← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1653

أحكام عقود التمويل في الفقه الإسلامي

عبد الله المعيدي

Полный текст (199 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

- ومن الصور: ما يسمى بودائع الادخار، وهي عبارة عن مبالغ يودعها الأفراد ونحوهم لدى البنوك ولا يكون لهم الحق في السحب منها إلا في فترات محددة كمرة في الأسبوع - مثلاً-. حكم الإيداع في الحساب الجاري في المصارف الربوية: لا خلاف بين الفقهاء المعاصرين في جواز الإيداع في المصارف الربوية للضرورة متى وجدت الضرورة إلى ذلك بحيث يخشى الإنسان على ماله أن يسرق أو ينهب، بل ربما يخشى على نفسه أن يقتل ليؤخذ ماله، فلا بأس؛ لقول الله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] (١). واختلفوا في حكم الإيداع من غير ضرورة على قولين: والقول الراجح هو تحريم الإيداع لدى البنوك الربوية، وبه صدر قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي، وأفتت به اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في المملكة العربية السعودية، والهيئات الشرعية في المصارف الإسلامية، كالهيئة الشرعية لمصرف الراجحي، والهيئة الشرعية في بيت التمويل الكويتي، وهو قول أكثر العلماء المعاصرين. يدل على ذلك ما يلي: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]. وجه الدلالة: أن الله نهى عن التعاون على الإثم، والإيداع عند المصارف الربوية إعانة لهم على الربا؛ وذلك لأن هذا الإيداع سيؤدي إلى تقوية مركزها

стр. 72

المالي، «حيث تعد هذه الحسابات أهم موارد هذه المصارف، فهي تزيد عن ٩٠% من مجمل مواردها» (١). وهذا المال الذي أتى لأصحاب المصارف الربوية بهذه القوة وهذه السيطرة لم يكن في البداية مالهم الخاص، بل أكثره مال المودعين الذي أودعوه في خزائنهم، وشيئاً فشيئا تركز أكثر المال السائل في المجتمع في حوزتهم، وهكذا دانت لهم السيطرة المالية بغير أي كد أو جهد بذلوه، بل كانت عملية امتصاص دماء المجتمع وهم رابضون في بنوكهم، وفي المقابل كان هذا الإيداع سبباً لإضعاف المصارف الإسلامية التي يجب دعمها عبر الإيداع فيها. الدليل الثاني: أن الإيداع على الصحيح يُكَيَّفُ على أنه قرض، وقد نص الفقهاء على أنه لا يجوز القرض متى كان وسيلة للمحرّم، والمودع هو معين لهذه المصارف على الربا بهذا القرض. وأما قول بعضهم: إن المودع لم يقصد إعانة المصرف الربوي على الربا، وإنما قصد حفظ ماله. فيجاب عنه: بأنه لا يشترط وجود القصد في الإعانة كما سبق بيانه في ضوابط الإعانة، بل متى كانت الإعانة متحققة أو غلب الظن على وقوعها حرمت، سواء قصد المعين الإعانة أم لا. يقول ابن تيمية ﵀: «إن الذرائع حرمها الشارع وإن لم يقصد بها المحرم خشية إفضائها إلى المحرم فإذا قصد بالشيء نفس المحرم كان أولى بالتحريم من

стр. 73

الذرائع، وبهذا التحرير يظهر علة التحريم في مسائل العينة وأمثالها وإن لم يقصد البائع الربا؛ لأن هذه المعاملة يغلب فيها قصد الربا فيصير ذريعة فيسد هذا الباب، لئلا يتخذه الناس ذريعة إلى الربا، ويقول القائل لم أقصد به ذلك، ولئلا يدعو الناس فعله مرة أخرى، ولئلا يعتقد أن جنس هذه المعاملة حلال، ولا يميز بين القصد وعدمه، ولئلا يفعلها الإنسان مع قصد خفي يخفي من نفسه على نفسه» (١). ثانياً: المنافع التي ينتفع بها المقرض (صاحب الحساب). دفتر الشيكات و بطاقة الصراف الآلي: يجوز انتفاع صاحب الحساب الجاري بدفتر الشيكات وبطاقة الصراف الآلي دون مقابل؛ لأن المنفعة هنا حقيقة عائدةلهحيث يتمكن من خلال هذه الخدمات من استيفاء قرضه. الجوائز على القروض: الجوائز والهدايا إذا كان سببها هو القرض، بحيث إن من يقرض البنك مثلاً يعطى من هذه الجوائز والهدايا، فقد تقدم أن الهدية للمقرض قبل الوفاء إذا كانت بسبب القرض فإنها محرمة. ثالثاً: صناديق التنمية الحكومية: القروض التي تقدمها تعد من التمويل بالقرض الحسن من دون زيادة، صندوق التنمية العقاري، صندوق التنمية الصناعي، صندوق الزراعي، بنك التسليف؛ القروض التي تقدمها الجمعيات الخيرية، كلها تعد قروضاً حسنة، وهي نوع من انواع التمويل الإسلامي، وتسد احتياجاً كبيراً حقيقياً في المجتمع؛ لكونها مبنية على القرض الحسن، وليست فيها أي زيادة.

стр. 74

ومن المسائل المشكلة هنا الرسوم الإدارية، فبعض الجهات التمويلية التي تقدم قرضاً حسناً تشترط عندما تقدم القرض الحسن: أن تأخذ رسوماً إدارية لتغطية تكاليف الإقراض، مثلاً: قد تكون جهاز التمويل: نعطي القرض مليون ريال، ويرد مليوناً كما هو من دون زيادة، لكن على المقترض أن يتحمل تكاليف الدراسة الائتمانية، الرسوم الإدارية، تكاليف متابعة المشروع، لأن الجهة الممولة ستتابع المشروع، وهذا يحملها تكاليف متعددة؛ مصاريف فرق ميدانية، ومهندسين، دراسات مالية، دراسات هندسية، … إلى غير ذلك، هل يجوز تحميل هذه المصروفات على المقترض؟ نقول: إذا كانت هذه المصروفات الإدارية في عقد القرض الحسن بقدر التكلفة الفعلية، يعني لم تربح الجهة الممولة في ذلك، وإنما أرادت تغطية تلك التكاليف، فهنا يجوز هذا، يجوز لها أخذ هذه الرسوم. * * * * *

стр. 75

المبحث الثاني: التقسيط بيع التقسيط هو من عقود التمويل، أو الخدمات الائتمانية التي تقدمها المصارف الإسلامية. ولم يعرف بيع التقسيط كمصطلح عند الفقهاء القدامى، لكن في عباراتهم ما يفيد معناه في بيوع الآجال، لاسيما وبيع التقسيط يعد فرعاً من بيوع الآجال، التي تباع فيها السلعة بثمن مؤجل أعلى من السعر الجاري، لكن يختلف عنه في أن التقسيط قد يكون الثمن مؤجلاً على دفعات متقاربة، أو متباعدة، بينما بيع الأجل يكون الثمن مؤجلاً مدة يسيرة، أو كثيرة، لكن يدفع جملة واحدة، فبين التقسيط والتأجيل عموم وخصوص، ففي كل تقسيط تأجيل. أولاً: تعريفه: التقسيط لغة: القاف والسين والطاء، وهذا أصل صحيح كما يقول ابن فارس، وهو يدل على معنين متضادين. فالقسط العدل ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢]. والقسط بفتح القاف: الجور. ومن معاني التقسيط: تفريق الشيء، والاقتسام بالسوية، والتقتير. التقسيط اصطلاحاً: عقدٌ على مبيع حال بثمن مُؤَجل يُسدد مفرقًا على أَجزاءٍ معلومة في أَوقات معلومة. ثانياً: حكم بيع التقسيط: التقسيط من العقود التي عرفها الفقهاء المتقدمون، وذكروه في كتبهم، وإن كانوا لم يذكروه بهذا الاسم إلا أنهم ذكروه في بيوع الآجال.

стр. 76

وعامة الفقهاء على أن هذا البيع لا بأس به، وأنه بيع صحيح، وهو قول المذاهب الأربعة (١)، بل قد حكي الإجماع على جوازه، وممن حكى الإجماع على جوازه الحافظ ابن حجر ﵀ في الفتح، وبهذا صدر قرار المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي بجدة (٢). وروي عن قلة من العلماء أنهم منعوه، قالوا: إنه لا يجوز، ومنهم بعض الظاهرية، ومن المعاصرين اشتهر هذا الرأي عن الشيخ محمد ناصر الدين الألباني ﵀. وقد قيل إن القول بالمنع قول شاذ؛ لأنه مخالف للإجماع، وهذا هو الأقرب. والأدلة على جواز التقسيط كثيرة منها: ١) قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] فهذه الآية تشمل أي عقد مداينة سواء أكان بيع أجل، أو تقسيط، أو سلم، أو غير ذلك من أنواع المداينات. ٢) حديث عائشة ﵂ في قصة بريرة قالت: (جاءتني بريرة، فقالت: كاتبت أهلي على تسع أواق، في كل عام أوقية، فأعينيني) (٣). وهذا دليل على جواز تقسيط الثمن كما فعلت بريرة ﵂.

стр. 77

٣) الإجماع، فقد حكى غير واحد إجماع أهل العلم - كما سبق ذكره - على جواز الزيادة في الثمن الآجل عن الثمن الحاضر. ٤) القياس على السَّلَم، فإن السَّلَم ثابت في الصحيحين، والسلم حقيقته هو عكس البيع الآجل، ففي السلم الثمن معجل، بينما المثمَّن مؤجل. وأما من منع فليس عنده حجة ولا دليل، إلا قياس هذه المسألة على زيادة الدين مقابل زيادة الأجل، وهذ قياس مع الفارق؛ لأن زيادة الدين مقابل الأجل هي زيادة في الدين، أما هنا الزيادة زيادة في قيمة السلعة مقابل زيادة الأجل، أما الدين فإنه زيادة في دين مقابل الأجل، الذي هو أساس الربا في الحقيقة، ولهذا فمنع التقسيط اعتماداً على هذه الشبهة غير دقيق، لأن الزيادة هنا تعد من الربح الحلال، بل إن الله تعالى رَدَّ شبهة نظيرة لهذه الشبهة ذكرها المشركون، لما حرم النبي ﷺ الربا، وأباح البيع الآجل التي تكون فيه زيادة، فاعترض كفار قريش وقالوا: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾، إذا كان الربا فيه زيادة فالبيع الآجل فيه كذلك زيادة، فلماذا حُرِمَ هذا، وَأُبِيحَ هذا؟ فرد الله تعالى عليهم في قوله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]. ثالثاً: شروط بيع التقسيط. يُشترط في بيع التقسيط جميع شروط البيع السبعة؛ وهي: ١) الرضا من العاقدين. ٢) أن يكون العاقد جائز التصرف. ٣) أن تكون العين المعقود عليها مباحة النفع من غير حاجة. ٤) أن تكون مملوكة للعاقد أو مأذوناً له بالتصرف فيها.

стр. 78

٥) أن يكون المبيع معلوماً برؤية أو صفة. ٦) أن يكون الثمن معلوماً. ٧) القدرة على تسليم المعقود عليه. ويزاد عليها شروط خاصة ببيع التقسيط: يشترط لبيع التقسيط ثلاثة شروط: الشرط الأول: أن يكون البائع مالكًا للسلعة، فلا يجوز أن يبيع سلعة وهو لا يملكها، والأدلة على ذلك متعددة منها: ما جاء في المسند والسنن عن حكيم بن حزام ﵁ أنه ﷺ قال لحكيم بن حزام: (لا تبع ما ليس عندك) (١). فحكيم بن حزام ﵁ يأتيه الرجل يطلب منه سلعة، وهذه السلعة ليست عند حكيم، فيذهب حكيم للسوق ويشتري السلعة ثم يبيعها على الرجل كما ورد في الرواية الأخرى للحديث والتي يقول فيها حكيم: (يأتيني الرجل فيسألني من البيع ما ليس عندي، أبتاع له من السوق وأبيعه منه). فهو ﵁ يبيع السلعة قبل أن يتملكها، فسأل النبي ﷺ عن ذلك فقال: (لا تبع ما ليس عندك) .. فنهاه ﷺ أن يبيع ما ليس عنده أي ما ليس في ملكه. وهذا الحديث أصل في بيع الآجل، فلا يجوز للمصرف أو المؤسسة المالية أو شركات التقسيط بيع السلعة قبل ملكها؛ لأن ذلك يصير حيلة للوقوع في الربا، كما تفعله بعض المصارف التقليدية، فمثلاً يذهب ويشتري هذه السلعة المعينة، كالسيارة مثلاً، والواقع أن بعض البنوك لا تفعل هذا، وإنما فقط تتفاهم مع معرض السيارات بأننا تحول إليه الزبائن، وهذا غير كاف في الحقيقة، لا بد أن

стр. 79

يشتروا شراء حقيقيا، ويتملكوا تلك السيارة بعينها، ويتم القبض ثم بعد ذلك يبيعها. لكن ما الحكم فيما إذا طلب شخص من آخر أو من مصرف أو من مؤسسة أو شركة أن يشتروا له سلعة معينة ثم يشتريها منهم بالتقسيط؟. هذه المسألة يسميها بعض المعاصرين بالمرابحة للآمر بالشراء، وسيأتي الكلام عنها بالتفصيل. الشرط الثاني: أن يكون البائع قابضا للسلعة، والقبض أمر زائد على التملك، فلا بد أن يتملك السلعة، يتملك البنك السلعة ويقبضها قبل أن يبيعها إلى العميل، فهنا أمر زائد وهو القبض، ودليل ذلك سبق بيانه في ضوابط عقود التمويل، وكثير من عقود التقسيط تقع بين الناس دون قبض للسلعة، وسبق بيان أنواع القبض. الشرط الثالث: ألا يزيد الدين بعد ثبوته في ذمة المشتري، وأن يكون الربح مقطوعا، فيقول مثلا: أبيعك هذه السيارة بخمسين ألفا وربح خمسة الآف أو ربح عشرة الآف هذا هو الأحسن والأفضل، ولا يقول: أبيعك هذه السيارة على أن أربح في كل عشرة آلاف ألفاً. أو يقول: أبيعك هذه السيارة بنسبة ربح ثمانية في المائة مثلا، فإن هذا قد ورد عن بعض السلف كراهته، وإن كان ليس محرما لكنه مكروه. ولهذا قال الموفق ابن قدامة ﵀: «بيع المرابحة: هو البيع برأس المال وربح معلوم، ويشترط علمهما برأس المال، فيقول: رأس مالي فيه أو هو علي بمائة بعتك بها، وربح عشرة، فهذا جائز لا خلاف في صحته، ولا نعلم فيه عند أحد كراهة. وإن قال: بعتك برأس مالي فيه وهو مائة، وأربح في كل عشرة درهما، أو

стр. 80

قال: ده يازده. أو ده داوزده. فقد كرهه أحمد، وقد رويت كراهته عن ابن عمر، وابن عباس، ومسروق، والحسن، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وعطاء بن يسار. وقال إسحاق: لا يجوز؛ لأن الثمن مجهول حال العقد، فلم يجز، كما لو باعه بما يخرج به في الحساب. ورخص فيه سعيد بن المسيب، وابن سيرين، وشريح، والنخعي، والثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي وابن المنذر. ولأن رأس المال معلوم والربح معلوم فأشبه ما لو قال: وربح عشرة دراهم. ووجه الكراهة أن ابن عمر وابن عباس كرهاه، ولم نعلم لهما في الصحابة مخالفا، ولأن فيه نوعا من الجهالة، والتحرز عنها أولى. وهذه كراهة تنزيه، والبيع صحيح؛ لما ذكرنا» (١). الشرط الرابع: أن لا يكون بيع التقسيط ذريعة إلى الربا، فإذا كان كذلك منع. رابعاً: مسائل في بيع التقسيط: المسألة الأولى: إفراد الزيادة في الثمن المؤجل بالذكر: ومثاله: أن يقول البائع: ثمن السلعة (١٠٠٠ ريال) ويزاد مقابل تقسيط السداد لمدة سنة (٥٠ ريالاً) أو (٢٠%). والحكم: لا يخلو الحال من صورتين: أن يكون هذا في وقت المساومة؛ فإذا حان العقد سمّي فيه ثمن واحد فقط؛ فلا بأس في ذلك؛ لأن العقد استقر على ثمن واحد مؤجل ثبت كلّه في ذمة المشتري مقابل شرائه السلعة. أن يكون إفراد الزيادة في صلب العقد؛ فيذكر الثمن مستقلاً؛ وتذكر الزيادة مستقلة؛ فالراجح في هذا التحريم؛ سدّاً لذريعة الربا وبُعداً عن التشبه به.

стр. 81

وقد جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي في دورته السادسة ما نصّه: «لا يجوز شرعاً في بيع الأجل التنصيص في العقد على فوائد التقسيط مفصولة عن الثمن الحالّ بحيث ترتبط بالأجل؛ سواء اتفق العاقدان على نسبة الفائدة أم ربطاها بالفائدة السائدة». المسألة الثانية: الحطّ من الثمن مقابل تعجيل الأداء: هذه المسألة لها أحوال: الحال الأولى: أن يُذكر هذا مشروطاً في العقد. ومثاله: أن يُذكر في صلب العقد بأن ثمن السلعة مؤجلاً على ٣ سنوات (١٠٠٠٠ ريال)؛ فإن عجّل الأداء في سنتين استحق إسقاط (١٠٠٠ ريال). والحكم: هذه الصورة محرمة لوجهين: أنها من قبيل البيعتين في بيعة؛ وقد نهى النبي ﷺ عن بيعتين في بيعة. أن هذا ذريعة إلى الربا؛ فالمشتري ربما أوقع نفسه في الربا حين يختار في نفسه الأداء خلال سنتين، ثم إذا عجز أخّر سنة ثالثة مقابل زيادة (١٠٠٠ ريال)، وهذه مثل الزيادة الربوية المأخوذة مقابل تأخير الدين. الحال الثانية: أن يحطّ البائع بعض الثمن - بعد استقرار العقد - تبرعاً وإحساناً؛ إما ابتداءً أو بعد أداء المشتري لبعض الثمن، وسواء صاحب ذلك التماس من المشتري أو لا، ويستمر الوفاء على حاله - إن بقي شيء-. ومثاله: أن يكون الثمن المقرر في العقد (١٠٠٠٠ ريال) مؤجلة، ثم يحطّ البائع - بعد ثبوت العقد وسقوط الخيار- (٢٠٠٠ ريال) تبرعاً وإحساناً فيصير الثمن (٨٠٠٠ ريال).

стр. 82

أو يكون الثمن المقرر في العقد (١٠٠٠٠ ريال) مؤجلة، فيؤدي إليه المشتري (٣٠٠٠ ريال)، ثم يحط البائع- بالتماس من المشتري أو عدم التماس- بعض المتبقي فيوافق البائع ويُسقط (٢٠٠٠ ريال)، فيبقى في ذمة المشتري (٥٠٠٠ ريال). والحكم: هذه الصورة جائزة، لأنها من فعل الخير، وقد قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: ٧٠]. ولأنها من حسن الاقتضاء؛ والنبي ﷺ يقول: (رحم الله عبداً سمحاً إذا باع؛ وإذا اشترى؛ وإذا اقتضى) (١). الحال الثالثة: أن يكون الثمن حالاًّ أو يحلّ الدين المؤجل؛ فيتفق البائع والمشتري على الحط منه مقابل الأداء. ومثاله: أن يحلّ الدين الذي في ذمة المشتري وقدره (١٠٠٠٠ ريال) ويتأخر في الأداء؛ فيتفق مع البائع على أن يُسقط (٢٠٠٠ ريال) مقابل أن يوفيه المشتري الآن. والحكم: هذه الصورة جائزة، لما ثبت في الصحيحين من حديث كعب بن مالك ﵁: أنه كان له على عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي ﵁ دين، فلقيه فلزمه؛ فتكلما حتى ارتفعت أصواتهما؛ فمرّ بهما النبي ﷺ وقال: (يا كعب - وأشار بيده كأنه يقول: النصف -، فأخذ نصف ما عليه وترك نصفاً) (٢). الحال الرابعة: أن يكون الثمن مؤجلاً؛ فيتفق الطرفان على الحط منه مقابل تعجيل الأداء، وهذه هي مسألة (ضع وتعجّل).

стр. 83

ومثاله: أن يكون لأحدهما ثمن مبيع على صاحبه مؤجل قدره (١٠٠٠٠ ريال)، فيعرض البائع على المشتري أو يعرض المشتري على البائع أن يسقط (٢٠٠٠ ريال) مقابل تعجيل الأداء، وكل هذا على سبيل الإلزام والالتزام. والحكم: هذه الصورة محل خلاف؛ والراجح جوازها؛ لما يأتي: لحديث ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ لما أمر بإخراج بني النضير، جاءه ناس منهم فقالوا: يا نبي الله؛ إنك أمرت بإخراجنا، ولنا على الناس ديون لم تحلّ؛ فقال ﷺ : (ضعوا وتعجلوا) (١). أن الأصل في العقود والشروط الجواز حتى يدل الدليل على التحريم، خصوصاً أن في هذا مصلحة للطرفين ولا مدخل فيه للإثم. المسألة الثانية: اشتراط حلول بقية الأقساط عند تأخر السداد: يجوز اشتراط حلول بقية الأقساط عند تأخر المشتري في السداد، لأن الأصل في العقود والشروط الإباحة والجواز؛ فإذا تراضيا على اشتراط ذلك؛ فالمسلمون على شروطهم. جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي في دورته السادسة ما نصه: «يجوز شرعًا أن يشترط البائع بالأجل حلول الأقساط قبل مواعيدها عند تأخر المدين عن أداء بعضها ما دام المدين قد رضي بهذا الشرط عند التعاقد». المسألة الرابعة: اشتراط غرامة مالية عند تأخر السداد: لا يجوز إجماعاً اشتراط غرامة مالية عند التأخر في السداد؛ لأنه زيادة في الدين بعد استقراره مقابل الإنظار؛ وهذا ربا الجاهلية الذي حرّمه القرآن.

стр. 84

جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي في دورته السادسة: «إذا تأخر المشتري المدين في دفع الأقساط عن الموعد المحدد فلا يجوز إلزامه بأي زيادة على الدين بشرط سابق أو بدون شرط، لأن ذلك ربا محرم». المسألة الخامسة: رهن المبيع على ثمنه المؤجل: يجوز للبائع أن يرهن المبيع على ثمنه المؤجل؛ لوجوه: - أن الملك انتقل للمشتري فجاز له التصرف فيه بما شاء؛ ومن ذلك: رهن المبيع على ثمنه. - أنه إذا جاز للمشتري رهن المبيع عند البائع على غير ثمنه؛ فرهنه على ثمنه جائز ولا فرق. - أنه إذا جاز للمشتري رهن المبيع عند غير بائعه؛ فيجوز له رهنه عند بائعه ولا فرق. وقد جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي في دورته السادسة: «لا حق للبائع في الاحتفاظ بملكية المبيع بعد البيع، ولكن يجوز للبائع أن يشترط على المشتري رهن المبيع عنده لضمان حقه في استيفاء الأقساط المؤجلة». * * * * *

стр. 85

المبحث الثالث: التورق التورق هو أحد عقود التمويل الإسلامي، وهو من أبرز العقود التي تقدمها المصارف الإسلامية للعملاء سواء كانوا أفراداً أو شركات. أولاً: تعريفه: التورق نسبة إلى الوَرِق، سمي بذلك لأن المشتري الذي يشتري السلعة لا يقصد السلعة لذاتها، وإنما يقصد الوَرِق وهو الفضة، يعني يريد الدراهم يريد النقود، لا يقصد السلعة لذاتها. وعرّفه البهوتي: «ومن احتاج لنقد فاشترى ما يساوي ألفا بأكثر ليتوسع بثمنه فلا بأس نصاً ويسمى التورق» (١). فالمشتري هنا يقصد الورق (الفضة) ولا يقصد السلعة، والمقصود بالفضة عموم النقود، لا خصوص النقود الفضية، وإنما عبر بها الفقهاء لأنها هي السائدة في ذلك الزمن. والملاحظ هنا أنها بين ثلاثة أطراف بين البائع الأول، الذي باعها بالتقسيط، ثم المشتري الذي اشتراها بالتقسيط، ثم المشتري الثاني الذي اشتراها نقدًا، فهي بين ثلاثة أطراف. ثانياً: أنواع التورق: ١) تورق بسيط وهو التورق العادي. ٢) التورق المنظم. النوع الأول: التورق البسيط: وهو أن يشتري العميل السلعة من المصرف بالأَجَل، ثم يبيعها بنفسه إلى طرف ثالث بقصد الحصول على قيمتها نقدًا. إذًا التورق مُتَمم في الحقيقة لعملية البيع

стр. 86

بالتقسيط، فالتورق يشتمل على بيع بالتقسيط وبيع آخر، فالعميل يأتي إلى المصرف/ المؤسسة ويشتري منه السلعة بالتقسيط، ثم إذا أخذ تلك السلعة وحازَها وقَبِضها، باعها بنفسه على طرف ثالث غير المصرف. وقد يكون البيع هنا تقسيطاً وقد يكون مرابحة بالنسبة للمصرف أو المؤسسة، وهو تورق بالنسبة للمشتري. حكمه: أختلف الفقهاء فيه على قولين: القول الأول: أنه جائز، وإليه ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة، وهو قول كثير من الفقهاء المعاصرين منهم سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀، وسماحة الشيخ ابن باز ﵀، وفضيلة شيخنا محمد بن صالح العثيمين ﵀، وقد حدد شروطاً لجوازه. وقال بالجواز كثير من الهيئات الرقابية الشرعية للمؤسسات المالية، وقال به كثير من المعاصرين. قال المرداوي: «فائدة: لو احتاج إلى نقد فاشترى ما يساوي مائة بمائة وخمسين فلا بأس. نص عليه هو المذهب وعليه الأصحاب، وهي مسألة التورق» (١). وقد سمى الحنابلة هذا النوع بهذا الاسم (التورق)، أما بقية المذاهب فلم يرد فيها هذا الاسم بعينة، ولكن ذكروه بصورته كما ذكرنا سابقاً. القول الثاني: التحريم، تحريم هذه المعاملة وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم رحمة الله عليهما، وهو قول في مذهب الإمام أحمد، وقول لبعض المعاصرين (٢).

стр. 87

وعللوا رأيهم بأمرين: الأول: أنه مسلك اضطراري لا يأخذ به إلا مكره عليه ومضطر إليه وقد نهى عنه رسول الله ﷺ فيما رواه أبو داود (نَهَى عَنْ بَيْعِ الْمُضْطَرَّ) (١)، والمستورق يقصد الحصول على النقد الحاضر مقابل ثمن مؤجل في ذمته أكثر منه. ويجاب عنه من وجهين: الوجه الأول: أن هذا الحديث ضعيف. الوجه الثاني: أنه ليس كل من يتعامل في التورق يُعَدُّ مضطرًّا، بل قد يكون من أجل الحاجة فقط، أو من أجل التوسع بالنقود، ونحو ذلك. الثاني: أن مقصود المشتري من هذه المعاملة هو الحصول على النقد، وأنه جعل السلعة حيلة لذلك، فهي دراهم بدراهم بينهما حريرة كما قال ابن عباس. والجواب عن هذا: أن السلعة في الحقيقة مملوكة للمشتري، فالمستورِق الذي يشتري السلعة يتملك السلعة حقيقة، وتدخل في حيازته ويقبضها، له أن ينتفع بها بسائر أوجه الانتفاع؛ ومن ذلك بيعها والانتفاع بثمنها. ولهذا فالصحيح أن التورق الفردي جائز، يدل على ذلك: ١) أن العقدين منفصلان، فأنت عندما تشتري سلعة بثمن مؤجل هذا عقد، وعندما تبيعها على طرف ثالث نقدًا عقد آخر مستقل، هذا عقد مستقل، وذاك عقد مستقل، ولا ترابط أو تلازم بينهما (٢). ٢) أن الأصل في المعاملات الحل والإباحة.

стр. 88

٣) أن في هذه المعاملة تنفيساً على الناس، ودفعاً حاجاتهم، والتيسير عليهم مع شح المقرضين اليوم. فالتورق جائز ولكن بالضوابط التالية: ١) أن يتم فعلاً شراء سلعة موجودة في حوزة البائع وملكه. ٢) أن يتم البيع الثاني من قبل المشتري بعد تملكه السلعة وقبضه لها على غير البائع (المصرف). ٣) أن لا يظهر في هذا البيع ربا، لا قصداً ولا صورة. ٤) أن لا يؤدي إلى بيع العينة. يقول ابن القيم: «وهذا المضطر إن أعاد السلعة إلى بائعها فهي العينة، وإن باعها لغيره فهو التورق، وإن رجعت إلى ثالث يدخل بينهما فهو مُحَلل الربا، والأقسام الثلاثة يعتمدها المرابون، وأخفها التورق … » (١). النوع الثاني: التورق المُنَظَّم: في التورق المنظم يشتري العميل السلعة من المصرف ويوكل المصرف في نفس الوقت ببيعها، لا يقوم العميل ببيعها بنفسه وإنما يبيعها المصرف نيابة عنه، يوكله في بيعها، فليس للعميل إلا خيار واحد، هو توكيل المصرف في البيع، لا يستطيع العميل أن يحتفظ بالسلعة أو يستمر مالكًا لها، ولا يستطيع أن يبيعها بنفسه، وإنما أمامه خيار واحد هو: أن يُوَكِّل البنك في البيع، فالتورق المنظم هو في مرحلة وسط بين العِينة والتورق البسيط (٢).

стр. 89

وهذ النوع الآن تقريبًا هو الأكثر انتشارًا في البنوك الإسلامية في السنتين أو الثلاث سنوات الأخيرة، حيث بدأوا يتجهون إلى التورق المنظم. والتورق المصرفي المنظم، هو صورة للتورق البسيط، ولكن المصارف توسعوا فيه، وهذا التوسع فيه عدة إشكالات. وصورته: «أن يتفق شخص مع مصرف على أن يبيعه المصرف حديداً (١) ب (مئتي ألف) مؤجلة، ثم يلتزم له المصرف بأن يبيع ذلك الحديد على طرف ثالث ب (مئة وخمسين ألفاً) حالةً ويسلمها المصرف للعميل». فالمصرف يقوم بجميع العمليات هو البائع، فهو الذي يبيع عليك السلعة بالتقسيط، ثم يتوكل في بيعها على طرف ثالث، وهو الذي يقوم ببيعها على طرف ثالث، ويسلم لك النقد، يقوم بجميع العمليات، فأنت فقط تأتي وتوقع على الأوراق، ثم تجد في رصيدك ما أردت، أو مائة ألف أو مئتي ألف ينزل في رصيدك بعد ساعة أو سويعات، ويثبت في ذمتك أكثر من هذا المبلغ.

стр. 90

حتى وصل الأمر ببعض المصارف أن تعقد هذا التورق من غير سلعة. فبعض البنوك تظهر أن السلعة موجودة، وهي في الحقيقة لا تملكها، ويحصل هذا خاصة في المعادن، فتجد أنهم يقولون نحن نبيعك معادن موجودة في البلاد الفلانية، أو في المخازن، ولو طلب منهم المشتري السلعة لم يمكنوه من ذلك! وغالباً ما يكون هذه التورق في السلع الدولية، كالمعادن مثلا، ومن أشهر تلك الأسواق سوق (لندن) للمعادن الدولية، يتم فيه تبادل المعادن عن طريق أوراق أو سندات تسمى شهادات الحيازة أو شهادات التخليص، هذه السوق يتم فيها تبادل المعادن وبيعها، فيأتي المصرف يشتري معادن من السوق الدولية، من سوق (لندن) للمعادن الدولية، وهو عندما يشتري المعادن لا ينقل المعادن إلى مستودعات، وإنما غاية ما يَقْبِضُه هو شهادة الحِيازة، ثم إذا أخذ شهادة الحِيازة يأتي العميل للبنك ويقول: أريد أن أحصل على مبلغ على سيولة، فيقولون له: عندنا معادن دولية، ونحن نبيعها عليك بالتقسيط وتوكَّلنا في بيعها على طرف ثالث، ومجرد أن يوقع على الأوراق ينزل في رصيده ما أراد، وهذه المعادن قد تباع لأكثر من شخص، وهذا في الحقيقة غير جائز. ولهذا بحث مجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي هذه المسألة، وهذا التوسع الحاصل من المصارف ومنع منه. وقد جاء في نص القرار ما يلي: «الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد: فإن مجلس المجمع الفقهي برابطة العالم الإسلامي في دورته السابعة عشرة المنعقدة في مكة، من التاسع عشر إلى الثالث والعشرين من شهر شوال، نظر في موضوع التورق كما تجريه المصارف، وبعد الاستماع إلى الأبحاث المقدمة والمناقشات التي دارت حوله، تبين للمجلس أن التورق الذي تجريه بعض المصارف

стр. 91

في الوقت الحاضر هو قيام المصرف بعمل نمطي، يتم فيه ترتيب بيع سلع، ليست من الذهب أو الفضة، من أسواق السلع العالمية أو غيرها، الغالب أنها حديد أو معادن على المستورق بثمن آجل على أن يلتزم المصرف إما بشرط في العقد أو بحكم العرف والعادة بأن ينوب عنه في بيعها بثمن حاضر وتسليم ثمنها للمستورق، وبعد النظر والدراسة قرر مجلس المجمع ما يلي: أولاً: عدم جواز التورق الذي سبق توصيفه في التمهيد للأمور الآتية: ١) أن التزام البائع في عقد التورق بالوكالة في بيع السلعة لمشتر آخر، أو ترتيب من يشتريها يجعلها شبيهة بالعينة الممنوعة شرعًا. شبيهة بالعينة، وإن كانت صورة العينة لا تنطبق عليها لكنها شبيهة بالعينة، سواء كان الالتزام مشروطا صراحة، أو بحكم العرف والعادة المتبعة، يعني حتى لو لم يكن منصوصا عليها صراحة أنك توكل البنك، لو كان هذا متعارفا عليه فالمعروف عرفا كالمشروط شرطا. ٢) أن هذه المعاملة تؤدي في كثير من الحالات إلى الإخلال بشروط القبض الشرعي اللازم لصحة هذه المعاملة، أيضا لا يتحقق معها القبض. أن واقع هذه المعاملة يقوم على منح تمويل نقدي بزيادة لما سمى المستورق فيها من المصرف في معاملة البيع والشراء التي تجري منه، والتي هي صورية في معظم أحوالها، يعني كل هذا التعامل صوري في الحقيقة، مجرد أنك تأتى وتوقع على الأوراق، وينزل لك في رصيدك ما أردت، وهذه العملية البيع والشراء والتوكيل في الحقيقة هي صورية. بدأت البنوك ولمَّا صدر قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع للمنظمة التابع للرابطة بتحريم التورق المنظم بدءوا يتحاشون هذه الكلمة، كلمة (تورق) ويسمون عقود التورق عقود مرابحة حتى تكون أكثر قبولاً عند الناس، ومن التسميات الغريبة للتورق المنظم:

стр. 92

- التورق المبارك. - تسهيلات التيسير. - برنامج الخير! التورق العكسي: التورق العكسي سمي بهذا الاسم لأنه خلاف الغالب في التورق بكونه لصالح العميل المحتاج للسيولة، وفي التورق المعتاد المستثمر لماله هو المصرف لحصوله على ربح التورق الذي يجريه مع العميل ثم يبيع العميل السلعة بثمن حال، أما في التورق العكسي فالمصارف أو المؤسسات المالية هي من يحتاج للمال، فالذي يستثمر أمواله هو العميل لأنه هو الذي يبيع سلعته بالمرابحة مع المصرف. والمراد منه: جذب المال للمصارف كبديل للودائع الآجلة التي تمنح عليها فوائد وفق ما يطلق عليه الصيغة الإسلامية للتعامل، وذلك بأن يكون البائع هوالمودع الذي يرغب في إيداع أمواله في المصرف وأخذ أرباح عليها، واستخدام صيغة التورق لأخذ الربح على المال المودع لأجل. وبما أن المصرف هو الآمر في الاستثمار فإن العميل يوكل المصرف للحصول على السلعة لصالح المصرف ثم يتم تملك المصرف السلعة من العميل بالمرابحة، ويقوم المصرف بعدئذ ببيعها بثمن حال ليحصل على السيولة. إجراءات التورق العكسي (١): ١) أن يقوم العميل بإيداع مبلغ من المال في حسابه لدى المصرف.

стр. 93

٢) يتقدم المصرف للعميل بتوجيهه لشراء سلعة ثمنها قدر المبلغ الذي في حسابه؛ ليشتريها المصرف منه مرابحة، وبهامش ربح يجري الاتفاق عليه بينهما وفقا لوقت تأجيل الثمن. ويفضل المصرف أن تكون السلعة مما يتيسر له بيعها في الحال وبأقل نقص. ٣) يعرض المصرف على العميل صاحب الحساب أن يتوكل عنه في شراء السلعة، ولا يلزمه بذلك إن كان قادرًا على شراء السلعة التي يريدها البنك. ٤) يتوكل المصرف بعد تملك العميل للسلعة ببيعها لنفسه بثمن مؤجل لمدة محدودة. ٥) في حال عدول المصرف عن الشراء بعد شراء العميل السلعة؛ فإن العميل يعامل المصرف بمقتضى أحكام الوعد الملزم؛ لأن وعد العميل وعد ملزم بأن يشتري منه السلعة مرابحة بعد تملكه إياها. ٦) في حال رغبة العميل في السداد المبكر لمديونيته على المصرف أو سحب المبلغ؛ فإن المصرف يتيح له تحقيق هذه الرغبة، لكن يدخل معه في مسألة: «ضع وتعجل». وقد صدر قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي بدورته التاسعة عشرة في الشارقة، وذكرناه في التورق المصرفي المنظم وجاء فيه: «التورق العكسي: هو صورة التورق المنظم نفسها مع كون المستورق هو المؤسسة والممول هو العميل. ثانياً: لا يجوز التورقان (المنظم والعكسي)؛ وذلك لأن فيهما تواطؤاً بين الممول والمستورق، صراحة أو ضمناً أو عرفاً، تحايلاً لتحصيل النقد الحاضر بأكثر منه في الذمة وهو ربا».

стр. 94

أيضاً صدر فيه فتوى من ندوة البركة، وجاء فيها عن التورق العكسي برقم (٢٨/ ٣) أفتت فيها بعدم جواز هذا النوع من التورق، ونصها: «الأصل في البنوك الإسلامية تطبيق المضاربة والمشاركة ونحوهما من العقود المؤصلة في الفقه الإسلامي، وأن الصورة المثلى أن تكون العلاقة بين البنك وعملائه هي المضاربة. وإن المتبع في المرابحة أن يكون البنك هو البائع، ولا يجوز قلب هذه العلاقة، بحيث يكون المشتري هو البائع في المرابحة (المرابحة العكسية)، مع تضمين هذه العملية التزام البنك بأداء النسبة التي قُيدت بها المرابحة، والالتزام بالتوكيل في التورق، وحق البيع للنفس» أ. هـ. * * * * *

стр. 95

المبحث الرابع: المرابحة من عقود التمويل المنتشرة في المصارف اليوم، وتعتمد عليها اعتماداً كبيراً لدرجة أنها تكاد هي العمل الأساسي لبعض المصارف بيع المرابحة للآمر بالشراء. وهي كما يذكر البلتاجي تمثل قرابة ٩٠% من حجم عقود التمويل الموافقة للشريعة (١). أولاً: تعريف المرابحة. المرابحة لغة: المرابحة مصدر رابح. تقول: بعته المتاع أو اشتريته منه مرابحة: إذا سميت لكل قدر من الثمن ربحا. المرابحة اصطلاحاً: بيع السلعة بالثمن الذي اشتراها به، وزيادة ربح معلوم لهما، أو هو البيع بمثل الثمن الأول مع زيادة ربح. وعرفها ابن قدامة في المغني بقوله: "البيع برأس المال وربح معلوم" (٢). والمرابحة في اصطلاح الفقهاء هي أحد بيوع الأمانة، فالبيع عند الفقهاء ينقسم إلى قسمين: بيع مساومة، وبيع أمانة. وقد حكى الإجماع على جواز بيع المرابحة غير واحد من الفقهاء، وممن حكاه: الطبري، وابن هبيرة، والكاساني، وابن قدامة (٣).

стр. 96

ثانياً: المرابحة المصرفية: قامت المصارف الإسلامية بتطوير عقد المرابحة عند الفقهاء من أجل أن يلبي حاجة المصارف في إجراء العقود التمويلية. وصار يطلق عليها اسم خاص الآن في المصارف فتسمى «بيع المرابحة للآمر بالشراء»، والتعبير الأدق أن يقال: «بيع المرابحة للواعد بالشراء». ولكن هذا العقد وإن اختلفت تسميته عند المصارف الإسلامية، إلا أنه مذكور عند الفقهاء المتقدمين، وممن ذكره محمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة، وذكره الإمام مالك في الموطأ. ففي كتاب الحيل لمحمد بن الحسن الشيباني قال: «قلت: أرأيت رجلا أمر رجلا أن يشتري دارا بألف درهم، وأخبره أنه إن فعل اشتراها الآمر بألف درهم ومائة درهم، فأراد المأمور شراء الدار، ثم خاف إن اشتراها أن يبدو للآمر فلا يأخذها، فتبقى في يد المأمور، كيف الحيلة في ذلك؟ قال: يشتري المأمور الدار على أنه بالخيار فيها ثلاثة أيام، ويقبضها، ويجيء الآمر ويبدأ فيقول: قد أخذت منك هذه الدار بألف ومائة درهم. فيقول المأمور: هي لك بذلك، فيكون ذلك للآمر لازماً، ويكون استيجاباً من المأمور للمشتري: أي ولا يقل المأمور مبتدئا: بعتك إياها بألف ومائة؛ لأن خياره يسقط بذلك، فيفقد حقه في إعادة البيت إلى بائعه، وإن لم يرغب الآمر في شرائها تمكن المأمور من ردها بشرط الخيار، فيدفع عنه الضرر بذلك» (١).

стр. 97

وفي الموطأ للإمام مالك رحمه الله تعالى في: باب بيعتين في بيعة: «أنه بلغه أن رجلاً قال لرجل: ابتع لي هذا البعير بنقد حتى أبتاعه منك إلى أجل، فسأل عن ذلك عبد الله بن عمر فكرهه ونهى عنه» (١). وأول من استعمل هذا العقد بهذا الاسم (المرابحة) هو د. سامي حمود (٢). ثالثاً: صورة المرابحة كما تجريها المصارف اليوم: وهذه المعاملة تسمى «بيع المرابحة للآمر بالشراء»، والتعبير الأدق أن يقال: «بيع المرابحة للواعد بالشراء». خطوات إجراء بيع المرابحة للآمر بالشراءء: ١) يتقدم العميل ويطلب من المصرف شراء سلعة موصوفة كالأسهم، والسيارات، ونحوها. ٢) قبول المصرف شراء السلعة وتوفيرها للعميل. ٣) وعد العميل بشراء السلعة الموصوفة من المصرف بعد تملكه لها. ٤) وعد المصرف ببيع السلعة الموصوفة للعميل (قبل إجراء العقد). ٥) شراء المصرف السلعة الموصوفة نقدًا. ٦) بيع المصرف للسلعة الموصوفة على العميل بأجل مع زيادة ربح متفق عليها مسبقًا. فما حكم هذا العمل؟ ما الحكم لو تقدم هذا الشخص للمصرف وطلب منه هذا الطلب، سواء أراد السلعة تقسيطاً أو أرادها تورقاً؟

стр. 98

المرابحة المصرفية في الحقيقة تتألف من مرحلتين: المرحلة الأولى: مرحلة الوعد. المرحلة الثانية: مرحلة البيع. فلذلك نقول هذه المسألة لا تخلو من أربعة أحوال: الحالة الأولى: أن يتم عقد البيع بين الآمر والبائع (مؤسسة، مصرف … ) قبل تملكه للسلعة، وكانت السلعة معيّنة، قبل أن يملك المصرف السلعة، فهذا العقد محرم ولا يصح؛ لأنه ليس هناك ملك للسلعة، وقد جاء النهي عن ذلك، وكثير من عقود المرابحة عند بعض المصارف تقع على هذا الوجه. الحالة الثانية: أن يتم عقد البيع بين الآمر والبائع قبل تملكه للسلعة، وكانت السلعة موصوفة في الذمة، وليست معيّنة، وكان الثمن حالاً، فإن ذلك يدخل في السلم الحال، وسيأتي بيانه. الحالة الثالثة: ألا يحصل تعاقد سابق بين الآمر والبائع، ولكن يحصل مجرد وعد من تلك المؤسسة أو المصرف بأن يقوموا بشراء تلك البضاعة التي يعدهم هذا الرجل بأنه سوف يشتريها منهم، فتكون المسألة مبنية على وعد غير ملزم.

стр. 99

وهذه الحالة اختلف العلماء المعاصرون فيها على قولين: القول الأول: تحريم هذه المعاملة، وإليه ذهب فقهاء المالكية، ومن المتأخرين الشيخ محمد العثيمين ﵀، د. محمد سليمان الأشقر ﵀، د. بكر بن عبد الله أبوزيد ﵀، د. رفيق المصري، حتى وإن كان الوعد الذي بين العميل والبنك غير ملزم. قالوا: إن هذه المعاملة محرمة، واستدلوا على ذلك بأن هذه المعاملة ما هي إلا حيلة على الربا، فالبنك لم يشترِ السلعة إلا لأجل أن يبيعها على العميل، فهو يشتريها بثمن ثم يبيعها بثمن أعلى، فيكون قد أقرض العميل مبلغًا من المال، وطالبه بسداد مبلغ أكثر، والسلعة إنما أُوتي بها حيلة، وإنما الغرض من ذلك أن يقرضه ثمانين ألفاً على أن يردها مائة ألف، فقالوا: هذه حيلة ربوية، ولهذا ذكر هذه المسألة أو هذه الصورة فقهاء المالكية من صور بيع العينة، فجعلوها من العينة. ويجاب عن هذا: إن هذا ليس بحيلة وغير مُسَلَّم ذلك؛ لأن البنك يتملك السلعة حقيقة، وتكون في حيازته وفي قبضته، فهنا العقد حقيقي وليس صوريًا، وليس حيلة، ولهذا لو تلفت السلعة قبل أن يبيعها البنك على العميل فإنها تتلف على البنك؛ فهو قد تملكها حقيقة. القول الثاني: جواز بيع المرابحة للآمر بالشراء من حيث الأصل، وهو ما ذهب إليه الجمهور الحنفية، والشافعية، والحنابلة، وإليه ذهب عامة العلماء المعاصرين، وبهذا صدر قرار عدد من المجامع الفقهية كمجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي، ومجمع الفقه الإسلامي التابع للمنظمة، وكل الهيئات الشرعية في البنوك الإسلامية على هذا القول. واستدلوا على ذلك بعدة أدلة منها: ١) عموم النصوص من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ الدالة على حل جميع أنواع البيع إلا ما استثناه الدليل الخاص. ٢) أن الأصل في المعاملات والبيوع الصحة والجواز، ولا دليل على المنع.

стр. 100

٣) أن القول بجواز هذه المعاملة فيه تيسير على الناس، ومن المعلوم أن الشريعة الإسلامية قد جاءت برفع الحرج عن الناس والتيسير عليهم، والناس بحاجة لقضاء حوائجهم، ولا سبيل لذلك إلا عن طريق مثل هذه المعاملة. الحالة الرابعة: ألا يحصل تعاقد سابق بين الآمر والبائع، ولكن يحصل مجرد وعد، ولكن هذا الوعد ملزم سواء لكلا الطرفين أو لأحدهما. فهناك مواعدة ملزمة بين الآمر والبائع في هذه الحالة. والوعد الملزم في بيع المرابحة للآمر بالشراء قد يكون للطرفين -البنك والعميل- وقد يكون لأحدهما وللآخر الخيار. فما حكم هذه المواعدة (١) في المرابحة؟ وقبل أن نتكلم عن حكم البيع مع الوعد الملزم في المرابحة لابد من تحرير محل النزاع في هذه المسألة. أولاً: حكم الوفاء بالعهد: اختلف الفقهاء في الوفاء بالعهد ديانة على أربعة أقوال: القول الأول: أن الوفاء به واجب. القول الثاني: أن الوفاء به واجب إلا لعذر. القول الثالث: أن الوفاء به مستحب.

стр. 101

القول الرابع: أن الوفاء به واجب إذا دخل الموعد دخل الموعود في ورطة (كلفة). فلا خلاف في استحباب الوفاء بالعهد، وإنما الخلاف في وجوبه. وهذا الخلاف في حكم الوفاء في العهد هو باب التبرعات لا باب المعاوضات وهذا لا خلاف عليه، وإنما الخلاف في نقل هذا الخلاف من باب التبرعات إلى باب المعاوضات. والذي عليه كثير من الفقهاء المعاصرين هو المنع من هذا، فلا يصح نقل الخلاف في حكم الوفاء بالوعد في باب التبرعات، وجعله في باب المعاوضات. ومن فعل ذلك كبعض الهيئات الشرعية في بعض المؤسسات المالية فقد خلط الأمر، ولم يحرر المسألة. رابعاً: حكم الوعد الملزم في المرابحة: اختلف الفقهاء المعاصرون في حكم الإلزام بالوعد في بيع المرابحة للآمر بالشراء على ثلاثة أقوال: القول الأول: عدم جواز الإلزام بالوعد مطلقا، سواء كان ذلك لطرف واحد أم لطرفين، وهو قول اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، والهيئة الشرعية بمصرف الراجحي، وعدد من المعاصرين: كالشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ بكر أبو زيد وغيرهم. القول الثاني: جواز الإلزام بالوعد مطلقا، سواء كان ذلك لطرف واحد أم لطرفين، وذهب إلى هذا القول عدد من المعاصرين كالدكتور يوسف القرضاوي، والدكتور سامي حمود. القول الثالث: جواز الإلزام بالوعد من طرف واحد، وعدم جوازه إذا كان الإلزام للطرفين.

стр. 102

وذهب إلى هذا القول مجمع الفقه الإسلامي الدولي، وهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية، والدكتور الصديق الضرير وغيرهم. والراجح - والله أعلم - هو القول الأول القائل بعدم جواز الإلزام بالوعد مطلقاً؛ وذلك لأن الإلزام بالوعد يخرجه من كونه وعداً إلى كونه عقداً، وذلك لما يلي: ١) أن الالتزام من أهم خصائص العقود، وهذا الالتزام يحول الوعد من كونه وعداً إلى كونه عقداً، ولا عبرة بتسميته وعداً، فالعبرة بالحقائق والمعاني لا بالألفاظ والمباني. ٢) أن الإلزام بالوعد تترتب عليه إشكالات شرعية منها: أن يلتزم الواعد بما لا يعلم ما تؤول إليه تكلفة السلعة التي وعد بشرائها، وهذا غرر، وقد نهى النبي ﷺ عن بيع الغرر. ٣) أن الإلزام بالوعد على الشراء قبل امتلاك البائع السلعة يدخل في بيع ما لا يملك المنهي عنه شرعًا؛ لأن الوعد هنا هو في حقيقته عقد، وعليه فالعقد باطل محرم؛ لأن المصرف حينئذ باع للعميل ما لا يملك (١). خامساً: البديل للمواعدة: يقول العلامة ابن القيم: «رجل قال لغيره: اشتر هذه الدار - أو هذه السلعة من فلان - بكذا وكذا، وأنا أربحك فيها كذا وكذا، فخاف إن اشتراها أن يبدو للآمر فلا يريدها ولا يتمكن من الرد، فالحيلة أن يشتريها على أنه بالخيار ثلاثة أيام أو أكثر، ثم يقول للآمر: قد اشتريتها بما ذكرت فإن أخذها منه وإلا تمكن من ردها

стр. 103

على البائع بالخيار فإن لم يشترها الآمر إلا بالخيار فالحيلة أن يشترط له خياراً أنقص من مدة الخيار التي اشترطها هو على البائع، ليتسع له زمن الرد إن ردت عليه» (١). فما ذكره ابن القيم ﵀ يعتبر بديلاً للمرابحة التي تجريها المصارف اليوم، مع ما يقع فيها من إشكالات. سادساً: شروط المرابحة: شروط المرابحة هي شروط التقسيط. مسألة: حكم أخذ العربون في المرابحة: العربون: أن يشتري الرجل السلعة ويدفع لصاحبها شيئاً من ثمنها، فإن مضى البيع حسب من ثمنها، وإن لم يمض البيع رد إليه ما دفعه. والعربون لا يجوز أخذه في عملية المرابحة؛ وذلك لأن العربون يجوز أخذه في البيع الحال، وفي المرابحة فالمصرف أو المؤسسة لم يتملك السلعة، ولم يتم العقد. فلا يصح أخذ العربون في المرابحة بناء على جوازه عند من يقول بجواز ذلك وهم الحنابلة، ففرق بين الحالتين. وأما ما يعرف بهامش الجدية؛ وهو مبلغ يأخذه المصرف من العميل، ويكون هذا المبلغ مسترداً للعميل لو لم يرغب العميل في إكمال عملية المرابحة. فالمقصود من المبلغ فقط إثبات جدية العميل، فيجوز للمصرف أخذ هذا المبلغ في مرحلة المواعدة بشرط أن يرده للعميل في حال العدول. كذلك يجوز للمصرف أخذ الرسوم الإدارية في عملية المرابحة من العميل بشرط أن تكون هذه الرسوم بقدر التكلفة الفعلية.

стр. 104

سابعاً: العينة في بيع المرابحة: مرّ معنا أن من الضوابط في عقود التمويل أن لا يكون العقد صورياً، ومن العقود الصورية والتي تقع في عقد المرابحة العينة. وقد عرفها الحنابلة بأنها: «هو أن يشتري شيئا غير ربوي نقداً، بدون ما باع به نسيئة أو حالاً (أي غير نسيئة) لم يقبض، فإنه لا يجوز؛ لأنه ذريعة إلى الربا ليبيع ألفا بخمسمائة، وتسمى مسألة العينة» (١). وهي محرمة عند جمهور أهل العلم: الحنفية والمالكية والحنابلة، وأما الشافعية فيرون أن العينة جائزة. وهذا في الحقيقة حيلة على الربا؛ فكأنه بيع دراهم بدراهم، كأنه باع خمسين ألفاً مؤجلة بأربعين ألفا نقدا، لكن أدخل بينهما هذه السيارة حيلة على الربا. ولهذا فإن بيع العينة بيع محرم. وقد رجح الإمام ابن القيم ﵀ في تهذيبه لسنن أبي داود رجح أن المراد ببيعتين في بيعة أن المقصود به بيع العينة، وأن المقصود بالنهي عن شرطين في بيع، بيع العينة. ويدل لتحريمه قول النبي ﷺ في حديث ابن عمر الحديث المشهور: (إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه منكم حتى ترجعوا إلى دينكم). - أخرجه أبو داود وغيره بسند جيد. والعينة ثلاثية وليست ثنائية كالبيع، والأصل في بيع المرابحة أن يكون ثنائياً، ففي هذه المعاملة لا بد أن يبيع السلعة على طرف ثالث، ولا يبيعها على المصرف؛

стр. 105

لأنه إن كان هناك تواطؤ أو اتفاق بينهما على أن يبيع السلعة على المصرف أو على شريك له، أو يبيعها المصرف على عميل من عملائه فإن هذا يجعل العقد له اسم آخر غير المرابحة، وهو العينة المحرمة، وذلك بدخول طرف ثالث شريك في البيع. وهذا يقع في بيع المرابحة كثيراً عند المصارف، فتكون السلعة مجرد غطاء للربا، لأن المقصود يصبح بيع نقد بنقد. ثامناً: المرابحة بربح متغير: من الصور التطبيقية المستجدة المرابحة بربح متغير، ويراد بها أن يكون الربح غير محدد عند التعاقد، ولكن يربط تحديد الثمن أو الربح بمؤشر منضبط مستقبلي مثل مؤشر الليبور (libor)؛ وهو سعر الإقراض بين البنوك في لندن، أو السيبور (sibor) وهو سعر الإقراض بين البنوك السعودية (١). حكم المرابحة بربح متغير. عامة العلماء المعاصرين على تحريم المرابحة بربح متغير، وهو ما ذهبت إليه الهيئات الشرعية للمصارف، والمؤسسات المالية الإسلامية. وممن نص على ذلك: المجلس الشرعي لهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية (٢).

стр. 106

والعلة في ذلك: ١) (أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الغرر) (١). وربط الثمن الآجل بمؤشر عام وإن كان منضبطاً، ويتحدد في المستقبل، فلا يخرج هذا عن الغرر، والجهالة. وأما استدلال من أجازه بأن الجهالة أو الغرر آيلة إلى العلم على وجهٍ غير مؤدٍّ إلى الشقاق والنزاع فغير مسلم، كذلك قياسُهم "المرابحة بربح متغير" على البيع بالسعر أو بما يبيع به الناس قياس مع الفارق؛ إذ البيعُ بما ينتهي به السعر إنما يُراد به سعر السوق عند التعاقد، لا سعر السوق في المُستقبل، بينما تحديدُ الثمن في "المرابحة بربح متغير" مربوط بمعيار ومؤشر يتحدد في المستقبل، وقد يكون بينه وبين التعاقد مدة طويلة - سنة أو أكثر - وبين الصورتين فرق كبير وبونٌ شاسع (٢). ٢) أن (المرابحة بربح متغير) صيغة محرمة؛ لاشتمالها على الزيادة في الدين الثابت في ذمة المدين، وهو ربا الديون المُجمع على تحريمه. ووجه ذلك: أن الثمن الآجل - الدين - إذا تحدد مقداره عند إبرام العقد ألفاً، ثم عند حلول أجله ارتفع المؤشر، فأصبح الدين واجب السداد ألفاً وخمسين؛ فإن الدائن يكون بذلك قد زاد في الدين الثابت في ذمة مدينه (٣).

стр. 107

وقد ذهب بعض الباحثين لجواز المرابحة بربح متغير (١). عقود تمويل المتاجرة بالهامش: أيضاً من أنواع عقود التمويل المستجدة، تمويل المتاجرة بالهامش. وعرفت عقود التمويل بالهامش (أو المتاجرة بالهامش Margin Trading) بأنها: الاقتراض من شركة الوساطة المالية التي يتاجر المستثمر من خلالها في الأوراق المالية؛ وشراء الأوراق المالية من خلال دفع جزءٍ من ثمنها من أموال المستثمر الخاصة، والجزء الآخر من المال المقترض من شركة الوساطة المالية، على أن تكون جميع هذه الأوراق المالية رهناً حتى سداد قرض شركة الوساطة المالية (٢). وهذا النوع من التمويل يشتمل على عدة محاذير ومخالفاتِ شرعيةٍ، من أبرزها تمويل المتاجرة بالهامش بالقروض الربوية. وقد صدرت قرارات المجامع الفقهية والهيئات الشرعية في المصارف الإسلامية بتحريم هذا النوع، لما اشتمل عليه من ربا صريح (٣). وهذا شامل لكل أنواع المتاجرة بالتمويل بالهامش والموجود في عقود التعاملات المالية، سواء كان في أسواق الأوراق المالية، أو العملات أو المعادن أو السلع الدولية. ومن أبرز صور تمويل المتاجرة بالهامش التي طبقتها المصارف الإسلامية منتجات ثلاثة، هي:

стр. 108

١) تمويل المتاجرة في الأسهم بالهامش عبر عقد القرض بدون فوائد: وقد ذهبت المجامع الفقهية والهيئات الشرعية إلى تحريم هذا البديل. ومن ذلك: قرار المجمع الفقهي الإسلامي الصادر في دورته الثامنة عشرة المنعقدة في ١٠ - ١٤/ ٣/ ١٤٢٧ هـ بشأن المتاجرة بالهامش، حيث ورد فيه: «اشتراط الوسيط على العميل أن تكون تجارته عن طريقه، يؤدي إلى الجمع بين سلف ومعاوضة (السمسرة)، وهو في معنى الجمع بين سلف وبيع المنهي عنه شرعاً في قول الرسول ﷺ : (لا يحل سلف وبيع .. )؛ وهو بهذا يكون قد انتفع من قرضه، وقد اتفق الفقهاء على أن كل قرض جر نفعاً فهو من الربا المحرم» وكذلك فقد نصت الهيئة الشرعية لمصرف الراجحي على تحريم هذا المنتج كما في قرارها ذي الرقم: (٣١٩). ٢) تمويل المتاجرة في الأسهم بالهامش عبر عقد التورق المنظم: والتورق المنظم قد صدر قرار بتحريمه من المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي في دورته: ١٧ التي عُقدت بتاريخ ١٩ - ٢٣/ ١٠/ ١٤٢٤ هـ، وكذلك صدر قرار بتحريمه برقم: ١٧٩ من مجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي في دورته: ١٩ التي عُقدت بتاريخ ١٠٥/ ٥/ ١٤٣٠ هـ، وكذلك صدر بتحريمه قرار (٢/ ١٩) من المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث في دورته: ١٩ التي عُقدت بتاريخ ٨ - ١٨/ ٧/ ١٤٣٠ هـ، وعليه فيحرم هذا البديل. ٣) شراء المديونيات المؤجلة على الغير: من أنواع عقود التمويل المستجدة، شراء المديونيات المؤجلة على الغير. وهذا النوع من التمويل له صور كثيرة أكثرها محرمة، وله صور جائزة وهي التي جاءت في قرار مجلس المجمع الفقهي الإسلامي في دورته السادسة عشرة بشأن

стр. 109

موضوع: (بيع الدين)، والذي جاء فيه: «يرى المجمع أن البديل الشرعي لحسم الأوراق التجارية، وبيع السندات، هو بيعها بالعروض (السلع) شريطة تسلم البائع إياها عند العقد، ولو كان ثمن السلعة أقل من قيمة الورقة التجارية؛ لأنه لا مانع شرعاً من شراء الشخص سلعة بثمن مؤجل أكثر من ثمنها الحالي» (١). كذلك فقد نص مجمع الفقه الإسلامي الدولي في قراره ذي الرقم: ١٥٨ (٧/ ١٧) على الآتي: «من صور بيع الدين الجائزة: بيع الدائن دينه لغير المدين في إحدى الصور التالية .. بيع الدين بسلعة معينة» (٢). * * * * *

стр. 110

المبحث الخامس: السلم أولاً: تعريف السلم: السلم: هو عقد على موصوف في الذمة مؤجل بثمن مقبوض في مجلس العقد. شرح التعريف: (عقد على موصوف) فلا بد أن تكون السلعة موصوفةً غير معيّنة؛ بل يوصف نوعها لا عينها؛ ولا يصح أن يكون السلم على سلعة معينة بعينها؛ إذ يمكن أن تباع بيعاً. (في الذمة) فلا يصح أن يكون على السلعة الموصوفة الموجودة في المكان الفلاني التي وصفها كذا وكذا … ؛ لأن هذا موصوف معين وليس في الذمة. (مؤجل) وهذا هو الأصل؛ أن تكون السلعة مؤجلة. (بثمن مقبوض في مجلس العقد) فإن كان مؤجلاً لم يصح البيع؛ لأنه بيع دين بدين. - مثال: أن يدفع المشتري (المُسْلِم) الآن (خمسة آلاف) ريال نقداً؛ على أن يعطيه البائع (المُسْلَم إليه) بعد ستة أشهر (مئتي) كيلو تمر إخلاص. - صورة السلم: أعطيك عشرة آلاف ريال الآن على أن تسلم لي مائة كيلو تمر من نوع كذا تسلمها لي في وقت كذا، ويستفيد كل من المسلم والمسلم إليه، فأحدهما يستفيد بالانتفاع برأس المال بهذه العشرة آلاف، والآخر يستفيد بالرخص؛ لأن قيمة مائة كيلو تمر مثلا تكون أكثر من عشرة آلاف، لكن باعتبار أنه قدم له رأس المال كان هناك شيء من تخفيض الثمن، فكل منهما ينتفع بهذا، فهنا السلم فيه دين، وهذا الدين فيه زيادة. ثانياً: أركانه: العاقدان: المُسْلِم (المشتري)، والمُسْلَم إليه (البائع).
следующие страницы →