Полный текст (3 930 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
ومن أجل ما قيدنا به شرط الاستعمال، قال أبو يوسف في الجنب إن دخل بئرًا يطلب دلوًا، ولا نجاسة عليه، إنه لا يطهر، ولا يفسد الماء، لأنه لو طهر: سقط به فرض الطهارة، وذلك عنده يكسبه حكم الاستعمال، ولو اغتسل فيه ينوي الطهارة: صار مستعملًا.
وقال محمد: يطهر الرجل إذا لم يرد به الاغتسال، ولا يصير الماء مستعملا، من قبل أن شرط الاستعمال عنده: أن يستعمله على وجه التطهر به، متقربًا به إلى الله ، وسقوط الفرض عنده: لا يكسبه حكم الاستعمال ما لم يحصل متقربًا به.
* والدليل على امتناع جواز الوضوء بالماء المستعمل: ما روى حميد بن عبد الرحمن قال: لقيت رجلًا صحب النبي ﷺ كما صحبه أبو هريرة ﵁ أربع سنين قال: "نهى رسول الله ﷺ أن تغتسل المرأة بفضل الرجل، ويغتسل الرجل بفضل المرأة".
стр. 37
وفضل الغسل يطلق على شيئين:
أحدهما: ما يسيل من أعضاء المغتسل.
والآخر: ما يبقى في الإناء بعد الغسل.
وظاهر اللفظ يقتضيهما جميعًا، إلا أنه لما روي عن النبي ﷺ "أنه كان يغتسل هو وبعض نسائه من إناء واحد من الجنابة، تختلف أيديهما فيه": علمنا أن ذلك لم يرد، وبقى حكم اللفظ فيما يسيل من أعضاء المغتسل.
* دليل آخر: وهو ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا محمد بن شاذان الجوهري قال: حدثنا معلى بن منصور قال: حدثنا ابن لهيعة عن بكير بن الأشج أن أبا السائب مولى هشام بن زهرة حدثه أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : "لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب".
فلما نهاه عن الاغتسال فيه، دل على أن يفسده، ويمنع من استعماله وفي أخبار آخر شائعة عن النبي ﷺ من حديث أبي هريرة ﵁ أيضًا: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ولا يغتسل فيه من جنابة".
стр. 38
وهذا يقتضي النهي عن الاغتسال فيه على الانفراد، كما اقتضى النهي عن البول فيه، فدل على أن الاغتسال فيه يمنع التطهر به، كما يمنعه البول.
فإن قيل: إنما هذا في النهي عن الاغتسال فيه بعد البول؛ لأنه قد روي: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ثم يغتسل فيه من جنابة".
قيل له: "تستعملها جميعًا، فنقول: لا يغتسل فيه بعد البول، ولا يغتسل فيه قبله بالخبر الآخر.
فإن قيل: أنما نهى عن الاغتسال فيه من جنابة، لما عسى أن يكون على بدن الجنب من النجاسة، فلأجل النجاسة منع منه، لا لما ذكرت قيل له: هذا غلط من وجوه.
أحدهما: أن الجنابة ليست عبارة عن النجاسة، إذ ليس يمنع أن يكون جنبًا لا نجاسة على بدنه، وقد يكون على بدنه نجاسة وليس بجنب، فليست الجنابة إذاً عبارة عن كون النجاسة على بدنه، فلا يجوز أن يتعلق حكم النجاسة بذكر الجنابة.
والثاني: أنه ﷺ قد أفادنا بدءًا بقوله: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم": المنع من إيراد النجاسة على الماء بلفظ صريح فيفسد أن يكون المراد بالجنابة: النجاسة أيضًا من وجهين:
стр. 39
أحدهما: أنه يصير تكرارا لما أفادنا بدءًا، ولا يجوز أن نحمل اللفظ على التكرار إلا بدلالة.
والثاني: أن ما أفادنا بالتصريح: يصير مكنيًا عنه بذكر الجنابة، وذلك لغو من الكلام، ولا يجوز حمل كلام النبي ﷺ عليه.
* ودليل آخر: وهو ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "يا بني عبد المطلب! إن الله كره لكم غسالة أيدي الناس".
فشبه الصداقة حين حرمها عليهم بغسالة أيدي الناس، فدل على أنه محرم استعمال غسالة أيدي الناس للطهارة، كما حرمت الصدقة على بني هاشم.
ويدل عليه قول عمر لأسلم ﵄ حين أكل من تمر الصدقة: "أرأيت لو توضأ إنسان بماء أكنت شاربه"، وما لا يجوز شربه لا يجوز الوضوء به.
стр. 40
وهذا يدل على شهرة الأمر بما كان في ذلك عندهم، إذ ضرب المثل به، وجعله أصلًا رد إليه أكل الصدقة.
فإن قيل: لا يخلو الماء المستعمل من أن يكون طاهرًا أو نجسًا، ولا جائز أن يكون نجسًا؛ لأن الماء لا ينجس إلا بمخالطة النجاسة، أو مجاورته إياها، والماء المستعمل بخلاف هذه الصفة.
وإن كان طاهرًا: فهو باق على ما كان عليه من حاله قبل الاستعمال.
قيل له: الماء المستعمل طاهر، وليس كل طاهر يجوز الوضوء به، لأن ماء الورد، وماء الباقلا، والمرق، جميع ذلك طاهر، ولا يجوز الوضوء به.
فإن قال: إنما لم يجز الوضوء بما ذكرت، لغلبة غيره علي، وسلبه اسم الماء على الإطلاق، وذلك معدوم في الماء المستعمل.
قيل له: كيف ما جرت الحال، فقد بطل أن يكون كونه طاهرًا علة في جواز الطهارة به، لوجود أشياء طاهرة، لا يجوز الوضوء بها، فهذا يسقط سؤالك من هذا الوجه.
وعلى أنه إذا غلبة غيره عليه يمنع الطهارة به، لأنه يسلبه اسم الماء على الإطلاق: فتعلق الحكم به من سقوط فرض أو حصول قربة به يسلبه اسم الإطلاق؛ لأنه يقال: ماء مستعمل، كما يقال: ماء الورد، وماء الباقلًا.
فإن قيل: هذا كإضافته إلى النهر أو إلى البئر؛ لأنه لم يحصل شيء
стр. 41
غلب عليه.
قيل له: إضافته إلى البئر والنهر لا تأثير لها في الماء، ولا يتعلق بها حكم، وإضافته إلى الاستعمال تفيد حكمًا قد تعلق به ما وصفنا، فيجوز أن يؤثر فيه كتأثير ما يغلب عليه من غيره.
فإن قيل: قوله:﴾ وأنزلنا من السماء ماء طهورًا ﴿: يقتضي جواز الطهارة به مرة بعد أخرى، كما يقال: رجل أكول، وشروب: يراد به الإكثار من الأكل والشرب.
قيل له: قوله:﴾ طهورًا ﴿: معناه مطهرًا، على وجه المبالغة في وصفه بوقوع الطهارة به، ولا دلالة فيه على التكرار، ألا ترى أنه يقال: طهر ثوبه وبدنه، ويصح إطلاقه وإن لم يكرر غسله بماء واحد.
وهذا كما يقال: سيف قطوع: يراد به الوصف بالمبالغة في القطع، ولا يراد به تكرار القطع؛ لأن ذلك قد يحصل بالسيف الكليل، ولا يسمى قطوعًا.
فإن قيل: قوله تعالى:﴾ فلم تجدوا ماء فتيمموا ﴿: يعم جميع المياه قيل له: نخصه بما ذكرنا من الدلائل.
فإن قيل: روي أن النبي ﷺ بقيت عليه لمعة،
стр. 42
فدلكها بجمته.
قيل له: ذلك في غسل الجنابة، والبدن كله في غسل الجنابة كعضو واحد في الوضوء.
فإن قيل: لو كان ممنوعًا من استعماله، ما جاز نقله من أول العضو إلى آخره؛ لأنه قد صار مستعملًا بحصوله في أول العضو.
قيل له: للمستعمل عندنا شرط، وهو مفارقته للعضو، وما دام في العضو، فليس له حكم الاستعمال بالاتفاق، فلذلك جاز نقله من أول العضو إلى آخره.
وعلى أن الاستعمال إنما يمنع الطهارة به من طريق لحكم، فحكمه موقوف على قيام الدلالة عليه، والدلالة إنما قامت لنا في منع استعمال ما قد استعمل لعضو في عضو غيره.
فإن قيل: روي أن أصحاب النبي ﷺ كانوا يتبادلون على وضوء رسول الله ﷺ يغسلون به وجوههم وأيديهم.
стр. 43
قيل له: لم يستعملوه للطهارة، وإنما فعلوه تبركًا، ولم نقل إنه نجس، فيمنع التمسح به.
* ومن وجهة النظر: إن المحدث في معنى من على بدنه نجاسة في باب المنع من الصلاة، ثم وجدنا الماء المغسول به النجاسة، يحل في حكم النجاسة؛ لأنها به زالت، كذلك الماء المزال به الحدث، ينبغي أن ينتقل حكم الحدث إليه، لأنه به زال، فوجب أن يمنع ذلك استعماله للطهارة، لقيام حكم الحدث فيه، كما لا يجوز استعمال الماء المغسول به النجاسة.
فإن قيل: فيجب على هذا أن لا يكون مستعملًا إذا توضأ به وهو طاهر، إذا لم يزل به حدث.
قيل له: إنما ألحقناه حكم الاستعمال بمعنى آخر غير ما قلنا في الحدث، وهو القربة به، قياسًا على المحدث.
فإن قيل: العلة في المحدث سقوط الفرض به، وذلك معدوم في المتقرب به لغير حدث.
قيل له: لا يمتنع القياس عليه بوصف آخر، وهو ما تعلق به من الحكم، فكل ما تعلق به حكم صار مستعملًا، والحكم تارة يكون زوال الحدث، وتارة حصول القربة.
* قال أبو بكر: قال محمد بن الحسن: الماء المستعمل طاهر، ولا يفسد الثوب حصوله فيه وإن كان كثيرًا فاحشًا، وروى محمد ذلك عن أبي حنيفة وأبي يوسف.
стр. 44
وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة وأبي يوسف: أن الماء المستعمل نجس.
وروى هشام عن أبي يوسف: أنه لا يفسد الثوب حتى يكون كثيرًا فاحشًا.
والصحيح من قولهم أنه طاهر، وكذا كان يقول شيخنا أبو الحسن الكرخي.
مسألة: [أثر وقوع النجاسة في الماء القليل والكثير].
قال أبو جعفر: (وإذا وقعت نجاسة في ماء، فظهر فيه لونها أو طعمها أو ريحها، أو لم يظهر ذلك فيه: فقد نجسته، قليلًا كان الماء أو كثيرًا، إلا أن يكون بحرًا أو ماءً حكمه حكم البحر، وهو: ما لا يتحرك أحد أطرافه
стр. 45
بتحريك ما سواه من أطرافه).
قال أبو بكر: تحصيل المذهب فيه: أن كل ما تيقنا فيه جزءًا من النجاسة، أو غلب ذلك في رأينا: فهو نجس لا يجوز استعماله.
ولا يختلف على هذا الحد، الماء الراكد والجاري والبحر وغيره.
وإنما اعتبارهم في الغدير العظيم، ويتحرك أحد الطرفين بتحريك الآخر: كلام في جهة غلبة الرأي في وصول النجاسة الحاصلة في أحد الطرفين إلى الطرف الآخر، وليس هو كلامًا في أن من الماء ما ينجس بحصول النجاسة فيه، ومنه ما لا ينجس، وعلة التنجيس هو ما ذكرنا من حصول النجاسة فيه.
* والدليل على تحريم استعمال الماء الذي فيه جزء من النجاسة وإن لم يتغير طعمه أو لونه أو رائحته، قول الله تعالى:﴾ ويحرم عليهم الخبائث ﴿، والنجاسات من الخبائث؛ لأنها محرمة.
وقل:﴾ حرمت عليكم الميتة والدم ﴿، وقال في الخمر:﴾ رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه ﴿.
ولم يفرق بين حال انفرادها واختلاطها بالماء، فعموم هذه الآيات يوجب تحريم استعمال الماء الذي فيه جزء من النجاسة، إذ كان في
стр. 46
استعماله استعمال الخبائث التي حرمها الله
والماء وإن كان مباحًا استعماله في حال انفراده عن النجاسة، فإن وجود النجاسة فيه يرفع حكم الإباحة؛ لأن استعمال المباح ليس بواجب والامتناع من المحظور واجب.
فإن قال قائل: قال الله تعالى:﴾ وإذا ما اتقوا وءامنوا وعملوا ﴿، ومعناه مطهرًا، فهو من حيث كان طهورًا وجب أن يزيل حكم النجاسة، وينقلها إلى حكم نفسه بتطهيره إياها.
قيل له: قد اتفق الجميع على أنه لا يطهرها، ولا ينقلها إلى حكم نفسه إذا كانت مرئية فيه، أو ظهرت فيه رائحتها أو طعمها أو لونها.
فكذلك يجب أن يكون حكمها إذا كانت معلومة فيه، لأن النجاسات يحرم علينا استعمالها من حيث كان معلومًا وجودها فيه، دون أن تكون مرئية.
ألا ترى أنها إذا كانت في ثوب: منعت الصلاة فيه، سواء كانت مرئية أو غير مرئية إذا كانت معلومة فيه.
فثبت أن قوله تعالى:﴾ وأنزلنا من السماء ماء طهورًا ﴿، لا يعترض على
стр. 47
حكم ما تلونا من الآي.
فإن قال قائل: فهي إذا كانت قليلة: صارت ماء، ولم تكن نجاسة
قيل له: هذا خطأ، لأنها لو أمدت بأمثالها لظهرت، ولو كانت الأجزاء اليسيرة من النجاسة إذا كانت خفية استحالت ماء، لكانت الزيادة فيها من أمثالها لا يوجب ظهورها في الماء، وظهور طعمها ولونها؛ لأن كل جزء حصل فيه من تلك الأجزاء يستحيل ماء، فلا يظهر عين النجاسة فيه.
* ودليلنا من جهة السنة على الأصل الذي قدمناه: قول النبي ﷺ : "طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسل سبعًا" وتطهير الأواني لا يجب إلا من النجاسات، فحكم النبي ﷺ بنجاسة ولوغ الكلب، ومعلوم أن الولوغ لا يغير طعمه ولا لونه ولا رائحته.
* وقال ﷺ : "إذا استيقظ أحدكم من منامه فليغسل يديه ثلاثًا، فإنه لا يدري أين باتت يده".
فأمره بغسل اليد احتياطًا مما عسى أن يكون قد أصاب يده من موضع الاستنجاء في حال النوم، وهو لا يشعر به، وقد كانوا يستنجون بالأحجار، فكان الواحد منهم إذا نام لا يأمن وقوع يده على موضع الاستنجاء، وهناك بلة فيصيبها، فأمر النبي ﷺ بالاحتياط
стр. 48
منها، ومعلوم أن حصولها في الماء لو كانت موجودة لم تكن تغير طعم الماء ولا لونه ولا رائحته.
* ويدل عليه أيضًا قوله ﷺ : "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ولا يغتسل فيه من جنابة".
ومعلوم أن البول اليسير في الماء الكثير لا يغير طعم الماء، ولا لونه، ولا رائحته.
* وقال ﷺ في فأرة ماتت في سمن: "وإن كان جامدًا: فألقوها وما حولها، وإن كان مائعًا: فأهريقوه".
ومجاورة الفأرة للسمن لا يغير طعمه ولا لونه، وقد حكم النبي ﷺ بنجاسته.
فإن قال قائل: إنما منع البول فيه، لئلا يكثر البول فيه، فيغير طعمه،
стр. 49
ويظهر فيه، فيمنع الطهارة به.
قيل له: هو تخصيص بلا دلالة، وحمل للكلام على غير ما يقتضيه ظاهره.
ويدل على بطلان هذا التأويل قوله ﷺ : "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ثم يغتسل فيه"، فمنع البائل من الاغتسال فيه بعد بوله وحده قبل ظهور النجاسة فيه.
فإن قيل: روى أبو سعيد الخدري رضي الله عن أن النبي ﷺ سئل عن بئر بضاعة، وهي بئر كان يطرح فيها عذرة الناس، ومحايض الناس، ولحوم الكلاب، فقال: "الماء طهور لا ينجسه شيء".
وروى أبو نضرة عن جابر وأبي سعيد الخدري ﵄ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فانتهينا إلى غدير فيه جيفة، فكففنا، وكف الناس، حتى أتانا النبي صلى الله علي وسلم فقال: ما لكم لا تستقون! فقلنا: يا رسول الله! هذه الجيفة. فقال: استقوا، فإن الماء لا ينجسه شيء"، فاستقينا وارتوينا.
стр. 50
فهذه الأخبار تنفي الحكم بنجاسة الماء بحلول النجاسة فيه.
قيل له: أما حديث بئر بضاعة، فإن الطحاوي ذكر عن أبي جعفر أحمد بن أبي عمران عن محمد ابن شجاع عن الواقدي، أن بئر بضاعة كانت طريقًا للماء إلى البساتين.
والماء الجاري يحمل على ما يحل فيه من النجاسة، وينقله عن موضعه، فيجوز استعمال ما يجيء من الماء بعده.
وقد ذكر أبو داود السجستاني أنه رأى بئر بضاعة، وأن عرضها نحو ست أذرع.
وذكر عن قتيبة بن سعيد أن قيم بئر بضاعة أخبره أن أكثر ما يكون
стр. 51
فيها من الماء إلى العانة.
ومعلوم أن ما كان هذا سبيله من الآبار إن لم يكن جاريًا، فلا محالة يظهر فيها ما يطرح فيها من لحوم الكلاب والمحايض وسائر النجاسات، ولا خلاف بين المسلمين أن الماء الذي قد ظهرت فيه النجاسة: لا يجوز استعماله للطهارة، فلا تخلو حينئذ بئر بضاعة من أن يكون ماؤها كان جاريًا ناقلًا لما يقع فيها إلى غيرها، فلا يمنع ذلك استعمال الماء الحادث بعد انتقاله النجاسة.
وإن لم يكن جاريًا، فإن سؤال السائل كان عنها بعد ما نظفت، وأخرج ما فيها من النجاسات، فأشكل عليهم حكمها بعد إخراج ما فيها، فأخبرهم أن ما كان يطرح فيها لا يمنع طهارة الماء الحادث بعده، وتكون فائدته أن البئر لا يجب طمها بوقوع النجاسة فيها، ولا حفر جوانبها، ولا غسلها، وأنها مفارقة للأواني في ذلك.
* وأما حديث الغدير، فيحتمل أن يكون أمرهم بالاستقاء من الجانب الذي لم تبلغه النجاسة؛ لأن موضع الجيفة لا يجوز استعماله بالاتفاق وهذا موافق بقول أصحابنا في الغدير العظيم، وأن كون النجاسة في جانب
стр. 52
منه: لا يمنع استعمال الماء الذي في الجانب الذي لم تبلغه النجاسة.
وقد روى أبو هريرة ﵁ قال: لقيت النبي صلى الله علي وسلم وأنا جنب، فمد يده إلي، فقبضت يدي عنه، وقلت: إني جنب فقال: "سبحان الله! إن المسلم لا ينجس"، ولم يمنع بذلك أن يلحقه حكم النجاسة إذا أصابت بدنه.
وروي أن النبي ﷺ قيل له في وفد ثقيف حين أنزلهم المسجد: يا رسول الله! قوم أنجاس؟ فقال: "إنه ليس على الأرض من أنجاس الناس شيء، إنما أنجاس الناس على أنفسهم"، ومعلوم أنه لم يرد بذلك نفي النجاسة عن الأرض، وإن أصابتها.
فإن قال قائل: لما أمر النبي ﷺ بصب الماء على بول الأعرابي، دل على أنه إنما أراد ن يصير الماء غالبًا للبول، فيزيل حكمه مع بقاء أجزائه فيه.
قيل له: قد روي أن النبي ﷺ أمر بمكان البول أن يحفر.
حدثنا محمد بن الحسن بن شيرويه الأستراباذي قال: حدثنا عمار بن رجاء قال: حدثنا يحيى الحماني، قال: حدثنا أبو بكر بن عياش عن
стр. 53
سمعان بن مالك الأسدي عن أبي وائل عن عبد الله ﵁ قال: "بال أعرابي في المسجد، فصب عليه دلوًا من ماء، ثم أمر به فحفر مكانه، فقال الأعرابي: يا رسول الله! أرأيت الرجل يحب القوم، ولما يعمل مثل عملهم، قال النبي ﷺ : المرء مع من أحب".
وحدثنا محمد قال: حدثنا عمار قال: حدثنا يحيى قال: حدثنا أبو بكر عن منصور عن سالم عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ مثل ذلك.
وحدثنا علي بن محمد الأنطاكي قال: حدثنا أحمد بن عبد الله بن سابور وعبد الوهاب بن أبي حية قالا: حدثنا أبو هشام الرفاعي قال: حدثنا أبو بكر بن عياش قال: حدثنا سمعان بن مالك بإسناده مثله.
قال أبو هشام: وحدثنا أبو بكر بن عياش عن منصور عن سالم بن أبي الجعد عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ مثله.
وذكر الطحاوي قال: حدثنا أبو بكرة قال: حدثنا إبراهيم بن بشار قال:
стр. 54
حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن طاووس: أن النبي ﷺ أمر بمكانه أن يحفر.
فثبت بذلك أنه لم يقتصر على غلبة الماء عليه دون حفر الأرض لإزالة النجاسة.
وفيه دليل على أن غلبة الماء على البول لا يزيل حكمه؛ لأنه لو أزاله، لما احتيج إلى حفر الموضع بعد صب الماء.
* ومن جهة النظر: إن استعمال النجاسة على الانفراد محظور، فإذا اختلطت بالماء، وعلم كونها فيه، فاجتمع في الماء جهة الحظر من أجل النجاسة، وجهة الإباحة من أجل الماء: وجب تغليب جهة الحظر على جهة الإباحة.
والدليل عليه أن جارية بين رجلين لا يجوز لواحد منهما وطؤها، وكان تغليب جهة الحظر من أجل ملك الغير، أولى من جهة الإباحة من أجل ملكه.
فإن قيل: فقد أبحت استعمال التحري في ثلاثة أواني أحدها نجس.
стр. 55
فاعتبرت غلبة الطاهر، وأبحت الاجتهاد فيه، فيلزمك اعتبار الغالب عند اختلاط النجاسة بالماء.
قيل له: ليس هذا مما نحن فيه في شيء؛ لأني إنما استعملت التحري في طلب الطاهر، لا في استعمال جزء من النجاسة، والماء وإن غلب على النجاسة، فإنه لا يصل إلى استعماله إلا باستعمال جزء من النجاسة، فأشبه الجارية بين الرجلين في حظر وطئها.
وقد يستعمل الاجتهاد أيضًا في طلب الطاهر من الماء إذا خالطته النجاسة، وهو ما نقوله في الغدير العظيم إذا دخلته نجاسة: أن ما غلب في رأينا أن النجاسة لم تبلغه: يجوز استعماله، وما غلب في الظن أن النجاسة وصلت إليه: لا يجوز استعماله.
ثم جعلوا تحرك أحد الطرفين بتحرك الطرف الآخر: جهة تغلب الرأي في بلوغ النجاسة إليه.
فإن قال قائل: لو خالط الماء لبن يسير، لم يمنع استعماله للطهارة، وإن لم يجز استعمال اللبن للطهارة، ثم لما كان الماء هو الغالب عليه سقط حكمه، كذلك النجاسة.
قيل له: ليس بمحظور علينا استعمال اللبن، إلا أن الطهارة به لا تصح، ويسيره لا حكم له؛ لأنه لم يمنع وقوع الطهارة بالماء، ألا ترى أن يسير الزعفران إذا وقع في ماء، فظهر لونه فيه، فظهر لونه في: لم يمنع ذلك استعماله للطهارة، وإن ظهر لون النجاسة أو طعمها أو ريحها في الماء: منع ذلك
стр. 56
استعماله للطهارة بالاتفاق، وإن كان الماء هو الغالب، فهذا فرق بينهما
فإن قيل: فقد حصل الاغتسال بجزء من اللبن، فينبغي أن لا يجزئه
قيل له: ليس هو بأكثر منه لو توضأ، ثم مسح وجهه باللبن، فلا يفسد ذلك طهارته.
فإن قال قائل: لو وجب الامتناع من استعمال الماء بحلول اليسير من النجاسة فيه، لوجب الحكم بنجاسة ماء البحر، لعلمنا بكون الجيف والنجاسات فيه، وإن كان جزء منه لاقى جزءًا قد نجس بمجاورته لجزء نجس، إلى أن تسوفي النجاسة أجزاء ماء البحر كله.
قيل له: هذا غريب واجب، من قبل أن ما لاقى عين النجاسة من الماء قد نجس بمجاورته إياه، ولم يصر هذا الماء المجاور لغير النجاسة نجسًا في الحقيقة، وإنما لحقه حكم النجاسة من طريق الحكم، لا أنه نجس في نفسه، وما كان هذا وصفه من ماء البحر والآبار ونحوها: لا ينجس ما جاوره، وتبين ذلك في مسألة البئر إذا ماتت فيها فأرة.
فاختلفت عندنا حكم ما كان نجسًا في نفسه، وما نجس بالمجاورة فلذلك لم يفسد ماء البحر بحلول النجاسة في ناحية منه.
* ودليل آخر: وهو أنا وجدنا النجاسات في الثياب والأبدان أخف منها في الماء، ثم كانت النجاسة في البدن والثوب تمنع جواز الصلاة فيه إذا كثرت وإن لم تكن مرئية، فدل ذلك على سقوط اعتبار ظهور النجاسة في الماء، وأن الحكم متعلق بوجودها فيه، كما تعلق في الثوب.
стр. 57
فإن قيل: لما كان القليل من النجاسة لا يمنع الصلاة في الثوب، كذلك الماء الذي تحله.
قيل له: إن الصلاة جائزة في الثوب مع وجود أثر النجاسة فيه، ولا يجوز استعمال الماء مع ظهور أثر النجاسة فيه، فعلمنا أن حكم النجاسة في الماء أغلظ منها في الثوب.
فإن قال قائل: قد نقلت الأمة خلفا عن سلف إزالة الأنجاس من الأبدان والثياب باليسير من الماء، فلو كان حلول يسير النجاسة في الماء ينجس الماء، لما طهر بدن ولا ثوب أبدًا؛ لأن كل ما خالطه فهو ينجس أولًا، ثم يزول وهو نجس، فدل ذلك على أن المراعاة في باب التنجيس ظهور النجاسة، وأن الماء متى كان غامرًا لها يسقط حكمها.
قيل له: إن تطهير الثوب من النجاسة إنما يكون بإزالة عين النجاسة متى كان هناك عين قائمة، فالماء غير مطهر له، فإذا زالت العين لم يبق هنا إلا ما قد جاور ما كان نجسًا بملاقاته النجاسة، وقد بينا أن ما نجس من جهة المجاورة: لا ينجس ما جاوره، فلا يلزم على ذلك الحكم بتنجيس المياه على ما ألزمنا السائل.
وقد روي عن جماعة من الصدر الأول الحكم بتنجيس الماء بحلول النجاسة فيه وإن لم تظهر فيه.
من ذلك ما روي عن ابن عباس ﵄ حين أمر بنزح زمزم لموت الزنجي فيه، وعن ابن الزبير مثله.
стр. 58
وذكر حماد عن إبراهيم عن ابن عباس ﵄ قال: "إنما ينجس الحوض أن تقع فيه، فتغتسل وأنت جنب".
وروي عن علي بن أبي طالب ﵁ في الفأرة إذا ماتت في البئر قال: "انزحها حتى تغلبك".
فصل: [عدم اعتبار القلتين كحد فاصل بين القليل والكثير]
قال أبو بكر: وجميع ما استدللنا به من ظواهر الآي والسنن، ودليل القياس والنظر، يوجب الحكم بنجاسة القلتين إذا حلتهما نجاسة، وأنه لا
стр. 59
فرق بينهما وبين ما هو أقل منهما وأكثر.
وعلى أن اعتبار القلتين في إيجاب الحد الفاصل بين ما ينجس بحلول النجاسة فيه، وبين ما لا ينجس: قول متناقض فاسد من وجوه أخر نذكرها بعد هذا الفصل.
فإن قيل: روى الوليد بن كثير المخزومي عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبد الله بن عبد الله عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ سئل عن الماء وما ينوبه من السباع، فقال: "إذا بلغ الماء قلتين، فليس يحمل الخبث".
وروى محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن النبي ﷺ أنه سئل عن الحياض التي بالبادية تصيب منها السباع، فقال: "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل نجسًا".
وروى موسى بن إسماعيل عن حماد بن سلمة عن عاصم بن المنذر عن عبيد بن عبد الله عن أبيه أن النبي ﷺ قال: "إذا
стр. 60
كان الماء قلتين لم ينجس".
ورواه يحيى بن حسان موقوفًا على ابن عمر ﵄.
فلما ثبت بالدلائل المتقدمة أن قليل الماء ينجس بحلول النجاسة فيه، واتفق الجميع على أن البحر والغدير العظيم لا ينجس بحلول النجسة فيه، جعلنا الحد الفاصل بين القليل والكثير، وبين ما ينجس وما لا ينجس قبل ظهور النجاسة: القلتين اللتين ورد بهما الأثر.
قيل له: إن هذا حديث لا يجوز إثبات أصل من أصول الشريعة بمثله. لضعف سنده، واضطراب متنه، واختلاف الرواة في رفعه، ولأن مثله لا يجوز أن يكون وروده مورد البيان في إيجاب الحد الفاصل بين القليل والكثير.
* فأما ضعف سنده، فلأنه مختلف فيه. يقول بعضهم: محمد بن عباد بن جعفر، وبعضهم يقول: محمد بن جعفر.
стр. 61
ثم يقول بعضهم: عبيد الله بن عبد الله، وآخرون يقولون: عبد الله بن عبد الله.
وهذا يدل على أن الحديث غير مضبوط الإسناد.
ثم يقفه بعضهم على ابن عمر ﵄، وبعضهم يرفعه إلى النبي ﷺ .
* ثم الذي يدل على اضطراب متنه: ما حدثنا محمد بن الحسن بن شيرويه قال: حدثنا عمار بن رجاء قال: حدثنا حبان بن هلال قال: حدثنا حماد بن سلمة عن عاصم بن المنذر عن عبيد الله بن عبد الله عن أبيه أن النبي ﷺ قال: "إذا كان الماء أكثر من قلتين أو ثلاث، فإنه لا ينجس".
وحدثنا دعلج بن أحمد قال: حدثنا موسى بن هارون قال: أخبرنا كامل بن طلحة قال: حدثنا حماد بن سلمة عن عاصم بن المنذر عن عبيد الله عن أبيه أن النبي ﷺ قال: "إذا كان الماء قلتين أو
стр. 62
ثلاثة فإنه لا ينجس".
وهذه الألفاظ متضادة مختلفة المعاني؛ لأن القلتين إن كانتا حدًا، فما فوقهما ليس كذلك، وإن كان الحد أكثر من قلتين: فهما ليستا بحد.
* ثم قوله: "قلتين أو ثلاثًا": يبطل أيضًاً معنى التحديد، وما كان هذا سبيله من الأخبار: فإنه لا يصح الاحتجاج به، ولا يجوز الاعتراض به على ما قدمنا من دلائل الكتاب والآثار الصحاح.
* ويدل على سقوطه، ما في حديث أبي هريرة ﵁: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ولا يغتسل فيه من جنابة".
ومعلوم أن الماء الدائم في الغدران والمصانع أكثر من قلتين بأضعاف، وقد منع النبي ﷺ الاغتسال فيه بعد البول،
стр. 63
فدل على أن حلول النجاسة في مثله يفسده.
* وعلى أنه قد روى القاسم بن عبد الله العمري عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا كان الماء أربعين قلة لم يحمل الخبث".
وروي عن ابن عمر ﵄ مثله، وبه قال إبراهيم النخعي.
* وأيضًا: فلما كان اسم القلة يقع على مقادير مختلفة: لم يجز أن يكون إطلاق لفظ القلتين واردًا مورد البيان، وذلك لأن البيان لا يقع به والقلة اسم للجرة، والكوز الصغير، ولرأس الجبل، ولقامة الرجل، وما كان هذا وصفه، فغير جائز إثبات التحديد به.
стр. 64
فإن قيل: فالمراد قلال هجر.
قيل له: وما الدليل على ذلك؟
فإن قال: لأن ابن جريج قال: بقلال هجر.
قيل له: ومن جعل قول ابن جريج أصلًا في إثبات شريعة؟
ثم المخالف لا يصح له ذلك، لأنه يزعم أن ابن جريج لو روى ذلك عن النبي ﷺ لم يقبل منه، فكيف إذا لم يرفعه إليه، ولم يروه عنه؟
فإن قيل: فما وجه الحديث عندكم؟
قيل له: يحتمل أن يكون النبي ﷺ سئل عن هذا القدر من الماء، فقال: مثله لا يحتمل الخبث، أي يضعف عنه، فلا يزيل حكمه، كما يقال: فلان لا يحمل ألف رطل، ومعناه: أنه يضعف عنه،
стр. 65
فنقل الراوي كلام النبي ﷺ ، وترك نقل سؤال السائل، والسبب الذي عليه خرج الكلام.
كقوله ﷺ : "لا ربا إلا في النسيئة"، وقوله: "ولد الزنى شر الثلاثة".
وذلك كله كلام خرج على سبب مفهوم، وهو محمول عليه دون استعمال إطلاقه، كذلك ما روي في القلتين.
стр. 66
فإن قيل: فقد روي: "إذا بلغ الماء قلتين لم ينجسه شيء".
قيل له: أصل الحديث قوله: "لم يحمل خبثًا"، ثم حمله بعض الرواة على المعنى عنده، فنقله دون اللفظ؛ لأن كثيرًا من الرواة يرى نقل المعنى دون اللفظ.
ويحتمل أن يكون المراد بالقلتين: قامتين، ويكون أراد: إذا بلغ الغدير، أو المصنع قامتين: لم يحمل نجسًا، كما نقول: الغدير العظيم إذا وقعت النجاسة في أحد جانبيه أنها لا تنجس الجانب الآخر.
فإن قيل: القلال كانت معروفة بالمدينة، وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "دخلت الجنة فرأيت نبقها مثل قلال هجر".
قيل له: ومن دفع أن تكون قلال هجر كانت معروفة؟ بل نقول: كانت معروفة، وسائر ما ذكرنا من القلال المختلفة المقادير كانت معروفة أيضًا؛ ولأجل أن الجميع كانت معروفة مع اختلاف مقاديرها وتفاوتها: امتنع ورود البيان بذكرها في إثبات المقدار.
* ومما يبين تناقض قول القائل بالقلتين: أنا نقول له: خبرنا عن قول النبي ﷺ : "إذا كان الماء قلتين لم يحمل خبثًا": أراد به قلتين طاهرتين أو نجستين.
стр. 67
فإن قال: طاهرتين كانتا أو نجستين: قال قولًا مستحيلًا؛ لأنه يقتضي أن يكون قد قال: "إذا كان الماء قلتين نجستين لم يحمل خبثًا". وهذا متناقض، لما فيه من نفي النجاسة عما أثبته نجسًا.
وإن قال: أراد إذا كان قلتين طاهرتين لم يحمل خبثًا.
قيل له: فأخبرنا عن قربة طاهرة صبت على أربع قرب نجسة؟ فقلت: إن القرابة الطاهرة لا تنجس، أليس قد نقضت ما أعطيته بدءًا من معنى مراد النبي ﷺ بالخبر؛ لأن هذه قرابة أقل من قلتين، قد خالطها أضعافها نجاسة، فلم تنجس، فلم يثبت التحديد الذي اقتضاه الخبر عندك.
فإن قال: لأن الماء صار قلتين، فانتفت النجاسة عنه.
قيل له: أليس قد أعطتنا أن معنى قوله: "إذا كان الماء قلتين طاهرتين لم يحمل خبثًا"، فهل وجدت قلتين طاهرتين؟ وإنما وجدت قلة طاهرة، فلم يحمل خبثًا، وفي هذا إسقاط التحديد الذي رمت إثباته بالخبر.
ثم زعم أن الماء إذا كان أقل من قلتين، وكان نجسًا فصب عليه ما يتم به خمس قرب: صار طاهرًا، فإن فرق بعد ذلك لم ينجس.
فيقال له: لم لا أعدت حكم النجاسة فيها بالتفريق، وقد علمنا أنه أقل من قلتين، وفيه أجزاء من النجاسة.
فإن قال: لأنا قد حكمنا بطهارته عند الاجتماع وبلوغ الحد؛ فلا
стр. 68
ينجس بعد ذلك بالتفريق.
قيل له: إذا حكمت بنجاسته وهو مفترق، فهلا بقيت هذا الحكم وإن اجتمعا، ولم لم تخرجه من حكم الطهارة بالافتراق؛ لأن النجاسة حصلت في أقل من قلتين.
فإن قال: لم نعد حكم النجاسة بالتفريق؛ لأن في تنجيسها بعد الافتراق إبطالًا لحكمنا له بالطهارة، وإسقاطًا لفائدته؛ لأنه متى اغتراف منه شيئًا كان نجسًا؛ لأنه أقل من قلتين، وفي ذلك منع من استعماله، ورفع حكمنا به من طهارته، وهذا غير جائز؛ لأنه قد ثبتت طهارته بالخبر.
قيل له: فأصلك يوجب عليك ترك استعمال الخبر، فدل على فساد أصلك.
على أنه قد قال في القلتين إذا وقعت فيهما فأرة: إنهما طاهرتان.
ثم قال: إن أخذ بعض الماء وفيه الفأرة: إنه ينجس، فلم يفرق بين حال التفريق بعد الاجتماع، وبينه قبل الاجتماع,
* ثم مما يدل على تناقض قله: إن قلة ماء نجس، وقلة أخرى نجسة إذا اجتمعتا صارتا طاهرتين.
وهذا يضاهي قوله في فرقه بين ورود الماء على النجاسة، وبين ورود النجاسة على الماء في أقل من قلتين، فحكم بنجاسته إذا وردت النجاسة على الماء، ولم يحكم له بذلك عند ورود الماء على النجاسة، والماء قليل
стр. 69
في الحالين جميعًا، والنجاسة موجودة، ومعلوم أن النبي ﷺ إنما حكم بنجاسة الماء لوجود النجاسة فيه، ولا فرق –إذا كان المعنى ما وصفنا –بين ورود الماء على النجاسة، وبين ورود النجاسة على الماء,
وهذا يشبه قول بعض المتجاهلة في فرقة بين البائل وغير البائل، فقال: إن البائل في الماء ممنوع من الوضوء به، وغير البائل مباح له مع وجود البول فيه، والمتغوط فيه غير ممنوع من الوضوء به؛ لأن النبي ﷺ إنما نهى البائل دون غيره".
وهذا قول لو قصد به الإنسان إلى هتك ستر نفسه وفضيحتها، وإظهار تجاهله للناس؛ ما زاد على ما قال.
فإن قال صاحب القول الأول: إنما فرقنا بين ورود النجاسة على الماء، وبين ورود الماء على النجاسة فيما دون القلتين؛ لأن النبي ﷺ أمر بصب الماء على بول الأعرابي في المسجد، فلولا أنه طهره به لزاد في تنجيسه.
قيل له: قد روي أنه أمر بمكانه أن يحفر، وقد تقدم ذكر سنده.
стр. 70
فإن قيل: جميع ما ألزمته مخالفيك، يلزمك مثله في الغدران الكثيرة إذا نجست بحصول النجاسة فيها، ثم أجري بعضها إلى بعض، فصارت غديرًا واحدًا، حتى لو حرك أحد طرفيه لم يتحرك الطرف الآخر: لن تحكم طهارته؛ لأجل الاجتماع على حسب اعتبارك في الغدير العظيم إذا وقعت فيه نجاسة، وإن لم تحكم بطهارته بعد الاجتماع، فقل في الابتداء: إنه إذا وقعت فيه نجاسة: نجس.
قيل له: هذه الغدران النجسة إذا جمعت، فصارت غديرًا واحدًا: فجميعها نجس عندنا، واجتماعها لا يكسبها حكم الطهارة، ولذلك تقول في الغدير العظيم إذا حصلت النجاسة في جميعه: لم يجز استعمال شيء منه.
وإنما الذي نقوله في الغدير العظيم: إنه إذا دخلت النجاسة طرفًا منه، وغلب في ظننا أنها لم تبلغ الطرف الآخر، لم نحكم بنجاسة الموضع الذي لم تبلغه النجاسة، فليس المعنى عندنا في حكم التنجيس: زوال كثرته ولا قلته، وإنما المعنى في نجاسته وجود النجاسة فيه.
فإن قيل: لما احتجنا إلى الحد الفاصل بين القليل الذي يلحقه حكم النجاسة، وبين الكثير، ولم يكن لنا مفزع إلا إلى الاجتهاد أو الأثر، كان الأثر –وإن كان ضعيفًا –مقدمًا عليه.
ومن جهة أخرى إن أحدًا لم يقدره بأكثر من ذلك.
قيل له: الحد الفاصل بينهما هو ما علمنا، أو غلب في ظننا وجود النجاسة فيه، فهذا الذي نحكم له بالنجاسة، وما عداه: فليس بنجس، فلا حاجة بنا إلى الاجتهاد في إثبات المقدار، ولا إلى قبول خبر ضعيف لا
стр. 71
تثبت بمثله شريعة.
* وأما قولك إن أحدًا لم يقدره بغير القلتين: فليس كذلك؛ لأن إبراهيم النخعي يعتبر أربعين قلة، وعلقمة وابن سيرين والحسن بن صالح بن حي يعتبرون كرًا، وهو ثلاثة آلاف ومائتا رطل.
مسألة: [ما ينزح من البئر لطهارتها بموت عصفور فيها، ونحوه]
قال أبو جعفر: (وكل بئر وقعت فيها فأرة أو عصفورة ولم تنتفخ،
стр. 72
ولم تتفسخ: أخرجت منها، واستقي منها عشرون دلوا، وفي النور والدجاجة أربعون دلوًا).
قال أبو بكر أحمد بن علي: قد روي عن علي ﵁ أنه قال في فأرة تموت في البئر: "أنه تنزح منها دلاء".
وروي عنه أيضًا أنه قال: "تنزح حتى يغلبك الماء".
والروايتان جميعًا صحيحتان، فالأولى ما لم تنتفخ، والثانية إذا انتفخت.
وعن عطاء، وطاوس: "ينزح منها دلاء".
стр. 73
وقال أبو سعيد الخدري ﵁: "في الدجاجة أربعون أو خمسون"، ونحوه عن إبراهيم، والحسن.
وقال الشعبي: "في الدجاجة سبعون دلوًا".
فقد حصل من اتفاق هؤلاء السلف أن نزح بعض مائها: يطهرها في موت الفأرة والسنور.
стр. 74
وإنما اختلفوا في مقدار ما ينزح، فصار ذلك أصلًا في وجوب تطهيرها ينزح بعضها، لأنا لا نعلم لهم مخالفًا من السلف.
* ووجه آخر: وهو ما روي عن النبي ﷺ أنه سئل عن فأرة ماتت في سمن، فقال: "إن كان جامدًا: فألقوها وما حولها، وإن كان مائعًا: فأهريقوه"، فاستفدنا من أمره بإلقاء الجامد وما حوله معنيين.
أحدهما: أن ما كان نجسًا في نفسه: فإنه ينجس ما جاوره.
والثني: أن ما نجس بالمجاورة: لا ينجس ما جاوره فيما لا يوجب غسل ما حصل فيه؛ وذلك لأن الفأرة لما كانت نجسة في نفسها: حكم ﷺ بنجاسة ما جاورها من السمن، ولم يحكم بنجاسة السمن المجاور لهذا السمن النجس.
فإذا لم يكن السمن نجسًا في نفسه، وإنما كانت نجاسته من جهة الحكم لمجاورته الفأرة: فقلنا على هذا: إن ما جاور الفأرة من ماء البئر: نجس، وما جاور هذا الماء الذي لحقه حكم النجاسة بالمجاورة: ليس بنجس، كما لم يحكم النبي ﷺ بنجاسة السمن المجاور للسمن الذي نجس بالمجاورة.
* وإنما جعلنا ماء البئر في معنى السمن الجامد، دون المائع الذي حكم النبي ﷺ بنجاسة الكل، من قبل أن البئر إذا حلتها نجاسة، فأخرجت، ونزح ماؤها: لم يجب طمها، ولا حفر جوانبها، ولا غسلها، فأشبه من هذا الوجه السمن الجامد؛ لأن موت الفأرة فيه لم
стр. 75
يوجب غسل الإناء، وفارق السمن المائع: إذا كانت إراقته توجب غسل الإناء.
* ومن جهة أخرى: إن البئر يشبه الماء الجاري، من قبل أن نزحه يوجب حدوث ماء غيره فيها، وليس كذلك الإناء، فكانت البئر أخف حكمًا من الأواني، فلذلك جعلناها بمنزلة السمن الجامد الذي تموت فيه الفأرة، إذا كان حكمه أخف من حكم المائع.
* وإذا ثبت أن بعض الماء طاهر، وبعضه نجس، وجب أن يطهرها إخراج بعض مائها، لأنا لو قلنا إنها لا تطهر إلا بإخراج الجميع، لكان فيه نقض ما أصلنا وأقمنا الدلالة عليه، من وجوب الحكم بطهارة بعض مائها، ونجاسة البعض.
ثم الكلام في مقدار ما يطهرها إخراجه: طريقة الاجتهاد، وما كان طريقه الاجتهاد من هذه المقادير، لا يتوجه علينا فيه سؤال، كتقويم المستهلكات، ونفقات الزوجات، ونحوها.
وأيضاً: ما روي عن علي وأبي سعيد وعطاء ﵃ في المقدار: يوجب تقليدهم فيه، إذ لم يثبت عن أحد من السلف خلافه.
[مسألة: وجوب نزح جميع البئر بموت شاة فيها]
قال أبو جعفر: (فإن ماتت فيها شاة: نزحت كلها حتى يغلبهم الماء).
قال أحمد: وذلك لأن الشاة تنزل إلى قعر البئر، ويجاورها أكثر مائها، وعسى أن لا يبقى مما لم يجاور إلا اليسير الذي لا حكم له،
следующие страницы →