← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 16544

تهذيب الأجوبة ط عالم الكتب

ابن حامد الحنبلي

Полный текст (197 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وجب أن يكون إذا لم يكن من العالم يكثر أن ينسب إليه الرضا به، وطريق المخالفة لما وجب عليه، وقد بطل تجويزنا أن يكون بالمحال راضيا علمت أنا ننسب إليه كلما سكت عنه ولم يرده بمثابة قوله سيان ومن أدل الأشياء ما قررنا في أصول الشريعة وأن النبي ﷺ إذا سكت عن شيء كان ظاهرا جوازه. ومن ذلك أيضا أمور الصحابة وأنها لا تسكت عند المعارضة إلا إذا عنت بالحجة ألا ترى إلى ما نقل عن الصديق ﵁ في قتال أهل الردة حيث قالت الصحابة له: كيف نقاتل الناس وقد قال رسول الله ﷺ : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم. فقال الصديق: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فالصلاة حق البدن، والزكاة حق المال والله تعالى جمع بين الصلاة والزكاة. فأسكت الذين ناظروه، ولم يردوا جوابا، فكان ذلك إذعانا منهم بالقتل لما جاءهم به، فأجابوه على يقين من إصابته الدليل لا عن ذلك ألا ترى إلى قصد الصديق ﵁ في الجدة أم الأب حيث جاءته وقد مضى من قضيته بالسدس لأم الأم حولا. فقال: لا أجد لك شيئا في كتاب الله، وإن الذي أعطاها رسول الله السدس. فقام إليه محمد بن عبد الرحمن بن سهل الأنصاري فقال: يا خليفة رسول الله:

стр. 37

أعطيت من لو مات ما ورثها، وتركت من لو ماتت ورثها. يريد بذلك أن أم البنت لا ترثها، وابن ابنها يرثها. فسكت أبو بكر عن الإجابة، ورد الاعتلال وقضى بالمشاركة. ومن ذلك ما نقل عن الإمام عمر بن الخطاب ﵁ حيث جمع الصحابة في القضية في ميراث الجد فقال: ما بال ابن ابني يرثني ولا أرثه؟ فقال علي ﵇: لا تعجل أرأيت شجرة لها أغصان إلى أين ترجع أغصانها. وقال له زيد: لا تعجل أرأيت سائلا سال فأشبعت منه واديا وجرى منه ماءا إلى أين يرجع الماء يريد أنه إلى أصل الوادي مآله. فضربوا له الأمثال فانقاد عندما أتوه به إلى أن سكت إقرارا بأن القضاء أنه لا يعد أبا. ومن ذلك قول عائشة ﵁ لزيد بن أرقم إنه قد أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ لما سكت عن إجابة ما ورد ما قالته فيما بلغها عنه من مسألة العينة أوجب ذلك أن لا يجوز ما عليه أنكرت لأنه ما نقل عنه مدافعة ما عليه من تونية أقدمت. ونظير ذلك أيضا ما نقل عن ابن عباس مع أبي هريرة ﵄ في الوضوء مما مست النار إذا رويت عن رسول الله صلى الله عليه

стр. 38

وسلم حديثا فلا تضرب له الأمثال، فإذا ثبت هذا وسكت ابن عباس أبان بذلك عن صحة ما قال. ومن أدل الأشياء أنه قد ثبت بين العلماء في مناظرتهم أن من سكت عن شيء أنه قد توجه عليه السؤال ألا ترى إلى ما جرى بين أحمد ﵁ والشافعي رحمة الله عليه في الهبة، فقال الشافعي معترضا على قول النبي ﷺ : الراجع في هبته كالكلب يعود في قيئه. فقال الشافعي: فالكلب غير محرم عليه أن يعود في قيئه. فقال أحمد: ليس لنا مثل السوء. فسكت الشافعي. وكان ذلك إذعانا بالانقطاع وإسقاط السؤال، وإذا ثبتت هذه الأصول إذن ذلك بأنه إذا سكت عن سؤال ولم يرد على سائله ما قاله أنه عنده صواب حق ونظير هذا إذا قال به قائل فما أصنع به أو قال هو موضوع، تأويل كل ذلك أنه قائل به وأنه غير محرم له إذ قد ثبت في صفاته أنه أشد الناس في الله وأسبقهم إلى النكير على المحرم، فإذا ثبت هذا بأن بذلك سلامة ما أصلناه وبالله التوفيق. فأما الجواب عن الذي قالوه من أن السكوت محتمل بجهات: منها أنه يدع ذلك لأن لا يؤدي إلى مخالفة ومجادلة فلا يؤثر شيئا إذ ظاهر السكوت الرضا والمتابعة، وليس تجويزا أن يكون للاحتمال فيه دخل

стр. 39

ينفي توجيبه ألا ترى الأوامر قد يحتمل أن تكون مقصودة للفصل للفرض والنافلة وليس وإن كان هذا الجواز له دخل في الاتساع ما يمنع تقبل الظاهر، وآخر أتيا إياه على ظاهره، وإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه سالما وأنه يجب الأخذ بموجب ظاهر القصة في السكوت لا غير ذلك. وأما الجواب عن الذي قالوه من أن الفقيه قد يسكت وإن كان مخالفا إذا كان ذلك لغيره مذهبا. فالجواب أن هذا لا يؤثر شيئا إذ الفقيه إذا جرى خلاف بحضرته من عامته أو من أهل خاصته مخالفين أو خاصة هم له على مذهبه متبعون فالعامة للفقيه أن يسكت عنهم إذا أتوا مذهبا من مذاهب أهل الأثر وإن بين لهم كان بالفضل قد أخذ. فأما إذا كانت طائفة تخالف علماء الشافعيين والعراقيين فرآهم على مذاهبهم فإنه يسعه السكوت لما قد ثبت عنده ما هم عليه من التدين عاكفون وأنهم بالنهي لا يرعون ولا يرجعون فلأجل ذلك سقط عنه الكلام ولم يخرج عند السكوت. والطائفة الثالثة الذين هم على مذهبه قائمة وبه يتدينون فإنه مستحق عليه النكير ولا يجوز له أن يسكت إلا على يقين من جواز ذلك في الدين، فإذا ثبت هذا كان أمر السكوت مع حالة السلامة مستحق به القضاء فإنه له يذهب وبالله التوفيق.

стр. 40

باب البيان عن مذهبه في جوابه باختلاف الصحابة قال الحسن بن حامد: صورة ذلك من مسائل عدة من ذلك ما قاله صالح قلت لأبي: المرأة إذا ماتت يرى زوجها محاسنها ويدخلها القبر؟ فقال: الناس مختلفون في ذلك، قد روي عن عمر أنه قال لأوليائها أنتم أحق بها. وعن أبي بكرة أنه واثب أخوة امرأته على دفنها. قلت: الرجل يغسل امرأته فيه اختلاف. وقال أبو الحارث: قلت الرجل إذا أعتق عبدا وله مال؟ فإن: ابن مسعود وأنس قالا: المال للسيد، وابن عمر لم يعرض له. قيل له: ما يقول

стр. 41

هؤلاء أصحاب رسول الله ﷺ . ونظائر هذا تكثر وهي على ضربين. منها يجيب في مكان باختلاف الصحابة ولا ينقل عنه في ذلك قولا منكشفا. ومنها: ما يجيب في مكان بالاختلاف ويقطع بالبيان في مكان سواه بمثابة ماله في الحال، إذا أعتق العبد إنه توقف في مكان، وقطع في مكان بأنه للسيد، فما كان من هذا قطع به في مذهبه ونسب ذلك إليه. وهذا مأخوذ في بيانه في كتاب الأصول وأنه قطع به إذا كان الاختلاف بين الصحابة نظر أي القولين أشبه بالكتاب أو بالسنة يؤخذ به. فإذا وجدت الأجوبة بأن تقول اختلفت الصحابة فإنه ينسب إليه ما كان دليل الكتاب أو السنة عليه، وقد يتخرج في المسألة وجه آخر وهو أنه لا ينسب إليه في ذلك مذهب بحال إلا ما بينه وقواه وأخذ به. ويبعد أن يتخرج أن يكون إذا ذكر الاختلاف أنه يؤذن بالجواز للأخرى، إذ نص جواباته باختلاف إنما هو فيما يحل ويحرم وأن يكون على طائفة إيجاب حتما وإقامة حد أو أصل. قال: وعلى الطائفة الأخرى منع من ذلك بمثابة المرأة إذا ماتت، والعبد إذا أعتقه سيده، وكأم الولد، وإصابة

стр. 42

المكاتبة وما جانس ذلك. ونظائر هذا فليس فيه دخل في أن الاختلاف وإذا أجاب به كان لاختلاف المباح بل ذلك اختلاف لحد العوض لا غير ذلك. فالذين ذهبوا إلى الوقف في ذلك وأن لا ينسبون إليه مذهبا، فالطريق لهم إنا وجدنا علمه بوجوه الاستدلال سابقا ولا يخفى عليه أي القولين أشبه بالسنة، فإن كان مذهبه عنده بما هو مستودع في الكتاب من يوجب سنة كان إلى ذلك أسبق. قالوا: وأيضا فإن نسبة المذهب إليه من حيث آخر ما نرويها نحن في تقوية أحد المذهبين فعل لنا، ليس بفعل له، فكيف يجوز أن ينسب إليه المذهب بفعلنا ورأينا. وأيضا فإن الاجتهاد منا لا يطابق ما عنده ولا يقاربه فبطل أن ينسب إليه شيء بما نقويه نحن برأينا. وهذا كله فلا وجه له. والدليل على صحة ما ذهبنا إليه ما قدمنا عنه الرواية في كتاب الأصول وأنه قال: إذا اختلف أصحاب رسول الله ﷺ نظر أي القولين أشبه بالكتاب والسنة فأخذ به وترك الآخر. فإذا ثبت هذا الأصل كان فيه بيان عن مذهبه وما يتدين به في كل الأماكن وعلى سائر الجهات، فإذا وجد الاختلاف بين الصحابة. كان جوابه أن يقوي منهما ما أشبه بالكتاب والسنة فاعتبرنا ذلك في جواباته بالاختلاف على ما بينه في أصله. ومن أدل الأشياء أن أبا عبد الله قد يجيب بجواب في أصل ويكتفي بما يودعه فيه عن الإعادة له في كل فصل، ألا ترى إلى ما قررناه من الإيمان عند اختلاف المتداعين وغير ذلك. وإذا ثبت هذا كان جوابه بالاختلاف خالصا لا يخرجه أن يكون له في ذلك مذهب، فنسبنا إليه منها ما قال لنا أن الحق فيه دون الآخر، وقد ثبت بعد هذا أنه لا يخلو جوابه بالاختلاف من ثلاثة أقسام: إما أن يكون تذكرة للقولين، أراد بالذكر لهما إعلامنا أنه متوقف عنهما

стр. 43

فيبطل أن يكون كلاهما جائز لاستحالته لا معا إذ لا يكون الشيء في حالة واحدة على شخص واحد حلال حرام. ويبطل أيضا كون القسم الثاني إذ جوابه بأن أحدهما محل والآخر محرم يبطل ثبوت التحريم فيهما ولم يبق إلا قسم الاتفاق عن الجواب، وهذا لا يخلو من حالين: إما أن يسلم فيكون كأنه ممن لا جواب له فيها فيكون كأنه سلم اختلاف الصحابة فيه، ولا جواب له فيه وهو قد بين لنا أنه إذا وجد الاختلاف كان مايذهب إليه ما كان له قوة الشبه في الكتاب والسنة. والحالة الثانية أنه أراد أحدهما غير أنه اكتفى ببيان مذهبه عن الإعادة بأن يقول: اختلفت الصحابة في مذهبين ما الأقوى من المذهبين بالكتاب والسنة فإذا ثبت هذا كان ماذكرناه سالما. فإن قيل فإنه لو كان الأمر على ذلك لكان القول بالاستدلال منا فاسدا. فالجواب أن هذا لا وجه له لأن أبا عبد الله إنما يجيب لمن قد ثبت عنده أنهم عارفون بالأصول وعابرون على سواء هذا التنزيل وعارفون بالأثر الثابت عن الرسول والذين سألوه فأجابهم إليه فقها كالأثرم وصالح وابن منصور وأبو داود والميموني وأبي زرعة وأبي حاتم ونظرائهم، فمن ذكرناه كل قد علم أصلنا ووقف على طريقة إمامنا وعلم إمامنا ﵁ ضبط ذلك عنه فاكتفى بالجواب على ما سبق من البيان. جواب ثان - وهو أنه قد يجوز أن يترك ذلك إثباتا أن لا يفوته شيء مما تعلق عليه في وقته فكان يذكر الاختلاف ممتنعا وعليه معولا إذ لا يخرجه ذلك من أن يكون معينا وبالله التوفيق. وأما عن الجواب الذي قالوه من أن أبا عبد الله كان على وجوه القرآن والسنة مطلعا، فلو أراد بيان الجواب كان إليه سابقا، فذلك لا يؤثر شيئا إذ كونه بذلك عالما فقد بينه لأصحابه بيانا شافيا وكان تيسير بيانه مقنعا في بابه.

стр. 44

جواب ثان - وهو أنا لو حملنا ذلك كتابه أشبه بأن يقول لو كان يريد أن لا ينسب إليه جواب، كأن يقول: لا أدري ولا شيء عندي فإلا لم يجب بجواب الارتياء علمت أنه أراد بالجواب بيان مذهبه وقد بطل أنهما لا يرادان وكان بذلك أعلم أنه أراد أحدهما. أما الجواب عن الذي قالوه من أن الاجتهاد نقل لنا فذلك لا يضرنا إذ نفس القياس والاستنباط فعل لنا وكذلك الاستدلال بالأثر لأنه فعلنا. جواب ثان - وهو أن كل الشريعة على أنا ننسب إلى الله الدين والحلال والحرام من حيث أفعالنا أفيجوز أن يقال أن ذلك ليس بجائز في الدين لأنه فعل الآدميين، ومع ذلك فقد بينا على ما قررناه في المذهب أنه يجوز أن ننسب إليه القول من حيث القياس، ويكون ذلك مذهبا على ما أداه إليه اجتهادنا لأصله مطابق، فإذا ثبت هذا كان ما ذكرنا سالما. فأما الجواب عن الذي قالوه من أمر اجتهاده وأنه قد يخالف ما عنده فذلك لا يضرنا، إذ اجتهادنا وإن خالف اجتهاده فليس يخرجنا ذلك عن متابعته في طريقه إذ الاستدلال بالكتاب والسنة إذا كنا له طالبين كما أمرنا به وأننا قد بصرنا على ما كشفه لنا بمثابة سرنا على ما كشفه الله وليس وإن افترقنا من حيث قوة الإصابة تخرجنا من المتابعة والمساواة، وإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه سالما. جواب ثان - هو إنا فيما نسلكه نحن في المذهب، إنما هو على قوة ما يصح عندنا من أجوبته فيحمل ذلك على موجبها عندنا من حيث ظاهر أجوبته، وإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه سالما وبالله التوفيق. فصل في أصل أجوبته بالاختلاف إن قال أصحاب الشافعي قد أنكرتم على الشافعي إن أجاب في حادثة فيها قولان، ورضيتم لأبي عبد الله ما هو أبعد من ذلك أنه يجيب بأن يقول

стр. 45

بالاختلاف من الناس؟ قالوا: ومن ذلك كان جوابه بأن يقول: قال عبد الله كذا، وقال عمر كذا، ويكون حاكيا عن غيره ولا اجتهاد له في أصوله ولا في جوابه. قالوا ومن قال قولين فقد ثبت أنه قد ثبت له اجتهاده في الحادثة حتى أوصله ذلك إلى قطعه بالقولين فيها. قالوا: فإذا ثبت لمن قال بالقولين قوة الاجتهاد، وكان في جوابه أسد ممن قال في جوابه قال فيها زيد كذا وعمرو كذا، فقد ضيع ما سئل عنه، إذ ما سئل عن الاختلاف بين الناس، وإنما سئل عن الجواب عنده فلا يجوز له إحالة جوابه ولا ذكر الأقاويل ولا حكاية مذاهب غيره، وهذا كله فلا تأثير له. والجواب عن الذي قالوه من وجوه عدة: أحدها أن أبا عبد الله إنما يجيب في وقت بالاختلاف على حسب ما تحتمله مسألة السائل، إذ كل جواباته خارجة على سؤال سائل ولم يكن جوابه بذلك ابتداءا من أجل قصد إلى تصنيف مذهب تهذيب فقال: وإيضاح وجه الإصابة عينا وإنما خرج منه ذلك على حسب ما يوجبه السؤال، وليس كذلك في الشافعي ﵀ لأنه ابتدأ مصنفا وعلى مخالفته رادا وبالصواب عينا قاطعا ومن كانت هذه حاله كان بجوابه بالقولين مبينا عن الشبهة ما حلا والالتباس عنه ما انحلا. جواب ثان - وهو أن أبا عبد الله لا يكاد تجد عنه مسألة فيها قولين إلا وتجده حيث يقتضي السؤال جوابا بالبيان عن الإصابة إلا ويقطع ويبين ويحتج ويرجح إذ كل مذهبه في كل مسألة أجاب فيها بالاختلاف لا يتعدى عن الذي ذكرناه، وعلى هذا عامة أصحابنا وأنهم يأبون أن يكون هذا في مذهبه موجودا باقيا فيه الالتباس، وليس كذلك قال الشافعي ﵀ لأنه بدءا وعودا مع القولين والثلاثة والأربعة معلق حتى إنهم قالوا في المسألة ستة أقاويل وثمانية أقاويل وما يزيد على ذلك، ومن كان هذا وصف مذهبه عند عامة أصحابه بطل أن يشبه من جوابه شيء في تضاعيف جوابه.

стр. 46

جواب ثالث: وهو أن الذي نقل عن أبي عبد الله أنه أجاب فيه باختلاف ولا يتأتى له فيه هو ما ينبغي كون مذهب منه ولا سمى ذلك لنا نقضا، إذ أدى جميع كل ذلك في جوابيه كان سرا بالبيان مقصورا فيجب أن يكون القائل بالقولين على هذا الحد وأنهم لا ينسبون إليه منها قولا إلا ما كان منه بالبيان فيه مقصورا، وهذا إن قالوا به أفضى إلى إسقاط المذهب إذ ليس من مسائلهم مسألة عرية عن قولين، أو اختلاف حالين وتنزيل وجهين ولو عدهم ما يقطعون به في علمهم وشرح كتابهم لما كان ذلك إلا يسيرا، والذي يقطع به الشافعي قولا واحدا لا بد أن يطلبوا له فيها قولا ثانيا، والذي عنه فيه القولين لا يكتمون بذلك دون أن يخرجوا له في ذلك حالين، وتعليق على أحد القولين حتى إنه إذا تأمل أمرهم في المذهب كانوا لأنفسهم وبآرائهم وما يصح له ويتوجه عندهم متفقين، ومذهب الشافعي فيما بينهم كالغريب، وإذا ثبت هذا كان شتان ما بينهما. جواب رابع: وهو أن أبا عبد الله إنما أجاب بالقولين عن الصحابة اكتفاءا بما ثبت عنه من البيان يوجه الجواب في الحادثة إذا اختلفت فيها الصحابة وقد قررنا أصل مسألة الكتاب على ذلك وكان وإن أجاب بالاختلاف فإنه مستقر في مذهبه القطع بأحد طرفي الجواب وليس ذلك في جواب الشافعي بالقولين لأنه لا بيان له في تمييز مذهبه من القولين. جواب خامس: وهو أننا وجدنا الجواب بأقاويل الصحابة فائدته لا غنية عنها إذ قول الصحابة دين الله تعالى لا يسع عالم أن يجهل ما عن الصحابة مقولا في الحادثة، وليس كذلك الموات بالقولين لأنه لا يموه في معرفة من لا حجة في قوله. جواب سادس: وهو إنا وجدنا الصحابة لا تخرج عن جملتها ولا خاله أن أحدهما عين الإصابة فيه حتما، وليس كذلك في القولين إذا كان لمن لا حجة في مقالته إذ ذلك يجوز أن يكونا جميعا فاسدين وإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه سالما وبالله التوفيق.

стр. 47

باب البيان عن جوابه بالقولين إذا عزا واحدا إلى الصحابة والآخر إلى سنة عن النبي ﷺ ، صورة ذلك: ما رواه ابن منصور قلت لأحمد: أولاد العرب يسترقون؟ فقال: قال رخص وذكر حديث عائشة وقال ابن مشيش قلت: العرب يسترقون؟ قال: فيه اختلاف، ولكن عمر خطب قال: لا يسترقون. وذكر حديث عائشة وذكر مضر من بني المصطلق من خزاعة. ونظائر هذا في المذهب يكثر، وكل ما كان من جوابه بأن يقول اختلف فيها فقال فيها عمر كذا، وقال عثمان كذا، والسنة كذا، أو لأن الحديث عن النبي ﷺ بكذا، وكل ذلك مستحق فيه الأخذ بما يستند إلى السنة ويدع الآخر ويقطع على أن ذلك خارج عن مذهبه هذا في كل مكان يكون بينه الجواب بنظير هذا الأصل من غير تفسير ولا بيان.

стр. 48

وخالف في ذلك بعض أصحابنا فيما كان هذا طريقه فقالوا في قصة عمر في أولاد العرب أنه يقدم على حديث عائشة وبنوا ذلك على أنه إذا كان القول عن الصحابي مطلقا والسنة ظاهرها عاما أو مجملا كان القضاء يتقدمه النص عن الصحابة، فإذا اجتمع عنه الجواب بالاختلاف على هذا الحد كان ما عزاه إلى الصحابة أسبق في المذهب إذ من أصل أبي عبد الله أنه أخذ في الجزية بحديث عمر وقصته دون حديث النبي ﷺ في الدينار وخالف كل المدنيين مع الشافعي وجعل الجزية أربعة دنانير على طائفة ونصفها على أخرى ودينار على طائفة أخرى وكل ذلك اتباع لعمر وإن ترك فيه السنة فكذلك في باب الجواب إذا كان بالأمرين كان الأخذ بقول الصحابي أولا، وهذا كله فلا وجه له. والدليل على ما ذكرنا بدا ما أنباه عنه في كتاب الأصول وأنه قال: إذا اختلفت كانت السنة. وقال في قول الصحابي مع السنة. إنه يؤخذ بالسنة فأبان عن نص مذهبه في ذلك، وليس نريد مما ذكرناه عنه الكلام في السنة البينة مع قضية الصحابيين إلا أولى ثم بعد هذا

стр. 49

قررنا في كتاب الأصول ما فيه عنه، وإن الثابت من السنة لا يعارضه بقول الواحد من الصحابة وإن السنة حاكمة وهي فريضة قائمة، فإذا ثبت ما ذكرناه هناك أغنى عن الإعادة، ومن أبين الأشياء أن الصحابة كافة أجمعت على ترك آرائها مع وجود السنة ألا ترى أن أبا بكر وعمر وعثمان وعليا ﵈ كل ينقل عنه أنه إذا كان على رأي فروي له الأثر اتبعه وترك رأيه واجتهاده، فإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه سالما. فأما الجواب عن الذي قالوه من مذهب إمامنا في الأخذ بقول الصحابي في أمر الجزية وغيرها فذلك لا يؤثر شيئا أفليس على النبي ﷺ خص ندع بقول واحد من الصحابة، والذي يؤخذ من أقاويل الصحابة مع السنة طريقان: أحدهما: أن يرد خبر له ظاهر يجمع الصحابة على ترك الأخذ به بمثابة ما نقل في قصة النكاح على القرآن. قال أحمد ﵁ وأبان عن علة الرد له.

стр. 50

والطريق الثاني: أن تكون السنة عامة أو مطلقة محتملة وعن الصحابي تفسير في ذلك، فإنا نقول الصحابي فيما يفسر لنا به السنة أن يوقع بيانا على الجملة نظير ذلك ما نقل عن النبي ﷺ أنه قال: ليس فيما دون عشرين دينارا صدقة، وهذا يدخل فيه ما نقص غيرها بما قرب وبعد وقل

стр. 51

وكثر، فلنا عن علي ﵇ أنه قال: النقص لا زاد على ثلث مثقال. فأخذنا

стр. 52

به. ومن ذلك قوله ﷺ : البيعان بالخيار. قال ابن عمر: فرقة الأبدان , ومن ذلك: النهي عن صيام يوم الشك. قال ابن عمر: يصام احتياطا لرمضان إذا كانت السماء بها غيوم. فإذا ثبت هذا

стр. 53

كان ما عداهما مثل سنة ماضية في القضية ثابتة، فإنه لا يلتفت إلى مقالة واحد من الصحابة، وقضية الأثر عن النبي ﷺ في استرقاق العرب خاص لا شبهة فيه، إذ عائشة كان عليها رقاب واجبة، نذرت عتقين من ولد

стр. 54

إسماعيل، فأمرها النبي ﷺ بشراء ذلك من سبي مضر وما كان من قضية في بني المصطلق أنه أجرى عليهم السبي وملكهم للصحابة، قسمهم بين المسلمين ثم سألهم حيث جاءوا مسلمين، فعلمت بذلك أنه نص، وكان على قول علي بعدها. وأما قضية الأثر عن عمر بن الخطاب ﵁ في الجزية فإنه داخل في ذينك القسمين، وإن الدينار مطلق لا يفصل فيه ولا تمييز بين الطالبين، وقضية عمر فصلت وفسرت، وكان بمثابة إخصاص العام بقول الصحابي، والوجه فيه أن عمر أقر الدينار وما نقص وزاد عليه، والزيادة لا شيء عليها في الرد، فأجرينا ما نقل عن عمر ﵁ في بابه على ما ورد، لأنه لا يرد سنة، بل هو في نفسه سنة، فإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه سالما. جواب ثان: وهو أن عمر بن الخطاب في الجزية ما يقول بذلك دون أن يقارنه إجماع أصحابه الأثر كان الأئمة عثمان وعليا ومن اتبع من بعدهما جرى على سننهما من غير مدافعة ولا ريبة، وكان ذلك مما يجب المصير إليه ويقطع على السنة في الفقراء خاصة وبالله التوفيق.

стр. 55

باب البيان عن جوابه بقول التابعين مع الصحابة قال الحسن بن حامد: الكلام في جوابه بقول التابعين مع الصحابي مشتمل على أقسام: الأول من ذلك أن يكون مع الصحابي من الاستدلال أقوى مما هو مع التابعين أو مثله، فلا خلاف عنه أن قول الصحابي متقدم. صورة جوابه في هذا القسم. قال أبو الحارث: كان عمر وابن عباس لا يريان بوطئ المدبرة بأسا. قال الميموني: ما أعلم أن أحدا قال لا توطأ المدبرة إلا الزهري،

стр. 56

وابن عمر وابن عباس لا يريان بأسا بوطئها. ومن ذلك ما قال صالح: قلت لأبي: الرجل يغتسل فيخرج منه المني بعد الغسل، ولما يبل قبل الغسل؟ قال: يروى عن ابن عباس أنه يتوضأ. وقال الحسن: يعيد الغسل. ويروى عن علي ﵇ أنه لم يكن قال أغتسل.

стр. 57

وقال صالح: قال أبي: النفاس أربعون، والحجة فيه قول عمر بن الخطاب وعثمان بن أبي العاص، وعائذ بن عمرو، وأنس بن مالك، وفي قول أهل المدينة: ستون. ومن ذلك قال الأثرم: قلت له: تزوج على مهر إن جئت به إلى كذا وكذا وإلا فلا نكاح بيننا؟ فقال لي: مسألة قد تكلم الناس فيها فذكرت حديث ابن عباس: النكاح جائز، والشرط باطل. فقال: لو كان يرويه عطاء بن أبي رباح، إنما يرويه عطاء الخراساني. ومن ذلك ما رواه صالح: سألت أبي عن القنفذ؟ فحدثني وحدثني فذكر حديثين: مجاهد بالحل، وأبو هريرة حرام.

стр. 58

ومن ذلك أيضا ما قاله أبو الحارث قلت: بيع المدبرة؟ قال: ما اجترئ عليه لأنه فرج. وقد باعت عائشة.

стр. 59

ونظائر هذا تكثر، والمذاهب فيما ذكرناه، وما كان من نظيره إن الأخذ فيه بقول الصحابي دون قول التابعين، وهذا الأصل أدلته في الشرع مع الصحابة أقوى من حيث الأثر والنظر، ألا ترى أن المدبرة على ملك السيد أمته فدخلت في الآية من قوله ﴿أو ما ملكت أيمانكم﴾ في قول النبي ﷺ : احفظ عورتك إلا من زوجته أو ما ملكت يمينك. فإذا ثبت هذا كان ما ذهب إليه الزهري فاسدا، لا يوجبه أثر ولا نظر. وكذلك بيع المدبرة ولا وجه لمقالة من أبي أن التدبير لا يزيل ملكا. وقد قررنا عن النبي ﷺ أنه باع مدبرا. وأما النفاس في الأربعين فإنه نظائر لهذا الإطلاق من الكتاب، ولم يشاهد في الأصول، إذ الكتاب موذن بفرض الصيام، ولا يجوز لأحد أن يسقط شيئا إلا ما أوجبه دليل السمع وشاهد النظر، وأيضا إذ الصلاة والصيام يحتاط فيهما لا يؤديان إلا باليقين. وأما إحلال القنفذ في معنى الحيات ذوي السم والجوارح لأنه يعقر ويضرب كالسلي أذيته بأمه وكان في معنى المحرمات من الجوارح. وأما المني، فقول ابن عباس ﵁ أحج من قول علي، وأحج أيضا من مقالة الحسن لأنه شيء من بقية الماء الأول فكان موجبه غسل واحد،

стр. 60

فإذا وجد فيه الاغتسال انتفت الإعادة، وكان لا فرق بين كون بوله قبل غسله أو غيره. وأما أمر النكاح إذا كان على أجل في إثباته بالمهر فقد يتردد بين قول البياعات ويتردد بين الكناية وعدم المهر في المناكح لا يبطل فلو كان الأثر عن ابن عباس ثابتا كان موجبه الأخذ مستحقا وكل ما كان له شاهد في الشرع إما بأثر أو نظر وكانت الصحابة على حجته أظهر من حجة التابعين، أو حجته مائلة لحجة التابعين فلا خلاف عنه أنه يقدم قول الصحابي ففيما قدمناه عنه في كتاب الأصول أنه قال إذا بان قول تابعي وصحابي كان قول الصحابة أولى، وهو أصل في الجملة وتنزيله على ترتيب جواباته فيما ذكرناه ونذكره من مسائله وبالله التوفيق. القسم الثاني فيه قسمان: أن يكون دليل قول التابعين أقوى من دليل قول الصحابة بالظاهر من أثر سنة أو ظاهر آية، أو دليل الصحابي أيضا ظاهر آية ومع التابعين زيادة قوة في الظواهر وسر شارة الأصول فقول التابعين أولى. وصورة ذلك قال الأثرم قلت لأبي عبد الله: العبد ينظر إلى شعر سيدته حديث ابن عباس. قال: أذهب إلى قول سعيد.

стр. 61

وقال أبو الفضل قلت لأبي: نذر نذرا لما يسمه؟ قال: كان ابن عباس يقول: أغلظ الكفارات. وقال غيره: يمين. وقال عبد الله: سألت أبي المرأة غزلت غزلا فحلف زوجها إن لبسه فهو هدية. قال الحسن: يكفر عن يمينه. وقال أنس: إن لبسه فليهديه فقال أي يكفر مثل قول الحسن جملة.

стр. 62

هذه المسائل قطع بقول التابعين به. ومن جملة هذه المسائل قوله فيه غير مختلف ينزل قول الصحابي أم الفتوى من ابن عباس: ينظر العبد إلى سيدته، وبقول الحسن في اليمين وأنه عدل عن قول أنس والذي عنه فيه الخلاف أمر اليمين في الحدود ومن زرد ولما يسم قول ابن عباس في مسائله الثلاث، كذلك أيضا يدع مقالة أنس في اليمين بالهدي للموت. والأصل في ذلك أن ابن عباس علته من القرآن ما هو له؛ إذ قوله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن﴾ الآية. وكان عندها في جملة من لم يضرب الله عليه وفيها، وقد نقل عن عمر أنه بين أن ذلك في الرجال من قوله: ﴿أو ما ملكت أيمانكم﴾ في الرجال دون النساء. فأما قوله: ﴿أو ما ملكت أيمانهن﴾ معطوف على من شرطهن. فأما الوجه ألا ترى آية الحجاب من قوله تعالى: ﴿وإذا سألتموهن متاعا فسألوهن من وراء حجاب﴾. وقول النبي ﷺ : لا يخلون رجل بامرأة. وباعدوا بين أنفاس النساء والرجال. وقوله: لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفرا إلا مع محرم. فإذا ثبت

стр. 63

هذا بان بذلك أن أمره العبيد بمثابة حال الأحرار في الإبعاد، وكان قول سعيد بن المسيب أقوى لأنه قامت بشهادة الأثر ويوجب النظر. لا أقول فيه شيء أمره عندي ليس فيه أحسن كما احتج به بعض الناس أن السلم غير مرفوع فسقط عنه ما صنع. وقال زيد ثنا عنه أو غيره إذا كان عقله قد زال كيف يقع طلاقه وموضع هذا. قال: هذا قد زال عقله ولا يجوز تبعة ونظير هذا ما نقل عنه في القاذف حد، ثم عاد إلى قذفه له ثانيا فقال حنبل: يحد كلما قذفه. وقال الأثرم: لا يحد، والحد بحديث علي ﵇. وقال عبد بن منصور في قصة علي مع عمر في قصة المغيرة بن شعبة إن جلدته فارحم صاحبك، لا أدري فلم يقطع علي الأمر فيه. وقال أحمد بن نصر: قال أحمد: لا حد، لأنه قد حد مرة، فأسقط قذفه السنن. ومن نظير هذا ما قاله في البيوع في السلم إذا لم يوجد كله فأخذ بعض

стр. 64

سلمه وبعض رأس ماله. فقال محمد بن الحكم: أكرهه، ابن عمر كرهه، وابن عباس قال: لا بأس به. والمذهب في الروايتين إذا جاءنا عنه في حادثة واحدة في مكانين مختلفين وضام كل قول من جهته استدلال وعلة ويقويه فإنه ينظر إلى أغلب الأشياء عنه وأظهر الاستدلال وأشبه بأصوله فينسب إليه فإذا لم يكن من جهة تقويه بذلك على اطراح إحدى الروايتين لم ينسب إليه تركا لما نقل عنه وكان على كل أحد أن يعمل الاجتهاد لنفسه وينظر فما يثبت عنه الحق فيه فيرضاه من مذهبه دون غيره، والذي يظهر عنه في طلاق السكران التقوية لأنه

стр. 65

يقع، وهو أكثر الأقاويل عن الصحابة، وهو الذي قواه وحسنه. وأما الحد في باب القذف إذا عاد إلى رميه فإنه لا يقويه عنه. وكذلك في باب السلم الرواية متقابلة عنه، وكل رواياته في مذهبه إذا تعادلت الألفاظ ولم يكن عنه صريح في الاستدلال، ولا رد لأحد المذهبين فإنه يقر كلا على ما جاءت، ويصار إلى ما يوجبه الدليل من الكتاب والسنة، ووجوه العبرة على ما رسمناه في مذهبه وبالله التوفيق.

стр. 66

باب البيان عن مذهبه بالاختلاف بين العلماء قال الحسن بن حامد: الكلام في جوابه بالاختلاف مشتمل على مسائل. أول ذلك إذا أجاب بالاختلاف فراجعه السائل فبين له ما يرضاه ويراه من الاختلاف. صورة ذلك ما قاله مهنا: سألت أبا عبد الله عن رجل قال: أول غلام يطلع فهو حر، فاطلع غلامان أو كل عبيده. قال: قد اختلفوا، قلت له: ما تقول أنت؟ قال: يقرع بينهم. قال مهنا: وسألته قال لأربع نسوة: أول امرأة تطلع منكن طالق. فطلقهن كلهن. قال: قد اختلفوا في هذا أيضا، قلت: أخبرني بشيء فيه؟ فقال: قال بعضهم يقسم بينهن تطليقه. قلت: ما تقول أنت؟ قال: يقرع .. ونظائر هذا الأصل إذا ورد الجواب بالاختلاف ونازلوه فيما يذهب إليه ويراه فقال: يأخذ مما بان يصار إلى ما قطع به منهما وثبت مذهبه عليه ولا يؤثر الآخر شيئا، ويقطع على أن الآخر ليس يذهب له، والأصل فيه أنه إذا قال هذا اختلف الناس فإنه أثبت بذلك حكاية مذاهب يحتمل أن يكون هو فما حكاه داخلا، ويحتمل أن يكون فيما حكاه خارجا، ومن هذين الاحتمالين

стр. 67

واحد فاسد إذ لا يجوز أن يجيب الفقيه في مسألة بأن يقول اختلف الناس إلا ويذكر ما قد اشتملت عليه الإصابة للجواب في الجملة ولا يجوز أن يكون قد أفتى مما عنده أن الحق فيه مسلوبا فإذا ثبت هذا بطل أن يكون حكاية موصلة إلى إخراجه غما إلى العلماء، عزاه أنه داخل في جملة الاختلاف فإذا قيل له فماذا تقول أنت من هذين فقال بأحدهما علمنا يقينا أن ذلك عين الإجابة عنده فما يدين الله به ويعتقده فقطعنا بأن ذلك مذهبه. وعلى ذلك ترتيب كل ما كان من الأجوبة. وبالله التوفيق. مسألة ثانية ومن هذا الباب إذا جاب بالاختلاف في وقت وتوقف عن القطع وبين في مكان آخر بالبيان والقطع. صورة ذلك. مارواه عنه أبو الحارث في كتاب العتق إذا اشترى أخاه، هل يعتق عليه أم لا؟ فقال: دعها قد اختلفوا فيها وابن شقيق. قلت: دبر ثم احتاج إلى بيعه؟ فقال: دع هذه المسألة وأحمد بن هشام. سئل أحمد عن أم ولد النصراني إذا أسلمت؟ فقال: فيها اختلاف. قال بعضهم: وكره أن يقول فيها شيئا.

стр. 68

ومن ذلك مسألة أبي الحارث إذا أعتق عبده وله مال. ونظائر هذا ونقل عنه الجواب وكل هذه المسائل قد أثبت جوابه فيها فقطع في رواية ابن منصور إذا عتقه كان ماله لسيده، وإذا اشترى أخاه عتق عليه في رواية الأثرم وغيره. وكذلك في بيع المدبرات. الجواب فيه فيما رواه عنه صالح وغيره، وقطع في رواية ابن منصور بأنه لا يرى السعي، وأن أم ولد النصراني يوقف على موته ويزال عن يده. ومن ذلك ما رواه عنه علي بن سعيد في كفارة من أصاب حائضا إن صح الحديث قلت به. وقطع في عدة أماكن بصحة ووجوب الكفارة فيه

стр. 69

بالمذهب في هذا، وما جاء من نحوه أنه يؤخذ بالبين المفسر عنه، ولا يلتفت إلى ما كان من الروايات بالاختلاف والتوقف وهذا هو دأب العلماء أن يتوقفوا عند بداية الحادثة حتى يستجدوا الأدلة ويسبرون طرقها، ويجمعوا بينها وبين ما يضامها ويعارضها، فإذا سلمت الدلالة عرية عن الشبهة والالتباس قطعوا بالنص ظن الجواب. وقد نقل الميموني عن أبي عبد الله في هذا النحو وأكثر وأنه كان لمسائله فيقول لا تكتب، ويقال حتى يتناظر، وربما وقفت المسألة يوما حتى يناديه أبو عبد الله بالجواب بينا، وللعلماء بالاجتهاد ذو نأي بينهم في الأجوبة والتوقف على القطع حتى يصح لهم نص الأمر يباينون غيرهم ويبلغون بذلك منازل الأئمة ويتبعون منهج الصحابة وما عليه الدليل الواجب اتباعه على الكافة وبالله التوفيق. مسألة ثالثة: فأما إذا صدر فيه الجواب قطعا وقارن ذلك بدليل حتما وأردف ذلك بحكاية بذهب بحادث ما سبق من جوابه: صورة ذلك: ما قاله الميموني قلت لابن حنبل قوله: ﴿ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا﴾. قال: هو أن يشهد بشهادة فتطلب منه فلا يأبى. قلت: وقد قال بعضهم تفسير هذه الآية إذا طلبوا يشهدون. قال: قد قال ذلك بعضهم. ومن ذلك: قال حرب: قلت: حلف كاذبا متعمدا فيه كفارة؟ قال: هذا أعظم من أن يكون فيه كفارة، وقد روى عن بعضهم أنه قال: يكفر. والمروذي عنه في السعاية وقال بعضهم: يسعى.

стр. 70

والرواية عن الأثرم في الأضاحي إذا اشترى أضحية فأصاب معها أخرى فقال مثل قصة عدي بن حاتم ثم أرسل كلبي خالطه غيره. قال له النبي ﷺ : لا يأكل. قال: إذا كانت ذكية ومنية: لا يأكل يذكيا جميعا وهؤلاء يقولون يأكل واحدا ويدع واحدا. ونظائر هذا يكثر والمذهب أنه لا يكون بالذكر لقول غيره بعد جوابه بالثبات مضعفا له. وقد يحتمل فيه وجه آخر وأنه يذكره لقول بعض الناس بعندنا أنه إن ذهب إليه ذاهب فقد أصاب مذهبا مرضيا غير فاسد، ألا ترى إلى ما نقله عنه صالح: قلت لأبي: يكبر في دبر كل صلوة الضحى كما يكبر في الفرض أم لا؟ قال: إن ذهب إليه رجل فقد روى عن بعض الناس والمعروف المكتوبة.

стр. 71

وهذه المسألة تعطي أنه إذا قال: وقد قال بعض الناس إنه يقيد الأخذ به، ومن ذهب إلى هذا الوجه وجعل له بحكاية عن بعض الناس مذهبا، فطريق الاستدلال له في ذلك أن أبا عبد الله لا يحكي بعد جوابه مسألة يقطع فيها بزور وبهتان، وإنما يحكي ما له دخل في الجواز، فإذا حكى شيئا بعد جواب سالف، علمت أنه قارنه بما له دخل في الجواز. وأيضا فإنه إنما يحكي ذلك لفائدة ولا ثمرة لذلك فائدة إلا أن يثبت لنا بذلك زيادة في الإجارة وأيضا فقد ثبت أن أبا عبد الله ﵁ إذا سئل فقد يعتمد في جوابه على الفتوى بقول سابق، ويكون ذلك صريحا في مذهبه، فإذا ثبت هذا كان كذلك إذا قرن جوابه بالحكاية عن مذهب غيره أنه يفيدنا أنه بين عن قول ثاني لا غير ذلك. وهذا كله فلا وجه له، والأشبه ما ذكرناه وأن بالحكاية لا ينسب إليه مذهبا. والدليل على ذلك ظاهر ومعنى. فالظاهر كتاب وسنة، فالكتاب إنا وجدنا ما ورد في الكتاب بلفظ الخبر لا يدخل فيه بعتب ولا بثمر لنا إلا إيقاع العلم بمثابة مأمور آخر بنا ألا ترى إلى الخبر عن أهل الجنة وأهل النار، وما كان من بيان الكفار ومن خلا من القرون وما أخبرنا به عن المعاقبة والرضوان، وكل ذلك بالاتفاق لاحظ فيه الإيقاع العلم لنا بمثابة أمرنا ورأينا ما جاءنا بالحتم من أمر لازم أن حظ إثبات الحكم لنا وعلينا بقوله: ﴿أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾. ﴿ولا تأكلوا الربا﴾. ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾. ونظائر ذلك يكثر كل حظ في المخاطبة الختم على الأمور فإذا ثبت هذا في التنزيل وجب لك أن يكون حظ الخبر عن الأقاويل يكتسى إلا إثبات العلم بمثابة ورود الخبر. ومن دليل السنة إنا وجدنا لما نقل عن الرسول ﷺ من

стр. 72

الأوامر له حد، وما ورد بلفظ الخبر عن العفو حد ألا ترى أن قوله: ﴿أدوا زكاة أموالكم في الرقة ربع العشر﴾ وما جانس ذلك له حظ في ثبوت الأمر، وما ورد بلفظ الأمر ومقارنة الخبر لا يكون الخبر أمرا، ألا ترى أنه ﷺ قال: استنزهوا عن البول. وقال: أما علمتم ما لقي

стр. 73

صاحب بني إسرائيل كان أحدهم إذا أصابه البول قرضه بالمقراض فنهاهم عنه فعذب في قبره فأبان الأمر بالاستنزاه حد الحكم ولم يكن بالخبر مكتئبا إحداث أمر لا دخل له في عبادتنا فإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه سالما ثم الدليل من حيث المعنىى، وهو إنا وجدنا الأصول مرتبة، على إنا نقول قد صدق في الخبر، وصدق أنه إذا قال قد قال بعض الناس أنه لا يكون له دخل في ذلك، أو لإخباره عن تفسير حده ولإخباره عن غيره ثبت له إخبار عن غيره كما لا يجوز أن يقال إن ما حكاه عن نفسه أنه حاك له عن غيره. ومن حيث ثبت أنه لو أجاب وقال: قال بعض الناس: إنا لا نجعل ما حكاه عن نفسه منسوبا إلى مذهب غيره. وكذلك ما حكاه عن غيره لا يكون حاكيا ما لا يحل وما لا يكون وفدا، فذلك لا يضرنا إذ ليس بحكايته ما يحل يكون ذلك له مذهب، وليس كل ما حلت حكايته كان ذلك منسوبا إلى من جوز حكايته. وأما الجواب عن الذي قالوه من أنا نفيذ بالحكاية ثمرة جواز ما حكاه

стр. 74

خطاه أن يثمر لنا الصدق في الأخبار أن يخبر كما أخبر ولا يثمر لنا أن نقول إنه أباح بالحكاية أن نقول ما حكى فله مذهب. وأما الجواب عن الذي قالوه من أنه إذا حكى عن بعض الناس مذهبا فذلك لا يضرنا، لأنه إذا حكى شيئا عريا عن جواب، كانت حكايته جوابا، وإذا حكاه بعد جواب بطل أن تكون الحكاية جوابا وبالله التوفيق.

стр. 75

باب البيان عن جوابه مذهبه بقول بعض الناس ونسبة الجواب إلى غيره قال الحسن بن حامد: اعلم وهب الله لنا ولك ما يرضى، وحمانا وإياك عن كل الأهواء أن جوابه إذا ورد بحكاية عن غيره مرويا بأنه يرى ذلك ويرضاه إذا تحرش عن قرينة بالصد مما حكاه: صورة ذلك: ما رواه الأثرم: قلت لأبي عبد الله: رجل يحل السحر؟ فقال: قد رخص فيه بعض الناس.
следующие страницы →