← Книги сунны

Книги сунны · id 16555

مسند الفاروق لابن كثير ت إمام

ابن كثير

Полный текст (1 379 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

حديث في ذِكر الخوارج (١) (٩٥٩) روى الإسماعيلي من حديث قتيبة: ثنا ابن لَهِيعة، عن ابن هُبيرة، عن أبي قيس مالك بن الحكم أو ابن حكيم، عن عبد الرحمن بن غَنم الأشعري: أنه سَمِعَ عمرَ بن الخطاب يقول: سَمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: «سيخرجُ أناسٌ من أمَّتي يقرأون القرآنَ، يمرقونَ من الدِّينِ، كما يمرقُ السهمُ من الرميَّةِ، وأَمَارةُ ذلك أنهم مُحلِّقون ...» (٢). وذَكَر تمامَ الحديث في جَمْع عمر القُرَّاء والتماسِهِ أن يجدَ فيهم مَحلوقًا.

стр. 1227

حديث في ذِكر وقعة الحَرَّة (١) التي كانت أيام يزيد بن معاوية (٩٦٠) قال يعقوب بن سفيان (٢): حدثني إبراهيم بن المنذر، حدثني ابن أفلح، عن أبيه، عن أيوب بن عبد الرحمن، عن أيوب / (ق ٣٨٧) بن بشير المُعافِري (٣): أنَّ النبيَّ ﷺ خَرَج في سَفَر من أسفاره، فلمَّا مرَّ بحَرَّة زُهرة وَقَف فاستَرجَعَ، فسَاءَ ذلك مَن معه، وظنُّوا أنَّ ذلك من أمرِ سَفَرهم، فقال عمرُ بن الخطاب: يا رسولَ الله، ما الذي رأيتَ؟ فقال رسولُ الله ﷺ : «أَمَا إنَّ ذلك ليس في سَفَركم هذا». قالوا: فما هو يا رسولَ الله؟ قال: «يُقتَلُ بهذه الحَرَّةِ خِيارُ أُمَّتي بعدَ أصحابي». هكذا رواه البيهقي (٤) من حديث يعقوب بن سفيان، وهو مرسل في الظاهر، فإنَّ أيوب بن بشير وإن كان قد وُلِدَ في زمان النبيِّ ﷺ إلا أنه لم يُدركه ولم يَسْمع منه، ولعلَّه إنما سَمِعَ هذا من عمرَ بن الخطاب فإنه كان في زمانه كبيرًا، وكان ممَّن جُرح يوم الحرَّة ﵀.

стр. 1228

حديث (١) في ذِكر الحجَّاج بن يوسف الثَّقَفي (٩٦١) قال الحافظ أبو بكر البيهقي في كتابه «دلائل النبوة» (٢): أنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو النَّضر، ثنا عثمان بن سعيد الدَّارمي، ثنا عبد الله بن صالح المصري: أنَّ معاوية بن صالح حدَّثه عن شُريح بن عُبيد، عن أبي عَذَبة قال: جاء رجلٌ إلى عمرَ بن الخطاب فأَخبَرَه أنَّ أهلَ العراقِ قد حَصَبوا أميرَهم، فخَرَج غضبانَ، فصلَّى لنا الصلاةَ، فسَهَا فيها، حتى جعل الناسُ يقولون: سبحان الله! سبحان الله! فلمَّا سلَّم، أقبَلَ على الناس، فقال: مَن ههنا من أهل الشَّام؟ فقام / (ق ٣٨٨) رجلٌ، ثم قام آخرُ، ثم قمتُ أنا ثالثًا، أو رابعًا، فقال: يا أهلَ الشَّامِ، استعدُّوا لأهل العراق، فإنَّ الشيطانَ قد بَاضَ فيهم وفَرَّخ، اللهمَّ إنهم قد لبَّسوا عليَّ فالبِسْ (٣) عليهم، وعجِّل عليهم بالغلام الثَّقَفي يَحكمُ فيهم بحكمِ الجاهليةِ، لا يَقبلُ من مُحْسِنِهم، ولا يَتَجاوزُ عن مُسيئِهِم. قال عبد الله بن صالح: وحدَّثني ابن لَهِيعة بمثله (٤)، قال: وما وُلِدَ الحجَّاجُ يومئذٍ. وكذا رواه يعقوب بن سفيان (٥)، عن عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح. ورواه عثمان الدَّارمي (٦) ويعقوب بن سفيان (٧).

стр. 1229

كلاهما عن أبي اليَمَان، عن حَريز بن عثمان، عن عبد الرحمن بن مَيْسرة بن أزهر، عن أبي عَذَبة قال: قَدِمْتُ على عمرَ رابعَ أربعةٍ ... ، وذَكَر الحديث. قال عثمان: قال أبو اليَمَان: عَلِمَ عمرُ أنَّ الحجَّاج خارجٌ لا محالةَ، فلمَّا أغضبوه استَعجَلَ العقوبةَ التي لا بدَّ لهم منها (١). قلت: وطريقه في علم هذا الَّنقلُ عن النبيِّ ﷺ ، كما سيأتي (٢) في مسند أسماء بنت الصِّديق: أنَّ رسولَ الله قال: «إنَّ في ثقيفَ كذَّابًا ومُبِيرًا (٣)» (٤). فالكذَّاب: المختار بن أبي عبيد، والمُبِيرُ هو: الحجَّاج، كما فسَّرت

стр. 1230

ذلك للحجَّاج حين قَتَل ولدَها ﵁. وقد كان الحجَّاجُ من الملوك الجبَّارين الذين طَغَوا في البلاد، وقَتَلَ الجمَّ الغفيرَ من صدر هذه الأُمَّة، ومع هذا فأَمرُهُ إلى الله، فإنه لم يُترَف بغير الظُّلم وسفكِ الدِّماء، ولا يُلتفتُ إلى قول الرَّافضة (١) فيه من / (ق ٣٨٩) تكفيره، وتكفير مستنيبيه، بل هم من مُلُوك الإسلام، لهم ما لهم، وعليهم ما عليهم.

стр. 1231

حديث في ذِكر الوليد (٩٦٢) قال الإمام أحمد (١): ثنا أبو المغيرة، ثنا ابن عيَّاش، حدثني الأوزاعي وغيره عن الزهري، عن سعيد بن المسيّب، عن عمرَ بن الخطاب قال: وُلِدَ لأخي أُمِّ سَلَمة زوجِ النبيِّ ﷺ غلامٌ، فسَمَّوه الوليدَ، فقال النبيُّ ﷺ : «سَمَّيتُموهُ بأسماءِ فَرَاعنتِكُم، لَيَكُونَنَّ في هذه الأُمَّةِ رجلٌ يقالُ له: الوليدُ، هو شرٌّ على هذه الأُمَّةِ من فرعونَ لقومِهِ». هكذا رواه أحمد في مسند عمر، وإسناده جيد (٢)، ولم يخرِّجوه.

стр. 1232

لكن قد رواه الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب «دلائل النبوة» (١) عن الحاكم وغيره، عن الأصمِّ، عن سعيد بن عثمان التَّنوخي، عن بِشر بن بكر، حدثني الأوزاعي، حدثني الزهري، حدثني سعيد بن المسيّب قال: وُلِدَ لأخي أُمِّ سَلَمة من أُمِّها غلامٌ فسَمَّوه الوليدَ، فقال رسولُ الله ﷺ : «تُسمُّونَ بأسماءِ فَرَاعنتِكُم، غيِّروا اسمَه -فسَمَّوه: عبد الله-، فإنَّه سيكونُ في هذه الأُمَّةِ رجلٌ، يقالُ له: الوليدُ، هو شرٌّ لأُمَّتي من فرعونَ لقومِهِ». هكذا وقع في رواية البيهقي مرسلاً. وكذا رواه يعقوب بن سفيان (٢) عن محمد بن خالد بن العبَّاس السَّكسكي، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن سعيد، مرسلاً. قال الوليد بن مسلم: فكان الناسُ يَرَون أنه الوليد بن عبد الملك، ثم رأينا أنه الوليد بن يزيد لفتنة الناس به حين / (ق ٣٩٠) خَرَجوا عليه، فقَتَلوه، فانفَتَحتِ الفتنةُ على الأُمَّة والهَرْجُ. قلت: أما الوليد بن يزيد بن عبد الملك، فكان فاسقًا مجاهرًا بالمعاصي، وقد حَكَى عنه صاحب «العِقد» (٣) وأصحابُ التاريخ شيئًا فرِيًّا من أنه أَذِنَ لحبابَةَ مولاتِه، فصَلَّتْ بالناس الفجرَ وهي جُنُب! والله أعلم بصحَّة ذلك، وكانت مدَّة ولايته للسَّلطنة سَنَة وقريبًا من شهرين، ثم خُلِعَ، وقُتِلَ، وعُلِّق رأسُه على حائط الجامع الشرقيِّ ممَّا يلي المصلِّين مدَّةً، ثم رُفِعَ، وغُسِلَت آثارُ دمِهِ.

стр. 1233

وأمَّا عمُّه الوليد بن عبد الملك فامتدَّت ولايتُه نحوًا من عشر سنين، فعمَّر فيها المسجدَ الجامعَ بدمشق، وزَخْرَفَهُ، وزَيَّنهُ، وتأنَّق فيه جدًّا، ولم يكن بناءٌ على وجه الأرض شرقًا ولا غربًا في زمانه أبهى منه ولا أحسنَ، وصَرَف عليه من بيت مال المسلمين من الذَّهَب مالايُحدُّ كثرةً، مع أنه كان موصوفًا بالشهامة والصَّرامَة، وكان فيه جَبرية. وقد روى ابن أبي الدنيا في كتاب «أحكام القبور» (١)، عن عمرَ بن عبد العزيز ﵀: أنه لمَّا أَلحده في قبره شاهَدَ منه أمرًا منكرًا، فيه عظةٌ عظيمةٌ للناس: رَوى أنه حين وَضَعه في اللَّحد جُمِعَت رُكبَتَاه إلى عُنُقِهِ، ورَوى أنه حُوِّل وجهُهُ عن القِبلة. والذي اشتَهَر من حاله أنه كان من مُلُوك الإسلام، وكانت له مملكةٌ متَّسعةٌ في المشارق والمغارب، ومن أحسن ما روي عنه أنه كان يباشرُ أحوالَ الرَّعيةِ / (ق ٣٩١) بنفسِهِ، ويَصرفُ إلى الزَّمنَي والمرضى والمجذَّمين ما يَكفيهم من بيت المال. وأحسن من هذا ما روي عنه أنه قال: لولا أنَّ اللهَ قصَّ علينا خبرَ قومِ لوطٍ ما ظننتُ أنَّ ذَكَرًا يَعلو ذَكَرًا! حديث آخر (٩٦٣) قال أحمد (٢): ثنا حسن، ثنا ابن لَهِيعة، ثنا أبو الزُّبير، عن

стр. 1234

جابر: أنَّ عمرَ بن الخطاب أخبَرَه أنه سَمِعَ رسولَ الله ﷺ يقول: «سيخرُجُ أهلُ مكةَ ثم لا يعير (١) بها، أو يغير (٢) بها إلا قليلٌ، ثم تمتلِئُ وتُبنَى، ثم يَخرجون منها ولا يعودون فيها أبدًا». هذا إسناد جيد، لأنَّ ابن لَهِيعة قد صرَّح بالسماع فزال محذور تدليسه (٣). حديث آخر (٩٦٤) قال أحمد (٤): ثنا يحيى بن إسحاق، أنا ابن لَهِيعة، عن أبي الزُّبير، عن جابر، أخبرني قال (٥): سَمِعتُ النبيَّ ﷺ يقول: «لَيَسيرَنَّ الرَّاكبُ في جَنَباتِ المدينةِ، ثم لَيَقولَنَّ: لقد كان في هذا حاضِرٌ من المؤمنين كثيرٌ».

стр. 1235

قال أحمد: ولم يَجز به حسن الأشيب جابرًا (١). وهذا -أيضًا- جيد (٢)، والله أعلم. وقد تقدَّم في كتاب الجهاد (٣) من حديث عبد الله بن عمر السَّعدي، عن سعيد بن عمرو بن سعيد، عن أبيه، عن أبيه، سَمِعَ عمرَ بن الخطاب يقول: لولا أنِّي سَمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: «إنَّ اللهَ سَيَمنعُ الدِّينَ بنصارى من ربيعةَ على شاطئِ الفُرَاتِ»؛ ما تَرَكتُ عربيًا إلا قَتَلتُهُ أو يُسلِمُ. رواه النسائي (٤)، وهو غريب (٥).

стр. 1236

أحاديث المعجزات والمناقب والفضائل، وهي مرتَّبة على أسماء الأعيان، ثم القبائل، ثم البلدان (٩٦٥) قال الحافظ أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى الموصلي ﵀ (١): ثنا أبو هشام، ثنا ابن فضيل، ثنا ابن أبي زياد، عن عاصم بن عبيد الله / (ق ٣٩٢) بن عاصم، عن أبيه، عن جدِّه عمرَ قال: كنَّا مع النبيِّ ﷺ في غَزَاة، فقلنا: يا رسولَ الله، إنَّ العدوَّ قد حَضَر وهم شِباعٌ، والناسُ جياعٌ، فقالت الأنصار: ألا نَنحَرُ نواضِحنا فنُطعِمَه للناس؟ فقال النبيُّ ﷺ : «مَن كان عندَه فضلُ طعامٍ؛ فليَجِئ به»، فجعل الرَّجلُ يجيءُ بالمُدِّ والصَّاعِ، وأكثرَ وأَقلَّ، فكان جميعُ ما في الجيش بِضعًا وعشرين صاعًا، فجلس النبيُّ ﷺ إلى جنبه، فدعا بالبركة، فقال النبيُّ ﷺ : «خُذُوا ولا تَنتَهِبُوا»، فجعل الرَّجل يأخذُ في جِرابِهِ، وفي غِرارتِهِ، وأخذوا في أوعيتهم، حتى إنَّ الرَّجلَ لَيَربِطُ كُمَّ قميصِهِ فيَملأَه، فَفَرغوا والطَّعامُ كما هو، ثم قال النبيُّ ﷺ : «أشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهَ، وأنِّي رسولُ الله، لا يأتي بهما عبدٌ مُحِقٌّ إلا وَقَاهُ اللهُ حَرَّ النَّارِ». ثم رواه -أيضًا- (٢)، عن إسحاق بن إسماعيل الطَّالْقاني، عن جرير، عن يزيد بن أبي زياد ... ، فذَكَره، وسمَّى الغزوة تبوك.

стр. 1237

وهذا إسناد حسن (١)، ولم يخرِّجوه، وله شاهد في «الصحيح» (٢) من حديث سَلَمة بن الأكوع في غزوة تبوك. حديث آخر (٣) (٩٦٦) قال أبو يعلى (٤): ثنا زُهَير، ثنا يونس بن محمد، ثنا يعقوب بن عبد الله الأشعري، ثنا حفص بن حميد، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن عمرَ قال: قال رسولُ الله ﷺ : «إنيِّ مُمْسِكٌ بحُجزِكم / (ق ٣٩٣) هلُمَّ عن النَّارِ، هلُمَّ عن النَّارِ ....» الحديث. وقد تقدَّم في تفسير سورة براءة (٥).

стр. 1238

حديث آخر (٩٦٧) قال الحافظ أبو بكر البزَّار (١): ثنا عمر بن الخطاب -يعني السِّجستاني- ثنا أصبَغ بن الفَرَج، ثنا عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، عن عُتبة بن أبي عُتبة، عن نافع بن جُبَير، عن ابن عباس قال: قيل لعمرَ: حدِّثنا عن شأن العُسرة، فقال عمرُ: خَرَجنا مع رسولِ الله ﷺ إلى تبوكَ في قَيظٍ شديدٍ، فنزلنا منزلاً أصابنا فيه عطشٌ شديدٌ حتى ظنَّنا أنَّ رِقابَنَا ستنقطعُ، حتى إن كان أحدُنا يذهبُ يلتمسُ الخلاءَ فلا يرجعُ حتى يظنَّ أنَّ رَقَبتَه تنقطعُ، وحتى إنَّ الرَّجلَ لَيَنحَرُ بعيرَه فيَعصِرُ فَرثَه فيَشرَبُهُ ويَضعُهُ على بطنِهِ، فقال أبو بكرٍ الصِّديق ﵁: يا رسولَ الله، إنَّ اللهَ قد عَوَّدك في الدُّعاء خيرًا، فَادْعُ لنا. فقال النبيُّ ﷺ : «أتحبُّ ذلك يا أبا بكر؟». قال نعم. قال: فرَفَع رسولُ الله ﷺ يديه، فلم يَرجعْهُما حتى قالتِ السماءُ، فأَظلَّت (٢)، ثم سَكَبت، فملأوا ما معهم، ثم ذهبنا ننظرُ، فلم نَجدْها جاوزتِ العسكرَ. ثم قال البزَّار: لا نَعلمه يُروى إلا بهذا الإسناد. قلت: وقد رواه الإمام الحَبْر محمد بن إسحاق بن خزيمة في «صحيحه» (٣) عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب. والحافظ أبو حاتم محمد بن حبان البُسْتي في «صحيحه» أيضًا (٤)، عن عبد الله بن محمد بن سَلْم، / (ق ٣٩٤) عن حَرمَلَة، عن ابن وهب، به.

стр. 1239

قال الحافظ أبو الحسن الدارقطني (١): وكذا رواه أحمد بن صالح، عن ابن وهب. ورواه يعقوب بن محمد الزهري، عن ابن وهب، فلم يَذكر في الإسناد عُتبة بن أبي عُتبة. قال: والقول: قول مَن أثبتَه. حديث آخر (٩٦٨) قال الحافظ أبو يعلى (٢): ثنا إبراهيم بن الحجَّاج، ثنا حماد، عن علي بن زيد، عن أبي رافع، عن عمرَ بن الخطاب: أنَّ رسولَ الله ﷺ كان بالحَجُون (٣) وهو كَئيبٌ، فقال: «اللهمَّ أَرِني اليومَ آيةً لا أُبالِي مَن كذَّبَنِي بعدَها من قومِي». فنادى شجرة من قِبَلِ عَقَبة أهلِ المدينةِ، فناداها، فجاءت تَشقُّ الأرضَ حتى انتَهَتْ إليه، فسَلَّمَتْ عليه، ثم أَمَرها فذَهَبتْ. قال: فقال: «ما أُبَالِي مَن كذَّبَنِي بعدَها من قومِي». وهكذا رواه الإمام علي ابن المديني عن حَرَمي بن عُمارة، عن حماد بن سَلَمة، به. وقال: هذا إسناد بصري، ولا نعرفه إلا من حديث حماد. وكذا رواه الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب «دلائل النبوة» (٤) من حديث عبيد الله بن محمد بن عائشة، عن حماد بن سَلَمة، به.

стр. 1240

قال: وقد رويناه في «المبعث» عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن أنس، نحوه. حديث آخر (٩٦٩) قال الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب «دلائل النبوة» (١): ثنا أبو عبد الله الحافظ (٢) إملاء وقراءة، ثنا أبو سعيد عمرو بن محمد بن منصور العدل -إملاء-، ثنا أبو الحسن محمد بن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، / (ق ٣٩٥) ثنا أبو الحارث عبد الله بن مسلم الفِهري -قال أبو الحسن: هذا من رهط أبي عُبيدة بن الجرَّاح- أنا إسماعيل بن مسلمة، أنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن جدِّه، عن عمرَ بن الخطاب قال: قال رسولُ الله ﷺ : «لمَّا اقتَرَفَ آدمُ الخطيئةَ، قال: ياربُّ، أسألُكَ بحقِّ محمدٍ إلا غَفَرتَ لِي، فقال اللهُ : ياآدمُ، كيف عرفتَ محمدًا ولم أخلُقهُ بعدُ؟ قال: ياربُّ، لأنَّك لمَّا خَلَقتَنِي بيدِكَ، ونَفَختَ فيَّ مِن رُوحِك، رَفَعتُ رأسي، فرأيتُ على قوائمِ العرشِ مكتوبًا: لا إلهَ إلا اللهُ، محمدٌ رسول الله، فعَلِمتُ أنَّك لم تُضِفْ إلى اسمِكَ إلا أحبَّ الخلقِ إليكَ. فقال اللهُ: صَدَقتَ ياآدمُ، إنَّه لأحبُّ الخلقِ إليَّ، وإذْ سَأَلتَنِي بحقِّه، فقد غَفَرتُ لك، ولولا محمدٌ ما خَلَقتُكَ». ثم قال البيهقي: تفرَّد به عبد الرحمن بن زيد بن أسلم من هذا الوجه، وهو ضعيف (٣)، والله أعلم.

стр. 1241

ومن فضل الصِّديق (٩٧٠) قال الحافظ أبو بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي: ثنا محمد بن عَلُّويه الفقيه، ثنا أبو شعيب السُّوسي، ثنا يحيى بن سعيد العطَّار، ثنا فُرَات بن السَّائب، عن ميمون، عن ابن عمرَ: أنَّ أبا موسى إذ كان واليًا على البصرة، كان إذا خَطَب يومَ الجمعةِ حَمِدَ اللهَ، وأثنى عليه، وصلَّى على النبيِّ ﷺ ، ثم ثَنَّى بعمرَ يَدعو له، ولا يَتَرحَّمُ على أبي بكرٍ ﵁، فتَقَدَّم إليه ضَبَّة بن مِحصَن يقول: أين أنت / (ق ٣٩٦) من ذِكر صاحبِهِ قبلَهُ تَذكره بفضِلهِ؟ ففعل ذلك جُمَعَ، ثم كَتَب إلى عمرَ بقول ضَبَّة بن مِحصَن، فكَتَب إليه عمرُ يأمُرُه بتسريحه إليه، فلمَّا أتاه الكتابُ، قال: اشخَص إلى

стр. 1242

أمير المؤمنين. فلمَّا قَدِمَ المدينةَ استأذن على عمرَ، فدخل عليه، فقال: أنت ضَبَّة بن مِحصَن؟ قال: نعم. قال: فلا مَرحبًا ولا أهلاً. قال: أمَّا المرحبُ فمن الله، وأمَّا الأهلُ فلا أهلَ ولا مالَ، فعَلاَم استَحلَلتَ إشخاصي من مصرَ يا عمرُ بلا ذنبٍ ولا جنايةٍ ولا سوءٍ أتيتُهُ؟! قال: وما تَبوء بذنبٍ تعتذرُ منه؟ قال: لا. قال: فما شَجَر بينك وبين عامِلِكَ؟ قال: كان إذا خَطَب يومَ الجمعةِ صلَّى على النبيِّ ﷺ ، ثم ثنَّى بك يَدعو لك، ولا يَتَرحَّمُ على أبي بكرٍ، فكان ذلك ممَّا يغيظني منه. قال: أنت كنتَ أوفَقَ منه وأفضلَ، فهل أنت غافرٌ ذنبي إليك؟ قال: نعم، يَغفِرُ اللهُ لك. فاستبكى عمر، حتى انتَحَبَ، ثم قال: واللهِ ليومٌ أو ليلةٌ من أبي بكرٍ ﵁ خيرٌ من عمرَ وآل عمرَ من لدن وُلِدوا، أمَّا ليلتُهُ فإنَّه لمَّا توجَّه مع النبيِّ ﷺ إلى الغار جعل يمشي طَورًا أمامَهُ، وطَورًا خلفَهُ، ومرَّة عن يمينه، ومرَّة عن يَسَاره، فقال له رسولُ الله ﷺ : «ما هذا من فِعلك يا أبا بكر؟». قال: بأبي أنت وأُمِّي، أذكرُ الرَّصَدَ (١) فأَكونُ أمامَكَ، وأذكرُ الطَّلبَ فأَكونُ خَلفَكَ، وأَنفضُ الطريقَ يمينًا وشمالاً. قال: «إنَّه ليس عليك بأسٌ»، وكان النبيُّ ﷺ حافيًا، ولم يكن مخصَّرَ القدمين، فحَفِيَ، / (ق ٣٩٧) فحَمَله أبو بكر الصِّديق ﵁ على كاهله حتى انتهى به إلى الغار، فلمَّا ذهب لِيَدخُلَهُ، قال: لا، والذي بَعَثك بالحقَّ لا تَدخلُهُ حتى استبرئَهُ، فدخل، فنظر، فلم ير شيئًا يَريبه، فدخلا، فلمَّا قَعَدا فيه هُنيَّةً أسفَرَ لهما الغارُ بعضَ الإسفارِ، فأبصر أبو بكرٍ إلى خَرقٍ في الغارِ فألقَمَهُ قَدَمَهُ، مخافةَ أن يكونَ فيه دابَّةٌ فتخرجُ إلى رسول الله ﷺ فتُؤذيه، فهذه ليلتُهُ ﵁.

стр. 1243

وأمَّا يومُهُ، فإنَّه لمَّا قُبِضَ رسولُ الله ﷺ ارتدَّ مَن ارتدَّ من العرب، وقالوا: نصلِّي، ولا نزكِّي، ولا نُجبَى، فأتيتُهُ لا آلوه نصحًا، فقلتُ: يا خليفةَ رسولِ اللهِ تألَّفِ الناسَ، وارفُق بهم، فإنَّهم بمنزلة الوحش. فقال: رَجَوتُ نُصرَتَكَ وجئتني بخذلانك! جبَّارًا في الجاهلية! خوَّارًا في الإسلام! بماذا عَسَيتَ أن أتأَلَّفَهم؟! بِشِعرٍ مُفتَعل! أو بِسِحرٍ مفتَرَى! هيهات! هيهات! مضى النبيُّ ﷺ وانقطع الوحي، والله لأُجَاهِدنَّهم ما استمسك السَّيفُ في يدي وإن مَنَعوني عَقَالاً. قال: فوَجَدتُهُ في ذلك أمضى منِّي وأصرمَ، وأَدَّبَ الناسَ على أمورٍ هانت عليَّ كثير من مؤنتهم حين وَلِيتُهُم، هذا يومُهُ (١). وهذا إسناد غريب من هذا الوجه، ويحيى بن سعيد العطَّار هذا حمصي، فيه ضعف، ولكن لهذا شواهد كثيرة من وجوه آخر. / (ق ٣٩٨) حديث آخر (٩٧١) قال الحافظ أبو بكر البزَّار (٢): ثنا إبراهيم بن سعيد، ثنا ابن أبي أُوَيس، ثنا سليمان بن بلال، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن

стр. 1244

عائشة، عن عمرَ ﵁ أنه قال: كان أبو بكرٍ أحبَّنا إلى رسول الله ﷺ . ثم قال البزَّار: لا يُروى إلا من هذا الوجه. ورواه الترمذي (١) عن إبراهيم بن سعيد الجوهري به. وقال: صحيح غريب. وأخرجه ابن حبان في «صحيحه» (٢) عن محمد بن إسحاق الثَّقَفي، عن إبراهيم بن سعيد، به. ولفظهما: أبو بكر سيِّدنا وخيرُنا، وأحبُّنا إلى رسول الله ﷺ (٣). طريق أخرى (٩٧٢) قال البخاري (٤): ثنا أبو نعيم، عن عبد العزيز بن أبي سَلَمة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر قال: قال عمرُ ﵁: أبو بكر سيِّدُنا، وأَعتَقَ سيِّدَنا. يعني: بلالاً.

стр. 1245

حديث آخر في فضل الصِّديق، وفيه شَرَف عظيم لعمر ﵄ (٩٧٣) قال الحافظ أبو بكر الخطيب (١): أنا القاضي أبو العلاء الواسطي، أنا أحمد بن محمد بن عَمرويه بن آدم ببغداد، ثنا محمد بن جعفر بن أحمد بن اللَّيث، ثنا علي بن عبد الله بن جعفر الهَمداني، ثنا عبد الله بن محمد بن جَيهان، ثنا عبد الله بن بكر السَّهمي، ثنا مبارك بن فَضَالة، ثنا ثابت البُناني، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عبد الرحمن بن أبي بكر الصِّديق قال: قال رسولُ الله ﷺ : «حدَّثني عمرُ بن الخطاب أنَّه ما سابقَ أبا بكرٍ إلى خيرٍ قطٌّ إلا سَبَقَهُ به». فإن كان هذا محفوظًا ففيه رواية رسول الله ﷺ عن عمرَ بن الخطاب، فيكونُ من أحسنِ ما يُذكر في باب رواية الأكابر عمَّن دونهم، كما في «الصحيح» (٢) أنه ﵇ أخبر بقصَّة الدجال عن خبر تميم الدَّاريِّ له بذلك. وقد تقدَّم لهذا الحديث في كتاب الزكاة، وفي تفسير قوله تعالى: ﴿إن تبدوا الصدقات فنعما هي﴾ (٣) شواهد. (٩٧٤) وقال حماد بن سَلَمة، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيّب: أنَّ عمرَ قال: ما سَابَقْتُ أبا بكرٍ قطُّ إلى خيرٍ؛ إلا سَبَقَني به.

стр. 1246

أثر آخر (٩٧٥) قال عبد الله بن المبارك: عن ابن سُوقة (١)، عن محمد بن جُحادة، عن سَلَمة بن كُهَيل، عن هُزَيل بن شُرَحبيل قال: قال عمر: لو وُزِنَ إيمانُ أبي بكرٍ بإيمانِ أهلِ الأرضِ لرَجَحَ بهم (٢). قلت: وقد روي عن ابن عمرَ مرفوعًا، ولا يصحُّ (٣).

стр. 1247

حديث في فضل عليٍّ ﵁ (٩٧٦) قال الحافظ أبو يعلى الموصلي (١): ثنا عبيد الله -يعني القَوَاريري- ثنا عبد الله بن جعفر، أخبرني سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال عمرُ بن الخطاب ﵁: لقد أُعطيَ عليُّ بن أبي طالب ﵁ ثلاثَ خِصَالَ، لأنْ تكونَ لي واحدةٌ منها أحبُّ إليَّ من أن أُعطَى حُمْرَ النَّعَم (٢). قيل: وما هنَّ يا أميرَ المؤمنين؟ قال: تزويجَهُ فاطمةَ بنتَ رسولِ الله ﷺ ، وسُكنَاهُ المسجدَ مع النبيِّ ﷺ يَحِلُّ له فيها (٣) ما يَحِلُّ له، والرَّايةَ يومَ خيبرَ. إسناد قوي، لولا عبد الله بن جعفر بن نَجيح والد علي ابن المديني، فإنه ضعَّفه غير واحد من الأئمَّة، / (ق ٣٩٩) منهم ابنه عليّ ﵀ (٤).

стр. 1248

حديث آخر في فضل طلحة بن عبيد الله التَّيمي ﵁ . (٩٧٧) قال أبو داود الطيالسي ﵀ في «مسنده» (١): حدثنا أبو بكر الهُذَلي، حدثنا أبو المَلِيح الهُذَلي، عن ابن عباس قال: ذَكَرتُ طلحةَ لعمرَ ﵄، فقال: ذاك رجلٌ فيه بَأْوٌ منذُ أُصيبت يدُهُ مع رسولِ الله ﷺ . هذا حديث غريب، ولم يخرِّجوه، وأبو بكر الهُذَلي قد ضُعِّف (٢). قال الجوهري ﵀ في «صحاحه» (٣): البَأْوُ: الكِبْرُ والفخرُ، يقال: بَأَوتُ على القوم أَبْأَى بَأْوًا. قال حاتم: وما زَادَنا بَأْوًا على ذِي قَرَابةٍ ... غِنَانَا ولا أَزرَى بأحسابِنَا الفَقرُ قلت: فكأنَّ طلحة ﵁ كان يَفخَرُ على غيره بما نال من إصابة يده يوم أُحُد حين شَلَّت، لمَّا وَقَى بها عن رسول الله ﷺ (٤)، كما تقدَّم في

стр. 1249

«مسند الصِّديق» ﵁ أنه كان يقول عن يوم أُحُد: ذاك يوم كان كلُّه لطلحة (١). وقد تقدَّم الحديث بتمامه. حديث آخر (٩٧٨) قال الحافظ أبو بكر الإسماعيلي: أنا الحسن بن سفيان، ثنا حميد بن الرَّبيع، ثنا يزيد بن هارون، ثنا أبو يعلى الجَزَري، ثنا ميمون بن مِهران، عن ابن عمرَ، عن عمرَ، قال له الناس في الشُّورى: ألا تشيرُ علينا؟ قال: لا أُبالي أن أفعلَ، رؤوس قريش، ومن سمَّى رسولُ الله ﷺ في سبعةٍ، فسمَّى السِّتةَ، وسعيدَ بن زيد. هذا إسناد / (ق ٤٠٠) جيد، وله شواهد، وأبو يعلى الجَزَري هذا لم أعرفه، والسِّتة الذين سمَّاهم في الشُّورى هم: عثمان، وعليّ، وطلحة، والزُّبير، وسعد، وعبد الرحمن بن عوف ﵃، فهؤلاء رؤوس قريش في الجاهلية، وسادة المسلمين في الإسلام، وممَّن سمَّاهم رسولُ الله ﷺ ، ونصَّ عليهم بأنهم من أهل الجنَّة، وفيهم سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفَيل العَدَوي أنه من أهل الجنَّة، وإنما تَرَكه عمرُ ولم يَذكره مع أهل الشُّورى؛ لأنه من قبيلته، وخَتَنه على أخته فاطمة بنت الخطاب، فخشي ﵁ إنْ ذَكَره معهم أن يُرجِّحوه لذلك، فتَرَكه، وأما أبو عُبيدة بن الجرَّاح فكان قد مات

стр. 1250

قبل ذلك بنحوٍ من ستِّ سنين ﵁ وأرضاه-، وإلا فقد كان عند عمرُ أهلاً لذلك، وفوقَ ذلك، كما في الحديث الآخر الذي رواه الإمام أحمد (١)، حيث قال: (٩٧٩) حدثنا محمد بن فُضيل، حدثنا إسماعيل بن سُمَيع، عن مسلم البَطِين، عن أبي البَختَري قال: قال عمرُ ﵁ لأبي عُبيدة بن الجرَّاح: ابسُطْ يدَك حتى أُبايعَكَ، فإنِّي سَمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: «أنت أمينُ هذه الأُمَّةِ»، فقال أبو عُبيدة: ما كنتُ لأتقدَّمَ بين يدي رجلٍ أَمَرَه رسولُ الله ﷺ أن يؤُمَّنا، فأَمَّنا حتى مات. هذا إسناد جيد، وفيه انقطاع، لأنَّ أبا البَختَري لم يُدرك عمرَ، بل ولا عليًّا، فيما قاله شعبة بن الحجَّاج وأبو حاتم الرازي (٢). / (ق ٤٠١) طريق أخرى (٩٨٠) قال البزَّار (٣): ثنا عمر بن الخطاب السِّجِستاني، ثنا عبد الغفار بن داود، ثنا (عبد الجبار) (٤) بن عمر الأَيْلي، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن عمرَ: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «لِكُلِّ أُمَّةٍ أمينٌ، وأمينُ هذه الأُمَّةِ أبو عُبيدة بن الجَرَّاح».

стр. 1251

ثم قال البزَّار: لا نعرف أحدًا تابع (عبد الجبار) (١) هذا على هذا عن الزهري، وإن كان قد رواه عمر بن حمزة، عن سالم، عن أبيه، عن عمرَ، به. قلت: وكلاهما فيه ضعف، والله أعلم. حديث آخر (٩٨١) قال الإمام أحمد (٢): ثنا أبو المغيرة وعصام بن خالد قالا: ثنا صفوان، عن شُريح بن عُبيد وراشد بن سعد وغيرهما قالوا: لمَّا بَلَغ عمرُ بن الخطاب سَرْغَ (٣) حُدِّث أنَّ بالشَّام وباءً شديدًا، قال: بلغني أنَّ شدَّةَ الوباء بالشَّام، فقلتُ: إنْ أَدرَكَني أَجَلي وأبو عُبيدة بن الجرَّاح حَيٌّ استَخلفتُهُ، فإنْ سألني اللهُ : لم استَخلفتَهُ على أمَّة محمدٍ ﷺ ؟ قلتُ: إنِّي سَمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «إنَّ لكُلِّ نبيٍّ أمينًا، وأميني أبو عُبيدة بنُ الجرَّاح». فأَنكَرَ

стр. 1252

القومُ ذلك، وقالوا: ما بال علياء قريش؟! -يعنون بني فِهر-، ثم قال: وإنْ أَدرَكَني أَجَلي وقد تُوفي أبوعُبيدة؛ استَخلفتُ معاذَ بن جبل، فإنْ سألني ربِّي: لم استَخلفتَهُ؟ قلتُ: سَمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «إنَّه يُحشرُ يومَ القيامةِ بين يَدَي العلماءِ نَبذَةً». هذا إسناد فيه انقطاع؛ / (ق ٤٠٢) فإنَّ شُريح بن عبيد وراشد بن سعد المِقرائِيَين الحمصيَيْن من التابعين الثقات إلا أنهما لم يُدركا زمن عمر بن الخطاب، وكأنَّ هذا من المستفيض عندهم بالشَّام، إلا أنَّ ذِكر استخلاف معاذ بن جبل الأنصاري على الأمَّة فيه غرابةٌ (١)، لأنَّ الأئمَّةَ من قريش فلا يجوز أن يكونَ من غيرهم عند جمهور علماء الأُمَّة، والله أعلم. (٩٨٢) وقد رواه الحافظ أبو بكر الإسماعيلي من طريق أخرى: فقال: حدثنا الحسن بن سفيان، عن أبي عمير بن النَّحاس، عن ضَمرة، عن السَّيباني، عن أبي العَجْفاء، عن عمرَ أنه قال: لو أدركتُ خالدَ بن الوليد ثم وَلَّيتُهُ، ثم قَدِمْتُ على ربِّي، فقال: مَن استَخلفتَ؟ قلت: قال عبدُك ونبيُّك: «خالد سيفٌ من سيوفِ اللهِ سَلَّهُ اللهُ على المشركين». ثم ذَكَر أبا عُبيدة ومعاذًا كما تقدَّم، وقال: «بين يَدَي العلماءِ بِرِتوَةٍ» (٢). قال ضَمرة: كأنها أكثر من خطوة.

стр. 1253

وهذا إسناد حسن (١). وقد تقدَّم في كتاب الفرائض (٢) حديث في فضل سالم مولى أبي حذيفة وأبي عُبيدة بن الجرَّاح ﵄ وأرضاهما.

стр. 1254

حديث في فضل ابن مسعود وعمَّار ﵄ (٩٨٣) قال أبو القاسم الطَّبراني (١): ثنا علي بن عبد العزيز، ثنا أبو نعيم، ثنا سفيان (ح) وحدثنا عثمان بن عمر الضَّبِّي، ثنا عمرو بن مرزوق، ثنا شعبة (ح) وحدثنا أحمد بن عمرو القَطَواني، ثنا محمد بن الطُّفيل النَّخَعي، ثنا شريك. / (ق ٤٠٣) كلُّهم عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مُضَرِّب قال: كَتَب عمرُ ﵁ إلى أهل الكوفة: إنِّي قد بَعَثتُ عمَّارَ بن ياسر أميرًا، وعبد الله بن مسعود مُعلِّمًا ووزيرًا، وهما من النُّجباء، من أصحابِ رسولِ الله ﷺ من أهل بدر، فاقْتَدُوا بهما، واسمعُوا من قولهما، وقد آثرتُكم بعبد الله على نَفْسي أثرةً. إسناده قوي صحيح، وقد اختاره الضياء في كتابه (٢).

стр. 1255

حديث في فضل مصعب بن عُمَير العَبدَري الذي قُتِلَ يوم أُحُد بين يَدَي النبيِّ ﷺ حمايةً عنه ﵁ وأرضاه (٩٨٤) روى الحافظ أبو بكر الإسماعيلي ﵀ من حديث عبد العزيز بن عمر الخراساني الزَّاهد، عن زيد بن أبي الزَّرقاء، عن جعفر بن بَرقان، عن ميمون بن مِهران، عن يزيد بن الأصمِّ، عن عمرَ قال: نَظَر رسولُ الله ﷺ إلى مصعبِ بن عُمَير مُقبلاً وعليه إهابُ كَبشٍ قد تَنَطَّق به، فقال النبيُّ ﷺ : «انظُرُوا إلى هذا الرَّجلِ الذي نُوِّرَ له قلبُه، لقد رأيتُهُ بين أبوين يَغذُوانِهِ بأطيبَ الطَّعامِ والشَّرَابِ، ولقد رأيتُ عليه حُلَّةً شِراؤُها، أو شُرِيت له بمائتي درهمٍ، فدعاه حبُّ اللهِ وحبُّ رسولِهِ إلى ما تَرَونَ» (١). فيه غرابة وانقطاع.

стр. 1256

حديث (١) في فضل زيد بن حارثة مولى النبيِّ ﷺ وحِبِّه وولده أسامة الحِبِّ بن الحِبِّ ﵄ وأرضاههما (٩٨٥) / (ق ٤٠٤) قال الحافظ أبو يعلى الموصلي (٢): ثنا مصعب -يعني ابن عبد الله (٣) - ثنا عبد العزيز بن محمد -هو الدَّرَاوَردِي- عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمرَ قال: فَرَضَ عمرُ لأسامةَ أكثرَ ممَّا فَرَضَ لي، فقلت: إنما هِجرتي وهجرة أسامةَ واحدةٌ! فقال: إنَّ أباه كان أحبَّ إلى رسولِ الله ﷺ من أبيك، وإنَّه كان أحبَّ إلى رسولِ الله ﷺ منك، وإنما هاجَرَ بك أبوك. هذا حديث صحيح، رواه البخاري في كتاب الهجرة (٤) عن إبراهيم بن موسى، عن هشام بن يوسف، عن ابن جريج، عن عبيد الله بن عمر العُمَري، به، أطول من هذا. قُتِلَ زيد بن حارثة أميرًا بمؤتةَ في سنة سبع من الهجرة ﵁.

стр. 1257

أثر في فضل رأي عبد الله بن عباس وأبيه ﵄ (٩٨٦) قال الإمام أبو عبيد في كتاب «الغريب» (١): كان سفيان بن عيينة يحدِّث عن عاصم بن كُلَيب، عن أبيه، عن ابن عباس: أنه شَاوَرَ عمرَ في شيء، فأَعجَبَهُ كلامُهُ، فقال عمرُ: نِشنِشَةٌ أَعرِفُها من أَخشَنَ. هكذا كان يُحدِّث ابن عيينة. قال الأصمعي: وإنما هي شِنشِنَة أعرفُها من أخزمٍ.

стр. 1258

قال أبو عبيد: أخبرني ابن الكلبي أنَّ هذا الشِّعر لأبي أخزم الطَّائيِّ، وهو جَدُّ جَدِّ حاتم الطَّائي، وكان له ابن يقال له: أخزم، فمات أخزم وترك بنين، فوثبوا يومًا على جدِّهم أبي أخزم، فأَدمَوهُ، فقال: إنَّ بَنِيَّ زَمَّلُونِي بالدَّمِ ... شِنْشِنَةٌ أَعرِفُها مِن أَخزَم يعني: أنهم أشبَهوا أباهم في طبيعته وخُلُقه.

стр. 1259

حديث في فضل الحسن والحسين سِبطَي رسول الله ﷺ وريحانتيه، وسيِّدَي شباب أهل الجنَّة ﵄ (٩٨٧) قال الحافظ أبو يعلى (١): ثنا محمد بن مرزوق البصري، حدثني حسين -يعني الأشقر- حدثني علي بن هاشم، عن ابن أبي رافع، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمرَ قال: رأيتُ الحسنَ والحسينَ على عاتِقَي النبيِّ ﷺ ، فقلت: نِعْمَ الفَرَسُ تَحتَكما، فقال النبيُّ ﷺ : «ونِعْمَ الفارسانِ هُمَا». غريب من هذا الوجه، وحسين بن حسن الأَشقر هذا: شيعي، ضعيف (٢).

стр. 1260

حديث آخر (٩٨٨) قال أبو بكر الإسماعيلي: أخبرني عبد الله بن زيدان، ثنا قاسم / (ق ٤٠٥) بن مؤمَّل المقري، ثنا جعفر بن محمد بن إسحاق الأزرق، ثنا إسحاق، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن شُريح قال: قال لي علي: أنشُدُك بالله أسمعتَ عمرَ ﵁ يقول: سَمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ : «الحسنُ والحسينُ سَيِّدَا شبابِ أهلِ الجنَّةِ»؟ قال شُريح: نعم. وذَكَر قصَّة تحاكم عليّ مع ذلك اليهوديّ إلى شُريح في شأن الدِّرع التي فقدها عليٌّ ﵁. وهو غريب الإسناد -أيضًا- (١)، والله أعلم.

стр. 1261

فأمَّا قول عمرَ ﵁ في صُهيب بن سِنَان الرُّومي: نِعْمَ العبدُ صهيب، لو لم يخفِ اللهَ لم يَعصِهِ؛ فهو مشهور عنه، ولم أره إلى الآن بإسنادٍ عنه، والله الموفِّق. وقد ذَكَره أبو عبيد في كتاب «الغريب» (١)، ولم أره أَسنَدَه. قال: وَوَجُهُه: أنَّ صهيبًا إنما يُطيعُ اللهَ حُبًّا له لا مخافةَ عقابِهِ، يقول: فلو لم يكن عقابٌ يَخافُهُ ما عَصَى اللهَ أيضًا.

стр. 1262

أثر في فضل جَرير بن عبد الله البَجَلي ﵁ وأرضاه (٩٨٩) قال الترمذي في «الشمائل» (١): ثنا عمر بن إسماعيل بن مُجالِد، عن أبيه، عن بَيَان، عن قيس بن أبي حازم، عن جَرير بن عبد الله البَجَلي قال: عُرِضْتُ بين يَدَي عمرَ، فألقى جريرٌ رداءَه ومشى في إزار، فقال له: خُذ رداءَك. فقال عمرُ للقوم: ما رأيتُ رجلاً أحسنَ صورةً من جريرٍ إلا ما بَلَغنا من صورةِ يوسفَ الصَّديق ﵇. إسناده جيد قوي (٢). وقد كان جَرير من أحسنِ الناسِ وجهًا، كما ثَبَت عن النبيِّ ﷺ أنه قال: «إنَّ على وَجهِهِ مَسْحَةَ مَلَكٍ» (٣)، فرَضِيَ اللهُ عن أصحابِ رسولِ الله أجمعين.

стр. 1263

حديث في فضل زينب بنت جحش أُمِّ المؤمنين (٩٩٠) قال أبو بكر البزَّار (١): ثنا علي بن نصر ومحمد بن معمر -واللفظ له- قالا: ثنا وهب بن جرير، ثنا شعبة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشَّعبي، عن عبد الرحمن بن أَبْزَى: أنَّ عمرَ كَبَّر على زينب بنت جحش أربعًا، ثم أَرسَلَ إلى أزواجِ رسولِ الله ﷺ : مَن يُدخِلُ هذه قبرَها؟ فقلن: مَن كان يَدخُلُ عليها في حياتها. ثم قال عمرُ: كان رسولُ الله ﷺ يقول: «أسرَعُكُنَّ بِي لُحُوقًا، أَطولُكُنَّ يدًا»، فكنَّ يتطاولن بأيديهنَّ، وإنما كان ذاك أنها كانت صَنَاعًا تعينُ بما تَصنعُ في سبيل الله. ثم قال: قد روي من وجوه عن النبيِّ ﷺ (٢)، ولم يَروه أجلَّ من عمرَ، ورواه غير واحد عن إسماعيل، عن الشَّعبي مرسلاً، وتفرَّد برفعه وهب بن

стр. 1264

جرير، عن شعبة، عن إسماعيل (١).

стр. 1265

أثر في فضل غُضَيف بن الحارث الكندي (٩٩١) قال أسد بن موسى: ثنا حماد بن سَلَمة، عن بُرد أبي العلاء، عن عُبادة بن نُسَي: أنَّ عمرَ بن الخطاب قال لغُضيف بن الحارث: نِعْمَ الفتى غُضَيفُ. فعَلِمَهُ أبو ذرٍّ، فقال: يا غُضيفُ، استغفِرْ لي. فقال: أنت صاحبُ رسول الله ﷺ ، وأنت أحقُّ أن تستغفِرَ لي. قال أبو ذرٍّ: فإنِّي سَمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: «إنَّ اللهَ ضَرَبَ الحقَّ على لسان عمرَ يقولُ به»، وإنِّي سَمِعتُ عمرَ يقول: نِعْمَ الفتى غُضَيف. فاستغفِرْ لي. فاستغفَرَ له (١).
следующие страницы →