Полный текст (3 930 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
رب يسر
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبيه محمد وآله أجمعين.
سألني بعض إخواني -ممن أجله وأعظمه- عمل شرح لمختصر أبي جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي الأزدي ﵀، فرأيت إجابته إلى ذلك، ورجوت فيه القربة إلى الله تعالى.
إذ كان هذا الكتاب يشتمل على عامة مسائل الخلاف، وكثير من الفروع، التي إذا فهم القارئ معانيها وعللها، وكيفية بنائها على أصولها: انفتح له به من طريق القياس والاجتهاد ما يعظم نفعه، ويسهل به فهم عامة مسائل كتب الأصول لمحمد بن الحسن رحمة الله عليه.
стр. 2
لأني لا أذكر مسألة تتشعب منها مسائلُ من الفروع إلا نبهت على طرقها ووجوهها، مع ذكر شيء من نظائرها، ليكون الكتاب جامعا لعلم الأصول والفروع معا، وليعم نفعه وتكثر فائدته.
وأتحرى في جميع ذلك الاختصار والإيجاز، وأستمد من الله المعونة والتوفيق، إنه أقوى معين.
стр. 3
كتاب الطهارة
باب ما تكون به الطهارة
[مسألة: لا تكون الطهارة إلا بالماء أو بالصعيد إذا عدم الماء].
قال أبو جعفر: (قال أبو حنيفة ﵀: لا طهارة للصحيح إلا بالماء، أو بالصعيد في غير الأمصار وغير القرى إذا عدم الماء).
قال أبو بكر: الأصل فيه: قول الله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبًا فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لمستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدًا طيبًا﴾.
فلو اقتصر على قوله: ﴿فاغسلوا﴾ لاقتضى عمومه جواز غسل هذه
стр. 4
الأعضاء بسائر المائعات، لشمول اللفظ لها، لكنه لما قال في سياق الآية ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾: دل على أن حكم الغسل المأمور به مقصور على ما جعل التيمم بدلا منه، وأبيح استعماله عند عدمه.
فإن قال قائل: لو لم يكن في شرط إباحة التيمم ذكر عدم الماء، لكان في قوله تعالى: ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورًا﴾. وقوله: ﴿وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به﴾. وقول النبي ﷺ في البحر: "هو الطهور ماؤه، والحل ميتته": ما يوجب أن تكون الطهارة بالماء دون ما سواه من المائعات.
قيل له: إنما حكم دلالة الآية والخبر الذي ذكرت مقصور على جواز استعمال الماء للطهارة، فأما أن يدل على نفي الطهارة بغيره، فلا، إذ
стр. 5
الحكم الذي تضمنته إنما هو إثبات الطهارة، لا نفيها، فالمستدل به على نفيها: مغفل لحكم الدلالة.
[مسألة: حكم الوضوء بالنبيذ].
قال أبو جعفر: (ويجوز عند أبي حنيفة الوضوء بنبيذ التمر خاصة، دون ما سواه من الأنبذة في غير الأمصار، وفي غير القرى عند عدم الماء، وقال أبو يوسف: لا يتوضأ به، وقال محمد: يتوضأ به، ثم يتيمم).
قال أبو بكر: القياس يمنع عند أبي حنيفة جواز الوضوء بالنبيذ لاتفاق فقهاء الأمصار على امتناع جوازه بالخل والمرق وسائر المائعات التي لا يتناولها اسم الماء على الإطلاق، إلا أنه ترك القياس فيه لدلالة لفظ الآية والأثر.
وذلك لأن من أصله: أن الأثر مقدم على النظر، وإن كان وروده من طريق الآحاد، وأنه لا يعترض بالقياس على خبر الواحد بعد أن يكون
стр. 6
وروده من الجهة التي تقبل فيها أخبار الآحاد لو لم يعارضه القياس.
فإذا لم يبق للحادثة طريق يوصل إلى معرفة حكمها إلا النظر والأثر، وتعارضا، كان الحكم للأثر، وسقط معه اعتبار النظر.
هذا مع تعاضد الأثر الوارد في إباحة الوضوء بالنبيذ من دلالة فحوى خطاب الآية.
وقد روى جواز الوضوء بالنبيذ عند عدم الماء عن ابن عباس وعكرمة وأبي العالية ﵃.
стр. 7
وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية قال: ركبت مع أصحاب رسول الله ﷺ البحر ففني ماؤهم، فتوضؤوا بالنبيذ، وكرهوا ماء البحر.
وما نعلم أحدًا من الصحابة روي عنه خلاف ذلك.
فأما الأثر الذي ذهل إليه أبو حنيفة ﵀ في جواز الوضوء بالنبيذ: فهو حديث عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال له ليلة الجن: "أمعك ماء؟ قال: لا فقال: أمعك نبيذ؟ قال: نعم، فتوضأ به، وصلى الفجر".
روي هذا الخبر عن عبد الله من أربع طرق:
стр. 8
رواه ابن عباس، وأبو رافع، وأبو وائل، وأبو زيد مولى عمرو بن حريث
- فأما حديث ابن عباس ﵄، فأخبرناه عبد الباقي بن قانع في الإجازة قال: حدثنا الحسين بن إسحاق قال: حدثنا محمد مصفى قال: حدثنا عمر بن سعيد عن ابن لهيعة عن قيس بن الحجاج عن حنش، عن ابن عباس عن ابن مسعود ﵃ أنه خرج مع رسول الله ﷺ ليلة الجن، فقال له رسول الله ﷺ :
أمعك ماء يابن مسعود؟ قال: معي نبيذ في إداوة. قال رسول الله ﷺ "صب علي منه"، فتوضأ رسول الله ﷺ وقال: "هو شراب، وطهور".
وحدثنا سليمان بن أحمد الطبراني قال: حدثنا أحمد بن رشدين المصري
стр. 9
قال: حدثنا يحيى بن بكير قال: حدثنا ابن لهيعة بإسناده، مثله.
- وأما حديث أبي رافع فأخبرنا عبد الباقي بن قانع إجازة قال: حدثنا الحسين بن أحمد بن أبي بشر السراج ومحمد بن عبدوس قالا: حدثنا محمد بن عباد المكي قال: حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم قال: حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أبي رافع عن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال له ليلة الجن: أمعك ماء؟ قال: لا قال: أمعك نبيذ؟ قال: نعم، "فتوضأ به".
وحدثنا أبو الحسن عبيد الله بن الحسين الكرخي ﵀ قال: حدثنا علي بن عبيد قال: حدثنا العمري قال: حدثنا محمد بن عباد المكي قال: حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، بإسناده مثله.
- وأما حديث أبي وائل: فحدثنا أبو بكر الجعابي قال: ثنا أبو العباس الفضل بن صالح الهاشمي، حدثنا الحسين بن عبيد الله العجلي قال: حدثنا أبو معاوية محمد بن حازم، عن الأعمش عن أبي وائل قال: سمعت عبد الله بن مسعود ﵁ قال: كنت مع النبي ﷺ ليلة الجن، فأتاهم فقرأ عليهم القرآن، وقال لي رسول الله ﷺ في بعض الليل: أمعك ماء يا ابن أم عبد؟ قلت: لا والله يا رسول
стр. 10
الله، إلا إداوة فيها نبيذ، فقال رسول الله ﷺ : "تمرة طيبة وماء طهور"، فتوضأ به رسول الله ﷺ .
- وأما حديث أبي زيد: فحدثنا محمد بن بكر البصري قال: حدثنا أبو داود السجستاني قال: حدثنا سليمان بن داود العتكي قال: حدثنا شريك عن أبي فزارة عن أبي زيد عن عبد الله بن مسعود ري الله عنه أن النبي ﷺ قال ليلة الجن: ما في إداوتك؟ قال: نبيذ: قال "تمرة طيبة، وماء طهور".
وقد روى هذا الحديث عن أبي فزارة الثوري وشعبة إسرائيل والجراح وأبو وكيع بن الجراح وأبو العميس عتبة بن عبد الله
стр. 11
وفي بعضها أنه قال: "تمرة طيبة، وماء طهور، فتوضأ منها وصلى".
حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم قال: حدثنا أسد بن عاصم قال: حدثنا الحسين بن حفص عن سفيان الثوري عن أبي فزارة العبسي قال: حدثن أبو زيد مولى عمرو بن حريث عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: كنت مع النبي صلى الله عله وسلم ليلة الجن فحضرت صلاة الفجر، فسألني فقال: أمعك وضوء؟ فقلت يا رسول الله! مع إداوة فيها شيء من النبيذ، فقال: "تمرة طيبة، فتوضأ منها وصلى الفجر".
قال أبو بكر: والمخالف لنا يعترض على هذه الآثار من وجوه أربعة:
стр. 12
أحدها: دعواهم مخالفتها للأصول من الكتاب، والاتفاق.
لأن قول الله : ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾، يقتضي عندهم أن يكون الماء المفروض به الطهارة، هو ما يتناوله اسم الماء على الإطلاق، وذلك معدوم في نبيذ التمر.
ولاتفاق الفقهاء على امتناع جواز الوضوء بكثير من المائعات التي لا يتناولها اسم الماء على الإطلاق.
والوجه الثاني: الطعن في سند هذه الآثار، من جهة أن أبا فزارة غير مشهور بالرواية، وأن أبا زيد لا يدري من هو، وكذلك رجال حديث ابن عباس وأبي رافع.
والثالث: من جهة ما عارضها من حديث علقمة أنه قال: قلت لعبد الله بن مسعود ﵁: هل كنت مع النبي ﷺ ليلة الجن؟ فقال: "ما كان معه منا أحد".
والرابع: تسليم الرواية وتأويلها على الوجوه الموافقة للأصول.
- فأما الجواب عن الوجه الأول، وهو دعواهم بمخالفتها لظاهر الآية والاتفاق، فدعوى عارية من البرهان؛ لأن ظاهر الآية معنا، وذلك لأن قوله: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾: إنما يقتضي ظاهرة إباحة التيمم عند
стр. 13
عدم كل جزء من الماء، ولا يقتضي إباحته عند وجود شيء منه.
لأن قوله: ﴿فلم تجدوا ماء ﴿: اقتضى ماء منكورا، وذلك بتناول كل جزء من الماء على حياله، سواء كان منفردًا بنفسه أو مخالطًا لغيره.
وقد يصح أن يقال: إن في نبيذ التمر، وإن كان أجزاء التمر هي الغالبة عليه.
كما أن ماء لو وقعت فيه نجاسة يسيرة: جاز أن يقال: إن في هذا الماء نجاسة، وكما أن لبنًا لو صب فيه ماء يسير، جاز أن يقال: إن فيه ماء، وإذا كان غير ممتنع أن يقال: في نبيذ التمر ماء، كان من مقتضى الآية حظر التيمم معه.
وعلى أن المائية التي في النبيذ إنما هي من الماء دون التمر، لأن التمر ليس بمائع، وهذه المائية غير موجودة فيه.
فالمعترض على الآية، وعلى الخبر المروي في جواز الوضوء بالنبيذ، مؤكد لصحة قولنا، ومن هذه الجهة قلنا: إن دلالة فحوى الآية تقتضي جواز الوضوء بالنبيذ، لما ذكرنا من أن الماء الذي أبيح التيمم عند عدمه: ماء منكور، وأن وجود جزء منه يمنع التيمم، فلو اكتفينا بدلالة الآية على صحة ما قلنا، لكان فيه غنى.
فإن قيل: فيلزمك على هذا جواز الوضوء بسائر الأنبذة، بل بسائر المائعات التي فيها شيء من أجزاء الماء.
قيل له: إنما يلزمنا ذلك لو لم نقم الدلالة عليه؛ لأن كلامنا في ذلك
стр. 14
لم يخرج مخرج الاعتلال، فيلزمنا عليه المناقضة، لأجل وجوده مع عدم الحكم على ما يعتقده من لا يرى القول بتخصيص العلة.
وإنما استدللنا به من جهة دلالة اللفظ، ولا يمتنع أحد من تخصيص ما كان هذا وصفه من دلائل الأسماء.
وبهذا المعنى وقع الفصل بيننا وبين من قبل خبر الشاهد واليمين، في اعتراضه على قول الله تعالى:﴾ واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ﴿.
وذلك لأن في هذه الآية حظر قبول شهادة شاهد واحد، لأنه قال:﴾ فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ﴿، فمنع أن نقبل عند عدم الرجلين إلا رجل وامرأتين، فمتى عدمنا الرجلين، وقبلنا شاهدًا واحدًا مع يمين الطالب، فقد خالفنا حكم الآية؛ لأن الله تعالى أوجب قبول شهادة الرجل والمرأتين عند عدم الرجلين.
стр. 15
والشاهد واليمين لا يتناولها اسم الرجل والمرأتين، فلذلك لم نجز قبول الشاهد واليمين على معنى يخالف الآية.
وأما قوله:﴾ فلم تجدوا ماء فتيمموا ﴿: فإن ظاهرة يقتضي جواز التيمم عند عدم كل جزء من الماء، ولا يصح التيمم عند وجود نبيذ التمر، إذ كان فيه جزء من الماء، وهو الذي اقتضت الآية بطلان التيمم معه.
* واحتجوا أيضًا في رد الخبر: بأن ليلة الجن كانت بمكة، وآية التيمم نزلت بالمدينة، فكانت ناسخة له.
فقلنا لهم: إن الآية نفسها تمنع جواز التيمم مع وجود النبيذ الذي فيه جزء من الماء، على ما تقدم من بيانه.
وعلى أنه ليس فيما ذكروا ما يمنع الوضوء به، بل يدل ذلك على جواز الوضوء به؛ لأن النبي ﷺ قد توضأ به في حال لم يكن قد نقل فيه عن الوضوء بالماء إلى بدل، فدل أنه توضأ به على معنى أنه بقى فيه حكم الماء، لا على جهة البدل عنه، والتيمم إنما ورد حكمه
стр. 16
على وجه البدل عن الماء، فلا حكم له مع وجود النبيذ الذي هو مبقى على حكم الأصل، الذي هو الماء.
فإن قيل: فجوز الوضوء به مع وجود الماء إن كان الوضوء به مفعولاً على حكم الماء، الذي هو الأصل.
قيل له: لولا قيام الدلالة على امتناع جواز الوضوء به مع وجود الماء، لأجزنا الوضوء به، لكن الدلالة منعتنا.
ومما يدل على أن فرض الوضوء بالماء كان قائمًا في ذلك الوقت. غير منقول إلى البدل، أن النبي ﷺ طلب من الماء للطهارة به، فلما أخبره بكون النبيذ معه، قال: "تمرة طيبة وماء طهور".
فأخبر أنه توضأ به على أنه الماء المفروض به الطهارة، لا على جهة البدل عنه.
* وأما دعواهم مخالفته للأصول من جهة اتفاق الفقهاء على امتناع جواز الوضوء بسائر المائعات التي لا يتناولها اسم الماء على الإطلاق. فإن ذلك على خلاف ما ظنوا؛ لأن خبر الوضوء بالنبيذ إنما يعترض على قياس الأصول التي ذكروها، ولم يعترض على الأصول نفسها، وقد بينا فيما سلف أن أخبار الآحاد إذا وردت من الجهات التي تقتضي قبولها والعمل بها - لو لم يعارضها القياس-، فهي إذا وردت معارضة للقياس كانت مقدمة عليه، وكان القياس متروكًا لها.
стр. 17
وهذا نظير ما نقوله في أكل الناسي، أنه لا يوجب الإفطار، للأثر الوارد عن النبي ﷺ فيه، والقياس يوجب الإفطار فتركنا القياس للأثر.
وكما قلنا في إيجاب الوضوء من القهقهة في الصلاة، للأثر والقياس يمنع منه، فتركنا القياس للأثر، وكان عندنا أولى منه.
ونظائر ذلك كثيرة، فلسنا ندفع أخبار الآحاد بقياس الأصول، لكن لا نقبلها في مخالفة الأصول نفسها.
* والخبر المخالف للأصول مثل قول مخالفنا في عبيد ستة، أعتقهم المريض ثم مات، ولا مال له غيرهم، فقال مخالفنا: إنه يقرع بينهم، فنعتق اثنين بأعيانهما، ونرد الباقين إلى الرق، وتأول فيه ما روى عمران بن حصين ﵁ في رجل أعتق ستة أعبد له عند موته، لا مال له
стр. 18
غيرهم، فأقرع النبي ﷺ بينهم، فاعتق اثنين، وأرق أربعة.
وهذا الخبر مقبول عندنا، محمول على معنى لا يخالف الأصول، وقد بيناه في مسألة القرعة من هذا الكتاب.
وحملة مخالفنا على وجه مخالف للأصول.
وإنما صار المعنى الذي ذهب إليه مخالفنا: مخالفنا للأصول أنفسها، لا على المعنى الذي قلناه في قبول خبر نبيذ التمر، والوضوء من القهقهة ونحوهما، من قبل أن الناس متفقون على امتناع رفع الحرية عمن وقعت عليه القرعة.
وهذا لأن المريض كان مالكًا لا محالة لثلث كل واحد منهم، جائز التصرف فيه من غير حق لأحد، فنفذ عتقه فيه، فكانت القرعة رافعة لما استحقه من العتق، وهذا معنى متفق على بطلانه، فمن أجله صار مخالفًا للأصول أنفسها.
ومن جهة أخرى إنه استعمل القرعة على وجه يخفق بها بعضهم، وينجح البعض، فصار في معنى الميسر والقمار اللذين حرمهما الله بنص كتابه؛ لأن رجلًا لو قال لرجل: "أقارعك على أرضك وأرضي، أو
стр. 19
"أقارعه على رق من خرجت عليه القرعة منهما": لم يصح ذلك، والقرعة المستعملة في العبيد هي هذا بعينه، فسقطت، لمخالفتها للأصول.
* ومما ترده الأصول من الأخبار: خبر المصراة إذا استعمل على ما ذهب إليه المخالف؛ لأنه يوجب أن من اشترى شاة بصاع تمر، ثم حلبها، ثم وقف على التصرية، أنه يردها ويرد معها صاع تمر، وحصة اللبن أقل من صاع تمر، وهذا رد للأصول من وجهين:
أحدهما: إلزام لمشتري أكثر مما لزمه من الغرم.
والثاني: أنه يأخذ صاعًا عن أقل منه.
* وأما طعنهم في خبر الوضوء بالنبيذ من جهة أن أبا فزارة غير مشهور بالرواية، وأن أبا زيد من مجهول، فإنه جهل من قائله، وذلك لأن أب فزارة مشهور، واسمه راشد بن كيسان العبسي، وله أحاديث مروية قد نقلها عنه الأئمة، وكان أحد الزهاد، فيما حدثنا ابن قانع في كتاب "الطبقات".
وإنما الوصول إلى معرفة عدالة من لم نشاهده من الرواة: من جهة
стр. 20
نقل الفقهاء وأهل العلم عنه، من غير طعن منهم عليه في روايته، ولا تهمته بالكذب، وأبو فزارة ممن نقل عنه الأئمة، ولم يطعن أحد منهم في نقله، ولا اتهمه برواية حديث يوجب تهمته.
وأما أبو زيد: فمشهور من عاملة التابعين قال يعقوب بن شيبة "سمع أبو زيد مولى عمرو بن حريث عن ابن مسعود ﵁، وقد أدرك جماع من أصحاب رسول الله ﷺ ، وهو من الطبقة الأولى من الكوفيين بعد الصحابة".
* وأما حديث ابن لهيعة عن قيس بن الحجاج عن حنش عن ابن عباس ﵄: فمستقيم السند، لا نعلم أحدًا منهم طعن عليه في روايته، أو اتهم بالكذب في نقله.
وكذلك حديث حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أبي رافع عن ابن مسعود ﵁.
стр. 21
ولو وجب أن ترد أخبار الآحاد التي تفرد بها الرواة: لوجب أن يبدأ فيرد خبر سعد بن أبي وقاص ﵁ في الرطب بالتمر؛ لأنه لا يرويه إلا زيد أبو عياش، ولا يدري من هو؟
ويثنى خبر من يروي: "إن الله كتب عليكم السعي، فاسعوا"؛ لأنه لا يرويه إلا امرأة.
ويرد خبر شعبة عن أبي جعفر مؤذن مسجد العريان عن أبي المثنى في إفراد الإقامة؛ لأنه:﴾ ظلمت بعضها فوق بعض ﴿، لا يدرى من أبو جعفر، ولا من أبو المثنى.
стр. 22
*وعلى أي وجه وقع إسناد حديث الوضوء بنبيذ التمر، فليس بدون حديث الوليد بن كثير عن محمد بن جعفر بن البزير عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، وبعضهم يقول: عبيد الله بن عبد الله بن عمر في القلتين.
ولا دون حديث الشاهد واليمين، مع مخالفته للكتاب.
ولا هو أضعف من حديث: "لا نكاح إلا بولي، وشاهدي عدل"، ونظائرها من الأخبار الواهية السند، المضطربة المتون والمعاني، التي قبلها مخالفنا، كرهنا ذكرها خوف الإطالة.
* وأما اعتراضهم عليه بما عارضه من حديث علقمة أنه سأل عبد الله ﵁: هل كنت مع النبي ﷺ ليلة الجن؟ فقال: "ما كان منا معه أحد".
وما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا إذا لم نجد الماء".
стр. 23
وقوله ﷺ : "التيمم طهور المسلم إذا لم يجد الماء"، وأن هذا العموم ينافي جواز الوضوء بالنبيذ وترك التيمم.
فإنه يقال لهم: أما كون عبد الله ﵁ مع النبي ﷺ ليلة الجن، فصحيح قد ورد نقله من جهات آخر صحيحة غير الطرق التي وصفنا.
فمنها: ما روي عن أبي عثمان النهدي بالإسناد الصحيح أن عبد الله رأى بالكوفة قومًا من الزط، فقال: "ما أشبههم بالجن ليلة الجن".
وروى ابن المبارك عن موسى بن علي بن رباح عن أبيه عن عبد الله ﵁ "أن النبي ﷺ ناداه ليلة الجن".
وقال شعبة عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة: "أن عبد الله ﵁ كان مع رسول الله ﷺ ليلة الجن".
وحدثنا سليمان بن أحمد الطبراني قال: حدثنا عثمان بن عمر الضبي قال: حدثنا عبد الله بن رجاء قال: أخبرنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي
стр. 24
عبيدة عن أبيه عبد الله بن مسعود ﵁ قال: كنت مع النبي ﷺ ليلة الجن، فقال لي: "التمس ثلاثة أحجار فوجدت له حجرين وروثة، فأخذ الحجرين، وألقى الروثة، وقال: هذا ركس".
وحدثنا سليمان بن أحمد قال: حدثنا [إسحاق الدبري] عن عبد الرزاق عن معمر عن أبي إسحاق عن علقمة بن قيس عن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ ذهب لحاجته، فأمر ابن مسعود أن يأتيه بثلاثة أحجار، فجاءه بحجرين وروثة، فألقى الروثة وقال: "هذا ركس، ايتني بحجر".
وذكر علقمة نحوًا مما في حديث أبي عبيدة من القصة، فوجب أن يكونا حديثًا واحدًا في حال واحدة، وأن لا يكونا حديثين في حالين مختلفين؛ لأن في كلا الحديثين أنه ألقى الروثة، وقال: "إنها ركس".
ويمتنع أن يكون عبد الله قد أخبره النبي ﷺ مرة أن الروثة ركس لا يجوز الاستنجاء بها، ثم يأتيه بها ثانية.
وأيضًا يمتنع في العادة أن يكون كلما سأله أحجار الاستنجاء، لا يجد إلا حجرين وروثة، فثبت أن القصة واحدة، وإذا ثبت ذلك، وأخبر أبو عبيدة أنها كانت في ليلة الجن: ثبتت زيادته.
стр. 25
* وحديث علقمة في نفيه كون عبد الله ﵁ مع النبي ﷺ ليلة الجن، إن كان ثابتًا على ما ادعاه المخالف، فواجب أن يعارض هذه الأخبار كلها، ويوجب الطعن فيها، وأن لا يكون مخصوصا بإفساد حديث نبيذ التمر، دونها.
وقد اتفق الفقهاء على قبول حديث أبي عبيدة؛ لأن منهم من يحتج به في إيجاب ثلاثة أحجار للاستنجاء، ومنهم من يجيز بما دونه، لأنه اكتفى بالحجرين، وألقى الروثة.
وعلى أنا نقول: إن حديث علقمة ليس بمخالف لحديث الوضوء بالنبيذ، وذلك لأن في حديث علقمة أنه سأل ابن مسعود قال: فقلت: هل شهد أحد منكم ليلة الجن؟ فقال: لا، ولكنا كنا مع رسول الله ﷺ ليلة ففقدناه، فالتمسناه، فبتنا شر ليلة بات بها قوم.
فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء، فقال: أتاني داعي الجن، فقرأت عليهم القرآن، قال: فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم،
стр. 26
وسألوه الزاد.
فجائز أن يكون النبي ﷺ إنما سأله الماء في هذه الحال، وفيها توضأ بالنبيذ.
وذكر إسماعيل بن إسحاق في كتابه في "أحكام لقرآن": حدثنا محمد بن عبيد بن حسان قال: حدثنا محمد بن ثور عن معمر عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن عمرو بن غيلان أنه قال لابن مسعود: حدثت أنك حضرت مع رسول الله ﷺ وفد الجن. قال: فكيف كان؟
فذكر الحديث كله، وذكر أن النبي ﷺ خط عليه خطًا، وقال له: "لا تبرح"، حتى إذا كان قريبًا من الصبح، أتاني النبي ﷺ ، ثم قال لي: هل رأيت شيئًا؟ قلت: نعم، رأيت رجالًا سودًا مستشعرين بثياب بيض.
وفي حديث أبي فزارة نحو ذلك من القصة، فاحتمل أن يكون حديث علقمة موافقًا له، وأنه إنما عنى بقوله: "ما كان معه منا أحد": في حال
стр. 27
خطابه للجن، وتعليمه إياهم القرآن والإيمان، وكان معه في حال أخرى، وهي الحال التي رجع فيها النبي ﷺ من عندهم، ثم سأله الماء، فإذا ليس في حديث علقمة ما ينفي حديث أبي فزارة، وغيره.
* وأما قول ﷺ : "جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا إذا لم نجد الماء"، وقوله: "التراب طهور المسلم ما لم يجد الماء".
فإنا نجمع بينه وبين حديث الوضوء بالنبيذ، فنستعملها ولا نسقط أحدهما بالآخر؛ لأنهما جميعًا وردًا من طريق الآحاد، لا مزية لأحدهما
стр. 28
على صاحبه، فنقول: إذا لم يجد الماء، ولم يجد نبيذ التمر، فلا نسقط أحدهما بالآخر مع إمكان استعمالهما.
* وأما من سلم الخبر، وتكلم فيه على جهة حمله على ما يوافق الأصول، فإنه زعم أن الذي توضأ به، يحتمل أن يكون ماء ألقى فيه تمر، ولم يستحل فيه، ولم يزل عنه اسم الماء المطلق.
ويدل عليه قوله ﷺ : "تمرة طيبة، وماء طهور"، وقول عبد الله ﵁: "معي تميرات ألقيتها في الماء"، وأنه إنما سماه نبيذًا مجازا على ما سيؤول إليه حالة في الثاني، كقوله :﴾ إني أراني أعصر خمرًا ﴿، وهو في حال العصر ليس بخمر، وإنما سماه بها لما يؤول إليه الحال في الثاني.
فيقال له: هذا تأويل ساقط لا يلاءم لفظ الخبر بحال، ولا يمكن حمله عليه، وذلك لأن النبي ﷺ قال له: "هل معك ماء؟ قال: لا، معي نبيذ التمر"، فنفى عنه اسم الماء المطلق، ولو كان التمر غير مستحيل فيه، حتى يسلبه اسم الماء المطلق، لما جاز أن ينفيه عنه نفيًا مطلقًا؛ لأن أسماء الحقائق لا تنتفي عن مسمياتها بحال، فهذا يدل على سقوط تأويلك.
ثم سماه نبيذًا على الإطلاق أيضا، وحكم اللفظ المطلق أن يكون محمولًا على حقيقته حتى تقوم دلالة المجاز، ولا دلالة لنا على وجوب
стр. 29
صرف هذا اللفظ عن الحقيقة إلى المجاز.
* وأما قوله: "تميرات ألقيتها في الماء": فإن النبيذ كذا يعمل، يطرح التمر في الماء، ويترك حتى يستعجل فيه، ويصير إلى حال الشدة، فيسمى حينئذ نبيذًا.
فليس في قوله: "تميرات ألقيتها في الماء": ما ينفي أن يكون قد صار نبيذًا.
وكذلك قول النبي ﷺ : "تمرة طيبة، وماء طهور": إخبار عما كانت عليه بديًا، ولم ينف عنه اسم النبيذ في الحال.
فإن قيل: لفظ النبي ﷺ محمول على حقيقته، وهو أصدق من عبد الله حين سماه نبيذًا.
قيل له: معلوم أن النبي ﷺ لم يرد تكذيب عبد الله ﵁ في خبره أن معه نبيذًا؛ لأنه لم يكن يعلم الذي مع عبد الله، ولذلك سأله فقال: "هل معك ماء؟ وقد كان عبد الله ﵁ علم ما معه فأخبره، فقال النبي ﷺ منبهًا له على جواز الوضوء به: "تمرة طيبة، وماء طهور": أي أن استحالته إلى النبيذ لم توجب تنجسه، ولا منع الطهارة به.
* وأما قوله:﴾ إني أراني أعصر خمرًا ﴿: فلا دلالة معنا على أنه كان يعصر غير الخمر، إذ لا يمتنع أن يعصر من العنب الخمر نفسها، بأن
стр. 30
يطرح العنب في الخابية، ويترك حتى ينش ويغلي، ثم يعصره فيكون ما يعصره خمرًا على الحقيقة.
وعلى أنه لو أراد العصير الذي ليس بخمر، لم يمتنع؛ لقيام الدلالة على أنه أطلق اللفظ به مجازًا، وليس يجب إذا صرفنا لفظًا عن حقيقته إلى المجاز بدلالة: أن نفعل ذلك في سائر ألفاظ الحقائق بلا دلالة.
فإن قيل: قول عبد الله ﵁: "تميرات ألقيتها في الماء": يدل على أنه كان نيئًا غير مطبوخ، فلو كان قد صار إلى حال الاستحالة إلى النبيذ لكان محرمًا؛ لأن نقيع التمر عندكم محرم لا يجوز شربه، ولا الوضوء به، فإذا لم يجز الوضوء بنفس ما ورد فيه الأثر: فغيره أبعد من ذلك.
قيل له: لما قال: "معي نبيذ التمر"، وهذا الاسم يتناول النيء والمطبوخ منه، ولم يسأله النبي ﷺ عن ذلك: أفادنا ذلك جواز الوضوء بالجميع، فإذا قامت الدلالة على تحريم النيء منه، كانت دلالة الخبر باقية في إباحة الوضوء بالمطبوخ.
وقوله: "تميرات ألقيتها في الماء": لا يدل على أنه كان غير مطبوخ
стр. 31
لأنه يجوز أن يلقي فيه تمرات ويطبخها.
وأيضًا: فإن النبي ﷺ توضأ به بمكة، وتحريم الخمر كان بالمدينة، وإنما توضأ به في حال الإباحة، وقد أفادنا ذلك جوازه بالمطبوخ؛ لأن أحدًا لم يفرق بين نيئه حيث كان حلالًا، وبين مطبوخه الحلال.
فإن قيل: فهلا قست عليه نبيذ الزبيب، وسائر الأنبذة.
قيل له: لأن من أصلنا: أن المخصوص لا يقاس عليه إلا أن تكون علته مذكورة في خبر التخصيص، كقوله ﷺ في الهرة: "إنها ليست بنجسة، إنها من الطوافين عليكم والطوافات".
стр. 32
فإن قيل: فعلته مذكورة؛ لأنه قال: "تمرة طيبة، وماء طهور".
قيل له: فهذه العلة لا توجد في غير نبيذ التمر، فكيف نقيس عليها وقد تكلمنا في هذه المسألة بأكثر من هذا في "مسائل الخلاف"، التي عملناها في الطهارة.
* وأما أبو يوسف، فإنه لم يجز الوضوء به؛ لأن القياس يمنع منه والخبر لم يثبت عنده.
* وأما محمد، فجمع بينه وبين التيمم؛ لأن الأثر قد ورد به.
والقياس يمنعه ويوجب التيمم، فاحتاط له في الجمع بينهما.
مسألة: [الوضوء بما اعتصر من الشجر].
قال أبو جعفر: (وليس لما اعتصر من الشجر والثمر حكم الماء).
وذلك لأن اسم الماء لا يتناوله على الإطلاق. قال الله تعالى:﴾ وأنزلنا من السماء ماء طهورًا ﴿، وقال:﴾ ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينبيع في الأرض ﴿.
فحكم الطهارة من الأحداث متعلق بما كان هذا وصفه من المياه، ولا نعلم بين الفقهاء في ذلك خلافًا.
стр. 33
مسألة: [الوضوء بالماء الذي خالطه شيء من الطاهرات].
قال أبو جعفر: (وما خالط الماء شيء سواه، فغلب عليه: صار الحكم له، لا للماء، وإن لم يغلب عليه: كان الحكم للماء، لا له).
قال أبو بكر: الأصل فيه: أن الماء الذي خالطه شيء من الطين: لا خلاف في جواز الوضوء به، والمعنى فيه أن الماء هو الغالب.
ولا خلاف أيضًا أن المرق والخل لا يجوز الوضوء بهما، والمعنى فيه أن ما غلب عليه من أجزاء الثمر: يسلبه اسم الماء المطلق.
وكل ما كان بهذه المنزلة: فحكمه حكم الخل، وما كان الماء فيه هو الغالب: فهو مردود إلى موضع الاتفاق في أجزاء الطين إذا خالطت الماء.
فإن قيل: قال الله تعالى:﴾ وأنزلنا من السماء ماء طهورًا ﴿، فالمنزل من السماء هو الطهور، دون الماء المتغير بمخالطة غيره.
قيل له: اختلاط غيره به لم يخرج بالماء من أن يكون منزلًا من السماء، فلا معنى لاعتباره في بقاء حكم التطهير به.
وكما لم يمنع اختلاط أجزاء الطين به من بقائه على حكم التطهير، ولم يسلبه معناه الذي كان له في حال نزوله من السماء، كذلك اختلاط غيره به، ما لم يغلب عليه.
فإن قيل: فهو إنما يحصل له الطهارة بالماء وبغيره مما خالطه من لبن
стр. 34
أو نحوه، ولا يجوز الطهارة باللبن.
وكما كان يسير النجاسة إذا حصل في الماء: منع استعماله للطهارة كذلك يجب أن يكون حكمه في اختلاط اللبن، أو سائر المائعات به.
قيل له: هذا غلط؛ لأن اختلاط اللبن بالماء إذا لم يكن هو الغالب عليه، لا يمنع وصول أجزاء الماء إلى بشرته، كما لا يمنع اختلاط أجزاء الطين به.
والفرق بينه وبين النجاسة، أن النجاسة محظور علينا استعمالها، لقول الله :﴾ ويحرم عليهم الخبائث ﴿، فمتى لم نصل إلى استعمال الماء إلا باستعمال جزء من النجاسة: لم يجز لنا استعمال الماء.
وأما اللبن، وسائر ما يخالط الماء من الأشياء الطاهرة: فغير محظور علينا استعماله، ولذلك لم يمنع استعمال لماء لذي خالطه ما لم يغلب عليه، ألا ترى أن يسير الطين إذا خالط الماء - وإن ظهر أثره فيه - لا يمنع استعماله.
ويدل على ذلك أيضًا: أن النبي ﷺ أباح الوضوء بسؤر السنور مع ما خالطه من لعابها.
ولا خلاف في جواز الوضوء بسؤر الإنسان وإن خالطه لعابه.
* فصار ذلك أصلا: في أن ما خالط الماء من الأشياء الطاهرة: لا
стр. 35
يمنع الطهارة به ما لم يغلب عليه.
ومما يبين ذلك الفرق بين مخالطة النجاسة الماء، وبين سائر الأشياء الطاهرة: أن الماء يلحقه حكم النجاسة عندنا، وعند مخالفنا بمجاورة النجاسة، دون المخالطة، ألا ترى أن فأرة لو وقعت في أقل من قلتين ماء: نجسته عند مخالفنا، ولا يفسده مجاورة الأشياء الطاهرة.
مسألة: [الماء المستعمل والوضوء به].
قال أبو جعفر: (وما توضئ به من المياه، أو اغتسل به منها، أو تبرد به فقد صار مستعملًا، لا يجوز التوضؤ به، ولا الاغتسال به).
قال أبو بكر: قوله في التبرد بالماء أنه يوجب للماء حكم الاستعمال، لا أعلمه مذهب أصحابنا، وقد قال أبو الحسن الكرخي ﵀ إنه إذا كان المستعمل له طاهرًا لم يرد به التطهر: لم يكن مستعملًا.
والأصل فيما يوجب استعمال الماء شيئان في قول أبي يوسف: أن يسقط به فرض، أو يستعمل قاصدًا به الطهارة على وجه القربة.
стр. 36
ومن أجل ما قيدنا به شرط الاستعمال، قال أبو يوسف في الجنب إن دخل بئرًا يطلب دلوًا، ولا نجاسة عليه، إنه لا يطهر، ولا يفسد الماء، لأنه لو طهر: سقط به فرض الطهارة، وذلك عنده يكسبه حكم الاستعمال، ولو اغتسل فيه ينوي الطهارة: صار مستعملًا.
وقال محمد: يطهر الرجل إذا لم يرد به الاغتسال، ولا يصير الماء مستعملا، من قبل أن شرط الاستعمال عنده: أن يستعمله على وجه التطهر به، متقربًا به إلى الله ، وسقوط الفرض عنده: لا يكسبه حكم الاستعمال ما لم يحصل متقربًا به.
* والدليل على امتناع جواز الوضوء بالماء المستعمل: ما روى حميد بن عبد الرحمن قال: لقيت رجلًا صحب النبي ﷺ كما صحبه أبو هريرة ﵁ أربع سنين قال: "نهى رسول الله ﷺ أن تغتسل المرأة بفضل الرجل، ويغتسل الرجل بفضل المرأة".
стр. 37
وفضل الغسل يطلق على شيئين:
أحدهما: ما يسيل من أعضاء المغتسل.
والآخر: ما يبقى في الإناء بعد الغسل.
وظاهر اللفظ يقتضيهما جميعًا، إلا أنه لما روي عن النبي ﷺ "أنه كان يغتسل هو وبعض نسائه من إناء واحد من الجنابة، تختلف أيديهما فيه": علمنا أن ذلك لم يرد، وبقى حكم اللفظ فيما يسيل من أعضاء المغتسل.
* دليل آخر: وهو ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا محمد بن شاذان الجوهري قال: حدثنا معلى بن منصور قال: حدثنا ابن لهيعة عن بكير بن الأشج أن أبا السائب مولى هشام بن زهرة حدثه أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : "لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب".
فلما نهاه عن الاغتسال فيه، دل على أن يفسده، ويمنع من استعماله وفي أخبار آخر شائعة عن النبي ﷺ من حديث أبي هريرة ﵁ أيضًا: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ولا يغتسل فيه من جنابة".
стр. 38
وهذا يقتضي النهي عن الاغتسال فيه على الانفراد، كما اقتضى النهي عن البول فيه، فدل على أن الاغتسال فيه يمنع التطهر به، كما يمنعه البول.
فإن قيل: إنما هذا في النهي عن الاغتسال فيه بعد البول؛ لأنه قد روي: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ثم يغتسل فيه من جنابة".
قيل له: "تستعملها جميعًا، فنقول: لا يغتسل فيه بعد البول، ولا يغتسل فيه قبله بالخبر الآخر.
فإن قيل: أنما نهى عن الاغتسال فيه من جنابة، لما عسى أن يكون على بدن الجنب من النجاسة، فلأجل النجاسة منع منه، لا لما ذكرت قيل له: هذا غلط من وجوه.
أحدهما: أن الجنابة ليست عبارة عن النجاسة، إذ ليس يمنع أن يكون جنبًا لا نجاسة على بدنه، وقد يكون على بدنه نجاسة وليس بجنب، فليست الجنابة إذاً عبارة عن كون النجاسة على بدنه، فلا يجوز أن يتعلق حكم النجاسة بذكر الجنابة.
والثاني: أنه ﷺ قد أفادنا بدءًا بقوله: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم": المنع من إيراد النجاسة على الماء بلفظ صريح فيفسد أن يكون المراد بالجنابة: النجاسة أيضًا من وجهين:
стр. 39
أحدهما: أنه يصير تكرارا لما أفادنا بدءًا، ولا يجوز أن نحمل اللفظ على التكرار إلا بدلالة.
والثاني: أن ما أفادنا بالتصريح: يصير مكنيًا عنه بذكر الجنابة، وذلك لغو من الكلام، ولا يجوز حمل كلام النبي ﷺ عليه.
* ودليل آخر: وهو ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "يا بني عبد المطلب! إن الله كره لكم غسالة أيدي الناس".
فشبه الصداقة حين حرمها عليهم بغسالة أيدي الناس، فدل على أنه محرم استعمال غسالة أيدي الناس للطهارة، كما حرمت الصدقة على بني هاشم.
ويدل عليه قول عمر لأسلم ﵄ حين أكل من تمر الصدقة: "أرأيت لو توضأ إنسان بماء أكنت شاربه"، وما لا يجوز شربه لا يجوز الوضوء به.
стр. 40
وهذا يدل على شهرة الأمر بما كان في ذلك عندهم، إذ ضرب المثل به، وجعله أصلًا رد إليه أكل الصدقة.
فإن قيل: لا يخلو الماء المستعمل من أن يكون طاهرًا أو نجسًا، ولا جائز أن يكون نجسًا؛ لأن الماء لا ينجس إلا بمخالطة النجاسة، أو مجاورته إياها، والماء المستعمل بخلاف هذه الصفة.
وإن كان طاهرًا: فهو باق على ما كان عليه من حاله قبل الاستعمال.
قيل له: الماء المستعمل طاهر، وليس كل طاهر يجوز الوضوء به، لأن ماء الورد، وماء الباقلا، والمرق، جميع ذلك طاهر، ولا يجوز الوضوء به.
فإن قال: إنما لم يجز الوضوء بما ذكرت، لغلبة غيره علي، وسلبه اسم الماء على الإطلاق، وذلك معدوم في الماء المستعمل.
قيل له: كيف ما جرت الحال، فقد بطل أن يكون كونه طاهرًا علة في جواز الطهارة به، لوجود أشياء طاهرة، لا يجوز الوضوء بها، فهذا يسقط سؤالك من هذا الوجه.
وعلى أنه إذا غلبة غيره عليه يمنع الطهارة به، لأنه يسلبه اسم الماء على الإطلاق: فتعلق الحكم به من سقوط فرض أو حصول قربة به يسلبه اسم الإطلاق؛ لأنه يقال: ماء مستعمل، كما يقال: ماء الورد، وماء الباقلًا.
فإن قيل: هذا كإضافته إلى النهر أو إلى البئر؛ لأنه لم يحصل شيء
следующие страницы →