Полный текст (197 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
باب البيان عن حثه على الإتباع في الأجوبة بكل مكان
قال الميموني: قال لي أحمد بن حنبل: إياك أن تتكلم بكلمة واحدة ليس لك فيها إمام.
وقال حرب بن إسماعيل: قلت: الرجل يفسر إعراب القرآن فيقول: (الحمد لله). رفع لأنه ابتداء. وقل: جزم لأنه أمر. ﴿والتين والزيتون﴾، ﴿والنازعات﴾ قسم، ونحو هذا؟ قال: إذا كان شيئا قد تكلم فيه من قبل، رجوت.
وقال المروذي: قلت: من حلف أن لا يتكلم فقرأ؟ قال: دعها. قيل له إن عبد الوهاب قال: يحنث وقد أجاب؟ فتبسم أبو عبد الله وقال: حاطه عبد الوهاب موضع الفتيا.
قيل له: فما اختلف في يمينه؟ قال: أيش الناس يختلفون في الفقه هو موضع وتطاير هذا يكثر كل بالحث من أبي عبد الله ﵁ على الإتباع وإنه لا يقدم على جواب لم يسبق به، وأن لا يحدث مذهبًا لم يتقدم به.
стр. 2
وليس هذا من إمامنا على أنه أباح التقليد، ولا أنه منع من الاجتهاد عند الحادثة ويصير إلى موجب الدليل.
وقد اختلف أصحابنا في هذا الأصل ونظائره: فرأيت طائفة من أصحابنا يسلكون في كل المسائل في الفروع والأصول الوقف وأنه لا يفتى بشيئ إلا ما سبق به، وإلا وجب السكوت في ذلك. وطائفة ثانية فضلت فقالت: ما كان من الأصول فإنه لا يجيب في شيء إلا ما كان القول من الأئمة فيه سابقا وعلموا على ما نقل أبو طالب عن أبي عبد الله في الأعيان إن من قال: ملوق فهو جهمي. ومن قال أن غير مخلوق ابتدع وإنه يهجر حتى يرجع، وإن ذلك وعيد على مخالفة أمر لا يسع الجواب فيه، وإن كان من الفروع في الفقه فإنه يسع الجواب، وإن كان به منفردا.
قال أبو حامد رحمة الله عليه: والأشبه عندي أن سائر الفقه والأصول سواء، وأن له إيقاع الجواب عند الاضطرار ونزول الحادثة أنه يجتهد فيما يوجبه الدلليل بذلك وإن كان بالقول منفردا، كما أن إمامنا صار في الأصول إلى ظاهر التنزيل وإن خالفه الملأ أجمعون.
وقول إمامنا في كل مسائلة يحث على الإتباع للفضل. وما نقل عنه في الأيمان والألفاظ من قوله ابتدع، إنما ذلك بيان أنه أي الجواب لم يسبق به، وقد بين إمامنا رحمة الله عليه في القرآن أنه لا يشك ولا يوقف فيه، وأن القائلين بالحكاية والمحكى، واللفظ والملفوظ والتلاوة والمتلو زنادقة. فإذا ثبت هذا عنه بأن ذلك إنه إنما نهى عن الإجابة بأنه غير مخلوق إذا لم يسبق به في الجواب فيدخل في جملة المتكلفين، وعلى هذا كل الأصول في المذهب وبالله التوفيق.
стр. 3
باب البيان عن مذهبه في جواباته بالكتاب والسنة أو بقول الواحد من الصحابة
قال الحسن بن حامد: والمذهب أنه إذا سئل عن مسألة فأجاب بتلاوة أنه يقرأها وينسب إليه ذلك مفسرا. صورة ذلك ما قاله صالح وعبدالله قالا: قال أبي: طاعة الرسول ﷺ في نيف وثلاثين موضعا في كتاب الله تعالى، وقرأ الآيات. ونظائر هذا كل ما أجاب بتلاوة آية كاللعان أيضا بين الزوجين الكتابة والأمة. وكل جواب أبي عبدالله فيه بالآية يقطع على موجبها بما به نص.
قوله الأصل في ذلك أن السؤال لا غنية فيه عن الجواب، فإذا تلى آية كان ذلك مستخفيا به البيان عن موجب القضية، والدليل على ذلك موجب التنزيل وجوابات سيد المرسلين، ألا ترى إلى فصة اللعان حيث جاءه الرامي فقال له النبي ﷺ : حد في ظهرك. فأنزل الله تعالى آية اللعان، فدعاه النبي ﷺ وقال: ادع صاحبك. فدعاه فقرأ عليهما الآية.
стр. 4
ومن ذلك حديث عائشة ﵂: لقد جاءت المجادلة وأنا أسمع ما تقول، فأنزل الله : ﴿قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله﴾ فقال النبي ﷺ : ادعو لي صاحبك، فدعت ابن عمها فقرأ عليهما النبي ﷺ .
ومن ذلك قول للأعرابي: توضأ كما أمرك الله. ونظائر ذلك كلما يوقع جوابه بنص آية ليكون ذلك منه بيانا كافيا وحكما ماضيا، فإذاا ثبت هذا شرعا كان جواب إمامنا على ذلك الطريق به وبالله التوفيق.
مسألة: فأما الجواب بالسنة والأثر
صورة ذلك من مذهبه في أجوبته ما رواه صالح قال: سألت أبي عن الإمام إذا اطلع على رجل يفجر أيقيم عليه الحد؟ فحدثني أبي قال ثنا عبد الرحمن قال ثنا حرب بن أسيد عن يحيى بي أبي كثير عن محمد بن عبد الله بن زبيد بن الصلت أنه سمع أبا بكر الصديق يقول: لو أحدث سارقا لأحببت أن يستره الله. فما أجاب بغيره.
وقال الأثرم: قلت له: الرجل انقطع شسع نعله، أيمشي في الأخرى؟
стр. 5
فقال: لا. حديث النبي ﷺ فذكر الحديث.
وقال أبو الحارث: قلت لأبي عبد الله: صدقة الخيل والرقيق؟ فقال: حديث النبي ﷺ : ليس على الرجل في عبده ولا فرسه صدقة.
وقال أبو النصر: قلت لأبي عبد الله: حديث النبي ﷺ لعبد الرحمن ولم يقل إذا رأيت خيرا منها فاستثنى.
والميموني: قال أبو عبد الله ﵁: بلغني أن أبا حنيفة كان يقول: لا نؤاخذ بما كان في الجاهلية. والنبي ﷺ يقول: نؤاخذ. حديث سفيان عن عبد الله.
والميموني: قال: لا يصلى على الغال. والنبي ﷺ لم يصل على الغال.
وقال الحسن بن محمد بن الحارث: سئل أحمد عن رجل يؤم قوما،
стр. 6
فخالف أحاديث جاءت عن النبي ﷺ ؟ قال: أخبره وعلمه، فإذا أخبرته عن النبي ﷺ فلم يقبل فاهجره.
وقال صالح: قال أبي: الذي يذهب إليه ابن عمر عن النبي ﷺ يعني بالرفع في الصدقة. ونظائر هذا يكثر نقله عنه.
فما سئل عنه فيجيب بالحديث أو يفتي ويستدل فيه بالحديث أو يسأل عنه فيروي فيه الحديث عن النبي ﷺ فكل ذلك مذهب له صريح بمثابة ما يفتي به من قبله سواء وأنه يراعى فيه ظاهر الحديث الذي احتج به، فيكون ظاهر موجب الخبر، وهذا مذهب أصحابنا كافة لا أعلم بينهم فيه خلافا. والأصل في ذلك ما قدمنا من الاحتجاج بالآية، وكذلك الاحتاج بالسنة أو الجواب بالسنة كالآية سواء.
ومن أول الأشياء أن الصحابة كذلك أفتت وبالأخبار تعلقت من حيث ثبت عن أبي بكر الصديق ﵁ القضاء في أهل الردة فقالوا: كيف نقاتل وقد قال رسول الله ﷺ : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله.
ومن ذلك ما يكثر اختلافهم في الماء من الماء وما جانس ذلك.
стр. 7
فإذا ثبت هذا علمت أن الجواب بالأثر بمثابة نص الفتوى.
وقد ثبت أيضا أن الفقيه إذا سئل عن حكم فأفتى بالخبر، فإنه إيذان ببيان الحكم لا أنه لم يتبين عن الحكم فإذا ثبت هذا علمت بذلك صحة ما ذكرناه، ولا أعلم في هذا أيضا خلافا إلا شيء شذ به بعض المتأخرين فقالوا: إنه لا يحتج بالخبر على إتيانه لمن أفتى به مذهبا إذ الخبر قد يرده، وإذا سئل عنه فسر وبين، فإذا ثب هذا بطل أن ينسب إليه بذلك مذهبا. وهذا قول بعيد عن الإصابة، إذ من شأن الفتوى ثبوت الجواب بما يوصل إلى القضية في الأحكام، فإذا ثبت الاقتصار على الأثر استقر بذلك موجب الجواب بغير تدافع.
стр. 8
فأما الجواب عن الذي قالوه من أنه قد يسأل عن الخبر فيفسره بتفسير يخالف ظاهره، فذلك لا يضر بالأسئلة في جوابه قد يرد مطلقا، فإذا سئل عنه فسره ألا ترى أنه سئل عن الأضاحي؟ فقال: يأكل. فقال له: يأكلها كلها؟ فقال: لا، يأكل ثلثا. وليس تفسيره لجواب قد أطلقه دليل على أن جوابه النطق لاتفاق به، وكذلك في الأخبار إذا احتج بظاهرها وجب إجراء مذهبه بموجب الظاهر إلا أن يقارب ذلك التفسير وبالله التوفيق.
مسألة: فأما الكلام في جوابه فظاهر مقالة الصحابة
صورة ذلك: ما قاله صالح قلت لأبي: صلاة الجماعة؟ قال: أخشى أن تكون فريضة. يروى عن عمر وعلي وابن عباس وابن مسعود: من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر. وذكر حديث عائشة.
стр. 9
وقال أبو طالب: سألت أبا عبد الله عمن حلف بسورة من القرآن؟ فقال: قال ابن مسعود: عليه بكل آية يمين. قلت: ما تقول أنت؟ قال: أسق قولي هذا ابن مسعود يقول هذا.
وقال ابن منصور: قلت ذاك والله لا يؤدي يعني حديث ابن عمر. فقال: إذا قامت البينة.
وقال في الجارية يستثني ما فيه بطنها إذا عتقها؟ قال: قد روي عن ابن عمر أنه بعده. قلت: تذهب إليه؟ قال: نعم، ولا أذهب إليه في البيع.
وقال المروذي: قلت يؤذن وهو قاعد؟ قال: قد روي عن رجل من أصحاب النبي ﷺ .
وقال ابن منصور: قلت: نذر أن يطوف على أربع؟ قال: قال ابن عباس: طوافا لليدين وطوافا للرجلين.
قلت: حديث علي في الزينة؟ قال: ما أعلم شيئا يدفعه.
ونظائر هذا يكثر بكل ما فيه جوابه بالخير، واستند إلى أثر عن الصحابة أو قضاء مأثور عن الصحابة وكل مستحق نسبه المذهب إليه من حيث ظاهر ما رواه واعتمد عليه وارتضاه يشابه ما قدمنا من الحكم في جوابه بالسنة عن النبي
стр. 10
صلى الله عليه وسلم لا غير ذلك والطريق فيه أن الفقيه لا غنية له عن البيان فيما يسأل ولا يسعه أن يوقع جوابا إلا من حيث نصه، ولا يفتي بما لا يصح له، فإذا ثبت هذا بأن بذلك أنه قصد ما رواه هو ما ثبت من ظاهر قصد بقول الصحابة ﵃ بلقائه جوابه بالسنة وبالله التوفيق.
стр. 11
باب البيان عن مذهبه بالأثر إذا بيّنه والقول من الصحابة إذا دوّنه من غير جواب به ولا توثيب فيه ولا رد له
قال الحسن بن حامد ﵀: كل ما بيّنه إمامنا ﵁ من الأثر وصحّ به السند عن الصحابة له نقل من غير رد ولا نكير فذلك بأسره عندي ثابت في مذهبه بمثابة جوابه نطقا.
والأصل الدليل على هذا من مذهبه ما رواه عنه الميموني قال: قال أبو عبد الله: إذا كان الكتاب والسنة فهو الأمر.
وقال المروذي قال أبو عبد الله: نحن نسفك الدماء بهذه الأخبار الصحاح، فإذا ثبت الخبر قلنا به. وفي هذا بيان عن مذهبه أنه إذا كان في القضية خبر كان ذلك مذهبًا له، وأنه قائل به. وهذه طريقة عامة شيوخنا، وأن ما وجد عن أبي عبد الله فيه رواية الأثر من غير رد ولا جواب يضاره جعلوا ذلك له مذهبًا، وهذا مذهب المروذي والأثرم وصالح وعبد الله، وأنهم يعتمدون في مذهبه على ما بينت من أحاديثه.
وأما ارتضاء طريقه فقال المروذي في كتابه أبواب عدة وما ذكر فيها إلا ما رواه فقال في باب القيام عن ركعتين: حدثنا أحمد قال ثنا يزيد بن هارون قال: أنبأ المسعودي عن زياد بن علاقة قال: صلى بنا المغيرة بن شعبة فلمّا صلى ركعتين قام ولم يجلس، فسبح به من خلفه فأشار إليهم أن قوموا. . الحديث.
стр. 12
ومن ذلك ذكر عنه الجهر والإخفاء فذلك ابن عباس ونظائر ذلك كثير.
وخالف في ذلك طائفة من أصحابنا فقالوا به لا يجوز أن يُنسب إليه بروايته الأخبار مذهبًا له، وتابعهم على هذا جماعة الشافعيين فقالوا: لو جاز هذا جاز أن ينسب أهل الآثار ومن دون الأخبار أنه بالفقه مختص وله قائل. قالوا: من جوّز أن ينسب إلى قائل مذهبًا جاز أن ينسب إلى ساكت مذهبًا.
وأيضًا فإن الفقيه ليس من حيث الخبر إذ قد يكون ما يأتي من الخبر له تأويل عنده إذا سئل عنه أظهره. قالوا: فإذا ثبت لهذا وجب أن لا يجوز أن لا ينسب إليه مذهبًا.
وأيضًا: فإن أبا عبد الله قد أثبت صحة أحاديث لا يقال بها في مذهبه: حديث سهل بن سعد في النكاح على آيات من القرآن.
ومن ذلك ثبت الحديث: يدخل من أمتي سبعون ألفًا الجنة بغير حساب. قيل من هم؟ قال: هم الذين لا يكتوون ولا يسترقون وعلى ربهم يتوكلون. ومع هذا لا ينفي ذلك الاسترقاء.
стр. 13
وأيضًا فلو جاز أن يثبت بروايته الخبر مذهبًا، كان إسقاط المذهب بالخبر الثابت إذا رواه جائزًا، فلمّا لم يسقط شيء من جوابه بالخبر، فكذلك لا يُثبت له جواب بالخبر.
وهذا كله فله وجه له، والدليل على صحة ما ذكرناه دلّ الكتاب والسنة ووجوه العبرة.
فمن الكتاب أن الله جل وعز نهى عن قول ما لا علم لقائله، وزجر عن
стр. 14
الكذب فقال تعالى: ﴿ولا تقفُ ما ليس لك به علم﴾ وقال جل وعز: ﴿قُتل الخرّاصون﴾. يريد الكذابين. وقد ثبت الأمر بما أمر الله به، والنهي عما نهى الله عنه فقال تعالى: ﴿قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول﴾. وقال جل وعز: ﴿تلك حدود الله﴾ الآية. وما جانس ذلك مستحق به حظ الأمر والنهي من حيث النص ومن حيث العموم، وإن قوله تعالى: ﴿اقتلوا المشركين﴾. وقوله: ﴿والسارق والسارقة﴾. وما جانس العموم مستحق به الاستغراق للجنس والطبقة في كل حال، وما يتفرد بدا في الشريعة، فإذا ثبت هذا وكان عن أبي عبد الله جواب في الأحاديث والآثار بيان يطلق أنها له مذهب وجب أن يكون ذلك حيث وجدناه أن يقضى أنه بذلك قائل. وقد بينا عن أبي عبد الله في كتاب أحكام القرآن من كتاب الأصول وما يذهب إليه من الطرق في الأخبار وأقاويل الصحابة ومما قدمناه عنه ثم قد قررنا أن أبا عبد الله بالخبر في الحادثة أنه يُنسب إليه مذهبًا على عموم اللفظ، فإذا ثبت هذا وجب أن يكون من الأخبار إذا رآها وارتضاها بمثابة فتواه ما يوجبه نص قوله فيها.
ومن أدل الأشياء إنا وجدنا الفقيه إذا بيّن عن علته في جواب مسألة أو كان مبنيا على أصل له فإنه ينسب إليه كل ما أوجبه نص إعلاله، فإذا ثبت هذا وجب إن يكون ما بيّنه لنا من أصله في الأخبار أن ينسب إليه كل ما ارتضاه إذا لم يكن منه دفع له ولا إنكار.
стр. 15
فأما الجواب عن الذي قالوه من أنه يلزم أن ينسب إلى الساكت مذهبًا فذلك لا يضرنا، إذا الساكت على ضربين: ساكت في معنى الناطق وهو أن يكون سيأخذ حصره بالدين مختصا فلا ينكره ولا يغيره فذلك ينسب إليه القوله به حتما بما قلناه في الصحابة إذا سكتوا على حادثة قائلة يُنسب إليهم من ذلك جوابا أو مذهبا فإذا أشبه هذا بأن طريقة إمامنا فيما رواه وارتضاه مذهبا ثبتا.
جواب ثان: وهو إنا نقول كل شيء سكت عنه نسبناه إليه لا غير ذلك.
وأما الجواب عن الذي قالوه من أن الخبر قد يرويه، فإذا سئل عنه يبين فيه عما يوجبه نطقه فذلك باطل، إذ بهذا بعينه ينقلب في احتجاجه بالخبر قدر مما سئل عنه فقال: لا أقول به، ويجيب بجواب مطلق فإذا سئل عنه ترك بعضه وأخذ ببعضه، وكل لا ينفي كون المذهب مهما أقام على إطلاقه فكذلك في الأخبار سيان.
وأما عن حديث سهل بن سعد وغيره لم ينسب إليه مذهبا به فذلك لا يتضرر إذ كل منقول عنه ترك الأخذ بها، وقد بيّن في حديث سهل أنه لم يعمل عليه لأنه قد قابله ما منع من المصير إليه، وكذلك في حديث الرقى بيّن أنه جائز الاسترقاء، وأن الخبر مُتأول، فما كان من الأخبار عنه فيها التنكر رددناها، وما لم ينقل عنه فيها نكير قبلناها، وإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه سالما.
وأما الجواب عن الذي قالوه من أنه لو جاز أن ينسب إليه مذهبا لروايته الأثر لأسقط مذهبه بالأثر، فذلك فاسد إذا ما ثبت عنه فيه الجواب ثبت أنه في بابه أصلا لم يجز لنا إدخال سنة عليه فور أن هذا أن يكون عنه في الحادثة
стр. 16
التي فيها الخبر جوابا كافيا لا يلتفت إلى غير جوابه، فإذا لم يوجد جواب بالنص، فإن الجواب منسوب إليه من حيث الأخبار الذي قد بيّن لنا أنها مذهبه حيث كانت.
جواب ثان: وهو أن الإسقاط غير الإثبات، ألا ترى أن إسقاط واحد من الستة في الرمي غير جائز ولا ينفي ذلك أن يزيد على الستة غيرها من حيث كونها داخلة في مجرى الخبر أو دليله، فإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه سالما وبالله التوفيق.
стр. 17
باب البيان عن مذهبه في الخبر إذا حسنه وارتضى سنده
قال الحسن بن ماجد: الأحاديث إذا ذكرها وبيّن ما هو مودع في ضمنها إذا كانت أحاديث يثبت بعضها وأنكر بعضها فإنه ينسب إليه المذهب من حيث ما بينه، وينفى عنه ما أنكره، وضعفه، صورة ذلك:
قال حنبل: قال أحمد: إني أخاف أن يصف حجم عظامها أيضا، هو حجم عظامها، وهذا إنما هو لحديث أسامة بن زيد كساني النبي ﷺ قبطية، كساه إياها وجُبة فكسوتها نسائي. فقال النبي ﷺ : مُرها تجعل تحتها غلالة لا تصف حجم عظامها.
وقال الميموني وغيره عنه في كتاب العتق: الأخذ بحديث ابن عمر ﵁ في عتق الشركاء وقال: ليس في الاستعساء حديث ثبت عن
стр. 18
النبي ﷺ .
стр. 19
ومن ذلك في الأضاحي إنكاره الحديث في الأبتر.
قال أبو طالب ثنا أحمد بن حنبل ثنا يحيى بن آدم ثنا شريك عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال: لا بأس بالأبتر أن يضحى به قال: لم أسمع رواه غير شريك. قلت: أليس هو منكَر؟ قال: قد أخبرتك. ورواه وكيع عن شريك عن ليث عن مجاهد عن رجل عن ابن عمر. فقال: هذا من شريك وما شأنه هذا يكثر، فكل ما ضعفه وأنكر صحته قطع عليه بأنه لا يتدين به، وما ثبته وارتضى سنده، أو ثبت أحد ألفاظه في متنه كان ذلك له مذهبا. وهذا قريب على الأصل الذي ذكرناه من أنه قائل بالأثر متبع لما أوجبه ظاهر النقل بكل وجه وسبب، فإذا ثبّت خبرًا وبيّن عن الألفاظ في المتن حكمًا كان ذلك له مذهبًا وبالله التوفيق.
стр. 20
باب البيان عن نسبة المذهب إليه من حيث القياس
قال الحسن بن حامد ﵀: اختلف أصحابنا في ذلك فقال عامة شيوخنا مثل الخلّال وعبد العزبز وأبي علي وإبراهيم وسائر من شاهدناه أنه لا يجوز نسبته إليه من حيث القياس، وأنكروا على الخرقي ما رسمه في كتابه من حيث أنه قاس على قوله وذهب الأثرم والخرقي وغيرهما إلى الجواز لذلك. وقد نقل هذا عن الأثرم وأخبرناه أبو علي بن الصواف إجازة قال ثنا أبو عبد الرحمن قال: كان أبو بكر الأثرم يحلف إلى أبي عبد الله، ودلف العبادي من ولد عبادة بن الصامت، وكان العبادي يسأل والأثرم
стр. 21
يكتب خلفه فقال أبو عبدالله: هذا كان مع حلف على الإمرة، فقال له قد رجع عن ذلك.
وكان أبو بكر الأعين يسأل الأثرم فأخذ بعض المسائل التي كان يدونها الأثرم عن أبي عبد الله فدفعها إلى صالح فعرضها على أبي عبد الله وكان فيها مسائل في الحيض فقال: أي هذا من كلامي، وهذا ليس من كلامي. فقيل للأثرم؟ فقال: إنما أقيسه على قوله. وكذلك الخرقي على هذا عول عندي والله أعلم.
واختار أن يقيس على قوله. والمأخوذ به أن نفصل فما كان من جواب له في أصل يحتوي مسائل خرج جوابه على بعضنا فإنه جائز أن ينسب إليه بقية مسائل ذلك والأصل من حيث القياس. صورة هذا أن يقول في ماء الباقلاء والورد لا يتوضأ به إذا غير الماء فينسب إليه ما هو في معنى ذلك وإن كثرت أعداد مسائله.
ونظير ذلك جوابه في المسكر إنه حرام. فينسب إليه جميع أنواعه.
стр. 22
نظير ذلك في الأرز والذرة وأعيان المسائل التي فيها كيل ليست إليه من حيث علة جوابه وقياس على أصل مقالته.
ونظير ذلك ما قاله في رواية ابن منصور في المتداعيين إذا كانت اليدان على الشيء تخالفا وكان بينهما نصفين، فأطلق جوابه في الورثة إذا اختلفوا مع المرأة في قماش البيت فقضى ما كان يصلح للرجال فهو للرجال، وسكت عن التخالف فأخذ بما قدمه وأجزل في الورثة عند الاختلاف أيضا الأيمان بمثابة تداعي الأجنبيين.
ومن ذلك ما قاله في التداعي للحائط بين الرجلين نصفين ولا يقضي بمعاقد القسط وسكت عن التخالف ولا غنية عنه. فكل ما كان من هذا النحو يحسن فيه الأخذ بالقياس وجري المسائل في ذلك الأصل.
فأما أن يعتدي بالقياس في المذهب مسائل الأشبه لها في أصوله ولا يوجد عنه منصوص بنى عليه فذلك غير جائز.
ثم بعد هذا فالذين أبوا جواز المذهب من حيث القياس فإنهم استدلوا في ذلك بأدلة فمن ذلك أن قالوا: قد بينا الإطلاق من قوله مانع من نسبة قول إلى قائل إلا من حيث النطق المسموع على الحد المعلوم.
قالوا وأيضًا: فإن القياس ليس بنطق ممن نسب إلى مذهبه شيئا كان كمن نسب إلى الساكت قولا ما قاله.
قالوا وأيضا: فإن مذاهب العلماء عبارة عما يعتقدون ويتدينون به. وبالقياس لا يجوز أن يقطع على أن الأشياء عنه ومتدين بما يوجبه قياسنا عليه، فإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه سالما.
وأيضا: فلو جاز أن يُنسب قول بالقياس إلى أحمد جاز أن يُنسب قول
стр. 23
أبي ثور وأبي حنيفة إلى أحمد من حيث القياس، وهذا كله فلا وجه له، والدليل على صحة ما ذكرناه من الجواز ظاهر ونُطق.
فأما الظاهر فكتاب وسنة:
فمن الكتاب ما قررناه من الحد في الأوامر، وأننا نصل إلى ثبوت القضية بالقياس في أوامر الكتاب. وننسبها إلى الله تعالى، ونقول إن ذلك أمر الله تعالى سمنا به ما نسميه في التلاوة نصًا.
ومن السنة ما لا خفاء به، وإننا ندخل تحت المنصوص عليه من حيث معنًا ما يليق به وننسبه إلى الرسول ﷺ ، ألا ترى إلى ما قررناه من نص النبي ﷺ في الزيادة على سنته نسب إلى النبي ﷺ ما زاد عليها وكثر عددها من حيث وجود القياس عليها، فإذا ثبت هذا كان ذلك أصلا في الدين وجب أن يكون ذلك محكوما به في جوابات العلماء في الدين.
ومن ذلك الاشتباه من شهادات الأصول أنا وجدنا العلماء كافة مجمعين في أجوبتها وفتاويها أنها تُبنى على أصل مقالة أمامها وتعتبر مسائله فيلحق بها ما كان نظيرها وإن عدم النص عنه فيها، ولو كنا لا نجيب في حادثة بالقياس على أصل أبي عبد الله ﵀ لأدى إلى ترك كثير من مسائل الحوادث في الطهارة والصلاة وغيرها. فلما كنا نقدم على الأجوبة وبنية الأحكام كلها على قياس مقالته في أصلها كان ماذكرناه سالما.
ومن أدلته الأشياء إنا وجدنا العلماء قد أودعوا في كتاب الفرائض ينقلون عن الصحابة في الحد والاختلاف في غير مسائل قطعت القضية بينهم فيها ويفرعون على ذلك ما جانسها. وكذلك في ذوي الأرحام ينقلون عن الصحابة الأصل أما التنزيل وإعطاء القربى.، ويفرعون على ذلك مسائل، فترى كل ذلك ينسبونه إلى أهل المقالات في الأصل فإذا ثبت هذا بدءًا وعودًا كان ما ذكرناه سالما.
стр. 24
فأما الجواب عن الاستدلال بقوله تعالى: ﴿ولا تقفُ ما ليس لك به علم﴾. فذلك لنا، إذ نص الحديث في الأصل يثبت به عندنا العلم فوجب أن تكون الآية لنا بدليل هذه الآية، وقوله تعالى: ﴿إن بعض الظن إثم﴾.
لا يدخل تحتها نفي قول من حيث القياس، إذ ذلك قطع لا أنه ظن، إذ الظن ما كان من حيث التخمين لا عن حقيقة أصل.
جواب ثانٍ: إنه إن كان من حيث القياس فذلك بمثابة نطق المتكلم في الأصل، ألا ترى أن أبا عبد الله قال في كتاب القياس: إذا كان الشيء يشبه الشيء، وأقبلت به وأدبرت فليس في نفسي منه شيء فقطع على أنه علم يقينا.
جواب ثالث: وهو إنا نقول لو جاء الرد لوجب القياس في الجوابات لأدى إلى إسقاط ذلك في أحكام الواجبات، فلما كانت من أحكام شرعا موجها من حيث القياس حقا كان ذلك في الأجوبة سواء.
وأما الجواب عن الذي قالوه من أن هذا قول إلى ساكت فذلك لا يؤثر شيئا، إذ السكوت على ضربين:
أحدهما: نفي الأصل.
والثاني: ساكت عن نطق بيّن، والساكت في أصل الأشياء كمن لا جواب له ولا فتوى عنه ولا يُنسب إليه بحال. وساكت عن نطق حاصل فإنه مستحق أن يُنسب إليه كل ما كان في معناه، وليس هذا إلا بمثابة مسكوت القرآن لما ثبت الأمر عن الصحابة إن سكتوا عما سكت عنه القرآن ثم قد ثبت وتفرد أن الكلام بالواجبات في القرآن لا يوجب سكوتا عن جريان الأحكام من حيث القياس ولا يكون ذلك نسبة قول إلى غير قول، وإلى سكوت بل هو قول
стр. 25
مأخوذ من أجزاء الأمر وكان كذلك ما ذكرناه سواء.
فأما الجواب عن الذي قالوه من أقاويل العلماء كأنه أهل المدينة والعراقيين وأنه يفضي إلى نسبة قولهم إليه مذهبا، فذلك خطأ منعنا من ذلك لأجل أنه قال لنا قولًا فيه صريح بالمخالفة لسائرهم فبطل جواب نسبته إلى بعضهم.
جواب ثان: هو إنا نقول: إذا صح القياس على أصله والأصل الذي نسب القضاء منه إذا كان قد قال به أهل العراق وغيرهم، وصح القياس فيه بما يتابع مقالة أهل العراق فإنا ننسب إليه ذلك مذهبا، وإن كان فيه لأهل العراق أو غيرهم من العلم متابعا كما يقول في جوابه إذا كان فيه لمن يخالفه متابعا.
فأما فقه الأثرم مع أبي بكر الأعين وإن أبا عبد الله قال: ليس هذا كلامي. فإنها من أوثق الأشياء الدلالة على جواز أن ينسب إليه مذهبا من حيث القياس الإنكار من أبي عبد الله فيما يتعلق بالدين والكذب والبهتان ويحرص الذاهب شروع، ورأيناه مع كونه سامعا لما أتى به الأثرم لم يقل أنه أخطأ على مذهبي وأنه نسب إلى ما لا أعتقده ولا أقول به بل سكت عن توثيبه وعن الأغلاط في أفعاله ونقله وما أتى به فكان ذلك قطعا على أن أبا بكر الأثرم ما عدل عن الإصابة في جوابه ولا أنه دل على فتواه على فتاويه قبله. وما قاله أحمد ﵁ فإنه يُقوّا به أثر الأثرم لأنه قال هذا ليس من كلامي بقا كونه كلاما به، وهذا يقوي فتوى الأثرم وأنه كان من فقهه أنه فعل إلى أنه قاس على كلامه وكان ما أوجبه عنه الأثرم الذي حسن لأجلها سكوت أبي عبد الله عن الإنكار عليه وبالله التوفيق.
стр. 26
باب البيان عن نسبة المذهب إليه من حيث يفسر أصحابه وأخبارهم عن رأيه
قال الحسن بن حامد: إعلم وهب الله لنا ولك سلامة الأديان ووفقنا وإياك للسداد إن الناقلين عن أبي عبد الله رحمة الله عليه جواباته ونصل سؤالاته إذا قاربوا ذلك بتفسير جواب، أو نسبوا إليه حدّا في وجه فقالوا: إن ذلك منسوب وبه منوط فإليه يعزى أو يكون حط ما قالوه بمثابة قوله يطعاطون ذلك ما قاله إسحاق وغيره لأنه كان اختيار أبي عبد الله الدخول بعمرة لأن النبي ﷺ قال: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت). وقال أحمد بن القاسم: اختيار أبي عبد الله المتعة لأنها آخر الأمرين من رسول الله ﷺ .
ومن ذلك ما قاله الأثرم: قلت لأبي عبد الله: حديث عمر، ترى لمن احتج به حجة؟ فلم ير أبو عبد الله في ذلك حجة في تسري العبد.
стр. 27
ومثل ذلك قال أحمد بن القاسم في الأمة إذا اشتراها فأولدها؟ قال: تعتق في حصة أولادها. قال أحمد بن القاسم: والمسألة على أن أولاده منها قد عتقوا قبل موته.
وقال عبد الله: سألت أبي عن الخطاف كأنه عنده أسهل من الخشاف.
وقال الحسن: من توان عنه في المخابرة كأنه لم ير ما قاله أبو يوسف. ونظائر هذا يكثر كل من نقل عنه في مسألة أو بيان حد في السؤال كان ذلك بمثابة نصه في كل الأحوال. وخالفنا في ذلك طائفة من أصحابنا مثل الخلال في رواية الأثرم عن أبي عبد الله حيث سأله عن طلحة بن مصرف كأنه لا يثبت أنه مات سنة اثنتي عشرة وهم من الإثرم، فلم يجعل ما قاله الإثرم على أبي عبد الله من رأيه. وهذه طريقة عبد العزيز أيضا، وإنه لا يأخذ بقولهم فيما نسبوه إليه في أماكن شتى. وهذا عندي فاسد، إذ ما نقلوه وفسروه أو تأولوه وعزوه إليه لا تجوز مخالفتهم فيه، وهذا هو قياس المذهب، الخرقي وغيره من أصحابنا.
стр. 28
والأصل في ذلك ما قدمناه عنه بدءًا إن من أصلنا أن نجعل ما فسرته الصحابة في نقلها وما تثبته في أخبارها، ونسبته إلى نبينا ﵇. فكل ذلك يعزى إلى النبي ﷺ نصا ونقطع به حتما، ويكون بمثابة تفسير النبي ﷺ نصا، فإذا ثبت هذا في أصول الشريعة كان بمثابة المصاحبين للعلماء والمتابعين والناقلين بمثابة ما نقلوه من الصحابة من الأخبار سيان. وقد ثبت أيضا أن الصاحب لا يجوز أن ينسب إلى صاحبه شيئا من حيث المجازفة والتخييل، ولا ينسب إليه إلا ما قبله وعلمه يقينا. فإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه في جوابات أصحابه كافيا وأنه ينسب إليه من ذلك مذهبا سالما وبالله التوفيق.
стр. 29
باب البيان عن نسبة المذهب إليه من حيث أفعاله في خاصة نفسه
قال الحسن بن حامد: وكل ما نقل عن أبي عبد الله أنه فعله في نفسه وارتضاه لتأدية عنايته، وكل ذلك ينسب إليه بمثابة جوابه وفتواه نظير ذلك:
ما رواه عنه المروذي في طهارته أنه غسل لحيته حتى وصل الماء إلى أصول شعره.
ومن ذلك أنه كان يعنا تحت حنكه.
ومن ذلك: ما نقل أنه صلى في قيام خلف أبي علي حنبل ابن عمه وهو غير بالغ، فلما بلغ قال: ليومنا في الفرائض.
ونظائر هذا مذهب له بمثابة جوابه بذلك. وهذا قول عامة أصحابنا إلا إني رأيت طائفة من أصحابنا يتأنون هذا ويقولو: لا ينسب إليه بأفعاله مذهبا، إذا الفعل محتمل، وعنده أن أفعال النبي ﷺ ليست حتما. وهذا فلا تأثير له إذ قد ثبت وتقرر أن مقامات العلماء بمثابة مقامات
стр. 30
صاحب الشريعة، إذ لا يجوز لعالم أن يأتي في علمه كله شيئا إلا من حيث الدليل شقيق الحق المبين، فإذا ثبت هذا وجب أن يكون ما نقل عن أبي عبد الله ﵁ في عباداته أن ذلك مذهبه باليقين.
ومن أدل الأشياء إنا وجدنا أفعال الصحابة بمثابة فعل النبي ﷺ ، وإن كان مستحق الأحدية والاتباع مع الاختلاف في حتمه أم نقله، فإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه في المذهب سالما وبالله التوفيق.
فأما الجواب عن الذي قالوه من الأفعال وإنها محتملة فذلك لا يؤثر شيئا إذ مع الاحتمال لا يخرجها أن تكون دينا، ونحن إنما نريد إثبات الجواز للفعل في نسبتنا ذلك إليه، فإذا ثبت ذلك كان ما ذكرناه سالما.
جواب ثان: وهو أن الاحتمال في نفس الفعل لا ينفي استحقاقه في الظاهر في صيغته إلا أن يدل الدليل على تخصيصه فإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه.
وأما الجواب عن الذي قالوه من أفعال النبي ﷺ وأنها ليست على الإيجاب فذلك لا يضرنا، إذ لا أعلم بين أصحابنا خلافا أن الاتباع لها مسنون، فإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه في بابه أصلا وبالله التوفيق.
стр. 31
باب نسبة المذهب إليه من حيث الإستدلال
قال الحسن بن حامد: فأخبرنا عن المروذي أنه سئل عن العراة؟ قال: فيه اختلاف إلا أن إمامهم يقوم وسطهم، وعاب على من قال يقعد الإمام. قال: وكان هذا يدل على أن اختياره أن يصلي العريان قائما حيث قال: يقوم الإمام وسطهم.
قال: قال الأثرم: قلت لإبي عبد الله: السجود؟ قال: السجود لا بد منه. قال: فبيّن أبو عبد الله أنه لا يأخذ بقول من قال: يصلون قعودا.
قال الأثرم: حجة أبي عبد الله في هذا أصل الفرض القيام، وقول النبي ﷺ : من استطاع أن يصلي قائما فلا يصلي جالسا.
стр. 32
ونقل عن أبي داود في قطيفة صبي ينام فيها فتقع في بئر؟ قال: تُنزح. يريد إن كان يبول فيها.
وحمله هذا من أصحاب أبي عبد الله اجتراءًا بأنه جائز أن ينسب المذهب من حيث الاستدلال لمعاني كلامه وفائدته وأجوبته، ويكون ذلك بمثابة جوابه نصا. وبالله التوفيق.
стр. 33
باب البيان عن المستدل به من جوابه إنما ذلك نطقا أم استنباطا
قال الحسن بن حامد: الاستدلال من جواباته على ضربين:
فضرب منها داخل في نطق قوله فذلك يسمى نصا.
وصورته ما قاله في مسائل عبد الله في المواقيت عن وقت العصر فأخبرنا عن عبد الله بن أحمد قال: آخر وقت الظهر وأول وقت العصر. وقوله خرج. فأبان عن خروج الوقت ودخول ما بعده، إذ لا يخرج زمن إلا عقبه زمن غيره. فهذا يسمى نطقا وهو الذي قاله الخرقي في المواقيت: آخر وقت الظهر خطئة في كل المسألة.
وطائفة قالت: إنه ليس بنطق مفهوم وسمى نصا، لكنه من حيث الاستنباط فالكلام على الطائفتين سواء.
فأما الذي خطؤه فقولهم فاسدا، إذ لو كان ما أتى به منفردا ما كان فيه متهما لا سيما وأن جوابه ما خلا من مطابقة الرواية عن أبي عبد الله فكأن القائل بتخطئته في الأصل يؤبنا.
وأما ما قالوا إن ذلك الإستنباط فغلط إذ حد الاستنباط ما لا تعلق بنطق، فإنه ينفي عنه وجوه الاستنباط، ألا ترى أن الأمة أجمعت على أن ما كان له
стр. 34
تعلق في نطق عام فإنه يسمى باسم ما له تعلق به فيقال نطق عام، ويقال مأخوذ من العموم ومن الاسم، ولا يقال قياس ولا معنى ولا استنباط، فإذا ثبت هذا وكانت العبارة عن الزيادة على الظن مثله تارة تارة فيقال قد خرج الوقت عن الظل مثله وزيادة. فقال: قد زاد على مثل الظل وكلاهما إذا وجدا كان من خير النطق وجب أن يكون كل ما كان من هذا الحسن يسمى نطقا.
والضرب الثاني ما لا صيغة له في الجواب:
نظير ذلك ما قاله الميموني والأثرم في صلاة العراة فإنهما قسما استنباطا واستدلالا، والفرق بين هذا وهذا وبين الأول أن هذا لا حد له في إثبات صفة الاسم، وما هيته، وإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه سالما وبالله التوفيق.
стр. 35
باب البيان عن مذهبه لما سكت عند المعارضة ولم ينكره عند المباحثة
صورة ذلك من المذهب ما قاله الميموني: قلت: للمدبر بهبة؟ قال: إذا باعه أنفع من العتق.
قال الميموني: إما أن يكون سكت عني أو قال لي: إن تأول متأول فما أصنع به، فالمذهب عندي في هذا الأصل ونظائره أنه ينسب إليه مذهبا، وإنه إذا سكت عند المعارضة في جوابه أو لزوم على أصل استدلاله أنه ينسب إليه من ذلك. وقد يحتمل ها هنا عندي وجها آخر وهو أن يكون سكوته لا عن قطع بالانقياد، بل على حد الارتياء والتأويل لذلك فلا ينسب إليه بذلك قول وهذا قول الأكثر من أصحابنا، ومن ذهب إليه سلك أن السكوت قد يكون لا يتأمل ما عورض به، ويستقر حاله في الأصل فيقضي به مما أوجبه الدليل، وقد يحتمل أيضا أن يكون خوفا أن لا يقضي به إلى مناظرة ومجادلة.
وأيضا فإن نفس السكوت لا يؤثر مذهبا قطعا، ألا ترى أن الفقيه قد يرى فقها يأتي عبادته من صلاته وغيرها مما فيه مخالفة وينكر عليه ولا يرتضيه ومع ذلك فلا يرد عليه ولا يخاصمه. فإذا ثبت هذا كان هذا يجري أمر الساكتين على أنهم غير قائلين فلا ينسب إليهم بغير يقين. وهذا كله فلا وجه له والدليل على ماذكرناه من الجواز لنسبة المذهب بذلك أنا وجدنا الفقيه لا سيما إذا كان إماما في نفسه، علما في مقامه أن يرى منكرا أو يشاهد باطلا، ويسمع قولا فاسدا إلا ويستحق عليه المبادرة إلى النكير على من أتى به، فإذا ثبت هذا
стр. 36
وجب أن يكون إذا لم يكن من العالم يكثر أن ينسب إليه الرضا به، وطريق المخالفة لما وجب عليه، وقد بطل تجويزنا أن يكون بالمحال راضيا علمت أنا ننسب إليه كلما سكت عنه ولم يرده بمثابة قوله سيان ومن أدل الأشياء ما قررنا في أصول الشريعة وأن النبي ﷺ إذا سكت عن شيء كان ظاهرا جوازه.
ومن ذلك أيضا أمور الصحابة وأنها لا تسكت عند المعارضة إلا إذا عنت بالحجة ألا ترى إلى ما نقل عن الصديق ﵁ في قتال أهل الردة حيث قالت الصحابة له: كيف نقاتل الناس وقد قال رسول الله ﷺ : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم. فقال الصديق: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فالصلاة حق البدن، والزكاة حق المال والله تعالى جمع بين الصلاة والزكاة. فأسكت الذين ناظروه، ولم يردوا جوابا، فكان ذلك إذعانا منهم بالقتل لما جاءهم به، فأجابوه على يقين من إصابته الدليل لا عن ذلك ألا ترى إلى قصد الصديق ﵁ في الجدة أم الأب حيث جاءته وقد مضى من قضيته بالسدس لأم الأم حولا. فقال: لا أجد لك شيئا في كتاب الله، وإن الذي أعطاها رسول الله السدس. فقام إليه محمد بن عبد الرحمن بن سهل الأنصاري فقال: يا خليفة رسول الله:
стр. 37
أعطيت من لو مات ما ورثها، وتركت من لو ماتت ورثها. يريد بذلك أن أم البنت لا ترثها، وابن ابنها يرثها. فسكت أبو بكر عن الإجابة، ورد الاعتلال وقضى بالمشاركة.
ومن ذلك ما نقل عن الإمام عمر بن الخطاب ﵁ حيث جمع الصحابة في القضية في ميراث الجد فقال: ما بال ابن ابني يرثني ولا أرثه؟ فقال علي ﵇: لا تعجل أرأيت شجرة لها أغصان إلى أين ترجع أغصانها. وقال له زيد: لا تعجل أرأيت سائلا سال فأشبعت منه واديا وجرى منه ماءا إلى أين يرجع الماء يريد أنه إلى أصل الوادي مآله. فضربوا له الأمثال فانقاد عندما أتوه به إلى أن سكت إقرارا بأن القضاء أنه لا يعد أبا.
ومن ذلك قول عائشة ﵁ لزيد بن أرقم إنه قد أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ لما سكت عن إجابة ما ورد ما قالته فيما بلغها عنه من مسألة العينة أوجب ذلك أن لا يجوز ما عليه أنكرت لأنه ما نقل عنه مدافعة ما عليه من تونية أقدمت.
ونظير ذلك أيضا ما نقل عن ابن عباس مع أبي هريرة ﵄ في الوضوء مما مست النار إذا رويت عن رسول الله صلى الله عليه
стр. 38
وسلم حديثا فلا تضرب له الأمثال، فإذا ثبت هذا وسكت ابن عباس أبان بذلك عن صحة ما قال.
ومن أدل الأشياء أنه قد ثبت بين العلماء في مناظرتهم أن من سكت عن شيء أنه قد توجه عليه السؤال ألا ترى إلى ما جرى بين أحمد ﵁ والشافعي رحمة الله عليه في الهبة، فقال الشافعي معترضا على قول النبي ﷺ : الراجع في هبته كالكلب يعود في قيئه. فقال الشافعي: فالكلب غير محرم عليه أن يعود في قيئه. فقال أحمد: ليس لنا مثل السوء. فسكت الشافعي. وكان ذلك إذعانا بالانقطاع وإسقاط السؤال، وإذا ثبتت هذه الأصول إذن ذلك بأنه إذا سكت عن سؤال ولم يرد على سائله ما قاله أنه عنده صواب حق ونظير هذا إذا قال به قائل فما أصنع به أو قال هو موضوع، تأويل كل ذلك أنه قائل به وأنه غير محرم له إذ قد ثبت في صفاته أنه أشد الناس في الله وأسبقهم إلى النكير على المحرم، فإذا ثبت هذا بأن بذلك سلامة ما أصلناه وبالله التوفيق.
فأما الجواب عن الذي قالوه من أن السكوت محتمل بجهات:
منها أنه يدع ذلك لأن لا يؤدي إلى مخالفة ومجادلة فلا يؤثر شيئا إذ ظاهر السكوت الرضا والمتابعة، وليس تجويزا أن يكون للاحتمال فيه دخل
стр. 39
ينفي توجيبه ألا ترى الأوامر قد يحتمل أن تكون مقصودة للفصل للفرض والنافلة وليس وإن كان هذا الجواز له دخل في الاتساع ما يمنع تقبل الظاهر، وآخر أتيا إياه على ظاهره، وإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه سالما وأنه يجب الأخذ بموجب ظاهر القصة في السكوت لا غير ذلك.
وأما الجواب عن الذي قالوه من أن الفقيه قد يسكت وإن كان مخالفا إذا كان ذلك لغيره مذهبا.
فالجواب أن هذا لا يؤثر شيئا إذ الفقيه إذا جرى خلاف بحضرته من عامته أو من أهل خاصته مخالفين أو خاصة هم له على مذهبه متبعون فالعامة للفقيه أن يسكت عنهم إذا أتوا مذهبا من مذاهب أهل الأثر وإن بين لهم كان بالفضل قد أخذ. فأما إذا كانت طائفة تخالف علماء الشافعيين والعراقيين فرآهم على مذاهبهم فإنه يسعه السكوت لما قد ثبت عنده ما هم عليه من التدين عاكفون وأنهم بالنهي لا يرعون ولا يرجعون فلأجل ذلك سقط عنه الكلام ولم يخرج عند السكوت.
والطائفة الثالثة الذين هم على مذهبه قائمة وبه يتدينون فإنه مستحق عليه النكير ولا يجوز له أن يسكت إلا على يقين من جواز ذلك في الدين، فإذا ثبت هذا كان أمر السكوت مع حالة السلامة مستحق به القضاء فإنه له يذهب وبالله التوفيق.
стр. 40
باب البيان عن مذهبه في جوابه باختلاف الصحابة
قال الحسن بن حامد: صورة ذلك من مسائل عدة من ذلك ما قاله صالح قلت لأبي: المرأة إذا ماتت يرى زوجها محاسنها ويدخلها القبر؟ فقال: الناس مختلفون في ذلك، قد روي عن عمر أنه قال لأوليائها أنتم أحق بها. وعن أبي بكرة أنه واثب أخوة امرأته على دفنها.
قلت: الرجل يغسل امرأته فيه اختلاف.
وقال أبو الحارث: قلت الرجل إذا أعتق عبدا وله مال؟ فإن: ابن مسعود وأنس قالا: المال للسيد، وابن عمر لم يعرض له. قيل له: ما يقول
следующие страницы →