← Книги сунны

Книги сунны · id 16555

مسند الفاروق لابن كثير ت إمام

ابن كثير

Полный текст (1 379 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

فأمَّا قول عمرَ ﵁ في صُهيب بن سِنَان الرُّومي: نِعْمَ العبدُ صهيب، لو لم يخفِ اللهَ لم يَعصِهِ؛ فهو مشهور عنه، ولم أره إلى الآن بإسنادٍ عنه، والله الموفِّق. وقد ذَكَره أبو عبيد في كتاب «الغريب» (١)، ولم أره أَسنَدَه. قال: وَوَجُهُه: أنَّ صهيبًا إنما يُطيعُ اللهَ حُبًّا له لا مخافةَ عقابِهِ، يقول: فلو لم يكن عقابٌ يَخافُهُ ما عَصَى اللهَ أيضًا.

стр. 1262

أثر في فضل جَرير بن عبد الله البَجَلي ﵁ وأرضاه (٩٨٩) قال الترمذي في «الشمائل» (١): ثنا عمر بن إسماعيل بن مُجالِد، عن أبيه، عن بَيَان، عن قيس بن أبي حازم، عن جَرير بن عبد الله البَجَلي قال: عُرِضْتُ بين يَدَي عمرَ، فألقى جريرٌ رداءَه ومشى في إزار، فقال له: خُذ رداءَك. فقال عمرُ للقوم: ما رأيتُ رجلاً أحسنَ صورةً من جريرٍ إلا ما بَلَغنا من صورةِ يوسفَ الصَّديق ﵇. إسناده جيد قوي (٢). وقد كان جَرير من أحسنِ الناسِ وجهًا، كما ثَبَت عن النبيِّ ﷺ أنه قال: «إنَّ على وَجهِهِ مَسْحَةَ مَلَكٍ» (٣)، فرَضِيَ اللهُ عن أصحابِ رسولِ الله أجمعين.

стр. 1263

حديث في فضل زينب بنت جحش أُمِّ المؤمنين (٩٩٠) قال أبو بكر البزَّار (١): ثنا علي بن نصر ومحمد بن معمر -واللفظ له- قالا: ثنا وهب بن جرير، ثنا شعبة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشَّعبي، عن عبد الرحمن بن أَبْزَى: أنَّ عمرَ كَبَّر على زينب بنت جحش أربعًا، ثم أَرسَلَ إلى أزواجِ رسولِ الله ﷺ : مَن يُدخِلُ هذه قبرَها؟ فقلن: مَن كان يَدخُلُ عليها في حياتها. ثم قال عمرُ: كان رسولُ الله ﷺ يقول: «أسرَعُكُنَّ بِي لُحُوقًا، أَطولُكُنَّ يدًا»، فكنَّ يتطاولن بأيديهنَّ، وإنما كان ذاك أنها كانت صَنَاعًا تعينُ بما تَصنعُ في سبيل الله. ثم قال: قد روي من وجوه عن النبيِّ ﷺ (٢)، ولم يَروه أجلَّ من عمرَ، ورواه غير واحد عن إسماعيل، عن الشَّعبي مرسلاً، وتفرَّد برفعه وهب بن

стр. 1264

جرير، عن شعبة، عن إسماعيل (١).

стр. 1265

أثر في فضل غُضَيف بن الحارث الكندي (٩٩١) قال أسد بن موسى: ثنا حماد بن سَلَمة، عن بُرد أبي العلاء، عن عُبادة بن نُسَي: أنَّ عمرَ بن الخطاب قال لغُضيف بن الحارث: نِعْمَ الفتى غُضَيفُ. فعَلِمَهُ أبو ذرٍّ، فقال: يا غُضيفُ، استغفِرْ لي. فقال: أنت صاحبُ رسول الله ﷺ ، وأنت أحقُّ أن تستغفِرَ لي. قال أبو ذرٍّ: فإنِّي سَمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: «إنَّ اللهَ ضَرَبَ الحقَّ على لسان عمرَ يقولُ به»، وإنِّي سَمِعتُ عمرَ يقول: نِعْمَ الفتى غُضَيف. فاستغفِرْ لي. فاستغفَرَ له (١).

стр. 1266

غُضَيف بن الحارث هذا: صحابي (١)، فيما حكاه ابن أبي حاتم (٢)، ويكنى بأبي أسماء السَّكُوني ... (٣).

стр. 1267

/ (ق ٤٠٦) أثر (١) في فضل عمرو بن الأسود العَنَسي الشَّامي أحد التابعين العابدين الناسكين الزَّاهدين ﵀ (٩٩٢) قال الإمام أحمد في «المسند» (٢): ثنا أبو اليَمَان، ثنا أبو بكر، عن حكيم بن عمير وضَمرة بن حبيب، قالا: قال عمرُ بن الخطاب ﵁: مَن سَرَّه أن يَنظُرَ إلى هَدْي رسولِ الله ﷺ ؛ فليَنظُرْ إلى هَدْي عمرو بن الأسود. فيه انقطاع بين حكيم بن عمير وضَمرة بن حبيب العنسيَيْن الشَّاميَيْن الحمصيَيْن وبين عمرَ بن الخطاب، فإنهما لم يُدركاه، لكن هذا ممَّا يؤخذ عنهم (٣)، فإنهما من قبيلة عمرو بن الأسود وبَلدِهِ، وهما من الثقات، فهذا عندهما من المشهورات، وكأنَّ عمرَ ﵁ رآه بالشَّام لمَّا قَدِمَها في فتح بيت المقدس، والله أعلم.

стр. 1268

حديث في فضل أُويس بن عامر القَرَني أحد التابعين ﵀ (٩٩٣) قال الإمام أحمد في «المسند» (١): حدثنا عفَّان، حدثنا حماد بن سَلَمة، عن سعيد الجُرَيري، عن أبي نَضرة، عن أُسَير بن جابر، قال: لمَّا أَقبل أهلُ اليمن جعل عمرُ ﵁ يَستَقري الرِّفاقَ، فيقول: هل فيكم أحدٌ من قَرَن؟ حتى أتى على قَرَن، فقال: من أنتم؟ قالوا: قَرَن. فوقع زمامُ عمر، أو زمام أُوَيس، فناوَلَه -أو ناول أحدُهما الآخر- فعَرَفَه. فقال عمرُ: ما اسمُك؟ قال: أنا أُوَيس. قال: هل لك والدةٌ؟ قال: نعم. قال: فهل كان بك من البياض / (ق ٤٠٧) شيءٌ؟ قال: نعم، فدَعَوتُ الله فأَذْهَبَهُ عنِّي إلا موضعَ الدرهمِ من سُرَّتِي لأذكُرَ به لِرَبِّي (٢). قال له عمر: استَغفِرْ لي. قال: أنت أحقُّ أن تستغفِرَ لي، أنت صاحبُ رسول الله ﷺ . فقال عمرُ: إنِّي سَمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: «إنَّ خيرَ التابعين رجلٌ يقالُ له: أُوَيسٌ، وله والدةٌ، وكان به بَيَاضٌ، فدعا اللهَ فأَذْهَبَهُ عنه إلا موضعَ الدرهمِ في سُرَّتِهِ». فاستغفَرَ له، ثم دخل في غمارِ الناسِ، فلم يَدْرِ أين وَقَع. قال: فقَدِمَ الكوفةَ. قال: فكنَّا نجتمعُ في حَلْقة فنَذكُرُ اللهَ فيَجلسُ معنا، فكان إذا ذَكَر هو وَقَع حديثُهُ في قلوبنا مَوقِعًا لا يَقعُ حديثُ غيرِهِ ... ، فذَكَر الحديث. هكذا رواه الإمام أحمد مختصرًا.

стр. 1269

وقد رواه الإمام الحافظ مسلم بن الحجَّاج القشيري ﵀ في «صحيحه» (١) مطوَّلاً جدًّا، فقال: (٩٩٤) حدثنا محمد بن المثنَّى، ثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن قتادة، عن زُرَارة بن أَوْفَى، عن أُسَير بن جابر قال: كان عمرُ بن الخطاب إذا أتى عليه أمدادُ أهلِ اليمنِ سألهم: أيُّكم (٢) أُوَيس بن عامر؟ حتى أتى على أُوَيسٍ، فقال: أنت أُوَيسُ بن عامر؟ قال: نعم. قال: من مُراد ثم من قَرَن؟ قال: نعم (٣). قال: ألك والدةٌ؟ قال: نعم. قال: سَمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: «يأتي عليكم أُوَيسُ بن عامر مع أمدادِ أهلِ اليمنِ، من مُراد، ثم من قَرَن، كان به بَرَصٌ فبَرِأَ منه إلا موضعَ درهمٍ، له والدةٌ هو بها بَرٌّ، لو أَقسَمَ على اللهِ لأَبرَّه، فإن استطعتَ أن يَستغفِرَ لك فافعل». فاستغفِرْ لي. فاستغفَرَ له. فقال له عمر: أين تريدُ؟ قال: الكوفةَ. قال: ألا أَكتبُ لك إلى عاملها؟ قال: أكونُ في غَبرَاءَ الناسِ أحبُّ إليَّ. قال: فلمَّا كان من العام المقبل حجَّ رجلٌ من أشرافهم، فوافَقَ عمرَ، فسأله عن أُوَيس، فقال: تَرَكتُهُ رَثَّ الهيئةِ (٤)، قليلَ المتاعِ. قال: سَمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: «يأتي عليكم أُوَيسُ بن عامرٍ مع أمدادِ أهلِ اليمنِ، من مُراد، ثم من قَرَن، كان به بَرَصٌ، فبَرِأَ منه إلا موضعَ درهمٍ، له والدةٌ / (ق ٤٠٨) هو بها بَرٌّ، لو أَقسَمَ على اللهِ لأَبرَّهُ، فإن استطعتَ أن يَستغفِرَ لك فافعل». فأتى أُوَيسًا، فقال: استغفِرْ لي. قال: أنت أحدثُ عهدًا بسَفَرٍ صالحٍ،

стр. 1270

فاستغفِرْ لي. قال: استغفِرْ لي. قال: لَقِيتَ عمر؟ قال: نعم. قال: فاستغفَرَ له. قال: ففَطِنَ له الناسُ، فانطَلَق على وجهِهِ. قال أُسَير: وكَسَوتُهُ بُردَةً، وكان كلُّ من رآه قال: من أين لأُويسٍ هذه البُردةُ؟ (٩٩٥) ثم قال مسلم (١): ثنا محمد بن المثنَّى، ثنا عفَّان، ثنا حماد بن سَلَمة، عن سعيد الجُرَيري، عن أبي نَضرة، عن أُسَير بن جابر، عن عمرَ بن الخطاب ﵁ قال: سَمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: «إنَّ خيرَ التابعين رجلٌ يقال له: أُوَيسٌ، وله والدةٌ، وكان به بَيَاضٌ، فمُرُوهُ فليستغفِرْ لكم». / (ق ٤٠٩) هكذا أورد حديث أُويس الشيخ أبو الفرج ابن الجوزي في كتابه «جامع المسند» (٢) من كتاب مسلم من هذين الوجهين، ولم يَسقه من «مسند الإمام أحمد»، ولا عَزَاه إليه. وقد قال شيخنا الحافظ أبو الحجَّاج المزِّي في كتابه «الأطراف» (٣): حديث أُويس القَرَني بطوله، رواه مسلم في الفضائل عن زُهَير بن حرب، عن أبي النَّضر هاشم بن القاسم، عن سليمان بن المغيرة، عن أبي نَضرة (٤). وعن إسحاق بن إبراهيم ومحمد بن المثنَّى وبُندَار. ثلاثتهم عن معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة، عن زُرَارة بن أَوْفَى.

стр. 1271

كلاهما عن أُسَير بن جابر، عن عمرَ، به. وعن زُهَير بن حرب، عن عفَّان (١) عن حماد بن سَلَمة، عن سعيد الجُرَيري، عن أبي نَضرة، به مختصرًا. انتهى كلامه، وفيه مخالفة لابن الجوزي، والله أعلم. وقال الإمام علي ابن المديني -وقد رواه من طرق-: هذا حديث بصري، لم نَجِدْ لأهل الكوفة فيه حديثًا مثل ما رواه أهل البصرة. قلت: تفرَّد بهذا الحديث عن أمير المؤمنين عمرَ بن الخطاب أُسَيرُ، ويقال: -يُسَير- بن جابر، ويقال: ابن عمرو -أبو الخيار المحاربي- ويقال: العَبدي، ويقال: الكِندي، ويقال: الدَّرمَكي، ويقال: القِتباني- البصري، روى عن عمرَ وسهل بن حُنَيف وخُرَيم بن فَاتِك وأبي مسعود البدري، وروى عنه جماعة، منهم: ابنه قيس، وأبو إسحاق الشَّيباني، ومحمد بن / (ق ٤١٠) سيرين، وأبو عمران الجَوْني. قال علي ابن المديني: أُسَير بن جابر هذا من أصحاب ابن مسعود، روى عنه أهل البصرة، سَمِعتُ سفيانَ بن عيينة يقول: قَدِمَ أُسَير بن جابر البصرةَ، فجعل يحدِّثهم، فقالوا: هذا هكذا! فكيف النَّهر الذي شرب منه؟! -يعنون: عبد الله بن مسعود-، أي: أنه منه أخذ العلمَ. قال علي: وأهل البصرة يقولون: أُسَير بن جابر، وأهل الكوفة يقولون: أُسَير بن عمرو، ومنهم من يقول: يُسَير. وقال العوَّام بن حَوشب: وُلِدَ في مُهاجَرِ النبيِّ ﷺ إلى المدينة، ومات سنة خمس وثمانين، وقد روى له البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي.

стр. 1272

طريق أخرى لحديث أُوَيس القَرَني (٩٩٦) قال الحافظ أبو يعلى الموصلي (١): ثنا هُدبة بن خالد أبو خالد، ثنا مبارك بن فَضَالة، حدثني أبو الأصفر، عن صَعْصَعَة بن معاوية، قال: كان أُوَيس بن عامر رجلٌ (٢) من قَرَن، وكان من أهل الكوفة، وكان من التابعين، وخَرَج به وَضَحٌ (٣)، فدَعَا اللهَ أن يُذهِبَهُ، فأَذهَبَهُ، فقال: اللهمَّ دَعْ في جسدي منه ما أذكرُ به نِعَمَكَ عليَّ، فتَرَك له ما يَذكرُ به نِعَمَهُ عليه، وكان رجلاً يلزم المسجدَ في ناسٍ من أصحابه، وكان ابنُ عمٍّ له يلزمُ السُّلطانَ، يَولَعُ به (٤)، فإنْ رآه مع قومٍ أغنياءَ قال: ما هو إلا أن / (ق ٤١١) يَستأكِلُهُم! وإنْ رآه مع قومٍ فقراءَ قال: ما هو إلا أن يَخدَعُهُم! وأُوَيس لا يقولُ في ابنِ عمِّه إلا خيرًا، غيرَ أنه إذا مَرَّ به استَتَرَ منه مخافةَ أن يأثمَ في سَبِّه. وكان عمرُ بن الخطاب يسألُ الوفودَ إذا قَدِموا عليه من الكوفة: هل تعرفون أُوَيسَ بن عامر القَرَني؟ فيقولون: لا. فقَدِمَ وَفدٌ من أهل الكوفة، فيهم ابنُ عمِّه ذاك، فقال: هل تعرفون أُوَيس بن عامر القَرَني؟ قال ابن عمِّه: يا أميرَ المؤمنين، هو ابن عمِّي، وهو رجلٌ نَذلٌ فاسدٌ، لم يَبلُغْ ما إن تَعرفُهُ أنت يا أميرَ المؤمنين. فقال له عمر: ويلكَ هَلَكتَ، ويلكَ هَلَكتَ، إذا أتيتَهُ فأَقرئْهُ منِّي السَّلامَ، ومُرْهُ فَليَفِدْ إليَّ. فقَدِمَ الكوفةَ، فلم يَضَع ثيابَ سَفَرِهِ عنه حتى أتى المسجدَ، قال: فرأى أُوَيسًا،

стр. 1273

فلَمَّ به (١)، فقال: استغفِرْ لي يا ابنَ عمِّي. قال: غَفَرَ اللهُ لك يا ابنَ عمِّ. قال: وأنت يَغفِرُ اللهُ لك يا أُوَيسَ بن عامر، أميرُ المؤمنينَ يُقرِئُكَ السَّلامَ. قال: ومَن ذَكَرني لأمير المؤمنين؟ قال: هو ذَكَركَ، وأَمَرني أن نُبلِّغك أن تَفِدَ إليه. قال: سمعًا وطاعةً لأمير المؤمنين. فوَفَد إليه حتى دخل على عمرَ ﵁، فقال: أنت أُوَيسُ بن عامر؟ قال: نعم. قال: أنت الذي خَرَج بك وَضَحٌ فدَعَوتَ اللهَ أن يُذهِبَهُ عنك، فأَذَهَبَهُ؟ فقلتَ: اللهمَّ دَعْ في جسدي منه ما أَذكُرُ به نعمتَكَ عليَّ. فتَرَك لك في جسدك ما تَذكُرُ به نعمتَهُ عليك. / (ق ٤١٢) قال: وما أدراك يا أميرَ المؤمنين؟ فواللهِ ما اطَّلعَ على هذا بشرٌ. قال: أخبَرَنا رسولُ الله ﷺ أنه سيكونُ في التابعين رجلٌ من قَرَن، يقال له: أُوَيس بن عامر، يَخرجُ به وَضَحٌ يَدعو اللهَ تعالى أن يُذهِبَهُ عنه، فيُذهِبَهُ، فيقول: اللهمَّ دَعْ لي في جسدي ما أَذكُرُ به نعمتَكَ عليَّ، فيَدَعُ له منه ما يَذكُرُ به نعمتَهُ عليه، فمن أدركه منكم فاستطاع أن يَستغفِرَ له؛ فليَستغفِرْ له. فاستغفِرْ لي يا أُوَيسَ بن عامر! فقال: غَفَرَ اللهُ لك يا أميرَ المؤمنين. قال: وأنت يغفِرُ اللهُ لك يا أُوَيسَ بن عامر. قال: فلمَّا سمعوا عمرَ قال عن النبيِّ ﷺ ، قال رجلٌ: استغفِرْ لِي يا أُوَيس، وقال آخر: استغفِرْ لِي يا أُوَيس، فلمَّا كَثَروا عليه انسَابَ، فما رُئِيَ حتى السَّاعةَ. وهذا إسناد حسن، إلا أنَّ أبا الأصفر هذا لا أعرفه (٢)، ولم يَذكره أبو

стр. 1274

حاتم الرازي، فأمَّا صَعْصَعَة بن معاوية التَّميمي هذا فصحابي (١)، وهو أخو جَزء بن معاوية عمّ الأحنف بن قيس ﵃. طريق أخرى (٩٩٧) روى الحافظ أبو بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي في «مسند عمر» من حديث مُعَلِّل بن نُفَيل، ثنا محمد بن مِحصَن، عن إبراهيم بن أبي عَبلة، عن سالم، عن أبيه، عن جدِّه، قال: قال رسولُ الله ﷺ : «يا عمرُ، إذا رأيتَ أُوَيسًا القَرَني، فقل له فليستغفِرْ لك، فإنَّه يَشفعُ يومَ القيامةِ في مثلِ / (ق ٤١٣) ربيعةَ ومُضَرَ، بين كَتِفَيهِ علامةً مثلَ الدرهمِ». هذا منكر جدًّا من هذا الوجه، ومخالف لما تقدَّم، ومحمد بن مِحصَن هذا هو محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن عكَّاشة بن مِحصَن العُكَّاشي، كذَّبه يحيى بن معين وأبو حاتم الرازي، وضعَّفه باقي الأئمَّة (٢). ولنذكر ترجمة أُوَيس القَرَني ليُعرَفَ حاله، وبالله المستعان، فإنه قد نَقَل الحافظ أبو أحمد ابن عدي (٣) عن الإمام مالك بن أنس أنه كان يُنكرُ وجودَ أُوَيس، يقول: لم يَكُن. وقال البخاري (٤): في إسناده نظر فيما يَرويه. وقال ابن عدي: ليس له من الرواية شيء، إنما له حكايات ونُتَفٌ في زُهده، ولا يَتهَيَّأُ أن نحكمَ عليه بالضعف، بل هو صدوق، وقد شُكَّ في وجوده، وهو مشهور.

стр. 1275

وأمَّا الحافظ أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني، فإنه قال في كتابه «حلية الأولياء» (١): فمن الطبقة الأولى من التابعين سيِّد العُبَّاد، وعَلَم الأَصفياء من الزُّهاد، أُوَيس بن عامر القَرَني، بَشَّر النبيُّ ﷺ به، وأوصى به، ثم روى حديثَ عمرَ من رواية أبي نَضرة، عن أُسَير بن جابر عنه، كما تقدَّم، وفيه زيادات، وعَزَاه إلى «صحيح مسلم»! ثم قال (٢): ورواه الضَّحَّاك بن مُزَاحم، عن أبي هريرة بزيادة ألفاظ لم يُتابِعه أحدٌ عليها، تفرَّد به مَخلد (٣) بن يزيد، عن نوفل بن عبد الله، عنه، ثم أَسنَدَه كذلك / (ق ٤١٤)، وفيه: أنَّ رسولَ الله ﷺ ذَكَر لأصحابه يومًا أُوَيسًا، فقالوا: يا رسولَ الله، وما أُوَيس؟ قال: «أَشهَلُ (٤)، ذا صُهُوبَةٍ (٥)، بعيدُ ما بين المَنكِبَين، مُعتَدِلُ القَامَةِ، آدمٌ شديدُ الأُدمَةِ (٦)، ضارِبٌ بذَقنِهِ إلى صَدرِهِ، رَامٍ (بِبَصَرِهِ) (٧) إلى موضعِ سُجُودِهِ واضعٌ يمينَه على شمالِه يَتلُو القرآنَ، يَبكي على نفسِهِ، ذُو طِمرَين (٨) لا يُؤبَهُ له، مُتَّزِرٌ بإزارِ صُوف، ورداءِ صُوف، مجهولٌ في أهلِ الأرضِ، معروفٌ في السماءِ، لو أَقسَمَ على اللهِ لأَبَرَّ قَسَمَهُ، ألا وإنَّ تحت مَنكِبِهِ الأيسرِ لُمعةً بيضاءَ، ألا وإنَّه إذا كان يومُ القيامةِ قيل للعُبَّاد: ادخُلُوا الجنَّةَ، ويقال

стр. 1276

لأُوَيس: قِف فاشفَعْ، فيُشفِّعُهُ اللهُ في مثلِ عددِ ربيعةَ ومُضَر، يا عمرُ، ويا عليُّ، إذا أنتما لَقِيتُمَاهُ فاطلُبَا إليه يستغفِرْ لكما، يَغفِرُ اللهُ لكما». قال: فمكثا يطلبانه عشر سنين لا يَقدران عليه، فلمَّا كان في آخر السَّنَة التي هَلَك فيها عمرُ في ذلك العام، قام على أبي قُبَيس، فنادى بأعلى صوته: يا أهل الحجيج من أهل اليمن، أفيكم أُوَيس من مُراد؟ فقام شيخ كبير، طويل اللِّحية، فقال: إنَّا لا ندري مَن أويس؟ ولكن ابن أخ لي يقال له: أُوَيس، وهو أخملُ ذِكرًا، وأقلُّ مالاً، وأهونُ أمرًا من أن نَرفعُهُ إليك، وإنه ليرعى إبلَنَا، حقيرٌ بين أظهرنا، وإنه بأراكِ عرفات ... ، وذَكَر تمام الحديث في اجتماع عمر وعليّ به، وهو يرعى الإبل، وسؤالهما إيَّاه / (ق ٤١٥) الاستغفار، وعَرْضهما عليه شيئًا من المال وإبائه عليهما ذلك. وهو حديث يَسبق إلى القلب -بعد النظر وقبله- أنه موضوع، والله أعلم. (٩٩٨) ثم روى الحافظ أبو نعيم (١) من طرق، عن هَرِم بن حيَّان قال: قَدِمْتُ الكوفةَ فلم يكن لي هَمٌّ إلا أُوَيس أسألُ عنه، فدُفِعتُ إليه بشاطئ الفرات، يتوضَّأ ويغسل ثوبه، فعَرَفتُهُ بالنَّعت، فإذا رجلٌ آدم، محلوقُ الرأس، كَثُّ اللِّحية، مهيبُ المنظر، فسَلَّمتُ عليه، ومَدَدتُ إليه يدي لأُصافِحَهُ، فأَبَى أن يصافِحَني، فخَنَقَتني العبرةُ لما رأيتُ من حاله، فقلتُ: السَّلام عليك يا أُوَيس، كيف أنت يا أخي؟ قال: وأنت فحيَّاك اللهُ يا هَرِمُ بن حَيَّان، مَن دَلَّك عليَّ؟ قلت: اللهُ ! قال:

стр. 1277

سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولاً. قلت: يرحمك الله، من أين عرفتَ اسمي واسمَ أبي؟! فواللهِ ما رأيتُك قطُّ ولا رأيتني. قال: عَرَفَت رُوحي رُوحَكَ حيث كَلَّمَت نفسي نفسَكَ، لأنَّ الأرواح لها أنفس كأنفس الأجساد، وإنَّ المؤمنين يتعارفون بروح الله وإن نَأَت بهمُ الدَّار وتفرَّقت بهم المنازل. قال: قلت: حدِّثني عن رسولِ الله ﷺ بحديث أحفظه عنك، فبكى، وصلَّى على النبيِّ ﷺ ، ثم قال: إنِّي لم أُدرك رسولَ الله ﷺ ، ولكن قد رأيتُ من رآه، عمرَ وغيرَه (١)، ولستُ أحبُّ أن أفتحَ هذا الباب على نفسي، لا أحبُّ أن أكونَ قاصًّا (٢)، أومُفتيًا. / (ق ٤١٦) ثم سأله هَرِمُ أن يتلو عليه شيئًا من القرآن، فتلا قولَه تعالى: ﴿إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين. يوم لا يغني مولى عن مولى شيئاً ولا هم ينصرون. إلا من رحم الله إنه هو العزيز الرحيم﴾ (٣). ثم قال: ياهَرِمُ بن حيَّان، مات أبوك، ويوشك أن تموتَ، فإمَّا إلى جنَّة وإمَّا إلى نار، ومات آدم، وماتت حوَّاء، ومات إبراهيم، وموسى، ومحمد ﵈، ومات أبو بكرٍ خليفة المسلمين، ومات أخي وصديقي وصفيِّي عمر، واعمراه، واعمراه. قال: وذلك في آخر خلافة عمر. قال: قلت: يَرحمُك اللهُ، إنَّ عمرَ لم يمت! قال: بلى، إنَّ ربِّي قد نَعَاه لي! وقد علمتُ ما قلتَ، وأنا وأنت غدًا في الموتى، ثم دعا بدعواتٍ خفيفاتٍ ... ، وذَكَر بقيَّة القصَّة (٤).

стр. 1278

(٩٩٩) وقال عبد الله بن أحمد (١): ثنا أحمد بن إبراهيم، ثنا إبراهيم بن عيَّاش، ثنا ضَمرة، عن أصبغ بن زيد، قال: إنما مَنَع أُوَيسًا أن يَقدَمَ على النبيِّ ﷺ بِرُّهُ بأُمِّه. (١٠٠٠) وقال عبد الله (٢): ثنا علي بن حكيم، أنا شريك، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: نادى رجلٌ من أهل الشَّام يومَ صِفِّين: أيُّكم أُوَيس القَرَني؟ قال: قلنا: نعم، وما تريدُ منه؟ قال: إنِّي سَمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: «أُوَيس القَرَني خيرُ التابعين بإحسانٍ». وعَطَف دابَّتَهُ، فدخل مع أصحاب عليٍّ ﵃ أجمعين. (١٠٠١) وقال أبو نعيم (٣): حدثني أبو بكر بن مالك، ثنا عبد الله بن أحمد (٤)، حدثني أبي وعبيد الله بن عمر قالا: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، ثنا عبد الله بن الأشعث بن / (ق ٤١٧) سوَّار، عن مُحارِب بن دِثَار (٥) قال: قال رسولُ الله ﷺ : «إنَّ من أُمَّتي مَن لا يستطيعُ أن يأتِيَ مسجدَهُ أو مُصلاَّهُ من العُرِي، يَحجُزُهُ إيمانُهُ أن يسألَ الناسَ، منهم أُوَيس القَرَني، وفُرَات بن حيَّان» (٦). (١٠٠٢) قال عبد الله (٧): وحدثني عثمان بن أبي شيبة، ثنا أبو بكر بن

стр. 1279

عيَّاش، عن مغيرة قال: إنْ كان أُوَيس القَرَني لَيَتَصدَّقُ بثيابه، حتى يجلسَ عريانًا لا يجدُ ما يروحُ فيه إلى الجمعة. (١٠٠٣) وقال أبو زرعة الرازي (١): ثنا سعيد بن أسد بن موسى، ثنا ضَمرة بن ربيعة، عن أصبغ بن زيد قال: كان أُوَيس القَرَني إذا أمسى يقول: هذه ليلةُ الرُّكوع، فيَركعُ حتى يُصبحَ، وكان يقول إذا أمسى: هذه ليلةُ السُّجود، فيَسجدُ حتى يُصبحَ، وكان إذا أمسى تَصَدَّق بما في بيته من الفضل من الطَّعام والشَّراب، ثم قال: اللهمَّ مَن مات جوعًا فلا تؤاخذني به، ومَن مات عُريًا فلا تؤاخذني. (١٠٠٤) وقال أبو نعيم (٢): ثنا مَخلد (٣) بن جعفر، ثنا محمد بن جرير، ثنا محمد بن حميد، ثنا زافر بن سليمان، عن شريك، عن جابر، عن الشَّعبي قال: مَرَّ رجلٌ من مُراد على أُوَيس القَرَني، فقال: كيف أصبحتَ؟ قال: أصبحتُ أحمدُ اللهَ . قال: كيف الزَّمانُ عليك؟ قال: كيف الزَّمانُ على رجلٍ إنْ أصبحَ ظنَّ أنَّه لا يُمسِي، وإنْ أمسى ظنَّ أنَّه لا يُصبِحُ، فمُبشَّر بالجنَّة، أو مُبشَّر بالنَّار، يا أخا مُراد، إنَّ الموتَ وذِكرَه لم يترك لمؤمنٍ / (ق ٤١٨) فَرَحًا، وإنَّ عِلمَهُ بحقوق الله لم يترك له في ماله فضَّةً ولا ذَهَبًا، وإنَّ قيامَه للهِ بالحقِّ لم يترك له صديقًا. (١٠٠٥) وقال الهيثم بن عدي (٤): ثنا عبد الله بن عمرو بن مُرَّة، عن

стр. 1280

أبيه، عن عبد الله بن سَلَمة، قال: غَزَونا أذربيجان زمنَ عمرَ بن الخطاب ومعنا أُوَيس القَرَني، فلمَّا رَجَعنا مَرِضَ علينا، فحَمَلناه، فلم يَستمسِك فمات، فنزلنا، فإذا قبر محفورٌ، وماءٌ مسكوبٌ، وكَفَنٌ، وحَنُوطٌ (١)، فغَسَّلناه، وكَفَّنَّاه، وصَلَّينا عليه، ودَفنَّاه، فقال بعضنا لبعض: لو رَجَعنا فعَلَّمنا قبرَه، فرَجَعنا، فإذا لا قبرٌ ولا أثرٌ. فهذا مخالف للخبر الذي تقدَّم من أنَّه كان بصِفِّين، وهو أصحُّ من هذا، فإنَّ الهيثم بن عدي أخباري ضعيف، وزَعَم بعضهم أنَّه مات بالحيرة. وقيل: بصِفِّين، والله أعلم. والغرض أنَّ هذه الآثار والأخبار تدلُّ على اشتهار وجوده في التابعين، مع ما تقدَّم من الحديث في «صحيح مسلم»، والله أعلم. وقد وقع لنا حديثٌ من رواية أُوَيس، عن النبيِّ ﷺ ، مرسلاً، وهو ما أخبرني به شيخنا الحافظ أبو الحجَّاج المزِّي: (١٠٠٦) أنا ابن أبي الخير سماعًا، أنا أبو المكارم أحمد بن محمد بن اللَّبَّان إجازة، أنا أبو علي بن الحدَّاد، أنا الحافظ أبو نعيم الأصبهاني في «الحلية» (٢) قال: ثنا عبد الله بن محمد بن جعفر، ثنا محمد بن يحيى، حدثني أحمد بن معاوية بن الهذيل، ثنا محمد بن أبان العَنْبري، ثنا عمرو -شيخ كوفي-، عن أبي سِنَان / (ق ٤١٩) قال: سَمِعتُ حميدَ بن صالح، سَمِعتُ أُوَيسًا القَرَني يقول: قال النبيُّ ﷺ : «احفظُونِي في أصحابي، فإنَّ من أشراطِ الساعةِ أن يلعَنَ آخرُ هذه الأُمَّةِ أوَّلَها، وعند ذلك يَقَعُ المقتُ

стр. 1281

على الأرضِ وأهلِها، فمن أدركَ ذلك فليَضَع سيفَهُ على عاتِقِه، ثم لِيَلقَ ربَّه تعالى شهيدًا، فمن لم يفعلْ فلا يلومنَّ إلا نفسَهُ». هذا حديث مرسل غريب (١)، وإسناده إليه غريب -أيضًا-، إلا أنه من الأسانيد العزيزة، والله أعلم.

стр. 1282

أثر فيه فضيلة لأبي مسلم الخَوْلاني ﵀ (١٠٠٧) قال الشيخ أبو عمر ابن عبد البر في «استيعابه» (١): ثنا عبد الوارث بن سفيان، ثنا قاسم بن أصبغ، ثنا أحمد بن زُهَير، ثنا عبد الوهاب بن نَجدة الحَوْطي، ثنا إسماعيل بن عيَّاش، ثنا شُرَحبيل بن مسلم الخَوْلاني: أنَّ الأسود بن قيس بن ذي الخمار تنبَّأَ باليمن، فبعث إلى أبي مسلم، فلمَّا جاء، قال: أتشهد أنِّي رسول الله؟ قال: ما أسمع. قال: أتشهد أنَّ محمدًا رسولُ الله؟ قال: نعم. فردَّد عليه، كلُّ ذلك يقول له مثل ذلك. قال: فأَمَر بنار عظيمة، فأُجِّجت، ثم ألقى فيها أبا مسلم فلم تضرَّه، قال: فقيل له: انفِهِ عنك، وإلا أفسدَ عليك مَن اتَّبعك. قال: فأَمَره بالرَّحيل، فأتى أبو مسلم المدينةَ، وقد قُبض رسولُ الله ﷺ ، واستُخلِفَ أبو بكرٍ ﵁، فأناخ أبو مسلم راحلتَهُ بباب المسجد ودخل المسجدَ، وقام إلى سارية يصلِّي، وبَصُر به عمرُ بن الخطاب ﵁، فقام إليه، فقال: ممَّن الرَّجل؟ قال: من أهل اليمن. قال: ما فَعَل الرَّجلُ الذي أَحرَقَهُ الكذَّاب بالنَّار؟ قال: ذاك عبد الله بن ثُوَب. قال: أنشدُك بالله أنت هو؟ قال: اللهمَّ نعم. قال: فاعتَنَقَهُ عمرُ وبكى، ثم ذهب حتى أجلَسَهُ بينه وبين أبي بكرٍ، وقال: الحمدُ لله الذي لم يُمتني حتى أراني في أمَّة محمد ﷺ مَن فُعِلَ به كما فُعِلَ بإبراهيمَ خليلِ اللهِ ﵇. هذا وإن كان فيه انقطاع، إلا أنه مشهور (٢).

стр. 1283

أثر آخر عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ فيه ذِكر أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ﵀ ومدحه والثَّناء عليه (١٠٠٨) قال الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب «دلائل النبوة» (١): أنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو حامد أحمد بن علي المقرئ، ثنا أبو عيسى الترمذي، ثنا أحمد بن إبراهيم، ثنا عفَّان بن مسلم، ثنا عثمان بن عبد الحميد بن لاحق، عن جُوَيرية بن أسماء، عن نافع (٢) قال: بَلَغنا أنَّ عمرَ بن الخطاب قال: إنَّ من ولدي رجلاً بوجهه شَينٌ يَلِي، فيملأُ الأرضَ عدلاً. قال نافع من قِبَلِهِ: ولا أَحسَبُهُ إلا عمرَ بن عبد العزيز. إسناده صحيح إلى نافع، وهو منقطع بينه وبين عمر، والظاهر أنه سَمِعَه من ابن عمرَ، عن عمرَ، فقد روى البيهقي -أيضًا- (٣) من حديث مبارك بن فَضَالة، عن عبيد الله، عن نافع قال: سَمِعتُ ابنَ عمر يقول كثيًرا: ليتَ شِعري، مَن هذا الذي مِن وَلَدِ عمرَ بن الخطاب في وجهِهِ علامةٌ، يملأُ الأرضَ عدلاً؟! ثم قال الترمذي / (ق ٤٢٠) في «التاريخ» أيضًا (٤): ثنا أحمد بن إبراهيم، أخبرني أبو داود، ثنا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سَلَمة، أنا عبد الله بن دينار، قال: قال ابن عمر: ياعجبًا، يَزعمُ الناسُ أنَّ الدُّنيا لن

стр. 1284

تنقضي حتى يَلِيَ رجلٌ من آل عمرَ، يَعملُ مثلَ عملِ عمرَ. قال: فكانوا يرونه بلال بن عبد الله بن عمر، وكان بوجهه (١)، فإذا هو عمر بن عبد العزيز، وأُمه ابنة عاصم بن عمر بن الخطاب ﵄. فلنذكر شيئًا من ترجمة أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن عبد العزيز (٢)، لِيُعرَفَ محلُّه من الدِّين، وسبب اتِّفاق الكلمة على الثَّناء عليه من السَّلف والخلف، فنقول، وبالله المستعان: هو أميرُ المؤمنين أبو حفص عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أُميَّة بن عبد شمس بن عبد مناف، القرشي الأُموي المدني ثم الدِّمشقي، الإمامُ العادل، والخليفةُ الصالح، المطيعُ للهِ ورسولِهِ ﵁ وأرضاه. وأُمُّه أُمُّ عاصم حفصة -وقيل: ليلى- بنت عاصم بن عمر بن الخطاب ﵁. قاله محمد بن سعد كاتب الواقدي وغيره. وكان من التابعين بإحسان. روى عن أنس بن مالك، وصلَّى أنسٌ خلفَه، وقال: ما رأيتُ أحدًا أشبَهَ صلاةً برسول الله ﷺ من هذا الفتى. وعن الرَّبيع بن سَبرة بن مَعبد الجُهَني (م) والسَّائب بن يزيد، وسعيد بن المسيَّب -وكان لا يُجاوِزُ فتياه لمَّا / (ق ٤٢١) كان نائبًا على المدينة- واستَوهَب من سهل بن سعد السَّاعدي قَدَحًا شَرِبَ منه رسولُ الله ﷺ ، فوَهَبَهُ له، وعن عامر بن سعد بن أبي وقَّاص، وعبد الله بن إبراهيم بن قارِظ (م س)، ويقال: إبراهيم بن عبد الله بن قارِظ (م)، وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب (د سي ق)، وعروة بن الزُّبَير (م س)، وعُقبة بن عامر الجُهَني (ت) -يقال: مرسل-، ومحمد بن

стр. 1285

عبد الله بن الحارث بن نوفل، ومحمد بن مسلم بن شهاب الزهري، ومات قبله، ونوفل بن مُساحق العامري، ويحيى بن القاسم بن عبد الله بن عمرو بن العاص، ويوسف بن عبد الله بن سلام (د)، وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام (ع)، وأبي سَلَمة بن عبد الرحمن بن عوف (س)، وخَوْلة بنت حكيم (ت) -مرسل-. وروى عنه: إبراهيم بن أبي عَبْلة (م)، وإبراهيم بن يزيد النصري، وإسماعيل بن أبي حكيم، وأيوب السَّخْتياني (د)، وتمَّام بن نَجيح، وتَوبة العَنْبري، ومولاه ثَرْوان أبو علي، والحكم بن عمر الرُّعَيني، وحميد الطَّويل، ورجاء بن حَيوة، ورُزَيق بن حيَّان الفَزَاري، ورَوْح بن جَنَاح، وأخوه زَبَّان بن عبد العزيز بن مِهران، وزياد بن حبيب، وسليمان بن داود الخَوْلاني، وصالح بن محمد زائدة أبو واقِد اللَّيثي الصَّغير (ق)، وصخر بن عبد الله بن حَرمَلَة المدلجي، وابنه عبد الله بن عمر بن عبد العزيز، وعبد الله بن العلاء بن زَبْر، وعبد الله بن محمد العَدَوي، وابنه عمر بن عبد العزيز، وعبد الملك / (ق ٤٢٢) بن الطُّفيل الجَزَري (س) -فيما كَتَب إليهم- وعثمان بن داود الخَوْلاني، وعمر بن عبد الملك الكناني، وعمرو بن عامر الأسدي والد أسد بن عمرو القاضي، وعمرو بن مهاجر (ي)، وعمير بن هانئ العَنْسي، وعَنْبسة بن سعيد بن العاص (خ م) -قوله في القَسَامة- وعيسى بن أبي عطاء الكاتب، وغَيْلان بن أنس (ي)، وكاتبه ليث بن أبي رُقيَّة الثَّقَفي (خد)، وأبو هاشم مالك بن زياد الحمصي، ومحمد بن الزُّبير الحنظلي (مد)، ومحمد بن أبي سُوَيد الثَّقَفي (ت)، وقاصُّه محمد بن قيس (س)، ومحمد بن مسلم بن شهاب الزهري (م س) -وهو من شيوخه-، ومحمد بن المنكدر، ومروان بن جَناح، ومسلمة بن عبد الله

стр. 1286

الجُهَني، وابن عمِّه مسلمة بن عبد الملك بن مروان، والنَّضر بن عربي (د)، وكاتبه نعيم بن عبد الله بن همام القَيْني (س)، ونوفل بن الفُرَات، ومولاه هلال أبو طعمة (د سي ق)، والوليد بن هشام المُعَيطي (خد)، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ويزيد بن عبد الرحمن بن أبي مالك، ويعقوب بن عُتبة بن المغيرة بن الأخنس (د)، وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم (ع)، وأبو سَلَمة بن عبد الرحمن (م س) -وهو من شيوخه- وأبو الصَّلت (د). ذَكَره الإمام محمد بن سعد (١) كاتب الواقدي في الطبقة الثالثة من تابعي أهل المدينة، قال: وأُمُّه أُمُّ عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب. قالوا: وُلِدَ في سنة ثلاث وستين، وهي السَّنة التي ماتت فيها ميمونة أُمِّ المؤمنين. قال: وكان ثقة مأمونًا، له فقه وعلم ووَرَع، وروى حديثًا كثيرًا، وكان إمام عَدل. / (ق ٤٢٣) وقال الفلاَّس وخليفة: وُلِدَ سنة إحدى وستين. وهذا هو المشهور. قال الفَلاَّس: ومات يوم الجمعة لعشر بقين من رجب سنة إحدى ومائة. وكذا قال أبو نعيم الفضل بن دُكَين، وأبو مُسْهِر الغَسَّاني، وغير واحد أنه مات في رجب سنة إحدى ومائة. وزَعَم الهيثم بن عدي أنه مات سنة اثنتين ومائة، وليس بشيء.

стр. 1287

قال الفلاَّس: وكانت خلافته سنتين وخمسة أشهر وخمسة عشر يومًا. وقال سعيد بن كثير بن عُفَير: كان أسمرَ، دقيقَ الوجه، حَسَنَهُ، نحيفَ الجسم، حسنَ اللِّحية، غائرَ العينين، بجبهته أثرُ نفحة دابة، قد وَخَطَهُ الشَّيبُ. وقال إسماعيل بن علي الخُطَبي: رأيتُ صفتَهُ في بعض الكتب ... ، فذَكَر مثل هذا، إلا أنَّه قال: كان أبيضَ، فالله أعلم. فأمَّا الأثر الذي كان بجبهته، وهو الذي وَصَفه أميرُ المؤمنين عمرَ بن الخطاب: (١٠٠٩) فقال آدم بن أبي إياس، عن ضَمرة بن ربيعة: ثنا أبو علي ثَرْوان مولى عمر بن عبد العزيز قال: دخل عمرُ بن عبد العزيز إلى اصطبل أبيه وهو غلام، فضَرَبه فرسٌ فَشَجَّه، فجعل أبوه يمسح عنه الدَّمَ، ويقول: إن كنتَ أشجَّ بني أُميَّة إنك إذًا لسعيدٌ. وأمَّا بشارةُ عمرَ ﵁ بولاية عمر بن عبد العزيز، وأنه سَيَملأُ الأرضَ عدلاً كما مُلِئَت جَوْرًا، فقد كان هذا مشهورًا في الملاحم. (١٠١٠) قال أبو بكر ابن أبي خيثمة (١): ثنا أبي، ثنا المُفضَّل بن عبد الله، عن داود / (ق ٤٢٤) بن أبي هند قال: دخل علينا عمرُ بن عبد العزيز من هذا الباب -يعني بابًا من أبواب مسجد النبيِّ ﷺ فقال رجلٌ من القوم: بعث إلينا الفاسقُ بابنه هذا يتعلَّم الفرائضَ والسُّننَ، ويزعم أنَّه لن يموتَ حتى يكونَ خليفةً، ويسيرُ بسيرة عمرَ بن الخطاب. قال داود: فوالله ما مات حتى رأينا ذلك فيه.

стр. 1288

قلت: وكان أبوه عبد العزيز بن مروان من خيار الأمراء كَرَمًا وشجاعةً ودِينًا، ولم يكن فاسقًا كما زَعَم هذا القائل، وكان نائبًا لأخيه عبد الملك بن مروان على مُلك مصر، وكان قد بعث بابنه إلى الحجاز يتعلَّم العلمَ من الفقهاء بها، وكان قد أدَّبه قبل ذلك على صالح بن كَيسان، فقال عنه صالح لأبيه: ما رأيتُ أحدًا اللهُ أعظمُ في صدره من هذا الغلام. وقال الإمام مالك: كان عمرُ بن عبد العزيز بالمدينة قبل أن يُستَخلَفَ وهو يُعنىَ بالعلم، ويحفر عنه، ويجالسُ أهلَهُ، ويَصدرُ عن رأي سعيد بن المسيّب، وكان سعيدٌ لا يأتي أحدًا من الأمراء غيرَ عمرَ، أرسَلَ إليه عبد الملك فلم يأته، وأرسَلَ إليه عمرُ فأتاه، وكان عمرُ يكتب إلى سعيد في عِلْمِهِ. وقال أبو زرعة الدِّمشقي: عن دُحيم، عن ابن وهب، عن عبد الجبار الأَيْلي، عن إبراهيم بن أبي عَبْلة قال: قَدِمْتُ المدينةَ وبها ابنُ المسيّب وغيرُه، وقد بَذَّهم (١) عمرُ يومئذ رأيًا. (١٠١١) وقال محمد بن سعد (٢): أنا محمد بن عمر، حدثنا عبد الرحمن / (ق ٤٢٥) بن أبي الزِّناد، عن أبيه قال: لما قَدِمَ عمرُ بن عبد العزيز المدينةَ واليًا عليها، كَفَّ حاجبُهُ الناسَ، ثم دخلوا، فسلَّموا عليه، فلمَّا صلَّى الظهرَ دعا عشرةَ نَفَرٍ من فقهاء البلد: عروة بن الزُّبير، وعبيد الله بن عبد الله بن عُتبة، وأبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وأبا بكر بن سليمان بن أبي حثمة، وسليمان بن يَسَار، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله، وعبد الله بن عامر بن ربيعة، وخارجة بن زيد

стр. 1289

بن ثابت (١)، فحَمِدَ اللهَ، وأثنى عليه بما هو أهلُهُ، ثم قال: إنِّي أَدعوكم لأمر تؤجرون عليه، وتكونون فيه أعوانًا على الحقِّ، ما أريدُ أن أقطعَ أَمرًا إلا برأيكم، أو برأي من حضر من منكم (٢)، فإن رأيتم أحدًا يتعدَّى، أو بَلَغكم عن عاملٍ ظُلامة، فأُحرِّج بالله على أحد بَلَغَهُ ذلك إلا أبلغني، فَجَزَوه خيرًا، وافتَرَقوا. وقال ابن وهب، عن اللَّيث: حدَّثني قادِمٌ البربري أنه ذاكر ربيعةَ بنَ أبي عبد الرحمن شيئًا من قضاء عمر بن عبد العزيز إذ كان بالمدينة، فقال له ربيعة: كأنك تقول: إنه أخطأ، والذي نفسي بيده ما أخطأ قطُّ. قلت: وقد رأيتُ في بعض الكتب العتيقة حكايةً مرسلةً عن الإمام أحمد بن حنبل أنه قال: لستُّ أحتجُّ بقول أحدٍ من التابعين إلا بقولِ عمرَ بن عبد العزيز ﵀. هذا الكلام صحيح من وجهين عند كثير من علماء الأصول: أحدهما: أنَّ إجماع أهل المدينة حجَّة؛ لأنه قد اتفق مع فقهاء عصره (٣) / (ق ٤٢٦) على ألا يحكم إلا بقولهم، وهو وَهُم أهلُ الحلِّ والعقد، وعليهم تدور الفتاوى في زمانهم ﵏. الثاني: أنَّ قول الإمام إذا اشتَهَر ولم يُنكَر يكون حجَّة بخلاف غيره من

стр. 1290

العلماء، وهو اختيار بعض علماء الأصول، ولم تكن هذه الخاصَّة إلا لعمر بن عبد العزيز من بين التابعين ﵏. وقال علي بن حرب: عن سفيان بن عيينة قال مجاهد: أتيناه نُعلِّمه، فما بَرحنا حتى تعلَّمنا منه. قال: وقال ميمون بن مِهران: ما كانت العلماء عند عمر بن عبد العزيز إلا تلامذة. وقال البخاري (١): وقال موسى: ثنا نوح بن قيس قال: سَمِعتُ أيوب يقول: لا نعلم أحدًا ممَّن أدركنا كان آخَذَ عن نبيِّ الله ﷺ منه. يعني: عمر بن عبد العزيز. وقال خُصيف: ما رأيت رجلاً خيرًا منه. وقال محمد بن علي بن الحسين أبو جعفر الباقر: إنَّ لكلِّ قوم نَجِيبة، وإنَّ نَجِيبة بني أُميَّة عمر بن عبد العزيز، وإنه يُبعث يوم القيامة أُمَّةً وحدَه. وقال ضَمرة بن ربيعة (٢)، عن السَّريِّ بن يحيى، عن رَيَاح بن عَبيدة: خَرَج عمرُ بن عبد العزيز إلى الصلاة، وشيخ متوكئ على يده، فقلت في نفسي: إنَّ هذا لشيخ جاف. فلمَّا صلَّى ودخل لَحِقتُهُ، فقلت: أصلح اللهُ الأمير، مَن الشيخ الذي يتَّكئُ على يدك؟ قال: يا رَيَاحُ رأيتَهُ؟ قلت: نعم. قال: ما أَحسَبُكَ يا رَيَاحُ إلا رجلاً صالحًا، ذاك أخي الخَضِر، / (ق ٤٢٧) أتاني فأَعلَمَني أنِّي سأَلِي أمرَ هذه الأُمَّة، وأنِّي سأَعدِلُ فيها. هذه حكاية غريبة جدًّا، ولم أر للخَضِر ذِكرًا أَصحُّ منها إن كانت محفوظة، والله أعلم.

стр. 1291

والغرض أنَّه ﵁ أقام بالمدينة واليًا عليها مدًّة، ثم بعد ذلك صارت إليه الخلافة من ابن عمِّه وصِهره سليمان بن عبد الملك بن مروان ﵀، أدخله بينه وبين أخويه يزيد وهشام، وذلك أنَّ عبد الملك كان قد عهد بالأمر إلى بنيه الأربعة: الوليد، ثم سليمان، ثم يزيد، ثم هشام، فولي الوليد بعده عشر سنين، بنى فيها مسجد دمشق، وزَخرَفَه، وتأنَّق فيه، ثم مات في سنة ستٍّ وتسعين، فقام بعده أخوه سليمان، وجعل ابنَ عمِّه وزوجَ أخته فاطمة عمرَ بن عبد العزيز مشيرًا ووزيرًا، فلا يقطع شيئًا إلا برأيه، وعهد بالأمر إليه من بعده، وتوفي سليمان يوم الجمعة لعشر خلون -وقيل: بقين- من صفر سنة تسع وتسعين، واستُخلف عمر بن عبد العزيز ﵀ في ذلك اليوم، وبايعه الناس، وقام في الخلافة أتمَّ قيام، وردَّ المظالِمَ والحقوقَ إلى أهلها، وجعل اللهُ له لسانَ صدقٍ في الآخرين مع قصر ولايته ﵀. قال ابن عَون: لمَّا ولِيَ عمرُ بن عبد العزيز الخلافة، قام على المنبر، فقال: أيُّها الناس، إن كرهتموني لم أقم عليكم. فقالوا: رضينا، رضينا. قال ابن عَون: الآن حين طاب الأمر. (١٠١٢) وقال الزُّبير بن بكَّار: حدَّثني محمد بن سلاَّم، عن سلاَّم بن سُليم قال: لمَّا ولِيَ عمرُ بن عبد العزيز / (ق ٤٢٨) صَعِدَ المنبرَ، فكان أوَّل خطبة خطبها حَمِدَ الله، وأثنى عليه، ثم قال: أيُّها الناس، مَن صحبنا فليصحبنا بخمس، وإلاَّ فلا يقربنا: يرفع إلينا حاجةَ من لا يستطيعُ رفعَها، ويعينُنا على الخير بجهده، ويدلُّنا من الخير على مالا نهتدي إليه، ولا يغتابنَّ عندنا الرَّعيةَ، ولا يعترضُ فيما لا يعنيه. قال: فانقشع عنه الشُّعراء والخطباء، وثَبَت الفقهاء والزُّهاد، وقالوا: ما يسعنا أن نفارق

стр. 1292

هذا الرَّجل حتى يخالف فعلُه قولَه. وقال إسماعيل بن عيَّاش: عن عمرو بن مهاجر: إنَّ عمرَ بن عبد العزيز لمَّا استُخلِفَ قام في الناس، فحَمِدَ اللهَ، وأَثنى عليه، ثم قال: يا أيُّها الناسُ، إنَّه لا كتابَ بعد القرآن، ولا نبيَّ بعد محمد ﷺ ، ألا وإنِّي لست بقاضٍ، ولكنيِّ مُنفِّذٌ، أَلا وإنِّي لستُ بمبتدعٍ، ولكنِّي مُتَّبعٌ، إنَّ الرَّجلَ الهاربَ من الإمام الظالم ليس بظالم، أَلاَ وإنَّ الإمامَ الظالمَ هو العاصي، ألا لا طاعةَ لمخلوق في معصية الخالق. وقال فضيل بن عياض: عن السَّري بن يحيى: إنَّ عمرَ بن عبد العزيز حَمِدَ اللهَ تعالى، ثم خنقته العبرة، ثم قال: أيُّها الناس، أصلحوا آخرتَكم تصلح لكم دنياكم، وأصلحوا سرائرَكم تصلح لكم علانيتُكم، والله إنَّ عبدًا ليس بينه وبين آدم أبٌ إلا قد مات، إنَّه لَمُعرَّقٌ له في الموت. (١٠١٣) وقال محمد بن سعد (١): عن سعيد بن عامر، عن جُوَيرية بن أسماء: قال عمرُ بن عبد العزيز: إنَّ نفسي هذه نفسٌ توَّاقةٌ، / (ق ٤٢٩) وإنَّها لَم تُعطَ من الدُّنيا شيئًا إلاَّ تاقت إلى ما هو أفضل منه، فلمَّا أُعطيت الذي لا أفضل منه في الدُّنيا، تاقت إلى ما هو أفضل من ذلك. قال سعيد: الجنَّة أفضل من الخلافة. وذِكر محاسنه وفضائله ومآثره على الاستقصاء يطول شرحه، وقد استوعب ذلك محرَّرًا الشيخ الإمام أبو الفرج ابن الجوزي ﵀ في «سيرة العُمَرَين». وفيما ذَكَرنا إشارة إلى ذلك، إن شاء الله تعالى، وبه الثِّقة.

стр. 1293

قد تقدَّم أنه مات في رجب سنة إحدى ومائة، فكانت خلافته سنتين وخمسة أشهر ونصفًا، أزيد من خلافة أبي بكر الصِّديق بقليل، ﵄. قال جعفر بن سليمان الضُبَعي: عن هشام بن حسَّان: لمَّا جاء نعي عمر بن عبد العزيز قال الحسن: مات خير الناس. روى له الجماعة في كتبهم السِّتة، وإنما وقع له في «صحيح البخاري» (١) حديث واحد من رواية اللَّيث بن سعد، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عمرَ بن عبد العزيز، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله ﷺ : «أيُّما امرئٍ أَفلَسَ، ثم وَجَدَ متاعَهُ عنده بِعينِهِ، فهو أولى به من غيرِهِ». وقد أخرجه الجماعة (٢) من طرق عن يحيى بن سعيد الأنصاري المدني القاضي أحد التابعين، ومَن بعده إلى أبي هريرة تابعون -أيضًا-، فقد اجتمع في هذا الإسناد أربعة من التابعين يروي بعضهم عن بعض، والله أعلم.

стр. 1294

/ (ق ٤٣٠) أحاديث في فضل القبائل والبقاع (١٠١٤) قال نعيم بن حماد (١): ثنا عبد الرحيم بن زيد العمِّي، عن أبيه، عن سعيد بن المسيّب، عن عمرَ بن الخطاب قال: قال رسولُ الله ﷺ : «سألتُ ربيِّ فيما اختَلَف فيه أصحابي من بعدِي؟ فأوحى اللهُ إليه: يا محمدُ، إنَّ أصحابَكَ عندي بمنزلةِ النُّجُومِ في السماءِ، بعضُها أَضوَأُ من بعضٍ، فمن أخذ بشيءٍ ممَّا هُم عليه من اختلافِهم فهو عندي على هُدًى». هذا حديث ضعيف من هذا الوجه، فإن عبد الرحيم بن زيد هذا: كذَّبه ابن معين، وضعَّفه غير واحد من الأئمَّة (٢)، إلاَّ أن هذا الحديث مشهور في ألسنة الأصوليين وغيرهم من الفقهاء يلهجون به كثيرًا محتجِّين به، وليس بحجَّة، والله أعلم (٣).

стр. 1295

حديث آخر في فضل عنَزَة (١) (١٠١٥) قال الإمام أحمد (٢): ثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، ثنا المثنَّى بن عَوف العنَزَي، أنبأني الغَضْبان بن حنظلة: أنَّ أباه حنظلة بن نعيم وَفَدَ إلى عمرَ، وكان عمرُ إذا مرَّ به إنسانٌ من الوفد سأله ممَّن هو، حتى مرَّ به أبي، فسأله: ممَّن أنت؟ فقال: من عنَزَة. فقال: سَمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: «حَيٌّ من هَهُنا مَبغِيٌّ عليه منصورون». هذا حديث غريب الإسناد، ولم يخرِّجه أحد من أصحاب الكُتُب السِّتة.

стр. 1296

حديث في ذِكر بني بكر (١٠١٦) قال البزَّار (١): ثنا إبراهيم بن سعيد، ثنا ابن أبي أويس، ثنا زيد بن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن جدِّه، عن أسلم قال: قال لي عمر: مَن صحبتَ في سفرك هذا؟ قلت: قومًا من بني بكر بن وائل. قال: سَمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: «أخوك البَكري، ولا تَأمَنْهُ». في إسناده ضعف بيِّن. (١٠١٧) وعند أحمد (٢) وفي «سنن أبي داود» (٣) شاهد له من حديث محمد بن إسحاق، عن عيسى بن معمر بن عبد الله بن عمرو بن الفَغواء، عن أبيه قال: بَعَثني رسولُ الله ﷺ بمالٍ إلى أبي سفيان، وذلك بعد الفتح ... ، فذَكَر قصتَه مع عمرو بن أُميَّة، وصحابته له، ومعارضته له في طريقه، وفي الحديث: أنَّ النبيَّ ﷺ قال له: «أخوكَ البكري، ولا تَأمَنْهُ».

стр. 1297

حديث في فضل عُمَان (١) (١٠١٨) قال الإمام أحمد (٢): ثنا يزيد، أنا جرير، أنا الزُّبَير بن الخِرِّيت، عن أبي لبيد قال: خَرَج رجلٌ من طاحِيةَ مهاجرًا، يقال له: بَيرَح بن أسد، فقَدِمَ المدينةَ بعد وفاة النبيِّ ﷺ بأيام، فرآه عمرُ، فعلم أنه غريبٌ، فقال له: ممَّن أنت؟ قال: من أهل عُمَان. قال: من أهل عُمَان؟ قال: نعم. قال: فأخذ بيده، فأَدخَلَهُ على أبي بكرٍ ﵁، فقال: هذا من أهلِ الأرضِ التي سَمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: «إنِّي لأَعلمُ أرضًا يقال لها: عُمَان، يَنضحُ بناحيتِها البحرُ، بها حَيٌّ مِن العربِ، لو أتاهم رسولِي ما رَمَوهُ بسَهْمٍ ولا حَجَرٍ». هذا إسناد جيد (٣)، وقد تقدَّم في «مسند الصِّديق» ﵁ أيضًا، فإنه قد

стр. 1298

روي بفتح التاء من «سمعتَ» (١)، فيكون من مسند الصِّديق، ويحتمل أن يكون من مسنديهما، والله أعلم.

стр. 1299

حديث في فضل الشَّام (١) (١٠١٩) قال الحافظ أبو بكر البيهقي / (ق ٤٣١) في كتابه «دلائل النبوة» (٢): أخبرنا أبو الحسين بن الفضل، أنا عبد الله بن جعفر، ثنا يعقوب بن سفيان (٣)، حدثني نصر بن محمد بن سليمان الحمصي، ثنا أبي أبو ضَمرة محمد بن سليمان السُّلمي، حدثني عبد الله بن أبي عيسى (٤)، سَمِعتُ عمرَ بن الخطاب ﵁ يقول: قال رسولُ الله ﷺ : «رأيتُ عمودًا من نُورٍ خَرَج من تحت رأسِي ساطعًا حتى استقرَّ بالشَّامِ». هذا حديث حسن الإسناد (٥)، وفي الشَّام أحاديث كثيرة جدًّا.

стр. 1300

وسيأتي (١) مثل هذا الحديث في مسند عبد الله بن عمرو، وأبي أُمَامة، وأبي الدَّرداء ﵃.
следующие страницы →