعريف في عرف المصارف المالية.
стр. 66
فالفقهاء يطلقون الوديعة على العين التي توضع عند الغير ليحفظها، فهي: «المال المتروك عند الغير للحفظ قصداً بغير أجر» (١).
وأما تعريفها في عرف المصارف: فقد عرفت الودائع المصرفية بعدة تعريفات متقاربة ومن ذلك:
أنه: «يقصد بالوديعة المصرفية النقدية - في خصوص هذا البحث - النقود التي يعهد بها الأفراد أو الهيئات إلى البنك على أن يتعهد الأخير بردها أو برد مبلغ مساو لها وإليهم أو إلى شخص آخر معين، لدى الطلب أو بالشروط المتفق عليها» (٢).
وعُرّفت بأنها: «المال الذي أودعه صاحبه في مصرف من المصارف المالية، إما لمدة محددة، أو بتعاهد من الفريقين بأنّ للمالك أن يستعيده كله أو جزءاً منه متى شاء» (٣).
وهذا التباين في تعريف الوديعة عند الفقهاء وتعريفها عند الاقتصاديين، جعل بعض الباحثين في الاقتصاد الإسلامي يعدل عن مصطلح: " الوديعة المصرفية " إلى مصطلح: "الحسابات المصرفية"؛ وذلك لأسباب منها:
أن ما يسمى "الودائع المصرفية" لا ينطبق عليه تعريف ولا أحكام الودائع في الفقه الإسلامي، وإنما هي قروض في الحقيقة (٤).
стр. 67
والذي يهمنا تقريره هنا: هو أن الإيداع المصرفي يختلف «عن الإيداع بمفهومه اللغوي والفقهي المعروف بمعنى الأمانة المحفوظة، وقد يرى بعضهم أن الإيداع لدى البنوك تغلب عليه فكرة الحفظ التي تقرب عقد الوديعة المصرفية من عقد الوديعة المعروف، غير أن هذا التكييف يتعارض مع النتائج العلمية التي تترتب على الإيداع المصرفي، ومن أهمها استعمال البنك للنقود المودعة لمصلحته، ومن هنا فإن المبادئ الخاصة بعقد الوديعة لا تنطبق على الوديعة المصرفية، لأنه فيما عدا الحالة الاستثنائية إيداع نقود بذاتها - وهذا أمر نادر عملياً - فإن البنك لا يقصد أبداً المحافظة على النقود التي تلقاها بعينها بل يقصد استخدامها على أن يرد مثلها، وهذا بالإضافة إلى أنه ما دام البنك مأذوناً له في استعمال الوديعة فقد سقط عنه التزام الحفظ حيث الوديعة تهلك بالاستعمال.
وإذا نظرنا إلى تكييف الوديعة في الفقه الإسلامي فهي رغم أنها - كما يفهم من كلام الفقهاء - لا تخرج عموماً عن كونها توكيلاً أو استنابة في حفظ المال إلا أنها إذا كان مأذوناً فيها باستعمال الشيء المودع و الانتفاع به تصبح عارية، وإذا كان هذا الشيء نقوداً أو شيئاً مثلياً مما يهلك باستعماله فإن العارية تنقلب إلى قرض» (١).
جاء في المبسوط: «عارية الدراهم والدنانير والفلوس قرض؛ لأن الإعارة إذن في الانتفاع ولا يتأتى الانتفاع بالنقود إلا باستهلاك عينها، فيصير مأذوناً في ذلك» (٢).
стр. 68
وجاء في المغني: «ويجوز استعارة الدراهم والدنانير ليزن بها، فإن استعارها لينفقها فهذا قرض» (١).
وجاء في كشاف القناع: «فإن استعارها، أي: الدراهم والدنانير لينفقها أو أطلق أو استعار مكيلا أو موزونا ليأكله، أو أطلق، فقرض تغليبا للمعنى، فملكه بالقبض» (٢).
وهذا القول هو الموافق لتكييف القانون للوديعة المصرفية، أنها قرض، وهو الذي أقره وأخذ به مجمع الفقه الإسلامي في دورة مؤتمره التاسع بأبو ظبي بدولة الإمارات العربية المتحدة من ١ إلى ٦ ذي القعدة ١٤١٥ هـ، الموافق ل: ١ - ٦ أبريل ١٩٩٥ م.
والذي جاء فيه: «بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع: "الودائع المصرفية (حسابات المصارف) "، وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله، قرر ما يلي:
أولاً: الودائع تحت الطلب (الحسابات الجارية) سواء أكانت لدى البنوك الإسلامية أو البنوك الربوية: هي قروض بالمنظور الفقهي، حيث إن المصرف المتسلِّم لهذه الودائع يده يد ضمان لها، وهو ملزم شرعاً بالرد عند الطلب. ولا يؤثر على حكم القرض كون البنك (المقترض) مليئاً.
ثانياً: إن الودائع المصرفية تنقسم إلى نوعين بحسب واقع التعامل المصرفي:
(أ) الودائع التي تدفع لها فوائد، كما هو الحال في البنوك الربوية: هي قروض ربوية محرمة، سواء أكانت من نوع الودائع تحت الطلب (الحسابات الجارية) أم الودائع لأجل، أم الودائع بإشعار، أم حسابات التوفير.
стр. 69
(ب) الودائع التي تسلم للبنوك الملتزمة فعلياً بأحكام الشريعة الإسلامية بعقد استثماري على حصة من الربح: هي رأس مال مضاربة، وتطبق عليها أحكام المضاربة (القراض) في الفقه الإسلامي التي منها عدم جواز ضمان المضارب (البنك) لرأس مال المضاربة.
ثالثاً: إن الضمان في الودائع تحت الطلب (الحسابات الجارية) هو على المقترضين لها (المساهمين في البنوك) ما داموا ينفردون بالأرباح المتولدة من استثمارها، ولا يشترك في ضمان تلك الحسابات الجارية المودعون في حسابات الاستثمار، لأنهم لم يشاركوا في اقتراضها ولا استحقاق أرباحها" (١).
أنواع الودائع المصرفية (٢):
النوع الأول: الحسابات أو الودائع الجارية أو التي تسمى تحت الطلب، وهي إما أن تسمى حسابات أو تسمى ودائع، فالتسمية واحدة، وإما أن يقال جارية أو تحت الطلب.
يقصد بهذا النوع من الحسابات: المبالغ التي يودعها أصحابها لدى البنوك وتكون حاضرة للتداول وتحت طلب العاملين في أي لحظة متى ما أرادها العميل يستطيع أن يسحب من رصيده، فهي جاهزة في أي لحظة يستطيع أن يطلبها.
стр. 70
وتنقسم هذه الودائع إلى الأقسام التالية:
ودائع الأفراد: وهي الودائع التي يعهد بها أفراد الناس إلى المصرف، وذلك لحفظ أموالهم في المصرف.
ودائع الشركات والهيئات: وهي الودائع التي تعهد بها الشركات أو الهيئات إلى المصرف.
ودائع البنوك الأخرى: إن طبيعة الأعمال التجارية والمالية في أي بلد تحتم أنواعاً من الاتصال والتعاون بين المؤسسات المالية وخاصة البنوك، لذلك يجد كثير من البنوك الحاجة ملحة لفتح حسابات لدى البنوك الأخرى.
النوع الثاني: الودائع الادخارية (التوفير)، وتسمى الودائع الثابتة، وغير الجارية: وهي المبالغ التي يودعها أصحابها في المصرف، ويكون لهم حق سحبها كاملة متى شاءوا، غير أن هذا الإيداع يخضع لقيود وشروط تجعل تصرف المودع فيها أقل من تصرفه في الودائع الجارية، ويصرف المصرف مقابل ذلك فائدة للعميل أقل من فائدة الودائع الثابتة.
وتنقسم إلى إلى نوعين:
النوع الأول: الودائع لأجل ثابت معين: وهي عبارة عن المبالغ التي يضعها صاحبها في البنك بناء على اتفاق بينهما ولا يمكن للمودع سحبها أو شيئاً منها إلا بعد حلول الأجل المعين حسب الشروط المتفق عليها.
النوع الثاني: الودائع بشرط الإخطار: وهي الودائع التي يمكن لصاحبها أن يسحبها ولكن بعد أن يعطي إشعاراً بذلك إلى البنك يحدد له مهلة معينة لسحبها، ابتداء من تاريخ الإشعار- أو الإخطار -.
ودائع التوفير: ولها صور متعددة، منها:
- أن يقوم صاحب هذا النوع من الودائع بإيداع مبالغ متفرقة بين الحين و الآخر، بحيث إنه إذا أودع مبلغاً استحق فائدة عليه من حين الإيداع.
стр. 71
- ومن الصور: ما يسمى بودائع الادخار، وهي عبارة عن مبالغ يودعها الأفراد ونحوهم لدى البنوك ولا يكون لهم الحق في السحب منها إلا في فترات محددة كمرة في الأسبوع - مثلاً-.
حكم الإيداع في الحساب الجاري في المصارف الربوية:
لا خلاف بين الفقهاء المعاصرين في جواز الإيداع في المصارف الربوية للضرورة متى وجدت الضرورة إلى ذلك بحيث يخشى الإنسان على ماله أن يسرق أو ينهب، بل ربما يخشى على نفسه أن يقتل ليؤخذ ماله، فلا بأس؛ لقول الله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] (١).
واختلفوا في حكم الإيداع من غير ضرورة على قولين:
والقول الراجح هو تحريم الإيداع لدى البنوك الربوية، وبه صدر قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي، وأفتت به اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في المملكة العربية السعودية، والهيئات الشرعية في المصارف الإسلامية، كالهيئة الشرعية لمصرف الراجحي، والهيئة الشرعية في بيت التمويل الكويتي، وهو قول أكثر العلماء المعاصرين.
يدل على ذلك ما يلي:
الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢].
وجه الدلالة: أن الله نهى عن التعاون على الإثم، والإيداع عند المصارف الربوية إعانة لهم على الربا؛ وذلك لأن هذا الإيداع سيؤدي إلى تقوية مركزها
стр. 72
المالي، «حيث تعد هذه الحسابات أهم موارد هذه المصارف، فهي تزيد عن ٩٠% من مجمل مواردها» (١).
وهذا المال الذي أتى لأصحاب المصارف الربوية بهذه القوة وهذه السيطرة لم يكن في البداية مالهم الخاص، بل أكثره مال المودعين الذي أودعوه في خزائنهم، وشيئاً فشيئا تركز أكثر المال السائل في المجتمع في حوزتهم، وهكذا دانت لهم السيطرة المالية بغير أي كد أو جهد بذلوه، بل كانت عملية امتصاص دماء المجتمع وهم رابضون في بنوكهم، وفي المقابل كان هذا الإيداع سبباً لإضعاف المصارف الإسلامية التي يجب دعمها عبر الإيداع فيها.
الدليل الثاني: أن الإيداع على الصحيح يُكَيَّفُ على أنه قرض، وقد نص الفقهاء على أنه لا يجوز القرض متى كان وسيلة للمحرّم، والمودع هو معين لهذه المصارف على الربا بهذا القرض.
وأما قول بعضهم: إن المودع لم يقصد إعانة المصرف الربوي على الربا، وإنما قصد حفظ ماله.
فيجاب عنه: بأنه لا يشترط وجود القصد في الإعانة كما سبق بيانه في ضوابط الإعانة، بل متى كانت الإعانة متحققة أو غلب الظن على وقوعها حرمت، سواء قصد المعين الإعانة أم لا.
يقول ابن تيمية ﵀: «إن الذرائع حرمها الشارع وإن لم يقصد بها المحرم خشية إفضائها إلى المحرم فإذا قصد بالشيء نفس المحرم كان أولى بالتحريم من
стр. 73
الذرائع، وبهذا التحرير يظهر علة التحريم في مسائل العينة وأمثالها وإن لم يقصد البائع الربا؛ لأن هذه المعاملة يغلب فيها قصد الربا فيصير ذريعة فيسد هذا الباب، لئلا يتخذه الناس ذريعة إلى الربا، ويقول القائل لم أقصد به ذلك، ولئلا يدعو الناس فعله مرة أخرى، ولئلا يعتقد أن جنس هذه المعاملة حلال، ولا يميز بين القصد وعدمه، ولئلا يفعلها الإنسان مع قصد خفي يخفي من نفسه على نفسه» (١).
ثانياً: المنافع التي ينتفع بها المقرض (صاحب الحساب).
دفتر الشيكات و بطاقة الصراف الآلي:
يجوز انتفاع صاحب الحساب الجاري بدفتر الشيكات وبطاقة الصراف الآلي دون مقابل؛ لأن المنفعة هنا حقيقة عائدةلهحيث يتمكن من خلال هذه الخدمات من استيفاء قرضه.
الجوائز على القروض:
الجوائز والهدايا إذا كان سببها هو القرض، بحيث إن من يقرض البنك مثلاً يعطى من هذه الجوائز والهدايا، فقد تقدم أن الهدية للمقرض قبل الوفاء إذا كانت بسبب القرض فإنها محرمة.
ثالثاً: صناديق التنمية الحكومية:
القروض التي تقدمها تعد من التمويل بالقرض الحسن من دون زيادة، صندوق التنمية العقاري، صندوق التنمية الصناعي، صندوق الزراعي، بنك التسليف؛ القروض التي تقدمها الجمعيات الخيرية، كلها تعد قروضاً حسنة، وهي نوع من انواع التمويل الإسلامي، وتسد احتياجاً كبيراً حقيقياً في المجتمع؛ لكونها مبنية على القرض الحسن، وليست فيها أي زيادة.
стр. 74
ومن المسائل المشكلة هنا الرسوم الإدارية، فبعض الجهات التمويلية التي تقدم قرضاً حسناً تشترط عندما تقدم القرض الحسن: أن تأخذ رسوماً إدارية لتغطية تكاليف الإقراض، مثلاً: قد تكون جهاز التمويل: نعطي القرض مليون ريال، ويرد مليوناً كما هو من دون زيادة، لكن على المقترض أن يتحمل تكاليف الدراسة الائتمانية، الرسوم الإدارية، تكاليف متابعة المشروع، لأن الجهة الممولة ستتابع المشروع، وهذا يحملها تكاليف متعددة؛ مصاريف فرق ميدانية، ومهندسين، دراسات مالية، دراسات هندسية، … إلى غير ذلك، هل يجوز تحميل هذه المصروفات على المقترض؟
نقول: إذا كانت هذه المصروفات الإدارية في عقد القرض الحسن بقدر التكلفة الفعلية، يعني لم تربح الجهة الممولة في ذلك، وإنما أرادت تغطية تلك التكاليف، فهنا يجوز هذا، يجوز لها أخذ هذه الرسوم.
* * * * *
стр. 75
المبحث الثاني: التقسيط
بيع التقسيط هو من عقود التمويل، أو الخدمات الائتمانية التي تقدمها المصارف الإسلامية.
ولم يعرف بيع التقسيط كمصطلح عند الفقهاء القدامى، لكن في عباراتهم ما يفيد معناه في بيوع الآجال، لاسيما وبيع التقسيط يعد فرعاً من بيوع الآجال، التي تباع فيها السلعة بثمن مؤجل أعلى من السعر الجاري، لكن يختلف عنه في أن التقسيط قد يكون الثمن مؤجلاً على دفعات متقاربة، أو متباعدة، بينما بيع الأجل يكون الثمن مؤجلاً مدة يسيرة، أو كثيرة، لكن يدفع جملة واحدة، فبين التقسيط والتأجيل عموم وخصوص، ففي كل تقسيط تأجيل.
أولاً: تعريفه:
التقسيط لغة: القاف والسين والطاء، وهذا أصل صحيح كما يقول ابن فارس، وهو يدل على معنين متضادين.
فالقسط العدل ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢].
والقسط بفتح القاف: الجور.
ومن معاني التقسيط: تفريق الشيء، والاقتسام بالسوية، والتقتير.
التقسيط اصطلاحاً: عقدٌ على مبيع حال بثمن مُؤَجل يُسدد مفرقًا على أَجزاءٍ معلومة في أَوقات معلومة.
ثانياً: حكم بيع التقسيط:
التقسيط من العقود التي عرفها الفقهاء المتقدمون، وذكروه في كتبهم، وإن كانوا لم يذكروه بهذا الاسم إلا أنهم ذكروه في بيوع الآجال.