← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 16562

نهاية الوصول في دراية الأصول

الصفي الهندي

Полный текст (3 770 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ رب يسر وأعن الحمد لله محي الأمم بعد فنائها، وجامع الرمم بعد شتاتها، ومسوي العظام بعد تفتتها، ومعيد الأرواح إلى الأشباح بعد مفارقتها، ومجدد العلوم بعد بلائها، وناظم المنثور منها بعد تبددها، ومؤيد الفكر لاستنباط غرائبها ودقائقها، ومتخذ الأذهان في كل زمان لإدراك ما خفي من غوائصها وغوامضها، وموفق الأخلاق لاقتفاء آثار أسلافها في إحيائها ونشرها، ومعطي كل منها فضائلها. فللأولين فضيلة الوضع وتمهيد القواعد، والآخرين مزية التمييز وإلحاق الفوائد وحذف الزوائد، فسبحان من أفاض بركتها على العالمين من بين العالمين، وخص سعادة الدارين السابقين منهم واللاحقين، والصلاة والسلام، على رسله الكرام "المبعوثين" من بين الأنام، إلى الخواص والعوام، بالمعجزات العظام، والآيات الجسام، خصوصا على سيدنا ومولانا محمد الختام، المظلل بالغمام، المبعوث بالحسام، إلى ألد الخصام، والمعاند الطغام. المرسل بالبراهين الساطعة، والآيات والبينات الدامغة، لتلقيح الخواطر العقام. وتوضيح المسالك الصعبة المرام، وعلى آله وأصحابه الهداة الأعلام، القادة إلى سبل السلام. أما بعد: فإن العلم أعلى ما تسمو إليه النفوس الفواضل، وأبهى ما ترنو إليه العقول الأوائل، وأنهى ما تصعد إليه أعناق العزائم، وأشهى

стр. 2

ما تميل" إليه أفئدة الصرائم، إذ كمالها فيه واشتغالها بعد مفارقة أجسادها به حين يحال بينهما وبين الأفهام، ويمنع عنها هواها، فلولا لها ما يشغلها عنها ويذهلها عن دوافعها لكانت معذبة دائما بالالتفات إليها، كالمغرم الفارع الممنوع. وإلى هذا المعنى وقعت الإشارة في التنزيل: ﴿وأنى لهم التناوش من مكان بعيد﴾. ﴿وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل إنهم كانوا في شك مريب﴾. ثم لا يخفى عليك أن العلوم تتفاوت مراتبها وشرفها، بسبب معلوماتها ومسيس الحاجة إليها، واحتياج غيرها من العلوم إليها وخاصة ضدها، ووثاقة براهينها وقواعدها، ففي بعضها قد يوجد كل هذه الجهات كما في العلم الإلهي الباحث عن الوجود المطلق وهو العلم الأعلى والأعم، ولا شك أنه أشرف العلوم وأنفسها، إذ فيه يطالعنا جلال الله وكبرياؤه الذي فيه أنواع السرور والحبور، وليس للعقول عنه تجاوز وعبور، بل تبقى فيه حائرة، وعن كل ما سواه غائبة، وعن غيبتها فائتة، فتكون في مقام فناء الفناء ناطقة بلسان الحال لا بلسان المقال ليس في الوجود سوى الله أو سبحاني ما أعظم شأني أو أنا الحق، ومعرفة الجواهر النورانية كالعقول والنفوس وسائر الممكنات التي لا تنفد عجائبها، ولا تنتهي غرائبها. وقد يوجد في بعضها أكثرها كما في أصول الفقه، أما مسيس الحاجة إليه فلاحتياج الفقه إليه المحتاج

стр. 3

إليه في تحصيل المصالح الدينية والدنيوية. أما/ (٢/ب) الدينية فلأن سعادة الإنسان في الدين منحصرة في الحكمة العلمية والعملية، والحكمة العملية إنما تحصل بامتثال أوامر الله تعالى ومحافظة حدوده والانتهاء عن مناهيه، والعلم المتكفل ببيانها هو الفقه، وقد اندرج تحت ما ذكرنا أقسامها الثلاثة المشهورة، إذ التخلق بالأخلاق المرضية والاجتناب عن الرذيلة وكيفية معاشرة أهل المنزل والمدينة من جملة أوامر الله تعالى وحدوده ونواهيه. وبهذا ظهر أيضا كون الفقه محتاجا إليه في المصالح الدنيوية، إذ لا يتأتى للإنسان أن يستقل وحده بتحصيل مصالحه فيما يتعلق بمعاشه فلابد من المصالحة والمخالطة لتتم المصالح بالتعاون. وهي تحتاج إلى حدود مشروعة وزواجر رادعة، وقوانين مضبوطة كي لا يؤدي الأمر إلى الهرج والمرج وإلى أن من غلب سلب. وأما احتياج غيره من العلوم إليه فلأن الفقه وعلم النظر الذي به يتميز الحق من الباطل والصحيح من الفاسد يحتاجان إليه، وأما وثاقة البراهين واستحكام القواعد فأيضا حاصل فيه إذا أكثر قواعده ثبت بأدلة قاطعة، مثل كون الإجماع، والقياس، وخبر الواحد حجة، وإن الخبر المتواتر يفيد العلم

стр. 4

عن من يجعله نظريا. وأما من يجعله ضروريا فالأمر عنده أظهر، وإن النسخ جائز عقلا وواقع شرعا وغير ذلك من قواعده، فظهر بما ذكرنا أن أكثر جهات الشرف حاصل فيه وما عداه من العلوم غير العلم الإلهي فظاهر أنه ليس كذلك فيكون أشرف العلوم بعده، ولأنه ليس نقليا محضا الذي فيه الخطب يسير، ولا عقليا خالصا الذي فيه الأمر عسير والخطب كثير، بل ازدوج فيه العقل والنقل، واجتمع الصعب والسهل، فلا الحاكم السديد فيه معزول، ولا حكم التقليد فيه مقبول، بل هو بين طرفي التفريط والإفراط. وقد قيل: (خير الأمور الأوساط).

стр. 5

ثم أنه مع شرفه وعلو مرتبته ورفعة مكانته قد أصبح مهجور الجناب، مغلوق الباب، قلما يغشاه أحد من أولى الألباب، لأن الدواعي قد فترت عن اكتسابه، وملت عن اقتنائه وتعطلت المدارس عن تعليمه وتعلمه. فدعاني ما في من الشوق إلى تحصيل الفضائل، والتجنب عن الرذائل، أن أصرف طرفا صالحا من العمر إلى تعلم هذا الفن المهجور واستعادة هذا النوع المغمور. فأقبلت على تحصيل أصوله، وجمع فروعه وشذوذه، وتتبع نصوصه وتفتيش فصوصه، فحصلت منه ما قدره لي منحة، واحتويت على ما يسره لي [منه] عطية لا أدعى أنه لب/ (٣/أ) الألباب، وعجب العجاب، فأكون كالمتصلف صورة، وإن لم أك ذاك حقيقة، بل فوضت فيه الأمر إليك لتعرف عند اطلاعك عليه. فإن المادح سلعته لا يفيد رواجها، ولا يحسنها في عين مبتغيها، ثم إني مع قصر باعي وضيق ضرعي وعزة مساعدي وكثرة عوائقي أردت تصنيف كتاب في هذا الفن مشتملا على المباحث الدقيقة والنكت اللطيفة، والأجوبة الشافية، والأسئلة القادحة، مع مراعاة الإنصاف في مواضع الاختلاف، وتجنب الاعتساف، لا لأني مهدي بالتصنيف المذكور إلى طلبة هذا الفن ما يعز وجوده، ولا يكاد يوجد مثله، بل لأغراض:- أحدها: أن يجد الناظر فيه من زبد المباحث وتفاوت المكاسب مجموعا ما لم يجده في غيره كان متفرقا ومتبددا ليستغنى به عن غيره.

стр. 6

وثانيها: التشبه بالأسلاف الصالحين والراسخين الماضين، وقد قيل: "من تشبه بقوم فهو منهم".

стр. 7

وثالثها: تكثير طرق الخير ونشرها، إذ كلما كثر التأليف كثر طرق تعلمه. ورابعها: تنشيط الطالبين وتكثير سواد المتعلمين، فإن لكل جديد لذة. وخامسها: وهو الغرض الأعظم الدعاء ممن ينتفع به فإن المنتفع به وإن كبر لا يخرج عن كونه منتفعا به، كيف وربما ينتفع فيه الشيء لا يوجد فيه غيره، ولما تأكد إرادتي وتصميم عزمي على ذلك شرعت فيه مستعينا بمبتدي النعم قبل استحقاقها، ودافع النقم بعد وجوبها وتحققها، على جمعه وإتمامه، وإراد ما وعدته على أكمل أحواله فإنه خير مجيب ومعين، اللهم اعصمنا من الزلل والخلل، واحفظنا من الملل والعلل، واحرس دواعينا عن الفتور، وخواطرنا عن العثور، ووفقنا بم وفقت به عبادك المخلصين، ووقفنا مواقف المقربين، فإنك ملاذ المحتاجين وكهف المحتاجين يا رب العالمين. واعلم أن هذا الكتاب الذي نحن بصدده سميناه "بنهاية الوصول في دراية علم الأصول" ليطابق الاسم مسماه والكنية مكناه، ورتبناه على مقدمة وأنواع من الكلام / (٣/ب). أما المقدمة ففيها ثلاثة فصول.

стр. 8

"المقدمة" وفيها ثلاثة فصول

стр. 9

" الفصل الأول" في تعريف أصول الفقه بسيطا ومركبا وبيان موضوعه وعلته غايته

стр. 10

الفصل الأول في تعريف أصول الفقه بسيطا ومركبا وبيان موضوعه وعلة غايته فإن عند الشعور بها تنبعث الخواطر على الطلب، أما بسائطه فثلاثة الأصل، والفقه، وهيئة التركيب التي هي الإضافة، ونقدم تعريف الفقه لأن المضاف يكتسي من المضاف إليه تعريفا. فنقول: الفقه في اللغة: عبارة عن الفهم، قال الله تعالى حكاية عن الكفار ﴿ما نفقه كثيرا مما تقول﴾ أي: لا نفهم، ومنه قول الشاعر: أرسلت فيها قرما ذا إقحام .... طبا فقيها بذوات الإبلام

стр. 11

وصف القرم بالفقه لكونه فاهما، ومنه سمي الشاعر فقيها في الجاهلية لفهمه المعاني الخفية. وأما من فسره بأنه عبارة عن فهم غرض المتكلم. فقد زاد قيدا غير معتبر في مفهومه، يدل عليه ما أنشدناه من الشعر، وقوله تعالى: ﴿ولكن لا تفقهون تسبيحهم﴾ لأنه نفى عنهم فقه تسبيحهم، وتسبيحهم ليس بالكلام على ما هو مذهب المحققين.

стр. 12

وهو الحق الذي لا يسوغ غيره، إذ لو جوزنا ذلك لأدى إلى السفسطة، فلو كان الفقه عبارة عن فهم غرض المتكلم لم يكن في نفي الفقه عنه منقصة ولا تعيير، لأنه غير متصور لعدم بيانه الكلام. وقولهم: فلان يفقه الخير والشر وإن لم يكن ذلك بالكلام، ولأن الفهم أعم من فهم غرض المتكلم، فكان الحاجة إليه أكثر وكان جعل اللفظ حقيقة فيه أولى. ومنهم من قال: إنه عبارة عن الفهم والعلم، فإن أراد به أنه حقيقة فيهما فهو باطل، إذ الاشتراك خلاف الأصل، وإن زعم أنهما مترادفان فهو أيضا: باطل، إذ الفهم غير العلم، لأنه شرطه، والشرط غير المشروط. بل هو عبارة عن جودة الذهن لقبول ما يرد عليه من

стр. 13

المطالب. وأما العلم فستعرفه إن شاء الله تعالى. وأما في الاصطلاح: فهو عبارة عن العلم بجملة من الأحكام الشرعية الثابتة لأفعال المكلفين إذا حصل بالنظر والاستدلال على أعيانها. وإنما فسرنا الفقه بالعلم مع أنه من باب الظنون، لأنه الأحكام معلومة بعد ظن طرائقها. فهو علم بهذا الاعتبار، وظن باعتبار الطريق.

стр. 14

بيانه [أنه] إذا غلب على ظن المجتهد تحقق مناط الوجوب مثلا في صورة، فإنه يقطع بوجوب العلم بمقتضاه، وإن كان كون ذلك الوصف مناطا للوجوب مظنونا، وكونه متحققا في تلك الصورة شرائطه وعدم موانعه كذلك. فالحكم معلوم والظن وقع في طريقه. وأما / (٤/أ) قول من يقول: إن العلم وقع احترازا عن ظن الأحكام، فإنه وإن تجوز بإطلاق اسم الفقه عليه في العرف العامي فليس فقها في العرف العامي فليس فقها في العرف اللغوي والأصولي ممنوع، وهذا لأن الفقه في اللغة، هو الفهم على ما دللنا عليه وساعدنا هذا القائل عليه وهو في المعلوم والمظنون على السواء فوجب أن يكون حقيقة فيهما، وكذلك في العرف الأصولي إذ لا دليل يدل على أن إطلاق اسم الفقه على الأحكام المظنونة بطريق التجوز بالنسبة إلى اصطلاحهم، وما لا دليل عليه وجب أن لا يثبت، فيكف ما دل الدليل عليه نفيه، إذ المجاز خلاف الأصل لاسيما الشائع الذائع الذي يلزم منه تكثيره. وقولهم: الفقه عبارة عن العلم بالأحكام، لا يدل عليه لما ذكرنا أن الأحكام معلومة باعتبار وجوب العمل.

стр. 15

وقولنا: بجملة من الأحكام: احترزنا به من العلم بحكم أو حكمين فإنه لا يسمى فقها في اصطلاح الأصول، بدليل أنه لا يسمي صاحبه فقيها. وقولنا: بجملة من الأحكام خير من قول: القائل: هو العلم بالأحكام، لأن ذلك مشعر بالعموم وهو ليس بشرط، وإلا لوجب أن لا يكون أحد من المجتهدين فقيها، فإن العلم بجميع الأحكام غير حاصل لأحد منهم. واحترزنا: بالشرعية عن الأحكام العقلية والحسية كالتماثل والاختلاف. واحترزنا: بقولنا: الثابتة لأفعال المكلفين: عن الأحكام الشرعية العلمية لكون الإجماع والقياس حجة. واحترزنا: بقولنا: إذا حصل بالنظر والاستدلال: عما يعلم من الأحكام بالضرورة كعلم جبريل والنبي يتلقى الوحي، وعلمنا بوجوب الصلاة والصوم. واحترزنا: بقولنا: على أعيانها عن العلم المستفتي فإنه إذا استدل على أن ما أفتى به المفتي فهو حكم الله في حقه بالطريق المشهور، وهو أن هذا ما أفتى به المفتي وكل ما أفتى به المفتي فهو حكم الله في حقي فيلزم أن يكون هذا حكم في حقي، فإنه وإن كان عالما بجملة من الأحكام الشرعية العملية

стр. 16

التي عرفت بالنظر والاستدلال لكن لا يسمى فقها في اصطلاح الأصول، لأنه غير مستدل على عينه، ولذلك لا يسمى العامي المستفتى فقيها وإن كان عارفا بجملة من الأحكام، وأما إذا لم يستدل عليه أصلا فلا حاجة إلى إخراجه بهذا القيد، لأنه خرج بقيد العلم، فإن ذلك لا يسمى علما بل تقليدا. وأما الأصل فهو في اللغة: ما منه الشيء، لأنه/ (٤/ب)

стр. 17

معنى عام في موارد استعماله، إذ يقال للأب أصل الولد، وللشجر أصل الثمر، وللعنب أصل الخمر. وغير ذلك من صور الاستعمال. فوجب جعله حقيقة فيه دفعا للاشتراك والمجاز. لا يقال: ما ذكرتم، وإن كان معنى عاما في موارد استعماله لكن أيضا: فيها معنى آخر، وهو كون الشيء محتاجا إليه فلم لا يجوز حقيقة فيه؟ لأنا نقول: لو كان حقيقة فيه: لا طرد حيث وجد هذا المعنى لوجوب اطراد الحقيقة على ما سيأتي تقريره إن شاء الله تعالى، لكنه غير مطرد إذ لا يقال للنفقة والكسوة والأواني والبيوت أصول. فإن قلت: لا نسلم وجوب اطراد الحقيقة، وهذا لأن الحقيقة قد لا تطرد كالقارورة فإنها فاعولة عن القرار مع إنها لا تطلق على الخوابي [و] سائر الأواني، وكذا لا يطلق الجواد والفاضل والدليل مطلقا على الله تعالى

стр. 18

وإن كان حقيقة في فاعل الدلالة مع تحقيق معانيها اللغوية فيه تعالى. قلت: نعم لكن المانع. إما شرعي كما في أسامي الله تعالى، فإنه توقيفية وبتقدير كونها قياسية، فإنها يجوز إطلاق مالا يوهم الباطل وهذه الألفاظ ليست كذلك. أو لغوي كما في القارورة فإن أهل اللغة منعوا من استعماله في غير معناها المعروف، أما حيث لا مانع فإنه يجب الاطراد للاستقراء وتمامه سيأتي إن شاء الله تعالى. فإن أحالوا عدم الاطراد فيما نحن فيه إلى المانع كي لا يدل عدم الإطلاق على أنه ليس بحقيقة فيه كان جعل ما ذكرنا من المعنى العام مسمى اللفظ أولى مما ذكروه لعدم التعارض.

стр. 19

وأما هيئة التركيب: التي هي الإضافة فهي تفيد اختصاص معنى المضاف بمعنى المضاف إليه، وإنما جعلنا الاختصاص مدلولها دون الملك، كي لا يلزم الاشتراك أو المجاز، إذ هي مستعملة في الاختصاص أيضا كما في قولهم: "جل الفرس وإذا عرفته بحسب الإفراد، فاعرفه الآن بحسب المجموع. فنقول أصول الفقه: مجموع أدلة الفقه على سبيل الإجمال وكيفية دلالتها على الأحكام وكيفية الحال المستدل بها. فقولنا: مجموع أدلة الفقه: احترزنا به عن النوع الواحد فإنه وإن كان من أصول الفقه لكنه ليس أصول الفقه فإن بعض الشيء لا يكون نفسه.

стр. 20

وقولنا: أدلة الفقه: لا نعني بها ما يفيد القطع، كما هو في عرف طائفة، بل نعني بها ما يفيد القطع أو الظن ليتناول/ (٥/أ) جميع مداركه. واحترزنا بقولنا: على سبيل الإجمال: عن علم الخلاف، فإنه وإن بحث فيه عن أدلة الفقه وعن كيفية دلالتها على الأحكام لكن على سبيل التفصيل. وأما في أصول الفقه فلا يبحث فيه إلا عن كون تلك الأدلة دون وجودها ودلالتها على المسائل الفرعية. وقولنا: وكيفية دلالتها على الأحكام: أردنا به الشرائط التي بها يصح الاستدلال بتلك الأدلة كالاستدلال بعموم اللفظ إنما يصح بشرط عدم المخصص، وبالحقيقة يشترط عدم قرينة صارفة عن مدلولها. وقولنا: وكيفية حال المستدل بها: أردنا به أن الذي يدل به حكم الله تعالى إن كان عالما وجب عليها الاجتهاد ويذكر فيه شرائط الاجتهاد وما به يكمل، وإن كان عاميا وجب عليه الاستفتاء ويذكر فيه شرائطه، وممن يستفتى عند اجتماع المجتهدين.

стр. 21

[موضوع علم أصول الفقه] وأما موضوعه: فاعلم أن موضوع كل علم لا يبحث فيه عن أعراضه الذاتية كأفعال المكلفين للفقه من حيث إنها تجوز أو لا تجوز، أو تجب أو لا تجب، والوجود للعلم الإلهي وبدن الإنسان من حيث إنه يصح ويمرض للطب، والمقدار للهندسة، والمراد من الأعراض الذاتية: هو ما يلحق الشيء لما هو هو أو لمساوي له أو لأعم ذاتي له، فأما ما يلحق الشيء لأعم خارجي أو أخص فهو العرض القريب، فموضوع أصول الفقه هو أحوال الأدلة الموصولة إلى الأحكام الشرعية، من يحث إنها أدلة ومن حيث منطوقها ومفهومها وعمومها وخصوصها ومجملها ومبينها وغيرها من الأحوال العارضة للفظ واختلاف مراتبها وأقسامها وكيفية استثمار الأحكام منها على الوجه كله.

стр. 22

وأما علته الغائبة فهي معرفة الأحكام الشرعية التي بها انتظام المصالح الدينية والدنيوية كما عرفته من قبل.

стр. 23

"الفصل الثاني" في تعريف ما يحتاج إليه أصول الفقه من الألفاظ

стр. 24

الفصل الثاني في تعريف ما يحتاج إليه أصول الفقه من الألفاظ لما عرفنا أصول الفقه بمجموع أدلة الفقه، وكيفية دلالتها على الأحكام وجب علينا تعريف الدليل، والحكم الشرعي وما يتوقف عليه معرفتهما. أما الدليل في اللغة: فيطلق على ناصب الدليل، وعلى ذاكره، وعلى ما فيه الدلالة. ثم قيل: الأول هو الحقيقة، والباقيان مجازات كمخصص فإنه حقيقة في إرادة صاحب الكلام. وقد يطلق بطريق التجوز على نفس الكلام الذي يدل على إرادته وعلى ذاكره ومعتقده / (٥/ب) وأما في اصطلاح الفقهاء: فالدليل: هو ما فيه الدلالة سواء كان النظر فيه موصلا إلى العلم أو الظن.

стр. 25

والمتكلمون: خصصوه ما يوصل إلى العلم، وأما الذي يوصل إلى الظن فخصصوه بالأمارة. وأما عند الفقهاء: فالدليل أعم منها، إذ الدليل قد يفيد العلم. والأمارة لا تفيده. أما النظر في اللغة: فقد جاء لمعاني كالانتظار. وتقليب الحدقة والرؤية، وبهذا المعنى يتعدى بإلى، والرأفة والرحمة، وبهذا المعنى يتعدى باللام، والتأمل والاعتبار وبهذا المعنى يتعدى بفي.

стр. 26

وقد جمع هذه المعاني الثلاثة بعض الخلفاء في قوله: ثلاث أحبهن صديق أنظر إليه ومحتاج أنظر له وكتاب أنظر فيه. وأما في الاصطلاح: فهو عبارة عن ترتيب أمور متصورة أو مصدق بها في الذهن لاستفادة أمر آخر مجهول منها، وهذا على رأي الجماهير القائلين بإمكان اكتساب التصورات.

стр. 27

وأما من يقول بأن التصورات كلها ضرورية فالنظر عنده فيها غير متصور. فنذكر مكان: أمور. تصديقات. ثم أن تلك الأمور إن كانت مطابقة لمتعلقاتها مع صحة التأليف على ما عرف ذلك في علم آخر فهو النظر صحيح وإلا فهو الفاسد. ثم تلك الأمور إن كانت تصديقات معلومة، كان اللازم عنها كذلك، وإن كانت ظنية أو بعضها كان اللازم عنها أيضا ظنيا، إذ الفرع لا يكون أقوى من الأصل. ويعرف مما ذكرنا أن شرط النظر العقل وانتفاء أضداده كالنوم والغفلة. وان لا يكون جاهلا بالمطلوب ولا عالما به من كل الوجوه، ولا من الوجه الذي يطلبه، لئلا يلزم تحصيل الحاصل. وأما العلم والظن: فتعريفهما يستدعى تقسيما جامعا مترددا بين النفي والإثبات. فنقول: العقل إما أن يتردد في ثبوت الشيء ونفيه تردد السواء، أو لا يتردد بل يحكم بأحدهما، أما مع تجويز نقيضه تجويزا سواء، أو تجويزا مرجوحا، أو لا مع تجويز النقيض، والقسمان الأولان هو الشك.

стр. 28

والفرق بينهما فرق ما بين العام والخاص، فإن الأول منهما قد يكون لعدم الدليل على الاحتمالين وقد يكون لدليلين متساويين على الاحتمالين. وأما الثاني فإنه لا يكون إلا لدليلين متساوين وإلا لم يكن ذلك الحكم معتبرا، لأنه حينئذ يكون بالتشهي. فإن قلت: فعند التساوي يكون الحكم بأحدهما أيضا بالتشهي. قلت: عند تعارض المتساويين يتخير المكلف في الحكم بأحدهما/ (٦/أ) على رأى، وليس كذلك عند عدم الدليل. ثم الذي يدل على أن القسم الأول منهما شك- وإن لم يذكره كثير من الأصوليين- أن من توقف عن الحكم بثبوت الشيء ونفيه يقال: إنه شاك في وجوده ونقيضه، ويقال: للسوفسطائية المتوقفين في حقائق الأشياء

стр. 29

الشاكين والأصل في الإطلاق الحقيقة. وأما الثالث فالراجح منه ظن صادق إن طابق وإلا فظن كاذب، والمرجوح منه وهم صادق إن طابق، وإلا فوهم كاذب. وأما الرابع: فإن لم يكن مطابقا فهو الجهل، وإن كان مطابقا ولم يكن

стр. 30

بموجب فهو اعتقاد المقلد، وإن كان بموجب فذلك الموجب إن كان حسا فهو العلم الحاصل من الحواس الخمس، وإن كان وجدانا فهو العلم بالوجدانيات وهذا على رأي من لم يخص العلم بالكليات، وإن كان عقلا فإن كان مجرد تصور طرفي القضية كاف في الجزم بذلك فهو البديهيات، وإلا فهو النظريات. وإن كان مركبا من العقل والحس فإن كان ذلك الحس السمع فهو العلم بالمتواترات أو غيره وهو المجربات والحدسيات. وفرق الإمام بينهما من حيث اللفظ أن التجربة إنما تستعمل فيما فيه لأفعالها مدخل كما في الأدوية والأغذية. وأما الحدس فيما ليس كذلك

стр. 31

كقولهم: لما روى اختلاف نور القمر عند قربه وبعده من الشمس فإنه يحدس عند ذلك بأن نوره مستفاد من الشمس. والصحيح أن بينهما فرقا من حيث المعنى أيضا. وهو أن الحدس إنما يكون فيما فيه سرعة الانتقال من الأقوال المؤثر بسبب الدوران ولا يشترط ذلك في التجربة فإن أكثر استعمالها في الأدوية والأغذية وخواص الأشياء، ومعلوم أن عليتها لا يعلم إلا بتكرر الفعل مرة بعد مرة، ومعنى الحدس في اللغة: ينبئ عن هذا الفرق وقد ظهر لك من هذا التقسيم معنى العلم والظن. ثم اعلم أن الأصوليين اختلفوا في تصور العلم فمنهم من زعم أنه ضروري غني عن التعريف. واستدلوا عليه بوجهين: أحدهما: أن كل واحد يعلم نفسه ضرورة، ويعلم أنه عالم بالضرورة، ومتى كان التصديق ضروريا كان ما يتوقف عليه ذلك التصديق أولى أن يكون ضروريا. وثانيهما: أن غير العلم لا يعلم إلا بالعلم، فلو علم العلم بغيره لزم الدور. وهما ضعيفان.

стр. 32

أما الأول. وهو الذي عول عليه الإمام، وذكره الإمام في كثير من كتبه/ (٦/ب) في أن كل تصور يتوقف عليه التصديق الضروري أولى أن يكون ضروريا. وذكر في بعض مؤلفاته، أن هذا هو الضابط في تمييز التصورات الضرورية عن المكتسبة عند القائلين باكتساب التصورات، وقال: "وأما ما لا يكون تصديقه ضروريا فقد يكون تصوره ضروريا، وقد يكون كسبيا. وما ذكره لا يستقيم لا على رأيه ولا على رأي الجمهور. أما الأول: فلأن شيئا من التصورات غير كسبي عنده بل كلها ضروري فلا حاجة إلى الاستدلال بالتصديق على أن تصور طرفيه ضروري أيضا. وأما الثاني: فلأن التصديق الضروري عندهم مفسر بما يصور طرفيه كاف في الجزم به، ولو كانا كسبيين سواء قيل التصور شطر التصديق أو شرطه فلا يلزم من كون التصديق ضروريا أن يكون تصور

стр. 33

طرفيه ضروريا، نعم لو جعل التصديق عبارة عن الحكم، وعن تصور طرفيه لا عن الحكم فقط، كما هو مذهب جماهير المتقدمين ونعني بالتصديق الضروري ما يكون كل واحد من أجزائه ضروريا، فإنه حينئذ يلزم أن يكون تصور التصديق الضروري ضروريا لكن لا حاجة إلى الاستدلال على ذلك، فإن كون الشيء ضروريا عندنا يفرض [كونه] ضروريا ضروري، ولو فسر التصديق الضروري بما لا ينفك الذهن عنه لا معنى أنه حاصل فيه بالفعل أبدا، لأنه حينئذ يلزم أن لا يكون شيء من التصديقات الضرورية ضروريا ضرورة خلوه عنها جميعا في بعض الأحيان كما في حالة النوم والغفلة، ولا بمعنى أنه لا ينفك عنه بالقوة المطلقة، لأنه حينئذ يلزم أن تكون التصديقات النظرية ضرورية ضرورة أن الذهن لا ينفك عنها بالقوة بل بمعنى أنه لا ينفك عنه بالقوة القريبة من الفعل كما في المغفول عنه والمنسي فإنه متى تذكر خطر بالبال، فحينئذ يلزم أن كل ما يتوقف عليه التصديق الضروري يكون ضروريا، لأن مالا ينفك عن الملزوم لا ينفك عن اللازم لكن يرجع حاصله إلى أن تصورات التصديقات الضرورية ضرورية لكن ربما يتنبه الذهن لها في بعض الأوقات، فإن توجه إليها تمثلت. وأما الثاني: فلأن توقف غير العلم على العلم من حيث إنه إدراك له لا من حيث إنه صفة مميزة له وتوقف العلم على غيره من حيث إنه صفة مميزة له عما سواه، إذا تغاير الجهتان فلا دور. ومنهم من قال: إنه غير ضروري، بل/ (٧/أ) يحتاج إلى التعريف

стр. 34

لكن بطريق القسمة والمثال فقط، وإليه ذهب إمام الحرمين والغزالي رحمهما الله- فإن قالا ذلك بناء على أن التعريف بالقسمة والمثال، مغاير

стр. 35

للتعريف بالحد والرسم فهو باطل، إذ التعريف بالقسمة لابد وأن يفيد إشارة عما عداه وإلا لم يصح التعريف بها، فإن كان ذلك بالذاتيات فهو إما حد تام أو ناقص، وإن كان بالخارجي فقط أو به وبالداخل فهو الرسم الناقص أو التام. وأما التعريف بالمثال فهو تعريف رسمي، لأن مثال الشيء مشابه له من وجه وتلك المشابهة من لوازم ماهيتهما فيكون تعريف الشيء به تعريفا رسميا، وإن قالا: ذلك بناء على أنه يتعذر أو يتعسر أن يذكر له حدا ورسما لتعذر الاطلاع. والوقوف أو تعسره على الذاتي

стр. 36

أو الخارجي. فهو حق لكنه غير مختص بالعلم، فإن ذلك في كل الأشياء، إذ التمييز بين الذاتي والخارجي في غاية العسر لو أمكن. ومنهم من قال: يمكن أن يعرف بالحد والرسم أيضا: وذكروا له حدودا كثيرة لا يكاد يصح واحد منها على ما عرف تزييفها في الكتب القديمة والجديدة، فمن أراد فعليه بمطالعتها. ولكن نذكر منها واحدا هو أقرب ما قيل: العلم عبارة عن صفة بها تميز بين حقائق الأشياء تمييزا لا يتطرق إليه احتمال نقيضة. فالصفة كالجنس له لاشتمالها عليه وعلى غيره. وقولنا: بها تميز: احترزنا: به عن الحياة والقدرة والإرادة وغيرها من الصفات المشروطة بالحياة وغير المشروطة بها. وقولنا: تمييزا لا يتطرق إليه احتمال نقيضه: احترزنا: به عن الظن فإنه وإن ميز به بين حقائق الأشياء لكن بحيث يتطرق إليه احتمال نقيضه، وهذا على رأي من لم يخص العلم بالكليات. فأما من خصه فيجب أن يفيد بالكليات. تنبيه: قد عرفت مما سبق أن الظن: هو الاعتقاد الراجح مع تجويز النقيض ويغايره

стр. 37

اعتقاد الراجح، واعتقاد الرجحان، مغايرة العام والخاص فقد لا يكون معهما اعتقاد آخر، وحينئذ: إما أن يكون علما، وتقليدا، أو جهلا. وإن اعتبرت القدر المشترك بين أن يكون معه اعتقاد آخر أو لا يكون ففيه التقسيم من رأى سوى الشك فإنه لا ينشأ من تقسيم اعتقاد الرجحان، لأنه لما ترجح جانب الوقوع مثلا صار جانب اللاوقع ممتعنا أو مرجوحا فلم يحصل التساوي، وكذلك رجحان الاعتقاد ظنا بشرط أن يكون معه اعتقاد آخر مرجوح لا مطلقا، لأنه لا يستدعى/ (٧/ب) أن يكون معه اعتقاد آخر مرجوح، إذا يصح تقسيمه إلى المانع من النقيض وإلى غير المانع منه فيصح أن يقال رجحان الاعتقاد، أما أن يكون بحيث يمنع من النقيض أو لا يمنع إلى آخر التقسيم. وكلام الإمام يدل على أن رجحان الاعتقاد بإطلاقه هو الظن. وهو غير سديد لما عرفت.

стр. 38

الفصل الثالث في الحكم الشرعي

стр. 39

الفصل الثالث في الحكم الشرعي والحكم في اللغة: قد جاء بمعنى المنع والصرف، يقال: حكمت الرجل عن إرادته إذا صرفته عنه، ومنه سمي الرجل حكيما، لأنه يمنع نفسه عن ما لا ينبغي، ومنه الحديدة التي في اللجام، لأنها تمنع الدابة عن العدو والجموح، وبمعنى الإحكام والإتقان، ومنه الحكيم في صفاته تعالى، وهو فعيل بمعنى مفعل. فيكون الفعل حكما يحتمل أن يكون مأخوذا من الأول، لأنه شرع زاجرا وصارفا عما لا ينبغي من الأفعال. قال الله تعالى: ﴿إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر﴾. ويحتمل أن يكون مأخوذا من الثاني، لأنه يدل على إحكام وإتقان شارعه، حيث خص كل فعل بما ينبغي تخصيصه به. [تعريف الحكم الشرعي في الاصطلاح] واختلفوا فيه في العرف الشرعي. فقال بعضهم: إنه خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين.

стр. 40

وقيل: مكان المكلفين: العباد، وهما غير مانعين، لأن أخبار الشارع "غير" أفعال المكلفين بكونه خالقا لها كقوله تعالى: ﴿والله خلقكم وما تعملون﴾، أو كونها مخلوقة لهم، كما دلت عليه آيات القدر وغير ذلك من أوصاف الفعل، وكقوله ﵇: "صلة الرحم تزيد في العمر"،
следующие страницы →