محمد بن اللَّيث الجوهري، ثنا محمد بن يحيى الأزدي، ثنا عبد الرحيم بن سليمان الكوفي، عن يزيد بن سعيد بن ذي عَصْوان، / (ق ٢٧٨) عن عبد الملك بن عُمَير: أنه أَخبَرَه رافع بن عمرو الطَّائي قال: أخبرني أبو بكرٍ الصِّديق ﵁: أنَّ عمرَ قال يوم السَّقيفة للأنصار: أَمَا تعلمون أنَّ رسولَ الله ﷺ أَمَر أبا بكرٍ أن يصلِّي بالناس؟ قالوا: نعم. قال: فأيكم يجترئ أن يتقدَّمه؟ قالوا: لا أَيُّنا (١).
هذا حديث غريب بهذا الإسناد.
طريق أخرى
(٧٣٦) قال الإمام محمد بن يحيى الذُّهْلي في كتاب «الزُّهريات»: ثنا عيَّاش بن الوليد، ثنا عبد الأعلى، ثنا محمد بن إسحاق، حدثني عبد الله بن أبي بكر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن عمرَ قال: قلت: يا معشرَ الأنصار، يا معشرَ المسلمين، إنَّ أَولى الناس بأمر نبيِّ الله ﷺ ثاني اثنين إذ هما في الغار، وأبو بكرٍ السَّبَّاق المتين، ثم أخذتُ بيده، وبَدَرني رجلٌ من الأنصارِ، فضَرَب على يده قبل أن أضربَ على يده، ثم ضَرَبتُ على يده، فتتابَعَ الناس.
стр. 947
هذا حديث جيد الإسناد من هذا الوجه، وقد اختاره الحافظ الضياء في كتابه (١).
ويقال: إنَّ هذا الرَّجلَ من الأنصار الذي بايع أبا بكرٍ أولاً، هو بشير بن سعد والد النُّعمان بن بشير ﵄.
طريق أخرى
(٧٣٧) قال محمد بن سعد (٢): ثنا عارِم بن الفضل، ثنا حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد (٣): أنَّ رسولَ الله ﷺ لمَّا تُوفي اجتمعت الأنصارُ إلى سعد بن عُبادة، فأتاهم أبو بكرٍ، وعمرُ، وأبو عُبيدة بن الجرَّاح، قال: فقام حُبَاب بن المُنذر -وكان بدريًّا-، فقال: منَّا أميرٌ، ومنكم أميرٌ، فإنَّا واللهِ ما نَنْفسُ هذا الأمرَ عليكم أيها الرَّهطُ، ولكنَّا نخافُ أن يَلِيَها -أو قال: يَلِيه- أقوامٌ، قَتَلنا آباءَهم، وإخوتَهم. قال: فقال له عمر: إذا كان ذلك فمُتْ إن استطعتَ. فتكلَّمَ أبو بكرٍ، فقال: نحن الأمراءُ، وأنتم الوزراءُ، وهذا الأمرُ بيننا وبينكم نصفين، كقَدِّ الأُبلُمَة -يعني: الخوصة (٤) - فبايع أولَ الناس بشيرُ بن سعد أبو النُّعمان. قال: فلمَّا اجتمع الناسُ على أبي بكرٍ قَسَم بين الناس قَسْمًا، فبَعَث إلى عجوز من بني عدي بن النَّجَّار بقَسْمها مع زيد بن ثابت، فقالت: ما هذا؟ قال: قَسْمٌ قَسَمَهُ أبو بكرٍ للنساء. فقالت: أتُراشوني عن ديني؟ فقالوا: لا. قالت: أتخافون أن أدَعَ ما أنا عليه؟ قالوا: لا. قالت:
стр. 948
فوالله لا آخذُ منه شيئًا أبدًا. فرجع زيد إلى أبي بكرٍ فأَخبَرَه بما قالت، فقال أبو بكرٍ: ونحن لا نأخُذُ ممَّا أعطيناها شيئًا أبدًا.
هذا إسناد حسن، وفيه انقطاع.
وقال عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه في حديث السَّقيفة: قال عمرُ: فكنتُ أوَّلَ الناس أخذ بيده -يعني: يد أبي بكرٍ-، فبايعه، إلا رجلاً من الأنصار، أدخل يدَه من خلفي بين يَدَيَّ ويده، فبايعوه قبلي.
حديث آخر
(٧٣٨) قال البخاري (١): ثنا إبراهيم بن موسى، أنا هشام، عن معمر، عن الزهري قال: أخبرني أنس بن مالك ﵁: أنَّه سَمِعَ خُطبةَ عمرَ الآخرةَ حين جلس / (ق ٢٧٩) على المنبر، وذلك الغدُ من يومٍ تُوفي رسولُ الله ﷺ ، وأبو بكرٍ ﵁ صامتٌ لا يتكلَّم. قال: كنتُ أرجو أن يعيشَ رسولُ الله صلى الله وسلم حتى يَدبُرَنا -يريد بذلك أن يكونَ آخرَهم-، فإن يكُ محمدٌ قد مات، فإنَّ اللهَ تعالى قد جعل بين أظهركم نورًا تهتدون به، هَدَى الله (٢) محمدًا ﷺ ، وإنَّ أبا بكر ﵁ صاحبُ رسول الله ﷺ ، وثاني اثنين، وإنه أولى المسلمين بأموركم، فقوموا فبايعوه، وكانت طائفةٌ قد بايعوه قبل ذلك في سقيفة بني ساعدة، وكانت بيعةُ العامة على المنبر.
стр. 949
قال الزهري: عن أنس بن مالك: سَمِعتُ عمرَ يقول لأبي بكرٍ يومئذ: اصعدِ المنبرَ، فلم يزل به حتى صَعِدَ المنبرَ، فبايعه الناسُ عامَّةً.
ثم رواه البخاري (١)، عن يحيى بن بُكَير، عن اللَّيث، عن عُقيل، عن الزهري، به. مختصرًا.
وقد قدَّمنا في «سيرة الصِّديق» أنه بايَعَه يومئذٍ المهاجرون والأنصار حتى عليٌّ والزُّبيرُ، وذلك بإسناد صحيح ارتضاه مسلم بن الحجَّاج وابن خزيمة رحمهما الله (٢).
стр. 950
فهذه بيعة الصِّديق التي اتفق عليها المهاجرون والأنصار، وإنما كانت فَلتةً لأنهم لم يحتاجوا إلى تفكُّرٍ وتَرَوٍّ في أمر الصِّديق، إذ هم جازمون قاطعون بأنه أفضلُهم وخيرُهم بعدَ رسولِ الله ﷺ ، وأما بيعةُ عمرَ بنِ الخطابِ فكانت بتفويض الصِّديق إليه الأمرَ من بعده، وأجمع الصحابةُ على تلقِّي ذلك من الصِّديق بالقَبول، فرضي الله عنهم وأرضاهم، وجعلنا ممَّن يحبُّهم ويتولاهم.
/ (ق ٢٨٠) حديث آخر
(٧٣٩) قال الإمام أحمد (١): ثنا وكيع، عن ابن أبي خالد، عن قيس قال: رأيتُ عمرَ وبيده عسيبُ نخلٍ، وهو يُجلِسُ الناسَ، يقول: اسمعوا لقول خليفة رسول الله ﷺ ، فجاء مولىً لأبي بكر-يقال له: شَديد- بصحيفة، فقرأها على الناس، فقال: يقول أبو بكرٍ ﵁: اسمعوا وأطيعوا لمن في هذه الصَّحيفة، فوالله ما أَلَوتُكم.
قال قيس -وهو: ابن أبي حازم-: فرأيتُ عمرَ بعد ذلك على المنبر.
стр. 951
أثر في تحذير الإمام أن يولِّي على المسلمين قريبًا لقرابته أو فاجرًا
(٧٤٠) قال أبو بكر ابن أبي الدُّنيا ﵀ (١):
ثنا هارون بن سفيان، ثنا خلف بن تميم، ثنا إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر قال: سَمِعتُ عبد الملك بن عُمَير قال: قال عمرُ بن الخطاب ﵁: مَن استعمل رجلاً لمودَّة، أو لقرابة، لا يستعملُهُ إلا لذلك؛ فقد خان اللهَ، ورسولَه، والمؤمنين.
(٧٤١) قال: وحدثنا عبيد الله بن جرير العَتَكي، ثنا عبد الله بن رجاء، ثنا فرج بن فَضَالة، عن النَّضر بن شُفَي، عن عمران بن سُليم، عن عمرَ بن الخطاب قال: مَن استعمل فاجرًا وهو يعلم أنه فاجرٌ، فهو مثلُه (٢).
стр. 952
أثر في جواز استعانة الإمام ببعض العمَّال على ما لا يتمكَّن منه
(٧٤٢) قال أبو داود في «المراسيل» (١): عن محمد بن يحيى، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد الزهري، عن أبيه، عن الزهري قال: حتى كان في آخر زمانه -يعني: زمان عمر-، فقال ليزيد بن أخت نَمِر: اكفني بعضَ الأمورِ. يعني: صغارَها.
(٧٤٣) ثم رواه -أيضًا- (٢)، عن محمد بن يحيى، عن عبد الرزاق (٣)،
стр. 953
عن معمر، عن الزهري قال: ما اتخذ رسولُ الله ﷺ قاضيًا حتى مات، ولا أبو بكرٍ، ولا عمرُ، إلا أنه قال لرجل في آخر خلافته: اكفني أمور الناس.
стр. 954
حديث فيه جواز اتخاذ كاتب أمين
(٧٤٤) قال الحافظ أبو بكر البزَّار (١): ثنا عمر بن الخطاب السِّجستاني، ثنا إبراهيم بن المنذر، ثنا محمد بن صَدَقة / (ق ٢٨١) الفَدَكي، ثنا مالك، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمرَ قال: كُتِبَ إلى رسول الله ﷺ كتابٌ، فقال لعبد الله بن أرقم: «أَجِب هؤلاءِ»، فأخذه عبد الله بن أرقم، فكَتَبَهُ، ثم جاء بالكتاب، فعَرَضَهُ على رسول الله ﷺ ، فقال: «أحسنتَ»، فما زال ذلك في نفسي حتى وليتُ، فجعلتُه على بيت المال.
ثم قال: لا نعلم رواه عن زيد بن أسلم، عن أبيه، إلا مالك (٢).
قلت: ومحمد بن صَدَقة هذا: ذَكَره أبو حاتم (٣)، فقال: كان يسكن ناحية المدينة، روى عن مالك، وعنه: إبراهيم بن المنذر، ولم يزد على هذا.
ولهم شيخ آخر يقال له: محمد بن صَدَقة الجُبْلاني المُكتِب الحمصي، روى عن بقيَّة وطبقته، وعنه: أبو حاتم، وقال (٤): صدوق. وهو من رجال النسائي.
стр. 955
وآخر يقال له: محمد بن صَدَقة (١)، رأى أنس بن مالك، وليس في ... (٢).
стр. 956
أثر فيه أنَّ الإمام يأذن للناس عليه بحسب منازلهم في الإسلام والشَّرَف، وأنهم يجلسون منه كذلك
(٧٤٥) قال الإمام أحمد (١): ثنا عفَّان، ثنا جرير بن حازم قال: سَمِعتُ الحسنَ قال: حَضَر بابَ عمرَ بن الخطاب سهيلُ بن عمرو، والحارثُ بن أبي هشام (٢)، وأبو سفيان بن حرب، ونَفَرٌ من قريش من تلك الرءوس، وصهيبُ، وبلالُ، وتلك الموالي الذين شهدوا بدرًا، فخَرَج آذنُ عمرَ، فأذن لهم، وترك هؤلاء، فقال أبو سفيان: لم أر كاليوم قطُّ! يأذن لهؤلاء العبيد، ويتركنا على بابه لا يلتفت إلينا! فقال سهيل بن عمرو -وكان رجلاً عاقلاً-: أيُّها القوم، إنِّي والله لقد أرى الذي في وجوهكم، إن كنتم غضابًا فاغضبوا على أنفسكم، دُعِيَ القوم ودُعِيتُم، فأسرعوا وأبطأتم، فكيف بكم إذا دُعُوا يوم القيامة وتُرِكتُم؟!
/ (ق ٢٨٢) أثر آخر
(٧٤٦) قال الزُّبير بن بكَّار (٣): حدَّثني مصعب بن عثمان، حدثني
стр. 957
نوفل بن عُمارة قال: جاء الحارث بن هشام وسُهيل بن عمرو إلى عمر بن الخطاب، فجلسا عنده، وهو بينهما، فجعل المهاجرون الأَوَّلون يأتون عمرَ، فيقول: ههنا يا سُهيل، ههنا يا حارث، فيُنحِّيهما عنهم، وجعل الأنصار يأتون عمرَ، فيُنحِّيهما عنهم، حتى صاروا في آخر الناس، فلمَّا خَرَجا من عند عمرَ، قال الحارث بن هشام لسُهيل بن عمرو: ألم تَرَ ما صَنَع بنا؟! فقال له سُهيل: أيُّها الرَّجل، لا لومَ عليه، ينبغي أن نرجع باللَّوم على أنفسنا، دُعِيَ القوم فأسرعوا، ودُعِينا فأبطأنا، فلمَّا قاموا من عند عمرَ أتياه، فقالا: يا أميرَ المؤمنينَ، قد رأينا ما فعلتَ اليوم، وعَلِمنا أنَّا أُتِينَا من أنفسنا، فهل من شيء نستدرك به؟ فقال لهما: لا أعلمُه إلا هذا الوجه، وأشار لهما إلى ثغر الرُّوم. فخَرَجا إلى الشام، فماتا بها ﵄.
أثر آخر
(٧٤٧) قال الهيثم بن عَدي: أنا أبو بكر الهُذَلي، عن الحسن قال: كَتَب عمرُ بن الخطاب إلى أبي موسى، وهو بالبصرة: بلغني أنك تأذن للناس جمًّا غفيرًا، فإذا جاءك كتابي هذا، فَأْذَنْ لأهل الشَّرَف، وأهل القوَّة والتَّقوى والدِّين، فإذا أخذوا مجالسَهم، فَأْذَنْ للعامَّة.
فهذه آثار حسنة، وإن كان فيها انقطاع.
стр. 958
/ (ق ٢٨٣) حديث في التحذير من أئمَّة الضَّلال والجور
(٧٤٨) قال الإمام أحمد (١):
ثنا عبدالقدوس بن الحجَّاج، ثنا صفوان، حدثني أبو المُخارِق زُهَير بن سالم: أنَّ عُمَير بن سعد الأنصاري كان عمرُ ولاَّه حمص ... (فذَكَر الحديث) (٢)، قال عمرُ -يعني لكعب-: إني أسألك عن أمرٍ فلا تكتُمْني. قال: والله لا أكتُمُك شيئًا أعلمُه. قال: ما أخوفُ شيء تخوَّفُهُ على أمةِ محمدٍ ﷺ ؟ قال: أئمَّةً مُضِلِّين. قال عمرُ: صَدَقتَ، قد أَسرَّ ذلك إليَّ وأَعلَمَنِيه رسولُ الله ﷺ .
هذا إسناد جيد (٣)، وليس في شيء من الكتب السِّتة، ولم يَسرد الإمام أحمد قصَّة عُمَير بن سعد، وقد ساقها الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في «مسند عمر»، وفيها غرابة.
(٧٤٩) وقد روى الإسماعيلي -أيضًا- (٤) من طرق جيدة عن الشَّعبي، عن زياد بن حُدير قال: قال لي عمرُ بن الخطاب: يا زيادُ، هل تدري ما يَهدمُ دعائمَ الإسلامِ؟ قلت: لا. قال: زَلَّةُ العالِمِ، وجدالُ المنافقِ بالقرآنِ، وحُكمُ الأئمَّةِ المضلين.
стр. 959
طريق أخرى
(٧٥٠) وقال أبو الجهم العلاء بن موسى (١): ثنا سوَّار، ثنا مُجالِد، عن أبي الودَّاك، عن أبي سعيد، عن ابن عباسٍ قال: خَطَب عمرُ، فقال: إنَّ أخوفَ ما أخافُ عليكم تغيُّرُ الزَّمانِ، وزَيغةُ عالِمٍ، وجدالُ منافقٍ بالقرآنِ، وأئمَّةٌ يُضلُّون الناسَ بغير علم.
/ (ق ٢٨٤) حديث آخر
(٧٥١) قال الحافظ أبو يعلى الموصلي (٢): ثنا مصعب بن عبد الله، ثنا الدَّرَاوَردِي، عن محمد بن أبي حميد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمرَ قال: قال رسولُ الله ﷺ : «ألاَ أُخبِرُكُم بخِيَارِ أَئِمَّتِكم من شِرَارِهم؟ الذين تُحبونَهم ويُحبونَكم، وتَدعُون لهم ويَدعُون لكم، وشِرارُ أَئِمَّتِكم الذين تُبغضونهم ويُبغضونكم، وتَلعنونَهم ويَلعنونَكم».
ورواه الترمذي في الفتن (٣)، عن بُندَار، عن أبي عامر العَقَدي، عن محمد بن أبي حميد.
وقال: غريب، لا نعرفه إلا من حديث ابن أبي حميد، وهو يضعَّف من قبل حفظه (٤).
стр. 960
أثر في أنه يجوز استعمال الرَّجل القويِّ وإن كانت له ذنوب يَستَسِر بها
(٧٥٢) قال أبو عبيد في «الغريب» (١): حدثني يزيد بن هارون، عن هشام، عن الحسن قال: قال حذيفةُ لعمرَ: إنَّك تستعين بالرَّجل الذي فيه -وفي رواية: بالرَّجل الفاجر-؟ فقال عمرُ: إنِّي أستعملُهُ لأستعين بقوَّته، ثم أكون على قَفَّانِه.
قال الأصمعي: قَفَّان كلِّ شيء: جِمَاعُهُ، واستقصاءُ معرفتِه، يقول: أكون على تَتَبُّع أمره حتى أستقصي عِلمَهُ وأعرفَهُ.
قال أبو عبيد: ولا أَحسِبُ هذه الكلمة عربية، إنما أصلها: قَبَّان، ومنه قول العامَّة: فلانٌ قَبَّانٌ على فلان، إذا كان بمنزلة الأمين عليه، والرئيس الذي يَتَتَبَّع أمرَه ويحاسِبُه، ومنه سمِّي هذا الميزان الذي يقال له: القَبَّان.
стр. 961
أثر فيه أن الوالي إذا طرأ عليه ما ينافي العدالة فإنه يُعزَل
(٧٥٣) قال محمد بن سعد في «الطبقات» (١): كان عمرُ بن الخطاب قد استَعمل النعمان بن عديِّ بن نَضلة، على مَيْسان من أرض البصرة، وكان يقول الشِّعر، فقال:
ألا هل أتَى الحسناءَ أنَّ حَلِيلَها ... بمَيْسانَ يُسقَى في زُجَاجٍ وحَنْتَمِ (٢)؟
إذا شئتُ غَنَّتني دَهَاقينُ قريةٍ ... وَرَقَّاصَةٌ تَجثُو (٣) على كُلِّ مَنْسِم
فإنْ كنتَ نَدماني فبالأكبرِ اسْقِنِي ... ولا تَسْقِني بالأصغرِ المُتَثَلِّم
لعل أميرَ المؤمنينَ يَسُوؤهُ ... تَنادُمُنا في الجَوْسَقِ المُتَهَدِّم
стр. 962
فلمَّا بَلَغ عمرُ قولَه، قال: نعم، واللهِ إنَّه لَيَسُوءنِي، مَن لَقِيَهُ / (ق ٢٨٥) فليُخبِرْهُ أنِّي قد عَزَلتُه.
فقَدِمَ عليه رجلٌ من قومه فأَخبَرَه بعزله، فقَدِمَ على عمرَ، فقال: واللهِ ما صنعتُ شيئًا ممَّا قلتُ، ولكن كنتُ امرأً شاعرًا، وَجَدتُ فَضلاً من قول، فقلتُ فيه الشِّعر. فقال عمرُ ﵁: والله لا تعملُ لي على عملٍ ما بقيتُ، وقد قلتَ ما قلتَ.
(٧٥٤) وقد روى الحافظ أبو بكر ابن أبي الدُّنيا ﵀ (١) عن أحمد بن محمد بن أيوب، عن إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق ... ، فذَكَر مثلَه.
وحكى الزُّبير بن بكَّار مثل ذلك -أيضًا-، إلا أنه قال:
إذا شئتُ غَنَّتني دَهَاقينُ قريةٍ ... وَصَنَّاجةٌ (٢) تَجذُو على كُلِّ مَنْسِم
قال الشيخ أبو الفرج ابن الجوزي عن شيخه أبي منصور: وهذا هو الصحيح. والمِنسَمُ: استعارة، وإنما يقال ذلك للبعير، وهو من الإنسان الظُّفر.
قال: والجوسق: فارسيٌّ مُعرَّب، وهو القَصر الصغير، ويقال له: الكَوشك.
стр. 963
(٧٥٥) قال الزُّبير بن بكَّار (١): وحدَّثني محمد بن الضَّحَّاك بن عثمان الحِزَامي، عن أبيه قال: لمَّا بلغ عمرُ بن الخطاب هذا الشِّعر، كَتَب إلى النعمان: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣)﴾ (٢)، أمَّا بعد، فقد بلغني قولُك:
لعل أميرَ المؤمنينَ يَسُوؤهُ ... تَنادُمُنا في الجَوْسَقِ المُتَهَدِّم
/ (ق ٢٨٦) وايمُ الله، إنَّه لَيَسُوءنِي، وعَزَله. فلمَّا قَدِمَ على عمرَ بَكَّتَه بهذا الشِّعر، فقال: يا أميرَ المؤمنين، ما شَرِبتُها قطُّ، وما ذاك الشِّعر إلا شيءٌ طَفَح على لساني. فقال عمرُ ﵁: أظنُّ ذاك، ولكن لا تعمل لي على عملٍ أبدًا.
فهذا مشهور من صنيع عمر ﵁.
أثر آخر
(٧٥٦) قال الحارث بن مسكين: ثنا سفيان، عن شَبيب بن غَرقَدة، عن المستَظِلِّ قال: سَمِعتُ عمرَ يقول: قد عَلِمتُ وربِّ الكعبة: متى تَهلِكُ العرب، إذا ساسهم مَن لم يُدرك جاهلية، ولم يكن له قَدَمٌ في الإسلام (٣).
стр. 964
كتاب الأقضية
(٧٥٧) قال البخاري ﵀ (١): ثنا الحكم بن نافع، ثنا شعيب، عن الزهري: حدَّثني حميد بن عبد الرحمن بن عَوف: أنَّ عبد الله بن عُتبة قال: سَمِعتُ عمرَ بن الخطاب ﵁ يقول: إنَّ أناسًا كانوا يُؤخذون بالوحي على عهد رسول الله ﷺ ، وإنَّ الوحيَ قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظَهَر لنا من أعمالِكم، فمن أظهر لنا خيرًا أَمِنَّاه (٢)، ومَن أظهر لنا سُوءًا لم نأمَنْهُ، ولم نُصدِّقْهُ، وإنْ قال: إنَّ سَريرتَه حَسَنة.
стр. 965
هكذا أورده البخاري، وليس هو عند أصحاب الأطراف (١).
وفيه دلالة على الحكم بالظاهر.
وقد روي من طريق أخرى:
(٧٥٨) قال الإمام أحمد (٢): ثنا إسماعيل -يعني: ابن عُليَّة-، أنا الجُرَيري سعيد، عن أبي نَضرة، عن أبي فِراس قال: خَطَب عمرُ بن الخطاب، فقال: يا أيُّها الناسُ، ألا إنما كنَّا نَعرِفُكم إذ بين ظَهْرينا (٣) النبيُّ ﷺ ، وإذ ينزل الوحي، إذ يُنبِّئُنا اللهُ من / (ق ٢٨٧) أخباركم، ألا وإنَّ النبيَّ ﷺ قد انطلق، وانقطع الوحي، وإنمَّا نَعرِفُكم بما نقولُ لكم، من أظهر منكم خيرًا ظَننَّا به خيرًا، وأحبَبْناهُ عليه، ومَن أظهر لنا شرًّا ظَننَّا به شرًّا، وأبغضنَاهُ عليه، سرائرُكم بينَكم وبين ربِّكم ، ألا وإنَّه قد أتى عليَّ حينٌ وأنا أَحسِبُ أنَّ مَن قرأ القرآنَ يريد اللهَ وما عنده، وقد خُيِّل إليَّ بأخرة أنَّ رجالاً قد قرؤوه يريدون به ما عند الناس، فأَريدوا اللهَ بقراءتِكم، وأَريدوه بأعمالكم، أَلا إنيِّ والله ما أُرسِلُ عُمَّالي إليكم ليضربوا أبشارَكم، ولا ليأخذوا أموالَكم، ولكن أُرسِلُهُم إليكم لِيعلِّموكُم دينَكم وسُنتَكم، فمَن فُعِلَ به سوى ذلك؛ فليرفَعْه إليَّ، فوالذي نفسي بيده، إذاً لأُقِصَّنَّهُ منه. فوَثَب عمرو بن العاص، فقال: يا أميرَ المؤمنين، أو رأيتَ إن كان رجلٌ من المسلمين على رعيَّة فأدَّب بعض رعيته، أَئنَّك لَمُقصُّه (٤) منه؟! قال: إي، والذي نفس عمر بيده، إذًا لأُقِصَّنَّه منه، أنا لا أُقِصُّ منه، وقد
стр. 966
رأيتُ رسولَ الله ﷺ يُقِصُّ من نفسِهِ؟ أَلا لا تضربوا المسلمين فتُذِلُّوهم، ولا تُجمِّروهم (١) فتَفتنوهم، ولا تَمنعوهم حقوقَهم فتُكفِّروهم (٢)،
ولا تُنزلوهم الغِياض (٣) فتُضيِّعوهم.
ورواه النسائي في القصاص (٤)، عن مؤمَّل بن هشام، عن إسماعيل بن عُليَّة، مختصرًا: / (ق ٢٨٨) رأيتُ رسولَ الله ﷺ أَقَصَّ من نفسِهِ.
وأخرجه أبو داود في الدِّيات (٥)، عن محبوب بن موسى، عن أبي إسحاق الفَزَاري (٦)، عن سعيد بن إياس الجُرَيري، به.
وفيه خُطبة عمرَ: إنِّي لم أَبعَثْ عُمَّالي ليضربوا أبشارَكم ... ، الحديث.
واختاره الحافظ الضياء (٧) من طريق أبي يعلى (٨)، عن عبد الله بن محمد بن أسماء، عن ابن مهدي (٩)، عن سعيد الجُرَيري.
وقد رواه علي ابن المديني، عن عبد الأعلى، ورِبعي بن إبراهيم. كلاهما عن الجُرَيري، بطوله.
стр. 967
وقال: إسناده بصري حسن.
وقال في موضع آخر: لا نعلم في إسناده شيئًا يُطعنُ فيه، وأبو فِراس رجل معروف من أسلم (١)، روى عنه أبو نَضرة، وأبو عمران الجَوْني.
قلت: ولا يُعرف اسمه، ومنهم من سمَّاه: الرَّبيع بن زياد الحارثي (٢)، وأنكر ذلك بعضُهم، وفرَّق بينهما (٣)، فالله أعلم.
стр. 968
حديث فيه أثر عن عمر في التحذير من غائلة ولاية القضاء
(٧٥٩) قال هشام بن عمَّار، عن صَدَقة، عن الشُّعيثي، عن زُفَر بن وَثِيمة: أنَّ عمرَ دعا رجلاً إلى القضاء، فأَبَى عليه، قال: لم؟ قال: سَمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «القضاةُ ثلاثةٌ: قاضٍ في الجنَّةِ، وقاضيانِ في النَّارِ ...» الحديث.
هكذا رواه أبو بكر الإسماعيلي في «مسند عمر» من حديث هشام بن عمَّار.
(٧٦٠) وقد روى أبو بكر ابن أبي عاصم، والترمذي (١) من حديث معتمر بن سليمان، عن عبد الملك بن أبي جميلة، عن عبد الله بن موهَب: أنَّ عثمانَ قال لابن عمرَ: اذهب فاقض بين الناس، قال: أَوَ (تُعافيني) (٢) يا أميرَ المؤمنين، قال: فما تكره من ذلك، وقد كان أبوك يقضي؟ قال: إنِّي سَمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «من كان قاضيًا، فقَضَى بالعدلِ، فَبِالحَرِي أن يَنفَلِتَ منه كفافًا»، فما أرجو بعد ذلك؟!
وفي الحديث قصَّة ... (٣) غريب، وليس إسناده عندي بمتَّصل.
стр. 969
ولفظ ابن أبي عاصم، عن عبد الله بن موهَب، عن ابن عمرَ: سَمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: «مَن كان قاضيًا، فقَضَى بحقٍّ، سأل التَّفلُتَ كفافًا» -قال ابن عمرَ: فما أرجو بعدُ إذًا- «ومَن كان قاضيًا، فقَضَى بجهلٍ كان من أهلِ النَّارِ، ومَن كان قاضيًا، فقَضَى بجَورٍ فهو من أهلِ النَّارِ».
ففي سياق ابن أبي عاصم مايبيِّن اتِّصال الحديث، لكن عبد الملك هذا لم يرو عنه سوى معتمر، ولهذا قال فيه أبو حاتم (١): مجهول. وأما ابن حبان، فذَكَره في «الثقات» (٢).
وعلى كلِّ حال، فهذا أولى ممَّا رواه الإسماعيلي في «مسند عمر»، فلعلَّه تصحَّف عليه بعثمان، وإن كان محفوظًا، فلعلَّهما واقعتان، والله أعلم.
стр. 970
أثر في صفة القضاء
(٧٦١) قال إبراهيم بن بشَّار الرَّمادي (١)، ويحيى بن الرَّبيع المكي -واللفظ لإبراهيم-، كلاهما عن سفيان بن عيينة، حدَّثنا والد عبد الله بن
стр. 971
إدريس قال: أتيتُ سعيدَ بن أبي بُرْدة، فسألته عن رسائل عمرَ التي كان يكتب إلى أبي موسى، وكان أبو موسى قد أوصى إلى أبي بُرْدة، قال: فأخرَجَ إليَّ كُتُبًا، فرأيتُ في كتاب منها: أمَّا بعدُ، فإنَّ القضاءَ فريضةٌ مُحكَمَةٌ، وسُنَّةٌ مُتبَعةٌ، فافهم إذا أُدلِيَ إليك، فإنَّه لا ينفعُ تَكلُّم بحقٍّ لا نفاذَ له.
آسِ بين الاثنين في مجلسك ووجهك، حتى لا يطمعَ شريفٌ في حَيْفِك، ولا ييأس وَضِيعٌ -أو / (ق ٢٨٩) قال: ضعيفٌ- في عدلك.
الفَهمَ الفَهمَ فيما يتلجلجُ في صدرك ويُشكِلُ عليك.
اعرِفِ الأشباهَ والأمثالَ، ثم قِس الأمورَ بعضَها ببعض، وانظر أقربَها إلى الله، وأشبهها بالحقِّ، فاتَّبِعْه. وأعهد (١) إليك، ولا يمنعك قضاءٌ قضيتَه بالأمس راجعتَ فيه نفسَك، وهُدِيتَ فيه لرُشْدِك أن تُراجِعَ الحقَّ، فإنَّ مراجعة الحقِّ خيرٌ من التَّمادي في الباطل.
стр. 972
المسلمون عُدُولٌ بعضُهم على بعض، إلا مجلودًا في حدٍّ، أو مجرَّبًا عليه شهادة زُور، أو ظِنِّينًا في وَلاَء، أو قَرَابة.
اجعل لمَن ادَّعى حقًّا غائبًا أمدًا يَنتهي إليه، أو بيِّنةً عادلةً، فإنَّه أَثبتُ في الحجَّة وأبلغُ في العذر، فإن أَحضَرَ بيِّنتَه، وإلاَّ وجَّهتَ عليه القضاء.
البيِّنة على من ادَّعى، واليمينُ على من أَنكر.
إنَّ الله تولَّى منكم السَّرائرَ، ودرأَ عنكم الشُّبهاتِ.
إيَّاك والقلقَ، والضَّجرَ، والتأذِّيَ بالناس، والتَّنكُرَ للخصم في مجالس القضاء.
إلى أن قال: والصلحُ جائزٌ بين المسلمين، إلا صُلحًا أحلَّ حرامًا، أو حرَّم حلالاً.
ومَن تَزيَّن للناس بما لم يعلم اللهُ منه شانَه اللهُ، فما ظنُّك بثواب غير الله في عاجل دنيا وآجل آخرة.
هذا أثر مشهور، وهو من هذا الوجه غريب، ويسمَّى وِجاَدة (١)، والصحيح: أنه يحتجُّ بها إذا تحقِّق الخطُّ، لأنَّ أكثرَ كُتُب رسول الله ﷺ إلى ملوك / (ق ٢٩٠) الأقطار كذلك، وقد بَسَطتُ القولَ بصحَّتها في أوَّل شرح البخاري، ولله الحمد.
وقد ورد هذا الأثر من وجه آخر:
стр. 973
(٧٦٢) كما رواه الحافظ البيهقي في «سننه» (١) فقال: أنا الحاكم، أنا الأصمُّ، ثنا محمد بن إسحاق الصَّاغاني، ثنا محمد بن عبد الله بن كُناسة، ثنا جعفر بن بَرقان، عن معمر البصري، عن أبي العوَّام البصري قال: كَتَبَ عمرُ إلى أبي موسى: إنَّ القضاءَ فريضةٌ مُحكَمةٌ، وسُنَّةٌ مُتبعَةٌ، فعليك بالعقل والفَهم وكثرة الذِّكر، فافهم إذا أَدلى إليك الرَّجلُ الحُجَّةَ، فاقضِ إذا فَهِمتَ، وامضِ إذا قضيتَ، فإنَّه لاينفَع تكلَّم بحُكم لا نفاذ له.
وآسِ بين الناسِ في وجهِكَ، ومجلسِكَ، وقضائِكَ، حتى لا يَطمعَ شريفٌ في حَيفِكَ، ولا يَيأسَ ضعيفٌ من عدلِكَ.
والبيِّنةُ على مَن ادَّعى، واليمينُ على مَن أَنكَرَ.
والصلحُ جائزٌ بين المسلمين، إلا صُلحًا أَحلَّ حرامًا، أو حرَّم حلالاً.
ومَن ادَّعى حقًّا غائبًا أو بيِّنةً، فاضرِبْ له أَمَدًا يَنتهي إليه، فإنْ جاء ببينتِهِ أعطيتَهُ حقَّهُ، وإنْ أَعجَزَهُ ذلك استَحْلَلتَ عليه القضيَّةَ، فإنَّ ذلك أبلغَ في العذرِ، وأجلى للعَمَى.
стр. 974
ولا يمنعك من قضاء قضيتَه اليوم فراجَعتَ فيه لرأيك، وهُدِيتَ فيه لرُشدِكَ أن تُراجِعَ الحقَّ، لأنَّ الحقَّ قديم، لا يُبطِلُ الحقَّ شيءٌ، ومراجعةُ الحقِّ خيرٌ من التَّمادي في الباطل.
والمسلمون عُدُول بعضُهم على بعض في الشَّهادات، إلا مجلودًا في حدٍّ، أو مجرَّبًا عليه شهادة الزُّور، أو ظنِّينًا في وَلاَء ... (١)، فإنَّ اللهَ تولَّى من عباده السرائر، وسَتَرَ عليهم الحدودَ إلا بالبيِّنات والأيمان.
والفهمَ الفهمَ فيما أُدلِيَ إليك ممَّا ليس في قرآن أو سُنَّة، ثم قايس الأمورَ عند ذلك، واعرِفِ الأشباهَ والأمثالَ، ثم اعمد إلى أحبِّها إلى الله فيما ترى وأشبهها بالحقِّ.
وإيَّاك والغضب، والقلق، والضَّجر، والتأذِّي بالناس عند الخصومة والنظر، فإنَّ القضاء في مواطن الحقِّ يُوجِبُ اللهُ به الأجرَ، ويحسن به الذِّكر، فمَن خَلُصَت نيَّته في الحقِّ ولو على نفسه، كَفَاه الله ما بينه وبين الناس، ومَن تَزيَّن لهم بما ليس في قلبه شانَه اللهُ، فإنَّ الله لا يقبل من العباد إلا ما كان له خالصًا، وما ظنُّك بثواب غير الله في عاجل رزقه وخزائن رحمته.
ثم قال البيهقي: وقد رواه سعيد بن أبي بُرْدة.
وروى عن أبي المليح الهُذَلي أنه رواه (٢).
وهو كتاب معروف مشهور، لابدَّ للقضاة من معرفته والعمل به.
стр. 975
أثر آخر
(٧٦٣) قال الحافظ أبو بكر ابن أبي عاصم (١): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة (٢)، ثنا علي بن مُسْهِر، عن الشَّيباني، عن الشَّعبي، عن شُريح -يعني: ابن الحارث القاضي-: أنَّ عمرَ بن الخطاب ﵁ كَتَب إليه: إذا جاءك شيءٌ في كتاب الله فاقض به، ولا يغلبنَّك عليه الرِّجال، وإذا جاءك ما ليس في كتاب الله؛ فانظر سُنَّة رسول الله ﷺ فاقض بها، فإن كان أمرًا ليس في كتاب الله، ولا في سُنَّة رسول الله ﷺ ، ولم يتكلَّم فيه قبلَك أحدٌ فاختر أيَّ الأمرين شئتَ، إن شئتَ أن تجتهدَ رأيَك وتُقدِمَ، فتقدَّم، وإن شئتَ أن تتأخَّر فتأخَّر، أَلا وإنَّ التأخُّر خيرٌ لك.
وأخرجه النسائي في «سننه» (٣) بنحوه، عن بُندَار، عن أبي عامر، عن الثوري، عن الشَّيباني، به.
واختاره الحافظ الضياء في كتابه.
стр. 976
أثر آخر
(٧٦٤) قال الحافظ أبو يعلى (١):
ثنا غسَّان بن الرَّبيع، عن حماد بن سَلَمة، عن عطاء بن السَّائب، عن / (ق ٢٩١) محارِب بن دِثَار (٢)، عن عمرَ: أنَّه قال لرجل قاضٍ كان بدمشق: كيف تقضي؟ قال: أقضي بكتاب الله. قال: فإذا لم تجد؟ قال: أقضي بسُنَّة رسول الله ﷺ . قال: فإذا جاءك ما ليس في السُّنَّة؟ قال: أجتهد رأيي، وأُؤامِرُ جلسائي. قال: أحسنتَ. وقال: إذا جلستَ، فقل: اللهمَّ، إنِّي أسألك أن أُفتِيَ بعلم، وأقضي بحُكمٍ، وأسألك العدل في الغضب والرِّضا.
قال: فسار الرَّجلُ غيرَ بعيدٍ، ثم رجع، فقال لعمر: إنِّي رأيتُ كأنَّ الشَّمسَ والقمرَ يقتتلان، ومع كُلِّ واحد منهما جنودٌ من الكواكب. قال: مع أيِّهما كنتَ؟ قال: مع القمر. فقال عمرُ ﵁: يقول الله تعالى: ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ (٣) لا تلي لي عملاً.
هذا أثر منقطع.
стр. 977
أثر في ردِّ شهادة الزُّور
(٧٦٥) قال أبو عبيد (١):
حدثني إسحاق، عن مالك (٢)، عن ربيعة، يَرويه عن عمرَ: أنَّ رجلاً أتاه، فقال: إنَّ شهادةَ الزُّور قد كَثُرَت في أرضهم، فقال: لا يُؤسَر أحدٌ في الإسلام بشهداء السُّوء، فإنَّا لا نقبلُ إلا العُدُولَ.
قال أبو عبيد: لا يُؤسَر: أي: لا يُحبَسُ. وفسَّر مجاهد قوله تعالى: ﴿مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ (٣) بالمحبوس.
أثر آخر
(٧٦٦) قال إسماعيل بن عيَّاش (٤):
عن محمد بن يزيد الرَّحَبي،
стр. 978
ومحمد بن الحجَّاج الخَوْلاني، عن عروة بن رُويم اللَّخمي قال: كَتَب عمرُ بن الخطاب إلى أبي عُبيدة بن الجرَّاح كتابًا، فقرأه على الناس بالجابِيَة (١): أمَّا بعدُ، فإنَّه لم يُقِمْ أمرَ اللهِ في الناس إلا حصيفَ العُقدةِ (٢)، بعيدَ الغِرَّةِ (٣)، ولا يَطَّلع الناسُ منه على عَورة، ولا يحنقُ في الحق على جرأة (٤)، ولا يخافُ في الله لومةَ لائمٍ، والسَّلام عليك.
وكَتَب عمرُ إلى أبي عُبيدة: أمَّا بعدُ، فإنِّي كَتَبتُ إليك بكتابٍ لم آلُكَ ونفسي (٥) فيه خيرًا، الزم خمسَ خلالٍ (٦) يَسلَمُ لك دينُك، وتحظى بأفضلَ حظِّك: إذا حضرك الخصمان فعليك بالبيِّنات العُدُول، والأيمان القاطعة، ثم أدنِ الضعيفَ حتى ينبسطَ لسانُه، ويجترئَ قلبُه، وتعاهدِ الغريبَ، فإنَّه إذا طال مقامُهُ ترك حاجتَه وانصرف إلى أهله، فإذا الذي أبطل حقَّه مَن لم
стр. 979
يرفع به رأسًا، واحرص على الصُّلح مالم يتبيَّن لك القضاءُ، والسَّلام عليك.
أثر آخر
(٧٦٧) قال أبو القاسم البغوي: ثنا عمر بن وَرَّاد، ثنا المسيّب بن شريك، عن الحسن بن حَي قال: سَمِعتُ علي بن بَذِيمة يقول: قال عمرُ بن الخطاب: رُدُّوا الخصومَ، فإنَّ القضاءَ يورثُ الشَّنَآنَ (١).
стр. 980
أثر في النهي عن الرِّشوة للحاكم في الحكم
(٧٦٨) قال أبو بكر ابن أبي الدُّنيا (١):
ثنا أبو كُرَيب، ثنا طَلق بن غنَّام، ثنا محمد بن زياد البَرجُمُي، ثنا أبو حَريز الأزدي قال: كان رجلٌ لا يزال يُهدِي لعمرَ فَخِذَ جزورٍ، إلى أن جاء ذاتَ يومٍ بخصمٍ، فقال: يا أميرَ المؤمنين، اقضِ بيننا قضاءً فَصْلاً، كما يُفصَل الفَخِذُ من سائر الجزور. قال عمرُ ﵁: فما زال يردِّدها عليَّ حتى خفتُ على نفسي، فقَضَى عليه عمر، وكَتَب إلى عمَّاله: إيَّاكم والهدايا؛ فإنها من الرُّشَا.
стр. 981
أثر آخر في كيفية التعديل
(٧٦٩) قال أبو القاسم البغوي (١):
ثنا داود بن رُشيد، ثنا الفضل بن زياد، ثنا شيبان، عن الأعمش، عن خَرَشة بن الحُرِّ قال: شهد رجلٌ عند عمرَ بن الخطاب شهادةً، فقال له: لست أعرفُك، ولا يضرُّك ألا أعرفَك، ائتِ بمَن يعرفُك. فقال رجل من القوم: أنا أعرفُه. فقال: بأيِّ شيء تعرفُه؟
стр. 982
فقال: بالعدالة والفضل! قال: فهو جارك الأدنى الذي تعرف ليلَه ونهارَه ومدخلَه ومخرجَه؟ قال: لا. قال: فمعاملُك بالدِّينار / (ق ٢٩٢) والدِّرهم اللَّذين يُستَدَل بهما على الورع؟ قال: لا. قال: فرفيقُك في السَّفر الذي يُستَدَلُ به على مكارم الأخلاق؟ قال: لا. قال: لست تعرفُه. ثم قال للرَّجل: ائت بمن يَعرفُك.
стр. 983
أثر فيه أنَّ المُتحاكِمَين يذهبان إلى الحاكم بأنفسهما
(٧٧٠) قال أبو القاسم البغوي (١): ثنا علي بن الجَعْد، ثنا شعبة، عن سيَّار قال: سَمِعتُ الشَّعبي قال: كان بين عمرَ وأُبَي ﵄ خصومةٌ، فقال عمرُ: اجعل بيني وبينك رجلاً. فجعلا بينهما زيدًا -يعني: ابن ثابت-. قال: فأتياه، فقال عمرُ: أتيناك لِتَحكُم بيننا، في بيته يُؤتى الحَكَم.
إسناده جيد، وإن كان منقطعًا، وفيه دليل على التحكيم -أيضًا-، والله أعلم.
أثر آخر
(٧٧١) قال معمر، عن محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمرَ قال: كان بين عمرَ بن الخطاب وسعيدِ بن زيد خصومةٌ، فتقاضيا إلى أُبَي بن كعب، فقَضَى على عمرَ باليمين، فقال سعيد: أما إذ صارت إليَّ اليمين، فإنِّي أعفيه منها. فقال عمرُ: ما أريد أن تعفيني منها، إنِّي أحلفُ على حقٍّ، فاستحلفه، فحَلَف، ثم صعد المنبرَ، فقال: أيها الناسُ، إنه ليس باليمين البرَّة الصادقة بأسٌ. قال: ثم حَلَف على ثوبه، ثم قال: والله إنَّ هذا الثَّوبَ لثوبي.
стр. 984
أثر يُذكر في باب اليمين في الدَّعاوى
(٧٧٢) قال الإمام مالك (١): عن ابن شهاب، عن سليمان بن يَسَار. وعن أنس (٢) بن مالك: أنَّ عمرَ بن الخطاب قال للجُهني الذي ادَّعى دم وَليِّهِ على رجل من بني سعد بن ليث، وكان أجرى فرسَه، فوَطِئَ على إصبع الجُهَني، فنَزَى منها (٣)، فمات، فقال عمرُ للَّذين ادُّعي عليهم: أتحلفون بالله خمسينَ يمينًا ما مات منها؟ فأَبَوا، أوتحرَّجوا، فقال للمدَّعين: احلفوا، فأَبَوا، فقَضَى بشطر الدِّية على السَّعديين.
هذا إسناد صحيح، والأثر غريب جدًّا (٤).
стр. 985
حديث يُذكر في الشَّهادات وغيرها
(٧٧٣) قال الإمام أحمد (١): ثنا محمد بن يزيد، ثنا محمد بن إسحاق، ثنا العلاء بن عبد الرحمن، عن رجل من قريش من بني سَهم، عن رجل منهم يقال له: ماجدة. وفي روايته: عن يعقوب بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن إسحاق، عن العلاء، عن رجل، عن ابن ماجدة قال: عَارَمْتُ (٢) غلامًا بمكةَ، فعضَّ أذني، فقطع منها، أو عَضضتُ أذنَه، فقطعتُ منها، فلمَّا قَدِمَ علينا أبو بكرٍ حاجًّا رُفِعنَا إليه، فقال: انطلقوا بهما إلى عمرَ بن الخطاب، فإن كان الجارحُ بلغ أن يُقتَصَّ منه، فليَقتصَّ منه.
قال: فلمَّا انتُهي بنا إلى عمرَ نظر إلينا، فقال: قد بلغ هذا أن يُقتصَّ منه، ادعوا لي حجَّامًا، فلمَّا ذُكر الحجَّامَ قال: أما إنِّي قد سَمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: «قد أعطيتُ خالتي غلامًا، وأنا أرجو أن يُبارِكَ اللهُ لها فيه، وقد نهيتُها أن تجعلَه حجَّامًا (٣)، أو قصَّابًا (٤)، أو صائغًا (٥)».
وهكذا رواه أبو داود في «سننه» (٦)، عن الفضل بن يعقوب، عن عبد الأعلى، عن محمد بن إسحاق، عن العلاء، عن رجل من سَهم، عن ابن ماجدة / (ق ٢٩٣) عن عمرَ، به.
ورواه البخاري في «التاريخ» (٧) من حديث محمد بن إسحاق،